 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (115): أدلة نفي العصمة

majed algharbaw10مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق23) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

العصمة الأسطورية

ماجد الغرباوي: مَن قال بعصمة الأنبياء مطلقا، أو الأنبياء والأئمة على الرأي الشيعي، ذكر أدلة عقلية وتشبث بأخرى نقلية، لاثبات عصمتهم، سواء من قال بالعصمة الذاتية، وأن المعصوم خُلق معصوما لا يصدر منه ذنب ولا خطأ ولا سهو ولا نسيان. أو من اعتبرها منّة وجعلا من قبل الله تعالى.

 ونحن بدلا من مناقشة أدلة جدلية وتأويلات طويلة عريضة، سنناقش أولا إمكانية العصمة بذاتها، فهل العصمة بذاتها ممكنة للإنسان أم لا؟ فإذا ثبت عدم إمكانها وعدم وجود جعل شرعي صريح من الله عزوجل فيها، فلا جدوى من التطرق لأدلتهم لوجود طولية بين القضيتين. فمصداقية العصمة مشروطة بإمكانيتها ذاتيا، فتنتفي بانتفاء الشرط، وستنهار تلقائيا، ما لم يتداركها دليل قرآني صريح في جعلها.

ونؤكد لسنا بصدد مناقشة العصمة في التبليغ، لأنها مرتهنة لمعنى الوحي، كما تقدم، ولسنا بصدد الاستدلال على بطلان العصمة السلوكية، لأنها مرتبطة بالتقوى، فهي ممكنة بحد ذاتها، ومتاحة لكل مؤمن يجاهد نفسه طمعا في السمو والقرب من الله تعالى، فيتصف بالورع والتقوى. بل نريد مقاربة المفهوم بمعناه الأسطوري الذي يتمسك به الشيعة بالنسبة لأئمتهم. حيث حصل انزياح في معناها، وصارت تشير لإنسان مفارق للطبيعة البشرية. فهي صورة مضخّمة، هجرت أو تكاد المعنى الموضوع لها، والمستخدمة فيه، أي خصوص العصمة في تبليغ الوحي، وباتت تشير لدلالات أسطورية، غير واقعية. فهل هي صيغة ممكنة أم لا؟

كما لا يخفى أن العقل حينما يحكم بضرورة العصمة في التبليغ، لا تشمل غير النبي، لاختصاصه بالوحي، غير أن العقل الشيعي اقتضى عصمتهم مثلهم مثل الرسولَ (لاَنّ الاَئمة حفظة الشرع، والقوّامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلافرق)، كما ذكر الشيخ المظفر أحد علمائهم. والسؤال هل حِفظ الشرع والقيمومة عليه تقتضي عصمتهم؟ وهل يحكم العقل بضرورة ذلك؟ وهل يشمل كل من يقوم مقامهم كالفقهاء مثلا؟.

إن اتساع رقعة العصمة مفهوما ومصداقا حتى شملت الصحابة وأئمة أهل البيت تسببت في تفاقم الكذب على الله ورسوله، حيث غدت الرموز الدينية منصة لشرعنة كل رواية تنسب لهم. مما شكل خطرا على مصداقية الدين. فالروايات الموضوعة تتستر بنسبتها للمعصوم، وتضع الفقيه في أسر القداسة، والانقياد للنص ودلالالته. وعندما نعيد النظر في مفهوم العصمة وضروراتها سنقطع الطريق أمام جميع الروايات الموضوعة. ونسمح للفقيه بنقدها ومحاكمتها، كأي نص، قد يتفق أو يختلف معه. بينما يختزل الإيمان بالعصمة دوره في دائرة الاستنباط، ويكرّس التبعية والانقياد، فيكون أسيرا لسلطة النص ومحدداته، مهما جانب الحقيقة.

وفيما يلي أدلة نفي العصمة الأسطورية، التي تجرّد المعصوم خصائصه البشرية، وتضعه في تناقض مع نص آية: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ). حيث مرَّ أن العصمة في حدها الأدني تعني التقوى والورع والاستقامة، وفي حدها الأقصي مفهوم أسطورة، يجسد كل معاني الغلو.

أدلة نفي العصمة الأسطورية

أولا: الامتناع الذاتي

بدءا نقرر قاعدة عقلية عامة، نرتكز لها في تحديد الموقف العقلي من القضايا المخالفة لسنن الكون والطبيعة البشرية، ومنها العصمة، ومفردات الغلو عامة، التي ترتفع بالفرد بمصاف الخالقية، باعتبارها أمرا يخالف طبيعة الإنسان الذي جُبل على الخطأ والنسيان، بل والمعصية، حتى قال عنه تعالى: (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ)، وسيأتي تفصيل ذلك:

(الممتنع عقلا، لا يُحتمل وقوعه خارجا، سواء كان الامتناع ذاتيا، كشريك الباري. أو لعدم تحقق شرطه كاقتراب النار من الورقة شرط لاحتراقها. أو لطبيعة الشيء وتكوينه، كامتناع صدور المعجزات والخوارق الكونية على يد الإنسان حسب طبعه وتكوينه. وما أكد القرآن وقوعه، يُقتصر فيه على مورده). وهذا تعبير آخر عن قاعدة: (ممتنع الوجود ذاتا لا يمكن وجوده خارجا)، حتى مع امكانية تصوره في الذهن، فليس كل ما يمكن تصوره في الذهن يمكن وقوعه خارجا، لتوقف الوجود الخارجي على شروطه الموضوعية. 

 فكل خارق للعادة، مخالف لسنن الكون والطبيعة البشرية (كالعصمة مثالا)، يمتنع وقوعه خارجا، امتناعا ذاتيا. وهذا حكم عقلي عام لا يقبل الاستثناء. وما أكد القرآن وقوعه رغم امتناعه ذاتا، كمعاجز الأنبياء، ليس بالضرورة استثناء من حكم العقل، لأن أحكامه لا تقبل الاستثناء، فتأكيد وقوعها قرآنيا يكشف عن وجود قوانين وأسباب أخرى مجهولة لنا، لذا لا يجوز تعميمها واتخاذها قاعدة يُستدل بها أو يقاس عليها. وأيضا لا يمكن تصديقها في غير موردها إطلاقا ما دامت مجهولة الأسباب إلا بنص قرآني صريح بخصوصها أيضا، لأنها إحدى شؤونه، باعتباره تبيانا لكل شي، لكن رغم ذلك لا تورث إخباراته العلم واليقين ما لم تكن نصاً في موردها. ولا يكفي الظهور، ما لم تكن صريحة تامة الدلالة، غير مجملة. وما عدا الآيات (كخبر الواحد والشهرة) يبقى ظنا، والظن لا يغني من الحق شيئا. وتصديق الخوارق، كالعصمة ومعاجز الأنبياء يحتاج الى علم وجزم نرفع به اليد عن القاعدة العقلية في موردها، لأسباب نجهلها، لا لأنها استثناء منها. كما أنها قضايا خارقة لا يمكن تصديقها لولا إخبار القرآن بها. كجزء من شؤونه، وما يريده قاله في كتابه ولا مصدر آخر له، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)، أي تبيان لك ما يخصه من موضوعات، وعصمة الأنبياء إحدى موضوعاته بلا ريب لكنه لم يتحدث عنها صراحة. وأما المعاجز كانقلاب العصا حية فهو مستحيل بذاته، وما أكد وقوعه نقتصر فيه على مورده، عصا النبي موسى، ولا نتعدى لغيرها إلا بنص صريح بخصوصه، لشموله باطلاقات أحكام العقل كما تقدم. وكلامنا ليس عن الإمكان الفلسفي (أي ما يقابل الوجوب والامتناع)، وإنما عن الإمكان الوقوعي، وهكذا باقي معاجز الأنبياء.

ولا يخفى أن المعجزة تكون حجة على معاصري الأنبياء والرسل، وليس علينا، ونحن نصدقها ما أخبر به القرآن، أما ذاتا فهي غير قابلة للتصديق عقلا، لأنها مخالفة لسنن الكون وطبيعة الإنسان، لذا جاء في تعريف المعجزة عند علماء الكلام بأنها (أمر خارق للعادة، مطابق للدلالة، يتعذر على الإنسان الإتيان بها).

ينبغي التنبيه، أن الرؤية المتقدمة مشروطة بواقعية القصص القرآني، وأنها ناظرة للتاريخ وتفصيلاته. أما إذا قدمنا تفسيرا يرتبط بالعِظة، كما صرّح الكتاب الكريم، فحينئذٍ، يقدم التفسير الرمزي، وفق ما يرتبط بالدعوة الدينية. فالقرآن يقصد بأحسن القصص ارتباطها بالهدف الكلي، أي العِظة والعِبرة، كما هو صريح الآية: (لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَابِ ..)، (وَكلاُّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ في هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى‏ لِلْمُؤْمِنِين). بينما يختلف التعبير عندما يقصد الواقع: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)، (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)، (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).  وعليه فأدلة النفي الآتية، ستكون في هذا السياق. أي بناء على واقعية القصص القرآني، كما هو السائد لدى الناس وفي التراث الإسلامي.

ثانيا: التنافي بين العصمة والحقيقة البشرية

العصمة أمر خارق لا ينسجم مع طبيعة الإنسان وسنن تكوينه، لأنها تعني: "سلب الإرادة"، لا تسديد الاختيار عندما تكون تكوينية بل وحتى بمعنى المنّة والتفضل من قبل الله. لإن التسديد لا ينفي مطلق عدم الوقوع في الخطأ. وسلب الإرادة يتنافى مع حرية الإنسان، التي هي أمر وجودي. واختياره، الذي هو أساس مسؤوليته: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، وعلى أساسها يحاسب المرء في الآخرة. وعلى أساسها بعث الله الأنبياء، مبشرين ومنذرين، وأوجب على نفسه الثواب والعقاب، كي يكون الإنسان مسؤولا عن عمله بإرادته (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ). فالعصمة بحاجة الى نص قرآني صريح، ما دامت تعني (سلب الإرادة)، يؤكد جعلها لهذا الشخص أو ذاك، وإلا سيبقى حكم العقل ثابتا في عدم تصديق وقوعها لمخالفتها سنن الكون والحياة، خاصة مفهومها في لغة الغلو، التي ترتفع بالمعصوم إلى مصاف الخالقية، وتمنحه جميع صفاته.

 والأمر سيكون أوضح وفق آخر صياغة مفهومية للمصطلح، كما في البحوث الكلامية المتأخرة، حيث افترضت للمعصوم علما "لَدّنيا"، ذاتيا ليس مكتسبا بالطرق المتعارفة. فثمة ملازمة بين العصمة والعلم "اللدني". بشكل يمكن للإمام أن يعلم ما يريد، متى شاء، وأنى شاء، دون أي جهد معرفي. (أنظر: صاحب الميزان وكتاب العصمة للحيدري). وهذا فهم غريب عن الطبيعة البشرية، مخالف لسننها وقوانينها، فلا يمكن تصديقه إطلاقا إلا بنص قرآني صريح في خصوصه، كي نرفع يدنا عن إطلاقات أحكام العقل في هذا المورد بالخصوص، وحينئذٍ ينفتح باب التأويل لتدارك غرائبيته.

ولا دلالة على العلم "اللدني" في قوله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)، بقرينة من "لدنا" التي تعني من عندنا، وأيضا كلمة "وعلمناه"، التي تستلزم الكسب.

وهذا لا يتنافى مع القدرة المطلقة (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، لأنها مقيدة بآيات محكمات، لا تلغي الأسباب. (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ).

وما يؤكد مخالفته للسنن البشرية قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)، (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا). وهذا رسول الله وسيد الخلق، والآية بلا شك تنفيه  (تصورا وتصديقا)، أي تنفي كل علم. وكذلك آية المنافقين: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ)، وهذا نفي صريح لعدم علم النبي بهؤلاء المنافقين.  فالعصمة سواء كانت ذاتية أو مجعولة تبقى خاضعة لإطلاقات أحكام العقل المتقدمة، ما لم يدل دليل قرآني صريح عليها.

يمكن تصور إنسان على درجة عالية من التقوى والفقاهة والاعتدال والحكمة، لكن كل هذا لا يخرجه عن طبيعته البشرية، ولا يؤهله لما يسمى بـ"العلم اللدني". بل لا يوجد شيء اسمه (علم لدني)، لأن المعرفة تراكمية، والتفكير عملية عقلية تفاعلية.

ثانيا: انتفاء العصمة بقاعدة الاستصحاب

لا ريب إن الأصل عدم عصمة الإنسان، وعندما نشك بعصمة أحد الناس نستصحب حالته السابقة، ولا نرفع اليد عنها إلا بيقين مثلها .. يقين يورث العلم كي ينقض اليقين السابق، لذا لا يمكن للإمارة (كخبر الواحد) أن تقوم مقامه، لأنها مجرد ظن، والظن لا يغني عن الحق شيئا، رغم أنها تقوم مقام القطع في الأحكام الشرعية، تعبدا لا حقيقة، فتختص بموردها. والعقائد ليست أحكاما شرعيا، وإنما قضايا عقلية. وكل ما موجود من روايات حول عصمة الأنبياء والأئمة هي ظنون لا تغني عن الحق شيئا، فيبقى اليقين السابق وهو عدم عصمة أحد من البشر على حاله. والاستصحاب من القواعد الأصولية المعتمدة لدى الفقهاء الأصوليين، وقد وردت فيه روايات تؤكده. فيكون من باب ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم. وأركان الاستصحاب تامة هنا (يقين سابق وشك لاحق، وحدة القضية، والأثر المترتب عليه)، لا يمكن رفع اليد عن اليقين إلا بيقين مثله، وهو منحصر بوجود دليل قرآني. وأما عقل الإنسان فلا يحكم بوجوب عصمة أحد إلا إذا كان عقلا دينيا، فلا يصدق كونه حكما عقليا حينئذٍ، لأن أحكام العقل مطلقة، كاستحالة اجتماع النقيضين.

ثالثا: العصمة تصادر مفهوم الاقتداء

اقتضت حكمة الله أن يكون الأنبياء بشرا، يمارسون حياتهم الطبيعية، ليكونوا حجة على الناس وقدوة لهم في سلوكهم وفهمهم للدين. وعندما طالب العرب النبي أن يبعث الله لهم ملكا، قال تعالى (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ)، فالرسول يجب أن يكون من سنخ المرسل إليهم، كشرط للاقتداء. وبما أننا بشر اقتضى أن يكون الرسول بشرا مثلنا، في طبيعته وتكوينه، ويبقى الفارق سلوكيا، في درجة التقوى والورع والإخلاص والخشوع لله تعالى. ولو كنا ملائكة لبعث الله لنا ملكا من سنخنا، كي تتم حجته علينا: (قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا). فالكائن المعصوم كما تصوره كتب العقائد لجميع المذاهب الإسلامية، كائن أسطوري، خارج البيئة البشرية، لا يصلح أن يكون قدوة، يتمثل الفرد سلوكه وأخلاقه، (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).

للأسف الشديد لقد خلق مفهوم العصمة من الأنبياء والصالحين كائنات غريبة، يتحد فيها اللاهوت والناسوت، لا هم آلهة، ولا هم بشر .. فيهم كثير من صفات الخالق، وقليل من صفات الإنسان، كائنات معلقة في الهواء، فخسرناهم قدوة حسنة في سلوكنا، ورحنا نصفهم حيث ما نشتهي، ونخلع عليهم كل ما نأمل فيهم، ونسقط عليهم أمنياتنا، خاصة في خضم صراع طائفي امتد بامتداد التاريخ الاسلامي. المعصوم وليد لمخيال خرافي.

رابعا: تنافي العصمة مع هدف الخلق

العصمة بما هي مفهوم أسطوري، خارق في صفاته المفارقة للصفات البشرية، تتنافي مع هدف الخلق، فالقرآن يقول مخاطبا الإنسان: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)، والكدح يتطلب سعيا ومثابرة، قد يصيب فيه الإنسان أو يخطئ، وعلى هذا الأساس كتب الله على نفسه الرحمة، والعفو والمغفرة، وفتح أبواب التوبة، لأن الإنسان خطاء بطبيعته. ولا استثناء لأحد، مادامت الآيات القرآنية مطلقة، فكيف يستثنى المعصوم من سنن الخلق؟

خامسا: تنافي العصمة مع المنطق القرآني

مقتضى عصمة غير الرسول من الصحابة عند السنة ولو بمعنى العدالة. والأئمة عند الشيعة، حرمة الرد والتمرد والاعتراض والنقد، مع وجوب الطاعة مطلقا والانقياد التام، بينما أقر الكتاب الكريم بالتنازع، ووضع ضابطة لتسوية الخلافات، بين أولي الأمر، وغيرهم، فقالت الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).

سادسا: التناقض بين أقوال المعصومين

إن أحد لوازم العصمة أن المعصوم يعلم الأحكام الواقعية، وبالتالي فيصدق أنه يملك الحقيقة المطلقة، وما يقوله مطابقا للواقع ونفس الأمر، غير أن التعارض بين أقوالهم مثّل مشكلة حقيقية على طول التاريخ، حتى وضع الأصوليون قواعد لرفعها، سمي باب (التعارض والتراجيح)، إضافة إلى تعدد الآراء في المسألة الواحدة، خاصة في تفسير الآيات القرآنية. وهذا يناقض حقيقة العصمة، وشروطها، خاصة الرأي الشيعي، الذي يتعامل مع أقوالهم بنفس المستوى من العصمة، وقد ابتلى بهذه الضابطة العقدية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

انا مع الاستاذ الغرباوي ان العصمة لا دليل عليها باستثناء الرسل. وانا معه ان جذور الفكرة خرافية لكنها جزء من عقيدة الانسان. فالاغريق كانوا يتخيلون السنطور و السيرينات و الجبابرة. و مثلهم الرومان فقد كانوا يعزون للمرأة الجميلة و الرجل القوي صفات خارقة لا تتطابق مع المنطق و الواقع. و المرأة المقاتلة التي لها زعانف سمكة هو شعار مدينة وارسو. و التنين الصيني جزء من هذا التفكير الخرافي الذي تحول مع الزمن الى ضرورة لتعبئة و استكمال الفراغ النفسي و الوجداني عند الأمم الضعيفة. و اعتقد انه موجود حتى الآن. فما بالك بفرقة لاقت الأهوال على امتداد عقود بل قرون و قدمت عددا لا يحصى من القرابين و الشهداء. حتى الأمم القوية تصنع اساطيرها. و ليس من المستغرب ان يكون لشعب ضعيف اسطورته لتعبيد طريقه نحو الأمل.
تبقى مهمة جليلة على عاتقنا و هي تنقية هذه الاساطير من الجانب الضار و من الحث على التقاعس و الاتكال. فالفرق بين الاتكال و التوكل كبير. مثلما هو الفرق بين الوعي و التعالي على الخطأ و بين العصمة المطلقة. المهم ان لا نصور الامام المعصوم بشكل ساحر و انما بشكل حكيم حريص و متفهم لحقيقة و ألغاز التفكير الديني و الشرائع.
و مثلما تحولت فكرة العصمة الى كرة ثلج هائلة الحجم مع الوقت، نحن بحاجة لوقت لتنقية هذه الفكرة من الاضافات و الادخالات غير الواقعية.
و يمكن النظر لفكرة العصمة على انها فكرة رمزية يتعالى بها الجماعة على شرط الخطيئة الممجوجة التي تسببت بفكرة العقاب و الثواب.
ان صورة بوذا بثلاثة عيون او بستة ايد هو تعبير رمزي عن عين الحكمة و عن الخير و العطاء و التعدد بالمواهب. لكن لا يوجد فعلا انسان إله و له اذرع كالأخطبوط. فالفكرة تفيد في تعزية المساكين و البسطاء و التقرب الى المطلق و الأمنيات المنوطة به.
و هكذا فكرة الامام المعصوم. انما تقشيرها من رواسب الكسل و التواكل هو المطلوب في هذه المرحلة.
بوذا رمز للحكمة و النقاء و الاندماج بالعالم. و الامام المعصوم رمز للطهارة و الفضيلة لكنه ليس سوبرمانا و لا صانع معجزات و لا هو نبي. و هذا ما يجب التأكيد عليه.
ان العصمة جزء من الحساسية الشعرية للمجتمع الديني. وهو جزء من الوعي الباطن للأفراد. كالتصوير و الفن و الطقوس. فهي جزء من العصاب الجماعي المهذب الذي يخدم في الترفع عن الدنايا و في تغليف الوعي الباطن بقشرة من النبالة و الايجابية.
و شكرا.

This comment was minimized by the moderator on the site

مداخلة قيمة حول قيمة الرمز لدى الشعوب، لكن ذكرت في بداية موضوع العصمة وهنا وسيأتي اكثر ان للعصمة تداعيات خطيرة، حينما تنقلب الى سلطة موجه، تختزل مساحة القراءة بالتفسير والتأويل دون النقد او التمرد على النص، وهناك تداعيات على سلوك الفرد والجماعة. والاخطر البعد الخرافي وما يترتب عليه من اثار وتداعيات
. كل الشكر لك اخي العزيز د. صالح الرزوق. متابعة تسعدني، لا نظير لها.

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة شكرا مرة اخرى للاستاذ المفكر ماجد الغرباوي على تلك الايضاحات التاريخية المهمة..اضافة الى ماتقدم
نعتقد ان الانسان لايحق له ان يجتهد خارج اطار النصوص المقدسة المنزلة على الانبياء والرسل الا في مجال اثبات صحة النص او التأويل من عدمه اما ان يصبح للناس او حتى للفقهاء ورجال الدين او ائمة المذاهب واتباعهم مدارس خاصة للرأي والاجتهاد في ابتكار وصناعة المصطلحات والمفاهيم والتعابير الشخصية او الشعبية فهذا امر خطير وهو بالطبع غير صحيح مطلقا والنتائج والدلائل التاريخية للامة الاسلامية تشرح بوضوح وتؤكد على حجم التشرذم والانقسام والتفرقة والاختلاف المذهبي والديني عموما حتى صار بعض الفقهاء ائمة رأي اقوى من النص القراني والسنة النبوية كظاهرة العودة الى مايسمى بالسلف الصالح ومنهم المتشدد ابن تيمية...اذا لابد ان تكون هناك قاعدة عقلانية منطقية علمية قرانية ترفض اي بدعة او حالة اختلاق ترد في سياق التفسير او التأويل القراني او النبوي (السنة النبوية)لايوجد لها اصل قراني واضح وصريح...مرة اخرى نقول ان مفهوم الامامة والعصمة والصحابة تعابير ومفاهيم تم تضخيمها ورفعها الى درجة الانبياء والرسل بعد وفاة النبي محمد ص والدليل الدامغ على انها ليست صحيحة بالمطلق ظاهرة الاستغلال الديني السيء لها من قبل المنافقين والانتهازيين والمتطرفين وكذلك الجهلة او البسطاء ممن توقف علمهم ومعرفتهم على الموروث الديني المشكوك بصحته واستقلاليته التاريخية عن المؤثرات السياسية والقبلية بعد وفاة النبي ص
نتمنى ان تستمر تلك الجهود الكبيرة في اعادة قراءة التراث الاسلامي بكل جوانبه وتفرعاته بما فيها العقائدية
شكرا

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك مجددا الاخ الاستاذ الباحث مهدي الصافي، لقد تجاوز الجميع حدود ما هو مشرع قرآنيا، ولجأوا لضرورات عقلية، وهي ليست بضرورات عقلية بل ضرورات طائفية ومذهبية، والاغرب راحوا يحاسبون من لا يؤمن بها، وينسون البعد النفسي وليس العقلي في ايمانهم. يجب بيان الحقائق ووضعها بين ايدي الناس، ونامل مساهمة الجميع لفضح كل ما هو دخيل على الدين. خالص التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية لكم ايها الباذل الباذخ في سبيل الحق
ورد:"وعندما نعيد النظر في مفهوم العصمة وضروراتها سنقطع الطريق أمام جميع الروايات الموضوعة" انتهى
كم نحن /الناس جميعاً بحاجة الى ان يكون ذلك ويسود انقاذاً لكل ما يؤمن به الانسان و هذا ينسحب في صورة من صوره على كل مناحي الحياة.
..................
ورد:"فكل خارق للعادة، مخالف لسنن الكون والطبيعة البشرية (كالعصمة مثالا)، يمتنع وقوعه خارجا، لامتناعه ذاتا. وهذا حكم عقلي عام لا يقبل الاستثناء" انتهى.
.......................
شـــــــــــــــــــــــــــكراً استاذنا الفاضل دكتور ماجد الغرباوي المحترم

This comment was minimized by the moderator on the site

ودوام الشكر لحضورك وتفاعلك الاخ الاستاذ عبد الرضا حمد جاسم. اليوم الحالة الدينية قد استولت على جميع مناحي الحياة، وحولت سلوك المؤمنين الى سلوك خرافي احيانا،

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية تقدير واعتزاز وتأييد لمجمل ما يتفضل به الاستاذ ماجد الغرباوي من محاولات الاصلاح في المفاهيم التي خنقت الفكر الشيعي والاسلامي على طول التاريخ.
في هذا البحث الجيد في محاولة تفنيد العصمة وهذا المفهوم الذي لا يتوائم مع الطبيعة البشرية كما استدل عليها استاذنا المحترم ..ارى ان الاستدال العقلي لا يمكن ان يقف عند نقطة وحاجز وسقف مثل النصوص بل وعدم امكان ذلك فهو امر محال ان يوقف القاعدة العقلية والبحث العقلي الحر اي نص يعتبره اتباعه مقدسا حيث ان التقديس فعل بشري نضفيه على الاشياء. والا فانها في نفسها لا تكون مقدسة فالبقرة تقدس من قبل الهندوسي مثلا ويوم السبت مقدس من قبل غالبية اليهود والكنيسة والانجيل مقدس عند المسيحيين فلماذا لا يكون النص القرآني مقدسا عند المسلمين بما هم في ذلك الوصف ولا يخص ذلك الباحث الذي يبحث بطريق عقلي حر لا يحده اي سقف اذ ان العقل لا يتعامل مع الاوصاف التي يسبغها البشر ويعتبرها اعتبارا للماهيات والحقائق
وعلى هذا فالعقل كما لا يتصور العصمة للبشر (بمعنى عدم الخطأ والسهو والنسيان والاحاطة والعلم بالغيب واتيان ) فانه لا يمكن ان يخصصها في مجموعة منهم وهم الانبياء لورود النص القرآني في عصمتهم (ان وجد ذلك ..ولا دليل صريح ولا نص قرآني جلي عليه) وعليه فلا يمكن عقلا ان نثبت العصمة لبشر اي بشر كان
اما اذا اصر البعض على ان القرآن لا يمكن بحال من الاحوال الا ان يكون مقدسا في نفسه وهو كلام الهي باللفظ والمعنى ولا يفهم منه الا معنى واحد قطعي الدلالة على عصمة الانبياء جميعا.. فأننا نقع في معارضة لابدية وهي معارضة تضاد بين عدم العصمة للانبياء عقلا وكون الانبياء معصومين بنقل القرآن المقدس..... وهذا التضاد في رأيي قابل للتوجيه ولكن بمعونة الايمان غير المبرر عقلا فقط كما اعتقد في كل الخطابات الدينية من كونها تعمل كمنظومات لا تتفق مع العقل في اصل وجودها وكثير من معتقداتها وطقوسها.
وبهذا نستطيع ان ننتصر للعقل ونتركه في عملية البحث في كل شيء على طبيعته حرا لا سقف لبحثه فيصطدم به والا عاد حكما انحيازيا وتسميته بالبحث العقلي تكون مجازفة وخداعا لن يسمح به العقل المجرد.
وننحاز في ايماننا بالقران وقدسيته الى عصمة الانبياء في الوحي واخباراته.
ولكن هل ينقطع السؤال بعد هذا التوجيه لهذه التضاد والمعارضة؟، ام ان هناك تساؤل اخر مستبطن يقول.. لماذا يؤمن الانسان بما لا يعقل؟
وهل الايمان اعلى مرتبة من العقل في النفس الواحدة البشرية؟

اشكر لكم كل جهودكم المبذولة في محاولة الاصلاح الديني عبر نقد هذه المفاهيم وتحرير العقول من قيود الارث المذهبي استاذنا ماجد الغرباوي العزيز.

ماهر.

This comment was minimized by the moderator on the site

شكري واحترامي لحضور الاخ الاستاذ ماهر الشمري. وشكرا لمشاعرك الطيبة. العقل لا يحكم بعصمة أحد، لأنها تقع تحت القاعدة العقلية التي بينتها، ولا يوجد نص صريح على عصمة نبي من الانبياء، وهذا لا يمنع التسديد، بل تجده واضحا في سيرة النبي، كما ان التسديد سنة قرآنية. وبالتالي لا يوجد تعارض إلا على اساس تأويلات مذهبية وطائفية، وهي غير ملزمة للاخرين. اجدد احترامي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4614 المصادف: 2019-04-24 07:19:46