 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (166): فلسفة الخلق ودلالات المفهوم

majed algharbawi12 (1)احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

مفاهيم الخلق

ماجد الغرباوي: إلحاقا بما تقدم في الحلقة السابقة حول مداخل التأويل، نضيف:

خامساً: جميع آيات خلق الإنسان من طين جاءت مجملة، خالية من وقائع الخلق وتفصيلاته كما مرَّ في الأساطير، واكتفى الكتاب بإشارة مبهمة، يتبادر منها، أنه خلق هيكلا طينيا، بمعنى أبدعه، كما مرَّ بيانه، ثم قال له كن، فكان إنسانا سويا. فهل نحته، وسوّاه وعدّله كما يسوي النحات تماثيلهم، ثم نفخ فيه فصار إنسانا بأمر تكويني؟. أم أراد بهذا مثلا لتقريب فكرة الخلق، بناء على  رمزيتها؟.

سادساً: ثمة مناشئ أخرى لخلق الإنسان، أشار لها القرآن: (سلسلة من طين، طين لازب، صَلْصَالٍ، حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، ماء، تراب، علق، نطفة). مما يؤكد وجود مشترك مفهومي، يمكن للعقل انتزاعه، ويكون هو المقصود دلالة. فيأتي التنوّع لتمويه الواقع وتمرير ثيمة القصص، مادام الحق معها عندما تكون رمزية، ومع تطابق الواقع عندما تكون واقعية.

سابعا: جميع الآيات باستثناء آية: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، تحدثت عن خلق الإنسان بما هو إنسان، فيكون آدم في الآية مجرد مصداق لمفهومه. أو يشار به لنوعه، وطبيعته. ولازمه عدم التمسك بظاهر الكلام. إذ تحدثت الأساطير عن كيفية خلق الإنسان الأول، وليس نوع الإنسان. والتوراة تحدثت عن خلق آدم وحواء. بينما القرآن تحدث عن خلق الإنسان، وتحدث عن آدم قبل هبوطه الأرض. بمعنى أدق لا مبرر لحمل آيات خلق الإنسان على خلق آدم الشخص، المشار له في آية: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، بل الآخير سيكون مصداقا وفردا للإنسان النوع، كما هو واضح من الخطاب في آية (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ). فهل خلق كل فرد من طين، أم الحديث عن نوع الإنسان وآدم أحد مصاديقه؟.

إذاً، بناء على:

- رمزية قصة الخلق،

- وأن القرآن كتاب ديني، بعيدا عن العلم ونظرياته،

- وأن السرد القصصي سرد أدبي، وليس وثائقيا أو تقريريا

- وأن المراد بالخلق تارة الإبداع وتارة الإيجاد من عدم،

- وأن جميع آيات خلق الإنسان جاءت مجملة،

- وأن القرآن قد أشار إلى غير الطين مصدرا لخلق الإنسان،

- وأن خطاب الخلق موجه للإنسان، مطلق الإنسان.

يمكن وفقا لهذه المقدمات إدراك ثيمة القصص في إطار مشاغل الدين وهمومه الرسالية، التي منها أسئلة الوجود، وتقديم إجابات حول أصل الإنسان ومصيره، وما يحط به من ظواهر مؤرّقة كالموت وما بعد الموت، وإضفاء معنى لحياته ووجوده. وأي تأويل خارج إطار مشاغل الدين يضع الباحث في دوامة تكهنات بعيدة عن روح القرآن، كأسلمة العلوم، والتوفيق بين الدين والعلم. أوتقويل الآيات خرافيا، أو تكريسها لمصالح أيديولوجية. وهذا لا يمنع استلهام قيم القرآن، والتأسيس عليها. أو بناء منظومة أخلاقية وقيمية. الكلام عن التأويلات التعسفية القسرية التي تضر بمصداقية الكتاب، والتي نعتها بالتأويلات السلبية، في مقابل التأويلات الإيجابية لتحديد رمزية الآيات. إن التفسير في إطار دور الدين يضع الآية في سياقها الديني، ويسمح بتأويلات لا ترهق النص، سوى الانتقال من حقل دلالي إلى حقل دلالي تأويلي يكشف مكامن العبرة والموعظة، التي هي هدف أساس للسرد القصصي، ولو على حساب ظاهر اللفظ، مادامت صدقية الحق مع هدف السرد لا وقائعيته وأحداثه التاريخية. ولا ريب أن قوة القرآن تكمن في انفتاحه على الممكنات، وقابليته للتأويل في كل زمان، بعيدا عن مدونات التفسير الرسمية، التي ارتبطت بفضاء ثقافي، استمد وجوده من أوضاع سياسية وعقدية وفكرية مختلفة، لذا لايمكن الخروج من سجن التراث وتحييده بدون تفكيك أسيجته القدسية، كي ننفتح على دلالات يحول التراث دون إدراكها حينما يفرض محدداته، ويحاصر الباحث بقدسيته.

لا أقصد التبرير والبحث عن مخرج لدفع شبهة التداخل بين الأسطوري والديني. ولا أجد في تصديق ما بين يديه من الكتاب، مداهنةً على حساب الحق والحقيقة. بل أن مقتضى الموضوعية التأكد من دلالات الألفاظ، ومرادها الاستعمالي. ومجرد تشابه الفكرة لا يكفي، ما لم نجزم بتطابق دلالات الألفاظ ضمن سياقات النصوص، وما يحفّه من قرائن لفظية وسياقية. ولا أبغي الدفاع عن عقلانية الكتاب عبر تفسير مجازي لمفاهيمه، بل لأن المعنى المجازي يتلاءم مع ثيمة القصص، سيما عندما تكون مدعومة بتعدد مناشئ خلق الإنسان، وعدم وجود تفصيلات مشابهة في نصوص أساطير الأولين. وهذا يكفي لتحري دلالات تنسجم مع مشاغل الدين والكتاب وعدم الوقوف على المعنى الظاهري للفظ. وقد مرَّ الكلام، أن القصص القرآني لا يعتني بالوقائع والأحداث، ما لم تقتضٍ الضرورة، لذا نوّع مناشئ الخلق، الطين، التراب، الماء، الصلصال، لتشتيت فكر المتلقي وصرفه عن الوقائع إلى ثيمة النص. فهي مجهولة، غير مقصودة، وسرّ من أسرار خلقه التي لا يطلع عليها أحد: (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ). وتركت للآيات المحكمات مهمة ترشيد وعي القارئ، لمعرفة فلسفة الخلق وليس وقائعه. فلسفة الخلق كفيلة بالإجابة على الأسئلة الوجودية الكبرى، بعيدا عن الوقائع والأحداث، فإنها لا تجيب على أسئلة الوجود، ولا تعزز أمان الإنسان واطمئنانه ولا تعني بمصيره، ولا تقدم له رؤية كونية، ولا تضيف لحياته معنى، وكل هذه مقاصد دينية. بينما الحديث عن خلافة الإنسان يؤسس لوعي إنساني، في ضوئه يحدد دوره في الحياة، ومسؤوليته تجاه نفسه والآخر، وحدود العلاقة بينه وبين الطبيعة. وبالتالي تكفي الإشارات المجملة، ويبقى خلق الإنسان في إطار سنن وقوانين الكون، يمكن للعلوم الحديثة التوصل لها. وليس مهمة القرآن تقديم كشوفات علمية عن خلقه. مهمته توجيه الإنسان لمسؤولياته الحياتية، وتحديد مصيره وطبيعة علاقته بخالقه، وما يجب عليه من التزامات دينية وأخلاقية واجتماعية، فيراعي قوة تأثير اللفظ وسحر بيانه ومستوى إيقاعه على مسامع المتلقي. فتارة يصف إنقلاب عصا موسى بـ"الجان" وفي آية أخرى يصفها بـ"حية تسعى"، حسب سياق القصص، فترى العقل التراثي  يحار في فهم دلالات الاختلاف بينما القراءة الأدبية للنص القصصي يدرك ماذا أراد الله بهذا مثلا. وهكذا هنا مرة يقول خلقه من طين، من تراب، من ماء، من علق، من حمأ، من صلصال، كل ضمن سياق السرد بما يحقق الأثر المطلوب على مسامع المتلقي!!. فالهدف وثيمة السرد هي التي تحدد المستوى البلاغي للمفردة. ولا شك أن خلق الإنسان بما هو خلق له منشأ واحد ثابت في علم الله تعالى. فالتعدد يغدو دالا على إرادة المعنى المجازي. وهذا ما نقصده. وفي هذا السياق فإن حمل الطين على المعنى الحقيقي لا يخدم هدف الدين سوى تصديق ظاهري لما بين يده من التوراة والإنجيل، كرهان لإثبات نبوة محمد بن عبد الله، حينما جعل اليهود وقائع قصص الأنبياء مقياسا لصدق نبوته. ولازمه التضحية بصدقية الكتاب عندما يرسّخ انطباع المجتمع المكي بقولهم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا). فوظّف المفهوم مجازا بما يخدم هدف الدين، وارتهن الوعي الديني لسياق القصص والآيات المحكمة، بعيدا عن التراث وتفسيراته التي انهمكت في تصور وقائع الخلق وتفصيلات أحداثه، على حساب ثيمة القصص وغاياته، فغدت مادة للتسلية وليست للعظة والعبرة: (قَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي). فيصدق أن بعض التراث يسلب الفرد عقله ووعيه، ويعيد تشكيله بما يخدم هدفه، مهما كان خرافيا يتعارض مع الدين وحكمته.

رمزية الآيات

سؤال البحث: ما هي دلالة الطين بعد أن دلّت الشواهد على مجازية قصة الخلق؟. وهنا توجد دلالات غير نهائية، تتحكم القرائن اللفظية والعقلية بقوة احتمالها، فتبقى دلالتها مفتوحة، تكتسب من النص ثراءها وقابلياتها التأويلية. وهي قابلية تتطور بتطور البيئة الثقافية والكشوفات المعرفية وجدارة المناهج العلمية، مادام المتلقي شريكا في المعنى المجازي. فيصدق أنها وجهة نظر تأويلية مرتهنة لأدلتها. وهنا أستعين بآيات الكتابة في مقاربة تأويلية لسياقات "عملية خلق الإنسان"، بعد استبعاد إرادة المعنى الحقيقي من لفظ الطين. وهي قد تتطور عبر دراسة جديدة مستقبلا:

1- ربما تأكيد الآيات على الطين ومثيلاته جاء مثالاً يتتناسب مع وعي مجتمعي بسيط، يحتضن ثقافة أهل الكتاب، ويألف صناعة الأصنام، فيأتي الخلق من طين بمعنى الإبداع، كما في مثال عيسى المتقدم. والأمثال أسلوب قرآني استراتيجي، يعتمد منهج المقارنة في بعدها البلاغي، فيكون أقوى تأثيرا : (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)، (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). فالمثل يتضمن فكرة عميقة تستدعي قدرا من التأمل الفكري، يدركها العلماء والمتفكرون. ويكفي الفارق النوعي بين الإنسان والطين لحمل اللفظ على المعنى المجازي، كما في القصص الرمزي، الذي يضمر أكثر مما يظهر، ويخفي ويتستر لتمرير ثيمته. يتشبث بظاهر اللفظ ويراهن على رمزيته ومضمراته وقدرة الناقد على تحري المعانى المجازية، مهما كانت بعيدة، شريطة انسجامها مع ثيمة القصص. والطين كما له معنى حقيقي له دلالات رمزية، يمكن توظيفها لتحقيق هدف السرد.

2 - كما أشار الكتاب للطين أشار للماء والتراب مستقلا. لا بصفتهما مكوناته. فتعددت مناشئ الخلق، لتكون دليلا على الانصراف للمعنى المجازي دون الحقيقي. وهي مفردات تستدعي البحث عن دلالتها ضمن سياق القصص، بحثا عن دلالات استقلاليتها، هل هي منشأ آخر للخلق أم ثمة  اشتراك ولو مفهومي بينها؟: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا)، (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ):

- يعني التراب لغة، كما في معجم المعاني الجامع، وقاموس المعجم الوسيط): (التُّراب: ما نَعُمَ من أَديم الأَرض.. بسعر التُّراب: رخيص جدًّا) وفي غريب القرآن: (والتراب: الأرض نفسها.. وترِبَ افتقر، كأنه لصق بالتراب. قال: "أو مسكينا ذا متربة". أي ذا لصوق بالتراب لفقره). فمعنى التراب = الأرض. ويضرب به مثلا  لرخص قيمة الشيء، لرداءته وتفاهته. فيكون السياق قرينة على إرادة معنى مجازي، استدعته أغراض بلاغية، لتحديد فارق القيمة الكبير بين شيئين حسياُ، كما في مثال: "التراب والتبر". أو "أين الثرى من الثريا". فيدخل التراب طرفا أدنى في المفاضلة بين أمرين أو قيمتين. التدني في مقابل العلو والسمو. يظهر هذا واضحا في قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). فالتراب لا يرقى للنار في سموها. هي شعلة ضوء متألقا مفهوما، بينما التراب، ابتذال في نظر إبليس، فكيف يسجد لمخلوق ترابي؟. فالآيات التي تركز على المفاضلة يكرّس فيها مفهوم التراب التفاهة والرداءة. فكأن الآية تقول خلق الإنسان، نوع الإنسان، من تراب، من شيء بسيط، مبتذل، تافه بنظركم، لكنه ينطوي على قيمة عظيمة في خلافته للأرض وإنسانيته وعقله ووعيه. والأمر لا يقتصر على التراب، بل أن وصف الوضاعة مصرّح به في آية: (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ)؟. وهل يصدّق الإنسان أنه خُلق من ماء مهين؟ لكنها الحقيقة، فجاء الماء المهين طرفا في المفاضلة. فالمقارنة تنسجم مع غايات الدين ومقاصده، بينما المعلومات العلمية لا تخدم الغرض. لا يريد القرآن أن يكون بديلا عن عقل الإنسان وقدراته الخارقة في البحث عن الحقائق العلمية. وبالتالي فهو كتاب ديني، تأتي آياته منسجمة مع هدفه. وهذه الآيات ترسم صورة بلاغية للمفاضلة بين الأدنى والأسمي، تذعن لها النفس، وتغدو دليل على عظمة الخلق، وهذا ما يريده الخطاب القرآني. إن بنية العقل العربي بنية خيالية، شاعرية، تتأثر بالصور الشعرية والبلاغية وكل خطاب يحرك مشاعرها، ويثير مكامن النفس البشرية. والشخص العربي يحركه النص، سواء كان شعرا أو نثرا أو قولا مأثورا، وتحركه الصورة البلاغية فيه، وقد كسب القرآن رهانه على البعد العاطفي والخطاب الأدبي البلاغي.

- وأيضا في آية: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ). تتجلى صيغة المبالغة من خلال عبارة: "أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا"، فقد خلكم من طين لازب، شيء بسيط لا يخطر ببالكم، وانظروا لفارق الخلق. أو من طين لازب كما تعتقدون لكن أنظروا لفارق الخلق والإبداع. فيكون الطين كالتراب يُضرب به مثلا لفقر قيمة الشيء. وهذه زاوية أخرى ينظر بها للطين.

- وأيضا في آية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا)، يفسرها قوله: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ). فالآية استشهدت بقصة الخلق لتؤكد قدرة الله على بعث الإنسان يوم الحساب، وليس لبيان وتفصيل خلقه، في حديث موجه لمنكري يوم البعث والحساب، بحجة عدم قدرة الله على إحياء الموتى.

3- لا يقتصر وجه الشبه بين عيسى وآدم في آية: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، على ولادتهما من غير أب. وثمة فسحة لتأمل النص بحثا عن قرائن دالة على أحد المعنيين: الحقيقي أو المجازي. أما بالنسبة لعيسى فقد أفاضت الآيات في شرح أحواله: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا، قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا،  قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا، فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا، فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا ...). وفي آية أخرى:  (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ). فعيسى مرَّ بجميع مراحل حمل الجنين من انعقاد النطفة حتى ولادته إنسانا كاملا، بما فيها تخصيب البويضة. بمعنى أدق أن ولادته إنسانا كاملا دليل على مرور الجنين بجميع مراحل الحمل بدءا من انعقاد النطفة، غاية الأمر أن انعقادها مجهول لدينا، وشاء الله أن يكون مجهولا لغاية ما. وبالتالي وهذا ما نريده، فإن مقتضى التشبيه بين عيسى وآدم، أن الأخير قد مرّ بجميع مراحل الحمل، من انعقاد النطفة حتى ولادته، وما الطين سوى كناية عن قوله، الذي تكرر في عيسى وآدم: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، فـ"كن"، هي سرّ الخلق، هي إرادة الله المتمثلة في قوانينه الكونية، وما الطين سوى إبداع ومثال لتقريب الفكرة. وكذلك بالنسبة إلى عيسى: (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، فكلاهما تكونت نطفتهما الأولى بـ"كن"، و"كن"، رغم أنها أمر تكويني لا يتخلف موضوعها، غير أنها لا تنفي الأسباب الطبيعية، ولا تلغي تسلسل العلل. فيمكن أن يكون بـ"كن"، ضمن قوانين الكون والطبيعة البشرية. وبالتالي ليس المهم ما نوعية المادة التي خُلق منها الإنسان، وليست هي بحد ذاتها غرضا رساليا، كي يشغل العقل المؤمن بها. الخلق الحقيقي، أن يقول للشيء كن فيكون ضمن قوانين وأنظمة الطبيعة.

4- وربما التراب والطين كناية عن الأرض التي احتضنت النواة الأولى للبشرية، ثم تطورت (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا)، فالآية كما تصدق على أطوار الجنين في بطن أمه تصدق على أطوار النواة الأولى التي عبر عنها في آية أخرى بسلالة من طين: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، وثمة إشارة في قوله: (والله أنبتكم من الارض نباتا)، مشجعة على تأويل التراب والطين بهذا المعنى، غير أن دلالتهما على بساطة وتفاهة الشيء أقوى في سياق جملة من آيات الخلق. والتدبّر منهج قرآني وعقلائي يفتح آفاقا واسعة للتأويل للكشف عما ترمز له الألفاظ المستخدمة هنا.

يأتي في الحلقة القادمة


.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

احسن الأستاذ الغرباوي بالتأكيد على رمزية الصور القرآنية.
و لو اراد الوحي ان يكون دقيقا و حرفيا لما ذكر التراب و إنما الرمل. باعتبار انه المادة الأساسية في شبه جزيرة العرب.
كل شيء رمزي حتى في الرسالات العلمية التي تتحرى الدقة و الموضوعية و التفكير المادي. و لدي أمثلة متعددة:
في كتاب مورتون و هيرل المبكر تم تشبيه البلورات و الجزيئات بشكل كرات بينغ بونغ مودعة في علبة. و ذلك لتفسير ظاهرة الانزلاق و الحلحلة.
و في كتاب وارويكير المبكر عن تحويل السيللوز شبه سيللوز ٢ بالشيش كباب. سيخ رفيع تتخلله عقد و كريات صغيرة.
و في نفس الكتاب تكلم عن الخلل في تركيب السيللوز و مثله بشكل مغارات في سفح جبل. او فتحات في جدار.
مثل هذه اللغة التقريبية وصلت الى العلوم الدقيقة في منتصف القرن العشرين فما بالك و نحن نخاطب من أعلى اشباه أميين في أسفل السلم. و قبيل ١٥٠٠ عام.
انا مع الأستاذ الغرباوي ان المقصود بالتراب و الطين هو تدني المادة مقابل رفعة علو و شأن الروح.
و شكرا..

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

احترامي وتقديري للاستاذ الدكتور صالح الرزوق.بالفعل اللغة الدينية لغة رمزية اهدافها تختلف، تتحدث عن عوالم مفارقة لا يمكن ادراكها بسهولة، ويبقى المتلقي ووعيه بالكتاب وأساليب الخطاب فيه.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

حلقة تتمفصل مع بقية الحلقات لتعطي للنص دلالات تنسجم مع وحدة الهدف
فشكرا استاذ ماجد وكل عام وانت الخير والسعادة

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

كل عام وانت بسعادة وسلام الاخ الاستاذ احمد مانع الركابي تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ المحترم ماجد الغرباوي تحية طيبة واعتزاز وكل عام وانت بالف خير

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

كل عام وانت بفرح وسعادة الاستاذ العزيز ابا سجاد. اسعد الله ايامك بالخير والبركة. شكرا لمبادرتك الكريمة

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5013 المصادف: 2020-05-27 12:42:32