 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (159): فلسفة الخلق ومحددات القراءة

majed algharbawi6احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

محددات القراءة

ماجد الغرباوي: إن تعهد المقدمات الأنفة يوفر فهماً ينسجم مع البنية المثيولوجية لقصة الخلق، مادام النص يتأثر بمفهوم الوحي. وأيضا يتأثر بقراءته ضمن سؤال الوجود وفي الإطار الكلي للقرآن، الذي عاصر نزوله تراثا لاهوتيا زاخرا بنصوصه الدينية، وقد طرح التوراة ومن قبله الحضارات القديمة قصة الخلق بشكل مغاير. وبالتالي فإن المقدمات الأربعة تمهّد لفهمٍ يسمح بمقارنتها بالنظرية الوضعية عن أصل الإنسان. وهذا يعني أن المنهج سيلعب دورا حاسما، لاكتشاف الترابط بين عالمي الغيب والشهادة، الذي هو استراتيجية الخطاب الديني بعامة، والقرآن بخاصة. والكشف عن علاقة النص الديني بالمكان والزمان، ومدى تأثره بالواقع، وقبليات المتلقي. خاصة القضايا النسبية التي تشكل مساحة واسعة من الكتب السماوية، وهي رهان الدين في ترسيخ الإيمان بعالم الغيب. فنحن لا نحتاج للتفسير بقدر حاجتنا لفهم النص وترابطاته. والفهمُ جهد نقدي وتأويلي، وتوظيف أدوات وآليات تقصى مدارات النص لتشرق روح النص، وعدم الوقوف عند حدود اللفظ وحمل اللفظ على معناه المعجمي. والجمود على حرفية النصوص.

ويجدر التنبيه، عندما يفرض  النص محدداته على فعل القراءة، يريد التنبيه إلى خصوصيته، التي تستدعي منهجا معرفيا لتقصي مداراته الواقعية والمثيولوجية، دون إقصاء المتلقي مادام موضوعيا في قراءته وتأويله، فهي محددات من داخل النص، تقتضيها طبيعته، لا من خارجه أو مفروض عليه. مثله مثل العلوم التي تستخدم أرقاما ورموزا في معادلاتها ومسائلها، فهي ضرورة تقتضيها طبيعة النص وموضوع العلم. ويبقى النص مفتوحا لاستنطاقه حيث مرَّ بنا: أن النص بطبيعته مستغرق في صمته، يخفي دلالاته، وأسراره ورمزيته، لا تستنطقه سوى القراءة الموغلة في نقدها، وتفكيكها لتراكم طبقاته المتوارية، بحثاً عن ركائز سلطته وطريقة أدائها ضمن نسيجه اللغوي، وهي خصائص تستدعي فرض محددداته التي تنوّه به وبطبيعته. ولا أقصد بالمحددات غلق مدارات البحث، وهدر قبليات المتلقي، وقمع الباحث وراء قضبان القداسة، كما يفعل العقل التراثي، الذي يضعك بين  التماهي والاقصاء، ويفرض عليك سلفا جملة قناعات عقدية وأيديولوجية تعمل محددات قبلية، بينما تشترط القراءة التأويلية حرية الباحث ما لم يفرض النص ضروراته، فيقوم بمسح عام للنص وعلاقاته وترابطاته والهدف الكلي، وأشياء لها علاقة بفهمه، ويتوقف عليها تحري دلالاته. وبالتالي ثمة مهام تستدعي تقنيات لغوية تتواءم مع مشاغل النص الديني، وفي ضوئها سنفهم جملة من دلالات قصة الخلق، ووجه الاختلاف بين نظريتي الخلق والتطور.

لا فيتو على نتائج البحث، بأي منهج من مناهج نقد النص. والحق، الذي يتحدث عنه القرآن، حينما يعتبر نفسه حقا، يمكن للناقد مقاربته بنسق عقلي، لتحري صدقيته، بعد تحديد مرجعيات الحق، رغم أن القرآن يعتبر الخالق حقا مطلقا وما يصدر عنه حق مثله، لكن لا يمنع من مقاربته. بمعنى آخر، أن القداسة لا تحول دون النقد، بل تنبّه لتعالي النص، مما يستدعي تأملا طويلا في ثناياه دون التسرع في الحكم عليه. بل أن فلسفة الدين تقتضي أن تكون مادتها من الدين، ومن ثم محاكمتها وفق نسق فلسفي وعقلي ليشكل إطارا نظريا لها. وعندما تعلو سلطة العقل، قد يتفق أو يختلف مع ثوابت الكتاب، شريطة الارتكاز للدليل. القرآن يحتكر الحقيقة ويقدم نفسه حقاً مطلقا، ويبقى للباحث هامش كبير للمارسة النقد وتحري صدقية مفاهيمي. ودائما يبقى الرهان على نقد النص من خارجه، بما فيها النص المقدس، وهذا لا يضر بقدسيته، وفقا لمفهومنا المتقدم. خاصة أن القرآن يتحدى، ومن يتحدى يقبل رهانات التحدي، ولا شك أنه يقصد الرهان العقلي، لأنه الوحيد القادر على طرح ما يقابل النص، مهما كانت مرجعياته. وبالفعل أمارس هذا اللون من النقد خلال بحوثي.

وهنا نؤكد على حرية المتلقي في رفض قداسة النص الديني، ورفض جميع القضايا الميتافيزيقية لعدم ثبوتها بالتجربة أو بالدليل العقلي. ومن حقه عدم الإيمان بالوحي، وقدسية القرآن. فيتعامل معه كنص بشري خاضع للنقد والمراجعة، ورفض ما يرفضه العقل والتجربة. لكن عندما يروم نقد النص الديني باعتباره نصا متعاليا مقدسا فإن القضايا الغيبية التي هي قضايا مثيولوجية تعتبر جزءا أساسا من بنيته، رغم نسبيتها خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي القائم على الإيمان والإذعان للخطاب الديني. وعندما أتناوله ضمن تخصصي أتناوله على هذا الأساس، أفترض أنه نص مقدس متعال، وفق فهمي لمعنى قداسة النص وتعاليه الذي نوهت عنه مرات عدة. وأروم فهمه ضمن محدداته، فيكون البحث مقدّرا. أي على تقدير قدسيته وتعاليه، فكيف نفهمه ضمن نسيجه اللغوي ورمزيته شريطة الحفاظ على تاريخيته بعد التحرر من سطوة التراث والعقل التراثي؟. وكيف يمكن توظيفه لتعزيز القيم الإنسانية والروحية خاصة التقوى التي هي إحدى رهانات الدين في إعادة تشكيل العقل "المتدين"، من أجل تحقيق سعادة الفرد والمجتمع، وإرساء قيم العدل والحق والتسامح؟. والسبب أن مجتمعاتنا مسكونة بالدين والغيب، ويمثل الدين جوهر الهوية العرب - إسلامية، ولا يمكن عزله عن الوعي الفردي والعقل الجمعي، فينبغي تحرير دلالاته بما يخدم فكرة الحق. وفكرة الكائن الأسمى ليست منبوذة رغم الاختلاف حول مصاديقها ومشخصاتها سواء كان الله أو الفكرة المتعالية أو المطلق أو القوى المهيمنة، وبالتالي فحضور الدين قوي لدى الإنسان، تتعدد تجلياته بتعدد الأفراد والثقافات، ولا يمكن التضحية به بفعل سلوكيات بعيدة عن روح الإيمان والمهام الروحية للدين.

المدونة الأساسية للدين

بدءا لنرى كيف يقدم القرآن نفسه؟ ماذا يريد وما هو هدفه، باعتباره المدونة الأساسية للدين، والمرجعية النهائية لفهمه، وقصة الخلق شطرا من نصوصه؟.

يقدّم القرآن نفسه:

- خطاباً إلهياً للناس كافة وللمؤمنين خاصة، لتعريف الإنسان بخالقه، وتحديد دوره الوجودي (هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ).

- وبياناً لمعالم الدين، وتفسير ظواهر الوجود، والإجابة على أسئلته.

- ونصاً متعالياً في نسقه الكلي وبنيته ومعارفه ونسيجه الداخلي، وقدرته على شد الناس للغيب والمطلق المتعالي، وتشريعاته التي هدفها سعادة الإنسان، وضمان نجاته وخلاصه الأخروي، متى آمن به، والتزم بمبادئه وقيمه، وتعهد مقاصده وأخلاقه، باعتباره الحقيقة المطلقة (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).

- وكتابا مقدّسا مصدره الوحي، وطريقه النبوة. وظّف لتحقيق أهدافه تقنيات لغوية استدعتها طبيعة موضوعاته المثيولوجية ومساحة اللامعقول، وغاياته القصوى المرتبطة بوحدانية الخالق.

- ومدونة دينية لترشيد الإنسان روحيا وأخلاقيا وسلوكيا، وشده إلى عالم الغيب، يستمد منه معنوياته ويقينه ويهتدي بهديه (فِيهِ هُدًى وَنُورٌ).

- ورسالة هداية قوامها الإيمان بالغيب والمعاد: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا، وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).

- وصحيفة تكرّس قيم الحق والعدل والإحسان ورفض الظلم والجور والفساد (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ).

 - وهناك جانب آخر يبدو فيه الكتاب عنيفا دمويا وإقصائيا، ولا ريب. غير أنه يبرر ذلك وفق قيم العدل والحق، حينما يتمادى الآخر في عدوانيته، مع محدودية تلك الأحكام وارتباطها بوقائع خارجية، لا يمكن أن تكون مطلقة، شاملة، محكومة للآيات المحكمات.

فأحد مشاغل القرآن بناء على تعاليه وقدسيته، هو الإيمان بالله وعدم الشرك به، وتأكيد وحدانيته وتفرّده بالخلق ومصير الإنسان والوجود عامة. فهو كتاب محوره وجود الله ووحدانيته، وجميع ما جاء فيه يقع ضمن سياقه التوحيدي، سواء كان إثباتا لظواهر الإيمان، أو نفيا لما عداها. وفي ذات السياق تأتي تفسيراته لظواهر الحياة والوجود، وعلى أساس محوره التوحيدي يجادل ما يصفهم بالمشركين والكفار. ومن ذات الزاوية يقرأ الوجود وظواهره في الآفاق والأنفس: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ). فكل ما في الكتاب يتحرك ضمن نسق واحد، محوره إثبات ربوبيته وتوحيده والإيمان بالغيب، وتفرّده بالخلاص وضمان نجاة الإنسان في الآخرة. وهنا ملاحظات جديرة بالذكر:

- ليس القرآن كتابا علميا مهمته بيان قوانين الطبيعة، كي يأتي من يجهد نفسه ويتكلّف في تأويل آياته ليكتب لنا تفسيرا علميا كدليل على إعجازه وسبقه لعلماء الطبيعة في معرفة قوانينها. بل أن هؤلاء يرتكبون خطأ عقديا جسيما، حيث يسعون للاستدلال على صحة المعارف العلمية في القرآن بواسطة الاكتشافات الحديثة، إذ لو صح أن القرآن بصدد بيان القوانين الكونية فلا شك ستكون معارفه العلمية صادقة، باعتباره محيطا بكل شيء، وسببا لكل شيء، وعلة لكل معلول، خبير بكل شيء، ولا حاجة لأي تفسير بشري علمي، بل يسمي الأشياء بأسمائها، ويتحدث عن حقيقتها، لكن القوانين العلمية خارج اهتمامات الكتاب المقدس، فينبغي للمفسّر أن يفهم استراتيجية النص القرآني أولا، وهدفه الأساس، كي يأتي التفسير منسجما مع مشاغله. وما استشهدت به النصوص التأسيسية من آيات كونية جاءت ضمن السياق التوحيدي للفكرة الدينية المتعالية. وعندما تقول الآية: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)، لا تريد بيان القانون الطبيعي لحركة الشمس والقمر، والاستشهاد به دليلا على صدقيته، بل القرآن بصدد الرد على المشركين من عبدة الكواكب، يقول لهم: إن ما تعبدونه / الكواكب ما هي الا أجرام سماوية، محكومة بنظام كوني صارم، فهي مخلوقة لا خالقة، ومعلولة لا علة، وهي كما تشاهدونها كل يوم في ذات النطاق الكوني. وسواء ظهر صحة جريانها لمستقر لها أم لم يصح، لايؤثر شيئا وفقا لمنطق القرآن ومحوره وهدفه. وتكون المناقشة العلمية حول علميته سالبة بانتفاء موضوعها، مادامت غير مقصودة اساسا. فالخلاف حول زاوية النظر، بين من يصّر على أن الآيات الكونية آيات علمية ومن يقرأها ضمن السياق الكلي للكتاب. وبالتالي لا معنى للتفاخر بأن القرآن سبق العلم في بيان القوانين الكونية التي تحكم حركة الشمس والقمر. بل وفقا للمفهوم الثاني للوحي سيكون الوصف تعبيرا نبويا لهذه الظاهرة، وهي مشاهداته اليومية، وأفق ثقافته ومعارفه، ولو أن النبي عاش في زمن الاكتشافات العلمية لجاء وصفه أكثر دقة، بشكل لا تتقاطع مع الرؤى العلمية القطعية. لذا طالما أكدت على معرفة الإطار الكلي للكتاب قبل مقاربته، كي لا يخطئ الباحث ويتخبط في تفسيرات بعيدة عن جوهر الكتاب المقدس، وتقويله ما لم يقل، وتحميله مسؤولية شيء لا يدعيه. وهكذا في جميع الآيات العلمية، ترى القرآن ناظرا لها من زاوية توحيدية، وسلبا لربوبيتها لمن يعتقد بها، كالكواكب والنجوم، أو شاهدا لتعزيز قضية ما. ولا دليل على كل ما يُذكر عن معاجز الكتاب سوى الإعجاز اللغوي في زمن الوحي وما جاوره. وبالتالي، ثمة قضايا مؤثرة في فهم آيات الكتاب. وقد مرّ الحديث عن لغة الدين وضروراتها وموجباتها، وهذا لا يكفي ما لم نتقص مهام النص الديني بشكل عام، لنحدد موقع قصة الخلق ضمن مشاغله، وما هي دلالاتها حينئذٍ. وهذا ما يهمنا، هل القرآن كان بصدد بيان القانون الكوني في قصة الخلق كي يتقاطع معرفيا مع النظريات الوضعية التي تسعى إلى تفسير الظواهر الكونية تفسيرا علميا من خلال الفرضيات والنظريات والقوانين العلمية أم هدفه شيء مغاير؟.

إن الكتاب في قصة الخلق بصدد تفسير جملة ظواهر غيبية والإجابة على أسئلة الوجود، ضمن استراتيجيته القائمة على ربط كل شيء بخالقه، ووحدة عالمي الغيب والشهادة، ووصل الدنيا بالآخرة. وقصة الخلق كما تقدم مطروحة من قبل التوراة وقبلها في ملحمة الخلق السومرية، فيأتي الكتاب كما هو ديدنه فيصحح زاوية النظر في تفسير وفهم أصل الإنسان وقصة الخلق، ويربطها بالهدف الأساس، وهو وحدانية الله، وتفرّده، وصيرورة الكون والإنسان جزءا منه، في ذات  الإطار العام أو الهدف العام. فلا يوجد تعارض بينهما. إنما يصح التعارض في وحدة الموضوع زمانا ومكانا واتجاها. وهنا الموضوع مختلف، رغم وحدة الاسم / قصة الوجود أو أصل الإنسان. القرآن يتحدث عن قيم دينية لها علاقة بوجوده ودوره في الحياة، والنظريات الوضعية تسعى لاكتشاف القوانين الكونية وراء وجوده، وتحديد أصله ضمن فرضياته. الموضوع بينهما مختلف، وينبغي فهم قصة الخلق في ضمن سياقاتها القرآنية. أو طرحها لمن لا يؤمن بقدسية الكتاب.

- وليس القرآن مرجعا للعلوم الإنسانية الحديثة، لنقوم بأسلمتها على أساسه، ولا مصدرا لأي نظام سياسي أو اقتصادي، سوى مبادئ وقيم تضبط أداء سلوك الفرد والمجتمع، لضمان مجتمع الفضيلة على أساس العدل والحق وعدم الظلم والجور. بعبارة أدق تقديم ما يحقق شرط خلاص الإنسان في الآخرة، على مستويين، خلق وازع التقوى من خلال الالتزام بمجموعة عبادات وشعائر، وتنمية التجارب الدينية، من خلال الحالات الخاصة والمناسبات العامة. وتقديم ما يكفي من معارف وتشريعات، كي لا تبقى للإنسان حجة على الله  يوم القيامة: (مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).

- وليس القرآن مجموعة طلاسم ورموز وأرقام لتحصين وساوس الإنسان فيهبطون بتعاليه ليغدو تمائم تبعث الطمأنينة والاستقرار النفسي، فتجدهم يتلون آياته للشفاء ومعالجة الأمراض المستعصية وجلب الرزق، ودفع البلاء. أو التفنن بتلاوته، والاهتمام برسم حروفه وتذهيبه.

- بل وليس القرآن مخصصا للتشريع فقط، رغم اهتمامه بشطر لا بأس به منها، و لا يريد تعطيل عقل الإنسان بقدر ترشيده ضمن هدفه الكلي، ودوره في الحياة الدنيا. وحينما يجيب الكتاب على أسئلة الوجود فهو جزء من مهامه، بل أن معجزة الدين كما يعيها الناس قدرته على تفسير ما لا يمكن تفسيره. أو ما يعجز العقل والعلم عن تفسيره. إضافة إلى لغته التي تستهدف العقل والمشاعر لتشد المتلقي  إلى عالمه وغرائبيته. فتجد الخطاب القرآني يقوّض ويبني، يقوّض تراكمات الثقافات الدينية السابقة ويعيد تشكيل العقل المسلم في إطار وحدانية الله، وعدم الشرك به. يحتكر ولاءه، ويضمن انحيازه المطلق، حد التفاني لتأمين خلاصه الأخروي، رغم أنه عالم مفارق لا يمكن الاستدلال عليه، غير أن لغة الكتاب رسخت الإيمان به، وبات يعيشه حقيقة مطلقة، يخشاها المؤمن، المتقي، لذا حصر الهداية بهم: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ).

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (14)

This comment was minimized by the moderator on the site

مع الاستاذ الغرباوي حق في فصل القرآن عن العلوم الحديثة. ليس بين العقلين اية علاقة . و اذا سلمنا ان القرآن من الأزل للأبد فهو يخاطب قضايا ثابتة بينما العلوم متغيرة و الاجتهادات فيها تخضع للتطور، و منها محنة غاليلو و رحلة ماجلان، و نظرية النسبية، و بعض المسلمات في مسائل الغذاء و الصحة.
كل شيء قابل للنفي يخالف فكرة ثبات الكتاب القدس.
شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمشاركتك الاخ العزيز د. صالح الرزوق. دمت مباركا

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي الجليل الاستاذ ابي حيدر
اقول لقد جَلّيتَ في مقالتك هذه البعد الحقيقي للآيات وما تهدف اليه
من حكمة وموعظة ودعوة الى توحيد الواحد الاحد والسير في صراطه المستقيم ولكن ما زالت هناك عقول تروج الى أن القران جاء في بعض اياته من انه سبق النظريات العلمية والادهى من ذلك ان من الناس مَنْ جعل من القران المجيد معمل علاجات لكل الامراض وانا لله وانا اليه راجعون .
احترامي وتقدير لجهودك داعيًا الله لك بالعافية والسلامة .
الحاج عطا

الحاج عطا الحاج يوسف منصور
This comment was minimized by the moderator on the site

الكتاب بحاجة الى اعادة فهم لا فقط اعادة تفسير، ونحتاج الى انتشار مفاهيم قرانية جديدة تنتشل الوعي من كبوته
خالص احترامي للشاعر الكبير الحاج عطا الحاج يوسف منصور

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ المحترم ماجد الغرباوي تحية طيبة.
شكرا للاستاذ الفاضل على ماقدمه من شرح وافي للقرأن ومايستبطنه حتى اصبح لدينا مفهوما له يختلف عما كنا عليه في السابق .
استاذي الفاضل تقول : أن النص بطبيعته مستغرق في صمته، يخفي دلالاته، وأسراره ورمزيته، لا تستنطقه سوى القراءة الموغلة في نقدها، وتفكيكها لتراكم طبقاته المتوارية، بحثاً عن ركائز سلطته وطريقة أدائها ضمن نسيجه اللغوي.
اليس هذا يتناقض مع ماجاء في القرأن حيث يقول .
(كتاب فصّلت اياته قرأنا عربيا لقوم يعلمون)
( انا جعلناه قرانا عربيا لعلكم تعقلون )
( فانما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون )
( وكذلك اوحينا اليك قرأنا عربيا لتنذر ام القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لاريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير )
هذه بعض الايات وهناك الكثير منها التي تؤكد على انه قران عربي سهل الاستدلال الى معانيه ولايحتاج الى قراءة موغلة لفهم معانيه .
لانه يتنافى وهذه الايات .
وماهي الجوانب الاعجازية فيه وقد اكد الشريف المرتضى قبل اكثر من الف عام لااعجاز بلاغي في القرأن وتحدى العلماء في عصره ولم يستطع احد يثبت عكس ذلك .
وحتى الاديب طه حسين قال : اعطوني قلم احمر لاخط لكم اخطاء القرأن . فأين ياترى الاعجاز من كل هذه التحديات .

وان رأيك هو الاهم.

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

لافت للنظر... أول تعليق لأبو سجاد يثبت فيه جحشنته وحمرنته جهارا للناس أجمعين...
كم من السنوات والسنوات والسنين... أيتها الحيوانات في هذا البلد الأمين... !!!

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ ابا سجاد، شكرا لحسن ظنك ثانية، وشكرا لملاحظاتك القيمة، دائما تقارن مع ايات الكتاب الكريم، مما يؤكد متابعتك. لا تعارض فيما كتبت وماذا ذكرت من ايات. النص كأي نص، هو نسيج لغوي امامنا له دلالات نفهمها من خلال ثقافتنا وقبلياتنا، لذا تجد اهل منطقة يحضكون من نكته لا تضحك غيرهم، لوجود قبليات عن مضمونها وشخوصها واشياء اخرى، ومن يتحدث عن طبيعة بلد يتفاعل اهله معه بينما لا يتفاعل اهل بلد اخر. والقران عندما خاطب المؤمنين كانوا يفهمون اياته مباشرة او عبر توضيح بسيط من النبي، لانهم يتلقونه ضمن بيئتهم الثقافية والفكرية. ثم تطورت اللغة ودلالاتها تبعا لتطور الواقع وثقافته، واضبح الناس يفهمون النص فهما مختلقا، وصاروا يحتاجون لكتب تفسير وضبط المعاني وفقا لروايات نبوية. وهذا موضوع رغم اهميته القصوى معقد جدا، اتعرض له دائما بشكل متقطع في مناسبة.
واما الملاحظة الثانية ان تحدي النص لا ببلاغته رغم انها تحدتهم، وكانوا عربا تفوتهم صغيرة ولا كبيرة وفي حرب مستعرة مع القرآن، ولو انهم وجدودا فيه ثغراث بلاغية لشنعوا عليه. لكن عندي ان القرآن نص متعال في نسقه الكلي، بلاغيا او في بنائه النصي، او من خلال وسطيته وعقلائيته، او اخباراته التاريخية والعلمية، غرائبيته وتشريعاته، وأشياء اخرى كثيرة، وهذا هو سر الاهتمام به او فهو يتحدى بمجموعه. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

ليس لنا الا الإشادة بما قدمه ويقدمه الأستاذ الغرباوي الكريم في هذه السلسلة الرفيعة بعد أن حدّد وقيّد موضوعه بحدود قطعت معها النقد على مستوى المتبنيات المسبقة لكل ناقد مع الكاتب ومع حقيقة النص القرآني كما يراها الكاتب المحترم السيد الغرباوي .
فهذا النص الكريم وهذه طموحاته وهذه ادواته وهذا تعاليه وقدسيته التي يعرضها السيد ماجد بكل وضوح وبكل دقة لكي يقطع السبيل على كل من يحاول أن ينقد النقد غير الموضوعي وغير النقد البِنائي، ومن ثم يفتح له الباب على مصراعيه من جهة أخرى في أعمال العقل والمنهج النقدي بكل حرية وعمق اذا كان ملتزما بمحددات النص المفروضة على القارئ من داخل النص ، باعتباره نصا متعاليا مقدسا داعيا للتوحيد وللهداية الاخروية والعيش ضمن الضوابط الأخلاقية المتاحة في ذلك الزمان والمكان اذا نُظِرَ إليه بكليته وبعمومه دون مرض التخلف والجمود الحرفي أو تحكيم الاهواء الأيديولوجية التي يمارسها المخالفين المتربصين لكل ما خالف قناعاتهم ومتبنياتهم وبشكل غير منهجي أو دون افراغ الوسع والإنصاف في محاولة فهم هذا النص أو لقصور ادواتهم المعرفية التي يمكن أن تعالج هذا النص الخاص بلغته وبثراءه الممكن بعد التأويل والتدبر والاحترام .

ملاحظة ..
شخصيا لا اعتقد بعصمة هذا النص القرآني
ولكني احاول ان انصفه وانصف الكاتب المحترم السيد الغرباوي على ما بينه وعالجه في هذه الأسطر الرصينة فعلا.

ماهر
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ القدير ماهر المحترم، شكرا لمتابعتك وتعليقك، وشكرا لاشادتك التي اسعدتني. رايك محترم وقد اشرت لذلك، لكن قلت من يريد تناول النص الديني باعتباره نصا مقدسا فهذه هي خصائصه، وعليه ممارسة النقد في هذه الحدود، وعندما يجرد من قداسته يبدو نصا اخر، يتطلب منهج مختلف لفهمه وتفسيره. دمت مباركا مع خالص التقدير

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

وهذا هو بالضبط ما كنت اروم قوله في كلماتي واكباري لمقالكم الرصين .
احسنت تواجدت.

ماهر
This comment was minimized by the moderator on the site

بوركت جهودكم استاذ ماجد ...ودام عطاؤك

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

الله يبارك فيك استاذ احمد شكرا لمواصلة حضورك.. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً لمن يجعل الإسلام نعمة \ كلّ التقدير العالي لأبي حيدر

شوقي مسلماني
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك وقراءتك اللممعنة، الاخ الاستاذ الشاعر القدير شوقي مسلماني.

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4961 المصادف: 2020-04-05 06:54:34