 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (181): فلسفة الخلق وتداعيات السلطة

majed algharbawi12 (1)احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي

 

س141: أحمد مانع الركابي: قولك إن الله ترك الإمامة لتنامي التجربة الإنسانية، أيضا يثير علامة استفهام. من هو المسؤول عن وصول الأمة لهذا الحال بعد وفاة الرسول؟ مرورا بالحكم الأموي والعباسي؟ أليست التجربة الإنسانية وما ترتب عليها من أخطاء قاتلة للآن نعيش رواسبها؟

ج:141: ماجد الغرباوي: السؤال يحيل على شروط صدقية مجتمع الفضيلة، وقد أشرت أكثر من مرة أن الإمامة، وفقا للنظرية الشيعية، ليست شرطا في تحققه خارجا. وقلت: إن (ديمومة الفضيلة لا تتوقف على وجود قيادة صالحة منصوص عليها، مادامت تنبثق تلقائيا، بل تتوقف على وجود مقومات ذاتية وبيئة كفيلة بحمايتها، وهذا ما حرصت عليه الأديان السماوية وأكدتها النصوص المقدسة، من خلال وجود: رقابة ذاتية وقانونية، وثالثة رمزية، كل واحدة تؤثر من زاوية خاصة، تارة تستقل وثانية تتداخل، باتجاه هدف واحد، لتكوين أثر مشترك، خلاصته تعبئة الفرد والمجتمع أخلاقيا، لحماية قيم الفضيلة وتبنيها سلوكا). المجتمع قادر على فرز قيادته الصالحة، وحتى القدوة والقيادة الهادية: (ولكل قوم هاد)، بعيدا عن منطق الوصايا والاستبدادين الديني والسياسي والتبعية والتخلي عن مسؤولية النقد تعبدا. وبعيدا عن الإمامة التي تشترط الإيمان بوجود عقول مطلقة خارج شرطها التارخي رغم بشريتها، فتُستغل بمختلف العناوين الدينية والضرورات السياسية. بل تأتي القيادة إفرازا طبيعيا للمجتمع، تمثّل إرادته ضمن شروط الفضيلة، وتحقق صدقيتها من خلال تجانسها.

ليس الإمام في مجتمع الفضيلة شخصية أسطورية أو معلّقة بين اللاهوت والناسوت. وإنما شخصية كارزمية ملهمة تنبثق من أوساط المجتمع. تتميز بقدراتها القيادية وقوة تأثيرها وحسن سلوكها وأخلاقها، تمثّل إرادة الشعب وتطلعاته، وتعيش آلامه وتحدياته. وهي منه وإليه، يتماهى معها، ويستجيب لإرادتها، بعيدا عن منطق الوصايا والاستبداد. فتؤكد مصداقيتها من خلال واقعيتها لا أسطوريتها، وهذا أحد أسباب تأكيد القرآن على بشرية النبي كي لا يرتفع به المجتمع فوق النقد والمراجعة، فتخسر التجربة النبوية جولتها الأولى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ).

أما صورة الإمام في المدونات التراثية المتداولة، فهي صورة أسطورية مغالية، الإمام معلق فيها بين السماء والأرض، بين اللاهوت والناسوت، واسطة في الفيض، ضمن علل الوجود، يختص بولاية تكوينية. وهكذا إمام لا يحتاجه مجتمع الفضيلة، وليبقى موضوعا لدراساتهم الباطنية، وأنيسا لأحلام من فشلوا في مواجهة الواقع، سيما من يعتقد أن واجبه في الحياة الدنيا يقتصر على معرفة الإمام!!.

الإمامة العملية، يمثلها صوت علي بن أبي طالب، وهو يتحدث بواقعية: (فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِىءَ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي) (الخطبة 216 في صفين). فعليهم الاهتمام بعهده لمالك الأشتر دون أسطرته أو تأليهه. والاستفادة من تجاربه في الخلافة والحكم، وكيفية معالجته للتحديات التي أحاطت به، والتعرّف على أسباب ما حصل في خلافته، وهكذا يكونون أوفياء للمبادئ، لا للتجارب التاريخية مهما كانت مثاليتها. ويرتكزون للعقل بدلا من الأسطرة واللامعقول.

السلطة والاستبداد

الاستبداد، سواء كان دينيا أم سياسيا، يتعارض مع الفضيلة، كقيمة أخلاقية وإنسانية، مهما كانت مبرراته، مادام يكرّس سلطة المستبد على حساب حرية الفرد والمجتمع. بينما يتقوّم مجتمع الفضيلة بالحرية، كمبدأ إنساني، لا يمكن لأحد مصادرته إلا وفقا لمعايير قانونية عامة، يسترد فيها ما يخسره من حريته، أمنه واستقلاله. أو ما تفرضه حدود حرية الآخر، حيث تنتهي حريته عند حدود حرية الآخرين. فيضحّي بحريته ليتمتع بميزات قانونية أكثر أهمية تستدعي تضحية جميع أبناء الشعب بشكل متساوٍ. بينما الولاية تعني القيمومة. أو قيمومة الولي على المولّى عليه، كقيمومة الأب على أبنائه القاصرين، فيتخذ ما يراه مناسبا من قراراته دون استشارتهم. فالولي وفق نظرية ولاية الفقيه هو صاحب القرار، وعن سلطته تتفرع السلطات. الولاية تفضي للاستبداد، وقمع المعارضة، وتمنح الولي الفقيه صلاحيات مطلقة، لذا سُميت (ولاية الفقيه المطلقة). وهذا يتناقض جذريا مع قيم مجتمع الفضيلة، إذا لا تعني الفضيلة الالتزام الأخلاقي فقط، بل تعني أفقا مفتوحا للتطور المعرفي والإنساني، واعتماد أفضل الصيغ القانونية والدستورية التي تحقق سعادة الإنسان، بعيدا عن الاستبداد والظلم والعدوان: (إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). والولاية تتنافى مع العدل، وفيها ظلم وجور على حقوق الإنسان حينما تفرض عليه صيغة تصادر حريته وإرادته، خاصة إرادته السياسية. ولو قدر واستمرت الإمامة كما يصورها التراث لا ندري إلى ماذا ستؤول، وما هي الآثار التي ستترتب عليها، سياسيا واجتماعيا؟. الفضيلة ديمومة التحرر من سجون النفس والتاريخ والتبعية والانقياد، والانفتاح على عالم القيم الإنسانية الرحبة، واستثمار كل ما يحقق سعادة الإنسان.

مجتمع الفضيلة لا يدعي صيغة محددة للحكم، ولا يدعو للاستبداد، ولا يبرر منطق الوصايا تحت أية ذريعة، ويوظف المنجزات الفكرية والحضارية والإنسانية لخدمة مجتمعه، ويسعى الاعتماد نظام حكم، يحقق سعادة الفرد وإرادته السياسية. واليوم يعتبر المجتمع المدني الذي يرتكز للمؤسسات المجتمعية للحد من سلطة الدولة، ومشاركتها في تطبيق الأنظمة والقوانين وإدارة المجتمع يعتبر أفضل صيغة توصلت لها البشرية، وهو ما يطمح له مجتمع الفضيلة، وقيم الدين والإنسانية، حيث يبقى الفرد محور الحياة الدنيا، والفاعل الرئيس فيها، بينما محور الحياة في الأنظمة الدينية هو الله، فيكون الولي الفقيه ظله، ونائب عنه يحكم بصلاحيات مطلقة باسمه، والله عزوجل لم يخوّل أحدا، ولم يجعل أية ولاية لأي شخص، ومرَّ الحديث مفصّلا. ولازم المجتمع المدني الالتزام بالديموقراطية، طريقا لفرز القيادة السياسية، المنضبطة دستوريا، ضمن صلاحيات محددة، يكون فيها القرار النهائي للشعب.  لا استبداد ولا تبعية ولا منطق وصايا. وهي الصيغة التي اثبتت جدارتها، وهذا يتطلب ثقافة تمهد لهذا اللون من نظام الحكم، ومجتمع يلتزم قيم الفضيلة والأخلاق والقانون، وهي ثقافة لا تجدها في المدونات التراثية التي دأبت على تكريس التبعية والانقياد والطاعة لتفادي غضب السماء والرب (الراد عليهم كالراد على الله). وبالتالي الانتخاب وليس التعيين هو طريق فرز القيادة الصالحة، فيكون قرار إقالته حينما يخل بالتزاماته وتعهداته بيد الشعب، بينما لا يتاح للشعب ذلك وفق منطق الوصايا. وكان الصحابة والتابعون يعون جيدا حقيقة السلطة ومصدر شرعيتها، فبادروا لخلع عثمان. كانوا يعتقدون جازمين أن البيعة هي مصدر شرعية الخليفة، وهي عقد بين طرفين، متى أخل به أحد الأطرف يحق للطرف الثاني فسخه، وهذا ما حصل، حيث انتزع الشعب شرعية الخليفة، وقد أخفقت محاولات عثمان ربط شرعيته بالله وليس بالأمة، وأنه قميص ألبسه إياه الله تعالى. أو توظيف المقدس لحماية شرعيته، غير أنه لم يستدرج وعي الصحابة فقاموا كما يعتقدون بواجبهم الشرعي.

التجربة التاريخية

احتج السائل الكريم بسيرة الخلفاء ومن تلاهم على صدقية شرط الإمامة، من خلال مقارنة بين ما وصلت له الأمة في ظل غياب الإمامة!!، مع صورة مثالية عن الإمامة، يبدو أنها مغايرة للصورة الواقعية التي تمثّلت بخلافة علي بن أبي طالب وتجربته، التي كانت تجربة بشرية - سياسية ضمن شروطها التاريخية، والتي خاض خلالها حروبا داخلية، مثّل فيها الصحابة والتابعين لدى الطرفين أغلبيتها. فكان نزاع السلطة بعد وفاة الرسول نزاعا سلميا، فغدا في عهده نزاعا مسلحا، اضطر أن يكون في مقدمة جيوشه، التي كانت تمثّل شرعية الخلافة. فقال: (قولك أن الله ترك الإمامة لتنامي التجربة الإنسانية، أيضا يثير علامة إستفهام. من هو المسؤول عن وصول الأمة لهذا الحال بعد وفاة الرسول؟). فكأنه يحيل على مسلّمات تاريخية، متفق عليها، وليس الأمر كذلك. وهو إشكال يُستشهد به عادة. ولنتأكد أولا من صحة الاستدلال منطقيا، حيث أراد الاستدلال بصحة القضية الثانية على صحة القضية الأولى. شبيه ما يعرف منطقيا الاستدلال بالعكس المستوي. اثبات الأصل / القضية الأولى من خلال صحة العكس / القضية الثانية. أي يلجأ لاثبات مطلوبه إلى إثبات قضية ثانية، وله شروطه. لكن الاستدلال غير تام، فقد يكذب الأصل والعكس صادق. كما هو مقرر عندهم منطقيا. أما هنا، فتوقف صدق القضية الأولى لا يرتهن لصدق القضية الثانية، لعدم وجود علاقة عليّة وتكوينية بينهما، ولا حتى ملازمة بيّنة. فقد تنحرف الأمة رغم وجود القيادة الربانية الحكيمة، كما حصل مع الأنبياء والرسل تاريخيا، وفقا للرواية القرآنية: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). وربما لا يحقق النبي جميع أهدافه المرسومة، لأسباب ذاتية وموضوعية، كما حصل مع النبي نوح الكريم. رغم تسديد السماء للأنبياء وهم يبلّغون الوحي، حتى كانت الآيات تنسب النصر لله مباشرة. فسبب انحراف الأمة لا يقتصر على عدم كفاءة القيادة فضلا عن عصمتها، وإن كان عنصرا مهما. وربما حاسما.

وبالتالي فليس غياب الإمامة سبب انحراف السلطة كما يفترض السؤال، بل ثمة أسباب قد يكون ضمنها القيادة التاريخية الصالحة، وهذا أمر يختلف عن الإمامة المعصومة وفقا للنظرية الشيعية. التي لا نعرف عنها سوى صورة خيالية، تشكّلت عبر تراكمات نزاع السلطة، وسخونة التنافس لإثراء الرأسمال الرمزي. أو لوجود ملازمة بين وجود الإمام المعصوم والمجتمع المثالي، فمادام المعصوم في قمة هرم السلطة، فسيكون المجتمع مثاليا بالضرورة، باعتباره إنسانا كاملا، تستجيب الأشياء لإرادته!!. لكن لا أدري سيكون المجتمع مثاليا فجأة، وبقوة سحرية وغيبية، وما الداعي لهذا؟. أم يتحقق المجتمع عبر مخاض طويل ومعاناة شاقة وفق ذات السياقات الحاكمة في جميع المجتمعات، فيخضع للسنن والقوانين. وهذا قد يستغرق سنوات طويلة، ربما لا يدركه المعصوم، فما الحاجة للعصمة حينئذٍ. وعليه لا توجد تجربة تاريخية مثالية لحكم الإمام المعصوم الذي ترسم صورته ريشة التراث الشيعي وريشة الغلو خاصة لنستشهد بها، سوى تجربة الإمام علي وكانت تجربة بشرية بامتياز، وهذا يختلف عن استدعاء تجربة مثالية أو الإحالة على تجربة مثالية مستقبلية / المهدي الموعود. وبالتالي فإن صحة القضية الثانية (إخفاق التجربة التاريخية للخلفاء)، لا يثبت صحة القضية الأولى / الأصل. وغاية ما يمكن الاستدلال به عدم كفاءة القيادة السياسية أو اختلال الشروط التاريخية. لا أنكر ضرورة القيادة الكفوءة والقدوة الصالحة. والكلام حول شرطية النص والتعيين، وما بينهما من شروط العصمة والولاية التكوينية التي تفترضها النظرية الشيعية عقائديا، وهي لازم مفاد السؤال.

الأخطاء التاريخية

بات ضرورة أن نعرف ما هي معايير الانحراف؟ وهل كان انحراف مسار الخلافة بعد النبي انحرافا دينيا أم سياسيا أم أخلاقيا أم ..؟. لم يُشر السؤال لمصاديق الانحراف، ولم يبيّن ما هيته، وأرسله كأنه مسلّمة تاريخية متفق عليها بين المسلمين. والأمر ليس كذلك، فعلي الصحابي الجليل كان المستشار الأول للخلفاء، سيما في عهد عمر بن الخطاب، وكان الصحابة يمارسون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم تكن هناك أية مظاهر مخلة، لا في الشارع العام ولا في بيوت الخلفاء. ولما ارتفعت الأصوات في السقيفة وما بعدها لم يُتهم أحد في دينه وتقواه وأخلاقه، وكان التركيز على استحقاق الخلافة فقط وفقط. لكن من يطلع على أدبيات الشيعة تجدها تدين:

- اغتصاب الخلافة من علي، باعتباره منصوصا عليه من قبل الله بواسطة نبيه الكريم.

- فظاظة سلوك عمر مع أهل البيت، سيما السيدة الزهراء، واتهامه بكسر ضلعها. وتهديده عليا بالقتل إذا لم يبايع أبا بكر، الخليفة الأول.

- حروب الردة في عهد الأول، واعتبارها موجهة للصحابة الموالين لعلي بن أبي طالب خاصة.

- اجتهادات الثاني مقابل النص.

- تفريط عثمان بالسلطة، وتقديمه الولاء على الكفاءة.

- إدانة من خرج على خلافة علي، وهم: معاوية، عائشة زوجة النبي، طلحة والزبير، إضافة للخوارج.

- الحكم بغصبية الخلافة مطلقا حتى ظهور المهدي الموعود الذي سيسترد حقوق الإمامة المعصومة.

وأما بالنسبة للخلافتين الأموية والعباسية، فالمذاهب الأخرى تشارك الشيعة في إدانتهما، خاصة الانقلاب على الإمام الحسن، ومقتل الإمام الحسين، وما لحق الحزب العلوي من تشريد واضطهاد واقصاء. وجميعها ينتظم تحت عنوان السياسة أو السلطة والحكم أو الخلافة، باستثناء السلوك الشخصي للخلفاء وما رافقه من مجون وخروج على قيم الدين فالحديث طويل، والجميع يدين سلوكهم وعدوانهم واستبدادهم.

وعليه فالطابع الديني كان سائدا في عهد الخلفاء، وكانت الخلافة دينية سياسية، وكان الانضباط السلوكي على أشده، سواء من قبل الخلفاء وباقي الصحابة أو من قبل عامة الأمة، وكان القضاء شرعيا، والناس يتمثلون قيم الدين، في عباداتهم وأخلاقهم وعلاقاتهم. فلا يصدق مفهوم الانحراف بالمعيار الديني على السلوك العام. وإذا كان ثمة تحفظ حقيقي، فعلى الفتوحات وما رافقها من تداعيات وتوظيف خطير للدين لصالح أهداف توسعية. وما حدث في النصف الثاني من خلافة عثمان. هذا ما تقوله المدونات التاريخية. والأخطر في موضوع الفتوحات، التي كانت تهدف توسعة هيمنة الدولة، واستبعاد الجند عن مركز الخلافة، وتأمين نفقات ميزانية الدولة، الأخطر أنها ربّت شعوبا كاملة على العنف والكراهية والاحتكام للسيف وعدم الرأفة بالآخر، وهناك أرقام مهولة عن عدد القتلى والتجاوزات. كما أن الخطر الثاني، هو عدم قدرة الفرد على تمثّل الدين وقيمه، فصار ضحية للمنهج السلفي وتلقي الروايات كأنها قرآن منزل، دون تمحيص أو تحقيق، فكان الناس وسطا لانتشار الروايات المكذوبة، خاصة روايات الفضائل. ثم جاءت فيما بعد مرحلة تسويف القيم والمبادئ الدينية لصالح الهدف السياسية، ولا أنفي بدايته مع تدشين خلافة المسلمين، وكان أوجه في عصر الثالث، وكان صارخا مدويا في عهد الخلافتين الأموية والعباسية ومن جاء بعدها حتى يومنا هذا.

لقد قارن السائل الكريم الوضع آنذاك بصورة مثالية مفترضة. أو مقارنة وفق قائمة معيارية مثالية، تمثل حتيمة لسيرورة المجتمع في ظل خلافة الإمامة المعصومة. وهي صورة مفارقة للواقع، الذي تتحكم به سنن التاريخ في ضوء ما يواجهه من تحديات، ويكون فيه الإنسان محور الحياة، لا باعتباره منقادا لصورة مثالية بل باعتباره فاعلا حقيقيا، يساهم في صناعة الأحداث. بمعنى أدق، حتى لو حكم المعصوم مهما كان أسطوريا، يبقى محكوما بالسنن التاريخية والاجتماعية، يستجيب لقهر التحديات وما يواجهه من أحداث خطيرة، ولا يمكنه فعل شيء ما لم تستجب الناس لارادته. وهذا القدر لم يتحقق لكثير من الأنبياء، فهل المعصوم في الذاكرة الشيعية المغالية شيء آخر؟؟.. فالنظرية التي ترتكز للإمام في صناعة التاريخ بعيدا عن الشعب، نظرية خاطئة. والذي صنع تاريخ خلافة علي، رغم عصمته كما تؤكد النظرية الشيعية، الحروب الثلاثة الداخلية الكبرى. ولولاها لاتخذ تاريخ خلافته مسارا مغايرا.

مسؤولية الانحراف

مسؤولية الانحراف، لو كان قد حصل فعلا تقع على عاتق الأمة، إذ تقدم أن شرعية السلطة تتوقف على البيعة، ومن حق الأمة مبايعة من تراه مناسبا لمقام الخلافة. وستكون مسؤولة عندما تبايع غير الكفء. وقد انبرت الأمة واتخذت موقفا صارما من الخليفة الثالث عندما وجدت فيه ضعفا وهشاشة وانحرافا عن مبادئ الحكم، تجلت في تقديمه الولاء على الكفاءة، حينما منح أهله وعشيرته سلطات واسعة رغم رخاوة إيمانهم، وعدم التزامهم. وعندما أصرّت على مبايعة الإمام علي أثنت له الوسادة، فكان أول خليفة منتخب من قبل شعبه. وما كان لمعاوية أن يجعل الحكم وراثيا، لولا سياسة التجهيل، وخطابه الإعلامي الذي هو مزيج من الوعد والوعيد، وتشويه سمعة المعارضة / الإمام علي ومن ورائه الحزب العلوي. فاشتغل على تغيير قناعة الأمة، عبر تزوير الوعي، والحفاظ على المظهر الديني للخلافة، وقرّب الفقهاء والمتكلمين والعلماء والقضاة والخطباء، واعتنى بالرواة، خاصة من يجد فيه قدرة على تزوير الأحاديث، والكذب على الله ورسوله، وبالفعل رويت روايات صارخة في طابعها السياسي، عندما تبالغ في تنزيه الخلفاء وتستثني عليا، أو التي تمدح معاوية خاصة وتستفيض في تنزيهه. وكان يرفع راية الإسلام في معاركه وحروبه. وكانت تدرج ضمن الفتوحات الإسلامية. فاستفاد من سياسته وقد أخذ البيعة لولده يزيد وهو على قيد الحياة.

البيعة مسؤولية وكان بإمكان الأمة التمرد على قرارات الخليفة، وتقويم سلوكه السياسي. أما الاستضعاف والخوف، فلا يعدان مبررا وفق المنطق القرآني، عندما يكون الخليفة ظالما جائرا: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا). لا أستهين بلغة العنف، وسطوة معاوية، وأساليبه في ملاحقة المعارضة، وسياسته في إدارة الدولة. وكدليل على دهائه، لم يلق أي مواجهة في فصل الدين عن السياسة، ومن كانت هذه مواصفاته لا يمكن التمرّد عليه بسهولة، بل واستطاع امتصاص المعارضة الحقيقية للبيت العلوي، المتمثلة بالإمام الحسن بن علي، وعقد معه صلحا، نكثه فيما بعد. لكن رغم كل هذا الأمة هي القاعدة الأساسية للحكم، ومتى تمرد عليه الشعب، يتعذر عليه مواصلة حكمه. وإذا لم تستطع القيام بشيء في زمنه كان بإمكانه فعل الكثير في زمن يزيد وهو شخصية ضعيفة. وبالتالي فالأمة مسؤولة عن مواقفه، وبيعتها للخلفاء الأمويين ومن بعدهم العباسيين، الواحد تلوه الآخر. وفي هذه الحالة، عندما تتقاعس الأمة عن مسؤولياتها، لا ينفع معها حتى الإمام المعصوم، وأمامك تاريخ خلافة علي بن أبي طالب وراجعه. وهو المقصود بالإمامة المعصومة.

زاوية نظر

إن كل ما وقع كان ضمن السياقات الطبيعية، وهذا لا يعني مثاليتها، بل كان بالامكان أن تكون أفضل لو تقدم الفاضل على المفضول، ولم يرتكز الجميع لمبدأ القبلية، الذي كان قاسما مشتركا، والخلاف: هل الأحق عشيرة النبي أم خصوص أهل بيته. فارتكاز الجميع للمبدأ القبلي يُعد انتكاسة تحمّل المسلمون ومازالوا تبعاتها. وما كان للصحابة الارتكاز له لولا الفراغ التنظيري، وعدم وجود نظرية للدولة ضمن التشريعات الإسلامية. فكان من الطبيعي الاحتكام للسياقات المتعارفة في انتخاب القيادة العليا ضمن منطق القبيلة. فدولة المسلمين بدأت بسيطة، ثم تطورت تدريجيا. لقد غادر الصحابة عصر الوحي، و(ما إن تنتهي مرحلة نزول الوحي بوفاة النبي، تبدأ مرحلة تأويل النص المقدس، وتزوير الوعي الديني، بدوافع شتى، أخطرها السياسة حينما تفرض نفسها على التأويل، فيغدو نصا جديدا، وتفسيرا رسميا يصادر النص الأول، ويعيد تشكيل الوعي. وتارة تدفع ضروراتها باتجاه وضع الأحاديث، ونسبتها للرسول الكريم. وثمة نصوص لا يمكن الجزم بصحة صدورها لعبت دورا خطيرا في عالم السياسة، سواء في عهد الخلفاء، أو في عصر الدولة الأموية. وكما أن ثنائية السلطة والمعارضة كانت وراء التمادي في تأويل الآيات وتزوير الوعي ووضع الروايات، فأيضا كانت السياسة سببا أساسا في نشوء المذاهب والفِرق، وتأسيس مرجعيات فكرية وعقيدية جديدة. فعندما دشن الخلفاء بنزاعهم على السلطة مرحلة الإسلام السياسي، وتسييس الدين. أبقوا على قدسية النص، لشرعنة التأويل، فهو طاقة، يستمد قوته من مرونة النص المقدس وثرائه ورمزيته، ويبقى القارئ ومهارته في توظيفه)، (أنظر: كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 


 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

يبدو الاستاذ الغرباوي هنا اقرب للجدل السياسي من منطق الشريعة و الدين.
و لا شك ان الأخطاء التاريخية تبني بعضها على بعض.
فالسياسة المبسطة في زمن الخلفاء تبعها سياسة بلاط في الفترة الاموية. ثم سياسة الدوائر المتداخلة في فترة العباسيين. لتعود في الحكم العثماني لسياسة البلاط.
بتعبير اخر حساسيات الدعوة هي غير حساسيات العائلة. و غير مشكلة المكونات و الأقليات التي ظهرت في الفترة العباسية.
المشكلة ان واقعنا الحاضر هو وريث لكل تلك المشاكل مجتمعة و متجاورة.
و لا اعتقد ان الوضع السياسي الحالي يسمح بإرساء معايير.
فهي متبدلة من بيت لبيت و من حي لحي.
و هذه حرب أهلية نائمة. و اذا انفجرت في سوريا و اليمن و بعض البلدان الضعيفة و الهشة. فهذا لا يعفي البقية من التنبه و اليقظة.
في الحوار اشكاليات اخرى لا يمكنني المساس بها لأنها خارج خبرتي.
و شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

كان من الازم بيان بعض الحقائق، كي يستقيم التفسير، ونفهم حقائق الامور لا مجرد تكهنات او اساقطات، فكثير من الحقائق التاريخية هي ليست حقائق بل تراكمات وربما اكاذيب. شكرا دوام تفاعلك الاستاذ الجليل صالح الرزوق

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

لي ملاحظة صغيرة لو تقبلها الاستاذ الباحث ماجد الغرباوي من الضروري تثبيت المقتبسات ومقتطفات النصوص موضوع البحث وهي ضرورية برأيي لرصانة البحوث لانها بالاساس تعتمد على اما محاكاتها او نقدها او تشريحها وتشخيص مواطن الخلل فيها وما شابه وتعطي صورة او فكرة عن النصوص المعنية بالبحث ، اكاديميا تعتبر تلك الاجراءات ملزمة ولكن لا اعرف ان كانت ملزمة في البحوث العامة . الحقيقة الجهود البحثية للاستاذ الغرباوي واضحة اضافة الى النظر اليها من زوايا مختلفة ربما بعضها غير مطروقة سابقا وهذا ما يجعل من هذه البحوث الاجابات جديرة بالقراءة والمتابعة .
شكرا

قيس العذاري
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك وتفاعلك الاديب القدير الاستاذ قيس العذاري. نعم لا شك في ذلك في البحوث والدراسات كي تكتسب صداقية. وهنا حوار، لكن مع هذا دأبت على ذكر المصدر عند متقتضي الضرورة. وماعدا ذلك هو وجهة نظرية ورأيي واجتهادي. أقصد الحور مخصص لإبداء الرأي، وليس بحثا علميا. شكرا لك ثانية وشكرا لرضاك ومتابعتك

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال المتعلق بالعصمة و الامامة. و شكراً الى الاخوة المعلقين. و احب ان اضيف التعليق التالي:
اعتقد ان مجتمع الفضيلة و "المفروض" ان تخلقه قيم الدين لان هدفها الاساسي هو تهذيب النفس البشرية و تخليصها من كل الصفات و الشوائب الرديئة. و لكن للأسف الشديد ان الدين لم يستطع فعل ذلك بالرغم قوة تأثيره ان يغرس قيمه الجيدة التي ارادها الله من عدل و نزاهة و امانة و صدق و نكران الذات ----الخ في النفس البشرية. ؟؟. و لذلك بقيت صفة القبلية و الجاهلية و غيرها من الصفات الرديئة الاخرى هي السائدة في المجتمع و لحد يومنا هذا. اذاً من هذا نستطيع ان نقول انه لا يوجد لدينا مجتمع فضيلة في الدين الاسلامي و لا يمكن خلقه ؛ يمكن ان نقول ان الرسول في وقته كان جامعاً شمل الكل تحت ستار الدين و الوحي و قوة تأثير شخصيته و لكن ظهر معدن البشر بعد وفاته في زمن الخلفاء الراشدين و لحد الآن. فأين هي التربية الدينية و قيم الاسلام التي نادى بها الرسول محمد؟؟.
بعض التسميات التي ظهرت لاحقاً و التي هي "دخيلة على الدين الاسلامي" كالامام المعصوم و المعصومين لا وجود لها بالدين الاسلامي ابداً ابداً. ان فلسفة الامام المعصوم و المعصومين هي مجرد امنيات و فرضيات و تخيل لا وجود له ديناً ولا حتى على ارض الواقع ابداً ابداً. و الذي لديه رأي آخر فليطرحه للمناقشة.!!
كل الامور الاساسية في الدين الاسلامي من ايمانية و عبادات و اجتماعية و غيرها واضحة لاي رجل مسلم.
امّا المذهبية و الوراثية بالدين لا وجود لها بالدين الاسلامي اطلاقاً. كل الامور الاساسية يجب ان "نطلبها" من الله و ليس من غيره- الزرق من الله- الشفاعة من الله الصحة من الله –الخ.
للأسف الشديد الدين حرّف من قبل رجال الدين و مرجعياته لاهدافهم الخاصة و ها نحو اصبحنا في مفترق الطرق لا نميز بين الارنب و الجرادة. وشكراً مرة اخرى
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك دائما الاخ الاستاذ ثائر عبد الكريم. ذكرت قبل حلقتين ان عصر النزول يصدق عليه أنه بداية تأسيس مجتمع الفضيلة، وكان يفترض يواصل طريقة، غير أن نقلاب الاسلام من دين ألهي الى دين سياسي، بدأ المجتمع يكتسب صفات تتنافى مع قيم الفضيلة، فكان في بعض فترات الدولتين ومن جاء بعدها مجتمع رذيلة لا مجتمع فضيلة. نحن عالجنا الموضوع نظريا، وأكدت أن المجتمع المدني اليوم خير مصداق لمجتمع الفضيلة باعتباره خلاصة تجربة بشرية واثبت جدارته، ويمكن ان يكون للمسلمين مجتمع مدني يتمثل اخلاق الدين اضافة الى الاخلاق الانسانية. وعندي ليست اخلاق الدين سوى الاخلاق الانسانية. دمت طيبا وشكرا لك

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5124 المصادف: 2020-09-15 23:25:06