 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (179): فلسفة الخلق ومثالية المجتمع

majed algharbawi10احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والسبعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

مثالية المجتمع

ماجد الغرباوي: إن صدقية أية معالجة اجتماعية ترتهن لواقعية حلولها، وقدرتها على تحقيق سعادة الإنسان، مهما اختلفنا حول مفهومها، هل هي مادية أم روحية أم كلتاهما؟. فكان لكل نظام فلسفته ونظرياته لمعالجة المشكلة الاجتماعية وتحقيق السعادة، بعض منسجم مع مثاليته، غائب عن الحياة، تبقى نظرياته طي الكتب. وآخر يواصل ترميم نظرياته، سعيا لتحقيق سعادة شعبه، حتى تداركت بعض الدول الرأسمالية التفاوت الطبقي بالتأمين، ورفع المستوى المعاشي للشعب، حفظا لكرامة الإنسان. وبالتالي يخفق من يجانب الواقع في حلوله أو يقفز فوق نزعات الإنسان الفطرية، كارتهان سعادته في النظرية الماركسية لإلغاء الملكية الشخصية مطلقا، أو تعويلا على اندثار حب الذات وهو شيء فطري، يمكن تهذيبه وصقله وترويضه، ويستحيل تلاشيه، فكيف ترتهن سعادة الإنسان لإلغائه. وثمة من يفرّط بالجانب الروحي وثانٍ يؤكد على دوره في تقويم السلوك البشري، من خلال روح التقوى والشعور بالمسؤولية الدينية إضافة للمسؤولية الأخلاقية، فيكون شعورا مضاعفا، يعزز قيم الخير والمحبة والسلام. ويساهم في ترسيخ الأمن والاستقرار.

والسؤال عن مدى واقعية مجتمع الفضيلة؟ وهل ثمة تجربة بشرية عاشت بالفعل هذا اللون من المجتمع؟ وهل يصدق مفهومه على تجربة النبي في المدينة؟ وأين ذهبت النزعات العدوانية في الإنسان، وأين اختفت دوافع العنف والظلم والعدوان؟ هل يمكن اندثارها داخل مجتمع الفضيلة؟ هل كان الطرح طوباويا، يحلق بعيدا عن الواقع؟. أين المسلمون خلال 1400 سنة عنه؟ ولماذا تلوّن التاريخ بلون الظلم والعدوان والجور والفسوق والدماء البريئة؟ ولماذا اقتتل الصحابة قبل غيرهم؟. كل هذه الأسئلة وغيرها مشروعة، تستدعي إجابات واضحة، في سياق الحديث عن مجتمع الفضيلة كهدف أساس للدين، كي يكون واقعيا في حلوله للمشكلة الاجتماعية. وكان سياق السؤال عن مدى قدرة مجتمع الفضيلة على ديمومة قيمه؟. وهل يتمتع بمقومات ذاتية لضمانها؟ أم تتوقف ديمومته على الإمامة، ووجود إمام معصوم خاصة؟. وقد ذكرت خلال إجابتي مجموعة وسائل تضمن للمجتمع ديمومة قيمه متى تمسك بها، فتكون الإمامة والرئاسة والقدوة الصالحة منبثقة عنها، بمعزل عن أي وصايا خارجية، لتوقف شرعية الإمام على بيعته. وهو منهج أسس له الرسول ومن ثم الصحابة، وقد أحتج الإمام علي على معاوية بالبيعة، كما جاء في خطبة مرّ ذكرها. وأكد له أنه ذات المنهج الذي ارتكز له من سبقه من الخلافاء. وبالتالي الإجابة على السؤال يتوقف على مفهوم الفضيلة.

مفهوم الفضيلة

والسؤال ما المقصود بمجتمع الفضيلة؟ هل هو مشروع ناجز ومعطى نهائي أم تجربة تاريخية تراكمية؟ هل هو مجتمع منفتح على أفاق الحياة والتحولات، أم منغلق على نفسه قد يتآكل دوغمائيا؟ هل هو استنساخ لتجربة تاريخية أم تجدد مضطرد؟. وغيرها من استفهامات، لنفهم حدود الممكن والمستحيل، كي لا نشط في الخيال بعيدا عن  واقع الإنسان وقابلياته وقدراته، فيكون من باب التكليف بما لا يطاق، مرفوض عقلا وشرعا.

لم تكن مثالية المجتمع فكرة طارئة، بل أمنية إنسانية، بقيت حلما يراود قلوب المعذبين، وملاذا يوتوبياً هربا من حجيم الواقع ومعاناته. تمناه الحكماء، ونظّر له الفلاسفة والمفكرون: إفلاطون في مدينته الفاضلة، والفارابي في "آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها"، ويوتوبيا توماس مور البريطاني، وأم القرى عبد الرحمن الكواكبي، والحياة في ظل المهدي الموعود. وانشغلت به أقلام كثيرة، دون أن يتأثر بها الواقع، سوى جهود كلما تضافرت نسفها الجور والعدوان والظلم. والواقع يضج بالمآسي والحرمان وانتهاكات حقوق الإنسان، والسماء تبكي لدماء الأبرياء، وأوجاع المعدمين والمهمشين.

وماذا عن الأديان والإسلام بخاصة؟

لا يوجد حديث مباشر وصريح في الكتب السماوية عن مجتمع الفضيلة، بما فيها القرآن. وقد أحالت آيات الترغيب والترهيب على اليوم الآخر، جزاء لعمل الإنسان: الفوز والسعادة هناك.. الجنة والرخاء والاستمتاع هناك.. الرفاهية الحقيقية هناك.. المؤمن يكد ويتعب ويضحي ليلاقي جزاء عمله هناك: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ). والآيات كثيرة، جميعها يؤكد الجزاء الأخروي، ولم يتحدث عن مجتمع الفضيلة بالصورة التي طُرحت.

وأكثر من هذا: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ). (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ). ولا أجد في آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، إشارة صريح لمجتمع الفضيلة. وقد يراد بـ"يحييكم": إحياء القلوب وقيم الخير. أو الحث على الجهاد، لاختصاص الخطاب بالمؤمنين، وقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ). ومن يُقتل في سبيل الله يواصل حياته في الآخرة. أو أن في التزامكم بما يدعوكم له، ديمومة حياتكم. ولعل هذا أقرب للفهم.

وكل ما تقدم صحيح، وفقا لظاهر الآيات وأقوال الفقهاء والمفسرين،  والأمر يختلف وفق منهج فهم الكتاب. إن روح القرآن وسياقاته ومفاهيمه وتشريعاته وأخلاقه جميعها دال على إرادة مجتمع فاضل، لخصته آية: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وإن لم تصرّح. أو أشارت له ضمن مفاهيم أخرى. لا معنى لسيادة العدل والإحسان واختفاء الفحشاء والمنكر سوى تحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء حاضنة اجتماعية صالحة لنمو قيم الفضيلة والقيم الإنسانية. وقد مرّ الكلام عن العدالة الاجتماعية مفصلا ضمن ملاكات الأحكام، التي أسميتها بملاكات الجعل الشرعي تمييزا لها عن ملاكات مقاصد الشريعة. وبالتالي فإن الالتزام الفعلي والتخلّق بأخلاق القرآن. أو التخلّق بأخلاق الله هو الذي يحقق وجود مجتمع الفضيلة، وليس التمنيات والمعجزات، إنه شأن بشري، ومن مسؤولية أفراد المجتمع أنفسهم: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ). فالالتزام يخلق مجتمعا فاضلا، خال من الظلم والعدوان، تتكافأ فيه الفرص، ويسوده العدل والأمان. يؤكد هذا الكلام وجود أكثر من خمسين آية ربطت بين الإيمان والعمل الصالح، وهو مفهوم فضفاض، لا يتوقف على حدود العبادات، بل كل عمل تترتب عليه منفعة اجتماعية ويثري قيم الخير والمحبة والوئام والسلام، يُعد عملا صالحا، قد تمتد منفعته لصالح البشرية جمعاء. وليس مجتمع الفضيلة سوى فعلية القيم الإنسانية، وخروجها من القوة إلى الفعل، من المفهوم للمصداق، من التصور للتصديق. وهذا هو معنى مجتمع الفضيلة، مجتمع ممكن، مرن، يتقبل كل ما يثري قيمه الأخلاقية والإنسانية، يتأتي بتقويم تراكم التجربة البشرية، التي تسعى لتحقيق السعادة. فهو ليس مجتمعا خياليا لا يتحقق إلا بمعجزة، كما نقرأ عن مبررات ظهور المهدي في النظرية العقدية الشيعية التي ارتهنت كمال المجتمع وسعادة الحياة لظهوره ولازمه عدم التعويل على أية تجربة حياتية، رغم ثراء التجارب الاجتماعية في العالم. وهذا من ترسبات ثقافة التراث، ومحض خيال لذيذ وملهاة للكسل والاتكالية. لم أقصد بمجتمع الفضيلة، صيغة رومانسية تتعطل فيها الحياة، على غرار جنات الخلود، التي تتحقق فيها رغبات الفرد بدون عناء. قطوفها دانية، (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا، وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا، قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا، وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا، عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا، وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا، عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا). بل هو مجتمع الجد والاجتهاد والعمل والهمم العالية، القادرة على كبح جماح الشهوات والرغبات اللامشروعة. مجتمع إنساني، يرتهن تحققه لإرادة الإنسان، ومدى قدرته على تعهد قيم الفضيلة سلوكا وعملا. هو صيغة ممكنة، مرنة، لا مستحيلة ولا خيالية. وسعادة الإنسان فيه نسبية، تختلف باختلاف الظروف الاقتصادية والفكرية والثقافية والموقع الجغرافي وثروات البلد وعلاقاته، وفهم المجتمع لمعنى السعادة. غير أنها تحفظ كرامة الإنسان، وحقوقه الطبيعية العادلة.

ليست الفضيلة إدمان العبادات على حساب الجد والعمل والعطاء، إنها حركة ترفع الفرد لمستوى المسؤولية. غير أن بعضهم يرتهن وجود مجتمع الفضيلة لوجود رمز تاريخي أو ديني، أو الإمام في النظرية  الشيعية، حدا لا يعرف المتكلم ما هي خصائصه، سوى وهمٍ يملأ فضاء مخيلته، فيشعر بسعادة عند الحديث عنه، ويمنيّ النفس بإدراكه. "يوما حدثني شخص عن شوقه المرير لظهور المهدي ودولته دولة العدل والإنصاف!!. فسألته عن سبب الانتظار؟ قال: أنتظر سيادة العدالة بعد اختفاء الظلم، والحصول على حقوقنا والمحافظة على كرامتنا وحيثيتنا، بعد تلاشي مظاهر الفقر والعوز، وتحقيق الضمان الاجتماعي والأمني. فقلت له: مطالب مشروعة، لكن أسألك أليس كل ما تطلبه تعيشه الآن فعلا وعملا في أستراليا؟ هل ما حققه هذا البلد كان على يد المهدي أم على يد شعب ناضل وحقق كل هذه المعجزات؟ أليس لديك ضمان اجتماعي وصحي، وحرية كاملة للعقيدة والرأي والتعبير، وتداول سلمي للسلطة؟. لا استبداد، لا دكتاتورية، تقف أنت والحاكم معا أمام القضاء .. فبهت الرجل كأنه لم يعلم بهذا من قبل!. لكنه لم يسكت، فقال هذا صحيح، لكن ما سيحصل مع المهدي شيء آخر. طالبته بالتوضيح، فراح يتعثر بكلامه لا يدري ماذا يقول. لم أتفاجأ بارتباكه، وتفهّمت موقفه جيداً: (الاعتراف بالحقيقة يقتل الأمل). والإنسان مستعد للتضحية من أجل بقاء الأمل شعلة وقاّدة في نفسه..". (أنظر كتاب: مدارات عقائدية ساخنة).

المجتمع المدني

أخلص أن مجتمع الفضيلة الذي نحن بصدده، ليس معطى جاهزا، ولا مجتمعا ملائكيا، أو يتوقف تحققه على وجود رمز وإمام معصوم أو شرط تعجيزي. بل هو تراكم قائم على التجربة وتقويم الأخطاء، وأفق مفتوح على عالم الفضيلة والسمو. يتمثّل لتحقيق هدفه قيما أخلاقية ومعايير إنسانية: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). ويجعل من الأخلاق والقيم الروحية قاعدة لحركة المجتمع، على الأصعدة كافة. ويحرص على توازن سلوكه من خلال الموازنة بين القيم الروحية والمادية. كل هذا من أجل سعادة الشعب وفقا لرؤيته العقدية ونظرته الكونية. وليس الدين سوى قيم ومبادئ تقصد سعادة الإنسان، متى تحققت خارجا تحقق هدفه، وليس هناك صيغة ثابتة، بل تخضع المجتمعات للمؤثرات الزمكانية، والتحولات الاقتصادية والبيئية. وتتاثر بالفتوحات المعرفية، والتقدم العلمي والتكنلوجي، وعلى المجتمع ليبقى حيا نابضا مواكبة التطورات، من أجل سعادة الفرد والمجتمع. وبما أن السعادة هي الهدف الأساس لمجتمع الفضيلة، لذا  أجد في المجتمع المدني والمجتمعات الحضارية المعاصرة، مصداقا لمجتمع الفضيلة، بالمعنى الذي تقدم. باعتباره خلاصة تجربة بشرية بعد معاناة طويلة مع الاستبداد والظلم والجور، وارتكازه على مبادئ حضارية تمنحه قدرة على مقاومة التحديات، ومواصلة طريق التقدم والسعادة. وأقصد بالمجتمع المدني معناه الاصطلاحي في الفكر السياسي. رغم أن وصفه بالمجتمع العصري أكثر تعبيرا ودقة، لصدق مفهوم المجتمع المدني على جميع المجتمعات بعد خروجها من حالة التوحّش، رغم عدم انطباق المفهوم الاصلاحي على بعضها، وهي للتخلف أقرب من المدنية والتحضر، بفعل الاستبداد والعنف وتداعياتهما الواسعة. وأيضا، أن الكلام هنا عن المجتمع المدني، مجتمع المؤسسات، لا عن حكوماته، التي لها استراتيجيتها في التعامل مع القضايا الدولية وفقا لمصالحها، وقد تتجاوز في مواقفها جميع حقوق الإنسان، ويكفي أن بعض الدول الديموقراطية تبيح لحكوماتها استخدام الأسلحة المحرمة والفتاكة. وتسمح بالتدخل في شؤون دول أخرى وفرض الوصايا عليها، بل حتى استعمارها كما حصل مع العراق بعد سقوط النظام السابق. نحن نخص الكلام بالمجتمع المدني والمبادئ التي يقوم عليها.

وأما تاريخيا فإن عددا من الباحثين يرى أن المجتمع المدني جاء نتيجة طبيعية لتطور المجتمعات الإنسانية، حيث مرَّت البشرية خلال مسيرتها الطويلة بعدة مراحل: المجتمع البدائي (مجتمع الصيد وجمع الغذاء)، المجتمع الزراعي (المجتمع الانتاجي)، المجتمع الصناعي .. وفي كل مرحلة ينتقل المجتمع إلى مستوى أكثر تعقيداً من الناحية الاجتماعية والتنظيمية. كما أن الدول تصبح أكثر تطوراً في المرحلة التالية فتعجز عن تلبية جميع المتطلبات الاجتماعية منفردة. فالمجتمع المدني يقوم عبر مؤسساته بدور الوسيط بين الفرد والدولة، وينهض بمهمة تنظيمية داخل المجتمع نفسه. وعليه سوف لا يكون المجتمع المدني طبقاً لهذه الرؤية سوى صيغة عقلائية لتنظيم المجتمع وعلاقته بالدولة . أما الصيغة المترشحة عن القيم الليبرالية، فإنها تضع المجتمع في مقابل الدولة. والدولة تكون جهة محايدة ازاء المجتمع تقوم بتطبيق القوانين المترشّحة عن إرادته. على أن يتمتع الفرد في ظله بحريات واسعة جداً، وتكون الممارسة الديموقراطية ممارسة حقيقية عبر المؤسسات المدنية (كالأحزاب والجمعيات وغيرهما). كما أن الدولة فيه علمانية لا تخضع لرادة المؤسسات الدينية. وفي هذه الحالة، لا يمكن فصل المجتمع المدني عن بطانته القيمية ومبادئه الفلسفية، وستكون استعارة المصطلح لتبيئته في الوسط الإسلامي غير ممكنة، لأنه وليد بيئة أخرى ونتاج ثقافة لا تمتُّ إلى واقعنا بصلة. فلا تنفع معه عمليات التوليف والممازجة، لاختلاف المبادئ الفلسفية والقيمية بين المجتمعين. والصيغ التلفيقية مرفوضة لأنه تشوّه أداء السلوك الاجتماعي. لكن المجتمع المدني، رغم هذا الشرط، يبقى صيغة عقلائية لتنظيم المجتمع يمكن أن تتحرك في أي إطار قيمي وأخلاقي، تارة في إطار القيم الليبرالية ويؤدي وظيفته الاجتماعية، ومن الممكن أن يتحرك في إطار قيم روحية ودينية وأخلاقية، فلا يكون تلفيقا حينئذٍ بل تقويما، كما لو تداركت الدولة التفاوت الطبقي بالتأمين، أو منح الدولة هامش أكبر من السلطة، شريطة عدم المساس بمبادئ المجتمع المدني. (أنظر: كتابي إشكاليات التجديد / المجتمع المدني).

وبالتالي أجد في قيم المجتمع المدني مبررا لجعله مصداقا لمجتمع الفضيلة بالمعنى المتقدم، لا بالمعنى الدوغمائي. لصدقية مبادئه حضاريا وإنسانيا، وهو غاية ما يطمح له الإنسان. باعتباره مجتمعا حرّا، لا يجافي الأخلاق أو القيم الإنسانية، وترك الباب مفتوحا للقيم الروحية، دون أية وصايا مسبقه. وعلى هذا الأساس يمكن لأي مجتمع تعهد ذات المبادئ والقيم، وتبيئتها ضمن حاضنته الاجتماعية ونظامه الأخلاقي، بذات شروطها الثقافية المتقدمة. وأما الصيغ التلفيقية فتخرج عن عنوان المجتمع المدني. وهذا يستدعي مرانا على قيمه وثقافته، تمهيدا لتبيئته. فالخطوة الأول فهم قيم المجتمعات المدنية، وإعادة النظر في ثقافتنا التي ارتكزت للعنف والفرز الديني والطائفي القائم على تكفير الآخر ونبذه. ومثال ذلك أن المجتمع المدني مجتمع ديموقراطي، يؤمن بالتعددية والمواطنة وحقوق الإنسان والحرية الشخصية، وما لم تلتزم بكل  شروطه لا يصدق عليك مفهوم المجتمع المدني، فتنهارفضيلة قيمه. وبالتالي فإن المجتمع المدني يقوم على مبادئ، يمكن تطويرها لتفادي أي احتكاك ديني وأخلاقي شريطة عدم الإخلال بجوهرها:

-  الحريات الأربعة: السياسية والاقتصادية والفكرية والشخصية. وأي مساس بهذه الحريات، يعد خرقا لمبادئه. فهل يمكن للفرد الإعلان عن قناعاته الفكرية والعقدية في مجتمعاتنا المحافظة، ويعارض علنا المرجعيات الدينية أم يصنف كافرا، يقام عليه حد الكفر بالله ورسوله؟. وهنا ينبغي التمييز بين المبادئ والضرورات الأمنية. فتجد الدول الغربية تمنع منعا باتا إهانة المقدسات، وإثارة النعرات حفاظا على الأمن المجتمعي، فمن حيث المبدأ لا يوجد مانع وقد ذكر القرآن جميع شبهات المعارضين والكافرين. وبالتالي للنظام كنظام ضروراته.

- الديموقراطية: القائمة على التعددية والانتخابات والتبادل السلمي في السلطة والمواطنة وحقوق الإنسان. وأي نظام لا يؤمن بالتعددية يخرج عن كونه نظاما ديمقراطيا، مهما كانت مبررات التمييز، عنصرية أم دينية أم أثنية. والكلام هنا عن صدقية المصطلح. فكثير من ديموقراطيات الشرق أوسطية ترفض التعددية الحقيقية وتكتفي بالانتخابات والديموقراطية الشكلية، وتنقلب على الدستور ونتائج الانتخابات. وهنا لا يصدق المفهوم، لأن الانتخابات أحد تمظهرات الديموقراطية، لا تمام حقيقتها. أما حقيقتها فهي التعددية بكل ما تعني من اختلاف الرأي والتوجهات، ولا يصدق بدونها مفهوم الديموقراطية الحقيقية. التعددية اعتراف صريح بالآخر، وحقه في التعبير عن رأيه ومعتقده وتوجهه السياسي ومعارضته داخل البرلمان، وحقه في استلام السلطة. ويكاد يكون هذا غائبا في غير الدول الديموقراطية، بل ويلتفون قانونيا على التعددية، تحت مختلف الذرائع، كأن يضعون شرطا للمشاركة الساسية. كما في إيران تعتبر الإيمان بولاية الفقيه شرطا أساسا للمشاركة السياسية، وبخلافه يحرم المرشح من المشاركة في الانتخابات،  وليس الأمر مقتصرا على إيران بل غيرها من الأنظمة الشمولية والطائفية والحزبية.

- العلمانية: لا بالمفهوم الخاطئ لها، بل بمعنى فصل  الدين عن الدولة، وليس معاداة الدولة للدين كما هو شائع. العلمانية تريد إبعاد الدولة عن كل وصايا باستثناء حق الشعب في تقرير مصيره ومسؤوليته عن تشريع قوانينه. إن فصل الدين عن الدولة بات مطلبا تتوقف عليه الدولة العصرية، بعد تجارب الدول الدينية، وما تمخض عنها من استبداد سياسي، ومصادرة للحريات الشخصية، وقمع المعارضة. فالعلمانية ترفض توظيف الدين لمصالح سياسية، وتحافظ على قدسيته، كحق مشروع لجميع الأفراد. وترى أنه تجربة روحية وعلاقة بين الفرد وربه، وينبغي أن يبقى كذلك.

- التسامح: الحقيقي، الأساس الفلسفي للتعددية. وليس التسامح الشكلي القائم على المنّة والتفضّل، يد عليا ويد صغرى. ومعنى التسامح الحقيقي اصطلاحا كما قررته في كتابي التسامح ومنابع اللاتسامح: (الاعتراف بالآخر وحقه في التعبير عن رأيه وعقيدته. والتعصب هو رفض الآخر وسلبه حق الاعتقاد وحق التعبير عن رأيه). وبشكل أدق، الاعتراف بالآخر والتعايش معه على أساس حرية العقيدة وحرية التعبير، لا تكرّما ولامنّة، وإنما حق على أساس نسبية الحقيقة وتعدد الطرق إليها. وعدم وجود حق مطلق لدى طرف دون آخر. وأن الحقيقة موجودة (بمعنى محتملة) لدى جميع الاتجاهات الدينية والعقدية على أساس وحدة الحقيقة وتعدد التجارب الدينية، فيكون لكل فرد حقه في الاعتقاد وحقه في التعبير عن رأيه، وليس هناك ما يبرر احتكار هذا الحق لجهة دون أخرى. فقبول الآخر، وفقا لهذا الرأي حينئذٍ، ليس منّة، بل واجبا تفرضه الحرية الشخصية. وهو حق يرتكز أساسا الى القول بنسبية الحقيقة، التي ترى أن لها وجودا نسبيا لدى جميع الأفراد، ولا مبرر حينئذٍ لدعوى احتكارها والتفرد بها، ولا مبرر، أيضا، لاعتبار قبول الآخر والتعايش معه منّة وتكرّما، واعتبار قبوله قيمة أخلاقية، بعد تبدد مفهوم الحقيقة المطلقة وتلاشي دعاوى احتكارها والاستئثار بها. وسيكون قبول الآخر على أساس اشتراكه في وجود الحقيقة. أي تبقى الحقيقة محتملة في جميع الأطراف. وبالتالي فمن الواجب قبولك للآخر والتعايش معه. إذ مقتضى كون الحقيقية نسبية تفرض على كل فرد وجوب الاعتراف بحقه في اختيار عقيدته وحريته في التعبير والدفاع عنها، أي ما يقع ضمن دائرة حريته الشخصية.

فالتسامح الاصطلاحي إذاً: "الاعتراف بالآخر وحقه في التعبير عن آرائه ومعتقداته اعترافا حقيقيا، على أساس نسبية الحقيقية، وتعدد الطرق لها لا تفضّلا ولا منة".

يأتي في الحلقة  القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة أستاذ ماجد وجهود مباركة
نعم أتفق معك تماما بأن الفضيلة ليست مشروع ناجز
وإنما تجربة تراكمية تترسخ فيها المفاهيم عبر مراحل
كي يتكامل الوعي وهذا هو المنطق العقلي الذي يقود للإمامة
فمشروع إعداد الأمة يشابة لمشروع إعداد تلاميذ من أجل أن يأخذ كل منهم دوره في المجتمع
فلايمكن أعداد الطبيب أو المهندس دفعة واحده من خلال طرح جميع المواد العلمية في فترة قصيرة لا تتناسب مع وعيه وقدراته العقليه لان ذلك يؤدي للفشل مالم يكن هناك مخطط مدروس يتلائم مع طبيعة الانسان وقدراته العقلية وتكاملة

وهذا هو اشكالي الذي لم أجد له جواب مقنع
لأن التأريخ قد أجاب عنه وفق قراءتك
ان الله لم يضع برنامج متكامل للرسالة
بحيث ان العقل يحتج على الله يوم القيامة ؟
بأن مشروع الرسالة انحدر بالتدريج بعد وفاة الرسول الى ان وصل الى يزيد خلال فترة ليست بعيدة ...لغياب المنهجية السماوية في قيادة الأمة
والله يقول في كتابه ولله الحجة البالغة
ثم كيف يتغافل الرسول عن موضوع الخلافة وقيادة الأمة وهو أهم موضوع على الاطلاق بعد اكمال الدين ...على الأقل كان جمع الصحابة وقال لهم اختاروا من بعدي خليفة وفق مبدأ ...كذا وكذا
...والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

وعليكم السلام، واهلا وسهلا ومرحبا بك دائما الاستاذ الشاعر احمد مانع الركابي، وشكرا لتفاعلك. طرحت سؤالك في نهاية التعليق كيف يتغافل الرسول عن موضوع الخلافة. وأجبت انه لم يغفلها، لكن للسلطة سياقات قبلية معروفة، فترك الامر لها، ليضع المسلمين امام مسؤولياتهم التاريخيه. كما ان ادلة الشيعة والسنة متطابقة ان الرسول لم يكتب كتابا. وهناك نص تاريخي، لحد الان لم استشهد به، ان الرسول كان يبعد اهل بيته عن القيادة بينما كلف قريش ضمن ولاة المسلمين. وايضا ذكرت في كتاب النص وسؤال الحقيقة. لماذا لم يكتب الرسول كتابا؟ وقلت هناك أن اي تزكية تصدر من الرسول تصادر حق الناس في النقد والتقويم وتقرير المصير، مهما كان الشخص. لان السياسة منزلق أخطاء، وقرارات فورية. واما الاشكال الاول في تعليقك. اذا اردت ان تعتبر الامام مستحفظا للرسالة لا باس بذلك يشمله بل هو ابرز مصاديق ولكل قوم هاد. اما ما تضيفه من خصوصيات يحتاج لدليل، وهو مفقود في المقام والمسالة ليس مزاجية. كما يا صديقي انت تنطلق من مقدمات تعتبرها نهائية، وليست كذلك، فما تعتقد به حول شخصية الامام وسياسته، اعتقدت به بعد 1400 سنة من التراكمات والصراعات. فهي صورة جاهزه تربيت عليها. واما الاخرين فربما لهم وجهة نظر اخرى. وانت تعلم ان الامام قد خاض 3 حروب داخلية ضحاياها الصحابة والتعابين. صراع حول السلطة. تمنياتي لك بدوام العافية

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً للأخ الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال المتعلق بمجتمع الفضيلة. و احب ان اضيف التعليق التالي:
1- اعتقد ان العامل الاساسي للتخلف في مجتمعاتنا يرجع بشكل اساسي الى سيطرة رجال الدين المتخلفين على عقول الناس. لأن اغلب الناس لديهم ثقافة دينية ضحلة؛ و للاسف الشديد لاحظت حتى الذين يحملون الشهادات الجامعية هم صيد سهل الى المعممين و خرافاتهم.
و لذلك نلاحظ ان اية بلد يقوده رجال الدين مصيره التخلف و الظلم و الاضطهاد بأسم المقدس. و المهم استطيع ان اقول كلما زاد تأثير الدين في المجتمع كلما زادت الخرافات و الاضطهاد بأسم المقدس. كان المفروض العكس ان الاخلاق الدينية تنقي النفس الاسلامية و تضيف قيم الدين الصحيحة اليها و لكن هذا لم يحصل. لا اعرف السبب؟؟.
رجال الدين في العالم الاسلامي السني/الشيعي لا يتحدثون بكلام الله و لكن كل تركيزهم على المرويات و الاساطير الخرافية الموجودة فيها. و هذه تنزل كماء بارد على عقول الساذجين من مجتمعتنا.
2- اعتقد ان مجتمع الفضيلة يخلقه ابناء المجتمع كل من موقعه و مسؤليته. العائلة هي اللبنة الاساسية لتربية الاطفال على الصدق و الامانة و احترام النظام و كل الاسس الصحيحة؛ بالاضافة الى هذا ان للمدرسة و الجامعة الدور الاساسي في تنشئة الشباب على النظام و على الاخلاق السليمة. هذا يحتاج الى منهج يقره المختصون في هذا الشأن.
3- انا اتفق كلياً مع الاخ الغرباوي في فصل الدين عن الدولة –اي السياسة. و السبب ان الدين الاسلامي دين عقائدي ايماني و ليس دين سياسي صمم للحكم. و ان رجل الدين عندما يصبح سياسي يفقد "صفته" الدينية و يصبح سياسي "ماكر"؛ لأن السياسة سياسة و الدين دين و انهما عالمان مختلفان لا يلتقيان.
4- لكي اوضح ان الدين الاسلامي دين ايماني و لا يجبر الناس بالاكراه على الايمان به؛ و كذلك لا يبغض الاخرين من الديانات الاخرى اذكر بعض الايات هنا:
سورة الكهف - آية 29
وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها ---الخ.
الاية اعلاه مهمة جداً لانها بالرغم من انها تتكلم عن شيئين نقيضين و هما "الايمان و "الكفر" و لكن تقول "انا اعتدنا للظالمين ناراً---" و لم تقل " اعتدنا للكافرين ناراً" و هذا يدل على ان ظلم الانسان لاخيه الانسان "اهم عند الله من الكفر في دينه". لذلك ان الاية تؤكد ان الظلم و هو من ابخس الامور في مجتمع الفضيلة اشد جوراً عند الله من الكفر بدينه. لانه قد يكون هنالك انسان كافر او مشرك لا يؤمن بالله او ملحد و لكنه نزيه في تعامله مع الاخرين ؛ فأن حسابه عند الله اسهل بكثير من انسان يدعّي انه مؤمن و لكنه انسان ظالم.
لذلك نرى ان الله يؤكد على التقوى في آياته "جنة اعدت للمتقين".."اكرمكم عند الله اتقاكم"----الخ و لم يقل اكثركم ايماناً. التقوى نقاوة النفس البشرية. و هذه هي صفات مجتمع الفضيلة التي يريدها الله في دينه من عدل و مساواة و نزاهة –الخ
بالاضافة الى ما ذكر اعلاه ان الله كانت له "ارادة" ان تكون المجتمعات مختلفة و تشكل قوس قزح يضم مختلف الالوان من مؤمنين و مشركين و ملحدين و اصحاب الديانات الاخرى؛ انه امتحان لكل انواع البشر؛ كما هو واضح من الايات ادناه:
سورة هود - آية 118
ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين
سورة الأنعام - آية 107
ولو شاء الله ما اشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما انت عليهم بوكيل
سورة الغاشية - آية 22
لست عليهم بمصيطر
سورة الأنعام - آية 149
قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم اجمعين
سورة الحج 17
ان الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد
السؤال الذي يطرح نفسه هو : اذا كان الله يقول للرسول "لست عليهم بمصيطر "؛ و لست "عليهم بوكيل"؛ فكيف رجال الدين يقودون الناس كقطيع من الماشية و يكفرون هذا وذلك حسب ما يريدون؟؟؟.
مجتمع الفضيلة يتحقق عندما يعترف هؤلاء ان الدين الاسلامي دين واحد موحد لكل البشرية و ليس دين مذهبي؛ و كذلك عندما يتوقف هؤلاء من بث سمومهم في تفرقة المسلمين و كره الاخرين.
6- اعتقد ان الدين الاسلامي لا يوجد به ناسخ و لا منسوخ ابداً. اذا كان هنالك ناسخ و منسوخ لماذا كلا النوعين من الايات موجودة في القرآن. النسخ يقصد بها نسخ آيات الديانات الاخرى "و استطيع ان ابرهن هذا".
ان الله لا يبدل "كلماته" كما موضح في الايات التالية :
الانعام -115
وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم
الكهف-27
واتل ما اوحي اليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا
الانعام-34
ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا حتى اتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبا المرسلين
و شكراً مرة اخرى
آسف على الاطالة
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

كل الشكر لك اخي العزيز ثائر عبد الكريم. بالفعل توظيف الدين لصالح السياسية خطير جدا، يستغفل الناس والطيبين. كما ان تاريخ السلطة الدينية سلبي في جميع الاديان، لم يحقق شيئا سوى تعميق روح التبعية والانقياد. اكرر شكري واحترامي لتعليقك

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5101 المصادف: 2020-08-23 04:08:02