 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (167): فلسفة الخلق وصدقية التناص (1)

majed algharbawi13احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

صدقية التناص

ماجد الغرباوي: بعد تحري الدلالات الرمزية للطين والتراب وغيرهما من مفردات، ثمة عبارة في آية تستوجب التوقف عندها، لوجود علاقة وثيقة بما سبقها من آيات: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ). فقد يفهم منها مباشرة خلق الإنسان من الطين وبيد الله مباشرة. كما هو الحال في أسطورة الخلق، فتتأكد شبهة التداخل بين الأسطوري والسماوي. سيما مع وجود قرائن حافة بالآية تشكّل قرينة عليه: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ، قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). والتقدير: "ما منعك يا إبليس أن تسجد لما خلقت بيدي من طين". لكن رغم القرائن لا توجد دلالة صريحة في المقام، لدلالة اليد على معانٍ مجازية مستعملة لغة، حتى في الكتاب الكريم، كقوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء). (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ). فلفظ اليد، كما في هذه الآيات، استُعمِلَ مجازا في غير معناه الموضوع له، ليكون سياق الكلام دالاً على المعنى المجازي، كقوله: (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)، (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)، (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ). فالمراد باليد القوة والقدرة والكمال والسلطة والإرادة. وبالتالي لا يمكن حمل اليد في الآية موضع البحث على معناها الحقيقي، لما تقدم من أسباب، إضافة لاستحالة المباشرة بيده على نحو الحقيقة، وامتناع صدق التجسيم عليه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ)، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). ثم تأتي رمزية الطين ودلالته ضمن سياق القصص القرآني لتنفي المعنى الواقعي للآية المتقدمة. وعليه لا دلالة فيها على المباشرة، ولا تصلح بنفسها شاهدا على تداخل الأسطوري بالسماوي. بل أن حبكة القصص الرمزي تقتضي اشتمال السرد على مشاهد حسية، تستدرج القارئ لوقائعها وأحداثها، لتمرير ثيمتها.

الآية أشارت إلى خلق الإنسان بيد الله، وتجنبت مباشرة الخلق كما جاء في الأساطير. فتوظيف اليد في المشهد القصصي جاء تصديقا التوراة، دون إهدار لثيمة القصة. والأمر يختلف بالنسبة للأساطير وما جاء في التوراة. الأولى تم عجن دماء أحد الآلهة بالتراب، ومن خميرته خُلق الإنسان، بحركة يد دالة على مباشرة الفعل دلالة حقيقية: "يُقتل أحد الآلهة ويُعجن لحمه ودمه بالطين، الذي يصنع منه جسد الإنسان، وبذلك يتحد الإله والإنسان في جسد واحد". (وتقدم المصدر عن كتاب: القصص القرآني ومتوازيات التوراة). والأمر ذاته بالنسبة للتوراة، في القصة الثانية من سفر التكوين الآنف ذكره. وأيضا جاء في "الهاجادة"، وهي نسخة غير رسمية للتوارة: (أرسل الله الملاك جبرائيل وأمره أن يأتيه بأربع قبضات من تراب جهات الأرض الأربع، ثم عجنها بيده وسواها في هيئة الإنسان). (المصدر نفسه). بينما لا تجد في القرآن سوى (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي). وكلاهما لا يستفاد منه مباشرة الخلق بيد الله، بناء على رمزية اليد، ومفهوم التسوية الذي يعني تقويم الخلق وتصويره بشكل أحسن الخالقين.

وبالتالي، في كل آية من الآيات التي اشتملت على مفردة الطين ومثيلاته، جاءت بعيدة عن وقائعية السرد وأحداثه، ضمن سياق بلاغي منسجم مع الغرض الرسالي، الذي يرنو لتحقيق مجموعة أهداف من خلال التأثير على مشاعر المتلقي، وإثارة مكامن الوعي وتحفيز العقل. فالآيات كانت بصدد حسم ثنائيات العقيدة، وكان الكتاب ملزما بطرح أدلته، فيختار الأقوى إيقاعا على مسامع المتلقي، من خلال صورة بلاغية تجسّد فارق المفاضلة بين ضعف التراب ورفعة الإنسان. وهذا خطاب ينسجم مع البيئة الثقافية. ولو أنه اختار خطابات لم تَرعَ البيئة الثقافية فستؤول للفشل، غير أن البيئة العربية بيئة أدبية، تتذوق الصور البلاغية وتتأثر بها. جاء في وصف الوليد بن المغيرة للقرآن بعد أن أصغى لها: (والله، إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته)، وكلامه شاهد على تذوق العربي للصور البلاغية وتأثره بشاعريتها. الوليد كان معروفا بموقفه من الرسالة. لكنه أذعن لا شعوريا لبيان وبلاغة الآيات. وهذا أحد أسباب استجابة العرب لرسالة النبي محمد. فالعربي مهما كان معاندا يذعن عندما يصغي لآيات الخلق وهي تقارن بين وضاعة الطين وعظمة خلق الإنسان. أعلن أم لم يعلن ذلك. الإيمان شيء والتأثر بجمال اللغة وبلاغتها شيء آخر.

نكتفي بهذا القدر من آيات الخلق، ويمكن للقارئ تدبّر ما تبقى منها، وفق ما توصل له البحث من مقدمات.

التناص بين أسطورة وقصة الخلق:

مازلنا بصدد معالجة شبهة تداخل الأسطوري بالسماوي، لتشابه السرد بين  الأساطير والكتب السماوية. وقد اتضح (في أولاً) أن أسطورة وقصة الخلق جاءت في سياق أسئلة الوجود، والسؤال عن أصل الإنسان ومصيره، وسُبل خلقه، وقد قدم كل منهما رؤية أنطولوجية عن بداية الخلق. وهي رؤية بشرية في الأساطير، وتنسب للخالق في الكتب السماوية، فثمة تشابه وتغاير في السرد القصصي. وأما في (ثانياً)، فقد عالجنا تشابه مشهد الخلق بما هو خطوات عملية. أي ذات عملية الخلق، قبل صيرورته إنسانا. والآن نتابع مشهد الخلق، وتشابه السرد في جوانب أخرى.

العنصر المشترك الثالث: لحظة الخلق:

نقارن هنا صيرورة الإنسان بعد هيكلته من الطين. أي لحظة الخلق والصيرورة، التي اختلفت من رواية إلى أخرى:

1- في الأسطورة السومرية، يغدو الطين إنسانا بعد خلقه وإبداعه شبيها للآلهة: (وجرى صنع الإنسان على صورة الآلهة). (المصدر نفسه).  وبما أن صورة الآلهة صورة متخيلة، فإن خلق الإنسان تجلٍ للمخيال البشري. وعندما ندقق في أداء الأسطورة لا نجد تصويرا إبداعيا للحظة الخلق وصيرورة الطين إنسانا سوى شبهه بالآلهة.

2- وفي الأسطورة البابلية، كما بينت سابقا، يكتسب الإنسان الحياة من اتحاد اللاهوت بالناسوت: (يعجن دم ولحم الإله المقتوم بالطين الذي يصنع منه جسد الإنسان). (المصدر نفسه). وهو تطور في وعي الإنسان للخلق، حينما أسند الخلق ولو بشكل غير مباشر للآلهة، لعالم غيبي، يتفاعل خيال الإنسان مع ثراء دلالالته، باعتباره شريكا في حقيقته. إذ سبقت الإشارة: لا حقيقة للقضايا الغيبية خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي. فالخيال هو الذي يحدد ملامحه في ضوء حزينه المعرفي، وقدرته على التحليق عاليا في سمائه.

3- في التوراة يختلف الأمر جذريا:

أ- القصة الأولى تقول: (وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا... فخلق الله الإنسان على صورته،  على صورة الله خلقه). (التكوين: 1: 26 - 29). وهي تقابل الأسطورة السومرية. تجعل من شبه الله علة لخلق الإنسان. فالشبه بذاته يكون علة تامة لخلق الإنسان، دون وجود تفصيلات كافية. وهذا القدر من التشابه، يثير علامات استفهام حول تسرّب الأسطوري في التوارة.

ب- وأما رواية القصة الثانية فقد جاء فيها: (وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حيةً). أي فصار آدم بعد نفخ نسمة حياة في أنفه إنسانا. فنسمة الحياة الإلهية كانت علة خلق آدم. لتفترق هذه الرواية عن سابقاتها بإسناد الحياة إلى نفخ نسمة الحياة من قبل الله تعالى للجسد الطيني، فصار إنسانا، والشيء الثاني، انتقل الحديث من النوع (الإنسان)، إلى الفرد (آدم)، وهو تحوّل مهم في وعي الذات، فلم يعد المخلوق عنوانا عاما، ومفهوما عائما، وغدا مشخصا بآدم أبي البشرية، والإنسان الأول. والنفخ بهذا الشكل طارئ على قصة الخلق، ونقطة انعطاف في تاريخها.

4- لا يختلف القرآن عن التوراة حول مصدر حياة الإنسان، فالنفخ هو النفخ: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ). غير أن اختلاف التفاصيل تعبير عن الفارق بين الواقعية التي اتسمت به الرواية التوراتية ورمزية القرآن. الأولى تقول نفخ في أنفه نسمة حياة، فثمة مباشرة وحركة حسية تتجلى فيها أفعال الله تنسجم مع منهج التوراة التي ترهن صدق القصص إلى الوقائع والأحداث، واعتبرت هذا شرطا في صدقية نبوة محمد بن عبد الله. فالتوراة تحكي أحداثا واقعية من خلال صيغة السرد ودلالات الألفاظ. بينما يختلف القرآن في منهجه، يُبهم الوقائع ويهتم بثيمة القصص: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). فاكتفى بنص مكثّف: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي). فاكتسب الإنسان الحياة بنفخة من روحه. فالله هو مانح الحياة. وبدلا من تفصيلات التوراة أحال القارئ على مفهوم تكويني: (كن فيكون)، (إذن الله)، كما في قصة عيسى وخلق الطير. فلحظة الخلق تتحقق بـ(كن)، أو (إذن الله)، وهي صورة موحية جدا، تشبع فضول الباحث، وتصرف نظر المتلقي إلى ثيمة القصص، من خلال منهج القصص القائم على استراتيجية تصديق ما بين يديه من التوراة والإنجيل، وجعل العبرة والموعظة غاية القصص. وأما الفارق الآخر، فهو تركيزه على الإنسان النوع في جميع آيات الخلق، والإشارة إلى آدم وفق مقتضيات القصص. وينبغي الإشارة ثمة مشتركات بين الكتب السماوية، لذا رماها بالتحريف دون التكذيب المطلق: (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ). وبالتالي نقرأ هنا وعيا للذات يختلف عن سابقه.

العنصر المشترك الرابع: حوار الخلق:

لا شك بوجود شكل من التناص بين أساطير الأولين والكتب السماوية، إجمالا أو تفصيلا، مما يؤكد شبهة التداخل بينها، ويدعو لتحري حقيقة حوار الخلق، الذي رافق عملية خلق الإنسان. وهي مجموعة حوارات جرت بين الآلهة أو بين الله وملائكته، وبينه وبين آدم، وإبليس. ولا يكفي مجرد الحوار شاهدا على التداخل بين الأسطوري والسماوي، فثمة تفصيلات في القصص القرآني غير مذكورة في التوراة وأساطير الأولين، كما هنا اختلاف في طبيعة الحوار، من الأدنى للأسمى أو من الأعلى للأسفل:

- كانت مبادرة الحوار في الأسطورة السومرية، من الأدنى (الآلهة) إلى الأعلى (إله الحكمة)، حينما ناشدت الآلهة (إنكي) إله الحكمة، ليجد لهم حلا بعد أن تعبوا من تحصيل معاشهم في الأرض. وعندما لم يستجب لهم، خاطبوا أمه. فهو أيضا حوار من الأدنى للأعلى.

- وكانت المبادرة في الأسطورة البابلية من الأدنى إلى الأعلى: أعلنت الآلهة المكلفة بالعمل في الأرض ثورتها، وطالبت الإله (إنليل) بإنصافها.

- وهناك حوار في نص بابلي آخر (أنظر المصدر السابق)، بين الآلهة حول خلق الإنسان: (فبعد الانتهاء من فعاليات التكوين، اجتمع الآلهة وتساءلوا عما بقي عليهم خلقه، فقال بعضهم لبعض ...). فهو حوار بين أنداد، بعيدا عن التفاضل.

- وأما التوراة: القصة الأولى خالية من الحوار: (وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا...). والثانية أدرجت تعليمات الإله إلى آدم: (وأوصى الإله الرب آدم، قائلا: ...)

- وفي كتاب الهاجاده، دار حوار بين الله وملائكته. من الأعلى إلى الأدنى. وهناك تفصيلات، ذكرها المصدر السابق نقلا عن كتاب الهاجاده.

- وأما حوارات قصة الخلق في القرآن، فكانت مبادرة خالصة من الخالق، من الأعلى إلى الأدنى، عندما استطلع رأي الملائكة حول جعل خليفة في الأرض من خلال حوار، تحفظوا فيه على قراراه: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). وحوار ثانٍ مع إبليس عندما امتنع عن السجود لآدم: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). بهذا يفترق القرآن بتفصيلاته الحوارية، وشخوص الحوار، وموضوعاته. خاصة مع إضافة حوار إبليس مع آدم عند غوايته. فهو حوار الخالق، حوار من الأعلى إلى الأدنى. ولا ريب أن حوار الخالق مع المخلوق، يمنح الإنسان الخليفة مكانة وجودية رفيعة. وقد مرَّ بيان دلالات الحوار في جميع مفاصله. ولا يمكن نفي التناص في أصل فكرة الحوار، إلا في تفصيلاته ومقاصده. وهذا القدر من التناص، لا يصلح شاهدا على تداخل الأسطوري بالسماوي، لتوقف مطلق السرد القصصي عليه. الواقعي والرمزي على السواء. الشاهد يتقوم بنسبة تشابه السرد ووحدة التناص، ولا دليل عليه مع وجود هذا الكلام من التفصيلات.

العنصر المشترك الخامس: موضوع الخلق:

اختلفت السرديات حول موضوع الخلق، هل هو النوع أم الفرد. الإنسان  أم آدم الشخص:

 - جاء في الأسطورة السومرية: (نزل إنكي عند مشيئة أمه، وأعطى تعليماته بخصوص صنع الإنسان ...)، ينوب عن الآلهة في أعباء الأرض. فالمخلوق هو الإنسان. نوع الإنسان دون مشخصات.

- وهذا ما أكدته النسخة البابلية أيضا: (حيث يتم قتل أحد الآلهة، ويعجن لحمه ودمه بالطين الذي يصنع منه جسد الإنسان، وبذلك يتحد الإله والإنسان في عجينة واحدة).

- وفي نسخة بابلية ثانية، تتحدث الأسطورة عن خلق الزوجين الأولين، آدم وحواء، ويدعوهما أوليجار وألجار. (أوليجار وألجار سيكون اسمهما). (أنظر المصدر نفسه).

- وأيضا ما ذهبت له القصة الأولى من التوراة: (وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا... فخلق الله الإنسان على صورته)

 - وفي القصة الثانية: (وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض)، من هنا بدأ ظهور آدم ثم حواء: (وقال الرب الإله ليس جيدا أن يكون آدم وحده، فأصنع له معينا نظيره).

- وأما القرآن فقد تحدثت آياته عن خلق الإنسان والبشر. وأشارت لآدم كمصداق للإنسان والبشر، وقد مرت جميع آيات الخلق: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا)، (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ).

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

بوركت الجهود أستاذ ماجد
ومدارات جميلة حول فلسفة الخلق والبعد الرمزي في ثيمة القصص القراني ...تقديرب

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

لك خالص الاحترام والتقدير. وشكرا لمتابعتك وقراءتك الحوارات

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5019 المصادف: 2020-06-02 04:31:54