 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (147): الغدير وولاية الفقيه

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة السابعة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق13من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الصحابة والشورى

ماجد الغرباوي: كما حصل في أحداث السقيفة سنة 11 هـ نزاع حول السلطة، تكرر في وقائع الشورى، مع اختلاف أطراف اللعبة السياسية باستنثاء علي بن أبي طالب، الذي أقحمه عمر بن الخطاب في الشورى إسوة بالآخرين دون استشارتهم. كما لم يكن طرفا مباشرا في أحداث السقيفة عندما حُسمت الخلافة لأبي بكر، واقتصر الأمر على الأنصار والمهاجرين.

وأيضا كما في السقيفة حدث تراشق بالألفاط بين صحابة الرسول، وتجلّت القَبلية على لسان المتحدثين بشكل واضح وصريح، حتى نسوا القيم والمبادئ الإسلامية، كما في خطاب رجل من مخزوم مع عمار بن ياسر، الصحابي الجليل الذي قال فيه رسول الله: "عمار تقتله الفئة الباغية"، حيث خاطب المخزومي عمارا: (لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها)، باعتباره أدنى نسباً، لا يحق له التدخل بشأن قريش!!. والمنطق القَبلي الذي ضبط مسار السقيفة عاد ليفرض سلطته على الشورى بشكل فاضح لا مواربة فيه.

 والأخطر من كل ذلك ضابطة عمر مع الشورى، حيث أوصى بقطع رأس من يعترض، إذا اتفق خمسة على شخص، وكذلك يقتل الإثنين إذا اتفق أربعة منهم. وهي ضابطة دموية، تفتقر لأبسط مبررات الشرعية والأخلاق. فمتى حَرَمَ الإسلام الناس حق المعارضة السياسية؟. لم يكن عمر شخصا عاديا، وكان ثاني خلفاء المسلمين، والسؤال عن شرعية قراراته سؤال عن مرجعياته التي أباحت له قرار قتل المعارض السياسي، الذي قد يُدرك أبعاد لا يدركها غيره.

 ثم أن عبد الرحمن بن عوف لعب دورا أساسا في مبايعة عثمان، أشبه بدور عمر مع أبي بكر، وقد نبّه لذلك علي حينما قال له: (والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر اليك، والله كل يوم هو في شأن). والسبب عندما تقصّى عبد الرحمن آراء الشورى بدأ بالزبير فقال له: خل ابني عبد مُناف وهذا الأمر، قال: نصيبي لعلي، وقال لسعد: أنا وأنت كلالة، فاجعل نصيبك لي فاخاتر. قال أن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي. فلما ضمن علي ثلاثة أصوات "الزبير وسعد وهو"، غيّر عبد الرحمن خطته، وعدل عن عدد الأصوات للمرشح، كآلية في الانتخاب لتحقيق العدالة التي هو مؤتمن عليها، وفرض مبدأ الالتزام بسيرة الشيخين أبي بكر وعمر كشرط للانتخاب. وهو مكر وخداع، خالف حتى شروط سيده عمر بن الخطاب. وهو يعلم جيدا أن عليا يرفض ذلك، فعلي أساسا تحفّظ على بيعة أبي بكرلأنه يحمل وجهة نظر أخرى، ويؤمن بمبادئ دينية وأخلاقية تحقق قدرا كبيرا من العدالة، ليس فيها محاباة قَبلية، ولا تقديم للولاء على الكفاءة. لهذا استطاع عبد الرحمن أن يضمن البيعة لعثمان الذي يمثل امتدادا لأبي بكر وعمر، وأقصى عليا، دون أن يعترض على ألية الترشيح أحد من الصحابة، سوى عمار والمقداد، مخالفا بذلك وصية عمر في إحصاء عدد الأصوات كشرط للفوز بالخلافة. ويبقى سؤال: هل شرط الالتزام بسيرة الشيخين متفق حوله مسبقا لتدارك أي موقف طارئ. أم وليد عبقرية اللعبة السياسية؟ تبقى طي الكتمان حينما استبعدتها المداولات السرية للسلطة. ولم يشترط أحد من قبل سيرة الشيخين شرطا في الخلافة، فبعد قريشية السقيفة التي أضحت شرطا في صحة الخلافة، جاء شرط سيرة الشيخين، مما يؤكد عدم وجود مرجعيات كافية لتبني نظام سياسي موحّد للمسلمين، لاكتفاء القرآن بمبادئ وقيم كفيلة بضبط الأداء السياسي على أساس قيم الحق والعدالة والعقلانية والرحمة وكرامة الإنسان، ومنع الظلم والجور والعدوان. والسبب الثاني عدم تصدي النبي لمسألة الخلافة، بما فيه حديث الغدير، وهو ما نود تحريه منذ بداية البحث. كانت السقيفة ومن ثم الشورى فرصتين كبيرتين لاختيار خليفة يتمثل قيم الدين والإنسانية، لولا المنطق القَبلي، الأبوي الذكوري الاستبدادي، الذي تعامل مع السلطة بمنطق الغنيمة التي تبرر الوسيلة والمكر والاحتيال لاحتكارها .

لكن لماذا الموقف من علي، وهو ابن عم النبي القرشي، ومن وجهاء قريش وبطونها؟. هذا ما أجاب عنه علي حينما قال: (إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها، فتقول: أن ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم). (المصدر نفسه، ص81). فالمسألة واضحة، صراع عنيف حول السلطة، والملأ يدرك تماما مكانة أهل البيت، ويدرك مبدئيتهم في السلطة والحكم، وهذا يفضي إلى حرمانهم، وهم ما كادوا يصدقون عودتها إليهم بعد أن حرمهم الدين الجديد سلطانهم. وهنا نخلص إلى نتائج مهمة:

نتائج الموقف الثاني

جاء الموقف الثاني لعلي بن أبي طالب من الشورى، معزِزا لموقفه الأول، الذي يرى أولويته في الخلافة. وكشف في موقفه اللاحق عن بعد فكري وإصرار مبدئي، تعبيرا عن نضوج رسالي، بعد معاصرته لخلافتي الأول والثاني، وكان في قلب الأحداث، قريبا من دوائر القرار، وتنتهي له أخبار الطموحات السياسية والتحالفات الأسرية، لذا كان قلقا على مستقبل السلطة، تؤكده شروطه التي اشترطها على عبد الرحمن بن عوف حيث كشفت عن هاجس استغلال السلطة، وتقديم الولاء على الكفاءة بما يعرفه عن عثمان وشبكة علاقاته مع بني أمية. وبهذا استطاع علي أن يبلور اتجاها آخر في السياسة والحكم، ويرسّخ التشيّع من خلال موقفه من الشورى، وبهذا يتضح لماذا يصر عليٌ على دخول المعترك السياسي إذا كانت مهمته أن يكون قدوة في السلوك ومرجعا في الفكر. فعلي بات يحمل رسالة، كما هو واضح من شروطه، ويرى في نفسه الكفاءة. وأعني أن سلوك الإمام يقوم على مبادئ دينية وأخلاقية، ترتكز للعدالة وإنصاف الناس وعدم المحاباة، وهذا لا يكون دليلا على نقض المبدأ القَبلي، كآلية في الخلافة، والذي ارتكز له الجميع كما تقدم. ونكتفي هنا بتلخيص نتائج الشورى:

1- أسس علي بن أبي طالب عبر مواقفه لمبدأ عدم الخلاف لتفادي أي انشقاق في صفوف المسلمين، وتمزق الموقف الموحّد، خاصة الموقف من القضايا المصيرية. وهو  ما قاله صراحة في رده على عمه العباس، حينما اعترض على موافقته دخول الشورى:

 (فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم، قال: أكره الخلاف. قال: إذا ترى ما تكره). والفارق أن منطق العباس كان منطقا سياسيا براغماتيا. وكان منطق علي منطقا مبدئيا. الأول لا يفهم المنطق المبدئي، ويحسب السياسة حساب براغماتيا. "آل البيت مقابل قريش"، وفق منطق الغنيمة. هذا ما يفهمه في ضوء قبلياته القَبلية. ولا يمكنه إدراك ما هو أبعد من الخلافة وفق منطق الغنيمة، ولا يهمه مستقبل الدين، كما يفهمه علي.

2- أفصح الإمام علي من خلال خطبه أيام الشورى عن مبادئة والخطوط العريضة للتشيّع، ولم تكن قبل ذلك معروفة وواضحة. وقد أطّرت طروحاته التشيع بإطار عقدي – فكري – سياسي، وغدت معالمه واضحة، وهذا أحد أسباب وصف التشيع بـ"الرافضة"، مادامت مبائ علي تستبطن رفض ما يتقاطع مع قيم الدين:

ا- في رواية أنه قال: (الحمد لله الذي بعث محمدا منا نبيا، وبعثه إلينا رسولا، فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حق أن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السُرى. لو عهد إلينا رسول الله عهدا لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت. لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم .. ). (المصدر نفسه، ص83). وهنا يتحدث عما هو أبعد من العلاقات الأسرية. وقد بيّن بوضوح أنهم إضافة إلى قربهم من الرسول يتمتعون بخصائص الإيمان، وتصديق الرسالة، حدَ التضحية في سبيل الله، ولازم كلامه أن الخلافة تستدعي وجود المؤمن، المضحّي، المخلص الذي يعي معنى الدين وأهدافه المقدسة.

ب- عندما سأل عبد الرحمن بن عوف أعضاء الشورى: أيكم يخرج نفسه .. فقال القوم: قد رضينا، وعلي ساكت. فقال عبد الرحمن: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقا:

- لتؤثرن الحق،

- ولا تتبع الهوى،

- ولا تخص ذا رحم،

- ولا تألوا الأمة ..

ج- عندما سأل عبد الرحمن بن عوف الإمام علي في المسجد: (هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفِعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي ...). وهنا يتجلى منهج علي الذي يختلف فيه مع غيره من الصحابة، رغم اتفاق الجميع على العمل بكتاب الله وسنة نبيه، لكنه يختلف معهم في تقليد الشيخين أبي بكر وعمر. فعبد الرحمن بن عوف أراد إحراج علي (على خلفية تحفظاته القديمة حولهما)، لكنها جاءت لصالحه حيث أعلن عليٌ أمام الملأ صراحة عن مبادئه في السياسة والحكم. وأكّد أن التمسك بسيرة الشيخين لا تقع ضمن أولوياته، بل يعمل وفق اجتهاده، وفقا لمتطلبات الموقف السياسي المحكوم بظرفه، وهذا يتنافى مع تقليد سيرة الشيخين، التي هي اجتهادات محكومة بظرفها. ليس بالضرورة أن تكون لعلي تحفظات على سياسة الشيخين، لكن تقليد سيرتهما لا معنى له مع تقلبات الظرف السياسي، كما أنه يؤسس لسابقة خطيرة، تفرض السابق على اللاحق في السياسة والحكم. ثم إنه يرى صواب رأيه الذي ينطلق عن رؤية سياسية متكاملة. وقد عبّر عنها في إحدى خطبه: (اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شئ من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك. فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك. اللهم إني أول من أناب وسمع. (نهج البلاغة: 131)...). وأيضا ما جاء فيما بعد من خطب ورسائل، مازالت محفوظة في كتاب نهج البلاغة.

هذه هي مبادئ علي بن أبي طالب في السياسية والحكم عندما يقال بأفضليته. فهو يملك رؤية ونظرية تقوم على مبادئ دينية وإنسانية، قوامها العدل والانصاف وعدم تقديم الولاء على الكفاءة، بها افترق عن غيره من الصحابة، وربما لأجلها تحفّظ على بيعة أبي بكر، وقبل بالشورى، مادام يعتقد أنه الأصلح والأفضل والأقدر. وهذا لا يعني عصمته في ممارسة السلطة، وقد تصدر منه مواقف خطأ، والسياسة تعتمد على المتغيرات والمفاجآت، بعيدا عن الأخلاق والقيم عادة، وهذا ما يرفضه علي ويتمسّك بمبدئيته، مهما كانت تقلبات السياسة ومفاجآتها. وقد كلفته مبدئيته ثلاثة حروب داخلية، قوامها الصحابة والتابعين لهم، وهو أمر يؤرق الباحث عن جدوى هذا اللون من الحلول، ولماذا غابت الحلول السلمية، واختفى منطق التسامح، ليحل العنف محل المعارضة السلمية؟!!.

3- وقف إلى جانب علي كل من عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكلاهما صحابي جليل، دافع عن حق علي كأفضل خليفة للمسلمين، وقد طرحا مبررات الترشيح والدفاع عنه بكل وضوح. فأكدا على قربه من النبي، انسجاما مع المنطق القبلي الذي ارتكز له الجميع. وأيضا بيّنا خصائصه، كشخصية إسلامية مميزة، وكصحابي له ما يميزه من الصفات. (فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون).

وبهذا استطاع علي وأصحابه أن يفصحوا عن معالم تشيّع فكري – عقائدي، عبر مواقفهم من الشورى وما أفضت له من نتائج تعمدت إقصاء علي. وهي كما ترى نتاج تربية نبوية، وممارسة سياسية وفهم حقيقي للدين في آنه. وليس للموضوع علاقة بالوصية، وأن الإمامة منصوص عليها كما يصرّ على ذلك التراث الشيعي، مما يدل على عجزه على استخدام المنطق السياسي العقلاني في الدفاع عن علي كمشروع سياسي - ديني. واصرارهم على قضايا لم يتفق عليها المسلمون. والتالي، وهذا ما يهمنا، لم ترد أية إشارة لحديث الغدير والوصية والنص على إمامته، وكان يؤكد على استقلاليته حينما رد على عبد الرحمن: (قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي). فهو مؤهل لها وفق المنطق السياسي، ولم يتوسل بأي نص ضدهم. ولم يؤكد التاريخ أنه حاجج القوم بوصية عن النبي. أو بحديث الغدير، ولم يدع ترشيحه من قبل النبي، وكان يظهر لهم دائما بقوة شخصيته وحضوره وسابقته.

4- ظل علي مرابطا في خندق المعارضة السلمية كمبدأ أساس في العمل السياسي، الذي أسس له في أحداث السقيفة، فالمعروف أن عليا لم يتحرك ضد بيعة أبي بكر رغم وجود ثلة من الأنصار المميزين بمكانتهم الدينية والاجتماعية، وأكتفى بالمعارضة السلمية.

5- اتضح من خلال مواقف الإمام وصحبه في الشورى حجم التطور الفكري في رسالة التشيّع، فخلال 11 عاما من أحداث السقيفة مر عليٌ بتجربة اجتماعية وقضائية أكسبته خبرة مضاعفة، ومنحته عمقا سياسيا. فهو لم يخرج تماما عن المنطق القبلي الذي تشبّث به المهاجرون في أحداث السقيفة، لكنه تريّث وتراخى رغم وجود الأنصار والدعم الكبير من قبل أهل بيته وبعض الصحابة.  وتريثه يكشف عن وجود رؤية وهدف يمضي لتحقيقه. وكان ينتظر دورا أوسع لأداء رسالته. أما خلال وقائع الشورى فقد اكتفى ببيان معالم خطه الرسالي، والمبادئ التي يؤمن بها، بعد أن يئس من الخلافة. وقد بينت خطبته الرقم (3) في كتاب نهج البلاغة المعروفة بالخطبة "الشقشقية". ولا يمكن الجزم بصحتها.

6- رغم قساوة رد العباس بن عبد المطلب حينما قال لعلي: (لم أرفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره، أشرت عليك بعد وفاة رسول الله "ص" أن تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت. وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت. وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت. احفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم، فقل لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، وايم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير). وعلي لم يرد عليه، لأنه عمه وأكبر منه سنا، وله مبادئه وقناعاته في قراءة المشهد السياسي، وفهمه للأحداث، فلم يجادله. وإنما رفض البيعة لحفظ وحدة المسلمين، وعدم شق عصاهم، خاصة ومآرب أبي سفيان لا تخفى عليه. كما أن عليا كان ينتظر فرصة أكبر ودورا أوسع فلماذا يفرّط بها. وأما لماذا دخل في الشورى فقد ذكرنا أن عليا لا يحب الخلاف والفِرقة. وإنما خسر الشورى لأنها أديرت بحذاقة وتخطيط عمري يفضي إلى إقصائه، فقد أكد علي حينما قال قُرِن بي عثمان، وقال كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمن. فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله إني لا أرجو إلا أحدهما. فالقضية محسومة سلفا، ومخطط لها بدقة وفق حسابات قَبلية.

الإمامة وولاية الفقيه

بهذا نخلص إلى عدم وجود ما يؤكد أن الإمامة السياسية نص وتعيين من قبل الله تعالى، ولم تنص الروايات الواردة عن النبي صراحة بذلك، والروايات ليست بحجة، ما لم نقطع بصحة صدورها. وأن تكون الرواية متفرعة على حكم قرآني، كي تكون شارحة ومبينة، وفقا لذات المنطق القرآني، الذي حدد مهام الرسول. وقد اتضح من خلال السرد التاريخي، أن منطق الغنيمة والمبدأ القَبلي قد سادا مفاوضات السلطة بين الصحابة، وتحكّما بمفاصل النزاع حولها، باستثناء الأنصار، ممن رأوا أنفسهم خارج السلطة، تحت ضغط التوجهات القبلية المدعومة بثقافة راسخة، تقدم الولاء على الكفاءة.

وتبقى الدولة ضرورة اجتماعية، وليست دينية، بمعنى التكليف الشرعي. ولا جزءا من أصول الدين وفروعه، ولم تتطرق لها أحكام الشريعة في المدونة القرآنية. وهذا لا يمنع أن يقيم المسلمون دولتهم وفق تعاليم الدين الحنيف، لكنها ستكون دولة المسلمين أنفسهم، لا دولة دينية، ولا دولة إلهية مقدسة، ولا ولاية وقيمومة للخليفة أو الإمام، إلا ما يقتضيه منطق السلطة، وهي ولاية قانونية محدودة وليس ولاية دينية مطلقة، الراد عليهم كالراد على الله تعالى. إنما دولة بشرية تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، فتقع تبعاتها وأخطاؤها عليهم، وهم يتحملون مسؤوليات تداعياتها. وليس للخليفة أو الإمام فيها أية ولاية، بمعنى القيمومة والسلطنة، سوى عقد البيعة وشروطها. وفي هذه الحالة تستمد السلطة شرعيتها من بيعة المسلمين. بينما على أساس الإمامة المنصوص عليها، ستكون للخليفة ولاية وقيمومة وقدسية، منها تستمد الدولة مشروعيتها، ويمثل فيها الإمام أو الخليفة سلطة الله، لا يجوز الرد عليه أو محاسبته إلى غير ذلك. والسلطة بمعنى الولاية والقيمومة هي الركيزة الأساس لنظرية ولاية الفقيه، المتفرعة عن ولاية الأئمة. وهو مبدأ ظهر حديثا، وتمسك به روح الله الموسوي الخميني، وأقام دولته، بتصور غير مألوف لدى فقهاء المذهب الشيعي. ونظرية ولاية الفقيه لا تمثل جميع فقهائهم، وبعضهم يرى "دونها خرط القَتاد" مثالا على استحالتها دينيا، رغم أنها فكّت الحصار حول السلطة التي يرى الشيعة أنها من مختصات الإمام المعصوم، وهم ينتظرون إقامة دولة العدل الإلهي على يد الإمام المهدي، ويرون: (كل راية قبل المهدي راية ضلال)، فجاء الفقيه ليمنح نفسه صلاحيات الإمام المعصوم، ويمارس السلطة بنيابة عامة وليست خاصة كما بالنسبة للسفراء الأربعة. وقد أصّلها فقهيا من خلال أدلة لا تصمد أمام النقد الفقهي، يطاردها ضعف وندرة الروايات، واختلاف موضوعاتها، كـ"مقبولة" عمر بن حنظة، عمدة الأدلة. ولو سلمنا جدا بالدليل العقلي، فلا يلزم منه نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم، والبحث في محله. وتقدم بيان أبعادها.  يقول الخميني في جانب من كلامه حول صلاحيات الولي الفقيه: (الحكومة فرع من ولاية رسول الله المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، وهي مقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج. ويمكن للحكومة أن تفسخ من جانب واحد كل عقد تعاقدته مع أفراد الأمة إذا رأت في ذلك مصلحة للدولة والإسلام). وكون ولاية الفقيه فرع من ولاية رسول الله أول الكلام. وحتى لو سلمنا بولاية النبي المطلقة، فإن انتقالها إلى الفقيه يحتاج إلى نص صريح، وهو مفقود بالضرورة، كما أن مفادة ولاية المؤمنين لا تنفع وتم الحديث عنها سابقا. غير أن التصريح الأخير للسيد علي السيستاني، وهو المرجع الشيعي الكبير حاليا، مثّل قفزة كبيرة في الوعي السياسي الشيعي حينما أكد من خلال خطيب الجمعة في  مدينة كربلاء - العراق: (إن الحكومة إنما تستمد شرعيتها ـ في غير النظم الاستبدادية وما ماثلها - من الشعب، وليس هناك من يمنحها الشرعية غيره، وتتمثل إرادة الشعب في نتيجة الاقتراع السري العام إذا أُجري بصورة عادلة ونزيهة). وأكد في يوم 20 – 12- 2019م، (وقد أشرنا في خطبة سابقة أن الشعب هو مصدر السلطات ومنه تستمد شرعيتها كما ينص عليه الدستور).

حان الوقت للتخلص من الاستبداد الديني، الذي عمد الفقه السلطاني والعقيدة الشيعية، إلى شرعنته وتقديسه، وفك الارتباط بماضٍ لا يعرف شيئا عن مشكلاتنا وإشكالياتها، ولا يصلح حلا لواقعنا، مادام نتاجا لظروف مختلفة، وثقافة ترتبط بواقع مغاير. ويمكن للمسلمين الارتكاز لقيم الدين ومنظومة القيم الأخلاقية، وإقامة دولة الإنسان، بعيدا عن الاستبداد ومنطق الولاية الذي يكرّس التبعية والانقياد والعبودية ويألف لا شعوريا عبادة الأوثان.

يكفي ولاية الفقيه خطرا أنها ترتهن إرادة الفرد، وتصادر موقفه، ولو على حساب شعبه ومصالح وطنه... تحتكر الشرعية السياسية والدينة، ولازمه إدانة جميع الحكومات. وتعتبر طاعة الولي الفقيه طاعة لله ورسوله، والولاء له ولدولته واستراتيجيته واجب ومقدم على ولاء النفس والوطن. ولا يخفى حجم التزوير في هذا الفهم، فولايته مهما كان دليلها، لو سلّمنا بصحتها، لا ترقى لولاية الله ورسوله. لأن الولاء لهما ولاء للحقيقة المطلقة، وولاية الفقيه نظريه اجتهادية آمن به بعض الفقهاء، وبعض آمن بها على مضض، وألغالبية المطلقة من فقهاء الشيعة لا يؤمنون بها، فضلا عن صلاحياتها المطلقة. وهذا النوع من الولاء يشبه ولاء الحركات الإسلامية المتطرّفة التي ترى نفسها حقا مطلقا، وتفرض على الناس طاعتها والانقياد لها، مهما أسرفت بالقتل والظلم والجور!!!. إن ولع السياسة وحب السلطة، يبيحان تؤيل النصوص لصالح شرعنة سلطة الفقيه ومن يقوم مقامه بالنسبة للحركات الإسلامية. وهذا ما يحصل فعلا. قد لا تظهر تداعياته الآن، غير أن الوعي والمستقبل كفيلان بالكشف عنها مستقبلا.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

ان تلك الأخطاء التي صدرت من زعماء المسلمين في عصرهم سببت لنا معضلات كارثيه في مجتمعنا المعاصر وهذا ناتج عن تبربر تلك الهفوات من قبل ثلة من رجالات المسلمين وجعلها بمثابة دستور الإلهي لأيمكن نقده والاعتراض عليه رغم ركاكة تلك الآراء ودمويتها ...! فلا ادري كيف يستباح دم المسلم لمجرد عدم الإقرار برأي الخليفة حتى يأمر بقتله ...! بل كيف يمكن لي ان أعيش بعقليه ١٤٠٠ عام مضت وهي مجرد افكار بشريه محضه ونسبه الخطأ وراد جدا فيها...!؟
ثم انك حين تطالع بحث الأستاذ الغرباوي وعرضه المحايد في اسقرائه للواقع التاريخي تجد اننا في كارثه حقيقية اذ اننا نتخذ من تلك المغالطات التي صدرت من إعلام المسلمين منهجًا لنا في الحياة فنولي من لايستحق زمام امورنا ونقتدي بمن لانريد استندا على تلك المغالطات في استنباط الاحكام ليست الشرعيه وحسب بل تعدى ذلك الى الاجتماعية منها...! وهذه الاستنتاجات الخاطئة غير محصوره في طائفة معينه دون اخرى فهي بل امست وباء مستفحل في الأمة الاسلاميه حتى باتت سببا أساسيًا في تدهور حاليا يوما بعد يوم.

جابر علي مرهون
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ جابر علي مرهون، شكرا لحضورك وتفاعلك مع هذه الحلقة. وشكرا لحسن ظنك وثقتك. بالفعل ما تفضلت به صحيح، فثمة تزوير ينبغي لنا الكشف عنه كي نتعرف على حقائق الامور وننشغل ببناء مستقبلنا. تحياتي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4877 المصادف: 2020-01-12 02:30:10