 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (145): الغدير والبيعة

majed al gharbawiخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق11من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الموقف من البيعة

ماجد الغرباوي: لا شك أن تحفّظ الإمام علي على بيعة أبي بكر مثّل اتجاها آخر، في رؤيته للخلافة ومصداقها، لكن الاتجاه المعارض لم يتحوّل إلى حزب أو تيار سياسي معارض، رغم وجود مجموعة من الأنصار المؤيدين، كعشيرته وكبار الصحابة، مثل: العباس بن عبد المطلب، والزبير بن العوام، والمقداد، سلمان الفارسي، ابو ذر الغفاري، عمار بن ياسر. بل كما سيأتي في رواية أن الأنصار أو بعضهم هتفوا لعلي في سقيفة بني ساعدة، إما باعتباره الأقرب لرسول الله، أو لأنه الأفضل. وأيضا في رواية، كان في بيت علي مجموعة من الصحابة عندما جاء عمر مهددا عليا بحرق بيته إذا لم يبايع. وكأن موقف علي من أحداث السقيفة موقف عابر، لم يردفه بأي موقف أو فعل طوال خلافة أبي بكر وعمر، سوى موقفه من الشورى التي نصّبها الثاني لاختيار الخليفة الثالث. ولم يحدّثنا التاريخ عن أي مواجهة أو خلاف إلا بحدود الاجتهادات الشخصية بشأن القضايا المطروحة سواء كانت سياسية أو فقهية أو قضايا عامة. وقد أُستدل الستار على هذه الأزمة بعد بيعته لأبي بكر وعاد علي مستشارا ووجيها ضمن كبار الصحابة. يحضر اجتماعاتهم، ويشاركهم في مناسباتهم، ويصلّي جماعتهم وجمعتهم، ويؤيد غزواتهم، وتصاهروا فيما بينهم. وهذا لا ينفي احتمال مراعاته المصلحة العامة في مواقفه (لأسلمَنَ ما سلمت أمور المسلمين)، لكن لا دليل قاطع عليه. وعلي مبدئي، لا يداهن، ولا يؤمن ببراغماتية رجل السياسة. وشخصيا لا أرتاب بمواقفه، ولا يوجد ما يبرر تقيته. لكن لا أنفي احتمال أنه كان يخطط لما هو أبعد من الخلافة. وقد أبالغ إذا قلت أن مواقفه مع الخلفاء كان تكتيكا ضمن استراتيجية  شاملة.

الغريب عدم تفاعل المسلمين مع كلا الحدثين (السقيفة والشورى) بقوة، تكشف عن وجود قاعدة شعبية تنحاز لعلي. ولم يرصد التاريخ أي تحرك سري أو علني له بهذا الاتجاه. فلماذا لم يتحوّل موقفه إلى حزب أو تيار سياسي، رغم مكانته في الإسلام وقربه من رسول الله وثقله القَبلي؟. ولماذا لم يتحرك بهذا الاتجاه، إذا كان يرى أحقيته باعتباره منصوصا على إمامته؟. والنص يعني حكما شرعيا تم تبليغه من قبل الرسول، وضمن سماعه من قبل عدد من الصحابة يتناسب مع أهميته. بل ويجب أن تنزل فيه آية صريحة، تكون حجة عليهم. لكن لنتخلى عن موضوع الآية. وتقدم الحديث عنها.

 وإذا أضفنا أن الرسول قد أوصى لعلي بالخلافة على مرأى ومسمع من الصحابة في يوم الغدير، كما يؤكد ذلك الشيعة عموما، ويعتقدون أن خلافته أمر إلهي (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك)، فستكون علامات الاستفهام أكبر. إنه أمر يثير جملة أسئلة، تتوقف عليها معرفة حقيقة التشيّع. وتقتضي تسليط الضوء على مرحلة التأسيس، لنتحرى:

- هل كان موقف الإمام من البيعة، وتحفظه على بيعة أبي بكر، موقفا سياسيا أم انطلاقا من رؤية عقائدية؟

- هل أن موقفه كان تكليفا شرعيا من قبل الرسول الأكرم، أم موقفا شخصيا؟

- هل احتج الإمام علي لأحقيته بالخلافة بأي نص قرآني أو نبوي (سواء كان حديث الغدير أو غيره)؟.

- هل سكوته عن حقه بالخلافة (وفقا للنظرية الشيعية) مراعاة لمصلحة المسلمين، أم لسبب آخر، وما هو؟.

- كيف نفسّر اهتمام الرسول الاستثنائي بعلي بن أبي طالب من خلال أحاديث الفضائل المروية عن طريق الفريقين؟

- هل كان دوره مقتصرا على استلام السلطة أم كانت له مهام رسالية أخرى، كأن يكون قدوة في سلوكه ومرجعا فكريا، إضافة إلى أهليته للسياسة والحكم؟. ولازمه نفي الإمامتين السياسية والدينية المنصوصتين عليه، كما تذهب لذلك النظرية الشيعية، التي بدأت تترسخ معالمها في القرن الثالث الهجري. والمقصود بالإمامة كوصية عن الرسول الكريم لا كتكليف شرعي لمن يتصدى لها، أو لمن تتعيّن فيه، ولا باعتباره الأصلح والأكفأ. لأن الإمامة قد تكون وصية عن النبي بخصوص علي. وكلا الإمامتين لم تثبت بدليل صريح واضح لا لبس ولا شك فيه. أو تكون الإمامة تنصيبا حينما ينتخبه المسلمون، ويكون الشعب مصدر شرعيته، كما بالنسبة للإمامة السياسية. وقد انتُخب بالفعل خليفة رابعا للمسلمين. أو قد تكون الإمامة متعينة فيه باعتباره مرجعا دينيا "فقها وفكرا وقضاءً"، وهذا واضح في سيرته منذ وفاة الرسول حتى استشهاده.

غير أن ثبوت ما تقدم يتطلب تفكيك المنظومة العقائدية للشيعة، واعادة بنائها لوضع أسس جديدة للتشيّع، "كاتجاه مبدئي، فكري وعقدي وثوري، ينتصر للحق، ويدافع عن المحرومين"، بعيدا عن الإمامتين الدينية والسياسية، وبعيدا عن أسطرة الإمام، من خلال مفاهيم أسطورية لا تمت للحقيقة بصلة سوى التطرف والتقديس وشعور التفوق، وهلوسة الأفكار الغنوصية والميتافيزيقية. وتفكيكها يتوقف على ملاحقة الأحداث التاريخية، ورصد مواقف الإمام بالنقد والتحليل، بعد نزع قدسيتها، وقراءتها وفق منطقها، باعتبارها فعلا بشريا، يتأثر بقبلياته ومصالحه وتحيزاته الأيديولوجية، ويطمح بالسلطة، ويدافع عنها.

جدير بالذكر أن ما تقدم بناء على صحة الروايات التاريخية، وشروط الصحة عندي صعبة، لا تثبت إلا للحديث المتواتر، وهو أشبه بالمستحيل بعد تمادي القرون، وكثرة الوضع والكذب والتزوير، وضياع الأسانيد، وصراعات السلطة، وثقافة الغلو. لكن نتعامل معها وفق شرطنا الثاني القاضي أن كل رواية غير صحيحة فهي محتملة الصدور ما لم يثبت وضعها بدليل. وحينئذٍ، تكون لقوة حضورها دلالة، تتطلب تحري مدلولاتها، وأبعادها، وما يتستر خلفها من مناسبات وضرورات، خاصة ضرورات السلطة، وصراع المذاهب الدينية.

الصحابة والبيعة

لنفترض أن خلافة أبي بكر أصبحت أمرا واقعا، بدهاء عمر بن الخطاب، وانشغال الإمام علي بتجهيز رسول الله، وتسرّع الأنصار في حسم الخلافة لصالحهم، مما أثار حفيظة المهاجرين، فسارعوا أيضا لانتزاعها، لكن رغم كل هذا نسأل لماذا لم يجد موقف الإمام أصداء واسعة، ولم يتحوّل إلى تيار معارض، خاصة مع القول بالوصية والتعيين وفقا للنظرية الشيعية؟ ولماذا لم يحصل تمرّد في صفوف الصحابة، انتصارا لعلي وحديث الغدير، الذي ينص كما هو المفترض وفقا للعقيدة الشيعية، على إمامة علي حصرا؟.

المؤكد من خلال الأحداث التاريخية أن الصحابة تعاملوا مع موضوع الخلافة بآليات سياسية براغماتية، بعيدا عن أي مبدأ ديني، وأدار عمر بن الخطاب دفة الصراع على السلطة بطريقة لبقة مهّدت لمستقبله السياسي بعد أن حسمها لأبي بكر. فاستخدم الخصوم السياسيون (مهاجرون وأنصار) كل الأدوات المتاحة آنذاك، من خداع وتهديد وعنف ومراوغة، وركن المهاجرون في احتجاجهم على الأنصار للمنطق القبلي، وهو منطق ينتمي للنظام الاستبدادي الأبوي، لسحب البساط من تحت أقدام الأنصار الذين نادوا بالخلافة لعميدهم سعد بن عُبادة، وفي رواية أنهم أو بعضهم نادى بالخلافة لعلي بن أبي طالب، كما نقل ذلك الطبري في تاريخه، حيث قال: (فقال عمر "في السقيفة": أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي "ص"، فبايعه عمر، "أي بايع أبا بكر" وبايعه الناس. فقالت الأنصار، أو بعض الأنصار: لا نبايع الا علياً!!!). (تاريخ الطبري، ج3، ص254)

هناك مجموعة أدلة تؤكد أن المنطق السياسي كان يسود مفاصل الصراع على السلطة بين الصحابة، بدءا بالمنطق القَبلي وتشبث المهاجرين به لانتزاع البيعة من الأنصار. أو طبيعة العبارات التي كان يستخدمها عمر بن الخطاب خلال الجدل المحتدم في سقيفة بني ساعدة، لتزوير الوعي، واستفزاز الصحابة البسطاء من الأنصار، فمثلا، كان يقول: "أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي"!! ويقصد أبا بكر. أو يقول: "لا أعصي أمر خليفة رسول الله في يوم واحد مرتين"!!!. وأبو بكر بعدُ لم يُنتخب للخلافة!!، لكن أراد أن يوحي للمستمع أن الأمر محسوم، أو أن الرسول قد جعله خليفة. وبالفعل أثّر هذا المنطق، وشجع الحاضرين على اختيار أبي بكر خليفة لهم.

كما استخدم عمر بن الخطاب أيضا العنف مع أهل بيت النبي لانتزاع البيعة لأبي بكر. يقول الطبري: (أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير، ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة!!. فخرج عليه الزبير مُصلتا بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه). (المصدر نفسه، ص254).

وكانت آليات الصراع على السلطة تختلف وفقا لبراغماتيتهم، فالمعروف تاريخيا أن أبا بكر أوصى لعمر بن الخطاب من بعده دون استشارة أحد من الصحابة، رغم أنه مأموربها بموجب قوله تعالى: وأمرهم شورى بينهم. وقد قبلها الأخير رغم أنه حذّر من تكرار بيعة أبي بكر، وقال: "لا تعودوا لمثلها"، ووصفها بأنها "فلتة وقى الله المسلمين شرها". وكانت مؤآخذته الأساسية على بيعة أبي بكر أنها بيعة متسرّعة، استغلت الأحداث فسارع عمر لمبايعة أبي بكر ومن ثم بايعه الناس. وكان الأمر يتطلب استشارات مستفيضة لتنصيب الأفضل بين الصحابة، والأكفأ منهم، لتفادي أي انشقاق بينهم. أو لا أقل انتظار كبار الصحابة ومنهم علي وأهل بيت النبي. فما جرى بين عمر والأنصار في سقيفة بني ساعدة لا يتناسب مع مقام الصحبة، ويندى له جبين التأريخ، والرسول ما زال مسجّى، لم يُدفن، وأهل بيته منشغلون بتجهيزه. وكادت أن تقع مذبحة عظيمة في سقيفة بني ساعدة. يقول الخبر كما في الطبري: (قال عبد الله بن عبد الرحمن: فأقبل الناس من كل جانب يُبايعون أبا بكر، وكادوا يطؤون سعد بن عُبادة، فقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا لا تطؤوه، فقال عمر: اقتلوه قتله الله. ثم قام على رأسه، فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تند عضدك، فأخذ سعد بلحية عمر، فقال: والله لو حصصت منه شعره ما رجعت وفي فيك واضحة .. أما والله لو أن بي قوة ما، أقوى على النهوض، لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيرا يجحرك وأصحابك، أما والله إذاً لألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع ...). (تاريخ الطبري، ج3، ص266). والغريب في تشبث عمر بن الخطاب بالعنف، فتارة يطالب بقتل سعد بن عُبادة، وأخرى يهدد بحرق بيت علي إن لم يبايع أبا بكر. وفي الشورى التي عيّنها لاختيار الخليفة الثالث أوصى بقتل من يعترض!!. ولا أفهم بأي مبرر ديني يشرّع عمر بن الخطاب لقتل معارضيه، وهم رموز الصحابة؟. الاعتراض حق مكفول للجميع، وليس من المعقول أن يجتمع الناس جميعا على شخص واحد، فلماذا يُقتل المعارض وفق منطق الخليفة الثاني؟. إن قيم الدين الحنيف لا تسمح ولا تبيح قتل أي إنسان لمجرد معارضته لهذا الشخص أو ذاك. وهذه هي فائدة المناهج النقدية حينما تنتزع القداسة، وتقرأ الواقع قراءة موضوعية بعيدا عن التبرير والتقديس، كي نشّخص الأخطاء ولا نفتتن بهالة القداسة. من حق عمر بن الخطاب أن ينافس على السلطة، ومن حقه التشبث بكل الوسائل السلمية والأخلاقية، لكن ليس من حقه استخدام منطق العنف والقتل، حتى صار سلوكه سيرة يتشبث بها الإرهابيون من الإسلاميين المتطرفين، فجلبت للمسلمين ويلات عظيمة في هذا الزمان.

وعندما تقرأ الأحداث بروية ستلاحظ بوضوح هاجس عمر بن الخطاب وحساسيته المفرطة من علي بن أبي طالب وموقفه من الخلافة، وهذا الموقف السلبي يبعث على التأمل في الأسباب الكامنة وراءه. فعمر تمكن من انتزاع الخلافة من أيدي الأنصار، لكن فشل في تطويع أهل بيت النبي، حتى كاد يحرق عليهم بيوتهم. وظل طوال خلافة أبي بكر وخلافته حذراً من علي، حتى اختار الشورى بطريقة تفضي لغيره.لأنه يعتقد متى ما استلم آل بيت النبي السلطة فلن تخرج من أيديهم أبدا، لأنهم أحق بها وفقا لمنطقه القبلي، أو لأن عليا الأفضل، يعرف ذلك من سيرته ومدى اهتمام الرسول به، ويعرف مدى قدرته على تأليب الناس حينما يرفع شعار مظلومية أهل البيت إذا تراخى معه. فيريد لجمه بالبيعه، لذا لم تهدأ الأمور إلا بمبايعته بعد ستة أشهر. لا أريد الاستغراق في مثاليات لا دليل عليها، ويبقى علي إنسانا، غير أنه إنسان مبدئي، خسر بسبب مبدئيته السلطة، لكنه نجح في تأسيس رؤية تقوم على الحق، ونصرة المستضعفين، وتقديم الكفاءة على الولاء، وترسيخ قيم العدل والإنصاف. وبالتالي أخلص: رغم طموح علي بالسلطة، وهو حق مشروع، وهو أهل لها، غير أن طموحاته كانت طموحات مبدئية، لا سياسية فقط، لذا بايع الخليفة، رغم قدرته على تعبئة المسلمين ضده، حينما يرفع شعار مظلومية أهل البيت، خاصة وقد تعهد له أبو سفيان بتعبئة مئة ألف مقاتل، شريطة ان يبسط يده للبيعة، غير أنه رفض العرض، ولم يفرّط بوحدة ومستقبل المسلمين، وهذا يكفي للتأمل في طموحاته السياسية، فهي طموحات سياسية لغايات مبدئية. وهذا ما أفهم من سرد الأحداث، بعيدا عن أي تحيز نفسي. خاصة لا يمكننا الاحتكام للواقع، وقد مضى عليه قرابة 15 قرنا. فنبقى نحن وفهمنا للنصوص التاريخية، بعد دراستها بمناهج نقدية منتجة.

نتائج الموقف الأول

ما تقدم هو الموقف الأول لعلي بن أبي طالب من السلطة، ويُعد لحظة انطلاق التشيّع، من خلال تحفّظه على بيعة أبي بكر، وقد درسنا الموقف في ضوء الأحداث التاريخية، فتبين جليا أن موقفه لم يصدر عن نص صريح بخصوصه، بآية أو رواية عن الرسول الكريم، بل كان موقفا سياسيا، إلا أنه عبّر عن رؤيته، ووجهة نظر مختلفة رغم استنادها لذات الأسس القبلية التي ارتكز لها الأنصار والصحابة في سقيفة بني ساعدة، أي منطق القبيلة، والقرابة من النبي محمد بن عبد الله القريشي.

واتضح أيضا أن موقف علي  من بيعة أبي بكر، لم يخلق أجواء سياسية مناهضة لبيعة الخليفة الأول، واقتصر تأثيره في حدود أهل بيته وأصحابه المقربين، وهم المستضعفون من الصحابة، رغم أن أحداث السقيفة وما تلاها، غدت فيما بعد أحداثا مدوية، ظلت تتردد على مدى التاريخ، مزّقت المسلمين وحرّضت ضدهم، منها استمد بعضهم شرعيته في السلطة والحكم لاحقا. بل حتى اليوم، مازال الحاضر يستمد شرعيته من الغائب. وهنا تبرز علامة استفهام كبيرة، لماذا لم يجد موقفه الأول من الخلافة أي صدى بين الصحابة طوال ستة أشهر؟ ولماذا لم يمده بمواقف جديدة؟ ولم يغذّه بأفكار تبلور أهدافه وغاياته؟. وأما تصريحاته خلال اجتماعات الشورى، وإبان حكمه، فقد جاء بعد نضوج أفكاره، ومعاصرته لخليفتين، وتعمقه في فهم نفوس الصحابة، وتطلعاتهم السياسية، وولاءاتهم وتحالفاتهم ومواقفهم وهواجسهم من أهل البيت.

واخيرا، عندما نرصد سلوك علي نلاحظ التريث والتراخي سمة واضحة في موقفه من الخلافة، رغم اصراره على طرح نفسه مرشحا لها، والدليل قوة الدعم التي حظي به من قبل بني هاشم وأبي سفيان وبعض الصحابة المقربين، إلا أنه لم يتخذ أكثر من موقف المعارضة السلمية، مما يعني إما أنه كان يفكّر أبعد من الخلافة السياسية. أو أنه أقتنع بدور الإمامة الدينية، لأنها تلبّي حاجة اجتماعية وتشريعية. وعليه لم تكن وصية الرسول لعلي وصية سياسية، ولا وصية دينية بمعنى الإمامة الدينية بمفهومها الشيعي المنحاز للأسطرة، والقداسة. وإنما وصية شخصية، كفعل ديني ملزم لجميع المؤمنين، قبل وفاتهم. ولا يمنع أن تتضمن تعاليم ووصايا دينية، فمحمد بن عبد الله نبي مرسل، ويخشى على رسالته الانحراف، كما حصل بالنسبة للأقوام السابقة، وعلي وصيه وثقته. لكن رغم جنوح الإمام علي للسلم ومبايعة أبي بكر إلا أنه حقق بموقفه من خلافة الأخير مكاسب كبيرة جدا، وهي:

1- فضح المبدأ القبلي في تنصيب الإمام أو الخليفة، وكشف أنه مجرد خدعة لكسب السلطة، وليس وفاء حقيقيا لهذا المبدأ. فقد احتجوا على الأنصار بقرابتهم من الرسول وبأنهم من قريش، فأحرجهم علي حينما طرح نفسه الأقرب لرسول الله، فهو ابن عمه، وزوج فاطمة الزهراء، وأبو الحسن والحسين، وهو الصحابي الجليل والمقرب جدا من النبي الكريم، وصاحب المواقف التاريخية في الإسلام بشجاعته وكرمه، وهو وصي رسول الله بعد وفاته.

قال علي مخاطبا أبا بكر: (الله الله ، يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ولا تدافعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم)، المنطق القَبلي يقتضى تنصيبه وتقديمه عليهم أجمعين. وبهذا فضح علي هذا المبدأ، من خلال تبنيه بمدأ القرابة من الرسول. رغم أن المبدأ القبلي لا ينسجم مع قيم الدين الحنيف، لكنه كان مرجعيتهم في السلطة والحكم قبل وبعد الإسلام. فليست المسألة مسألة قرابة من النبي وإنما كفاءة وقدرة وأفضلية في السياسة والحكم، خاصة والكل يعرف أن "أقضاكم علي"، والقضاء يستبطن العدل والإنصاف، والقدرة على تشخيص الموضوعات، وهذا أهم ما يحتاجه الحاكم السياسي. إضافة إلى مبدئيته، وتقواه وسلوكه المتوازن، وتربيته في أحضان النبي الكريم، بل هو خريج مدرسة الرسول، وتلميذه الوفي. وإذا كانت الضرورة قد فرضت عليه التماشي مع القوم في شعارهم القبلي فطرح نفسه باعتباره الأقرب لرسول الله، أو كان حقا يفكر بنفس طريقتهم القبلية، فإن موقفه اختلف مع أحداث الشورى، حيث تألق في طرحه الرسالي والإنساني بعد نضوج تجربته الاجتماعية والسياسية والفكرية، حيث المعروف عن علي حكمته، يشهد لها الجميع. فبيّن أهدافه ومبادئه بكل وضوح، ليؤكد أفضليته لقيادة المجتمع الإسلامي. وهنا ينبغي التذكير، ثمة من يسجل على علي ملاحظات، تبرر موقف عمر منه. وعدم تنصيبه للخلافة، وهذا لا يقدح بجلالة قدره، والحكم منزلق، يقع الجميع في أخطائه.

2- التأسيس للمعارضة السلمية، ليؤكد دوره كأسوة في السلوك، ومرجعا في الشريعة والفكر، وأفضليته في السياسة والحكم. وهذا موقف تاريخي يسجل للإمام علي، خرج فيه عن أعراف العرب بالركون للعنف والسيف، بل المتعارف لدى جميع الشعوب آنذاك هو التمسك بالقوة في حالة المعارضة والاختلاف، لكن عليا تمسّك بمبدأ المعارضة السلمية. وبهذا استطاع تحقيق مكاسب كبيرة، أسس من خلالها لمبادئ جديدة في السياسية والحكم. وهذا هو معنى أفضليته.

لا شك بوجود نظرة مثالية تبجيلية، غير أنها مبررة بالاتفاق بين المذاهب الإسلامية حول جلالة علي بن أبي طالب وقربه للرسول وفهم الرسالة. بشكل عام أشجب منطق التبجيل، غير أني بصدد إعادة تشكيل الوعي الشيعي خارج النص والتعيين، وخارج الإمامة الربانية. وهذا لا ينفي وجود ملاحظات حول سياسته وخلافته، وكيفية تعامله مع أنداده السياسيين، لكن اشترط مناقشتها وفقا لظروها، وعدم قياس الغائب على الحاضر، أو محاكمته وفقا لمبادئ وقيم تبلورت بعد أكثر من ألف عمام.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (5)

This comment was minimized by the moderator on the site

لا يوجد عندي اضافة بعد هذه المناقشة المسهبة لكل تفاصيل الفتنة. فهي ليست خلافا في وجهات النظر فقط. بل هناك مطبخ سياسي قد كان مستعدا لقلب الطاولة على من يجلس وراءها. و لتوجيه دفة الاحداث بعكس عقارب الساعة.
و لكن هناك وجهات نظر ليبرالية غير استشراقية للأزمة و منها ما نقلته بتواضع العربية منذ سنوات فقط للاشارة لظل الأزمة. لا زلت اخشى من الدخول في المياه العميقة.
رابط الترجمة هو
https://aleftoday.info/article.php?id=7334
شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

الاضافة نفس حضورك واهتمامك وتعليقك، وايضا تعريفنا باحد ترجماتك القيمة. شكرا لك الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

يرجى الالتزام بضوابط التعليق المثبتة في باب اتصل بنا كي يسمح بنشرها
مع الاحترام

المحرر
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4863 المصادف: 2019-12-29 04:33:50