 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (142): الغدير وأدلة النقض (1)

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق8- س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

أصداء الغدير لدى الصحابة

ماجد الغرباوي: تذهب الأخبار التاريخية إلى كثرة من حضر خطبة النبي يوم الغدير من الصحابة، ومرّت إشارة لذلك في رواية الشيخ المفيد. وهؤلاء جميعا أو أغلبهم قد تابع أحداث الخلافة، وبايع الخليفة الأول أبا بكر، دون علي المنصوص على إمامته السياسية حسب الفرض. إذاً فكيف فَهم هؤلاء قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، وهم بهذا العدد الكبير؟. إن فَهم الصحابة هنا سيكون حجة في تحديد معنى كلمة مولى، لأنهم المقصودون بالخطاب أولاً وبالذات. كما أنه قصد إفهامهم بمراده، واختار من الكلمات ما يتناسب مع مقاصده. وهذا هو مقتضى مقدمات الحكمة كما يعبرون. فهل فهموا من كلام النبي النص على الإمامة السياسية أم لا؟ وكيف حينئذٍ يخالفه الصحابة، وهم الذين بذلوا مهجهم من أجل نصرته ونصرة دينه؟. ما عاد المنهج القديم يكفي لشرعنة أقوال الرسول، ولا تكفي صحة الروايات لاكتشاف الحقيقة. ويجب دراسته في سياق تاريخيته دراسة مستفيضة. ومقاربة أسباب صدوره، وما هي خلفياتها، وتحديد مقاصده، وفق منهج هرمنيوطيقا، يقترب من واقع المتكلم والسامع، وما يحيطهما. يتحرى كل شيء، ويتقصى مدارات الحدث، بما فيها الدوافع النفسية والأيديولوجية والمؤثرات الذاتية والموضوعية. يحلل ويفكك ويقارن وينقد ويراجع. وهذه الأسئلة وغيرها تستحق التأمل، لحسم هذه القضية ولن نعود لها ثانية، كي نلتفت لحياتنا ومستقبلنا بعيدا عن سطوة التراث والسلف، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). من هنا سيتناول البحث نقطتين أساسيتين، الأولى أصداء حديث الغدير في وسط الصحابة، والأسئلة التي تدور حول صدقيته. والثاني، دراسة بدايات تأسيس التشيع. فما حصل في السقيفة، لم يقف عند حدود مبايعة علي للخليفة الأول، وعدم خروجه على إجماع الصحابة، بل راح يتبلور تدريجيا اتجاه يعلن ولاءه لعلي، ويرفع شعارات المعارضة السياسية، محتاجا ولو بعد حين بحديث الغدير وغيره من روايات الفضائل، اسمه التشيع له خصوصياته العقدية والفكرية والفقهية والكلامية. وقد ترك آثارا كبيرة عبر مسيرته التاريخية. فلا يمكن تجاهله ما لم نسلّط الضوء على بدايات التأسيس. لنخرج بنتيجة نهائية، تبرر تخلينا عن حقبة الخلفاء وما تلاها. والعودة لقيم الدين والقيم الإنسانية العادلة، لمواصلة حياتنا بعيدا عن تجاذبات منطق الفِرقة الناجية، التي كلفّت المسلمين دماء غزيرة جدا، وخزينا من الكراهية والتنابذ، يتشظى مع كل احتكاك بين الفِرق والمذاهب الإسلامية. وتجدر الإشارة أن مناقشة البيعة وولاية علي بن أبي طالب عبر ما نطرحه من أسئلة، لا ينقص من شخص علي شيئا، ولا يختزل ثقة الناس وحبهم له. المسألة وما بها مقاربة الحقيقة، ورفع القداسة عن الروايات التاريخية، التي تسببت بكل هذه التداعيات. وعلي يبقى رمزا كبيرا، وأحد المرشحين الأوائل للخلافة، وهناك من كان يثق به، ويلتف حوله، ويؤمن بأولويته وأفضليته وكفاءته على الآخرين. فثمة فرق بين علي المرشح للخلافة لكفاءته، وبين علي المنصوص عليه. ويعني التنصيص التوريث، وقداسة الفعل السياسي، وعصمة السلوك الشخصي، وشرعنة الاستبداد، وقمع المعارضة، وكفر من يتمرد عليه، وغير ذلك من آثار جسام. وهذا لا يوافق عليه المنطق الديني فضلا عن المنطق الإنساني. هذه الملاحظة ضرورية لمن يود معرفة ماذا نريد من خلال هذه الإجابات. فهي بحوث علمية، غير متحيزة، تبغي مقاربة الحقيقة، والكشف عن ملابساتها، للتخلص من آثارها السلبية، وعبئها الفكري والعقدي. وعندما أحتج بروايات وأخبار تاريخية، لا يعني القطع بصحة صدورها، أو الجزم بوثاقة مصادرها، خاصة وفق منهجي الصارم في تصحيحها، إنما استشهد بها لأهميتها عندهم. بعضها لترتيب نسق الأحداث أو الاستفادة من مضامينها. أو من باب إلزموهم بما ألزموا به أنفسهم.

أسئلة الحدث التاريخي

من أجل التوفّر على نتيجة مقنعة سنثير جملة أسئلة حول الحدث التأريخي، لأننا أمام قضية مر عليها أكثر من 1400 سنة، تخللتها أحداث جسيمة تركت بصمتها، ولوّنت التاريخ بلون الظلم والقهر والدماء الزكية، فبات من الصعب اقناع الشيعي برؤية أخرى، مهما كانت حقيقية ومعززة بالأرقام، لذا نحن أمام مهمة شاقة، نتوخى فيها مرضاة الله تعالى أولا، وتقديم قراءة للتشيع في ضوء أحاديث المصطفى محمد وسلوك أهل بيته الكرام. لذا سنكثّف من علامات الاستفهام والأسئلة من أجل زعزعة القناعات الراسخة، واستبدالها بمفاهيم جديدة تنسجم مع المهمة التاريخية، وعليه سنتابع ما حدث تاريخيا ونطرح الأسئلة التالية:

نعود لحديث الغدير وما يحيط به من استفهامات، ظلت محيّرة، لا نجد لها أي جواب ينهي حالة الشك والريبة بشأنه. فعندما نفترض صحة صدور حديث الغدير وصراحته بالنص على الإمام علي خليفة للمسلمين بعد رسول الله، نسأل: 

أولاً: مهما كان معنى كلمة "مولى" في حديث الغدير، وعلى فرض صحة صدوره، وصحة واقعة الغدير تاريخيا، إلا أن الحديث لم يترك أثرا في نفوس الحاضرين يمكن الاستشهاد به. ولم يطرأ على الصحابة ما يؤكد وجود حدث هام، شغل بالهم أو أثار أسئلة واستفهامات حوله. فكما رافقوا النبي للحج، عادوا معه، ولم يرو التاريخ أحداثا مهمة ترتبط به، مما يرجح رواية بُريدة، وكرهه لعلي، مما أبغض النبي، كما حدّث هو، فارتقى المنبر، يؤكد على شخص علي المؤمن والأمين والصادق ووصي النبي على ماله وعياله وممتلكاته، الذي شكك بصدقيته بريدة، واتهمه بالتصرف بالخمس، وتقاضيه كثيرا على حساب الآخرين. كان ينبغي لحدث بحجم تنصيب خليفة رسول الله أن يعيد تشكيل وعي المسلمين بمعنى الخلافة والخليفة، مباشرة بعد خطبة الرسول، وهذا هو سلوكهم معه عندما يهبط عليه الوحي أو يحدثهم بحديثه. ولَكَثُرَتْ أسئلة الصحابة، عن شروط الخليفة، صلاحياته، حدود سلطته، كيفية تنصيب نائب عنه، وأسئلة كثيرة تتعلق بالسلطة وإدارة شؤون المسلمين ومدنهم وتوزيع مسؤولياتهم. وكل هذا لم يحصل، وأمامكم الفقه السلطاني شاهدا. وهذا سؤال مهم لمن يعرف مكانة السلطة لدى القبائل العربية وقريش خاصة، ومدى ولعها بها، حيث تفرّدت بالزعامة والسلطة، فكيف يسكت القريشيون وهم صحابة رسول الله والمهاجرين في سبيل الله وقبيلة النبي؟. لكن كل هذا لم يحصل، وهو أمر يثير الاستغراب، وأدل دليل عليه اختلاف الصحابة حول الخلافة وما حدث في السقيفة وبعدها. فالتصدي مع كثرة من حضروا من الأنصار، يصدق دليل نقضٍ على إرادة الإمامة من حديث الغدير. بل أن رواية أبي بكر عن النبي: الخلافة أو الإمامة في قريش هي التي حسمت موضوع الإمامة وغدت شرطا في الخليفة وفقا للفقه السلطاني.

ثانياً: إذا كان الإمام علي منصوصا على خلافته من قبل الله تعالى، بحديث الغدير أو بغيره، فلماذا لم يُذكر ذلك صريحا في القرآن؟. إذ ينبغي أن تحظى الإمامة المنصوص عليها بنص قرآني صريح واضح لا شك ولا ريب فيه، يشرعنها ويؤكد إلهيتها؟. أو لا أقل ينص على أصل الخلافة، كموضوع ديني، ينبغي تفقّه المسلم به أسوة بغيره من  مفردات العقيدة. وهل الإمامة أقل شأنا من الذبابة والكلب ودم الحيض والنفاس، وكلها ذكرت في القرآن؟. فلماذا لم يتعرّض للإمامة رغم خطرها وأهميتها؟. ولماذا لم ينص على خصوص علي، كما نص على خلافة هارون؟ سيما أن عليا في العقيدة الشيعية، شخصية غرائبية، معصومة، ومقدسة، ومقدمة على الأنبياء والرسل جميعا إلا رسول الله، ألا يستدعي كل هذا وجود آية، تحسم النزاع حوله؟

ثالثاً: لماذا استخدم النبي مشتركا لفظيا يبعث على الريبة والشك، ولم يصرّح علانية بشكل لا مواربة فيه بخلافة علي، لأهمية الإمامة وتبعاتها الكبيرة؟ هي ليست قضية عادية يكفي معها حديث أو حديثين، أو موقف عابر من هنا وهناك، فلماذا لم ينص النبي على خلافة علي بجموعة أحاديث تقطع الشك وترسّخ فكرة الخلافة لدى المسلمين؟ أليست هذه مسألة مهمة وخطيرة؟ فهل يعقل أن يقصّر النبي في تبليغ أمر إلهي، أو يخجل أو يتوانى فيه؟ وهل يعقل لنبي حكيم مرسل من قبل الله تعالى، أن يكتفي بكلام موارب لتأصيل قضية بحجم الإمامة والخلافة؟ إنها أسئلة موضوعية، يقتضيها البحث العلمي، ولا يحل الإشكال وجود رواية ضعيفه هنا وهنا، لأنها ستكون متهمة بالوضع مع هذه الحيثيات. القضية خطيرة جدا، وتسببت في سفك دماء غزيرة، ومازالت تفرض نفسها على العقل التراثي، وترتبت عليها آثارا دينية، كالقول بولاية الفقيه، وولاية الفقيه المطلقة، التي تمنحه ذات صلاحيات الرسول!!!.

رابعاً- بين خطبة يوم الغدير ووفاة النبي مدة كافية لأن يرسّخ النبي أمر الخلافة في أذهان المسلمين من خلال خطبه وأقواله، ومن خلال ممارسة الإمام علي لمنصبه الجديد تحت إشرافه ورعايته، كما يفعل شيوخ القبائل، ورؤساء الدول. غير أن المدونات التاريخية لم تذكر أن الإمام علي مارس دوره كخليفة في ظل الرسول، ولم يسند له النبي أي مهمة تؤكد خلافته. فلماذا لم يتخذ النبي أي إجراء خلال هذه الفترة؟ أليس سؤالا مشروعا؟. قد يستشهد بعضهم بواقعة من هنا أو هناك، وهذا لا يكفي، لأن أمر الخلافة خطير، مثار للفتنة والانقسام ويحتاج الى تثبيت وترسيخ في نفوس المسلمين، من خلال إنابته في الصلوات مثلا، أو قيامه بمهام قيادية، بصفته خليفة لرسول الله شرعا. وكل هذا لم يحصل. خاصة وأن الإمام علي ابن عمه وزوج ابنته فاطمة، فيثير حساسية القبائل ويُتهم بالمحاباة ما لم يصدر عن النبي ما يحول دون أي احتجاج أو اعتراض بعد وفاته، وهذا لم يحصل. بل أجاب الإمام علي والعباس عندما سألها عن الخلافة بعده، قال: "أنتم المستضعفون بعدي". علما أن المدة بين يوم الغدير 18 – ذو الحجة، سنة 10 هـ إلى وفاته 28 – صفر، سنة 11 هـ، تكفي لأن يبيّن النبي كل شيء، ولن يترك ثغرة، تكون منشأ للخلافات حولها. بل ويجب أن ينسب صراحة كل ذلك لله تعالى، كي يقطع الشك باليقين.

خامساً- إذا كان مؤدى حديث الغدير الاعلان عن خلافة الإمام علي وتعينه نصا، فيفترض أن الأمر قد انتهى وقد شهد الغدير مئة الف أو يزيد كما تذكر بعض الروايات. فما الداعي لان يطلب الرسول دواة وقرطاسا ليوصي بالخلافة ثانية (هذا إذا قلنا أن النبي أراد فعلا أن يكتب نصا صريحا لعلي، ولا قرينة واضحة على ذلك، فربما كان يبغي كتابة ضابطة للخلافة أو شيء يخص مستقبل الرسالة)؟. وهذا يؤكد كحد أدنى أن حديث الغدير لم ينص على إمامة علي، أو أن الصحابة لم يفهموا ذلك صراحة، بما فيهم علي والعباس، لهذا احتاج النبي لتوضيحه بكتاب (إذا كان يقصد ذلك بكتابه).

سادساً- المفروض أن حديث الغدير كان واضحا وصريحا لدى المسلمين، فما حاجة علي  بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب للسؤال عن الخلافة ومستقبلها؟ ولماذا دخلا عليه وهو في آخر يوم من حياته ليسألوا عن دورهما بعد وفاته؟ (وفقا للروايات الشيعية). أو طلب العباس من علي أن يدخل عليه ويسأله، فرفض (وفقا للرواية السنية)؟. الأهم والأخطر أن جواب الرسول لم يؤكد خلافة علي. تقول الرواية، كما في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (مج11، ج1، ص184-185.)، وهو زعيم الطائفة الشيعية في حينه: (ثم أُغمي عليه –أي على الرسول الكريم- من التعب الذي لحقه والأسف، فمكث هنيهة مغميً عليه، وبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وولده والنساء المسلمات ومن حضر من المسلمين.

فأفاق عليه وآله السلام فنظر إليهم، ثم قال: "اِتوني بدواة وكتف، أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا"، ثم أغمي عليه، فقام بعض من حضر يلتمس دواة وكتفا فقال له عمر: ارجع، فإنه يهجر، فرجع. وندم من حضره على ما كان منهم من التضجيع، في احضار الدواة والكتف، فتلاوموا بينهم، فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد أشفقنا من خلاف رسول الله.

فلما أفاق عليه وآله قال بعضهم: ألا نأتيك بكتف يا رسول الله ودواة؟ فقال: "أبعد الذي قلتم!!. لا، ولكنني أوصيكم بأهل بيتي خيرا". ثم أعرض بوجهه عن القوم فنهضوا، وبقي عنده العباس والفضل وعلي بن أبي طالب وأهل بيته خاصة.

فقال له العباس: يارسول الله، إن يكن هذا الأمر فينا مستقرا بعدك فبشّرنا، وإن كنت تعلم أنا نُغلب عليه فأوصي بنا، فقال: "أنتم المستضعفون من بعدي". وأَصمت، فنهض القوم وهم يبكون قد أيسوا من النبي صلى الله عليه وآله). والرواية واضحة في مقطعها الآخير، فإنها تفيد النفي بما يتقاطع مع حديث الغدير إذا قلنا بصراحته نصا على ولاية امير المؤمنين علي، كما يذهب لذلك التشيّع التراثي.

سابعاً- على فرض صحة أن عمر بن الخطاب أو أحد الصحابة تصرّف بطريقة غير لائقة في محضر الرسول الكريم، فحال دون كتابة الكتاب، فلماذا لم يكتب الرسول الكتاب ويسلّمه لآخرين من الصحابة، ما دام الأمر يهم المسلمين،؟ أو يضع عليه ختمه وتوقيعه ويسلّمه لأهل بيته؟ هل الرسول طفل يزعل من الصحابة فيتخلى عن مسؤوليته الشرعية، أم هو نبي ورسول من قبل الباري عزوجل ووظيفته الأولى هي التبليغ مهما كان تبعات ذلك؟.

إن حديث الرزية الرزية عن ابن عباس أو حديث الكتف والدواة فيه إدانة كبيرة وتجنٍ على النبي الكريم، حيث يظهر الرسول بمظهر لا يتناسب مع مقامه. هو لم يخش الكفار والمنافقين والمشركين فكيف يخاف من شخص أو شخصين فيمتنع عن أداء وظيفته؟ كما أن صحة هذا الحديث يثير الشك في مؤدى حديث الغدير على فرض صحته. فما دام حديث الغدير صريحا واضحا، فما الداعي لكتابة الكتاب ثانية؟؟ ثمة أسئلة يراد إقصاؤها، ينبغي للباحث إثارتها، وتسليط الضوء عليها، لمقاربة الحقيقة، والتعرّف على الأجواء المحيطة بالنبي من يوم الغدير حتى وفاته، وما تلاها.

ثامناً: إن نظرية المؤامرة التي يتمسك بها الشيعة، ويتهمون رموز المهاجرين بالتخطيط للاستيلاء على السلطة، وإقصاء علي، خصوا بذلك قريشا وشيوخهم، ممن حضر السقيفة، أبو بكر وعمر، واعتبار الثاني المخطط والمنفذ، وهذا سبب التقابل بينهما في كتب التراث والخطابات الطائفية والكلامية "عمر / علي". "علي / عمر"، كرمزين للخلافة  والصراعات السياسية. لكن كيف نفهم موقف الأنصار، الذين سبقوا المهاجرين إلى سقيفة بني ساعدة، واتفقوا على مبايعة شيخهم سعد بن عُباده . هل في الصحابة كالأنصار في تضحياتهم ونصرتهم للنبي ورسالته؟ هل كالأنصار ممن اهتم بهم الرسول، وأوصى بهم خيرا؟ وخاطبهم الرسول بعد أن وجد في نفوسهم شيئا بسبب حجب غنائم معركة حُنين الكثيرة عنهم، بقوله: (ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا، وسلكت الأنصار شعبًا؛ لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار”. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: “رضينا برسول الله قسمًا وحظًا“).

بدأ الصراع حول السلطة داخل سقيفة بني ساعدة، حينما تصدى لها الأنصار، كاستحقاق طبيعي لجهادهم وتضحياتهم، وكان خطاب الصحابة في بداية الأمر وديا، إسلاميا، بين طرفيه المهاجرين والأنصار، مما يؤكد وحدة الموقف من الغدير والخلافة: "يا معشر الأنصار"، "يا معشر المهاجرين". ثم انقلب إلى منطق قَبلي: قريش وغيرها، عندما طرح الأنصار ضمن مفاوضات السلطة شعار: "منا أمير ومنكم أمير". حيث رفض أبو بكر بن قحافه وعمر بن الخطاب وأبو عبيده مشاركة الأنصار في السلطة.

وهنا يبدو السؤال شرعيا جدا عن موقف الأنصار، ممن حضروا يوم الغدير واستمعوا لخطبة الرسول كاملة. كيف يخالفون قول الرسول في التنصيص على خلافة علي، ويتصدون لها؟. الأنصار لهم وزنهم الإيماني والجهادي، وقربهم من رسول الله، ومنزلتهم في الإسلام: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

لا يمكن لمثل الأنصار التصدي للخلافة لو كان حقا قد فهموا من حديث الغدير النص على خلافة علي. فيكون تصديهم دليلا على عدم إرادة الإمام السياسية. وثمة حادث وقع اقتضى أن يخطب الرسول، فيبقى مرتبطا بظرفه، ولا علاقة له بالخلافة إلا على نحو الفضيلة العامة التي تجعل من علي الأفضل، وليس نصا وفرضا، لأن الحديث عن الخلافة فرع ثبوتها دينيا، ومحمد نبي وليس زعيما سياسيا، وقد مرَّ الكلام مفصَلا.

تاسعاً:

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

حفظك الله صديقي الرائع على هذا الموقف الفكري العلاني التنويري الذي اعتمد العقل والمنهج التحليلي التركيبي ( الهرمنيوطيقي) في دراسة النص الديني والتراثي عموما للوصول إلى قطع معرفي في أكثر القضايا السياسية إشكالية وهي قضية الغدير التي على أساسها سفكت الدماء وجذرة الكراهية بين المسلمين من سنة وشيعة..
بالمناسبة لقد اشتغلت على مضمون حجة الوداع..فلم اجد فيها أي دليل او إشارة لخليفة او أمير او وزير او وصي..
دائما تغني معارفنا بالمسكوت عنه أو المختلف عليه..فتجلي لنا الصورة أو الموقف الفكري الحيادي..لذلك هذا ما يمنحك صفة المفكر الإسلامي التنويري العقلاني بامتياز

د.عدنان عويد
This comment was minimized by the moderator on the site

وحفظك ورعاك الاخ الاستاذ الدكتور عدنان عويد، شكرا لحضورك وشهادتك التي اعتز وافتخر بها من باحث جدير. نعم ساذكر هذه الملاحظة في الحلقة القادمة. اكرر احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي الاعز الغرباوي المحترم
أمر انتهى ولا احدمنا مهما كتب ان يستطيع اقناع الحاضر بما حدث في الماضي ..بعد ان حلت السقيفة واختلف الامر ..وثبت الفقهاء الخطأ في رؤوس الناس..محاولاتك تكتب للتاريخ ولا غير، اما تأثيرها الحالي فهو لا اجد فيه منفعة ابدا..الدين الاسلامي ما جاء ليخلق دولة مدنية رغم ما كتب في وثيقة المدينة ..بل ليهدي امة الى طريق الاستقامة بعد ان تفرقت سنين .. ففشل في هذه المهمة ..كل الشعوب اهتدت بأديانها وصنعت القانون الا نحن بقينا الى اليوم نتخاصم على ماضٍ ذهب وولى..وكل اصحاب الآيديولوجيات خلفت لاتباع مؤمنون بهم صنعوا لهم مجدا ..الا اهل الببيت العظام لم يصنعوا لانفسهم مثل هؤلاء فبيقيا نبكي وننوح عليهم ونطبق عكس ما كانت مبادئهم تعلن وتريد..هنا علينا ان نكتب ليفهم العامة والخاصة ان اهل البيت هم المظلومون ولا غير. والا هل يعقل ان اتباعهم الذين يدعون بهم هم الذين نراهم اليوم امام اعيننا يأكلون لحم الخنزير ويشربون الدماء وبهم يدعون..؟ لك مني التحية والتقدير ومعذرة لمداخلة قد لا تعجبك..لكن اختلاف الرأي لا يفسد في الود قضية..

د.عبد الجبار العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي المبجل الدكتور عبد الجبار العبيدي، شكرا لتفاعلك وتعليقك، اتفهم ما تقول، لكن ذكرت اني بصدد تجاوز هذا التاريخ واشكالياته الى الابد، وكان علي أن اتناوله وفقا للمنهج النقدية الحديثة، بعيدا عن المناهج الدينية والمتداولة, وهذا ما حصل. اكرر احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل ماجد الغرباوي على هذا المقال التنويري الرائع و شكراً الى الدكتور عدنان عويد و الى الدكتور عبد الجبار العبيدي على تعليقيهما.
ان هذا الموضوع دمّر الاسلام و المسلمين منذ 1400 سنة و لحد الان و نحن ننزف دماً على امور لم نعشها و لم نكن طرف فيها. و الذي عرفته من القرآن ان الدين ليس وراثياً و لا توجد به مذاهب ابداً ابداً و كذلك انه دين ايماني اهمل السياسة و كذلك اهمل الاقتصاد.
عقولنا مغروسة في كهوف الماضي السحيق و لا نستطيع الخروج من هذه الكهوف المظلمة لوجود حراس المعبد الذين يحرسون هذه الدرر و النظريات العلمية التي ليس لها مثيل عند البشر!!!!.
و الشيء الذي فهمته عن فقه رجال المذاهب لجميع المذاهب يتعارض كلياً مع القرآن الكريم. القرآن في واد و المذاهب في واد آخر.
و السؤوال الذي يطرح نفسه : هل ان ابو بكر و عمر و عثمان و علي موجودين معنا حالياً لكي ننتخب اونختار الافضل؟؟. انها مهزلة المهازل...
و ما هي فائدتنا من اجترار تاريخنا و الذي اغلبه مزور و جلبه الى واقعنا الحاضر و علينا الاخذ به؟؟؟. لا استطيع ان افهم هذا؟؟.
كل البشرية تفكر كيف تعيش الحاضر بشكل جيد و ما ستكون عليه بالمستقبل و نحن مشغولون بقال فلان و ذكر علاّن من 1400 و لحد الان؟؟؟. ماذا جنينا!! و ما هي الفائدة من هذا!!!. انها كارثة دينية ثقافية حلت بنا!!!.
اذا كان اصحاب المذاهب حريصين على الدين عليهم الرجوع الى "نظرية المسلمين" و هو القرآن الكريم ؛ لا ان يصيغوا لنا ادياناً جديدة موازية للدين الاسلامي الذي جاء به الرسول محمد؟؟. كل اصحاب المذاهب لهم حسلب عسير عند الله يوم الحساب. و شكراً مرة اخرى
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

التعديل الأخير على التعليق تم في قبل 9 اشهر بواسطة admin ثائر عبدالكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ الجدير د. ثائر عبد الكريم، كان يجب ان تنتهي هذه القضية منذ وقت بعيدا، غير أنها تواصل سلطتها وتاثيرها، وكان لا بمن تفكيك جميع القضايا المتعلقة بها، لنتمكن من تجاوزها. أملي أن اكون قد وفقت لذلك، احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

أنا ممتن لك كثير على هذا الجهد الكبير في توضيح ما حصل من مجريات بعد رحيل النبي الخاتم ص بنظره واقعيه بعيدة كل البعد عن الاطر المذهبيه وتراكمات الماضي وما حيك من أباطيل واراجيف حول تلك الأحداث لخدمة الملل والمذاهب كل على ديدنه. وأحاول قدر الإمكان ان استوعب كل مفردة تصدر منك كحقيقه مغيبه عني لسنوات طويله من حياتي وانا اطالع تلك القصص والأحاديث كأنها منزلة من السماء لاتشوبها شائبة حتى سطع نجمك في الأفق وأفل معه البريق الزائف لتلك الأحاديث والروايات ....! دمت مفكرا مبدعا.

جابر علي مرهون
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4845 المصادف: 2019-12-11 02:30:42