 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (183): التعارض بين العقل والنقل

majed algharbawi14احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ أحمد مانع الركابي.

 

 التعارض بين العقل والنقل

س143: أحمد مانع الركابي: كيف يمكن التوفيق بين ما طرحتموه من أن الإنسان المُستخلَف هو الذي يحمل مشروع إصلاح المجتمع بدالة العقل دون الانتماء لمشروع ديني متكامل؟.

ج143: ماجد الغرباوي: أفهم من السؤال ثمة تعارض بين النقل / الدين والعقل، وأن هناك مشروعا دينيا متكاملا، يعتبر نموذجا مثاليا مفروضا من الأعلى، لذا يستغرب السائل الكريم من استقلال الإنسان المستخلف بمشروع إصلاحي، بمعزل عن "مشروع ديني متكامل". ولا تخفى خطورة الإشكال حينما يصاغ بطريقة تضع الإنسان في مقابل الله، وكأنه يريد مصادرة قدسيته. مما يقتضي تفكيك الإشكالية والإجابة عليها بما يزيل إلتباس الفهم:

أما الأول (التعارض بين العقل والنقل) فهو خطاب سلفي أرهق الأمة، يختزل دور العقل بالطاعة والتسليم، لا للشريعة الإسلامية المنصوص عليها قرآنيا فقط، بل يجب عليه تَمَثُّل التجربة التاريخية لعصر النزول والخلافة الراشدة، لتتعدد مصادر التشريع ولا تقتصر على الكتاب، بل تشمل سنة الرسول، وأئمة أهل البيت عند الشيعة، والخلفاء الراشدين عند أهل السنة. لتفادي أي تعارض محتمل بين العقل والشرع، بل مازال رأي الشافعي ماثلا: لا تشريع إلا على مثال. وكان من تداعيات هذا الاتجاه شرعنة سلوك وتصرفات الخلفاء، مهما كانت جائرة. وقالوا بوجوب طاعته وإن كان فاسقا.

إن التعارض بين العقل والنقل إشكالية قديمة، عالجها إبن رشد (1126-1198)، في كتابه: (فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من إتصال). وأيضا من جاء بعده. ومرد الإشكالية اتساع دائرة القداسة لتشمل سيرة السلف وفتاوى الفقهاء حداً بات النقد جريمة تستحق القتل، وقد عبّرت الرواية الشيعية عنها بقولها: (الراد علينا كالراد عليهم، والراد عليهم كالراد على الله، وهو كحد الكفر بالله). نعم يمكن تصوّر التعارض وفقا لاتجاه العبودية الذي مرَّ تفصيله في مقابل اتجاه "خلافة الإنسان" أو الإنسان المستخلف أو "نظرية الإنسان". الأول يطالب الفرد بالجمود على حرفية النصوص والطاعة المطلقة للسنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين، باعتبارهما امتدادا للقرآن، ومصادر للتشريع، امتثالا لقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). فيما الاتجاه الثاني يرى وفقا لقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ)، أن الإنسان محور الأرض، ورهان الله مع ملائكته، لتميّزه بالعقل، الذي هو تجلٍ للعقل الكلي. وهذا لا يعني كماله مطلقا، بل يعني قدرته على التطور والانفتاح على آفاق المعرفة العلمية. واستعداده لخلافة الأرض. بمعنى الاستخلاف ولازمه حريته واستقلاليته، لذا وضعته الآيات بين خيارين. وبالفعل عاش الإنسان ردحا طويلا من الزمن قبل مجيئ الأنبياء، وصف القرآن هذه التجربة التاريخية بالأمة الواحدة، في تجانسها الثقافي والفكري ووعي الذات والآخر. دون الغمز بتجاربهم الدينية، ليلفت نظر الإنسان إلى جوهره وحقيقته التي بها يكون دينا: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ...)، فمهمة الأنبياء وفقا للآية مهمة ترشيد العقل، بعد إحياء قيم العدل: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)، في موازاة خطابين، ترغيبي وترهيبي، لضمان تطبيقه، الذي تسبب غيابه بالاختلاف وضياع حقوق الناس (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). ثم تأتي الآية التالية لتحدد غاية الرسل والأنبياء: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). والقيام بالقسط تعبير آخر عن استقلالية العقل في سلوك طريق الخير والسعادة.

العقل وملاكات الأحكام

وهنا لا بد من تحرير موضوع الخلاف، ما هي المواضع التي يمكن فيها تصور التعارض بين العقل والنقل؟ وهل تشمل منطقة الفراغ التشريعي؟ هل المجتمع ملزم بتقليد الفقيه في منقطة الفراغ التشريعي؟. وهل يجب عليه الرجوع للمجتهد في كل حادثة ليس فيها نص تشريعي، أم يمكنه اتخاذ ما يراه مناسبا وفقا لموازين العدل وعدم المساس بحقوق وحريات الآخرين؟. وهل ثمة اختلاف بين القيم الدينية والقيم الإنسانية؟. وبشكل عام هل يمكن للعقل التحرر من القيود المفروضة، والتفكير بشكل مستقل، ولازمه قدرته على تشخيص مصالحه وملاكات الأحكام أم يجب عليه الخضوع لجهة فوقية، وما هي حدود الالتزام؟. وماذا لو وقع التعارض بين العقل والشرع؟.

يعتقد اتجاه العبودية أن شرعية الحكم تدور مدار جعله، أدركت أو لم تدرك علة تشريعه. وأن مصادر التشريع تنحصر بالكتاب والسنة، وسيرة الخلفاء الراشدين، وبهذا أغلقوا باب الاجتهاد، واكتفوا بما ورد عن السلف الصالح. بينما يرى اتجاه الخلافة أو الإنسان أن الحكم يدور مدار ملاكاته وماهية المصلحة وراء جعله وتشريعه. الأول يرى من المستحيل على العقل معرفة ملاكات الأحكام وعلل التشريع. ولا يؤخد برأيه، للتشابه بين الحكمة والعلة. والحكم يدور مدار علته لا مدار حكمته، كما بالنسبة لتحريم قليل الخمر ككثيره، لعلة الإسكار. لكن، ليس المهم إدراك أو عدم إدراك الملاك فعلا، المهم إثبات صحة الفرضية: (الأحكام تدور مدار ملاكاتها)، فقاً التي يتوخاها المشرّع من وراء تشريعه. ويمكننا في سياق إثبات صحة الفرضة، الاستعانة بشهواهد قرآنية تؤكد هذا الاتجاه كقوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). فتحرك الحكم في هذه الآية تبعا لملاكاته، حيث انتفت فعلية أحكام كانت هناك مصلحة اقتضت جعلها، وتم تشريع أحكام جديدة بملاكات مختلفة. وأيضا قوله: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، (مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ)، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).

فالاتجاه الأول إذاً، يرى فعليّة الحكم مطلقا، وفي جميع الأحوال والأزمان، بينما يرتهن الرأي الثاني فعلية الحكم إلى ملاكاته وإن لم نعرفها ولم نكتشفها. المهم من ناحية نظرية ثمة مصلحة أو مفسدة اقتضت تشريع الحكم. وليست الأحكام مجرد أوامر تعبدية، حتى ذهب أحد الفقهاء ليس بالضرورة أن يصدر الحكم عن ملاك محدد، فربما تمام ملاكه في تشريعة اختبارا لطاعة العبد، وهو رأي مؤغل بالعبودية. قياسا على أوامر الأب لولده، تارة يكون عطشانا بالفعل فيطلب الماء، فيكون تمام الملاك إتيان الماء حتى لو جاء به غيره. وتارة يأمره لاختبار طاعته، فيكون تمام الملاك طاعته له، فيرفض إتيان الماء من قبل غيره. لكن غفل صاحب الرأي أن فعل الخالق لا يقاس على فعل الإنسان، وقد خلق الإنسان خليفة للأرض. وهو غني عن العبادة وطاعتهم، ولا تهمه معصية من عصاه، بل الإنسان هو الذي يخسر بمحالفته الأوامر الإلهية، وأقصد من يؤمن بالله واليوم الآخر: (وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). فحكم الميراث (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)، يبقى مطلقا، لا يتغير مهما اختلفت الظروف، بناء على الرأي الأول. أما على الرأي الثاني، فقد سبق معاجلة الموضوع على أساس توقف فعلية الحكم على فعلية موضوعه، فإذا ثبت أن المراد بالمرأة بعدها الثقافي ووعيها وحجم ما تتحمله من مسؤوليات، فإن المرأة الآن تختلف كليا عن عصر نزول الوحي، وسقنا أدلة قرآنية تكفي لاثبات الموضوع. أما هنا فيمكن معالجة المسألة على أساس ملاكات الأحكام، فإن الملاك الذي فرض للذكر ضعف ما للأثنى، قد لاحظ في حينه مصلحة معينة وملاكا محددا، فإذا تثبت انتفاؤه يتغير الحكم. ثم طرحت معالجة تفصيلية في بحث مستقل، يمكنك مراجعتها في كتاب: (الفقيه والعقل التراثي)، حيث افترضت وجود مقاصد أسميتها (مقاصد الجعل)، تختلف عن مقاصد الشريعة، التي يناط بالفقيه الافتاء في ضوئها. وهي مقاصد تتعلق بذات الحكم وفي مرحلة جعله خاصة، وقد اعتبرتها مجسات لملاكاته، عندما يتعذر اكتشافها وتحديد ماهية المصالح والمفاسد المأخوذة بنظر الاعتبار حين جعل الحكم وتشريعه. والفكرة ببساطة، أن الآثار الذاتية والموضوعية ستكون دالة على ملاكات الأحكام. فعندما شرع الصلاة جعل النهي عن الفحشاء والمنكر، دالاً على آثارها في نفس المصلي: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)، وأيضا جعل التقوى دالة على تأثير الصوم في نفس الصائم: (َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وهكذا باقي التشريعات، وقد حددتها بمقصدين، ولتوضيح الفكرة استدعي مقطعا من الدراسة:

ثمة علاقة بين مبادئ الحكم من جهة. وبينها وبين مقاصد التشريع في مرحلة الجعل والثبوت، من جهة ثانية. فالسعة والرحمة مثلاً مشروطتان بالعدل وضرورات الواقع، وليس مطلقا. والعكس صحيح، لتحاشي الظلم والجور واضطهاد الإنسان الذي قد يحدث مع عدم مراعاة شرط العلاقة القائمة بينهما. لذا لا يمكن الاستجابة للواقع مطلقا على حساب المبادئ الأخرى. وأما علاقة هذه المبادئ بمقاصد الجعل الشرعي فأيضا علاقة شرطية، لا يمكن الإخلال بها أو تجاوزها، وهذه هي مقتضيات الحكمة. فهي علاقة منضبطة في ضوء فهم حقيقي للدين ودور الإنسان في الحياة. وقد تقدم أن ملاكات الأحكام قائمة على (مركزية العدالة، السعة والرحمة، الواقع وضروراته). لذا فإن اختلال العدالة الاجتماعية أو اختلال التوازن الروحي والأخلاقي مؤشر ودليل على وجود خلل في توازنات مرتكزات مبادئ الجعل، الناظرة أساسا للموضوع المفترض أو الخارجي عند تشريع الحكم، وليس في هذا تجاوز لقداسة النص، بعد أن أدركنا طبيعة العلاقة القائمة بين تلك المبادئ، ونوع الترابط بين مرتكزاتها من جهة، ومقاصد مرحلة الجعل الشرعي. فالمرتكزات تكون ناظرة للمقاصد الأساسية حينما تؤثر في توازنات مبادئ الحكم.

وبهذا بإمكان الفقيه معرفة حدود الملاك من خلال آثاره الخارجية، فعندما تختل العدالة الاجتماعية أو التوازن الأخلاقي بإمكانه تشخيص ملاكات الحكم، والافتاء في ضوء الواقع وضروراته، فقد ينقلب الحكم من وجود إلى استحباب أو إباحة. ومن حرمة إلى كراهية أو إباحة. وكل هذا عمل عقلي، بما فيه تشخيص ملاكات الأحكام ومن ثم الافتاء وفق ضرورات الوقع. وبالتالي وهذا ما نريده يمكن للعقل بيان رأيه في الحكم وحدود فعليته.

شمول الشريعة

(ما من واقعة / حادثة إلا ولله فيها حكم)، مقولة مشهورة لدى الفقهاء، لا دليل عليها، يؤكدها منطق العبودية كما تقدم، وهو اتجاه يختزل دور الإنسان بالفتنة والامتحان والاختبار. يقتصر فيه دور الفرد على تطبيق الأحكام الشرعية، مع سلبه حرية الحركة خارج ما هو مشرّع منها. ولازمه أن يكون للشريعة رأي في كل تفاصيل الحياة. وما من حادثة كما يعتقدون إلا ولله فيها حكم، في إطار شمول الدين لجميع مناحيها. وهذا الاتجاه يضع النص فوق العقل. ويكتفي بالكتاب والسنة والتراث وفتاوى الفقهاء مصدرا لمعرفته. لا يؤمن بأية فلسفة وراء الأحكام الشرعية، ويعتبرها تعبدا مطلقا، وهي شاملة وثابتة مهما تغيرت موضوعاتها، ويكون الدين / الفقيه قيّماً عليه. ويلخّصون هذه الفكرة بقولهم: (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة). وهو ما تتبناه التيارات الدينية عموما، والسلفية خصوصا، لكن ثمة من فتح باب الاجتهاد واتخذ من العقل دليلا إضافة للادلة اللفظية. (أنظر كتاب: الفقيه والعقل التراثي). وعلى هذا الأساس عندما رفعت الحركات الإسلامية شعار: "الإسلام هو الحل". "القرآن هو الحل". "الخطأ في التطبيق لا في التشريع". فإنها تعتقد بشمول الشريعة لكل مناحي الحياة، وفي كل زمان ومكان، رغم أن التشريع عند نزوله كان ناظرا للواقع وحاجاته، غير أن الفقهاء قد قرروا: "المورد لا يخصص الوارد"، و"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، وعلى هذا الأساس حكموا باطلاق الأحكام. وهذا الكلام ليس تاما فثمة دور مهمة لأسباب النزول عندما تسلّط الضوء على خصائص موضوع الحكم، وتحديد فعليته المرتهنة أساسا لفعلية الموضوع، المرتهن في فعليته لشروطه وقيود. فأسباب النزول تسمح بدراسة موضوع الحكم والتأكد من فعليته بعد تقادم الزمان أو تغيّر الأحوال. فكيف لا يكون لها دور في الاستدلال؟.

والسؤال: ماذا يقصدون بشمول الشريعة أو كمالها وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وما هو مرادهم من: ما من حادثة إلا ولله فيها حكم؟. وماذا يعنى الكمال في مشروع ديني كامل، كما جاء في السؤال؟. هل يعني:

 - وجود مبادئ وقيم، يمكن للفقيه الارتكاز لها في تشريع الأحكام؟. وهذا صحيح، لكن لا يصدق حينئذٍ على الرأي الاجتهادي مفهوم الحكم الشرعي، أي الأحكام التي نزل بها الكتاب الكريم. ولا يترتب عليها ما يترتب عليها ما على تلك الأحكام.

- أم يقصدون أن الشريعة شاملة بأحكامها لجميع نشاطات الفرد والمجتمع بل وحتى الحوادث الواقعة أو المستقبلية؟. وهذا مجرد ادعاء لا تؤيده الأدلة، كما مرَّ تفصيل الكلام حول الموضوع، وقد بينت هناك:

1- إن التشريع منحصر بالله تعالى، ولم يجعل لأحد أية ولاية تشريعية. وبإمكان القارئ المقارنة بين فتاوى الفقهاء والقرآن حول حليّة وحرمة الطعام، حيث تجد كثيرا من تلك الفتاوى لا أصل لها في القرآن: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

2- إن مهمة الرسول قرآنيا هي التبليغ والبيان والتفصيل، دون تشريع الأحكام. يؤكد هذا أن الرسول كان ينتظر نزول الوحي ولا يسبقه بالفتوى دليل على عدم ولايته التشريعية واختصاصها بالله: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ)، (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ). وهناك آيات تبدأ بـ: ويسألونك، ثم يأتي الحكم، ولو كان للنبي ولاية تشريعية كان من الواجب أن يبادر لبيان الحكم الشرعي ضمن وظيفته، لكنه ينتظر الوحي، وهذا يكفي دليلا على أصالة الولاية التشريعية لله، وعدم جعلها لغيره، فكيف بغير النبي المرسل؟.

3- الشريعة هي خصوص الأحكام المنصوص عليها قرآنيا، وقد صرّحت الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا). والدين هو العقيدة والشريعة، وقد شهد الكتاب بكمالهما. وموضوع الآية هي الأحكام الشرعية وليس قضية عقائدية، حيث سبقتها وتلتها آيات أحكام، فأتت في ذات السياق.

4- الحكم الشرعي يدور مدار ملاكاته، التي تستدعي علما وإحاطة على المدى البعيد وفهم واقعي للإنسان وحاجاته وضروراته، وهي قضايا مختصة به: (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ)، (وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ)، وكل ما عداه يحتاج لعلمه، ولا سبيل له سوى الوحي.

5- حجية السنة تقتصر على ما له جذر قرآني، وما عداه إما أن يكون حكما خاصا بالنبي، أو باعتباره بشرا، أو حكما ولائيا أو حكما أخلاقيا، أو من الحكمة: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ). فالواقع وضروراته يكون حاضرا في رؤيته الاجتهادية. النبي يدرك فلسفة الحكم، ويعي أبعاده، بحكم نبوته، وهذا ما يميز رواياته وأحاديثه. والامتثال لأوامره ونواهيه في مجال الأحكام الشرعية امتثالا لوظيفته النبوية.

6- فتاوى الفقهاء رؤية اجتهادية، لا تكون ملزمة إلا من يلزم نفسه بها، وهم خصوص مقلّديه. وفتاوى الفقهاء تختلف باختلاف مبانيهم العقدية والأصولية والحديثية والرجالية. ويتأثرون بقبلياتهم وثقافتهم، ينحازون لطوائفهم، كما هو واضح في بعض المسائل، كالوضوء. كما يلعب الوعي دورا في توجيه الأحكام. فهناك من يبيح سفك الدماء لاسقاط الأنظمة بينا يحرّم الآخر ذلك، وهكذا كثير من الفتاوى. والنقطة المهمة أن مساحة واسعة من الفتاوى ليست أحكاما تشريعية، بل تمثل موقف الفقيه من الشك في المسألة الشرعية، أو ما يصطلح عندهم بوظيفة المكلف في حالة الشك وفقدان الدليل اللفظي والعقلي، فيحددها الفقيه وفقا لأصول، تسمى بالأصول العملية، كالبراءة والاحتياط والاستصحاب. بهذا الشكل زحفت الفتوى على حرية الفرد والمجتمع، وحاصرت حريته، وارتهنت تدينه بالتمسك بها. ما أريد تأكيده، أن ما يفتي به الفقيه في منطقة الفراغ التشريعي، هي فتاوى غير ملزمة، ولا يصدق عليها مفهوم الحكم الشرعي. لانحصار التشريع بالله تعالى. ولا ولاية للفقيه تمنح فتاواه صفة الاطلاق والتعميم.

7- لا ولاية لأحد على الآخرين، ولا دليل على وجود ولاية للفقيه تخوّله التشريع. والولاية للأمة على نفسها، ويمكنها تشريع ما يلزم من قوانين وأنظمة لحفظ النظام ومصالح الشعب، تأخذ بنظر الاعتبار قيم الدين ومبادئه، والتي هي قيم ومبادئ إنسانية، خاصة العدل، الذي تؤكد عليه الآيات:  (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ). (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وهي قيم إنسانية رفيعة، تحفظ كرامة الإنسان، وتعيد للفرد حيثيته.

وخلاصة ما تقدم، توجد مبادئ وقيم دينية وإنسانية يمكن الارتكاز لها في تشريع الأحكام، وهذا ما تفعله جميع الدول، ولا حاجة للرجوع للفقيه، خاصة أن جملة واسعة من الأحكام تتطلب وجود خبراء، يحددون أولويات الموضوع، ومستوى الإلزام فيه. وعليه ليس الإسلام شاملا وكاملا بمعنى شمول الشريعة لكل وقائع الحياة، بل الشمول والكمال ضمن اختصاصها، فهي شاملة لجميع الموارد التي خصتها الشريعة بحكم شرعي، وقد استوفت ملاكاتها. كما أن مقتضى الخلافة الربانية أن يمارس الإنسان خلافته بعقله، الذي هو تجلٍ للعقل الكلي، ولا مانع من ترشيد الدين أو الشريعة له، ولا يعني الترشيد قمع العقل، واستعباد الفرد فقهيا. لم يطرح القرآن مشروعا ضد العقل، وليس له موقف سلبي منه. هدف الدين ترشيد العقل، ولا قيمومة الفقيه عليه. نعم هناك مبادئ وقيم كالعدل والانصاف والمساواة ووحدة الجنس البشري، يمكن الارتكاز لها في سن الأنظمة والقوانين، وحينئذٍ يمكن وصف الدين بالكمال بلحاظ المبادئ والقيم التي يؤسس ويدعو لها، وهي في الغالب قيم إنسانية.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكلام واضح و لا يترك مجالا للزيادة او التعليق.

و لكن وقفت عند عبارة الخطأ في التطبيق و ليس في التشريع.

فعلا الأفكار العظيمة تحتاج لمن يؤمن بها و يحملها بطريقة صادقة لا تخلو من الحب و العاطفة.

ان لا تحب فكرة لا يمكنك ان تعمل على التبليغ بها و الا دخلت في عداد المنافقين. و هذه مشكلة هذه المساحة الرمادية التي تفصل المقال عن المقام.

يصعب علي ان افصل بين النص و فهمه و تطبيقاته.

و اذا كانت التطبيقات اجمالا سيئة فهذا يدل على مشكلة بين المفهومات و الأساليب.

و لنكون عمليين اعكس السؤال.. لماذا فشلت الاشتراكيات القومية و الشيوعية الروسية.

هل لأن التطبيق لم يكن مناسبا؟

و لماذا فشل تطبيق هذه الافكار و نجحت بقية الافكار المعادية (رغم بقاء بعض السلبيات التي لا بد منها في اي مجتمع متحرك. فالخطأ جزء من العمل. حتى في علوم الاحصاء لدينا تحمل خطأ معياري بحدود 1 % و اخر بحدود 5%.

اذا كانت اخطاء التطبيقات مفجعة لدرجة تتسبب بالهزائم و الانكسارات أليس هذا بسبب المنهج ذاته.

و اول متهم في هذا المجال الالتباس في معنى الاحاطة.

اذا احاط الله بعلمه كل شيء هذا ليس دليلا على وجود تعليمات تنفيذية بكل نقطة من نقاط حياتنا.

و حتى اذا كانت التشريعات محيطة فهذا فقط بالاطار العام و ليس بالتفاصيل الدقيقة.

لا اعتقد ان القرآن مثل دليل تلفونات و فيه اسم كل مشترك مع رقمه و عنوانه.

انه دليل هداية و ليس اداة استلاب و تغريب و تنكيل وتقييد و رقابة. و يكفي ان نعلم ان العرب يكتبون أقر و أمر بنفس الحروف. و كان عليهم ان ينتظروا ابا نصر الليثي لحل هذه المشكلة (توفي عام ٨٩ هجرة- ٧٠٨ ميلادية). و يوجد فرق كبير بين الإقرار بالشيء او الاكراه عليه.

و شكرا.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية لحضورك الوارف الاستاذ القدير د. صالح الرزوق. اعادة فهم الدين أقصر الطرق لتجنب كل التخرصات التي كلفت الأمة كثيرا، وارهقت الدين وتحميله مسؤولية اخفاقاتهم. والسبب التفسيرات الأيدلووجية للدين. فكل الأخطاء في نظر الحركات الاسلامية مغفورة لأنها اجتهاد وللمجتهد إن اصاب حسنتان وإن أخطاء حسنة، اقصد مهما اريقت دماء زكية والكلام يدمي القلوب. شكرا ثانية

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال المتعلق بألتعارض بين النقل و العقل و شكراً للدكتور صادق الرزوق على تعليقه. و احببت ان اضيف التعليق التالي:
1- لماذا توقف العالم الاسلامي عند حدود السنة النبوية و فقه الفقهاء و الصحابة منذ 1400 سنة و لحد الان؟؟. ان كل هذا هو انتاج بشري قد يكون صالحاً في وقته. لو نظرنا الى آيات القرآن لوجدنا العكس تماماً انها متحركة المعتى مع الزمن.
ان الامور التي سوف تحصل في المستقبل و المتغيرة مع الزمن لا يعرفها احداً ابداً؛ حتى الرسول ما كان يعلم ماذا سيحصل في العالم بعد 2000 او 1000 سنة؟؟. و السبب لان كل علوم الغيب متعلقة بالله فقط فقط لا غيره. و هذا واضح في الكثير من آيات القرآن. مثال على ذلك
الانعام 59
وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين
الجن 26
عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احدا
اذا كان علم الغيب لا يعرفه الاّ الله فهذا معناه ان تفسير و تأويل آيات القرآن متحرك مع الزمن. فلماذا يريد فقهائنا ان نعيش في كهوف التاريخ و و نجمد عقولنا و نطبق قوالب جامدة من آراء بشر سبقونا بأكثر من 1400سنة؟؟؟.
ان مقالات الاخ الغرباوي اضاءت الطريق امامنا في فهم الكثير من آيات القرآن و احكامها. مثلاً ان وضع المرأة حالياً يختلف كلياً عمّا كانت عليه في عصر الاسلام و عليه يجب ان تتساوى مع الرجل في الحقوق و الواجبات و ان تنال كل الاحترام من قبل المجتمع و تشريعاته.
و ان مفهوم خلافة الانسان للارض كذلك اصبح واضحاً تماماً حيث ان الانسان هو خليفة الله في الارض و هو اشبه بالمؤجر للارض يستعملها حسب ما يريد و لكن يبقى مالكها الشرعي المطلق هو الله لانه خالقها.
حتى الله غير انبياءه و رسالاته السماوية عبر الاجيال (مثلاً اليهودية ؛ و المسيحية و الاسلام) فلماذا نتمسك بالانتاج البشري الذي له ظروفه الخاصة. ؟؟؟
هنالك الكثير من الايات في الدين الاسلامي حددت دور الرسول مبشراً و نذيراً و ليس بمصيطر على عباد الله.
الغاشية 22
لست عليهم بمصيطر
الاسراء 65
ان عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا
اذا كان الرسول لم يخوله الله بالسيطرة على عباده "لست عليهم بمصيطر" و "لا اكراه في الدين" ؛ فمن اين جاء الفقهاء بمفهوم "التقليد" و قفل عقول الناس و تحجيمها و منعها من التفكير؟؟.
2- الدين الاسلامي دين "ايماني" و ليس ديناً سياسياً ابداً و يدعو الى وحدانية الله و كذلك الى تعزير القيم الانسانية النبيلة في المجتمع. بالاضافة الى هذا انه ليس ديناً اجبارياً و لا يدعو الى كره او تكفير او قتل المخالفين له او اصحاب الديانات. كل هذه الامور السيئة ورثناها من عقول فقه الصالح و عززها حالياً رجال ديننا الافاضل.
3- النظرية و المنهج و التطبيق : ان امور الدين الاساسية واضحة في آيات القرآن و هي تدعو بشكل اساسي الى الايمان بالله و بدينه و برسوله و بالقيم الانسانية النبيلة التي عززها القرآن في آياته.
و لو كانت "نوايانا صادقة و لدينا رجال دين صادقين" لما وصلنا الى الذي وصلنا له حالياً من تخلف في جميع مجالات الحياة. و هذا يرجع سببه بشكل اساسي لان "اغلب" المسلمين و رجال دينهم "لا يؤمنون" بالدين حسب ما اراده الله. انهم يستغلون الدين كغطاء لتمير كل امورهم من كذب و غش و ظلم للناس و سرقات و كره و غيرها من الامور. هؤلاء يؤمنون ان الله غفور رحيم—اسرق و اقتل و اذهب الى الحج او الاماكن المقدسة ترجع صافياً من الشوائب كما ولدتك امك؟. و نعيد الكرة مرة اخرى. هذا هو مفهوم الدين السائد بين افراد مجتمعاتنا؟؟. رضينا ام ابينا.
اذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر ؛ لماذا لم تؤثر بنا طقوس الصلاة و قراءة القرآن و المواعظ؟؟. اين تذهب نتائج هذه الفعاليات الطقوسية.؟؟
4- اصبح الدين تجارة مربحة و سلطة و شهرة في وقتنا الحاضر و اذا اردنا ان نتقدم الى الامام كبقية الشعوب علينا ان نفصل الدين عن السياسة/الدولة ؛ لان الدين دين و السياسة سياسة؛ بدون هذا سنبقى نراوح في مكاننا الى يوم القيامة اذا بقيتا على فتاوي رجال الدين الجهلة.
آسف على الاطالة
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

اشكر الاخ العزيز الاستاذ ثائر عبد الكريم متابعته وتفاعله وتعليقه مع كتاباتي, وشكرا لاستشهاداته القرآنية المفيدة. نعم ينبغي اتساع رقعة الوعي ومن زوايات متعددة كي يأخذ العقل طريقه. احترامي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5139 المصادف: 2020-09-30 03:19:35