 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (111): الفقيه وفتنة الولاية

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الحادية عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق19) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

شرعية السلطة

ماجد الغرباوي: ولاية الفقيه مبنى فقهي، يستمد شرعيته من نظرية الإمامة، التي تعتبر الدولة ضرورة دينية، وأن الأمة بحاجة إلى ولي، يرعى تطبيق الشريعة، ويقيم العدل والقسط، ويتولى شؤون المسلمين، وأن الإمامة نص وتعيين من الله، فتكون السلطة مغتصبة، ما لم تكن بإذن الإمام أو من نصّبه وهو الفقيه الجامع للشرائط. ومن واجب الأخير التصدى للسلطة بحكم وظيفته وأولويته، في زمن غيبة الإمام المهدي، ويكون له ما للمعصوم من سلطة وصلاحيات. وهي نظرية فقهية مستحدثة، تم التنظير لها بقوة بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني أحد منظّري ولاية الفقيه سنة 1979م. فيصدق أنها رؤية اجتهادية للتغلّب على مأزق شرعيتها. ومن ثم شرعنة الأنظمة والقوانين التي تقع خارج أحكام الشريعة. أو كل حكم تقتضيه المصلحة العامة أو منصب الولاية ولم يرد فيه نص شرعي. وهو باب واسع يشمل ما يصدر عن الدولة من قوانين إدارية وسياسية، إضافة للتصرف العام بثروات الشعب والبلاد.

ثم توالت البحوث الفقهية استجابة لحاجة النظام الجديد القائم على مبدأ ولاية الفقيه، وكان للشيخ المنتظري خليفة الخميني قبل عزله، قدمُ السبق حيث أصدر كتاب: "دراسات في ولاية الفقيه.. فقه الدولة الإسلامية" بأربعة أجزاء كبيرة. وهو فقه استدلالي. ثم تلته بحوث الفقهاء، وصدرت مجموعة كتب تدور حول ذات الموضوع. ولعل أبرز من كتب في هذا الخصوص باستثناء الإمام الخميني والشيخ المنتظري، هو كاظم الحائري، علي الخامنئي، آزري قمي، محسن الأراكي، جوادي آملي، محمد علي التسخيري، وآخرون، وجميعهم من عيار آية الله، وآية الله العظمى، في إشارة إلى مستوى الفقاهة والعلم الذي يتمتع به المؤلف. وقد حاولوا الاستدلال على ثبوت ولاية الفقيه في جميع ما يرتبط بشؤون الأمة، وفق ما كان لأئمتهم من خلال أدلة عقلية ونقلية، لا تقاوم النقد الموضوعي.

الأدلة.. رؤية نقدية

بدءا، لا يوجد نص قرآني صريح يمنح الفقيه ولاية، فضلا عن ولاية مطلقة، وكل ما هناك تأويلات قابلة للنقض. كما أن الروايات لا تنهض حتى بمجموعها كدليل معتبر على ثبوت الولاية المطلقة للفقيه، وفقا لمباني الفقهاء والأصوليين الشيعة. والرواية المعتمدة عندهم في هذا المجال ليست صحيحة بمصطلح علوم الحديث بل هي مقبولة. ومعنى الرواية المقبولة أنها رواية فيها ضعف، إما سنداً أو متناً أو كلاهما، لكن الفقهاء اتفقوا على قبولها. وكيف لا يقبلونها وهي تكرّس سلطتهم وتمنحهم صلاحيات واسعة؟؟!!!. لذا سعوا لتوثيقها، وتوظيفها دليلا على نصب الفقيه حاكما من قبل الإمام المهدي. تقول "مقبولة" عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق: (ينظر "الشيعيان المتخاصمان" من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما أستخف بحكم الله وعلينا ردَّ، والراد علينا، كالراد على الله وهو على حد الشرّك بالله..).

والرواية على فرض صحتها وقبولها لا تدل على ثبوت أي ولاية للفقيه سوى إحالة المتخاصمين للقضاء، ووجوب الإلتزام بما يحكم به الحاكم الشرعي، ما دام يتصف بالصفات المذكورة في الرواية. لذا جاء التأكيد من أجل احترام القضاء والإلتزام بأحكامه، وتسوية النزاعات بعيدا عن السلطات الظالمة. فمن يؤمن بولاية الفقيه مضطر لا فقط لقبول هذه الروايات، بل الاستدلال على صحتها، لأنه بحاجة ماسة لتحشيد أدلة وشواهد ووقائع لتعضيد رأيه الفقهي.

وقد اضطر بعضهم للتشبث بدليل عقلي لإثبات ولاية الفقيه بعد أن قطع الأمل في وجود دليل لفظي صريح في المقام، (آية أو رواية). فاستدل عقلا على ثبوت الولاية للفقيه كلازم لوجوب تصديه للسلطة والحكم، فيكون التصدي لها واجبا وبكامل صلاحياتها كي يمارس الفقيه سلطته الشرعية. أو لأنه الأولى إذا توفّرت الشروط اللازمة. لكن من قال إن السلطة والحكم ضرورة دينية؟؟ فهذا أول الكلام وبحاجة إلى دليل صريح وهو منتفٍ. فعلى من يدعي ذلك أن يثبت أولا ضرورة السلطة دينيا ثم يستدل بعد ذلك على أولوية تصدي الفقيه لها؟. أليس عدم الاتفاق دليلا على عدم وجود دليل معتبر يوحّد موقفهم الفقهي والشرعي تجاه هذه المسألة؟ ولو كانت الدولة ضرورة دينية فكيف يسمح الإمام الصادق بنصب المحاكم الشرعية الخاصة بمعزل عن السلطة؟ فقد استدل بعضهم على وجوب قيام دولة إسلامية بوجوب تطبيق الاحكام القضائية وفقا للشريعة الإسلامية، وفي هذه المقبولة ما يؤكد إمكانية التقاضي وتسوية الخلافات بعيدا عن الدوائر الحكومية. بل كانوا يقتصون ويعاقبون دون اعتماد على أنفسهم.

العقل يرفض مطلق الولاية والقيمومة لغير القُصّر كالأطفال والأيتام والمجانين والسفهاء، فكيف يحكم بولاية مطلقة للفقيه؟ إن ولاية الفقيه شأن ديني متى ما دل دليل قطعي على ثبوتها وثبوت صلاحياتها. فمن أين يأتون بدليل والقرآن أهمل عصبيّ الحياة: السياسة والاقتصاد، ولم يذكر سوى مبادئ أخلاقية ومفردات محدودة. كما لم يصرّح الرسول لأحد من بعده سوى روايات وأحاديث تفيد التفضيل. بل أن الأطراف المتنازعة على السلطة يوم السقيفة لم يستدلوا على أفضليتهم وأحقيتهم بآية أو رواية صريحة عن الرسول، بما فيهم الإمام علي، الذي احتج عليهم بنفس المبدأ الذي احتج به المهاجرون على الأنصار، أي مبدأ القرابة من الرسول، وقبل ذلك وهو الأهم أن الجميع يشهد أن الرسول لم يستطع كتابة كتاب لهم بسبب لغط الصحابة واختلافهم. إذاً لا يوجد أي دليل صريح على ولاية الفقيه، وبهذا تتضح هشاشة أدلة القائلين بثبوت الولاية المطلقة للفقيه، بل وحتى الولاية غير المطلقة خارج حدود القّصر، وأمور الحسبة، لعدم وجود دليل لفظي صريح.

كما يرفض العقل والمنطق مفهوم الولاية بمعنى القيمومة وحق التصرف بشؤون الناس، لأنه تجاوز صريح على كرامة الإنسان ومصادرة واضحة لحيثيته. ومع عدم وجود دليل شرعي وعقلي فدون إثبات ولاية الفقيه كما يقول صاحب المكاسب: "خَرط القتاد"!، للدلالة على استحالتها. وتبقى ولاية الفقيه مشروعا لاحتكار السلطة، وشرعنة الاستبداد السياسي، وهذا ترفضه قيم السماء والأرض. فيبقى الأصل، عند الشك في الحكم، عدم ثبوت الولاية لأي شخص، إلا ما دل عليه دليل قطعي السند والدلالة، بل ينبغي أن يكون دليلا قرآنيا صريحيا، لأن الولايتين التكوينية والتشريعية أصالة وبالذات لله تعالى. فتبقى ولاية الأمة على نفسها ثابتة، وقد أقرها الصحابة بعد وفاة الرسول، بما فيهم الإمام علي بن أبي طالب. وهو المبدأ المعتمد راهنا من قبل الدول المتحضرة. وبإمكان أصحاب المشاريع السياسية خوض الانتخابات، دون الحاجة إلى توظيف الدين وتزوير الوعي، وارتهان إرادة الأمة لرأي الفقيه.

إن الرأي الفقهي يخوّل الولي حق التصرّف، والحد من حرية الفرد، وفقا لمبانيه عن الحلال والحرام، ومعنى الطاعة والولاية، فهي صيغ تكرّس الاستبداد بعناوين دينية، لا تصمد أمام النقد الموضوعي، والمرجعيات القرآنية، التي تحمّل الفرد وزر عمله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، فلا تكون طاعته للفقيه وفقا لهذه الآية، منجزة ومعذرة. فهو عندما يفرض عليك طاعة الولي، لايتعهد بتحمل مسؤوليته عنك، بل تبقى مسؤولا عن نفسك، (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

ثم كيف نفسّر عدم وجود نصوص عن أئمة أهل البيت تشرّع الولاية للفقيه، فضلا عن عدم وجود آيات أو روايات عن النبي الكريم؟ هل أهملوا موضوعها وهي بهذه الدرجة من الخطورة؟ وهذا غير ممكن لا أقل بالنسبة للرسول والأئمة من بعده، وفقا للعقيدة الشيعية، وشعورهم بالمسؤولية تجاه الأحكام الشرعية. أو أن المسألة غير مطروحة أساسا فتكون منتفية بانتفاء موضوعها. وبالتالي فهي مسألة مستحدثة، يُنظّر لها وفقا لحاجات الفقيه وتطلعاته السياسية. لهذا لا يتناولها الفقهاء في أبحاثهم الفقهية إلا بشكل محدود كما تقدم. وبالتالي فالدين الحنيف لم يشرّع أية ولاية للفقيه، وإلا لكانت النصوص تترى نظرا لخطورة هذا المنصب.

الولاية ودليل السلطة

قد يعتبر بعضهم ممارسة السلطة من قبل الرسول دليلا كافيا على شرعية الولاية المطلقة للفقيه، وهذه مغالطة، فلا مقايسة بينهما. سلطة الرسول سلطة إلهية، نص القرآن على وجوب طاعته، وهناك آيات يستدلون بها على صحة ولايته مطلقا، رغم تحفظنا على بعض الآراء في هذا الخصوص. ولا دليل على شرعية ولاية الفقيه مطلقا. هذه السعة من الصلاحيات المزعومة تحتاج لدليل صريح واضح وبيّن على شرعيتها. لا ولاية لشخص على آخر سوى الخالق لأصالة ولايته، وقد جعلها للرسول لضرورة النبوة ونشر الرسالة التي اضطرت في زمن النبي محمد إلى خوض معارك مع المشركين والكفار، فنقف عند حدودها، ولا يجوز جعلها لغيره إلا بدليل صريح بخصوصه. وتبقى ولاية الأمة على نفسها ثابتة. وإثبات الولاية بمعنى حق التصرّف لا يوجد ما يدل عليه صراحة إلا بعض التأويلات، وقد مرَّ بيانها، والموقف العلمي منها.

وإذا قيل: إن ملاك جعل الولاية المطلقة للرسول هي السلطة وليس النبوة، فتكون مجعولة للفقيه عند ممارسته لها تلقائيا عندما يكون كفوءا، وقد توفرت فيه الشروط اللازمة. نقول: لا نستطيع الجزم بأن السلطة كانت وراء جعل الولاية، بمعنى حق التصرّف بالأموال والأنفس للرسول، فربما هناك إضافة لممارسة السلطة خصائص ذاتية أو ضرورات آنية هي الملاك الحقيقي لجعلها، وإلا لو كانت السلطة تمام الملاك في جعلها مطلقة للرسول، لجعلها قاعدة، ولم يقيّد ولاية المؤمنين، كما جاء في الآية الكريمة، ولم يطالبهم بالعودة لله وللرسول عند التنازع، كي يستفيد الفقيه من إطلاقها لاثبات ولايته المطلقة. ومادام هذا الاحتمال قائما لا نرفع اليد عن الأصل وهو عدم وجود ولاية لأي شخص على الآخرين ما لم يدل الدليل القطعي سندا ودلالة. أي دليل قرآني بخصوصه، لأن الولاية بهذه الصلاحيات جعل إلهي، ومصدر معرفة أحكام الله هو القرآن الكريم، الذي فيه تبيان كل شيء. أو رواية صحيحة متنا وسندا تورث العلم واليقين، تريد بيان حكم شرعي بخصوصها. وكلاهما مفقود، والمسألة مستحدثة لا يدل عليها أي دليل سوى رغبة في شرعنة السلطة، كي يمارس الفقيه باسم الدين أوسع السلطات، ويقمع بشرعية ولايته كل معارض لسياسته (الراد عليهم كالراد على الله)!!!!. بل أجد في الآية ما ينفي إطلاق الولاية للفقيه، فهي حينما جعلتها للمؤمنين فرضت قيودا، ودلالة القيد واضحة في عدم إطلاقها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). إلا إذا قصدوا بالولاية غير التصرّف بالأموال والأنفس، لكنني سمعت رد الإمام الخميني على رئيس الجمهورية وإمام جمعة طهران آنذاك، السيد علي خامنئي الذي كان يعتقد بأن الولاية: تنسيق بين السلطات الثلاثة، كما نص عليه الدستور الإيراني في طبعته الأولى قبل تعديله بعد وفاة الإمام، وكان يتحدث حول الموضوع في صلاة الجمعة، وفي عصر ذلك اليوم رد الخميني عبر وسائل الإعلام بأن "للولي الفقيه ما للإمام والرسول من ولاية وسلطة"، فتكون مطلقة ومقدّسة لأنها مجعولة من قبل الله تعالى، يقتصر فيها موقف المؤمنين على الطاعة والانقياد، مع حرمة التمرّد والاعتراض. كما سمعت آية الله الشيخ جوادي آملي خطيبا، وهو من كبار علماء إيران، يقول "ولاية الفقيه هي قيمومة، كقيمومة الأب على أبنائه، بما في ذلك القرار السياسي، وما على الشعب سوى الطاعة والانقياد". كما قرأت لافتة لآية الله علي أكبر مشكيني، وهو شخصية لها مقامها العلمي: "ان السلطات والحقوق التي يمتلكها المرشد (خامنئي) هي ذاتها التي كانت للنبي. فبإمكانه أن يفعل ما يشاء بثروة الأمة، بل والثروات التي يمتلكها الأفراد أيضا". وهؤلاء فقهاء الثورة الإيرانية. فنفهم من تصريحاتهم أن القيمومة على الأموال والأنفس، والصلاحيات الواسعة، هي حقيقة الولاية التي هي من لوازم السلطة، سواء كان الولي نبياً أم إماماً أم فقيهاً. وليست الولاية مجرد تدبير أمور المسلمين وإدارة شؤونهم بما تقتضيه مصالحهم، بل هي أوسع وأكبر. والفارق في الحالة الأولى بإمكان الشعب الاعتراض على قرار الولي إذا لم يكن مطابقا للمصلحة العامة، أما في الحالة الثانية فيحرم الاعتراض والتمرّد، لأن الولاية جعل إلهي فتكون مقدسة، يقتصر دور الشعب والأمة على الانقياد. وهو ذات الفارق بين الحكومة الثيوقراطية التي تستمد شرعيتها من الآلهة، والحكومة الديمقراطية التي تستمد شرعيتها من الشعب والانتخابات. لذا لا شرعية للانتخابات في ايران، ما لم تمض من قبل الولي الفقيه، وبإمكانه دستوريا رفض نتائجها، وتعطيل بعض الواجبات الشرعية، كما عطل الإمام الخميني الحج 3 سنوات، بحكم ولايته. وهو فوق القانون والدستور. بعد تعديله، حيث أصبحت ولاية الفقيه "المطلقة"، بعد أن كانت مجردة في طبعته الأولى، ولم يكن بإمكانه ذلك.

الولاية رؤية أخرى

إن امتناع الولاية بمعنى التصرّف بالأموال والأنفس، مبررة عقلا إضافة لامتناعها قرآنا، كما مرَّ تفصيلا. ولو ثبتت للرسول، لا تسري لغيره، فتكون ولاية مرحلية مسددة بالوحي، تنتهي بوفاته بعد انقطاعه. فيصدق أنها ولاية إلهية أكثر منها بشرية. وقد تطرقنا لها استطرادا، باعتبارها واقعا سياسيا في إيران، تسعى الحركات الإسلامية الثورية لاستنساخ تجربتها. ومادامت واقعاً، فمن الطبيعي يدور الجدل حول شرعيتها، سيما مع ندرة القائلين بولاية الفقيه من الفقهاء الشيعة. أما الغالبية المطلقة، فمع غصبية السلطة السياسية في زمن غياب الإمام المهدي، وأن (كل راية قبل المهدي فهي راية ضلال). وتقدم أن ثبوت ولاية الفقيه تتوقف على مقدمات، لايمكن ثبوتها.

وأما المبرر العقلي، فإن ثبوت الولاية للفقيه جدلا لا تخرجه عن كونه بشرا، يتأثر بقبلياته، ويسقط فهمه للدين ورؤيته الكونية ونوازعه الأيديولوجية على قرارات الدولة. ويتخذ موقفا من الآخر المختلف طبقا لما تملي عليه عقيدته، فيندثر التسامح الحقيقي، وتتلاشى المواطنة كمبدأ أساس للعدالة الاجتماعية، ومع انتفائها يقع الظلم والعدوان على أبناء الوطن الواحد، بمختلف الدواعي الدينية وغيرها. وبهذا يتضح أن اتصاف الولي الفقيه بالفقاهة والعدالة والتقوى، التي هي شروط الولاية المجمع عليها، لا تحرر عقل الولي من قبلياته، لأنها تنتمي لبنيته المعرفية، التي ترتكز لمقولات، شديدة التأثير، ترسّبت لا شعوريا في مرحلة التلقي الأولى، ولها أسبقيتها في تأثيث فضائه المعرفي، حداً تخرج عن دائرة الوعي، وتبقى تواصل سلطتها، وفرض محدداتها بفعل الخطابات الأيديولوجية وطقسنة الشعائر. وعندما ترتهن الحقيقة لقناعاته وقبلياته، تنعكس على الواقع، والعلاقات العامة للدولة. ويخسر القرار السياسي والتشريعي حريته، ويصدق أنها دكتاتورية الولي الفقيه. والأخطر سلب الشعب حريته التي هي رهان وجوده، وأساس استقلاليته، على أساسها يتحمل مسؤولياته، وحينما يستلب، يصدق عنه الحساب باعتباره مسيرا لإرادة دينية وليس مختارا، مسؤولا عن خياراته، كما هو المفترض. غير أن المشكلة في أسلمة العبودية، وجعل الطاعة والانقياد ميزانا لقبول الأعمال، في الآخرة. وهذا أشد وطأة وقسوة من الاستبداد، مادام باسم الدين، ويكتسب قدسيته من تأويلات خضعت لموجهات طائفية وأيديولوجية. بل وتلاعب مفضوح بنظام القيم، وسقف الحريات البشرية. بهذا يتضح نحن أمام مفهوم خطير. الشعوب ليست قاصرة كي ينفرد الفقيه بالولاية مهما بلغ من العلم والتقوى، والأمة ليست جاهلة كم يتصور رجل الدين، والأوطان زاخرة بالكفاءات العلمية والإنسانية، ورقي الدولة لم يتوقف يوما على وجود ولي فقيه أو رجل دين. بل أن إقحام الدين يساهم في تزوير الوعي، وضياع الحقوق، وهدر الكرامة الإنسانية.

ليس لنظام ولاية الفقيه مثالا تاريخيا لكن يمكن الارتكاز لمبادئ السياسة والحكم التي أسس لها الإمام علي، ويتجاهلها الفقهاء عمدا.

يأتي الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (13)

This comment was minimized by the moderator on the site

لا مجال امامي لمناقشة موضوع الولاية في الشرع او الفقه. فهو خارج اختصاصي.
لكن الاستاذ الغرباوي قدم وجهة نظر محترمة.
و اشار للجانب الثوري في الاسلام و ضرورة عزل التخصيصات او المحددات. الانسان في التفكير و الله في التدبير.
و هذا لا يعني الجبر و الالزام و انما الحرية المسؤولة.
فالقيادة شيء و الخلق من العدم شيء اخر.
و كتابة التاريخ شيء منفصل عن اللوح المحفوظ.
و على ما الاحظ كانت روح الاسلام مع التجديد و الاجتهاد و ليس مع التكرار و الدخول في شرنقة الذات.
فالرسول اناط بأسامة بن زيد مهمة القيادة. بتعبير اخر وااه قيادة الجيش.
مع ان الوحي اختاره للمهوض بالتبشير و هو بعمر ٤٠ عاما، السن اللازم للحكمة و النضج العقلي.
و هذا دليل اخر أن الحيثيات تبرر القرارات.
ان فهمنا الخاطئ للعديد من الامور هو الذي يستوجب مثل هذا الحوار و الذي تحول الى مكاشفة و مصارحة ايضا.
ان تلثورات و الاحداث الجسيمة غالبا يكون لها رموز. و ان لم نفهم الجانب الرمزي لما فهمنا النتائج و الأسباب.
و هذا يصدق على الأمام الخميني مثلا.
فهو رمز للثورة الاسلامية و هو ابوها الروحي. لكنه ليس صنما او وثنا.
و استمد اهميته من احتياجات شعبه للثورة و ليس من ذاته نفسها و حسب.
و قس على ذلك.
و يبقى سؤال لا تغمض بسببه عيني: لماذا استطاعت اليابان و المانيا و أمريكا ان تنهض من رماد الحروب و تتحول لقوة مرهوبة يدعمها اقتصاد مؤثر، بينما نحن نغازل شعاراتنا البراقة و الوعود المغدور بها.
الصمت في هذه الحال مثل قنبلة موقوتة و الرأي على المكشوف باب للحوار و التفاهم.
و شكرا

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لتفاعلك الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق. الحوار مفتوح حتى لغير المتخصص، فهو مكتوب بلغة تسمح بمناقشة افكاره، ونقده. وما تفضلت به اضافة جدية. خالص احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

الصمت سكين على أنفسنا والكلام سكين على رقابنا.. تحياتي لكم أستاذنا

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضور الاستاذة الصحفية رنا خالد، كلامك مفعم بالأسى، انها حقيقة مرة، تسود مجتمعاتنا التي اتصفت بكثرة خطوطها الحمراء، وقسوتها مع من يتجاوزها، فلا مجال للحرية. اجدد احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

دخل الخميني في الجانب الروحي للثورة الاسلامية و اصبح رمزا اجتماعيا لهذا الاتجاه، انه مثل عراب الثورة و ابوها الروحي، اما التشريعات و التفاصيل و الحيثيات فهي شيء اخر،
و لذلك كان من يريد للثورة السقوط يركز على تعريته من صورته ،
و باعاقادي تعرض الرسول نفسه لهذه التعرية و توجد دراسات كثيرة ركزت على الجانب الواقعي و حتى الجنسي من سيرته، و برايي كل هذا لا يهم، فالتنويم الذي له اثر وجداني عند المسلمين شيء لا يمكن ان يحتكم للمنطق و انما للوعي الباطن،
و هنا خطورة اللعبة،
ان ننظر لهذه الرموز كقوة تعمل من خلف النص،
و ان نركز على التشريعات و تفكيكها و تنويرها ضمن النص،
و يوجد كثيرون تصدوا للمسألة و لا تحيط بهم هالة القداسة،
التنوير فن الممكن و ليس فن التعجيز و اثارة الغرائز النائمة و شكرا،

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية شكر وتقدير على هذا الحسم الواضح واليليغ في مسألة شغلت المسلمين عصورا حيث ما عادت تحتاج إلى بيان ودليل ولكن ليت القوم يفقهون حيث تقول ـ بل أن الأطراف المتنازعة على السلطة يوم السقيفة لم يستدلوا على أفضليتهم وأحقيتهم بآية أو رواية صريحة عن الرسول، بما فيهم الإمام علي، الذي احتج عليهم بنفس المبدأ الذي احتج به المهاجرون على الأنصار، أي مبدأ القرابة من الرسول، وقبل ذلك وهو الأهم أن الجميع يشهد أن الرسول لم يستطع كتابة كتاب لهم بسبب لغط الصحابة واختلافهم. إذاً لا يوجد أي دليل صريح على ولاية الفقيه، وبهذا تتضح هشاشة أدلة القائلين بثبوت الولاية المطلقة للفقيه، بل وحتى الولاية غير المطلقة خارج حدود القّصر، وأمور الحسبة، لعدم وجود دليل لفظي صريح.

This comment was minimized by the moderator on the site

لم يعد هناك فسحة للرقي الحضاري، ما لم نتجاوز مخلفات الماضي، ونقول الحقيقة صراحة بلا مواربة. شكرا لضحورك وتفاعلك الاخ الاديب القدير سوف عبيد.

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الدكتور ماجد الغرباوي المحترم تحية طيبة .
نحن ممتنون جدا لما تقدمه من طروحات قيمة واعية حول مفهوم الامامة والولاية بشكل علمي وتفصيلي وعقلاني بالنص القرأني والحديث النبوي الشريف فنحييك مجددا على هذا المجهود استاذي الفاضل .
لقد وضحت حضرتك في مقالاة سابقة معنى النبوة ومعنى الخلافة والامامة واشبعتها تشريحا و تفصيلا .اما موضوع ولاية الفقيه التي تطرقت لها في مقالك هذا وهو الاهم في حاضرنا هذا بعد دخولنا في القرن الواحد والعشرين وهو قرن الديمقراطية والحرية وقوانين حقوق الانسان وحرية التعبير عن الراي واحترام الراي الاخر وتقارب الحضارات وتقارب الاديان والمذاهب،،،ثم تدخل علينا مفاهيم العبودية من جديد عن طريق استعبادي جديد يسمى الفقيه ولاندري كيف سمحوا لانفسهم ان يكونوا قوامين على العباد بوجود نصوص قرانية واضحة لالبس فيها بان الانسان حرا امام ربه وخصوصا الشيعة التي تعتبر لاسلطة ولاخلافة ولاامامة دون وجود المعصوم .والظاهر انتفت الحاجة لوجود هذا المعصوم وهذا مانراه اليوم يتجلى في النظام الايراني الذي شرع لنفسه سلطة دينية وسلطة سياسية دون وجود نص قرأني يثبت ذلك . وخير دليل على ذلك رغم الادلة الكثيرة هو النبي ص لم يترك بعده حكومة دينية مشابهة للحكومات اليهودية القديمة التي كان يقودها الكهنة والاحبار او مشابهة للحكومات المسيحية التي كان يقودها القياصرة،، وحيث لم يقر ازدواج السلطتين الزمنية والدينية ولم يؤسس سلطة دينية كالكنيسة عند المسيحيين
وانما ترك المسلمين في حالة الطبيعة احرارا متساوين دعاهم الى العدل وحثهم على عمل الخير وعلمهم ممارسة الشورى والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يعين خليفة من بعده. ودليل اخر هو عندما طلب العباس بن عبد المطلب من الامام علي ان يسأل الرسول وهو على فراش الموت من هو الخليفة من بعده ورد الامام وقال والله لئن سألناها رسول الله فمنحناها لا يعطيناها الناس أبدا، والله لا أسألها رسول الله أبدا.ولما اعادها العباس على الامام مرة ثانية ومد يده للمبايعة ومعه ابو سفيان والحادثة معروفة لاحاجة لسردها هنا فرفض الاستجابة لهما وهذا دليل على عدم شعور الامام بالنص عليه من الله كخليفة للرسول ص . فمن اين جاءت ايران كحكومة شيعية ،،،،،شرعية الولاية الدينية والسياسية اذا كان هذا هو المذهب الشيعي منذ وجود رسول الله وحتى في زمن ال بيته فلا الحسن تمسك بالسلطة وهو الذي بايع معاوية ولا الحسين فعل ذلك ولم يشر لمن بعده حق بالامامة ولا حتى ابناء الحسين اشاروا لذلك فالى اين تسير ايران والى اي حد . حتى تجاوزوا كتاب الله وسنة رسوله .
واود هنا اسأل الدكتور الفاضل الغرباوي بحكم علاقته بالايرانيين حيث عاش فترة ليست بقصيرة بينهم ،، كيف ارتضى الشعب الايراني جبروت وطغيان هؤلاء الحكام وهل هم مقتنعون بولاية الفقيه ام رافضين لها بعدما عاشوا فترة الانفتاح في زمن ماقبل الثورة .
ودمتم بامان الله وحفظه.

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للاخ الاستاذ ابا سجاد حضوره وقراءته الحوار. ما تفضلت به صحيح، يحتاج لانسان واعٍ يدركه، فمشكلة الاساسية مع الوعي دائما. اجدد احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية احترام وامتنان للاستاذ الغرباوي : اعتقد انه حان الوقت للمسلمين ان يرفضوا معاملتهم كأطفال سذج غير قادرين على التمييز ، وان يطالبوا بإلغاء منصب ( ولي أمر المسلمين ) أو ما يعادله . هذا المنصب او اللقب يُذكرني بتلك العبارة المكتوبة على شهاداتنا المدرسية عندما كنا صغارا وهي ( ولي أمر التلميذ ) فلا ولاية الا على الصغار ولا احد يمكنه او من حقه التحدث بأسم الكبار والتفكير نيابة عنهم بدون اعتبار لآرائهم وقناعاتهم . ولو أجري استبيان شعبي نزيه في ايران حول رأي الناس في ما يخص بعض السياسات والمواقف التي يصر الولي الفقيه على التمسك بها لكانت النتائج في اغلبها رافضة لها وغير مقتنعة بجدواها لان ضرر تلك المواقف كبير على حياة الناس من مختلف النواحي ويمتد حتى الى الاجيال اللاحقة . شكرا جزيلا استاذ ماجد .

This comment was minimized by the moderator on the site

اعتزازي بحضورك الاخ الجدير طارق الربيعي، لكن للاسف دجنوا الناس واقنعوهم بمظاهر العبودية بغشاء ديني رقيق، لكن .. لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. شكرا لتفاعلك وتعليق عسانا نضيء شمعة في اخر النفق، ويبقى المعول على المؤسسات التربيوية والتعليمية والاعلام.

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الكريم الغرباوي المحترم ...... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محاورة تستحق القراءة بامعان ودراية لما للشيعة من تاريخ عريق يستحق منا ان نوجه الضوء على هذا التاريخ العريق لتشذيبه من الافكار والنظريات والاجتهادات التي اساءت اليه ... فشكرا لهذا الجهد المبذول .

This comment was minimized by the moderator on the site

احترامي للاخ الاستاذ ابا اثير، وشكرا لحسن ظنك وثقتك، سعيد بتفاعلك وقراءتك الحوار. لك خالص الاحترام

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4583 المصادف: 2019-03-24 01:56:20