1424 هابرماس

وحديث عن كتابه الجديد: تاريخ الفلسفة

أدار الحوار: هينينج كلينغن

 ترجمة: بشار حاتم


 

الصحفي: سيد هابرماس، تُقدم كتابك الجديد هذه الأيام تحت عنوان "تاريخ الفلسفة ". يلقي الكتاب نظرة شاملة غنية حول ظهور التفكير الأوروبي ما بعد الميتافيزيقي. أنه عمل ضخم من مجلدين، يقع في حوالي 1700 صفحة...

هابرماس: . . . وهنا يرغب الإنسان بصفته مؤلف أن يعرف من القارئ ما يمكنه القيام به في مثل هذه الرحلة عبر تاريخ الفلسفة الغربية، التي عملت عليها لمدة عشر سنوات. وبناءٍ على ذلك، كانت موافقتي على هذه المقابلة مُتحفظة إلى حد ما.

الصحفي: ومع ذلك، لا غرابة في أن يتساءل القارئ عما دفعك إلى القيام به في العقد التاسع من حياتك للتعامل مع مسألة كيفية تطور التفكير ما بعد الميتافيزيقي.

هابرماس: العلم يفتح لنا أبواب المعرفة عن العالم بسرعة هائلة. في الفترة القصيرة من القرن العشرين، رأينا نجاحات في الفيزياء الميكروية والعلم الجيني الحيوي والعلوم العصبية - وبذات السرعة تقريبًا كانت النتائج التكنولوجية الثورية لهذه المعارف. نحن لا نستعلم فقط الكثير عن الطبيعة التي تحيطنا، وإنما أيضًا عن طبيعتنا الخاصة. في هذه الأثناء، يمكن للتكنولوجيا الحيوية المضي قدما في لبنات الحياة وليس فقط في البحث عن أغراض علاجية. تحريات العقل، التي لم يكن من الممكن الوصول إليها في السابق إلا من خلال العقل نفسه، أضحت اليوم على هيئة أجهزة ألكترونية.

الصحفي: نحن نعيش في عصر العلوم الطبيعية والتكنولوجيا....

هابرماس: وفي ضوء النجاح الهائل لهذه الأنظمة، تشعر العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى حد ما بأنها "مُعطلة". يجب على الفلسفة أن تسأل عما إذا كان يجب أن تسمح لنفسها بالانجذاب إلى العلوم الطبيعية الموضوعية أم أنها يجب أن تصر على ارتباطها. في "فلسفة العقل"، على سبيل المثال، بدأ التعاون المثمر مع العلوم المعرفية. ولكن لا ينبغي للفلسفة أن تنسى أن مهمتها الحقيقية ليست المساهمة مباشرة في تحسين معرفتنا عن العالم - بل يجب أن تعكس ما يعنيه لنا هذا التقدم في المعرفة.

الصحفي: ماذا يعني ذلك بالتحديد؟

هابرماس: تذكر سردياتي أن الفلسفة يُمكن أن تقدم مساهمة عقلانية لتوضيح فهمنا للعالم ولأنفسنا. الفلسفة هي بالتأكيد طريقة تفكير علمية، لكنها تحاول شرح كيف يُمكننا اليوم فهم أنفسنا كبشر، كأشخاص وأفراد، وحتى كمعاصرين. ولا ننسى  أن هذا الأمر يتعلق بتوجيه نظري، وليس عن العلاقة بين الفلسفة والرأي العام.

الصحفي: بعبارة أخرى: الجدال الفلسفي الباطني هو الذي مثل لك تحدٍ في المقام الأول؟

هابرماس: يتعلق الأمر في الحقيقة بخلفية جدال حول مدى امتداد العقل البشري. هل تمتد معرفتنا الخاطئة إلى حدود كل ما هنالك ؟ يمكننا أيضًا التعامل مع أسباب النزاعات الأخلاقية والقانونية، حول الأعمال الفنية والتجارب الحسية، حتى حول توجهات القيم المجسدة في أشكال الحياة أو تصاميم الحياة الفردية. من الواضح أن مجموعة من الأسباب المهمة تمتد إلى ما وراء مجال المعرفة التجريبية والنظرية. ولكن إذا كانت هذه الحجج "محسوبة" أيضًا، فإن القوة المقنعة للعقل العملي في فاعليتها، والتي لا تؤدي إلى عقلانية نظرية تًستخدم لأغراض عملية. ثم يمكننا أيضًا أن نتطلع لعمليات تعلم لا تنعكس في زيادة القوى المنتجة، بل تتجسد في مؤسسات الحرية والعدالة. الظروف التاريخية تتحدانا في عمليات التعلم المعيارية الحرجة في كثير من الأحيان. إذا كان كل شيء يسير على ما يرام، فإننا نتعلم كيفية توطين الآخرين المحرومين في أساليب حياتنا أو التعرف على الأجانب الذين يعانون من التمييز على أنهم آخرون يتمتعون بحقوق متساوية في أسلوب حياة موسع بشكل مشترك.

الصحفي: هذا يعني أنك مهتم بإظهار "أكثر من كل ما هنالك" وإبقاء الفلسفة مكشوفة دون الوقوع في ممر الميتافيزيقيا التقليدية؟

هابرماس: عندما نتحدث عن "الميتافيزيقيا" من منظور تاريخي، فإننا نعني وجهات نظر عالمية قوية لا يزال فيها مفهوم الوجود متشابكًا مع مفاهيم المثالية والجمال والخير والعدل. بهذه الطريقة، تم تصميم دستور العالم أو تاريخ العالم بشكل ملائم لوضعنا. تم تصميم العالم كما لو أنه منزل صالح للسكن. ليس فقط التعاليم الدينية، ولكن أيضا التعاليم الميتافيزيقية تبشر بهدف ذو معنى وتتضمن وعد "مُنقذ" للعدالة. في المقابل، يميز التفكير ما بعد الميتافيزيقي السببية من الضرورة، والجمال من الخير، والخير من العدل. تمكنت الميتافيزيقيا من الإجابة على جميع الأسئلة الكبيرة حول ما يمكننا إدراكه، وما يجب علينا القيام به، وما يمكن أن نأمله وما هو الإنسان على الإطلاق. ولكن منذ القرن السابع عشر، تفككت وجهات النظر الميتافيزيقية للعالم لأسباب إيجابية. يجب على المجتمعات الحديثة أن تخلق جميع التوجهات المعيارية من مواردها الخاصة. من المفترض أن يبحث كتابي ما إذا كان بإمكاننا الاستمرار في التمسك بهذه الأسئلة الأساسية الرئيسية التي صاغها كانط في ذلك الوقت، حتى في ظل هذه الظروف من التفكير ما بعد المادي.

الصحفي: انت تشير إلى أسئلة: "ماذا يمكنني أن أعرف؟"، "ماذا علي أن أفعل؟"، "ما الذي آمله؟" و "ما هو الإنسان؟". كيف تدافع عن حججك في هذا الصدد؟

هابرماس: فيما يتعلق بسؤال "ماذا نفعل؟" أنا أدافع عن العقل العملي أكثر من مجرد القرارات الذكية المبنية على التفضيلات أو القيم أو المشاعر. من خلال فهم الهياكل الهشة لتعايشنا، يمكننا أن نكتسب أسبابًا جيدة لفكرة العدالة الكانطية والتوجهات المعيارية الملزمة للعمل بشكل عام.

الصحفي: كان هدفك هو إظهار، كيف بزغ التفكير ما بعد الميتافيزيقي تاريخيًا وتحرر من محاولات التشبث بالدين. كانت فلسفة كانط واحدة من المعالم البارزة، فسلفة كانط من جهة وديفيد هيوم من جهة أخرى، ترى الفلسفة عند مفترق طرق. ماهو القرار الذي واجهته الفلسفة؟

هابرماس: منذ الإمبراطورية الرومانية، كان الخطاب حول العقيدة والمعرفة حاسماً لكوكبة العقل الغربي. أتابع كيف اكتسبت الفلسفة بعض الدوافع والخبرات والحساسيات من التقاليد الدينية في بوتقة "العقل الطبيعي". عن طريق أعمال الترجمة المستمرة هذه، اُشتُقت مُصطلحات أساسية هامة مثل "شخص" و "فرد" و "إرادة حرة" و "استقلالية" أو "الضرورة" للمعايير الإلزامية من سياقاتها الدينية. في حين أن هيوم قام بعد ذلك بتفكيك هذا الإرث مُصطلح مُصطلح عبر تحليلات مفصلة، كان هدف كانط هو إعادة بناء جوهر الأخلاق للدين والقانون الطبيعي القائم عليه في حدود العقل الخالص.

الصحفي: لطالما كنت مُثقفًا عامًا قلقًا بشأن "الحداثة المُعطلة". ينعكس هذا أيضًا في كتابك الجديد. كيف يقترن هذا القلق مع مساعيك لإعادة بناء عقل يحاول أن ينصف إرث التقاليد الدينية؟

هابرماس: يمكن مُلاحظة ذلك في الحساسيات التي يطور بها هيجل المفهوم الديالكتيكي للـ "الأخلاق". إذ يُميز بين تفصيلات الأشخاص الفردية، العمومية المجردة للضوابط الأخلاقية والقانونية واتصالها الاجتماعي والتشكل التاريخي لأنماط الحياة الملموسة، والتي يجب على الفرد والعامة أن يتحدان فيها مع الضرورات الوظيفية للمجتمع الرأسمالي. إذا أعطينا هيجل قراءة ديموقراطية، فإن الاندماج الاجتماعي لا يمكن أن ينجح إلا بالقدر الذي نشكل فيه المجتمع سياسياً من حيث علاقة متوازنة بين الالتزامات الاجتماعية الموزعة بشكل عادل والهامش الفردي للتنمية.

الصحفي: أين يكمن التراث الديني هنا؟

هابرماس: في مثل هذا المفهوم للاندماج الاجتماعي، لا يزال بإمكان المرء التعرف على صدى بعيد للتجارب التواصلية للمجتمع الثقافي. في ذلك تتشابك العلاقة العمودية للفرد المؤمن بالله بشبكة العلاقات الاجتماعية الأفقية للفرد مع جميع أعضاء جماعة محلية أخرى، والتي هي بحد ذاتها جزء من جماعة شاملة. المُذنب، الذي يبغي خلاصه يقوم بتجارب في علاقات التواصل مع الله والجماعة بتوظيف شخص ثانٍ وهذه لم تكن موجودة عند الفلاسفة اليونانيون في الرؤية الكونية من حيث المضمون فحسب، بل أيضًا غريبة تمامًا  في طريقة عملهم؛ ولكن من خلال أوغسطين وجدوا طريقهم إلى الفلسفة.

الصحفي: تشير إلى أن التجربة الدينية هي "ركيزة في جسد الحداثة"، على الأقل طالما أنها تتعلق بممارسة دينية حية – وتُبقي عندئذ " السؤال مفتوحاً للعقل العلماني " حول ما إذا كانت هناك مضامين دلالية ما زالت تنتظر الترجمة إلى اللغة الدنيوية (الدنيوي المُدنس). . .

هابرماس: لقد ألهمت عبارة أدورنو الشهيرة بأن كل المضامين اللاهوتية لا بد لها أن "تنتقل إلى الدنيوي المُدنس " وقد اتبعت عمليات الترجمة هذه في كتاب تاريخ الفلسفة. من غير المؤكد ما إذا كانت هذه يمكن أن تستمر اليوم. ولكن بالنظر إلى النوع الجديد تمامًا من المشكلات الأخلاقية التي نواجهها، على سبيل المثال، نهاية النمو الطبيعي للجنس البشري والتدخلات غير المنضبطة في خط الجنس البشري، فإن المحاولة تبدوا ليست عبثية. لأسباب وجيهة، لم يعد التفكير ما بعد الميتافيزيقي يشير إلى قوة متعالية. ولكن حتى الدافع البسيط بعدم تحمل ما يصعب تحمله في العالم يجعلنا نفرض بشكل متبادل حكماً مستقلاً وأفعالاً تتجاوز العالم ككل من الداخل.

 

جواد بشارةقال أندريه جيد، ذات مرة:" أيتها العوائل كم أمقتك"، ويقول وودي ألن :" أيتها العوائل كم أحبك، وهذا ليس أمراً سهلاً، إذ أنك، أيتها العوائل، لست قبيحة أو بلهاء أو مضحكة". هذه هي لهجة وودي ألن الجادة ورؤيته الساخرة في آن، والتي نجدها في أفلامه، لا سيما في فيلمه " حنة وأخواتها" الذي شارك فيه في مهرجان كان السينمائي الدولي في دورته التاسعة والثلاثين خارج المسابقة.

وكان وودي ألن قد انتهى من عرض فيلمه "أيلول سبتمبر" وكنا قد شاهدنا له فيلماً آخر جميل، وهو كوميديا موسيقية خفيفة عنوانه" أيام الراديو" وهو كعادته يعمل بسرية تامة.

- واليوم وفي بداية سنة 2020 يستعد الفنان المبدع المخرج السينمائي الكوميدي الأمريكي الشهير وودي آلن لنشر سيرة حياته وهذه المرة بقلمه كما كتبها هو وليس كما كتبها كتاب آخرون ليكشف فيها الستار والحقائق عن التهم والاتهامات التي كيلت عليه باغتصابه لابنة طليقته ميافارو بالتبني، وما أكثر الكتب التي صدرت متحدثة عن سيرة حياته وأفلامه وعالمه السينمائي ورددت هذه التهم لتشويه سمعته. أتم وودي ألن عامه الخامس والثمانين فهو من مواليد الأول من ديسمبر سنة 1935 في حي برونكس وترعرع في بروكلين في ولاية نيويورك من عائلة يهودية هي عائلة كونيكيسبيرغ وهي عائلة مهاجرة من أصل روسي – نمساوي تتحدث  اللغة اليديشية وهي مختلفة عن العبرية  وهو ممثل ومخرج وكاتب مسرحي ومؤلف لقصص قصيرة وروائي وراوي نكات محترف وكاتب سكيتشات هزلية للتلفزيون وللمشاهير وعازف على آلة الكلارينيت  ويعشق موسيقى الجاز. أول أفلامه كمخرج عرض سنة 1966 بعنوان "ليلي المتنمرة " ومن أفلامه الأخرى خذ الأموال وأهرب (1969)، الموز أو باناناس 1970، كل ما تريد دائمًا معرفته عن الجنس دون أن تجرؤ على طرحه (كل ما تريد دائمًا معرفته عن الجنس (ولكنك كنت خائفًا في طرحه)، وودي والروبوتات (النائم)، وكذلك الحرب والحب أو(الحب والموت). ومن ثم حدثت انعطافة في عالمه الإخراجي ولغته الإخراجية في فيلم آني هال 1977 الذي حاز على أربع جوائز أوسكار – (وهي أوسكار لأفضل فيلم، وأوسكار أفضل مخرج، وأوسكار أفضل ممثلة لديان كيتون وأوسكار أفضل سيناريو) -، وهو يمثل نقطة تحول رئيسية في عمل وودي ألين.، وواصل ارتقائه في أفلام كمنهاتن 1979، حنة وأخواتها 1986، جرائم وجنح1989، ماتش بوينت  2005،  باريس في منتصف الليل 2011، الياسمينة الزرقاء 2013، وردة القاهرة الأرجوانية The Purple Rose of Cairo  وهو واحد من أفضل مائة فيلم في كل العصور وفقًا لمجلة تايمز Times وواحد من أفضل ثلاثة أفلام لوودي آلن حصب تصريحه.  وهو يخرج فيلماً في كل سنة كمعدل وسطي تقريباً حيث بدأ في بداية السبعينات بعد وصولي إلى باريس بقليل وكان يعرف بصاحب الكوميديات الأخلاقية الممزوجة بخلفية سيكولوجية وببعض من التحليل النفسي وقد لعب أغلب الأدوار الرئيسية في أفلامه إلى جانب الإخراج مجسداً شخصيات هي الأقرب إلى شخصيته الحقيقية في الواقع مع صبغة كاريكاتورية للمثقف اليهودي النيويوركي الذي دائماً ما يكون ضحية لـسخرية المجتمع و يعاني من آلام مأساوية – كوميدية، وخاصة الجنسية، والوجودية و/ أو الميتافيزيقية. ولقد حصل أربع مرات على جائزة الأوسكار كأفضل مخرج وأفضل سيناريو أصلي غير معد عن حكاية أو رواية أو كتاب .

- في سنة 1988 وبمناسبة تواجد وودي ألن في باريس لتسويق فيلمه "حنه وأخواتها" كان لنا معه لقاء نشر في مجلة البديل التي كانت تصدرها آنذاك رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديموقراطيين العراقيين المعارضين للنظام السابق في المنفى في العدد 12 لسنة 1988 تحت عنوان " وودي ألن: عندما يولد الضحك من اليأس. وفي تلك المناسبة كان لنا معه هذا اللقاء:

1385  وودي ألنحوار مع المخرج السينمائي وودي ألن

س: لقد لاقى فيلمك " حنة وأخواتها" نجاحاً تجارياً حقيقياً في الولايات المتحدة الأمريكية، هل أنت سعيد بذلك؟

ج: كان رد فعلي الأولي هو أني قلت لنفسي " لقد فعلت شيئاً ما كان يجب علي أن أفعله، ففي كل مرة يحظى فيلم من أفلامي بشعبية كبيرة تنتابني الريبة. فالأفلام الجيدة، عادة، والتي أحبها، كأفلام لوي بونويل وإنغمار بيرغمان وفردريكو فلليني، لا تجد هذا النوع من الجمهور الواسع.

س: وشخصيتك في الفيلم؟

ج: شخصيتي؟ إنها شخصية تفكر، وهذا يمثل دائماً خطورة ما، ففي الرواية، على سبيل المثال، يمكن أن تكون للشخصية أفكار داخلية على مدى عشر صفحات، ولكن ماذا يمكن أن تفعل في السينما؟ وماذا ستعرض؟ هل تعرض شخصاً يفكر أو يسير في الشارع خلال عشر دقائق؟ شخصيتي أني أعمل في التلفزيون، أترك عملي وأمشي في الشارع؟ أبحث عن الله وعن معنى الحياة؟ أدخل وأخرج من مكتبة؟

س: كلا بل من مستشفى – ضحك –

ج: أبحث عن دافع أو حافز درامي بطريقة تجعل أفكار هذا الرجل الطيب ممتعة ومثيرة للانتباه. ولم انتبه إلى أن للكثير من الناس الصفات المشتركة ذاتها مع ذلك الرجل. حتى طبيبي قال لي إن عندي " شيء"، وهو يقصد، بالطبع، (ربما مرضاً)، وأنا واثق بأنني أعاني من مرض السرطان، وهذا ما نفكر به دائماً في مثل هذه الحالات.

س: ولماذا وودي ألن شخصية موسوسه؟

ج: الشخص الذي تمتلكه الوساوس لا يفكر ولا يعتقد أنه كذلك فهو متأكد من أنه مريض فقط...

س: موضوعات – ثيمات – فيلم " حنه وأخواتها " معروفة وقريبة من النفس، كالحب، والموت، والجنس، والله، والدين، ومعنى الحياة، الخ ... وودي ألن ينبش ويبحث في كل محل، في عصابية العالم – بل وحتى داخل عصابيته الشخصية – هل أنت متفق معي في ذلك؟ ويقال أن من الأفضل، والحالة هذه، الضحك، ومع أن الضحك لا يأتي من كلمات المؤلف و لا من جمل أو إجابات نصية، بل إنه يأتي من الشخصية نفسها، من حضورها عندما تنحدر أو تغوص في حالات يائسة، أكثر فأكثر، على الصعيد العاطفي؟

ج: إن هذا متعمد تماماً. والضحك المتولد من اليأس هو الذي يهمني أكثر فأكثر. فلو أمثل دوراً في فيلم " حنه وأخواتها" لكان، لهذا الفيلم، اسلوب ولهجة أكثر جدية وصرامة، وليس بوسعي أن أفعل عكس هذا الشعور، المتولد لدى الآخرين، بمجرد رؤيتي. صدقني لا أستطيع شيئاً بهذا الخصوص، ولا أتدخل بذلك، فحضوري الفيزيائي يعلن، دائماً، عن ملاحظة فكاهية، ووجودي نفسه، بحد ذاته، يقوم بذلك، حتى وإن لم أفعل شيئاً.

س: ولكن هناك شيئاً مهماً قد تغير في مملكة وودي ألن، فلم يعد هو الشخصية المركزية أو الرئيسية، البوهيمية، النيويوركية. فللمرة الأولى يبدو وودي ألن واحداً ضمن آخرين في هذا الفيلم الذي يعتبر مقطوعة موسيقية صغيرة. أو كما يقال، صورة " بورتريه" لمجموعة. هل لهذا الإحساس أساس من الصحة؟ وهل للفيلم أصل أدبي؟

ج: بخصوص الشطر الأول من السؤال أعتقد بأن الشخصيات كلها مهمة، بما فيها شخصيتي في الفيلم. أما بالنسبة للشطر الثاني فالجواب، نعم، ولكن ليس بالضبط. كنت أقرأ " آنا كارنينا" وبدا لي أنه من الممتع عمل فيلم بالبنية نفسها، أي يمر من قصة إلى أخرى إلى ثالثة، ومن ثم يعود إلى الحكاية الأولى. أي فيلم ذي بنية روائية.

س: الإطار الذي اخترته، إذن، هو العائلة – سمفونية بثلاث وجبات طعام وحول ثلاث دجاجات أو ديك رومية تجتمع العائلة أمام وجبة طعام لا تقاوم – وجبة تقليدية في يوم راحة بلا عمل.

ج: أنا لا أحب الصيف. لذا فأنا لست من أنصار الاحتفالات الوطنية أو حفل العمل. فالجلسة العائلية شيء مريح وممتع بلا إشارات أو تفصيلات دينية أو وطنية، ولا هدايا أحزمها. إنها مناسبة طيبة للاجتماع معاً والحضور والالتقاء حيث هناك، دائماً دائماً، مباراة كرة قدم جيدة على شاشة التلفزيون وتطلب مني لماذا يعرض التلفزيون في كل عام وفي مثل هذا الوقت فيلم " كينغ كونك" ؟ وهو فيلم أحبه كثيراً... وهناك دائماً نار هادئة تشتعل في المدفأة والديك الرومي يشوي في الفرن أو على النار وقطع الخبز المحمية والكعك، أي ليس إلا الأشياء التي أحبها في مثل هذه الأجواء.

س: ووسط هذا الجو الاحتفالي العائلي توجد(حنه – ميافارو – الزوجة النموذجية والأم المثالية والبنت والأخت المثالية كذلك إنها مثال للتوازن وعين الزوبعة، وكلما حدثت مشكلة في العائلة يلجأ الجميع إلى حنه، وبالتأكيد هي تحمل إسماً ذي سمة دينية أو سمو ديني أليس كذلك؟

ج: حنه، ذو سمة دينية أو مسحة إنجيلية؟ ليس بالنسبة لي على الإطلاق. إن هذا الاسم يذكرني ببساطة بالمغنيات الزنجيات في فرق أوركسترا الجاز (هارو وهيد وحنه)..

س: كن ثلاث شقيقات في فيلم " الداخل" وثلاث شقيقات كذلك في فيلم " حنه وأخواتها" وكما يبدو إن العلاقات بين الشقيقات، بالنسبة لك، أعقد بكثير من العلاقات بين الأشقاء، فهل كنت قد تربيت وترعرعت في بيئة نسوية وعالم نسوي أو أنثوي؟

ج: نعم عندي شقيقة واحدة، ولكن كان لأمي سبع شقيقات، وجميع خالاتي متزوجات ولديهن بنات فقط. كان هناك بعض الرجال لكنهم ليسوا من المقربين، بل ينتمون إلى أطراف العائلة، من بعيد، وكانوا في العادة يدخلون الغرفة المجاورة ويبدؤون بلعب الورق والبريدج من أجل المال.. وتقوم النساء بكافة الشؤون الأخرى – الثرثرة والأكل والقراءة الخ – ونحن الأطفال كنا دائماً نقحم أنفسنا بين أرجلهن. الأطفال... سواء أكان هناك أطفال أم لا، هذه هي النقطة المضحكة حد الألم لدى ميكي في الفيلم وهي همه الكبير، وتثير فيه الألم، وبما أنه غير قادر على عمل طفل مع حنه وجب عليه أن يطلب مساعدة أفضل أصدقائه ( توني روبرتس).

س: ولكن في الحياة الخاصة ليس لدى وودي ألن أطفال؟

ج: والسؤال الذي لا أتجرأ على طرحه هو هل أنا قادر على إنجاب طفل؟ نعم يا سيدي ولكن لم يكن لدي أبداً أطفال ولم يهمني هذا الأمر كثيراً بصفة خاصة أبداً أبداً .. لقد فكرت دائماً بأني لو عشت متزوجاً أم لا، مع امرأة تريد أن تعمل طفلاً فليكن، لا مانع عندي أن أعمل معها طفلاً أو عشرة أطفال. فعندما كنت أعيش مع ديان كيتون، أو عندما كنت متزوجاً من لويز لاسر، لم يكن موضوع عمل طفل يقع ضمن اهتماماتهن ولم يشغلهن هذا الموضوع على الإطلاق، وعندما التقيت بميا فارو كان لديها، أصلاً من قبل، سبعة أطفال بعضهم ولد من زواجها الأول مع أندريه بريفان، أما البقية فينحدرون من جنسيات وأصول عرقية مختلفة وأضعهم تحت لافتة (كواليس قوس قزح) فأطفال حنه في الفيلم هم أطفال ميا فارو في الواقع.

س: ومن أين لها كل هؤلاء الأطفال؟

ج: ميا فارو تحب الأطفال كثيراً وتتبناهم ولهذا تجدها، وحدها، هي التي تتكفل بكل ما يحتاجونه وما يتعلق بهم وتوفر لهم الرعاية والحنان. فلدي منزلي الخاص ولها منزلها الخاص، على الجانب الآخر من سنترال بارك. فأنا ألعب وأمزح مع الأطفال وأتمتع بصحبتهم ثم أرجع لبيتي، أما هي فتأخذهم للمدرسة وتجلبهم منها، وتطبخ لهم وتغسل لهم ملابسهم وتقوم على تربيتهم بصورة تدعو للإعجاب والتقدير... ميا فارو، حنه، جميلة وطيبة وتشعر بالمسؤولية، وليس هناك أصعب من تجسيد هذه الشخصية سوى الوصول إلى درجة الاتقان القصوى التي بلغتها ميا فارو في هذا الفيلم... لقد نجحت في إحباط " اللعنة" التي عادة ما تحوم حول هذا النوع من الأدوار.

س هل حاولت تمثيل دور زوج حنه الذي مثله أخيراً بدلاً منك مايكل كن؟

ج: كلا. لم أحاول، لكني فكرت في ذلك وببساطة لأني لم أجد الشخص القادر على تجسيد هذا الدور، أول الأمر، غيري. لقد بحثنا كثيراً وضيعنا وقتاً كثيراً دون أن نجد من يلائم هذه الشخصية إذ لا يوجد في السينما الأمريكية، في الوقت الحاضر، من يمكنه تمثيل شخصية الرجل العادي البسيط والساذج، فلدينا " ابطال " متميزون كجاك نيكلسون وآل باتشينو وروبيرت دونيرو، لكني كنت أبحث عن رجل عادي طبيعي، رجل أعمال، خبير محاسبة، والممثل الوحيد القريب من هذا النوع من الأدوار كان داستن هوفمان لكنه كان منشغلاً بأعمال أخرى لذا قررت أن أجسد الدور بنفسي، ولكن برزت معضلة أخرى وهي من الذي سيؤدي ويجسد دوري الذي أديته أنا الآن في الفيلم وهذا ما كان مستحيلاً عملياً على أحد غيري تأديته، فأنا متطابق جداً مع شخصيتي  هذه إلى درجة التقمص القصوى، وهي شخصية الإنسان الذي لا يكف عن الصراخ والامتعاض والاحتجاج حول المسائل الكونية والعالمية.

س: إضافة إلى أن الناس لا يميزون، في العادة، بين ممثل أو ما يدور على الشاشة، وما يحدث في الحياة الحقيقية.

ج: صحيح أن هناك عناصر من الحياة (الخاصة – الشخصية، تدخل في صميم العمل المهني ولكن على شكل ومضات أو دفعات ولمسات خفيفة هنا وهناك لا أكثر). فالجميع مقتنع أن – آني هول – هو وصف دقيق ونقل أمين (أدبي) لعلاقتي بديان كيتون، في حين أنه فيلم روائي محض ومن نسيج الخيال، تماماً، كتبته بالاشتراك مع مارشال برغمان، ونصف الأشياء التي تدور على الشاشة كانت أشياء حصلت لي شخصياً، ولا علاقة لها بحياتي الخاصة. فلو كنت قد جسدت الشخصية التي مثلها مايكل كن في فيلم حنه وأخواتها، لاستنتج الآخرون بأن لي علاقة مع شقيقة ميا فارو.

س: وقد خيبت بذلك، إذن، ظن بعض المتفرجين؟

ج: لا أعتقد، ولكن مع ذلك، مثلت ميافارو الدور الرئيسي في الفيلم وصورت بعض المشاهد في بيتها نفسه ومع أطفالها الحقيقيين، ولعبت شقيقتها دوراً صغيراً ولكن ليست إحدى شقيقاتها الثلاث في الفيلم. وكذلك والدتها الممثلة مورين أوسيلفان الخالدة في ذاكرة الأجيال لأنها نطقت الجملة الشهيرة مع طرزان (جوني ويسميلر) " أنت طرزان وأنا جان".

س: وهل كان صعباً إقناعها مرة أخرى بالتمثيل؟

ج: لم تقل نعم على الفور عندما اقترحت عليها الدور، فهي لم ترتم عليه كالملهوفة، إن ابنتها ميافارو هي التي اقتلعت منها الموافقة عنوة، فهي التي حثتها على الموافقة واقنعتها بعد جهد، إذ كانت مورين أوسيلفان قد أجابتها" لكني عجوز جداً لدرجة لا أصلح أن ألعب فيها دور والدتك  فأجابتها ميا فارو " لكنك والدتي"..

س: من المعروف عنك حبك وتفضيلك للعمل في جو عائلي مع عائلة من الممثلين والتقنيين. مجموعة صغيرة من الوجوه المألوفة لديك حيث التبادل بينها بسيط وسريع ومن الصعب الاندماج فيها وداخلها؟

ج: أنا أميل لكي أكون مباشراً جداً وصريحاً جداً أثناء العمل. لست شريراً ولا صلفاً. وكل من حوالي يفعل الشيء نفسه، مثلي. ولا يزعجني أن تأتي إلي سكرتيرة في أستوديو أو غيرها من الأشخاص ويقولون لي أن ما يشاهدونه " شيء سيء جداً أو حتى مخجل من الرداءة" وهذا ما فعلته بديان كيتون فعندما كنت ألاحظ شيئاً ما لا يعجبني فيها اقول لها على الفور أنت رديئة، وإن ما تقومين به غير جيد على الإطلاق وسيء جداً، حتى إني أتصور بأنك تمثلين في مسلسل تلفزيوني رديء جداً لم اشاهد أسوء منه في حياتي. وأستخدم القسوة ذاتها بحق نفسي وأقول أمام الجميع وأسمح لهم بقول الشيء نفسه ' آه كم أنا رديء، نعم أنا أهل للرثاء). فداخل الاستوديو يقول الناس الموجودون ما يفكرون به ويعتقدونه ولا أحد يشعر بأنه مهدد أو مغبون أو مهان، والمبدأ الذي له أولوية عندنا هو شعورنا بأننا نحب بعضنا وإن مواهبنا ليست عرضة للاتهام أو التجريح أو الطعن. ويمكن أن نتحدث بصراحة ونعبر عن آرائنا دون تردد او إحراج او خوف.

س: هناك وجهان جديدان يدخلان في عائلة ممثليك هما مايكل كن وماكس فون سيدو.

ج: بالنسبة لمايكل كن فهو قد فهمني بسرعة وفهم ما أطلبه منه بالضبط، فالتففت إلي وقال:" باختصار، وفي نهاية الأمر، أت أسندت إلى الدور وتريد أن يكون بين يديك وودي ألن آخر طوله متر وثمانون سنتيمترا أليس كذلك؟".

س: أما ماكس فون سيدو، فهو ممثل معروف في أفلام بيرغمان فهل تريد، عن طريق العمل معه، أن تنتهي وإلى الأبد، من مرحلة بيرغمان الملتصقة بك والتي كرست لها فيلما بيرغمانياً هو فيلم " الداخل" الوحيد الذي لم تمثل فيه واكتفيت بإخراجه؟

ج: يربطني الناس ويقارنوني دائماً بسينمائيين آخرين وذلك منذ إثني عشر عاماً، منذ ان بدأت أصنع أفلاماً. ففي فيلم " سبتمبر" قيل عني أني متأثر بباستر كيتون وفي فيلم " باناناس" قيل أنه يشبه أفلام الأخوة ماركس، وكتب عني في أماكن أخرى إني أتبع خطوات فلليني وأعيش تحت تأثيره، والشيء نفسه فيما يتعلق ببيرغمان وبريستون ستورجيس. وهذا يعني أنه إذا كانت هناك حاجة لدى الناس أن يروا الأمور من زاوية التحليل المقارن، أو إذا كان ذلك أكثر سهولة لهم فليكن، فلا فرق عندي ولا يهمني هذا الأمر إطلاقاً، فمن الأفضل أن أقرب وأقارن بهؤلاء السينمائيين بدلاً من .......

س: كيف يعمل وودي ألن وحده في بيته؟

ج: أنطلق دائماً من فكرة ومن ثم يتبعها الشكل أو الأسلوب. وبرأيي إن أي فيلم يستند إلى ما يريد قوله، وينجح أو يفشل تبعاً لما يريد إيصاله للآخرين، فالفيلم الذي ليس لديه ما يقوله، حتى وإن عبر عن ذلك بطريقة جميلة، لا يستطيع الصمود. والخطوة الأولى هي الكتابة، وغالباً ما تكون بالقلم لأن العلاقة مع الكلمة تصبح أكثر حميمية. وأول عائق أواجهه هو الورقة البيضاء. فيجب أولاً إيجاد فكرة، وهنا تكمن الصعوبة أليس كذلك؟ ولكن عندي دائماً أفكار وفي كل وقت ادونها على الورق وأضعها جانباً لكن هناك صعوبة أخرى تكمن في اختياري الفكرة المناسبة التي يمكن تطويرها إلى فيلم وهذا عمل مؤلم ومثير للأعصاب.

س: في أفلامك، لدى الشخصيات دائماً مشكلة غير قابلة للحل. وفي هذه الحالة يذهبون للسينما عند افتقادهم للحل وهناك يجدون الحل أي في السينما من خلال الفيلم الذي يشاهدونه كما فعلت ميا فارو في فيلم وردة القاهرة الأرجوانية حيث نجد ميكي – وودي ألن وميا فارو يذهبون لمشاهدة فيلم للأخوة ماركس.

ج: إنه حل خاص بهم في الواقع. ففي اللحظة التي يتساءل فيها ميكي بأنه لا يعرف أبداً إذا كان للحياة معنى أم لا وإذا كان الجواب هو 50% نعم و50% لا فإن هذه الحياة تستحق أن تعاش أو يجرب المرء أن يخوضها ويعيشها. فلحظات الفرح الأكثر قوة التي عشتها، في حياتي، وفرتها لي السينما عبر أفلام فترة مراهقتي. فمن الصعب مشاهدة فريد استير دون أن نتساءل فيما إذا لم يكن هناك شيء ما يحدث في العوالم الدنيا والمحطات الخلفية حيث ليس كل شيء قبيحاً لأن هناك فريد استير موجود فيه وكذلك الأخوة ماركس، وأعتقد أن هناك، دائماً، وقتاً كافياً للانتحار في الغد فلنغتنم سعادة اليوم وللغد حديث آخر...

وفيما تلا من عقود على تلك المقابلة واصل وودي ألن إبداعه وإخراجه لأفلام متميزة لغاية سنة 2020.  ففيلم آني هال، على سبيل المثال، يمثل نقطة تحول رئيسية في عمل وودي ألين. حيث التفت إلى فكاهة أكثر تطورا وتناول مواضيع أقل خفة في الكوميديا الدرامية. وقد ذهب بعض النقاد إلى حد القول بأنه ربما يكون قد أعاد اختراع هذا النوع من الكوميديا أو، على الأقل، أنه وضع قواعد حديثة للنوع الكوميدي في السينما. لكن إلى جانب ذلك، يدير وودي آلن في الغالب طاقمه بطريقة شخصية بغية العثور على أسلوبه، ولمساته الشخصية. مع فيلم آني هول، تمكن المخرج من فصل نفسه عن تأثير أصنامه ومرجعياته السينمائية الشهيرة التي كان يعبدها  لفرض شخصيته، وأرفق ذلك  بعالم كامل من الأسئلة الوجودية الهوسية المستوحاة من مراجعه الثقافية التي لا تعد و لا تُحصى  والتي يتظاهر بحلها بسخرية . إنه يخلق كونًا يكون من الطبيعي فيه الاقتراب من شخص غريب، غالباً ما تكون امرأة، من خلال التحدث إليها حول سارتر واللقاء بعد ساعة للدردشة معها حول كيركيغارد في نادي الجاز حيث يمكنهما أن يكتشفا نفسيهما في أعمال كول بورتر. باختصار، يخلق عالمًا غريبًا حيث تكون جميع الشخصيات أجزاء من وودي آلن.

سوف يكون فيلم "مانهاتن" بمثابة عمل تأكيد لجمالية المخرج الخاصة وربما يمثل ذروة "نمط وودي ألين". الفيلم يعتبر على أية حال من قبل العديد من النقاد أفضل أعماله. تم تصويره بالأبيض والأسود، وهو تكريم للمدينة - مدينته - في نيويورك، التي هي "الشخصية" المركزية الحقيقية للفيلم. مرة أخرى، تمثل الأدوار الرئيسية، المثقفين المتعلمين من الطبقات الاجتماعية العليا. ومع ذلك، فإن النظرة الموضوعة أو الملقاة على هذه الفئة متناقضة للغاية، ومهمة بقدر ما هي مجزية. هذا الكراهية المحبة لمثقفي نيويورك (بشكل أساسي) هي سمة مهمة لمعظم أفلامه. مانهاتن هو تعاونه الخامس مع الممثلة ديان كيتون. كما يشجع ظهور الفنانة الممثلة المبدعة الشابة ميريل ستريب لأول مرة في فيلم لوودي ألن حيث لعبت دورا ثانويا، ولكنه مثير للغاية، في الفيلم. 

بين آني هول Annie Hall ومنهاتن Manhattan، يكتب وودي ألن ويدير التصميم الداخلي الكئيب بأسلوب المخرج السويدي Ingmar Bergman. يبشر هذا الفيلم بفترة من أعمال وودي ألين خلال الثمانينيات، التي تميزت بشكل رئيسي بتأثير المخرجين الأوروبيين مثل فلليني عليه. سيتم تميز جميع أفلامه في ذلك الوقت، بما في ذلك الأفلام الكوميدية، بلمسة مظلمة وفلسفية، مثل "سبتمبر"، و"ستاردست ميموريز" Stardust Memories".

يقول وودي ألن:" كنت دائماً أميل إلى الدراما، لكن الكوميديا كانت نقطتي القوية. فقط، عندما تفعل كوميديا، هناك وحش على كتفك، يضايقك: "كن مضحكًا! لا تزعجهم! الجدية أكثر استرخاء ".  بدا وودي ألن كأنه محكوم بعمل الأفلام الكوميدية ففي الأعوام بين 1981-1997: كانت هناك كوميديات جنسية من ليلة صيفية إلى هاري بجميع أحواله.. واتسمت فترة الثمانينات بالاجتماع مع ميا فارو، مومسه الجديدة. التي ظهرت في جميع أفلامه الروائية منذ عام 1982 مع الكوميديات الإروتيكية  Erotic Comedy من ليلة صيفية Summer Night 1992 إلى أزواج وزوجات Maris and Femmes.

كانت التسعينات عقدًا من التجارب أو المحاولات دون أي مسار حقيقي للعمل. وهكذا، مع فيلم الظلال والضباب Shadows and Fog (1991)، أشاد بالتعبويين الألمان. وفي العام التالي، جمع بين التشويق والكوميديا السوداء لصنع لغز القتل في مانهاتن. يعتبر القتل والاستعدادات بالنسبة له موضوعًا مثيرًا للاهتمام نسبيًا لتصوير الجوانب المختلفة لشخصياته، عندما علق على النحو التالي: «القتل هو موضوع رائع لأنه يتيح لنا استكشاف الضعف البشري والشعور بالذنب " على حد تعبيره.

في عام 1994، عاد إلى موضوعات أقل ظلمة مع الرصاص فوق برودواي Bullets Over Broadway، والذي حصل عليه ترشيحاً جديداً لجائزة الأوسكار لأفضل مخرج. بعد ذلك بعامين، بدا أن فيلماً كوميديا موسيقياً Tout le monde dit I Love You (الجميع يقول أنا أحبك) أصبح في متناول الجميع وحقق نجاحًا كبيرًا مع الجمهور. مرة أخرى، يجد ووي ألن نفسه مدرجاً في الترشح لجوائز Golden Globe و سيزار الفرنسية Césars. بين هذين الفيلمين الأخيرين، أدرك وودي ألن أيضًا المفاجأة، من خلال بنائه لفيلم أفروديت الملعونة، Maudite Aphrodite (Mighty Aphrodite) حيث يعبر مفكروه الأزليون في نيويورك عن طريق شخصيات أكثر بساطة (ممثلة إباحية سابقة وملاكمة منخفضة مغمورة) وكذلك أبطال المآسي اليونانية.

في عام 1997 ظهر هاري في جميع حالاته أو(تفكيك هاري)، بلا شك أكثر "تغرباً" من جميع أفلامه. هذا الفيلم الروائي يغمرنا في تاريخ معقد. يقدم ألن سيناريو تتخلله الرسومات التي تشارك في التاريخ العالمي ليؤدي إلى اجتماع مختارات من شخصيات مختلفة والذين، مجتمعين، يشكلون هاري واحد فقط. نجد هناك جميع الموضوعات الرئيسية لعمل وودي ألن. انه يوقع هنا محاكاة ساخرة لوجوده وصعوباته الخاصة مع الأصالة والفكاهة.

يأتي انفصال وودي آلن وميا فارو على خلفية من الفضيحة، بعد أن اكتشفت الممثلة أنه كان لديه صور لابنتها بالتبني سون يي بريفين عارية تمامًا. وكان قد تزوج من ميافارو في عام 1997. وفي نفس العام، طردته شركة ميراماكس بعد الإخفاقات المالية المتتالية لأفلامه ليالي الصين Nuits de Chine وأفروديت الملعونة Maudite Aphrodite والجميع يقول أحبك Tout le monde dit I Love You. يبزغ وودي ألن من جديد على الفور من خلال فيلم غرامة خط الميزات  Fine Line Features، الذي سيحقق معه سلسلة من النجاحات، لا سيما الاتفاقات والخلافات، مع المخادعين ولكن ليس كثيرًا، ونهاية هوليوود Hollywood Ending.

1998-2004: من المشاهير إلى ميليندا وميليندا:

في عام 1998 في فيلم " الشهرة Celebrity يعهد وودي ألن شخصيته إلى ممثل آخر، وهو كينيث براناغ. تم تصوير الأحداث جزئياً بالأبيض والأسود، مع ممثلين غير عاديين (ليوناردو دي كابريو، وميلاني جريفيث وغيرهم)، ترتبط الأحداث بسرعة مذهلة في قصة معقدة للغاية مرة أخرى، وتضم مجموعة من الشخصيات. فعدم قدرتهم على التواصل يمنعهم أن يبقوا في موقف المتفرجين في حياتهم. يحافظ وودي ألن في هذا الفيلم، على أسلوب "تغريبي" للغاية، قد يبدو، في بعض النواحي، مفاجئًا في أعمال الفنان.

في السنة التالية، مع فيلم حلو ومنحط أو دنيء Sweet and Lowdown، أشاد مرة أخرى بأحد عواطفه:  عشقه لموسيقى الجاز. صُمم هذا الفيلم، مثله مثل أي فيلم وثائقي عن السيرة الذاتية، لعازف الجيتار الوهمي في عالم موسيقي حقيقي للغاية، حيث نعبر ونعبر مساراتنا مع الغجري الأكثر شهرة: دانغو رينهاردت.

بين عامي 2000 و 2003، عاد وودي ألن إلى الكوميديا الخالصة كما في بداياته. وينجز فيلم (فيلم المحتالون الصغار)، و فيلم لعنة عقرب الجاد (Le Sortilège du scorpion de jade)، و فيلم هوليوود النهاية و فيلم الحياة وكل شيء آخر (Anything Else).  لم يتبعه جمهوره  كما كان يأمل، والنقاد هاجموه بعض الأحيان بطريقة شرسة. ولكن حتى فيلمه الأصيل Melinda and Melinda ميليندا وميليندا لم يفلح في أن  يعيده إلى دائرة الضوء. ويُزعم خصومه ومناوئيه ب أن أفضل سنواته باتت وراءه

2005-2013 من نقطة تلاقي  Match Point إلى الياسمينة الزرقاء Blue Jasmine :

تميز هذا العقد بتوغلات وودي آلن خارج الولايات المتحدة لتصوير أفلامه.ففي عام 2005، غادر المخرج نيويورك ليصور فيلم نقطة تلاقي  Match Point في لندن مع جوناثان ريس مايرز وسكارليت جوهانسون. كان النقد إيجابي بشكل عام، والجمهور كثير. استحق الفيلم العديد من ترشيحات أوسكار وغولدن غلوب وسيزار. سيقول وودي آلن في مقابلة مع مجلة Première أن هذا هو أفضل فيلم له. استُلهم سيناريو الفيلم من نص من تأليف جورج ستيفنز سنة 1951 بعنوان مكان تحت الشمس  A Place in the Sun، وكانت بعض المشاهد متطابقة تقريبًا.

في عام 2006 قام وودي آلن بتصوير فيلم جديد مع سكارليت جوهانسون. وهو فيلم  سكوب  Scoop، وهو فيلمه الثاني في لندن، ولقي آراء نقدية  مختلطة. ثم يخرج عملاً سينمائياً ثالثاً في لندن  سنة 2007، وهو (حلم كاساندرا)، مع كولين فاريل وإيوان ماكغريغور.

يواصل وودي آلن رحلته الأوروبية وينضم إلى إسبانيا خلال الصيف ليصور فيلم  فيكي كريستينا برشلونة Vicky Cristina Barcelona  مع سكارليت جوهانسون، وبينيلوبي كروز، وخافيير بارديم، وريبيكا هول. تم تقديم الفيلم في مهرجان كان لعام 2008 ثم تم إطلاقه تدريجياً في جميع أنحاء العالم في صيف العام نفسه.

 

شهد عام 2009 عودة وودي آلن إلى نيويورك مع فيلم أي شيء يعمل Whatever Works مع لاري ديفيد وإيفان راشيل وود كنجوم. يعود تاريخ سيناريو الفيلم إلى سبعينيات القرن العشرين، وقد كُتِب خصيصًا لـ Zero Mostel، الذي توفي في العام الذي تم فيه عرض فيلم Annie Hall. وبمناسبة عرض فيلم أي شيء يعمل Whatever Works، صرح وودي ألين خلال مقابلة أنه يعتق بأنه لم يحقق فيلماً كبيراً أو "فيلمًا رائعًا" .

كانت العودة إلى الأراضي الأمريكية قصيرة حيث قام بتصوير فيلمه التالي في لندن You Will Meet a Tall Dark Stranger" (سوف تقابل شخصاً طويل القامة غريباً أو غامقًا)، وقد تم عرضه مرة أخرى في مهرجان كان ضمن المسابقة. تم تصوير الفيلم التالي، Minuit à Paris منتصف الليل في باريس، في صيف 2010 في باريس، مع ماريون كوتيارد، وراشيل ماك آدامز، ومايكل شين، وأوين ويلسون، ولايا سيدوكس، وكاثي بيتس تم تقديم الفيلم في افتتاح مهرجان كان السينمائي عام 2011، و عرض Minuit à Paris منتصف الليل في باريس في جميع أنحاء فرنسا وفي باريس وحضره الرئيس الفرنسي الأسبق وزوجته التي أدت دوراً صغيراً في الفيلم.

. وفي عام 2012، حصل فيلم منتصف الليل في باريس على جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي. ويعد أهم نجاح في شباك التذاكر على مستوى العالم في مسيرة مخرجه. فوودي آلن يتحدث في هذا الفيلم عن باريس في مختلف الحقب والأزمان، وعن باريس الثقافية والفنية والفكرية على وجه التحديد من خلال حكاية كاتب أمريكي يأتي إلى باريس لكتابة رواية مع خطيبته الثرية وأهلها. فالعائلة الغنية تبحث في باريس عن الموضة  وآخر الصرعات والتحف الفنية القديمة والمجوهرات والعطور وآخر الصرعات  وتسكن في أفخم الفنادق الباريسية أما هو فيبحث عن باريس الثقافة والفكر والفن والحرية والإبداع، باريس سلفادور دالي وبيكاسو وارنست همنغواي ولويس بونيول والسريالية والانطباعية وأوغست رينوار، باريس السهرات الليلية والجمال والجنس والحرية، أي باريس التي عاشت في مخيلة المثقفين في العالم كله، وذلك عبر حكاية متخيلة حيث تأتي عربة قديمة تأخذ الكاتب من مكان محدد في باريس في الزمن المعاصر وتنقله إلى باريس في حقبة زمنية في الماضي حيث يتعرف فعلياً على الرسامين والكتاب والروائيين الذين كانوا يعيشون في باريس آنذاك ويجتمع به ويتناقش معهم، وفي نهاية السهرة تعيده العربة القديمة إلى الزمن الحاضر حيث يقيم مع خطيبته في الفندق الفخم وفي جولته عبر الزمن الباريسي المتغير يتعرف على امرأة فرنسية جميلة، أدت الدور الممثلة الفرنسية العالمية المبدعة والجميلة ماريون كوتيارد، والتي يقع في حبها ويأخذها معه في تنقلاته عبر الزمن لأنها تعشق الماضي ورجالاته وأجوائه وكانت عشيقة لأغلب شخصيات الإبداع في باريس والتي ستكتب في مذكراتها عن قصة الحب هذه مع الكاتب الأمريكي. تجدر الإشارة إلى أن وودي آلن أسند دوراً صغيراً كدليل سياحي لزوجة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي للمجاملة ليس إلا لأنها لم تكن جيدة في تجسيدها للدور.

فيلم إلى روما مع حبي Rome with Love، تم تصويره في روما في صيف عام 2011 وللمرة الأولى منذ عام 2006، كان  وودي ألن أيضًا بصفته ممثلًا إلى جانب كونه المخرج. تم تصوير الياسمينة الزرقاء Blue Jasmine في صيف عام 2012 في سان فرانسيسكو ونيويورك. وفي قائمة الممثلين نلحظ،  كيت بلانشيت، سالي هوكينز، وأليك بالدوين. في خريف عام 2012، شارك وودي ألن كممثل في فيلم لجون تيورتيورو Turturro في فيلم القواد أو العاهر المتدرب Apprenti Gigolo، بينما كان يساعد على تحسين نص السيناريو.

2014-2019: من السحر في ضوء القمر إلى يوم ممطر في نيويورك:

تم تصوير فيلم سحر  في ضوء القمر Magic in the Moonlight في صيف عام 2013 في جنوب فرنسا، وكانت إيما ستون وكولين فيرث هما الممثلتان الرئيسيتان. تم تصوير فيلم الرجل اللاعقلاني The Irrational Man في صيف عام 2014 في رود آيلاند، مع إيما ستون وجواكين فينيكس. تم عرض الفيلم خارج المسابقة في مهرجان كان 2015 قبل خروجه لدور السينما الأمريكية في صيف عام 2015. أما بالنسبة لفيلم جمعية المقهى Café Society أو مقهى المجتمع، فهو فيلم تدور أحداثه في ثلاثينيات القرن العشرين، وضم الممثلون باركر بوسي، بليك ليفلي، جيني برلين، جريج بينكلي، جيسي إيسنبرغ، كريستين ستيوارت، ستيف كاريل (الذي حل محل بروس ويليس، الذي يترك الفيلم بعد أن بدأ التصوير بالفعل) وكوري ستول (الذين لعب دور إرنست همنغواي في فيلم منتصف الليل في باريس) . يتم تقديم الفيلم في مهرجان كان 2016 خارج المنافسة.

في 13 يناير 2015، أعلنت أمازون أنها قد طلبت من وودي ألن موسماً كاملاً من مسلسل تلفزيوني، يتكون من ست حلقات مدة كل منها 25 دقيقة؛  ولكن بداهة لم تكن هناك متابعة. ولا تعليقعلى المشروع الذي طلبته منه آمازن فقط قال وودي ألن: "أنا لا أعرف كيف وضعت في هذا المشروع وكيف حصلت عليه. ليس لدي أي فكرة ولا أعرف من أين أبدأ. وأضاف وودي ألن معقباً:" أعتقد أن روي برايس [نائب رئيس استوديوهات أمازون] سوف يندم عليه. تدور أحداث هذه الكوميديا بعنوان "الأزمة في ستة مشاهد" في ستينيات القرن الماضي وبطلته هي مايلي سايروس. فيما تلعب أيضًا إيلين ماي وودي ألن أدورا في المسلسل وتم تحديد موعد بث المسلسل في 30 سبتمبر 2016.

في صيف عام 2016، قام وودي آلن بتصوير فيلمه الطويل الثامن والأربعين، ووندر ويل أو العجلة العجيبة Wonder Wheel، حيث تدور الأحداث في الخمسينيات في نيويورك، مع كيت وينسلت وجوستين تيمبرليك في الأدوار الرئيسية. تم عرض الفيلم في ديسمبر 2017 وكان أحد أكبر إخفاقاته التجارية. وعندما اشتعلت قضية المنتج  وينشتاين واغتصابه للممثلات، تعين على وودي ألن أن يقرر. ولكن فقط من خلال اتخاذه قرار بدعم المنتج الذي أصبح منبوذا في هوليوود، جذب وودي آلن غضب حركات MeToo و Time's up. وفي نفس العام، كررت ابنة ميافارو بالتبني، ديلان فارو، اتهاماتها، التي يرجع تاريخها إلى عام 1997، بأنها تعرضت للاغتصاب من قبله. سرعان ما أشعل الاتهام شبكات التواصل الاجتماعي وأعلن العديد من الفنانين أنهم لم يعودوا يريدون العمل معه. من بينهم جريتا جيرفيغ، ماريون كوتيارد، تيموثي تشالاميت، ناتالي بورتمان، أوين ويلسون، ستيف كاريل وجوستين تيمبرليك، من بين آخرين. ومع ذلك، فهو يحظى بدعم الممثلين بنيلوب كروز وخافيير بارديم Penélope Cruz و Javier Bardem.

تم تصوير الفيلم التالي في نيويورك في سبتمبر-أكتوبر 2017، مع تيموثي تشالاميت، سيلينا جوميز، ريبيكا هول وإيلي فانينج. تم الكشف عن العنوان في وقت مبكر جدًا (وهو أمر نادر جدًا في وودي آلن): يوم ممطر في نيويورك. في نهاية آب (أغسطس) 2018، أعلنت أمازون أنه لا يوجد حتى الآن تاريخ عرض مبرمج مخطط للمسلسل (سواء في الصالات أو القنوات التلفزيونية . وكان صيف 2018 هو الأول من نوعه منذ أكثر من ثلاثين عامًا، إذ لم يكن  لدى وودي ألن أي خطط أو تصوير مستقبلاً، حتى لو أعلن أنه على الرغم من هذه النكسة، فهو سوف يستمر في الكتابة. بعد تسعة أشهر من توقف عرض آخر أفلامه على آمازون وإدراجه في قائمة أحدث أفلامها، أعلنت استوديوهات Mars Films أنها قد تولت مسؤولية توزيع الفيلم في أوروبا.

2019: "المنفى" في أوروبا وتصوير مهرجان ريفكين

بعد الرفض والاستهجان الذي تعرض له وودي ألن في الولايات المتحدة نظرًا لاستهدافه بالاتهامات بالإيذاء والاعتداء الجنسي، لجأ وودي آلن إلى أوروبا، حيث قدم له العديد من الفنانين دعمهم، ولا سيما خافيير بارديم و وكاثرين دينوف  وليا سيدوكس  وإيزابيل هوبيرت  وفريديريك بيغبيدر  مع استمرار دعم بعض الفنانين الأمريكيين له، مثل لوكا غوادانينو Guadagnino، أليك بالدوين، ديان كيتون، جود لو.

في فبراير 2019، أُعلن أنه على وشك تصوير فيلم روائي جديد في هولندا وإسبانيا، تحت لافتة MediaPro25. سيتكون طاقم الممثلين من كريستوف والتز، جينا غيرشون، سيرجي لوبيز، والاس شون، والفرنسي لويس غاريل، وهو أحد المعجبين به بشدة. بدأ التصوير في 10 يوليو 2019 في سان سيباستيان.

 

د. جواد بشارة

........................

* فيما عدا المقدمة والمقابلة التي أجريتها بنفسي مع وودي ألن في الثمانينات  فإن أغلب المعلومات عن الفيلموغرافيا  ومحطات عمل وإبداع وودي ألن مأخوذة من ويكبيديا الفرنسية بتصرف

 

 

1376 دانيال شمعونتمكن الرهبان المسيحيون وعبر التاريخ من ترك بصمات واضحة في ثقافات شعوب الشرق. وبذلك خدموا الادب والثقافة العربية في المنطقة. الأب الخوري دانيال يجمعني معه الكثير فمعرفتي به تعود الى ما يقارب ثلاث عقود خلت. معرفة وصداقة هذا الإنسان الكريم والقس الطيب المحب للأدب والمعرفة. يجمعنا الكثير ابتداء من محبة وطننا الصغير كركوك ونلتقي في إنسانيتنا ومحبتنا للحياة والبشر ومن دعاة السلام.على كوكبنا الأرضي. سكنًا في نفس الحي وزرته في صومعته في الكنيسة الصغيرة وسط المدينة حيث كان راعيا لها. تحاورنا في أمور الدنيا ومعنى الحياة ومجريات الأمور في اوطاننا. وجدته موسوعيا كما عودنا الرهبان المسيحيون كالأب انستاس الكرملي، السروجي، الأنطاكي، الرهاوي، عبد المسيح الكندي والآخرون وحبه بل ولعه بالتاريخ والتراث وطبعا اللغة. هذا الشغف الذي دفعه الى الابحار في اللغة الارامية ليعلم الأجيال القادمة هذه اللغة التاريخية القديمة. التقيته على ضفاف بحيرة الرهبان وسط مدينة يونشوبنك المكنى بـأورشليم السويد لنتحاور فسألته:

هناك من يدعى بان لهجة أهل العراق من المسيحين، الآرامية شرقية وهي احدى أقرب اللهجات الى اللغة التي كان يتحدث بها نبينا المسيح عليه الصلاة والسلام.فما رايك بهذا الادعاء؟. يجيبني مبتسما:

- هذا صحيح لان اليهود بعد عودتهم من الاسر البابلي عام 539 قبل الميلاد الذي استمر سبعون سنة كانوا يتكلمون لغة بابل التي كانت آنئذ خليط من السومرية الاكدية والاشورية والتي سميت فيما بعد بالارامية الشرقية لكونها استخدمت من قبل سكان بلاد الرافدين الساكنين في الجانب الشرقي من نهر الفرات لفرزها عن الآرامية الغربية التي كانت تستخدم من قبل الناس الساكنين على الجانب الغربي من نهر الفرات والفرق بين اللغتين هو في لفظ الكلمات فقط. وقد سميت اللغة بالسريانية بعد الفتح العربي الاسلامي لتلك البلاد. الكلمة السريانية تعريب لكلمة سورايا المشتقة بدورها من كلمة سيروس وسيريا اليونانية والتي كان اليونان يطلقونها على الامبراطورية الاشورية.

 

اللغة العربية الحديثة والقديمة تحتوي على العديد من الكلمات من الآرامية القديمة وهذا طبيعي لان اللغات حية وتتطور وتتأثر باللغات المجاورة والقريبة هل تعتقد يمكن للمرء اليوم وبسهولة اعادة تلك الكمات الى اصولها وجذورها؟.

- نعم، نعم هناك الكثير من الكلمات الآرامية دخلت الى اللغة العربية لا بل قد يذهب البعض الى القول بان اللغة العربية هي احدى بنات اللغة الآرامية كاللغة التجرينية التي تتكلم بها بعض القبائل في الصومال واثيوبيا وغيرها. والجدير بالذكر ان كلمة "عربي" مشتقة من الكلمة الارامية "عارابا" والتي تعني الصحراء وكلمة "عارابايا" هي صفة النسبة في اللغة الارامية ومعناها العربي وبالتالي تعني الصحراوي. هذا من جهة، ومن الجهة الثانية يمكننا اعادة الكثير من الكلمات العربية الى اصولها الارامية فعلى سبيل المثال لا الحصر كلمة "سورة" متأتية من كلمة سِفْرا والتي تعني "كتاب" وكلمة "صلوة" متأتية من كلمة "صلوتا" والتي تعني الصلاة. وكلمة "خبصة" المستخدمة من قبل عرب العراق هي "حْباصا" في اللغة الارامية وجذر الفعل المشتقة منه هو  "خْباصْ" ويعني "زاحمَ".

 

اعتمدت معظم الديانات على النص المقدس وتحولت اللغة الى عامل مهم في نشر المبادئ الأساسية للأديان كالعبرية والعربية والإعجاز اللغوي القرآني دليل على ذلك .

لماذا لم تتطور اللغة الدينية السريانية الى لغة دينية عالمية بل بقت محلية وأخذت اللاتينية محلها كلغة عبادة؟.

- كانت اللغة وما زالت الوسيلة التي بها يقوم الناس بنقل افكارهم وعلومهم وآدابهم ومشاعرهم لبعضهم البعض والافكار الدينية وتعليماتها لا تشذ عن هذه القاعدة. انا لا اعتقد بوجود لغة دينية لكن الانسان عبر عن فكره الديني بنفس مستوى اللغة التي وصل اليها في الزمان والمكان المحددين وكلما تطورت اللغة وتوسعت وجب ان يتطور التعبير الديني ايضاً. لان الدين ليس عبارة عن اوامر ونواهي جامدة ومتحجرة بل مفاهيم عميقة هدفها تقديم الاجوبة على التساؤلات الاساسية حول الوجود والحياة  في حاضرها ومستقبلها من جهة وارساء قواعد السلوك الجيد والاخلاق الحميدة في التعامل مع الاخرين ومع الله الخالق من الجهة الاخرى.

اما لماذا لم تتطور اللغة السريانية مثل اللغة اللاتينية فالسبب يعود الى ان اللغة السريانية فقدت حاضنتها السياسية المتمثلة بالدولة والحكم نتيجة الفتح العربي الاسلامي لبلاد الرافدين والشام وفرض اللغة العربية وجعلها لغة الحكم. اما اللاتينية فقد ظلت لغة الدولة الرومانية التي تزاوجت مع الكنيسة في اوربا وحكمت الكثير من البلدان الاوربية الى وقت قريب عندما بدأت اللغات المحلية مثل الايطالية والفرنسية والاسبانية وغيرها تأخذ مكانها نتيجة استقلال تلك البلدان عن الامبراطورية الرومانية.

هل نتمكن من الادعاء بوجود لغة مشتركة لمسيحي الشرق بطوائفها المتعددة أم ان الانتماء الطائفي أعطى زخما لتبني اللهجات دون الأخذ باللغة الأساسية؟.

- نعم ما زالت اللغة الآرامية بفرعيها الشرقي والغربي مستعمل في طقوس ومراسيم الكثير من الكنائس الشرقية. وما زال الكثير من المسيحيين الشرقيين يتكلمون بلهجات متعددة منها.

 

تعليمك ودراستك الدينية وممارستك للمهام الدينية أخذك الى بلاد عديدة اعتقد ان دراستك الدينية كانت في إيطاليا حدثنا عن سفر حياتكم هذا؟.

- لقد ولدت وترعرت في عائلة مسيحية غير ممارسة للدين حيث الشعور القومي الاشوري العلماني كان يطغو على الشعور الديني فيها ولكن عند بلوغي السن الثانية عشر شعرت بالميل الى الامور الدينية والحياة الروحية لذا بدأت بالتردد الى الكنيسة وحضور الصلوات والقداديس. ونمت عندي الرغبة في ان اصبح رجل دين ولكن واجهت رفضاً شديداً من قبل الوالد وافراد العائلة لعدة سنوات لكن بعد انهائي المدرسة المتوسطة وانتقالي الى المرحلة الاعدادية منحني والدي موافقته في التردد على دروس الخاصة بإعداد رجال الدين اولاً في مدينتي كركوك وبعد انهائي الدراسة الاعدادية اكملت دراستي الدينية في احدى الجامعات في مدينة روما في ايطاليا حيث تخرجت في عام 1973 وعدت الى العراق وعينت قسيسساً ومدرساً للفلسفة والمنطق في معهد اعداد القسس في بغداد وبعدها رجعت الى كركوك وعملت فيها الى عام 1981 حيث انتقلت الى دهوك وقدمت هناك خدمتي الدينية الى عام 1992 حيث ارسلت الى الولايات المتحدة وبقيت في كاليفورنيا لما يقارب السنتين بعدها انتقلت الى السويد وخدمت في مدينة يونشوبنك ولنشوبنك ونورشوبينك وفي عام 2016 تقاعدت من الخدمة لبلوغي السن القانونية للتقاعد وعدم مقدرتي مواصلة الخدمة الاضافية لأسباب صحية.

وقد اكتسبت خبرة كبيرة طيلة تلك السنين نتيجة احتكاكي بشعوب وثقافات مختلفة وصار عندي ولع في تعلم اللغات المختلفة مثل اللاتينية والايطالية والانكليزية والفرنسية والالمانية اضافة الى لغتي الام والعربية والتركية واخيرا السويدية. حيث اقمت الطقوس الدينية باللغة الآرامية والعربية والفرنسية والانكليزية والايطالية.

 

للكنائس دور اجتماعي مهم خاصة في دول المهجر وقد تجمع حولكم ابناء الجالية المهاجرة خلال سنين طويلة الدول المستقبلة للمهاجرين يشكون دوما من عدم تكامل المهاجر مع المجتمعات الجديدة مما يودي الى ما يسمى صدمة ثقافية حدثنا عن تجربتك في هذا المضمار.

- صحيح ان للكنيسة دور اجتماعي وروحي وتشكل احدى نقاط التجمع للمهاجرين في دول المهجر كما في الوطن الام. وانا شخصياً حاولت دائماً عدم الانغلاق في المحيط الضيق للكنيسة والطائفة بل الانفتاح على المجتمع الجديد في دولة المهجر لذا اقمت علاقات جيدة جداً مع الكنائس والمؤسسات الثقافية في السويد وشجعت ابناء الرعية على القيام بذلك والتأقلم مع المجتمع الذي يعيشون فيه والتمتع بقدر كبير من المرونة تاركين جانباً التمسك الاعمى بالعادات والتقاليد القديمة والانفتاح على تقاليد البلد الذي يعيشون فيه لكن دون الانصهار فيه والانسلاخ عن الهوية الاصلية.

 

لو تسنى لك تقديم نصيحة للجيل الجديد كيف تكون تلك النصيحة؟.

نصيحتي هي الانفتاح على الثقافات الاخرى مع عدم ترك الهوية الاصلية. 

بهذه الكلمات نودع الاب الصالح دانيال متمنين له الصحة ودوام الابداع حيث يقوم بتدريس اللغة السريانية طوعياعلى اليو توب.

 

اجرى اللقاء: توفيق التونجي

 

صالح الطائي- قاربت السبعين من العمر ولم أجد في نفسي قدرة المشاركة بالتظاهرات التي تطالب بالإصلاح وحينما يتعرض الوطن إلى أذى من غريب أو قريب يكون لزاما على هذا الحب أن يعلن عن نفسه

- اعتبر نفسه خارجا على قانون الموروث وتقليدية المناهج.

- من طبيعة جمال صنع الله للقلب الإنساني أنه أوقفه على حب واحد.

صالح الطائي عاشق عَبَرَ شذا عشقه الحدود، تزاحم في صدر هذا العاشق حبه لله وعشقه للعراق، بحث في هذا الحب عن الله في زوايا كثيرة، والف كتبا زادت عن الخمسين، ولم يخف لومة لائم، ولم يعرقل سيره نحو حبيبه عائق، وكثيرا ما ختم اذان الفجر مناجاته مع حبيبه على امل المواصلة بعد الانتهاء من اداء الفرض، وقد فتح عينه هذا الحب على ما خلق حبيبه من جمال، فتألم من قبح بعض المخلوقين، لكن قبحهم لا يقارن بجمال الخالق الحبيب، فتسربت الطمأنينة الى قلب صالح بعد هذه المقارنة، واقتنع تماما ان القبح وصانعه زائل، والجمال وخالقه دائم، من هنا، انطلق صالح في رحلة عمر يبحث فيها عن الجمال ليحارب به القبح، فافلح الى حد كبير وفي لحظة صفاء اكتشف هذا العاشق جمال وطن اسمه العراق، وبما ان حب الجمالِ جمالٌ، تمنى صالح على كل محبيه ان يشاركونه في صنع قلادة من درر الكلم يزين بها هذا الوطن الجميل فوجه نداءً جميلا للجميع بالمشاركة ..

- يعرفك بعض ويجهلك اخرون فهلا عرفت الجميع بك بصورة افضل؟

ج/ صالح الطائي مواطن عراقي بسيط إلى حد السذاجة، معقد إلى حد الإعجاز، وبينهما، بين المتناقضين مجرد إنسان عرف دربه بعد عناء طويل واهتدى إلى نبراس نور الحقيقة من خلال البحث والمتابعة والتدقيق والتنقير، لا من خلال التقليد والتشبيه والنقل الحرفي. اعتمد منهج التفكيك دون أن يخضع لمعادلات الكيمياء وتفاعلات الفيزياء بعد أن أدرك في وقت مبكر أن كل ما في الوجود ليس أكثر من لحظة صفاء لتنزاح الستر وتفتح مغاليق الأبواب فتشرق الحقيقة دونما حجاب. وهو بهذا اعتبر نفسه خارجا على قانون الموروث وتقليدية المناهج، فأسس لنفسه منهجا تفكيكيا تحليليا، نجح من خلاله في رصد كواكب الدين دون حاجة إلى منظار وكواكب الوطن دون حاجة إلى انتماء وتبعية، ولذا عرض نفسه لاضطهاد القوى المختلفة منذ أن أدرك عمق المأساة ووجوب وقوفه بجانب المحتاجين، لا المحتاجين للمال فهؤلاء لديهم مسارب كثيرة يمكنهم من خلالها تحصيل ما يسد الرمق، وإنما محتاجي الفهم الذين لا يمكن اقناعهم إلا بالدليل غير المردود والقول المسنود، ولأجل ذلك أعتقل في زمن النظام السابق ثلاث مرات بمدد مختلفة كادت أن تودي به إلى القبر، ومن ثم اختطف بعد التغيير وبقي نائما على دكة الذباح لمدة ثلاثة عشر يوما، ولكنه وهذه مفارقة غريبة نجح في تجاوز كل تلك الأزمات التي لا يحمل من ذكراها الآن سوى طيف حزن وبعض الآثار المطبوعة على الجسد وعين كادوا ان يختطفوا نورها فتصدى لهم حكماء بارعون أعادوا لها شعاع أمل. وهو مع كل ما مر به لا زال يكتب ويبحث وينجز حتى تجاوز عدد مؤلفاته الخمسين كتابا ورقيا وعدة كتب الكترونية ومئات المقالات والدراسات والبحوث، وبعضا من فيض الأدب بكتابة الشعر والنثر المركز والإسهام في بعض المشاريع البنائية.

- كيف اجتمع حبان في قلبك وهل يتقدم احدهم على الاخر ام انهما في مصاف حب واحد؟

ج/ من طبيعة جمال صنع الله للقلب الإنساني أنه أوقفه على حب واحد؛ هو حبه، فالقلب مهما كان كبيرا لا يسع سوى حبا واحدا، أما ما يبدو وكأنه أكثر من حب تجتمع سوية، فذاك من وهم العارفين لأن كل أنواع الحب التي تحدثوا عنها، والتي تظهر للعيان أو يفضحها البيان إنما هي جزئيات صغيرة من الحب الأوحد الأعظم، فمن يحب الوطن مثلا لا يشركه مع حبه لله، بل هو جزئية من حب الله تعالى لأن (حب الوطن من الإيمان) والإيمان هو حب الله تعالى يقينا، فهذا من ذاك فرع من أصل، ومن يحب والديه لا يشرك حبهما مع حبه لله لأن حبه لله هو الذي أمره ان يحبهما، جاء في الحديث الشريف أن عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثمّ أي؟ قال: ثمّ برّ الوالدين، قلت: ثمّ أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. وهذا حب جزئي من الحب الأعظم، وبالتالي تتوحد كل أنواع الحب في حب الله تعالى وحده. أما من يحب ما هو زائل كالدنيا والمال والولد فذلك ليس من معاني الحب الأعظم وإنما هو للفتنة أقرب، وهو ينتهي في النهاية عند حدود الدنيا التي تمثل الحب الكبير المقابل لحب الله والذي لا يمكن أن يجتمع معه في قلب واحد، بدليل قوله تعالى في سورة الكهف: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}، ولذا قالت رابعة العدوية:

أحِبُكَ حُبَيْنِ حُبَ الهَـوىٰ وحُبْــاً لأنَكَ أهْـل لـِذَاك

- ماذا اهديت حبيبك الاول (الله) الذي اهداك كل شيء ومنها الحياة؟

ج/ يبدو هذا السؤال طبيعيا وفق رؤى العرفانيين والصوفيين ولكنه يتعرض للمماحكة من قبل المتدينين طالما أنهم يوقنون أننا نحتاج إلى الله وهو لا يحتاج إلينا، قال تعالى في سورة الفرقان: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا}

وبرأيي المتواضع أن الأصلُ بالإنسان أنه يسعى عادة وراء معرفة الإجابات عن الأسئلة المشاكسة لأن الإجابة عنها بحد ذاتها لابد وأن تترك أثرا كبيرا في مجمل مسار حياته، والجواب على السؤال المشاكس لا يخالف المنطق بالمرة.

من هنا أرى أن الإنسان يحتاج لله تعالى في كل جزئية من جزئيات حياته مهما تناهت في الصغر، والله سبحانه يحتاج إلى عبده لا وفق مادية الحاجة والرغبة والإشباع وإنما من حيث الرضا بكل ما فيه من عمق دلالي. الله يحتاج الإنسان أن يكون بمستوى إنسانيته ويقدر درجة الاستخلاف التي وضعه فيها، وهنا ـ إذا ما صح التشبيه ـ تكون حاجة الله للعبد مثل حاجة الأب الذين تجاوز المائة من العمر إلى نجاح ابنه وتسنمه مناصب عالية وتحقيق ثراء فاحش والحصول على درجات علمية عليا.

أنا كنت ولا زلت ـ في كل خطوة أخطوها ـ أحتاج إلى الله، وأعمل جاهدا على أن أرضيه لا أكثر، وأحافظ على المكاسب التي ترضيه، ولطالما تمثلت بقول علي بن أبي طالب (عليه السلام): "اللهم ما عبدتك خوفاً من نارك، وما عبدتك طمعاً في جنتك، وإنما وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك".

- ما سبب انشغالك وطلبك من الاخرين المشاركة والمساعدة في مشروع كتابة (قصيدة وطن) وكيف جاءتك الفكرة؟

ج/ لما كان حب الوطن من الإيمان، وهو جزء من كلية الحب الإلهي فمن الطبيعي أن يكون قلب الإنسان عامرا بحب الوطن، والتعبير عن هذا الحب يأتي عادة بصيغ وصور متعددة، تبدأ بالإخلاص ولا تنتهي عند التضحية بالنفس، وبينهما على طول المسافة الفاصلة هناك منهج سلوك وتفاعل وتعامل يتساوق مع قدسية هذا الحب. وحينما يتعرض الوطن إلى أذى من غريب أو قريب يكون لزاما على هذا الحب أن يعلن عن نفسه بالأسلوب الذي يراه مناسبا، كما على الإنسان أن يسعى إلى صد ومحاربة والوقوف بوجه من يسعى إلى تخريب أو تغريب المحبوب.

ولأني قد قاربت السبعين من العمر لم أجد في نفسي قدرة المشاركة بالتظاهرات التي تطالب بالإصلاح فذلك دور الشباب، أما من هو مثلي فعليه أن يبحث عن سبل أخرى يؤكد من خلالها مشاركته في السعي للإصلاح. فضلا عن ذلك أرى أنه لكي يكون الإنسان كامل الإيمان عليه أن يحب الوطن الأكبر (الوطن العربي) مثلما يحب الوطن الأصغر (العراق) والمدينة والمحلة والبيت والغرفة التي يعيش فيها، ويحرص على كل جزء كما يحرص على الكل. وأنا لم أجد وسيلة للتعبير عن هذا الحب، حب العراق، وحب الأمة أفضل من أن أنشئ مشروعا لكتابة قصيدة لنصرة الوطن بقلم شعراء الأمة، ولذا توجهت بنداء إلى الأدباء العرب للمشاركة في صنع قصيدة من وزن الوافر، وضعت مطلعها بنفسي، وقلت فيه:

حذار من الهدوء إذا تشظى فعند الفجر قارعة تثور

وعشت بعد ذلك مرحلة صراع نفسي مرير بين الخوف والأمل، سببه روح التحدي الموجودة في الدعوة، لأن وطننا الأكبر اليوم ليس مثلما كان بالأمس، وبلدانه تبدو ظاهرا متشظية متعادية متنافرة متباغضة متباعدة متقوقعة على نفسها محبة لذاتها غير آبهة لسواها، مع إيماني العميق ان هذا الظاهر لا يمثل مكنون أنفس أهلها وما يختلج في صدورهم، ولكن روح الأمل انتصرت على روح الخوف مع وصول أولى المشاركات؛ التي تلتها مشاركات أخرى من جميع أرجاء وطننا الكبير فتجاوز عدد أبيات القصيدة المائتين وخمسين بيتا.

والأهم والأكبر من ذلك أن الكثير من العرب الأدباء والشعراء وأصحاب المواقع الالكترونية والمشرفين على المنتديات الأديبة وحتى المواقع الالكترونية انتخوا ليعتبروا نصرة العراق نصرة لقضاياهم فأصبحوا يروجون للقصيدة ويدعون الشعراء العرب للإسهام في كتابتها، فانتشرت الدعوة وزاد عدد المشاركين.

- كيف ستكون هذه القصيدة من حيث الوزن والبناء؟

ج/ مثلما أسلفت أن القصيدة من بحر الوافر وبقافية الراء المضمومة، ومع ذلك وردتنا مشاركات يحتاج بعضها إلى التقييم والتقويم والتصحيح، فضلا عن مشكلة تكرار القافية فقافية (تدور) على سبيل المثال تكررت بحدود خمس وعشرين مرة وهو تكرار يعيب القصيدة ويضعفها، واختلاف مستويات الشعراء وأشياء بنائية أخرى تحتاج كلها إلى الجمع بينها والربط بين معانيها. وبناء عليه أوكلت هذه المهمة العصية الكبيرة إلى أحد فطاحل وفحول الشعر العربي هو الأديب العراقي المغترب ضياء تريكو صكر، وهو الآن مشغول في إعادة بناء القصيدة لتصبح أول مشروع شعري مشترك بهذا الحجم في العالم كله، وهو أهل لهذه المهمة التي أوقف لها جهده.

- هل هناك شروط للمشاركة في كتابة القصيدة؟

ج/ حينما أعلنت عن مشروع قصيدة وطن، ووجهت الدعوات، لم أضع شروطا محددة باستثناء الالتزام بالوزن والقافية والموضوع؛ وهو نصرة العراق

- اظن انك تفكر بطباعتها فهل توفر لك متبرع؟

ج/ بعد ازدياد عدد المشاركات أعلنت اتني سأحول القصيدة وملحقاتها إلى كتاب أطبعه على نفقتي الخاصة، لكن حدود النخوة العربية لم تقف عن المشاركة بالشعر بل تعدته إلى المشاركة بالمال إذ أعلن الأستاذ الصحفي عبد النبي الشراط صاحب ومدير دار الوطن للطباعة والنشر في المملكة المغربية عن تبنيه المشروع والتبرع بطباعة ونشر الكتاب على نفقته الخاصة وهذا يبين حجم المشاعر الوحدوية التي يحملها العرب وحبهم للعراق وأهله رغم المظاهر الخداعة. وانتهز هذه المناسبة لأوجه الشكر الجزيل للأستاذ الشراط الذي كتب لي: "إن فضل العراق علينا لا ينسى وعلينا أن نقف مع العراق".

- هل في النية تسجيلها على شريط مرئي؟ وهل ترى ان الفنان جواد الشكرجي اصلح لقرائتها من غيره؟

ج/ أنا منذ مراحل وعيي الأولى راهنت على طيبة ووطنية وكرم العرب، وفي كل مرة كان رهاني ينجح ويحقق الأمنية، واليوم مع أني لا أعرف أحد في الوسط الفني، أراهن على الروح الوثابة للعراقيين، وكلي أمل أن هناك من سيتطوع لمساعدتنا على تسجيل القصيدة على شريط مرئي، واتفق معك أن الفنان الكبير جواد الشكرجي هو من أكبر المؤهلين لتبني مهمة قراءتها بصوته الشجي. ولأن القصيدة فريدة في جميع مواصفاتها بما فيها فكرتها ونظمها وموضوعها، اتمنى لو تطوع أحد المغنين الكبار مثل كاظم الساهر وكبار المغنين العراقيين باختيار مجموعة من أبياتها لأدائها كنشيد وطني.

- واخيرا هل القصيدة هي الحلم؟ ام ان الحلم في تجسيدها على ارض الواقع؟

ج/ الحلم كبير، أكبر حتى من توقعاتنا، والقصيدة إن كانت في بدايتها حلما فإنها تحولت اليوم إلى حقيقة بارزة للعيان بعد ان تجسدت على أرض الواقع، كأنموذج فريد للتعاون العربي، لتتحول إلى حقيقة يجب أن تعيشها جماهير الأمة في كل الوطن العربي، وهذا ما نتمناه من الإعلام المحايد والمحطات الفضائية والصحف والمجلات، فنحن لا زلنا ننتظر أن يؤدي الإعلام العربي دوره ويتبنى التعريف بالمشروع ومتابعة خطواته والترويج له. وقد تكون أخي الأستاذ راضي المترفي أول المتطوعين والمبادرين للحديث عن (قصيدة وطن) التي هي لكل الوطن، وارجو أن تسهم خطوتك هذه في فتح باب الترويج للمشروع والتعريف به، وأنا أتقدم إليك بالشكر الجزيل.

طرحت عليه اسئلتي وجلست انتظر اجاباته، فهالني ما كان يبدو عليه من حب وحماس ولهفة لإنجاز (قصيدة وطن) تليق بالعراق، وكنت ارى في عينيه اشعاعات أمل واطياف محبة واستعجال في طي الزمن ليرى قلادة دعا لها هو وشاركه في صياغتها الكثير من المحبين والعشاق.

 

حوار / راضي المترفي

..........................

* الصورة للدكتور صالح الطائي

 

 

علي رسول الربيعيد. بوعلي النابي: إن ما دفعني لهذا الحوار مع الأستاذ الدكتورعلي رسول الربيعي، في الواقع، هونقاشي الفكري المستمر معه منذ سنوات وأطلاعي أخيرا على دراسة لافته له اثارت كثير أهتمامي تتعلق بالاسلام ومكانته في الفضاء العام بوصفه مرشدا لاحاكما (المنشور في موقع مؤمنون بلا حدود) وادارته لطروحاته من موقع سؤال مثير هو: ماذا يعني أن نفكر في الإسلام اليوم، (جزء ثالث في صحيفة المثقف يتناول به كيفية تكييف راولز من اجل فهم أعمق للإسلام) لا أريد أن أسأله عن الأفكار التي طرحها هناك فهي متوفر للاطلاع عليها ولكن أريد أوسع النقاش الى قضيا لم تتطرق لها تلك الدراسات.

أردنا من هذا الحوار ان لا يقف عند طرح السؤال ويدلي الباحث برايه في المسألة محل النقاش، ولكن أردنا أن يكون السؤال الجواب على مستويين، اسئلة نطلب منه أن يقدم وصفا وتحليلاً وتفسيرا للمسألة أو القضية كما يرها اصحابها أو من يتبناها، اي لا يقف عند أبداء رأيه الشخصي وموقفه المعياري منها ولكن ماهي طبيعتها من منظور اصحابها؛ وأسئلة أخرى نطلب رأيه أو جوابه عن السؤال المطروح.

 وتأتي أهمية هكذا حوار هو مساهمة في النقاش في الفضاء العمومي حول الإسلام. وكذلك النقاش على المستوى الموضوعي هو ما يتعلق بالسياق التاريخي المشخص للفكر الإسلامي وللمجتمعات في السياق الإسلامي، وعلى المستوى الذاتي لما يمارس د. علي رسول الربيعي مايسميه هو تجاوز حالة أختلاط المفاهيم من اجل تقديم قراءة تشخيصية للمسألة أو الحدث والظاهرة محل السؤال. يتحرك الباحث على أرضية معرفية- منهجية تتقاطع عندها العديد من العلوم الإجتماعية تبرز من خلال تتناوله قضايا فكرية عديدة ومختلفة. نجده يطرح أراء مهمة في الفلسفة السياسية المعاصرة واسهامات ذات راهنية في العلاقة بين الدين والسياسة، والدين الفلسفة الأخلاقية، تعبر عن منظور أجتهادي واضح في مايتعلق بالفكر السياسي الإسلامي. نريد التركيز في هذه هذه الجلقة من الحوار على الأسلام الدين والظاهرة السياسية.

س1: د. النابي: نحن نعرف طالما يواجه المسلمون سؤالاً من قبل المفكرين والباحثين والكتاب الغربيون المختصون أو المهتمون بالإسلام : يقدم المسلمون الإسلام دين، واحد، جاء به الوحي، الاً ينطبق الحال هذا على الدين بشكل عام؟ ويسائلون لماذا يركز المسلمون على هذه النقطة بشكل متكرر؟ ما هي العواقب المنهجية والأنطولوجية والمعرفية لهذه الحجة وماهو رايكم ضمناً فيها؟

ج1: د. علي رسول الربيعي: نعم صحيح لطالما يُطرح هكذا سؤال. إن جوابي هو: يعتمد ذلك هذا على كيفية نظرتك إلى مفهوم أو "مقولة ""الدين". لايستعمل المسلمون المصطلح " دين" هنا بمعنى أنثروبولوجي، أو في إطار وظيفي بنيوي إجتماعي. فعندما يتحدثون عن الدين بهذه الحالة، وبشكل أكثر تحديداً عن الإسلام، يتحدثون عن الوحي أساسًا – الذي يُعرّف الدين الإسلامي به نفسه - وثانياً، عن اللاهوت، وبعضهم عن تنظيم اجتماعي- سياسي.

هذه هي الساحة التي يجد فيها المرء أختلافات كبيرة وهامة ( بين من ينظر من داخل الدين ومن ينظر اليه من خارجه) بين مقاربات النظرية الاجتماعية/ الأثروبولوجية للدين مقابل الفهم الديني للإيمان، أو الفهم التاريخي للدين مقابل الفهم الديني للتاريخ.عندما تقول النظرية الاجتماعية، عن سبيل المثال، أن جميع الأديان تخدم أساسًا الغرض والوظيفة نفسها، فأنه من الممكن وضعها جميعًا في إطارعام مشترك، قد يكون هذا هو الحال من الناحية الإجرائية. فجميع الأديان، يمكن أن تدعي أنها مستمدة من مصدر مقدس، وواقع مقدس، وتعطي معنى للحياة والمواساة للمعاناة، ويتم التعبير عن مظاهرها من خلال بعض الطقوس والالتزامات الجماعية المقررة. وبهذا المعنى، يمكن للمرء أن يتحدث عن الدين "بشكل عام". لكن هناك اختلافات جوهرية بين الأديان ايضاً تتطلب أن نأخذها بنظر الأعتبار عند دراسة الأديان ومشكلاتها في علاقاتها بالواقع والإجتماع، فهناك أختلاف بين الإسلام التوحيدي الصارم، والمسيحية التثليثية، والإله القبلي لليهودية، أو الطائفة الهندوسية بألوهيتها العديدة مثلاً.

فالوضع من الناحية الواقعية مختلفا ولايكفي ذاك التوصيف النظري. فمن المهم في الحالة هذه هو ما يقوله كل دين عن نفسه، وكيف يبرر معتقداته الأساسية، والمعاني التي يعرضها على الواقع، وما هي الحقيقة المطلقة التي يدعي التمسك بها. تكشف هذه الفروق عن عالم الأختلاف بين الأديان. يتم تجاهل الكثير من هذه الاعتبارات المذكورة في النظرية الاجتماعية، ربما لأنها تتعدى أو تتجاوز نطاق اختصاصها، أو أنها، في أحسن الأحوال، تنظر الى الدين بوصفه ظاهرة ثقافية. لذلك أنا أدعو و أسعى في الوقت نفسه، وهذه عملية مستمرة لم تنتهي بعد، الى تطوير منهجية تدمج "جوهر" الدين أيً مقولاته الأساس والكبرى مع النظرية الاجتماعية، بحيث يتعرف الأول على فائدة الأخير، ويعترف الأخير بالأول كمصدر مشروع لنمط من المعرفة الأعتقادية، وحتى لو أطلقنا عليها المعرفة المتخيلة عن الحقيقة والتاريخ فهي لها قوة قوة وتاثير المعرفة الحقيقية و" المطابقة" تاريخيا. لهذا السبب أؤكد على نأخذ بنظر الأعتبار الإسلام كما يؤمن به المسلمون كدين، وحي متعال له جوهر خاص به، وبالتحديد عندما تميل النظرية الاجتماعية إلى تقديم صورة مختلفة عن الإسلام / الدين في - الإسلام الإيراني، والإسلام المغربي، والإسلام الإندونيسي، وما إلى ذلك - الخلط بين الثقافة الدينية، وبناء بنية مفاهيمية تجزيئية للمجتمعات في السياق الإسلامي. لقد سعيت للقيام بذلك في دراستي المنشورة بعنوان: "ماذا يعني أن نفكر في الإسلام اليوم في حلقاتها الثلاثة "، وكذلك عن طريق التمييز بين "الإسلام" وصفة "الإسلامية " أيً مقارنة بـ" أكثر إسلامية"، والمسلمون الذين يكونون أغلبية في مناطق يهيمنون عليها ثقافيا، ولكن ليس دين الإسلام تحديداً. فيما يتعلق بالمقولتين الثانية والثالثة قد يكون من الممكن التعامل مع "الدين" من ناحية النظرية الإجتماعية / والأنثروبولوجية، ولكن فقط جزئياً، حيث سيكون هناك دائمًا تفاعل بين المقولات الثلاث، باعتباره مظهرًا أنثروبولوجيًا أو اجتماعيًا للوحي الإسلامي وكشف الخطة الإلهية في التاريخ ( في أعتقاد المسلمين).

 

س2: د. النابي: أليس استخدام الدين كمقولة أنثروبولوجية تعبير عن مركزية أوربية كما يقول طلال أسد؟ كيف يمكنك إذن حل المشكلات المنهجية لدراسة الدين عندما تكون المقولة نفسها "غربية"؟

ج2: د. علي رسول الربيعي: يحاول طلال أسد أن يتتبع كيف تم بناء مفهوم الدين تاريخيا، تصور تاريخي للدين، وبالتالي يعطي امتياز وأولوية النظرية الاجتماعية في التسلسل الهرمي للمعنى. مع أخذ هذا في الاعتبار وكذلك لأني أراقب صعود الدين في العالم الإسلامي منذ عقود ودوره كمحرك إجتماعي/ سياسي، فإن طموحي هو فتح طريق لفهم ديني مصاحب للتاريخ، معاكس الى التسلسل الهرمي ولكن دون تجاهل إنجازات النظرية الاجتماعية. يؤكد طلال أسد على أن مقولة الدين ذاتها عبارة عن بناء تاريخي أوروبي، مما سمح بحدوث العلمنة. ووضعت السلطة العلمانية الحدود بين الديني والعلماني. لم يكن تحديد هذه الحدود في الإسلام التاريخي في القرون الوسطى مشكلة على الإطلاق. إذن ما ينطبق على حالة تاريخية معينة لا ينطبق بالضرورة على الآخرى، أو على بنائه المفاهيمي. أما اليوم فيتطلب أن نفكر في الإسلام خارج أطر المعرفة القروسطية وخارج الايديولوجية العلمانية في صيغتها التي طرحتها الثورة الفرنسية وعصر التنوير.

 

س3: د. النابي: ألا تعتقد أن هذا هو بالضبط ما دعى طلال أسد في نقده للدين باعتباره مقولة عالمية تعتمد على أنثروبولوجيا أوروبية؟

ج3: د. علي رسول الربيعي: إذا كان الدين هو مجرد بناء أنثروبولوجي أوروبي سمح للعلمنة، فكيف يمكن أن نفسر، طبقاً لهذه المنهجية ومصطلحاتها بالذات، الإحياء الديني ليس فقط في الإسلام وهو ما لايخفى على أحد ولكن في المسيحية أيضًا؟ لا ينبغي للمرء أن ينسى أن الافتراض الأساسي للنظرية الاجتماعية (ومن ابرزها الماركسية والفيبرية وأتجهاتها وتفرعاتها العديدة مثالاً)، التي ترسم حدود حتمية، هو أنه مع حركة التحديث والحداثة الإجتماعية، تتحرك المجتمعات نحو العلمنة وبعيدًا عن الدين. لكن هذه النظرية فشلت في تفسير أو التنبؤ بما يمكن للمرء أن يطلق عليه "عودة المقدس" حتى في العالم العلماني، وبهذا المعنى تعرضت النظرية لضربة كبيرة. فاذن نحتاج الى التفكير بطريقة أخرى وختلفة وقد قد يكون لامفكر فيها غالباً.

 أنا أحاول أن أؤكد، أنه لا ينبغي السماح لنظرية مركزية أوروبية من هذا النوع للسيطرة على فهم الدين، وهذا مختلف طبعا عن الدراسة ذات المنهجية العلمية تفسيرية أو تاويلية أو انطولوجية . فالمفاهيم في النهاية مقولات ديناميكية ومتغيرة، وكيف يحدد الباحث مقولة معينة، وما هي الافتراضات التي يضعها، تحدد إلى حد كبير مسار الباحث في البحث الأنطولوجي والمعرفي.

ومع ذلك، بغض النظر عن الكيفية التي يمكن بها تعريف أو إعادة تعريف الدين ضمن السياقات الاجتماعية والتاريخية (أي أنثروبولوجيًا كما يجادل طلال اسد)، هناك دائمًا جوهر أو مركز غير سيال يعين حدود الاحتمالات في أختلاف التفسير والتأويل، وفيما يتعلق بالأديان الإبراهيمية الوحيانية، هناك إعتقاد من قبل المؤمنين بالتدخل الإلهي الدائم في التاريخ وهو وراء مخططات الإنسان أو وراء البنى البشرية وهذه حقيقية سوسيولوجية تتطلب تناولها بجدية وعمق مناسب لتأثيرها على الواقع التاريخي. ومن هذا المنظور المنهجي، إن ما أحاول التفكير فيه يختلف من نواح كثيرة عن ما قام به طلال أسد، ولكن لابد من التأكيد على أنه ليس بالضرورة معارضاً له أو ضداً منه. فمن المسلم به، لايمكن أنكار دور البشرية في التكوين التاريخي للديني، وينبغي أن يحصل الشيء نفسه عن الأعتقاد ( من ناحية سوسيولوجيا الحقيقة) على دور "الإلهي" في التاريخ. هذا هو المكان الذي تثبت منهجية أبن خلدون أنه ذو بصيرة وذات أهمية خاصة. نأمل في نقطة معينة من الرؤى أن تتلاقى كلا الأدوار ويمكننا التقاط المكان الذي توقف فيه ابن خلدون.

 

س4: د. النابي: هل أن يكون الشخص مسلماً هي مقولة ظاهراتية أو ثقافية أو قانونية أو سياسية أو تاريخية؟ كيف يمكننا التمييز بين المسلم وغير المسلم في مقاربتهم للإسلام عندما يتبنى، في سياق ما، العديد من المفكرين "المسلمين" موقفًا علمانيًا أو ليبراليًا؟

ج4: د. علي رسول الربيعي: أولاً، يبدو واضحا أن غير المسلم هو الفرد الذي لا ينسب إلى العقيدة الإسلامية - ربما يكون مسيحيًا أو يهوديًا أو هندوسيًا أو بوذيًا أو ينتمي إلى أي نظام ديني آخر. أو من تخلي عن العقيدة الإسلامية بعمل أو بيان قاطع؛ لكن ما لايغتفر ابداً للحكام أولئك الذين يتهمون الآخرين بكل سهولة في عقيدتهم حتى لو كان هؤلاء الأخرين قد "أخطأوا" في طريقهم: فهذا الأمر متروك إلى الله فقط. قد أذهب إلى أبعد من هذا، فأقول إن العلمانية بشروطها وفهمها المعاصر خيارًا حقيقياً وعمليًا، بل ومُلحاً في الحالة الراهنة حيث يعاني الفكر الديني من الركود ويعاني من الفساد و عاجزًا لأسباب عديدة من تقديم أيً حلً لمشكلات المجتمعات في السياق الإسلامي، لاسيما وانه يتسم بالافتقار إلى المعرفة، والى الصدق، والى تقوى حاملي مسؤوليات الإيمان، ويعاني من غياب القيادة المسؤولة في أوضاع تفشي الفساد في أوساط المؤسسات الدينية والفقهاء والمشايخ. إن الفشل له ثمنه، ويجب إخضاع من فشلوا في الحفاظ على الروح الحقيقية للإيمان للمساءلة بعد أن تصدوا أن يكونوا مسيًري شؤون التقديس، بدءاً بأولئك المسؤولين، و"العلماء"، ولا سيما من يشكلون "فقهاء السلطان". "العلمانية" ليست تجربة تاريخية سلبية أنها حلاً وعلاجاً مجرباً.

يقودنا هذا إلى سؤالك حول من هو المسلم - ما إذا كان المسلم يمثل ظاهرة أو ثقافية أو قانونية أو سياسية أو تاريخية. أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال تكون أكثر مرونة إذا تم وضعها في سياقها بترتيب شامل، ولا يتم تناولها ببساطة كمسألة هوية قابلة للتغيير ومتغيرة باستمرار. هذا سيجعل من المستحيل تقريبًا تحديد جوهر ما يشكل المسلم. المسلم، بأوسع المصطلحات، هو مقولة متعددة الأبعاد، وربما حتى مقولة حضارية في قمتها أو أوجها، ويأتي أساسها من الوحي والدين على التوالي، مع ذلك، بما في ذلك جميع المقولات الأخرى - الظواهر الثقافية والقانونية والسياسية والتاريخية هي تجسيد للعالمية في الإسلام. الإيمان و"الإعتقاد" هو جوهر الإسلام وما يعيًن "المسلم.

 

س5: د. النابي: أيً معنى يحمل معنى إسلام؟

ج5: د. علي رسول الربيعي: أستعمل كلمة الإسلام في ثلاثة معاني مترابطة

1- الإسلام كنظام ديني يوفر العقيدة، ومجموعة من المذاهب، وطقوس الممارسات الإلزامية، والمواقف الأخلاقية الروحية.

2- الإسلام كظاهرة تاريخية يزود أتباعه بـ الهوية الثقافية الدينية والوطنية العابرة للحدود.

3- الإسلام كقوة حضارية تستمر في تشكيل استجابة المسلمين للحقائق الاجتماعية والسياسية، مما يسمح بإجراء التعديلات اللازمة على العضوية في مجتمع عالمي متنوع.

هذه المعاني الثلاثة للإسلام مهمة لاستكشافنا المصادر والمواقف التي يمكن أن توفر المفاتيح اللازمة لفهم الذات الإسلامية للعلاقات الاجتماعية والسياسية التي تؤثر على المواطنة في دولة قومية حديثة.

 

س6: د. النابي: نريد أن نطرح السؤال عن التعددية ولو أننا سنفرد جزء خاص من الحوار لمسألة التعددية،السؤال: كيف ترون حل العلاقة التناقضية بين الموقف الديني الذي يدعي التفرد الذاتي والحصري وبين موقف التعددية الدينية؟

ج6: د. علي رسول الربيعي: التعددية الدينية نتيجة ثانوية للكرة الثلجية في التقدم التكنولوجي في مجال النقل والاتصالات. وبالتالي، لم يعد بإمكان الناس العيش في عزلة عن بعضهم البعض. للأسف، لم يكن اللقاء بين الثقافات والأديان دائمًا هو السلام. ومما يثير القلق بشكل خاص هو الأقصاء حيث كل تقليد، مسلح بأدعاء الأمتياز أنه قد مُنح خصوصية بشأن دينه، فيسعى إلى التفوق بدلاً من التكيُّف عند مواجهة إيمان أخر. وبالتالي، يظل التفرد الديني أحد أعظم أعداء النظرة الشاملة التي تغطي بشكل شامل موضوع ما التي قد تزود الإنسانية بتعددية دينية قابلة للحياة في الساحة العالمية الجديدة. بالنسبة لي، "النقطة الأساسية التي يجب مراعاتها هي ما إذا كانت المجتمعات الدينية مستعدة للاعتراف ببعضها البعض على قدم المساواة الروحية، ولكل منها الحق في الحصول على طريق الخلاص الخاص بها. لذا أدعو إلى موقف يتجاوز التفردات الاستبعادية والتعددية المتطرفة مثل تلك التي يعد جون هيك أحد ابرز ممثليها. المعاصرين.

 

س7: د. النابي: بهذه المناسبة ماو رايكم في طروحات هيك حول التعددية؟

ج7: د. علي رسول الربيعي: من الواضح أن في طروحات جون هيك لها جاذبية، ويمكن وصفها بانها "سليمة ولها جوانب عملية" وكذلك واقعية ومفضيًة إلى علاقات أفضل ظاهريا بين المشاركين في الحوار الديني من اجل التعددية، لكنه لا يزال هناك مشاكل عملية مع تعددية هيك. أولا بسبب موقفه منما يسميه :الاعتقاد الراسخ في "صواب" دين المرء. وكذلك أرى أن هناك مشاكل أخرى مع هيك أكبر واوسع من المشاكل العملية، فأنا اشكك في تأكيد هيك بأن ادعاء الحقيقة الدينية الخالص متكبر ومتغطرس ومتعجرف بطبيعته. وبالنظر إلى حقيقة التنوع الديني غير القابل للاختزال. لم يتحقق سوى القليل من خلال مشروع يتطلب مثل هذا التنوع أ ون يتم تلميعه بجلاء على أمل "إقامة أرضية مشتركة بين مختلف الشعوب.» وبما أنه "لا يوجد دليل تجريبي لادعاء [جون هيك] أن الأديان تشترك جميعها في هدف مشترك باستثناء عالم المطالب الأخلاقية؛ فمن الأفضل متابعة "الاحترام والوئام المتبادلين على أرضية أخلاقية مشتركة". وأرى أنه من خلال التأكيد على أن الأديان الأخرى توفر طرقًا خاصة للخلاص، يمكن أن نجد طريقة وسط (وشاملة) لصياغة قضية "الشمولية الدينية". وهكذا ستبدأ اهمية "الشمولية الدينية في الظهور كعنصر أساسي في سياسة العلاقات الدولية. ينبغي إعادة التأكيد على أن ادعاءاتي هي في أطار الإسلام وسياق التاريخ الإسلامي، وبالتالي يتم توجيهه نحو نوع معين (أو ربما أنواع) من التفرد الديني أكثر من توجيهه نحو التفرد الديني عمومًا. على هذا المنوال، ليس من الضروري أن نستنتج أن التفرد في أدعاء الحقيقة سوف يؤدي بلا شك الى كره أولئك الذين لا يتفق معهم بشكل أساسي. التحدي هو إيجاد طرق لتوجيه المتعارضين لتطوير احترام وجهات نظر بعضنا البعض مع الاستمرار في الاعتقاد بأن أحدهما على حق والآخر غير صحيح.

 

 س8: د. النابي: هل من مكانة للفطرة هنا، أو ماذا تعني الفطرة ابتداء، سنعود نسألكم عن علاقتها بالتعددية لاحقاً؟

ج8: د. علي رسول الربيعي: يراها الإسلام هبه طبيعية من الله توجه وتمكن الشخص من التحرك نحو الأهداف الأخلاقية المرجوة. توفر هذه الطبيعة القدرة العقلانية المطلوبة والإرادة الحرة التي تمكن جميع الناس من فهم وتحقيق توقعات الله الأخلاقية. تربط بالنظريات العلمانية وكذلك بالمسيحية الفطرة بالضمير الأخلاقي. وكذلك ترتبط مسألة الضمير في القرآن بفكرة الفطرة؛ وتعني التصرف البدائي النبيل الذي خلقه الله كوسيلة ضرورية للتوجيه العالمي. يمنح الله كل شخص طبيعة أخلاقية وعقلانية بدائية (الفطرة)، كأسس صحي لتطوير أخلاقيات عالمية حيث يمكن للشعوب ذات الاختلاف الروحي أن تبني إجماعًا عمليًا للقيم والأهداف. فالفطرة هي السعة لممارسة الاختيار العقلاني في مسألة الإيمان. يسلط الضوء على هذا على قدرة الإنسان أن يكون عقلانيًا ويفضل الخير على الشر، وهو أمر عادة ما يضعه اللاهوت المسيحي في العقل البشري والإرادة. لذا، فإن الفطرة أكثر من مجرد مفهوم أخلاقي لمعرفة الضمير ما هو الصواب والخطأ. ويشمل أيضًا القدرة على التعبير عن تلك المعرفة من خلال العمل الأخلاقي الملموس.

وعلى كل ما يهمني هو تناول الحالة الطبيعية أو الفطرة في سياق التعددية وفي سياق لاهوت اسلامي للقرن الحادي والعشرين، (سنتحدث عن رؤيتي لهذا لاحقاً اذا سألتني عنه) يؤكد على أهمية الخطاب القرآني الكوني الذي يدعو البشرية إلى الاستجابة لطبيعتها الأصلية القائمة على القيمة الموضوعية للخير والشر. هذه هي اللغة التي لا يستطيع أي إنسان يملك العقل أن يفشل في تلقيها او فهمها. الأهم من ذلك، أن توضع كمصدر للوحدة بين شعوب الأديان المختلفة. ولا يؤكد هذا المقصد الاسنى على الأصل الإلهي للإدراك الأخلاقي متمثلا في الأوامر الالهية فقط، ولكنه أيضًا يثبِّط الصلة والتوافق الضروريين بين التوجيه الأخلاقي والروحي. وبالتالي، يربط الإسلام، في اللاهوت الطبيعي، البشرية جمعاء في استعدادها الطبيعي ليس فقط لإدراك معنى العدالة ولكن أيضا لإعمالها. في هذا المصطلح العالمي للإسلام، لا يمكن لأي إنسان، إذن، أن يدعي الجهل بالمعنى المتأصل للخطأ والصواب؛ ويترتب على ذلك أنه لا يمكن لأحد أن يفلت من الحكم الإلهي لفشله في دعم العدالة على الأرض.

 

س9: د. النابي: نًريد منكم التفسير والتوضيح : لماذا يعتبر أغلبية الأسلاميين الديمقراطية شكلاً من أشكال الحكم غير الإسلامي، ماهو تسويغهم لذلك؟

ج9: د. علي رسول الربيعي: من خلال فهمي لأليات أشتغال العقل السياسي للإسلاميين يتم، في كثير من الحالات، الخلط في مايتعلق بالديمقراطية، فيرى بعضهم أنها آلية محايدة تتمثل في الانتخابات والاختيار الحر. وهناك من يعي أو يؤكد على أنه لا يمكن فصل الآليات عن القيم التي تدعمها. وأن الديمقراطية تتطلب نظام علماني ليبرالي أو شيء من هذا النظام. فإذا تم استيراد الديمقراطية إلى هيكل القيم الإسلامية، فمن المرجح أن نواجه احتمالين. إذا هيمنت الديمقراطية على أنها المعلمة الضرورية، بينما يتم إخضاع الإسلام كمتغير، فإن الأنطولوجيا ونظرية المعرفة المستوردة ستحكم. إذا حدث العكس، وهيمن الإسلام فعلاً، فإننا، وطبقاً لمنظروهم، نواجه وضعا تميل فيه الديمقراطية المتضمنة في نظام القيم الإسلامية حتما إلى التحول إلى مايسمونه الشورى. من هنا نواجه – طبقاً لهم- انحرافات وجوديّة ومعرفية بين الآليتين. أيالى قواسم إجرائية واضحة من المرجح أن تؤدي إلى خلاف موضوعي خطير. بأعتبار نظام الشورى الإسلامي هو أكثر من مجرد نظير للديمقراطية كما يطرح بعظهم. علاوة على ذلك، يعتقد الإسلاميون أن المسلمين يميلون دائمًا إلى الغوص في تفاصيل الديمقراطية والانتخابات والحريات المفترضة المرتبطة بها، ويغيبون عن الصورة الكبيرة. يأنهم يرون أن هدف الخطاب الديمقراطي إلى تشكيل مجتمعات "مفتوحة"، يمكن أن يتسلل اليها النظام الأمبريالي بسهولة ويتخللها بطريقة تسمح للحريات الشخصية المتصورة بإخفاء الهيمنة الجماعية على الأمة.

 

س10: د. النابي: هناك ازمة اذن في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر ولاسيما في الايديلوجية الاصولية السلامية؟

ج10: د. علي رسول الربيعي: نعم، هناك أزمة ابستيمولوجية " معرفية" اذا استعملنا هذا المصطلح طبقا للتوظيف المنهجي الناجح الذي بلوه وقدمه ماكنتاير Alasdair Macintyre، وسوف يلاحظ عشاق ماكنتاير على الفور أن هذه الحجة تأتي في كتابه :"لمن العدالة، أي عقلانية؟"

 أريد اقول أن النجاح النهائي لأي تقاليد فكرية (علمانية أو مقدسة) يعتمد على قدرتها على أن تثبت لأعضائها (والأجانب) قوتها التنظيمية المتفوقة من خلال إعادة تفسير وتطبيق نصوصها وتقاليدها في مواجهة التحديات المعرفية والأخلاقية الداخلية والخارجية التي تواجهها . فـ "الأزمة المعرفية" في تقليد ما هي: أنه كان في وقت ما قادرًا على توفير حلول عقلانية للمشاكل التي يواجهها أتباعه. تمر الأيديولوجية الإسلامية المعاصرة بـ"أزمة معرفية" يجب معالجتها من الداخل من قبل المثقفين والمفكرين المسلمين. واحدة من أكثر العلامات المؤسفة على هذه الأزمة تتجلى في الأضطراب والشعور بالضيق في هذا الزمن المعاصر في الفكر الإسلامي وبالتالي العالم الإسلامي العالم هو أن السلطات الفكرية قد اختفت جميعها من المشهد، تاركة مجال التفسير القانوني الى الفقهاء الذين تتمثل صفاتهم الرئيسية في ضيق الأفق نتيجة للمنهجياتهم القروسطية، والافتقار إلى العمق نتيجة لمعارفهم القديمة، والأقصائية نتيجة لرفضهم التعددية وأختلاف التفسير.

واذا نظرنا من خلال "الأطروحة المعرفية" الضمنية في الشعار الاصولي الإسلامي. يقول الافتراض الرئيسي لهذه الأطروحة: أن الإسلام، على عكس الديانات التوحيدية الأخرى، لا يهتم بالخلاص الروحي للإنسان فقط، ولكن أيضًا بكيفية أن يعيش هنا والآن وكيف - وإلى أي حد ينبغي للإسلام أن ينظم الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. في الحقيقة، عبر التاريخ وفي الماضي، تعامل الإسلام مع هذه الشؤون. فقد واجه الإسلام منذ البداية تحديات أجبرته على الجمع بين المخاوف الروحية وغير الروحية.

تنشأ المشكلة عندما تستخدم ضرورات الماضي التاريخية تلك لتبرير أوضاع سياسية معاصرة. فيحتاج الزعماء الدينيون والقادة الأصوليون، في المرحلة المعاصرة، إلى إقامة صلة بين الإسلام والشؤون الدنيوية. بعبارة أخرى، يتعين عليهم تقديم إثبات عقلاني أن الطبيعة الحقيقية للإسلام تتضمن نظامًا شاملاً للأفكار والمبادئ التي تمس جميع المسائل ذات الأهمية لوجود الإنسان الروحي والدنيوي.

حيث يجزم معظم القادة الأصوليين، إن البشر ليسوا في وضع يسمح لهم بمعرفة الطريقة الصحيحة لتنظيم شؤونهم الدنيوية دون توجيه إلهي من الوحي الإسلامي: القرآن والتقليد، وبعبارة أخرى، يعتقد الأصوليون الإسلاميون لا يمكن أن تنجح العلمنة، الغافلة عن أوامر الله في أمور الحياة اليومية، في إنشاء نظام مثالي محلي او عالمي.

وهكذا، فإن موقف الإيديولوجيين الأصوليين المسلمين هو مسألة إبستيمولوجية ( معرفية) وكذلك دينية. فوفقًا لهم إذا أخفق المسلمون في تنظيم شؤونهم الدنيوية طبقاً للمبادئ الإسلامية القائمة على المعرفة التي كشف عنها النبي، فلن يكونوا في وضع مناسب يمكنهم معرفياًإعطاء إجابات صحيحة عن الأسئلة المتعلقة بكيفية تنظيمهم الشؤون الدنيوية. ويجادلون أنه في الممارسة العملية، لا يمكن للبشر معرفة كيفية تنظيم شؤونهم الدنيوية دون مساعدة من الوحي الإلهي.

في ضوء هذه الأطروحة الأصولية، فإن العقل البشري هو أساس غير كاف لبناء المعرفة العملية حول التنظيم العادل للنظام العام . لكن من جهة أخرى، لم يقدم الأصوليون المسلمون تقييماً موضوعياً لكيفية أنجاز أوتحقيق القرارات العقلانية في تطبيق المعايير الإسلامية التي مورست أيام مجد ماضي الإسلام. وبالتالي، في ظل غياب المعرفة العملية المرتكزة على أسس دينية حول تحقيق الغايات المعيارية من خلال الوسائل الدنيوية، يواجه التقليد الإسلامي أزمة إبستيمولوجية بالمعنى الذي يتحدث عنه ماكنتير. لقد توقف التقدم في التقاليد الإسلامية وفقًا للمعايير الخاصة به. وكشفت مناهج البحث وأشكال من المحاججة عن اوجه القصور التي هزت الثقة في قدرة التراث والتقليد على تقديم حلول للمشاكل الملموسة التي يواجهها الأفراد والجماعات والشعوب المسلمة في السياقات الاجتماعية والسياسية في المعاصرة.

 

س11: د. النابي: لقد ورد في مقالكم الموسوم بـ" الإسلام في الفضاء العام: شريعة للإرشاد لا نظام للحكم" المنشور بمؤسسة مؤمنون بلا حدود، ما يلي (إن المشكلة الأساسية التي تنعكس في الصياغة الكلاسيكية للهوية السياسية الإسلامية، هي الاستبداد الديني القائم على ادعاء خصوصية استبعادية، تتعارض مع الروح العالمية التي تنشأ مع الديمقراطية التي تعترف بالتعددية الدينية" وهذه الفكرة تتعارض مع وثيقة المدينة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم والتي اعترفت بجميع الطوائف الدينية التي تتمتع بحقوقها على اساس المواطنة في دولة مدنية....يجب توضيح هذا الامر لازالة اللبس لانك تكتب لقراء مجهولين.. ومع ذلك هناك سؤال هل يساعد الألتزام الديني في تعبئة الناس للوقوف بوجه ظلم السلطة الاستبدادية في هذا العصر؟

ج11: د. علي رسول الربيعي: نعم ذاك ورد في فيماذكرت في لحظة مبكرة وتم نسيانه وسنتحدث عن أهميته وكيف تمذاك النسيان لاحقا في مدار نقاشنا لما يمكن ان نجد من اصول للتعددية في القرآن تساعد لتكون ارضية لتقبل التعددية الديمقراطية المعاصرة . أما فيما يخص تعبئة الناس للوقوف بوجه ظلم السلطة الاستبدادية في هذا العصر، فمن المؤسف لم يساعد الالتزام الديني الفعلي التاريخي في تعبئة شعور الناس بالظلم و بالغضب لمقاومة السلطة الاستبدادية للدولة فحسب، ولكنه لم يلعب دورًا في بناءً السلم الأهلي وفي التوافقات الوطنية وبناء الدولة. لقد أثارت القوميات المستوحاة دينياً والمستمرة، مع التنافسات العرقية والصراعات بين الطرفين، تساؤلات جدية حول التأثير السلبي للإيديولوجية الدينية في المجال العام. مشكلة الدين كأداة للغايات السياسية قديمة قدم التاريخ. لا يوجد شيء جديد في ذلك. ما يضخمها اليوم هو المدى غير المسبوق لنشر المعلومات عنها. سواء في العراق أو باكستان أو الهند، فإن المشاهد المتلفزة للعنف الطائفي والتعليقات حول انتهاكات الأنظمة الدينية تسلط الضوء على مشكلة عدم وضوح الخطوط الفاصلة بين الروحي والعلماني في الحكم المعاصر. يشير العلمانيون إلى الأخطار الاستبدادية التي لا يمكن إنكارها للزعماء الدينيين الذين وجدوا ادعاءاتهم بالشرعية في عالم خارق للطبيعة بعيدًا عن متناول الخلاف أو الحوار. تتفاقم المشاكل المحتملة للحكم الديني بما يتناسب مع حصرية العقيدة الدينية. يمكن أن تأتي الإيديولوجيات الدينية الحصرية بقوى انقسامية تؤدي إلى تفاقم النزاعات الطائفية وبالتالي إعاقة ظهور هوية وطنية في المجال العام. علاوة على ذلك، أصبح من الصعب إدارة المجال العام، الذي من المطلوب أن يكون السعي فيه إلى " الإجماع المتقاطع" على راي راولز، أيً، الى توافق الآراء بين المجموعات المختلفة ذات المعتقدات السياسية / الدينية المتضاربة، في ظل نظام يتمتع بتقاليد خصوصية ومعينة.

 

س12: د. النابي: نُريد أن نفهم حقيقة ماهو موقف العلماء المسلمون التقليديون والأصوليون من الحداثة، ولماذا؟

ج12: د. علي رسول الربيعي: هناك شكوك، عميقة من قبل الثقافة الدينية في جميع أنحاء العالم الإسلامي أزاء الحداثة بوصفها ذات تأثير ضار على قدسية النصوص الوحيانية- التي هي أساس الشرعية التقليدية. فرضت الحداثة العلمانية على الدين أن يكون متوافقاً مع السياسة الديمقراطية في هذا العصر. علاوة على ذلك، فقد شرًعت لدور العقل البشري في انتزاع واستخلاص معنى النصوص المقدسة، مما أدى إلى النسبية طبقاً لذرائعية العوامل البشرية. والأهم من ذلك عززت الحداثة أهمية تنوع الرأي والتسامح مع هذا التنوع من خلال السياسة الديمقراطية. وبالتالي تُفسر الحداثة والديمقراطية على أنهما تهديدان رئيسيان لسلامة الوحي الإسلامي وشكل الحكومة التي يدعمها. لمحاربة التأثير السلبي لنسبية المعنى الديني والخلاف المتزايد بسبب التفسيرات المثيرة للخلاف، أكد العلماء المسلمون التقليديون، من ناحية، على شمولية التفسير التقليدي باعتباره التفسير الوحيد الصحيح للفكر الإسلامي، ومن ناحية أخرى اعتبروا التحول الديمقراطي مصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار السياسي والأخلاقي في المجتمع. هذه الاستراتيجية التقليدية دفعتهم إلى تشويه دور العقل البشري في استنباط تفسيرات ذات مصداقية في المطابقة وعملية للنصوص الدينية. سواء لدعم التطابق بين بعض الاهتمامات المشتركة للعدالة والإنصاف المشتركة بين الحداثة والإسلام، أو دعمًا لبناء نظام سياسي قائم على الديمقراطية الدستورية في البلدان الإسلامية ز لقد فسر العلماء التقليديون الحجج الحداثية الداعمة للتفسيرات التعددية والديمقراطية الأنظمة كتهديد للسلامة الدينية للنظام العام الإسلامي.

وبالتالي، عندما يشارك فقهاء تقليديون أونظام سياسي قائم على الوحي مثل حكومة إسلامية في تقييم شرعية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والامتثال له (والذي منذ بدايته تجنب التورط مع الدين وحقوق الله على الإنسانية في صياغته) والقواعد العلمانية التي يقوم عليها، يجب أن يحددوا كيف أن الالتزام بالإعلان العلماني لن يؤدي إلى الإضرار بإيمان الفرد بمطلق الوحي. إن انعدام الثقة في الأسس العلمانية للإعلان يثير التوتر والخلاف بين أصحاب النفوذ الدينيين ودعاة حقوق الإنسان في العالم الإسلامي. يرى الفقهاء التقليديون والأصوليون ومن يدعون الى الحكومة الإسلامية تهديدًا خفيًا للطابع الديني الذي يرديون او يدعون انه يمثلوه اذا دعوا او قبلوا تنفيذ حقوق الإنسان من خلال الالتزام بالسياسة الديمقراطية. في الواقع، يؤكد أولئك الذين شرعوا بقوتهم السياسية من الناحية الدينية أن مثل هذه العملية السياسية ستنتهي في نهاية المطاف إلى حرمان الأسس الدينية للحكم الإسلامي، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى رفض دور علني للدين. ولهذا السبب فضلوا الحكم "الديني" غير الديمقراطي.

 

س13: د. النابي: ما الذي يجعل إستراتيجية سياسية أو تصور إسلامي أكثر من إستراتيجية أخرى عند الإسلاميين أنفسهم أو كما يرى الأسلاميون؟ هل هي لها علاقة بالتجربة السياسية التاريخية للمسلمين (مثل الخلافة والولاية الفقيه) أم أن تتوافق مع القرآن والسنة؟ أم أنه شيء أكثر ارتباطًا بالمحتوى والسياق، على سبيل المثال، تمثيل عن اهتمامات المسلمين، التعبير عن مطالبهم، وحل مشاكلهم؟

ج13: د.علي رسول الربيعي: إن التصور هو محاولة لفهم وجمع العناصر المختلفة للظاهرة في كل متماسك، وفي المجال الديني أو الإسلامي، يستعمل المرء مصطلحات مثل " اصل" و" فرع". إن السابق هو التصوري/ المفاهيمي والضروري، أما الأخير هو الملموس والمحتمل. الإستراتيجية السياسية هي في معنى هذا المصطلح والشروط. وبالتالي فإن السؤال، ليس كما يطرحه الإسلاميون: ما الذي يجعل الإستراتيجية السياسية أكثر إسلامية من الأخرى، بل ما هي الإستراتيجية السياسية التي تخدم المواطنين والمسلمين و الإسلام أكثر من الأخرى، وتخضع لقيود قيميًة إسلامية. المقارنة هنا هي بين الاستراتيجيات السياسية باعتبارها العناصر المحتملة التي تخدم القيم الضرورية، وليس بين الأخير والإسلام. هذا هو الشرط المسبق لما يمكن للمرء أن يصف سياسة معينة بأنها سياسة وطنية تخدم المواطنين في دولة ذات أغلبية إسلامية. الآن إذا كنتِ تقصد بسؤالك كيفية الاختيار من بين الاستراتيجيات السياسية ووفقًا للمعايير الإسلامية، فإن الإجابة تكمن في المعرفة والالتزام بالأهداف والغايات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وهذه لاتخضع لمعايير إسلامية ولكن يمكن أن لاتتعارض مع روح الدين، ولكن تخضع لمجموعة من العوامل مثل الحكمة والكفاءة والقدرات والبصيرة، والتي ستكون من السمات المميزة لأي قيادة فعالة و / أو استراتيجية قابلة للتطبيق. إن التمييز بين الديني والسياسي ليس إجرائيًا بالضرورة فقط لكنه جوهري أيضاً، أي ماهيً الأهداف القصوى و القيم العليًا التي تشكل مرجعية نهائيًة لديك وكيف يمكنك تطبيق السياسية / الإجرائية على تعزيز لاالقيمً الإسلامية / الجوهرية اذا كان الإسلاميون حريصون على ذلك؟

يتم تعريف الإسلام بالطبع بشكل رئيسي من خلال مصادره الرئيسية القرآن والسنة، وإلى حد أقل ينصح بتراثه التراكمي وتجربته التاريخية. فيشكل هذا "الجذع" المفاهيمي للإسلام. يقول الإسلاميون وطبقا لرايهم على مستوى المحتمل أو "الفرع"، يكون النظام الإسلامي مسؤولاً عن تمثيل مصالح المسلمين، والتعبير عن مطالبهم، وحل مشاكلهم. ويشكل كل من الأصل والفرع وحدة وبنية النظام الإسلامي والمصدرين التوأمين لشرعيته. ولكني أرى أن هذه ليست مسألة يسعى فيها المرء إلى مصالح الإيمان على حساب رفاهية المسلمين، أو المصالح العملية على حساب المبادئ. أن ليس بالأمر السهل، لكن هذا هو التحدي الذي كان يتعين على الإسلاميين مواجهته لكنهم فشلوافشلاً ذريعا في ذلك، وعلى أي حال، لا توجد حلول سهلة.

 

س14: د. النابي: هناك فوضى الفتوى في عالمنا المعاصر، كل يدلي برايه ويدعي انه هو الاقدر على ذلك، ولكن في الواقع قد تكون لمصالح سياسية ومذهبية...ان للفتوى اهلها المتضلعين فيها والعارفين بها...وافتاء مفكر مسلم ليبرالي قد لا يحقق متطلبات الفتوى...ولذلك نفضل حذف هذا السؤال من الحوار( اقرب الناس للفتوى اقربهم الى النار)...ولكن يبقى هناك من يسال وربما من غير المسلمين: / هل تعتقد أن المفكر المسلم الليبرالي يمكنه إصدار فتوى؟

ج14: د. علي رسول الربيعي: باختصار، أعتقد أن إجابة هذا السؤال، هي يمكن أن تكون مشروطة فقط. يعتمد الأمر على ما هو ضروري وما هو محتمل، أي ما إذا كان بالنسبة لذلك المفكر أن الإسلام هو المعيار الضروري، في حين أن الليبرالية هي المتغير المشروط، أو العكس، أيً الليبرالية ضرورية والإسلام هو المتغير المشروط . يمكن للمرء، في الحالة الأولى، أن يتحدث عن مسلم يصادف أنه ذو توجه "ليبرالي" لا يزال يحدده الإيمان (أي مسلم ليبرالي)، شريطة أن يستوفي مؤهلات المعرفة أيضاً، فيجوز له أن يصدر فتوى. ومع ذلك، في الحالة الأخيرة، نتحدث عن ليبرالي يصادف أنه مسلم ويخلق ببساطة المعرفة الإسلامية وفقًا لتكليف أيديولوجية علمانية ليبرالية (أي مسلم ليبرالي). من غير المرجح أن يلبي مثل هذا الشخص متطلبات المعرفة الإسلامية التي تتطلب أن يكون الإسلام ضروريًا قبل إصدار الفتوى. خطاب عن الإسلام ليس هو نفسه الخطاب الإسلامي. هذا مطلب منهجي وكذلك يتطلب التزام.

 

حاوره: ا. د. بوعلي النابي

.....................

حوار أجراه الأستاذ الدكتور بوعلي النابي أستاذ الفلسفة في جامعة معسكر في الجزائرية (وهوايضا أستاذ مشارك بمدرسة الدكتوراه للعلوم الاجتماعية والإنسانية، متدخل بوحدة الدين مقاربات فلسفية، جامعة السانيا وهران. عضو هيئة التحرير لمجلة "المواقف" بكلية العلوم الإنسانية و الاجتماعية، جامعة معسكر.) مع ا. د. علي رسول الربيعي حول قضيا ومشكلات تواجه الإسلام اليوم.

*  الصورة للدكتور علي رسول الربيعي

 

صفاء الصالحيضارع نجيب محفوظ بالتصاقه بالارض والتمسك بالمكان الذي عاش فيه، والالتحام بقضايا مجتمعه والتعبير عنها تعبيرا فنيا مميزا في ساحة الابداع، لافتا أنظار القرّاء والنقاد المختصين بالسرديّات، ولد الاديب تحسين علي محمد باوه خان السوره ميري المعروف بتحسين كرمياني عام 1959م في مدينة جلولاء، عاش في ارجائها حتى استقرت صورها في أعماقه، وفيها نمت موهبته القرائية، وبات مخزونها الحكائي مصدر الهام لمعظم نتاجاته الأدبية، في جلولاء دارت أهم احداث رواياته، يلاحق الأحداث فيها ويؤسس فضاءً سردياً واضحاً في ساحة الإبداع، استطاع أن يصور بأدق التفاصيل الحوادث التي جرت بشكل خاص في مجتمع مدينة جلولاء (جلبلاء كما يسميها في رواياته) والمجتمع العراقي بشكل عام، منحازاً فيها الى الفئات المعدومة من جهة، والمعادية للظلم والاضظهاد من جهة اخرى، الكتابة عنده مسؤولية مقدسه لا يمكن أن يخونها كالذين تتبدل جلودهم واقلامهم وكلماتهم في ظل اندفاعهم الشره لتحقيق مطالب شخصيّة.

يتمتع كرمياني بتقنيات سردية حداثوية وأساليب ابداعية متعددة، يمتلك أدوات مختلفة، وألوان ادبية متنوعة، يزاوج بها الواقع مع الخيال بطريقة مشوقة وممتعة، يقف في قائمة الكتّاب المتنوعين في انتاجهم الإبداعي والموهوبين بعاطفة رقيقة يقظة، ومشاعر حسّاسة، على الرغم من اصوله الكردية وإتقانه للغتها اختار الكرمياني اللغة العربية وعاءً لنشاطه الثقافي والأدبي فغاص في زواياها، وتمكن من أدواتها، منجز سردياته القصصية والروائية والمسرحية ضاهت وتفوقت بعض الأحيان على نصوص أدباء عرب، وتركت أثراً واضحاً في الثقافة السردية العربية، أغنى مكتباتها بمؤلفاته ما بين القصة والرواية والمسرحية والمقالية والدراسات النقدية التي تناولت منجزه الإبداعي، وسيل الرسائل الجامعية والأطاريح التي نُقشت وطبعت.

عند الحديث عن تحسين كرمياني ادبياً، لا يمكن اغفال شخصيته الانسانية فهي عبارة عن منظومة من القيم الإنسانية بالمقام الاول، مسالمة  تبحث عن الهدوء في واقع شديد الصخب والضوضاء، نرجسي يوازن بين الهدوء والعزلة، وبين التواصل الاجتماعي، يعشق المرح، بسيط يتوالد الحوار الثقافي معه وينضج ويتكاثر بسهولة وبساطته دون تكلفة، رافقته كثيرا بالعمل والسفر، نعم الرفيق المعلم الذي يذكي مراجل الرغبة الكتابية، ونعم المؤنس في الرحلات، سبرت اغوار شخصيته وتحاورت معه كثيرا ولكن حواري هذا اضاءة للقراء والمتابعين الى الطريقة التي يدير بها تحسين كرمياني زنمبرك تفكيرة وزيارة الى عقله وروحه وقلمه:

1306 تحسين كرميان

س: لكل كاتب بدايات، تلازمها مخاوف ومغامرة الكتابة، كيف كانت بدايات كرمياني الكتابية قبل احتراف مهارة الكتابة والتأليف؟ وكيف تعامل مع قلق البداية؟

ج: لا أعتقد بدايتي اختلفت، أو انزاحت عن بدايات أي كاتب آخر، الكتابة نهر جاري علينا أن نتعلم ألف باء السباحة قبل أن نغامر للنزول إلى ماء النهر، في البدء، تحديداً أوان الطفولة غالباً ما تراودنا أشياء مبهمة، تخرجنا من حيزنا المكاني، نشعر بعلو ذواتنا، نفقد وعينا بمن حولنا، تؤرقنا هواجس تضج فينا، لا تسعنا الأرض ولا الفضاء، سعيد من يحالفه الحظ عندما يكتشف معين أحلامه باكراً. أما بخصوص قلق البداية، ربما كلمة قلق كبيرة على عقل الطفل، بل مجهولة، يمكننا أن نقول متعة البداية، عندما يتعلم المرء السباحة، تراه يلاصق النهر، ويركب موجه أكثر من مرة في الساعات الأولى، ربما هي لأثبات الذات من غير وعي طبعاً، أو هي غريزة التفوق. 

س: الادب صورة من صور الحياة، كيف صنع كرمياني من شخصيات واقعية أو متخيلة وجوانب مهمشة أو مقصيّة، من احداث بلدة جلولاء أدب عام وأوصله الى حدٍ بعيد؟

ج: من وجهة نظري، الأدب هو الحياة، الحياة المنشودة، حياة الجمال والسلام، لم تكن جلولاء مدينة عابرة كبقية المدن، بل هي مدينة مفصل حيوي في سفر التأريخ، على أرضها طوى التأريخ صفحة مُظلمة لعبدة النار، وفتح صفحة ناصعة لحملة مشعل النور، على أديمها جرت واقعة جلولاء الشهيرة، فانتقلت المدينة من صفحة النسيان إلى صفحة الخلود، علينا أن ندرك، أن مثل هذه المدن تخزن في أرضها كنوز تتشرب إلى المواليد، جلولاء مدينة أدب وأدباء، مدينة شاكر نوري وجلال زنكابادي وسعد محمد رحيم وصلاح زنكنه وعدنان حسين وجمال نوري وروناك آزاد ورحمن وردة وعادل أصغر وحميد شكر وعامر العلي ومحاورك وووو..ألخ. أينما أحط موطئ قدمي، ثمة صرخة، أو فرحة، أو ومضة فكرة، تدفعني نحو طاولة الكتابة، في جلولاء شخصيات تبحث عن مؤلفين، ناجي وغبين ويحيى وخالد دلي وعدولي وووو. هؤلاء هم من يوصلون الفكرة والكلمات إلى مديات أوسع وأنأى.

س: في تغريده لك زينت بروفايل صفحتك الفيسبوكية ( كلماتي نبض ضميري ، القصة كوخي ، والرواية حديقتي ،والمسرحية أرجوحة قيلولتي ، والشعر قيثارتي ) قبل ان تكون الرواية هويتك الابداعية هل قلت في القصة والمسرحية كل ما تريد أن تقوله، ما الذي تستطيع أن تقوله في الرواية على حساب الاجناس الاخرى؟

ج: مهما كتب ومهما ألف الأديب من كتب، يبقى الأهم مخزوناً في عقله، أنت تذكرني بمقولة شهيرة للروائي الكبير جداً، نيكوس كازانتزاكس، عازف سمفونية زوربا اليوناني، كان على فراش الموت وهو يحتضر، قال لزوجته: أحتاج إلى عشر سنوات أخرى لأقول ما عندي! ليست المسألة تدرج وظيفي، أن يغدو القاص روائياً، موباسان أعظم قاص فرنسي فشل أن يكون روائياً رغم أنه كتب ست منها، وأليس مونرو الحائزة على جائزة نوبل حديثاً كقاصة بارعة كتبت روايات فاشلة، الرواية فطرة وموهبة وليست صناعة وتسلق مراتب، يمكننا أن نشخص الروائي الموهوب من كاتب الروايات من خلال العمل المقروء، شخصياً؛ بعد حفنة خواطر ورسومات، تولعت في المغامرة للسباحة في المحيطات، غامرت كثيراً ولعدم وجود خزين ثقافي، أو تجارب، وربما معلم موجه، كانت سباحتي تنتهي عند مسافة معينة. في الرواية بوسعنا أن نوسع رقعة الحرب ضد اللانظام، ضد الرتابة، ضد القهر العالمي، ضد الجوع والتهميش والإقصاء والحروب المفبركة، في الرواية مساحة أوسع للتعبير وإيصال الأفكار.

س: أحلام وامنيات  تراود الانسان في بواكير العمر، ماهي احلام طفولة تحسين كرمياني ،وان لم يكن ادبياً ماذا تمنى أن يكون؟

ج: تعددت الأمنيات، كانت واحدة منها، بل أعظمها أن أكون مخرجاً سينمائياً، وأخرى في نفس الوزن أن أغدو عداء تاريخياً، الثانية كادت أن تتحقق لولا قساوة العيش في هذه البلاد المبتلى بالأحزان، وتواجدي في بلدة تدفن كنوز الحكايات، كنت عداء أثناء الدراسة وفي الجيش أيضاً.

س: المهرجانات الثقافية، الملتقيات المهتمة بالثقافة والفنون والآداب قد تعتريها بعض الملاحظات،  لكنها ملتقى الادباء والمعنيون في العملية الثقافية، وهي جسور تواصل وفرص تتلاقح فيها الافكار، يؤشر عليك محدودية التواجد في هكذا فعاليات ثقافية وفنية. ما هي اسباب هذا العزوف؟ وما هو تقيمك للحراك الثقافي في العراق؟

ج: لا أعرف ربما هو كسل شخصي، أو ربما لا جدوى منها، لكن السبب الرئيس، هناك موانع قاهرة، متطلبات العمل الوظيفي المرهق، ربما التوقيتات غالباً ما تكون متقاطعة مع سير أعمالي، حياتنا معاناة وإرهاصات، في فترات متفاوتة تواجدت في بعضها، لم أجد ما يغري أو يدفع عربة الموهبة نحو الحلم، وأغلبها تقام تحت غطاء حكومي، ثق أن الكلام الشائع على لسان كل أديب يحضر المهرجانات هو؛ ’’نأتي لنلتقي بالأصدقاء‘‘. أصبحت الملتقيات كالفواتح، تجتمع العشيرة تحت خيمة العزاء للتحاور في شؤون وشجون الذات، لا أن تحزن على الفقيد. لا قيمة لها مختصر مفيد، إذا أستثنينا فرحة اللقاء بالأحبة.

س: الكتاب هو صانع الأديب، بمن تأثرت ولمن تقرئ حالياً؟

ج: التأثر وبال عضال لا فكاك منه كالأمراض المزمنة، على الأديب أن يتعامل بحساسية مع الكتاب أو مع أديب يتعلق به، كثيرون سقطوا في أساليب الآخرين وتعذر عليهم الخروج من معطف غوغول. الكتاب لا يصنع الأديب، هناك قراء يسمونهم دودة كتب، لكنهم عاجزون من كتابة رسالة أو حتى خاطرة، الأدب موهبة قبل كل شيء، والموهبة نبتة غريبة في حديقة، تحتاج إلى اهتمام استثنائي، إلى عناية مركزة، لجعلها شجرة مثمرة. حالياً أتجول من كتاب إلى كتاب، تارة رواية وتارة مسرحية وتارة شعر، وتارات أكثر التأمل ومراجعة الذات والكتابات المهملة في صناديق الذاكرة أو المدونة على أوراق ودفاتر.

س: هل تتفق على أن الرواية كفن يرضي جمهور العصر(عصر السرعة فن المركبة والخفيف)؟ هل تتطور الرواية تطوراً من حيث المعنى والمضمون بحيث تواكب فن المركز و الخفيف؟

ج: رغم أن تراثنا زاخر بسرديات حفلت بالبلاغة والسير الشعبية والمقامات والمطولات الشعرية، لكن الرواية كما هي الآن، ولدت في الغرب، من وجهة نظري، كانت الرواية تلفاز الأزمنة القديمة فقي الغرب وما زالت، مثلما كان القصخون هو تلفاز أجدادنا، كانت صحفهم تنشر الروايات المتسلسلة، تزدحم أكشاك بيع الصحف بالناس لمواصلة أو ملاحقة الأحداث، مجتمعنا كسول ثقافياً، الأدب لدينا نخبوي، أو من متطلبات الدراسة، الأدب لدينا غاية، كم أديب نال الدرجة الأكاديمية وترك القراءة والكتابة، يتعذر إحصاءهم طبعاً، هم لا يتحملون المسؤولية كلها، لا توجد دوافع مالية كي يتنافسوا على الإبداع، نحن نعيش في وطن محاصر بسياسات قمعية، حروب تتبع حروب، نعم؛ القمع والحروب حاضنات للإبداع، لكن يجب أن يغامر الأديب بحياته كي يبدع، أن يسجن أو يهاجر، في وطننا الأدب يعتبرونه نوع من الترف، أو مهنة العاطلين، في الغرب؛ الأدب مهنة عيش، وظيفة خلاقة، بوسع رواية واحدة أن تؤمن حياة كريمة لأي روائي غربي وأن يمده بطاقات خلاقة كي يواصل مهنته. الناس تريد أشياء جديدة، خيال خارق، حوادث ممتعة، ألاعيب سحرية، باتت الرواية النبيلة أن جاز لنا التعبير مسورة بسياج لا يجتازه إلاّ القلّة المحافظة على رصانة البناء والفكرة والفائدة.

س: الحوار وسيلة رئيسة من وسائل السرد ، هنالك من اعتمده بشكل مطلق لبناء رواياته ، وهناك من جعله  فرصة لدسّ أفكاره بين  ثنايا أقوال وافكار الشخصيات! كيف وظف تحسين كرمياني الحوار في منجزاته الادبية؟

ج: الحوار عنصر حيوي من عناصر الرواية، أعتبرها حلوى منثورة لإطعام القارئ، وفرصة لإشراكه في النص كقارئ ضمني، هناك إتهام نقدي على أن الراوي غالباً ما يتستر خلف شخصياته لتمرير أفكاره، أتهام مشروع، سبق وأن قلنا أن الرواية حاضنة أفكار ورؤى ورغبات وتصادمات وصراعات وحلول، الرواية بلا حوار رواية خرساء، أو إنشاء محض، افتقار الرواية للحوار يفقدها دراميتها، الحوار من وجهة نظري فاكهة السرد. كنت أعاني من كتابة محاورة واحدة، وهذا واضح في قصصي الأولى، في مجموعة هواجس بلا مرافئ، أو في بقايا غبار، لكن الدربة والخبرة وقراءة المسرحيات حقنتني بمحيط زاخر وكلام عميق وبليغ، لا قيمة للحوار ما لم يكمل أو يتجسد في روح النص ويفعله. ولأننا أمّة بلاغة وحب الثرثرة، وجدت الحوار وقود دافعة لإبقاء الرواية متوازنة وهي تنطلق نحو ضفة السلام.

س: طقوس الكتابة والقراءة ما بين التنظيم والتلقائية ، ما هي طقوسك عند الكتابة والقراءة ؟

ج: كل مهنة لا يمكن إتقانها ما لم تجرى تدريبات أولية لها، شفهية وعملية، الجندي يتلقى التدريبات على السلاح في قاعات المحاضرات ثم يدرب عملياً على الرمي في مثابات قبل أن يزج في مناورات أشبه بالحروب الحقيقية، كذلك الكتابة، لابد من قراءات وتدوين ملاحظات وأفكار قبل الجلوس إلى طاولة الكتابة، طقوس الكتابة تتشابه عند الأدباء، ربما هناك بعض الشطحات المفتعلة، في كتاب ’’ كبار الكتاب كيف يكتبون‘‘ وربما كتاب ’’ طقوس الكتابة ‘‘ بأجزائه الثلاثة، وهناك الكثير من المؤلفات التي تتصدى للطقوس، يمكننا أن نطلع على طقس كل كاتب، الطقوس مزاج، والكثير من الأدباء يفتعلون طقوس غرائبية لأنفسهم، أنا كاتب كسول رغم ما أنتجت، الحياة أتعبتني، نوعية الوظيفة، التنقلات، اللا استقرار، أقرأ بشكل متقطع، أقرأ صفحات وسبب الانشغال الحياتي والوظيفي، أحياناً بل دائماً أرمي الكتاب جانباً إلى لا رجعة، الكتابة عندي مزاج، أحياناً أكتب بسرعة وغالبا ما أتوقف إلى فترات طويلة.

س: في اميركا تُعَدُّ مهنة التأليف واحدة من افضل عشر مهن، حيث يستطيع غالبية المؤلفين العيش من دخل مؤلفاتهم ،الا ان الاديب العراقي ما زال يدفع نفقات الطباعة للدار الناشرة الا في حالات نادرة، في اعتقادك الى متى ستبقى محنة الاديب العراقي قائمة هذه؟

ج: في الغرب، يمتلك الفرد وقتاً للترويح عن النفس والترويح أو تفعيل العقل، هناك دعايات براقة، وشركات ترويج للكتب، وهذا يدي إلى خلف أجواء التنافس نحو الأجدر، الناس في الغرب تقرأ، أما نحن ما زلنا نعتبر القراءة بطر وتعقيد وخبال إلى حد أقوال الكثير، ستبقى محنة الأديب العراقي والعربي فعّالة إلى أبد الآبدين.

س: كيف تغدو الرواية عالمية في نظر كرمياني؟ هل من خلال اختيار ابطال عالمين أو أماكن عالمية أو ترجمة الرواية الى اللغات العالمية أم نيلها الجوائز؟

ج: عالمية الرواية تبدأ من الترجمة إلى اللغات الأخرى، الرواية العربية مقصية، هناك مافيات تعمل على تعطيل هذه الأمة التي جعلها الخالق وسطاً بين الناس، الحرب عليها يشمل ويبغي شل كل مفاصلها، عسكرياً، علمياً، اقتصادياً، أخلاقياً، تراثياً، أدبياً، سياسياً. وووو.. ألخ. العالمية صناعة وتجارة، الجوائز باتت نافذة للتعريف والشهرة في يومنا هذا، الحياة على وجه البسيطة أصبحت ظواهر وتسارع من أجل الظفر بأكبر كمية من السعادة وأن كانت مزيفة أو وهمية. هناك من يحاول تحت مفهوم حوار الشرق والغرب أن ينتج روايات غالباً ما يخفق في إرضاء المجتمع الغربي.

س: في الادلة النقلية إن العلاقة بين الدين و الأدب منذ نشأة الأدب ، لم تكن علاقة عداوة ونفور ،لماذا تصر الإيديولوجيات الحداثية اللادينية بتجاهل هذه العلاقة ؟ وهل للأديب الحداثوي ان يصرم أي صلة بينهما حتى ينجز فناً ذا قيمة، ووعيا معرفيا بخصائص جمالية ؟

ج: من وجهة نظري؛ الأدب هو الأبن الشرعي للدين، أقصد بالدين، الكتب المقدسة، من الدين ولد الأدب، التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، هي من فجرت مخيال البشر وأوصلته إلى خلق أجواء مبتكرة، كونها زاخرة بالغرائبية والعجائبية على العقل البشري لحظات نزولها، أنها حافلة بالنغمة الموسيقية، تعاليم وآيات تناغمت طردياً وعكسياً مع القلب والعقل، لذلك وصفوا الرسل والأنبياء بالشعراء المجانين، لقوّة وجمال وسحر الكلام الجديد على عقولهم! خاطئ من ينسلخ من مكونه الديني، الدين فطرة البشر، من الدين ولدت الفلسفة والشعر والبلاغة وفيما بعد السرديات، أمّا بخصوص الحداثة، هناك اختلافات في فهمها، منهم من يرى؛ تخليص الكتابة من شعريتها ونثريتها وسفاسفها الفضفاضة هي حداثة، ومنهم من يرى الحداثة خلق أساليب غير تقليدية وكسر الثوابت، لو تفحصنا القرآن لوجدنا الحداثة في قمتها عندما نزلت على قريش، جنّ جنونهم، وتحداهم الرب بلغتهم، نجد كل المفاهيم النقدية متواجدة في محكم آياته، الموجز والانزياح والانتقالات والبلاغة والجمالية والتشويق ويسر القراءة وقوّة الثبات ومبعث السرور والمحاورات العميقة وووو.. ألخ. تجاهل ما رمت إليه لسان حال الأحزاب العلمانية، وهم سليلو الأقوام التي حاربت الرسل وما جاءوا به. ربما نحتاج إلى محاورات طويلة لهذا السؤال المهم والحيوي، مختصر كلامي، الأدب مذ ولد كان لسان حال المتصعلك والمقصي والمهمش والمظلوم والعاشق الولهان، تطور الحياة فتحت أنفاق جديدة للأدب ليتفجر ويسلك مسالك مبتكرة نسميها حداثة.

س: كرمياني الروائي والقاص والتغريدات، كيف ترى وأين موقعك الحقيقي؟

ج: ربما في كلهن، قد تتفوق الرواية إلى حدٍ ما، الرواية عالم بلا حدود، ما أن تركب مركبة الخيال، حتى تجد نفسك عائماً فوق محيطات من الأفكار والكلمات، كتبت القصة وأنجزت 5 مجاميع، أنهيت مجموعة سادسة لكن فايروس عابر أطاح بالعديد من منجزات أدبية ما بين الرواية والقصة والنثريات قطعت فيها أشواط لا بأس بها في جهاز اللابتوب، أمّا التغريدات هي مقبلات يومية شهية، ربما تثير الحساسية عند البعض، لكنها تحمل محمولات واقعنا، سياسياً وعاطفياً، نطعم بها حياتنا كي لا تتوقف مركبة الكتابة، وهي حوار مفتوح وتواصل فعّال مع الأصدقاء، نحتاج إلى اللواذع والسخرية كي ندفع عن أنفسنا تراكمات اليأس جرّاء أوضاعنا المتردية.

***

حاوره صفاء الصالحي

...........................

- النتاج الروائي:

1- رواية الحزن الوسيم – دار الينابيع – دمشق 2010.

2- رواية بعل الغجرية – ط1 دار الكلمة – مصر 2010 . ط2 دار تموز – دمشق – 2011.

3- رواية قفل قلبي – دار فضاءات – عمان 2011.

4- رواية أولاد اليهودية – دار تموز 2011 .

5- رواية حكاياتي مع رأس مقطوع – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت2011.

6- رواية زقنموت – المؤسسة العربية للداسات والنشر – بيروت 2013.

7- رواية ليالي المنسية – المؤسسةالعربية للدرراسات والنشر – بيروت 2014.

8- رواية ليلة سقوط جلولاء – دار سطور – بغداد 2019.

- نتاجات اخرى

1- هواجس بلا مرافئ (مجموعة قصصية) دار الشؤون الثقافية – بغداد 2001.

2- ثغرها على منديل (مجموعة قصصية) دار ناجي نعمان – بيروت 2008.

3- بينما نحن بينما هم(مجموعة قصصية) دار الينابيع – دمشق 2010.

4- بقايا غبار(مجموعة قصصية) دار رند – 2010.

5- ليسو رجالاً ( مجموعة قصصية) دار تموز – دمشق 2011.

6- منأجل صورة زفاف (مسرحيتان) دار تموز – دمشق 2011.

7- البحث عن هم (مسرحية) دار تموز – دمشق 2011.

8- خوذة العريف غصبان (خمس مسرحيات) دار تموز – دمشق 2011.

9- عايش (مسرحية) دار تموز – دمشق 2013.

10 - المقموعون (مسرحية) دار تموز – دمشق 2015.

11ـ امرأة الكتاب ( مقالات) دار تموز -2011 .

12- السكن في البيت الأبيض ( مقالات) دمشق 2015.

13 – منثورات ( شعر ) دار تموز 2015.

- نقد ودراسات:

1- نكهة الرد في قصص (تحسين كرمياني/عبدالله طاهر البزرنجي/ عيفاء زنكنة/ رسالة ماجستير كلية التربية – صلاح الدين – قسم اللغة العربية – للطالب وسام سعيد – ط1 – دار تموز دمشق 2013.

2- التشكيل السردي الحواري في قصص تحسين كرمياني رسالة ماجستير – للطالب حازم سالم ذنون – جامعة الموصل كلية التربية الاساس  قسم اللغة العربية ط1 – دارتموز – دمشق 2013.

3- مغامرة الكتابة في تجربة تحسين كرمياني ( نخبة من النقاد والدارسين)أعداد ومشاركة الدكتور محمد صابر عبيد وآخرون(22بحثا أكادمياً) طبعة1- عالم الكتب – عمّان 2012 طبيعة2 دار غيداء – الأردن 2015.

4- الشخصية في روايات تحسين كرمياني أطروحة دكتوراه للطالب حامد صالح القيسي – المعهد العراقي للدراسات العليا ط1- دار تموز – دمشق 2014.

5- التبئير السردي في روايات تحسين كرمياني رالة ماجستير- للطالب بختيار خدر أحمد – كلية اللغات – جامعة صلاح الدين – قسم اللغة العربية  - ط1 دار تموز – دمشق 2015.

6- المنجز العربي للروائيين الكرد – رسالة ماجستير- للطالبة ميديا نعمت علي – جامعة بغداد – كلية التربية (ابن رشد) – قسم اللغة العربية – 2015 – ط1- دار تموز 2016 .

7- البنية السردية في رواية – حكاياتي مع رأس مقطوع – لتحسين كرمياني – أطروحة ماجستير للطالب أكبر فتاح – كلية اللغات – جامعة السليمانية  قسم اللغة  العربية 2015 ط1 دار تموز – دمشق – 2015.

8- تجليات المكان في روايات تحسين كرمياني للطالب قصي جاسم الجبوري – أطروحة ماجستير – جامعة آل البيت – عمان – الأردن – قسم اللغة العربية – 2015 ط1 دار تموز – دمشق – 2016.

9- الحوار في روايات تحسين كرمياني – الحزن الوسيم/أولاد اليهودية/ زقنموت – رسالة ماجستير للطالب – صابر إبراهيم صابر – جامعة يوزونجويل – كلية الإلهام – قسم اللغة العربية – تركيا – 2016.

10- الحوار والعناصر السردية في رواية – ليالي المنسية – لتحسين كرمياني – للطالب سامان إبراهيم سمايل شيركه وي – مجلس فاكلتي الآداب – جامعة سوران – قسم اللغة العربية – 2017.

11- روايات تحسين كرمياني – من غواية القراءة إلى تجليات المنهج – 15 دراسة أكاديمية. اعداد ومشاركة الدكتور  سامان جليل ابراهيم – ط1 دار سطور- بغداد – 2018 .

12- المنجز العربي للروائيين الكرد العراقيين – دراسة في روايات ما بعد الحداثة أطروحة دكتوراه – ميلسون نوري نواف – كلية ابن رشد – ط1 دار رؤى – السليمانية 2019

 

** ندوة ادبية: قراءات في رواية ( ليلة سقوط جلولاء) لتحسين كرمياني – منتدى من أجل خانقين – 2/10/2019  قدمت فيها البحوث الأكاديمية:

** سلطة الهامش قراءة تأويلية . أ . م. د حسين عمران محمد

** تجاذبات الاتجاهين الواقعي والغرائبي . م . علي محمود  أحمد

**جدلية العلاقة بين المكان والذاكرة . م . ندى حسن محمد

** التساؤلات السردية وأثرها في توجيه النص . الأستاذ الروائي آريان صابر الداودي.

***

وقد توجت البعض من منجزاته الإبداعية على عدة جوائز محلية وعربية ابرزها:

1- المرتبة الثالثة عام 1991 عن قصة (ليلة النصر المبين).

2- المرتبة الأولى عام 2003 غن قصة(يوم اغتالوا الجسر).

3- جائزة الابداع عن المجموعة القصصية (ثغرها على منديل) ضمن مسابقة ناجي نعمان الثقافية الدورة الخامسة 2007 لبنان .

4- المرتبة الأولى عام 2008 عن قصة (مزرعة الرؤوس ) في مسابقة (مركزالنور- السويد).

5- المرتبة الثانية عام 2011 عن رواية (أولاد اليهودية ) في مسابقة مؤسسة – الكلمة – مصر – مسابقة نجيب محفوظ للقصة والرواية – الدورة الثانية – 2010.

 

 

1281 يلماز غونايأجريت معه بمناسبة تواجده في فرنسا عام 1983 وعرض فيلمه  "الجدار" في فرنسا وفوزه بالجائزة الكبرى السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي، قبل وفاته ببضعة أشهر

 

س: السيد يلماز غوناي أنت تعتبر واحداً من أهم الوجوه الثقافية والفنية في تركيا اليوم ولك أهمية ومكانة تساوي وتعادل أهمية ومكانة كبار الفنانين والأدباء الأتراك الذين عرفهم العالم . لكننا نريد منك تقديم نفسك إلى القراء العرب

غوناي: أنا من مواليد منطقة " أدنة" التركية  التي انحدر منها الكاتبان العظيمان أورهان كمال ويشار كمال، وهي منطقة واقعة في الجنوب الشرقي من تركيا في الوادي الكبير المسمى " كوكورفا" ويغذيها نهران مهما هما " سيهان وكهيان" وهذه المنطقة توفر للوطن المناخ الجغرافي المثالي  وأفضل الشروط للنشاط الزراعي الغني حيث يتواجد فيها الخضرة الدائمة، وهي أيضاً مركز مهم ومشهور في زراعة القطن، بالإضافة إلى ذلك فهي بقعة تغص بالبشر ومهددة بانفجار سكاني حيث يوجد تكاثر سكاني هائل فيها وهي منطقة فريدة ومتميزة بالعنف وقساوة الحياة اليومية ويسودها قانون الدفاع الذاتي فكل واحد من سكانها يمتلك سلاحه الخاص ويمكننا أن نعتبرها نموذجاً مصغراً لتركيا المعاصرة وما يموج فيها من تناقضات .

 

س: إذن أنت تنتمي إلى هذه المنطقة وبديهياً إلى طبقة اجتماعية  معينة ومحددة فهل لك أنت تحدثنا عن تربيتك وأصلك العائلي  والطبقي؟

غوناي: ولدت في وسط عائلي متواضع، بل وحتى فقير نسبياً. وكنت أحد سبعة أطفال يعيلنا والدي الذي كان عامل موسمي، كانت العائلة تعاني من الفقر ومهددة بشبح الحاجة والعوز المهيمن عليها . لقد كنا غارقين في خوف مستمر من الجوع والتشرد في ليلة ما في أي وقت.

 

س: بعد هذه الطفولة المعذبة، كيف كانت بداياتك الفنية والأدبية واحتكاكك بالعالم الثقافي؟

غوناي: لقد جئت إلى المدينة الكبيرة الهائجة اسطنبول بأعوامي التسعة عشر واستقريت فيها ولم يكن ذلك بالأمر السهل . كنت مجبراً على البحث عن أي عمل لكسب لقمة العيش، لكنني كنت منذ ذلك الحين أكتب القصة القصيرة  والشعر، وقد حاولت التعرف على أشهر الشخصيات السينمائية المتواجدة في ذلك الوقت إذ كانت السينما تستهويني جداً وهي من أهم أدوات التعبير الفني ولقد نجحت في محاولتي تلك واخترقت جدار الصعوبات . كانت أول الشخصيات التي كان لها الأثر الحاسم في حياتي الفنية والمهنية وفي اتجاهي واختياري المهني، مما كيف مستقبلي السينمائي، هي شخصية المخرج السينمائي عاطف يلماز الذي وفر لي فرصة البداية الحقيقية واستخدمني كممثل وعلى مدى عشر سنوات حيث مارست هذه المهنة بفضله.

 

س: هل كان عملك في الحقل السينمائي  والأدبي متواصلاً  أم إنك عشت فترات من الانقطاع القسري أجبرتك على ترك العمل الفني؟

غوناي: في الواقع كانت هناك استمرارية  عدا سنتين بداية سنة 1961 حيث أعتقلت وحوكمت وسجنت بتهمة الشيوعية لكن ذلك لم يؤثر علي قط . وكنت قد تحدثت عن هذه التجربة في إحدى قصصي التي نشرت فيما بعد وعرضت فيها بأمانة ما حدث لي اعتماداً على تجربتي الشخصية المعاشة وتجارب الرفاق الآخرين . ومنذ ذلك الحين وأنا أمين  ومخلص لهذا الخط الواقعي  الملتزم في كل أعمالي سواء السينمائية منها أو الأدبية.

 

س: كيف كانت الانعطافة  في حياتك السياسية  والفنية لأننا نعرف أن ماضيك الفني  متنوع المستوى والقيمة؟

غوناي: تقصد أنه متباين المستوى، أنت محق لكن أعمالي التجارية الهابطة كانت مفيدة لي من زاوية أخرى اكتسبت من خلالها التجربة اولاً، ومن ثم، وبفضلها تكونت شهرتي ومكانتي الفنية والتجارية  وثقة المنتجين  والجمهور بي وبما يضمنه إسمي لهم من أرباح ونجاح ومردود تجاري ومالي مما شجعني على  المطالبة بإخراج أفلامي بنفسي وكنت أريدها أن تكون أفلاماً مختلفة وذات أطروحات ومواقف سياسية واضحة وتسترشد بالماركسية كفلسفة للإنسانية جميعاً وكمبدأ  ومنهج جمالي وفكري ملتزم، ألتزم به وأسير على خطاه. أعترف لك بأنني في بداياتي لم أكن أفهم الماركسية  فهماً عميقاً وصحيحاً وعلى نحو متطور  وعقلي  كبقية المثقفين وإنما اعتنقتها من منطلق عاطفي لأبعادها الإنسانية ولعدالة موقفها من الإنسان والطبقات المسحوقة  والفقيرة والبروليتاريا . لكن هذا الالتزام قد تبلور وتطور فيما بعد وأضحى قناعة ثابتة وراسخة لا تتزعزع.

 

س: مالذي ساعدك على هذا الفهم والتعمق  بتلك المباديء النبيلة والتقدمية، وكيف أتيحت لك الفرصة لكي تهضم تعاليم الماركسية اللينينية في مجالي الأدب والفن؟

غوناي: إقامتي في السجن هي التي صقلتني وأتاحت لي فرصة الاطلاع على الكتب والأدبيات الماركسية الرصينة وكذلك الالتقاء بكثير من الرفاق  والمسؤولين والمثقفين. من هنا ترسخت لدي إرادة قوية بأن أكرس فني وطاقاتي  وجهودي لإدانة الظلم الاجتماعي ودحض الفاشية والدكتاتورية  والتحريض على الانتفاضة  لقهر الظلم  بقوة لسلاح إذا تطلب الأمر ذلك ومحاربة المستغلين  لقهر الفقر الذي ترزح تحته الطبقات  المسحوقة  والمستغلة  ولمعاقبة المفسدين والمستغلين  ورجال السلطة الفاشية  حيث اعتبرت ذلك بمثابة دين علي تجاه طبقتي وشعبي.

 

س: بعد رصيدك الطويل في مجال التمثيل  اتجهت للإخراج كيف حصل ذلك ومتى؟

غوناي: كان التحول للإخراج ضرورة أملتها علي الظروف  ونمو الوعي السياسي والفني . فأنا لم أمارس التمثيل  فقط بل كتابة القصة والسيناريوهات والأدب، أما الإخراج فقد حصل ذلك لأول مرة في سنة 1968 عندما قررت إخراج فيلم " سيد هان" وهو عن قصة حب عنيفة وقاسية كانت نهايتها مفجعة بسبب التقاليد الإقطاعية  الموروثة في شرق البلاد . لم يكن الفيلم على مستوى طموحاتي فقد جاء ضعيفاً في مفرداته الإخراجية ولغته السينمائية لكنه كان فيلماً نظيفاً على أية حال. المهم أنني، ومن خلال تجربتي في هذا الفيلم، تعلمت الكثير من أسرار المهنة  وقدرت أيضاً إمكانياتي على الخلق وخوض هذا المجال الجديد على والتخصص الجديد . ثم تبعت ذلك الفيلم بضعة محاولات كانت متقدمة عليه بشكل أو بآخر، فقد كانت أكثر رزانة  وإتقان ودقة في الإدارة من الناحية التقنية ومن جانب الموضوع والمضمون أيضاً مثل فيلم " الذئاب الجائعة " و فيلم " الرجل القبيح"، وعلى الأخص فيلم " الأمل" الذي أخرجته سنة 1970 .

 

س: على ذكر فيلم " الأمل" أعتقد أن هذا الفيلم له أهمية بالغة في مسيرة السينما التركية، وله مكانة خاصة عندك وفي تاريخك السينمائي كمخرج. هل يعود ذلك لمضمونه وموضوعه أم لأن إسمك هو الذي كان وراء هذا الاهتمام بالفيلم، وكلنا يعرف مدى قوة تأثيرك غير المحدودة على الجمهور وإنك تمتلك ما يشبه الحصانة الجماهيرية  مما جعل السلطات تتخوف منك ومن أعمالك؟

غوناي: سأجيب أولاً على الشطر الثاني من السؤال. تأثير إسمي يعود لشهرتي الجماهيرية كنجم وممثل سينمائي في البداية قبل أن أتحول للإخراج. فقد دخلت ضمن دائرة النجومية وأديت أدواراً متنوعة، منها الجيد ومنها التافه والرديء لكنها كانت قريبة من الذوق العام ضمن إطار الأفلام التجارية السائدة، ومن هنا خلقت أسطورة ونجومية غوناي كما بالغ في ذلك النقاد كثيراً. أما فيما يخص فيلم " الأمل" فأعتقد أنني، بممارستي الإخراج واندفاعي والتزامي السياسي، قد قطعت الجسور نهائياً مع ما أصطلح على تسميته بالسينما التجارية ذات المواضيع التخديرية التي تدفع المشاهدين للهروب المؤقت من واقعهم البائس والتعاطي مع مواضيع ذات هموم برجوازية  وشخصيات نمطية . فمع هذا الفيلم التجأت إلى محاولة خلق البطل الواقعي الإيجابي، وطرق المواضيع ذات  الأجواء والأطروحات  والمعالجات الواقعية الحية، وهجرت  كذلك النهايات السعيدة التي عودتنا عليها السينما الأمريكية الاستهلاكية المسمومة والمواضيع الميلودرامية الساذجة.

 

س: وماذا أضاف هذا الفيلم للمشاهدين فيما يتعلق بالمفاهيم السائدة عن البطل التقليدي في السينما التركية والذين اعتادوا أن يروه فيك على تفاوت مستوياتهم وأذواقهم؟

غوناي: حطم هذا الفيلم أسطورة  البطل المثالي  الذي لا يقهر  والقادر على كل شيء  والمنتصر دوماً . فقد طرح الفيلم مفهوماً جديداً يقول بأن لا حلول ممكنة حقاً إذا كانت المحاولات فردية  وإنه لا بد من العمل الجماعي  والتكاتف  والاهتداء بفكر نير واعي  وتقدمي ملتزم  ومنظم سياسياً . وهنا مكمن الخطورة لمثل هذه الأطروحات  وأعتقد أن الكثير من الجمهور قد فهم بشكل جيد مغزى هذا التحول وصلاحيته  وهذا هو جوهر رسالتي عبر السينما.

 

س: كيف استطعت أن تواصل خطك هذا رغم ما نعرفه من صعوبات وعقبات تقف في وجه الفنانين الجادين  خاصة المناضلين التقدميين  وهم يشقون طريقهم الشاقة بصعوبة بالغة في وسط غابة الفن التجاري الرخيص  بغية الوصول إلى جمهورهم وبث الوعي والأمل في نفسهم وحثهم على المواصلة؟

غوناي: بالنسبة لي لم يكن ذلك بالأمر الصعب نظراً لشهرتي ولكوني محبوباً جداً ومعروفاً لدى الجمهور وإسمي مضمون  وكنت أربح كثيراً  لذا لم أكن محتاجاً للآخرين حتى أواصل مهمتي على عكس الفنانين التقدميين الآخرين في أماكن وظروف أخرى، فهم يعانون الأمرين . لقد ساعدت كثيراً من الرفاق الفنانين الذين كان يواجهون صعوبات كبيرة في العمل . ثم أنني كنت قد أسست شركتي الخاصة في الإنتاج ولم يكن علي رقيب  أو منتج ليملي علي شروطه أو يمنعني من عمل ما أريد سوى الرقابة السياسية للدولة الفاشية بالطبع.

لقد أوقفتني السلطات التركية وسجنتني على إثر  الانتفاضة الشعبية التي حدثت في مارس آذار 1971 والتي حصل فيها تدخل العسكر في الشؤون السياسية ولعب الجيش دوره القمعي القذر لحسم الموقف لصالح الزمرة العسكرية  الفاشية القذرة الحاكمة وكنت قد انتهيت للتو من إخراج فيلم " الأب" وهو عن قصة للكاتب الكبير والمشهور " بكر يلدز " وبدأت بتصوير ثلث فيلم " الفقراء" الذي لم يكتمل حيث أدخلوني  السجن ولم تكن تلك أول و لا آخر مرة أدخل فيها سجون الطغمة الحاكمة في تركيا إلى يوم الناس هذا.

 

س: إن اعتقالك لم يكن أمراً عادياً  وقد أثار ردود أفعال عنيفة وضغوطات كبيرة في الداخل والخارج، ألم يخلق لك ذلك مشاكل داخل السجن مع المسؤولين، وكيف أمضيت أوقاتك في السجن؟

غوناي: فعلاً لم يكن سجني سهلاً على الحكومة ولم يمر مرور الكرام، فقد أثار زوبعة من الاحتجاجات كما سمعت واستلمت مئات الرسائل المؤيدة  والمشجعة لي من قبل شخصيات معروفة عالمياً لم أكن أعرفها من قبل وكلهم كانوا يطالبون بإطلاق  سراحي  لذا لم يتجرأ أحد على إيذائي أو تعذيبي أو إساءة معاملتي كما فعلوا مع غيري بهمجية تفوق التصور . وقد استفدت من إقامتي في السجن لكتابة روايتين وكثير من الكتابات والمشاريع لسيناريوهات سينمائية  مستقبلية كان أولها فيلم " الرفيق" . كانت في ذلك الوقت مشكلة التمزق الثقافي  مطروحة ومسألة تبني  الطبقات البرجوازية الغنية لنمط الحياة الغربية وتقاليدها وأفكارها الرأسمالية الاستغلالية في مواجهة حياة الفقراء والفلاحين  والطبقات المعدمة  التقليدية التي تعود بجذورها إلى الإغريق والعرب، وتأثير الدين عليهم . كل هذه المشاكل كانت تؤرقني  وتتملكني  وأنا أفكر فيها في السجن وكان مشروع فيلم " الرفيق" هو المخرج لتوصيلها من خلال لقاء صديقين من طبقتين وعقليتين  مختلفتين وكان فيلما سياسياً ولكن ليس على نحو مباشر.

 

س: أنت تتكلم باستمرار عن الفلاحين  والكسبة والفقراء والطبقات المسحوقة  لكنك لم تلفظ كلمة العمال، فهل للعمال نصيب في أعمالك السينمائية باعتبارك فنان ماركسي لينيني؟

غوناي: في مجتمع مثل مجتمعنا، وكذلك أغلبية مجتمعات العالم الثالث،  لا توجد طبقة عمالية بالمعنى العلمي والطبقي للكلمة، أي على شكل  الطبقة العاملة التي تكونت وتطورت في الغرب . فنحن مجتمعات زراعية أكثر منها صناعية وعندما أقول الكسبة والفلاحين  والباعة فهم بالنسبة لي عمال يتميزون عن الأثرياء  والتجار وأصحاب رؤوس الأموال الذين يستغلونهم في كل أنواع العمل الذي يقومون به ومع ذلك فهناك فيلم أعتز به وهو فيلم " القلق" الذي تحدث عن مأساة العمال الموسميين الذين يشتغلون بجني أو قطف القطن  لحساب الإقطاعيين الأغنياء، وكان أبي أحد هؤلاء العمال الموسميين وتدور أحداث الفيلم في " أدنة" مسقط رأسي لكني لم أتمكن من إخراج هذا الفيلم بنفسي بسبب وجودي وراء القضبان فقد كتبت السيناريو وأنتجته وكلفت مساعدي ورفيقي شريف غورين بإخراجه ففعل ذلك بجدارة وجاء فيلماً مؤثراً وذو إيقاع منفعل وعنيف . أما فيلم " الفقراء" فقد قام بمونتاجه النهائي وأكمل تصويره زميلي المخرج الكبير عاطف يلماز بالاستعانة بملاحظاتي وبما صورته من الفيلم قبل دخولي إلى السجن . ومن بعد ذلك طلبت من المخرج الصديق والرفيق زكي أوكتن أن يواصل إخراج ما أعددته من سيناريوهات كفيلم " العدو" وفيلم " القطيع " وكان إخراجه رائعاً ومتكاملاً ومتمكناً تماماً، والأهم من كل ذلك، أميناً للغاية لخطي وأفكاري والتزامي الفكري والسياسي لكنه أضاف لهذين الفيلمين عمقاً إنسانياً ومسحة غنائية شاعرية أصيلة كنت أتمناها لو كنت أنا مخرجهما فهو لم يقصر بعمله .

 

س: إذن فالسجن لم يمنعك أو يعرقل جهودك في مواصلة عطائك الفني والسياسي؟

غوناي: لا تنس أنني لم أكن في وضع يمكن مقارنته ببقية السجناء المظلومين، سياسيين كانوا أم غير سياسيين، فقد كنت محتجزاً في شبه جزيرة وفي الهواء الطلق أقرأ وأكتب كثيرا وأزرع الطماطم والخضروات. هل تعلم أنه ليس في قدرة أي شخص غيري أن يزرع ويعتني بمثل هذا النوع من الطماطم الكبيرة والجميلة . أعتقد أن بإمكاني عمل أشياء لا يقدر عليها أحد غيري أو على الأقل يعملها بطريقة تختلف تماماً وقد لا تكون الأفضل " كان يروي لي قصة زرع الطماطم وهو يضحك لأنه نشاط كان يقوم به لتزجية الوقت وقتل الروتين "

 

س: ماذا كنت تقرأ في السجن؟ ماهي الكتب أو المواضيع التي كانت تستهويك وكانت المفضلة لديك أكثر من غيرها؟

غوناي: الكتب السياسية بالدرجة الأولى وأيضاً البحوث الاجتماعية والاقتصادية  والعديد من النتاجات الأدبية والفنية. فأنا أكتب إلى جانب السينما في مجال الأدب  وكذلك أكتب مقالات سياسية تعالج القضايا الملحة والحساسة داخلياً وعالمياً والتي لها تأثير عما يدور في الوطن . من هنا أعتبر نفسي مناضلاً سياسياً في المقام الأول وبعدها سينمائي وأديب بالدرجة الثانية .

 

س: إذن فالسينما بالنسبة لك هي وسيلة لإيصال النص الأدبي والموضوع السياسي، وهي وسيلة تعبير مستقلة تمر عبر قنواتها المواضيع والرسائل المطروحة، التقدمي منها والرجعي، الجيد والرديء؟

غوناي: بالطبع أنا فنان بصري، فنان ذو رؤية بالدرجة الأولى  والكتابة عندي لها استقلالية عن تفكيري الصوري . لقد كتبت أربعة روايات  وعشرات القصص القصيرة  والعديد من القصائد والمقالات والسيناريوهات لكن الجانب الأدبي لم يدفن أو يهيمن بأي حال على الجانب الصوري  والتخيلي عندي. وأنا أنطلق دائماً من مخيلتي . فنقطة الانطلاق لأي عمل هي دائماً مجموعة من الصور التي تتراكم في ذهني كالرؤيا أو الحلم في اليقظة . فعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت هناك صورة تلح علي كالكابوس وكانت الأصل والقاعدة والأساس لفكرة فيلم " الأمل" وهي صورة لرجل يسير في عمق صحراء شاسعة مجهداً ليرمي جثة حصانه الميت . وعند ذلك تبلورت وتكاملت فكرة الفيلم لكني لم أهمل هذا المشهد بل أدخلته ضمن أحداث الفيلم بعناية . أنا أتمتع وأجد لذة غامرة لا توصف وسعادة غير محدودة أثناء صنعي لأفلامي وأحاول أن أملأها بكثير من التفاصيل الدقيقة وهي تفاصيل بصرية  أو صورية كالأجساد والوجوه  والأشياء وخصوصا النظرات. نظرات الناس الذين تحتويهم وتطوقهم المشاكل من كل جانب وأيضاً كل ما هو حي يتحرك . من هنا يمكنك أن تطلق تسمية أفلامي بأنها أفلام وصفية.

 

س: هل لك أن تحدد لنا ملامح شخصياتك السينمائية، أي أن تحدثنا عن أبطال أفلامك وتقدم لنا بورتريهات عن كل واحد منهم؟

غوناي: هناك نوعين من الشخصيات المتفاوتة النوعية والمستوى  والجدة في تاريخي السينمائي. الشخصيات التي جسدتها كممثل  والشخصيات التي خلقتها وأبدعتها كمخرج أو كاتب للفيلم الذي أخرجه غيري لكنها في مجملها،مع الأخذ بنظر الاعتبار تاريخ صنعها وتقديمها، تعبر عن معظم النماذج الاجتماعية التي يمكنك أن تلمس وتحس بوجودها داخل المجتمع التركي المعاصر وما تواجهه من مشاكل من شتى الصنوف  والأنواع، وهم بوجودهم المتلاطم هذا يترجمون الحالة النفسية السائدة والوضع المهيمن على جميع وجوه وجوانب المجتمع سواء المدني منه أو القروي أو الريفي، الثري أو الفقير، وفي نفس الوقت فهي تعرض لنا صيغ ونماذج لأناس من شعب ما يزال يبحث عن هويته إلا أن معظمهم، أو الغالبية العظمى منهم، ضحايا وليسوا جلادين . فأنا لا أود أن أركز على الشخصيات القوية  المتسلطة والشريرة  وأعرضها بمعرض أو صورة وطريقة تضفي عليها ملامح بطولية حتى لو قهرت في آخر الأمر فإن لهذه العملية أو المقاربة الجمالية نتائج عكسية على المتفرج . فأنا أريد أن أتفادى  وقوع المتفرج في حالة من التقمص والتفريغ النفسي والتنفيس عن مكبوتاته وغضبه وهو يرى الشرير والمتسلط والمستغل يعاقب على جرائمه ويأخذ جزائه في النهاية رغم أن ذلك لم يحصل في الواقع مما يجعل المشاهد بعد المشاهدة يلجأ  للسكينة والرضا وبالنتيجة إسقاطه رغماً عنه في فخ الاستسلام والتخدير وعدم المقاومة لأنه في لاوعيه يشعر بأن كل شيء سيكون على مايرام . ولهذا فأنا أحاول أن أجعله يفهم ولو بصورة مباشرة وبسيطة طبيعة الظروف المحيطة به وحقيقتها ومسبباتها وسياسة الدولة إزاءه  وحقيقة المجتمع وإفرازاته لهذا النوع من الشخصيات الشريرة أو النبيلة . أنت تعرف أننا في هذا البلد " تركيا" الذي تحكمه زمرة من العسكر الفاشيين عملاء للإمبريالية  وحلفاء لرأس المال  المستغل لدماء الشعوب، محاصرون، وكل محاولة لخلق سينما تقدمية  وملتزمة، هي محاولة محكومة بالاصطدام بالطبقات المهيمنة  وبمصالحها الحيوية  التي تريد استمرار  الوضع على ماهو عليه وديمومة السكينة، وسلاحها في ذلك متمثل بالرقابة الشديدة  والصارمة على كل ما تخرجه السينما باعتبارها أخطر وسيلة تعبير وأكثرها فعالية وتأثيراً على النفوس.

 

س: لكنك في بداياتك لم تكن عميقاً  ومتجذراً في نقدك للمجتمع وللسلطة السياسية كما أنت عليه اليوم؟

غوناي: عندما قررت الاتجاه نحو الإخراج كانت المهام واضحة أمامي رغم أني كنت قد بدأت مبكراً في نقدي الاجتماعي والسياسي عبر شخصياتي كممثل لكنه كان موقفاً مثالياً . ومن ثم بدأت بأفلام النقد الاجتماعي المعتدلة وانتهيت إلى أفلام الإدانة والتعرية والتنديد والتحريض الصريح دون أن أهمل جانب المتعة والاستعراض التي يجب أن تتوفر في كل فيلم لكي يقرب الجمهور منه ويؤدي رسالته على أفضل وأكمل وجه . فأنا لا أتمنى أن أصنع أفلاماً مضجرة ومملة وخطابية  باردة وبطيئة وضعيفة الشكل  والتقنية  من أجل مضمون سياسي قد لا يصل لأحد إلا لقلة قليلة أما الأغلبية فسوف تهرب منها ولدينا من الفلكلور والتراث الشعبي والواقع المليء بالقصص  ما يكفي لعرضه واستخدامه في صنع الأفلام الجماهيرية  وفي طرح قضايا ومشاكل هذه الجماهير بصيغ وأساليب متطورة وجذابة لكنها تقدمية شكلاً ومضموناً إذ لا يمكننا الفصل بين الشكل والمضمون . بعياره أخرى شخصياتي واقعية حقيقية دون زيف أو افتعال أو مبالغة وهي مليئة باللمسات الإنسانية وبكثير من التفاصيل الحياتية واليومية التي يمارسها الجمهور نفسه كل يوم في حياته الواقعية.

 

س: هل تستطيع أن تروي لنا باختصار عملية التحضير والتنفيذ التي واكبت أفلام" القطيع" و " العدو" و "الطريق" ؟

غوناي: سبق وأن قلت أن هذه الأفلام الثلاثة، ومن بعدها فيلم " الجدار"  الذي أخرجته في أوروبا حيث بنيت ديكور سجن تركي متطابق تماماً مع ما يوجد في الواقع ولكن في الأستوديو، تشكل نقاط تحول في أسلوبي السينمائي وكذلك في السينما التركية المعاصرة اليوم.

لقد ولد فيلم " القطيع" كفكرة وأنا في سجن " سليميا" ثم تطورت الفكرة وأخذت أبعاداً أخرى عندما نقلوني إلى سجن " أزميت" وكنت قد انتهيت من كتابة ملخص للموضوع كان مقرراً أن يتحول إلى سيناريو  معد للإخراج كلفت بتنفيذه المخرج تونست أوكان  لكن هذا المخرج فقد اندفاعه  بسبب المشاكل المالية التي وجدت شركتي الإنتاجية " غوناي فيلم" نفسها غارقة فيها بيد أن هذا الوضع الطاريء لم يمنعنا من تحقيق التزامنا بإخراج أو تنفيذ هذا الفيلم بإمكانيات مادية ضعيفة وظروف نفسية صعبة جداً. وقصة تصوير الفيلم ووقائعها تكفي وحدها بأن تكون موضوعاً لفيلم  وجديرة بأن تروى يوما ما بالتفصيل كتجربة ثرية ومفيدة. نفس المشاكل تكررت مع فيلم " العدو"  وتضاعفت الصعوبات  والمخاطر مع فيلم " الطريق" بسبب موضوعه الحساس والمؤثر  والمثير للقلق.

 

س: ما ذا يعني بالنسبة لك نص الفيلم أو السيناريو الذي تكتبه لغيرك وهل يؤثر ذلك فيك أثناء كتابته إذا كنت تعلم مسبقاً فيما  إذا كنت أنت الذي سيخرجه أو أحد مساعديك ولكن تحت إشرافك وتوجيهك؟

غوناي: السيناريو بالنسبة لي ما هو إلا فرصة أو حجة  لعمل فيلم ودافع مهم لي للتحرك، وقد يكون في نهاية الأمر قد تغير كلياً بعد التنفيذ وأصبح مختلفاً تماماً عما كان عليه وهو في طور الكتابة أي نصاً على الورق. أنا أحب وأميل كثيراً للارتجال  والابتكار الذي توحيه لي بعض اللحظات والأماكن والأحداث أثناء التصوير . ومع هذه الأفلام الثلاثة الأخيرة قبل فيلم " الجدار" كنت أعلم مسبقاً بأني سوف لن أقوم بإخراجها بنفسي بسبب وجودي في السجن، لهذا السبب قررت إضافة الكثير مني ومن أفكاري وتخيلاتي  وصوري وتصوراتي التي تزدحم في رأسي  فاضطررت إلى كتابة ديكوباج تكنيكي فني تفصيلي  دقيق مع جميع الملاحظات الضرورية المهمة للإخراج والحوار  والموسيقى بالإضافة إلى تعليمات مكثفة وواضحة عن الديكور والألوان والملابس وحتى نوع العدسات التي يجب أن تستخدم، لكل واحد من تلك الأفلام الثلاثة.

 

س: وماذا يعني لك إخراج فيلم وتصويره؟

غوناي: مغامرة ... إن عمل كل فيلم من أفلامي عبارة عن مغامرة على كل الأصعدة، الفنية والتقنية والاقتصادية والاجتماعية وبالطبع السياسية، في حالة بلد مثل تركيا ونظامها الفاشي العسكري، وهي مغامرة غير مأمونة و لا محسوبة العواقب سلفاً وليس بإمكاننا التأكد من النتائج مسبقاً أبداً.

 

س: كم من الوقت تستغرق في كتابة سيناريو من نوع " القطيع" أو " الطريق" أو " الجدار"؟

غوناي: العمل الأول، أي سيناريو فيلم القطيع في صيغته الأولية، انتهىت في ظرف شهرين ثم أعدت كتابته فأخذ مني أربعة أشهر إضافية، ولكن بين الوقتين  احتجت إلى كثير من المصادر والوثائق وللمعلومات الأكثر دقة  وشمولاً  وتفاصيل عن الواقع  وقد وفرها لي صديق لي وأنا في السجن بعد أن سلمته العشرات من الأسئلة والاستفسارات تتعلق بأمور عملية عن منطقة " مادن" حيث تدور أحداث الفيلم، وعن الأسماء  وأسعار الماشية " الخراف" وعن استعمال التراكتورات، وعن تأثير الدين ومكانته  بين الناس بمختلف انتماءاتهم الطبقية ومدى تغلغله في حياتهم اليومية . وقد ساعدني ذلك الصديق بإدارة وتنفيذ هذا التحقيق الميداني والاجتماعي  الذي أجراه خدمة لي وزودني أيضاً بالكثير من الصور الملونة للرعاة والفلاحين  وللريف والسهول  والمراعي والحقول . وعندما وقع بين يدي هذا الكنز المرجعي سلمت نفسي للتخيل عبر الصور  والكلمات وقد غزاني الموضوع وتملكني ودخل كياني  ومشاعري  حتى لم أعد أفكر إلا فيه  وأنا أشتغل بدون إرادة مني وعلى نحو شبه آلي على السيناريو  النهائي  الجاهز للتصوير والنتيجة أسفرت عن هذا الأثر البديع بعد أن استغرق العمل بأكمله لدي نحو ثمانية أشهر عدا فترة التصوير والمونتاج.

 

س: إسمح لي أن أعيد عليك سؤالي السابق عن تأثير السجن ودوره في كتابتك لسيناريوهاتك بمثل هذه الدقة والتقنية؟

غوناي: على عكس الكتاب والفنانين التقدميين الأتراك الذين أمضوا فترات طويلة في ظلام السجون مثل المناضلين الشاعر ناظم حكمت والكاتب كمال طاهر وغيرهم، حيث كان للسجن تأثيراً كبيراً على نتاجاتهم وأساليبهم ومستواهم، بل وحتى شهرتهم، لم يكن للسجن أي تأثير مباشر علي وعلى كتاباتي السياسية وسيناريوهاتي السينمائية لأنني لم أعان من نفس الظروف بل شاهدتها بعيني وهي تمس غيري  ولم أكن أريد أن أكتب مذكرات السجن أو عن السجن إلا لأنني لم أتمكن أن أتجاهل هذا الواقع المأساوي  فكان فيلم " الطريق" الذي يبدأ من السجن ويذهب إلى خارجه أي إلى السجن الكبير ، سجن المجتمع  وصعوبة الحياة  وقساوتها. ثم تبعته بعد أن حصلت على حريتي  بفيلم " الجدار" الذي يعود بنا إلى داخل السجن حيث تدور أحداثه كلها تقريباً في السجن. ونظراً لظروف عمله واستحالة تصويره في تركيا وفي سجن حقيقي، قمت ببناء سجن تركي في قلب أوروبا لتخليد تلك الشخصيات وفضح الواقع المزري الذي تعيش في غياهبه الشخصيات عبر المآسي التي رأيناها سواء في فيلم " الطريق" أو فيلم " الجدار" .

 

س: صحيح أن هناك دائماً مسحة سياسية في أفلامك ولكن ألم تفكر في يوم ما أن تعمل أفلام سياسية مباشرة وبحتة؟

غوناي: كل أفلامي، منذ أن تحولت إلى الإخراج، أي منذ فيلم " الأمل" كانت أفلام سياسية ولكن هذا لا يعني بأنني سأعالج مواضيع ومشاكل سياسية نابعة من الوقائع الإخبارية اليومية المحلية أو العالمية رغم أهميتها بالنسبة لي إلا أنني لن أتناول موضوعاً سياسياً بحتاً أي قصة سياسية وإنما سأواصل معالجة المواضيع الفردية  أو الجماعية  الاجتماعية والأخلاقية  ذات المعاني والانعكاسات والتفسيرات السياسية، أي السياسة كخلفية للموضوع وليس الموضوع نفسه، وذلك من خلال عرض الدراما النفسية  والمجتمعية  الواقعية من وجهة نظر علمية اجتماعية انتقاديه  وتقدمية  التوجهات والتناول فهذا أقرب إلى نفسية الجمهور وأكثر فعالية  وتأثيراً من الطرح السياسي المباشر .

 

س: إلى أي مدرسة سينمائية تنتمي؟

غوناي: إلى المدرسة الواقعية  والتي يمكن أن أسميها الواقعية الشعرية .

 

أجراها د. جواد بشارة

 

1256  ماهر حشانالإنسان يكون دائما متعلقا بأصوله حتى ولو أخذته ظروف معينة بعيدا عن هذا الوطن انه ارتباط وجداني يختزل أفكارا راسخة يختزل لحظات من الطفولة يختزل كل التفاصيل التي تكون شخصية هذا الإنسان فالبيئة والبدايات دائما تؤثر في الإنسان وتصقل شخصيتهم وتجعله يرتبط في كل إبداعاته بالجذور والقضية الفلسطينية كنموذج فقد أنجبت الإبداع من قلب المعانات طيور مهاجرة تحلق بعيدا عن الوطن ليس حبا في ذلك ولكن قساوة الاحتلال وقهره ومحاصرة الطموح والإبداع داخل الكيان الإنساني جعل بعض الطيور تحلق في سماء الاغتراب ومن هذه الطيور المخرج الفلسطيني الدنماركي ماهر حشاش والذي التقيناه على خلفية مهرجان مراكش الدولي للسينما في دورته18 فكان معه الحوار التالي

 

السيد ماهر حشاش هل يمكن أن تعرف القراء بشخصكم؟

- أولا أشكركم على هذه الاستضافة واشكر المغاربة على حفاوة استقبالهم آما بخصوص سؤالكم فعبد ربه مخرج وسينارست ومنتج سينمائي خريج المعهد العالي للسينما بمصر لي عدة أعمال فنية من أفلام تسجيلية ووثائقية بالإضافة حضوري إلى العديد من المهرجانات العربية والعالمية وكذا تأطيري لعدة ورشات سينمائية سواء بالمغرب أو ببعض البلاد العربية كما كان لي شرف ترأس بعض المهرجانات السينمائية .

 

 ماهي أهم الأعمال السينمائية التي قمت بإخراجها أو إنتاجها؟

- فالحقيقة هناك العديد من الأفلام الوثائقية القصيرة مثل رمضان في الدنمرك مواطني في السعودية مواطني في السويد فيلم من الموت إلى الحياة بالإضافة إلى كليبات فنية في مصر والدانمرك وقد قمت بعمل عدة تقارير صحفية تم عرضها على معظم القنوات بالدانمرك وكذالك تم عرضها على قناة الجزيرة والفضائية الفلسطينية وقناة القدس وكذا إحدى القنوات التلفزية الأردنية و أخرى أوربية إضافة إلى تصوير نقل مباشر للكثير من المهرجانات الفلسطينية بالإضافة إلى هذا فإنني قمت بمحاضرات وورشات في السينما في العديد من الدول كما سبق أن قلت.

 

من خلال تجربتكم كيف ترى السينما العربية والمغربية على وجه الخصوص؟

- إن نشأة هذه السينما العربية ارتبطت بالحركة الوطنية في مصر وذلك بداية القرن العشرين حيث شكل هذا نوعا من توحد السينما المصرية مع هذه الحركة ومبادئها وشعاراتها، وكان لهذا الأمر إيجابيات كما كان له سلبيات، تجلت هذه الأخيرة في حصول نوع من التركيز على ماهو مصري فلا يمكن الحديث عن السينما المصرية بدون ذكر أسماء عربية وغير عربية صنعت هوية السينما في مصرية منذ بداياتها، وقد ظل هذا الأمر يحدث حتى وقت متأخر وكمثال على هذا يمكن ذكر المخرج محمد خان الذي ظل حتى آخر حياته يساهم في ذلك دون أن يحصل على الجنسية المصرية، رغم كونه واحدا من أهم المخرجين الذين تظهر الهوية المصرية واضحة في كل أفلامه.

وهذا لا ينفي وجود عثرات وعوائق في مسيرة السينما العربية خصوصاً في مصر ولا يمكننا نسيان دور مصر والسينما المصرية التي تركت ثروة فنية مدهشة وأفلاماً تعلمنا منها الكثير والإشارة بالنقد لفيلم مصري لا يعني نسف ذلك البهاء والروعة وحديثنا هنا عن أفلام ظهرت في العشر السنوات الأخيرة ولا يعني أنها سيئة جداً فمن يشاهد أغلب ما ينتج اليوم يصاب بالسكتة القلبية كون ما ينتج حالياً تشويهاً لمعنى سينما وفن، قد نجد القليل جداً من الأفلام التي تحترم المتفرج وتحاول تقديم شريطاً سينمائياً جيداً والأفلام الجيدة القليلة جداً قد لا تجد الدعم الإنتاجي أو الدعم بعد الإنتاج، ما تعيشه اليوم السينما العربية من أزمات جعل البعض يصاب بالإحباط ورغم وجود عشرات المهرجانات السينمائية الفخمة إلا أنها لا تضع في برامجها تقديم دعماً لإنتاج أعمال وتجارب جيدة وجديدة..”

أما بخصوص السينما المغربية فانا عندي إعجاب بها لأنني عضو بلجنة تحكيم للعديد من الأفلام المغربية حيث شاركت في مهرجان فاس ومكناس وورزازات... صراحة هناك لمسات جيدة وما أثار إعجابي أيضا هو وجود المركز السينمائي الذي يدعم الأفلام حقيقة هذا الأمر غير موجود في الكثير من الدول وأضيف بأن السينما المغربية لديها شقين الأول متمثل في اتجاه متأثر بالسينما المصرية وآخر متأثر بالسينما الغربية باتجاهاتها المتعددة، وقد وصلت في الأعوام الأخيرة إلى هضم هذين التأثيرين للوصول بالتدريج لمحاولة خلق هوية خاصة بها.

 

ماهي الإضافة التي يمكن أن تقدمها السينما في نظرك للبشرية؟

- السينما هي فن جامع للفنون و الموسيقى والشعر والرقص، فهي مرآة النفس الإنسانية تحرك وتؤثر وتجذب الأحاسيس والمشاعر بغية الارتقاء بالنفس فكرا وثقافة لتسمو بتطلعاتها وآمالها لتطوير حضارة الإنسان وإقامة حوار حقيقي بين ثقافات الشعوب المختلفة لعولمتها في منظومة ثقافية ليس لها حدود مكانية ولا زمنية، تخدم لتطور ولترتقي بالقيم الإنسانية في هذا الكون.

السينما فن جميل غني بالتجربة الجمالية بما يولد وينتج من الخبرة، فهو أنقى نماذج الفن بما يتمتع من تجارب في متعة الخيال والإثارة وما يثير الإنسان في العالم الخارجي، وان نشاطه الحر ما يجعله فنا ممتعا يثير الدهشة فينا جماليا، وهنا تكمن قيمته فيستحق وصفه بالفن (السابع) لا بتصنيفه الزمني بل بكونه جامع الفنون و رمز الكمال الفني بل رسالة جامعة لا يعلى عليها .

 

السيد ماهر حشاش تترأس المهرجان الدولي الوثائقي لحقوق الإنسان بالعاصمة المغربية الرباط ماذا يمكن أن تقول لنا عن هذه التجربة؟

- اشتغالي على هذا النوع من الأفلام لان طبيعة الأفلام الوثائقية التي تهتم بحقوق الإنسان تملك مقومات قد لا تمتلكها أنواع أخرى من أشكال الإعلام المختلفة، لأنها توثِّق شهادات حية للناس واعتقد أن المهرجان الدولي الوثائقي لحقوق الإنسان بالرباط له القوة والطاقة لأنه مدعوم من طرف الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان وهي هيئة لها حضور قوي لذلك باستطاعت المهرجان أن يكون مهرجانا مشهورا عالميا وله قوة استقطاب دولية وأكد أن للهيئة دور مهم لأنها تلعب دوراً مزدوجاً في خدمة حقوق الإنسان, يتمثل ذلك في رصد ما يتعرض له بعض البشر من معاناة في حياتهم وذلك من خلال الأفلام التي تعكس أحوالهم.

أما الارتباط مع تيمة حقوق الإنسان، فيحتاج إلى السينما الوثائقية لأنها الأكثر قربا لذلك بحكم طبيعتها من خلال تواصلها المباشر مع المواطن لأجل الاستماع لنبض الشارع والتطرق لهموم الناس سينمائيا عن طريق الشريط الوثائقي للتأثير على سلوك الأفراد بإظهار واقع ما يحدث، والعواقب المترتبة على أفعال بعض المنتهكين لحقوق البشر.

 

كيف يمكن للفيلم الوثائقي أن يساهم في التحسيس والتوعية بقضايا المجتمع؟

- إن الفيلم الوثائقي له دور مهم في تنوير الرأي العام لأنه يرصد ظواهر وأحداث سواء كانت تاريخية أو ثقافية أو علمية.. ويحاول بطريقته التصويرية أن يثقف المجتمعات عبرا لصورة الفيلم الوثائقي إذا هو نوع من البحث والتتبع والمساءلة وتحديد فكرة الرسالة المراد تحقيقها، والفئة المستهدفة من خلال هذا العمل.. إنها الأسئلة التي حينما تبنى بشكل علمي دقيق، يحقق من خلالها المخرج متعة جميلة وقوية ودالة للمتفرج.

لكن تبقى علاقة الإنسان العربي بالفيلم الوثائقي وثقافة الصورة على مستوى التلقي جديدة نظرا لطبيعة المنظومة الثقافية والتربوية العربية المرتبطة بالثقافة الشفهية والمكتوبة، بالإضافة إلى قلة المهرجانات المهتمة بالفيلم الوثائقي، كل هذه الأمور ساهمت إلى حد ما في حث المتلقي على البحث عن فرجة فيلمية ووثائقية هادفة.

 

حاورته: من مراكش زبيدة الخواتري

 

عزالدين عنايةأنت ممن كرسوا جزءاً مهماً من حياتهم العلمية لدراسة الظاهرة الدينية من خلال ترجمة بعض الأعمال، وتأليف مصنفات تصب كلها في تيار نقد الفكر الديني علمياً وموضوعياً.

* هل في نظركم ملأت الدراسات الدينية النقدية اليوم، بعد أن عرفت انتشاراً كبيراً، الفراغ الذي تعرفه الساحة الثقافية، خاصة وأن العلوم الشرعية مازالت تأخذ حصة الأسد؟

- يتميز تاريخ الدراسات الدينية النقدية في البلاد العربية خلال العقود الخمسة الأخيرة، إذا ما سلمنا بأن مؤلف "نقد الفكر الديني" لصادق جلال العظم هو إعلان مولدها، بطابع الانخراط ضمن خط إيديولوجي وأحيانا خط سلطوي. لعل هذا المنحى الذي ميز تلك الدراسات ما جعلها واهنة المنشأ وضئيلة الأثر، وربما مرتهَنة بشكل أدق. لأنه وفق تقديري، الفكر الديني النقدي الفاعل هو الفكر الذي يخرج من عباءة المناورات السياسية إلى حقل المعالجة الفكرية والعلمية، ولعل هذا ما نحتاجه بالأساس، وهو ما لا نزال مقصرين فيه. حيث لم نفرق بعد بين النقد الإيديولوجي والنقد الابستمولوجي وهذه محنة أخرى من محن الحقل الديني في البلدان العربية.

وضمن ذلك النقص، لا ننكر أن ثمة قطيعة جلية ومؤثرة بين الوسط الأكاديمي في كليات الشريعة وبين نظيره في كليات العلوم الإنسانية والاجتماعية، تقريبا في سائر البلدان العربية. وهو ما يحول دون إرساء حوار فاعل ومثمر بين الطرفين في التعاطي مع الظاهرة الدينية عامة وتطوير أساليب النظر فيها. فثمة أفق نظري يتحرك فيه كل طرف بمنأى عن الآخر، بينهما برزخ لا يبغيان، أحدهما يزعم الحداثة والآخر يدعي الأصالة. ناهيك عن أن العلوم الشرعية داخل الزيتونة والقرويين والنجف والأزهر، المراكز التاريخية لتشكل العقل الإسلامي العربي، لا تزال رهينة الرؤى الكلاسيكية ولا تزال محكومة بالسقف الرؤيوي التقليدي. يغيب عنها النظر الحديث أو الاستعانة بالأدوات الخارجية المتأتية من فضاء العلوم الإنسانية والاجتماعية، ويغيب عنها الاستلهام الفاعل لتجارب الفكر اللاهوتي الغربي الذي قطع شوطا هاما في جانبيه الكاثوليكي والبروتستانتي، من حيث التعاطي مع قضايا الاجتماع البشري، والتخفيف من غلواء الاشتغال بقضايا السماء والالتفات نحو الأرض. إذ ثمة استنزاف لطاقات معرفية جبارة في كليات الشريعة في عالمنا العربي في عملية تدوير باطلة، ذات طابع فقهي وشرعي، دون تطور يذكر. ولذلك تعجز العلوم الدينية بوجهها التقليدي عن تلبية حاجات الاجتماع العربي الدينية، حتى بات الفقيه والداعية عالة على التحول الحضاري وليس مسهما فيه، رغم حضوره الواسع في وسائل الميديا.

 

* هل ما يعيشه العالم العربي الإسلامي اليوم من انغلاق لاهوتي يعود إلى غياب المؤسسة الدينية الفاعلة؟

- تتجه السوق الدينية إلى الانفتاح وإلى التحرر من الاحتكار والمونوبول أيا كان نوعه، وبالتالي أتصور أن تأبيد دور المؤسسة الدينية ليس له معنى، والتعويل عليها هو حلم لا طائل من ورائه. ربما يروادنا ذلك الحنين للمؤسسة الدينية، بفعل الخوف والأهوال السياسية والدينية التي تعصف بالبلاد العربية، لأن جزءا هاما ومحوريا من أرض الإسلام يغرق في أوضاع شبيهة بأوضاع ما قبل الدولة، وربما دخل بعضها عصر اللادولة بكافة عنفه وعفنه، وباتت شعوب لا تدري سبيل الخروج، فيُخيَّل للمرء أن لا عاصم اليوم سوى العودة للمؤسسات السالفة، وهو وهْمٌ لا طائل من ورائه. في زمن يكشف فيه الواقع أن المؤسسة الدينية في البلاد العربية قد فقدت السيطرة على المجال الاجتماعي الديني بفعل التقادم، نظرا لتحنّطها وفقدانها الحس بالحراك المجتمعي. ولكن ذلك المستجد، أي فتور دور المؤسسة الدينية، هو أمر طبيعي في ظل خروج الدين من الاحتكار الرؤيوي والتأويلي، وفي ظل شيوع وسائل الاتصال الحديثة. وفي الراهن الحالي يبقى نفوذ المؤسسة الدينية التقليدية في البلاد العربية متأتيا بقوة سند السلطة الجارحة لا بموجب الإقناع والبرهان والريادة. وأما الانغلاق اللاهوتي في البلاد العربية فهو ناتج عن الاستهلاك الديني غير الرشيد وغير الحكيم، أقصد غياب المنظور العقلاني في الدين وهيمنة النهج الاتباعي والديماغوجي، وليس نتاج غياب تلك المؤسسة. وهل تاريخ المؤسسة الدينية في البلاد العربية هو تاريخ منفتح طولا وعرضا حتى نزعم أنها سبيل النجاة؟ ربما حالة ابن خلدون، الزيتوني الشريد، تغني في هذا السياق.

 

* في كتاب "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم"، أعدْتَ قراءة المسيحية في تجلياتها المعاصرة وما تمثله من تحد للفكر العربي المعاصر، هل تبنّي التجربة المسيحية يتناسب وخصوصية الثقافة العربية الإسلامية؟ وهل تعتبر قراءتكم دعوة صريحة لتحرير اللاهوت الإسلامي من التمثلات التي تقف أمام تطور المجتمع؟

- في مؤلفي الذي سبق ذكره، دعوت إلى أمرين اثنين: إعادة النظر في المسيحية العربية وفي المسيحية الغربية، فبين المسيحيتين فروق شتى، ولن يتأتى ذلك الوعي سوى ببناء علم مسيحيات عربي يستند إلى مرجعية ثقافية محلية. فالمسيحية الغربية بقدر ما تشكل تحديا للإسلام التقليدي اليوم تشكل تحديا للمسيحية العربية التائهة. وضعف المسيحية العربية هو مرتبط بضعف الإسلام، والعكس أيضا. فنحن أبناء بنية اجتماعية واحدة وعقلية واحدة وإن اختلفت عقائدنا وطقوسنا.

فالمسيحية العربية هي غريبة في ديارها ضعيفة بين أهلها. وأقصد هنا لا يزال التعاطي معها في الاجتماع العربي بمثابة الأمر الدخيل وغير الأصيل. مع أن محنة المسيحية العربية في الزمن الراهن هي جزء من تردي الثقافة وتردي رؤانا في الدين. فأي موضع للمسيحية في الدراسات في كلية الشريعة، فهي لا تزال ضمن أبواب "الملل والنحل" و"أهل الذمة" و"أهل الكتاب" و"الضالين" و"الجزية"، هي تاريخ ماض وليست حاضرا حيا، وكأن التحولات الفكرية الحديثة لم تحدث؟

ولكن إجابة على سؤالك في تبني المسار الرؤيوي للمسيحية في التعاطي مع الاجتماع في المجال العربي، فلا أقول بذلك لأن كل دين، أو كل جوهر ثقافة، كما يسميه بول تلّيش، هو من وحي التجربة التاريخية ولا يحصل بالتقليد أو التبني. الإسلام هو تجربة فريدة، وهو ليس دين مؤسسة، ولا دين حزب، ولا دين طائفة أو مذهب، ولا دين شيخ أو إمام، كما يراد له، بل هو دين الناس، ومن هذا الباب فالجميع على قدم المساواة في الائتمان عليه والوصاية عليه.

 

* على المستوى الغربي، برز تيار لاهوت التحرير كطريق ثالث بين دين الكنيسة المنحاز للإقطاع والاستغلال، وبين الأيديولوجيات العلمانية الحديثة، أما على المستوى العربي لازال يتدحرج بين التحريم والتجريم في ظل هيمنة النسق اللاهوتي، انطلاقاً من تجاربكم، هل ثمة فارق بين لاهوت التحرير ولاهوت التحريم؟

- لاهوت التحرير هو زفرة المستضعَفين في أمريكا اللاتينية، وهو لاهوت سياقي اهتزّ وربا ضمن أوضاع جنوب تلك القارة المنكوبة، التي كانت مسرحا للنهب والطغيان على حد سواء، إذ تولد من أوضاع شعوب مصلوبة، جراء آلة جشع الليبرالية المتوحشة التي باتت تقبض على مصير العالم، وهي تدعي أنها دين الخلاص، معابدها البنوك، وإكليروسها المستثمرون، وعقيدتها الخصخصة. وبالتالي مسار لاهوت التحرير، متداخل ومتنوع، لم ينطلق من قمة الكنيسة ليسير نحو قاعدة المؤمنين، ولا من القاعدة الشعبية ليصعد باتجاه القمة، ولكن من الهامش باتجاه المركز، على حد توصيف المفكر البرازيلي الفرنسي ميكائيل لوفي. وليس صدفة أن ينبع من أوساط اجتماعية تفشّى فيها التباين الاجتماعي بشكل حاد وعمّ فيها تدمير الهوية بشكل ليس له مثيل. فلئن كانت هناك خطيئة - كما يقول لاهوت التحرير- فهي الخطيئة البنيوية المسلطة على الناس من قِبل النظام الرأسمالي، ولا سيما في شكله الرائج في الليبرالية الجديدة بوصفها دين خلاص. لذلك فعلَ خيرا لاهوت التحرير في اعتباره التصدي للجشع الرأسمالي هو مقاومة للوثنية الجديدة، وثنية رأس المال العائدة مع "مامون" الجديد، الذي حذر منه المسيح عليه السلام في قوله: "لا تقدروا أن تخدموا الله ومامون (أي المال)" في إنجيلي متى ولوقا. فليست المسألة المطروحة في أمريكا اللاتينية هي مسألة إلحاد بل مسألة الوثنية الجديدة، التي تزعم إنقاذ العالم عبر الآلهة المزيفة لنظام الاستغلال.

وفي الخطاب الديني العربي اليوم يحضر بقوة خطاب التحريم ويغيب بقوة خطاب التحرير، فليس هناك رهان على ما يحرر الناس بل على ما يشدّهم، وما يستنزف عقولهم وقدراتهم الذهنية. فلا يمكن أن ينشأ خطاب تحرير ومناخه غائب وأدواته مصادرة، فما الذي يستهلكه طالب العلوم الدينية لدينا؟ هل هناك دراسة لمرفولوجيا العلوم الدينية ذاتها هذا الأمر غائب. هل هناك استعانة بالقدرات "العلمانية"؟ هذا غائب، إذن نحن لم ندرك الطريق التي أدركتها الكنيسة في الغرب حتى باتت قوية ونافذة.

 

* نحن اليوم في حاجة إلى ثقافة نقدية بناءة، حتى نتمكن من المساهمة الفعالة في المسار التنموي الإنساني، هل الانفتاح على تيار لاهوت التحرير سيمكننا من مواكبة الركب؟ وهل ما بدأه حسن حنفي كافياً لتأسيس أرضية عربية إسلامية منفتحة على الاختلاف؟

- لاهوت التحرير هو مدرسة وليس كنيسة، ولذلك الانفتاح على هذه المدرسة نافع وملهم ومجد، لأن الخط الديني اللاحزبي في البلاد العربية يبدو كالعاشق بدون معشوقة، يفتقر إلى الأدوات والوسائل لفهم أوضاعه ولفهم العالم وهو ما يعوزه بالأساس.

لاهوت التحرير في البلاد العربية هو لاهوت التحرر من اللامعقول الذي صادر الدين من قلوب الناس ومن أذهانهم، هذه المعركة الكبرى، ولخوض هذه المعركة لا بد أن نعمل على المستوى الفكري ليل نهار حتى نحوّر الباراديغمات التي تتحكم بعقول الناس، فتمنعهم من رؤية سبيل الرشاد.

سيبقى حسن حنفي علما بارزا في فكرنا الديني العقلاني، لكن النهج الذي خطه الرجل لا يزال محدود الأثر، فهناك غوغائية دينية وهناك بنى أسطورية جاثمة على العقل الديني يتطلب زحزحتها عمل أجيال ومؤسسات وليس أفرادا. فقد سمعنا كثيرا من الإسلاميين يقولون بالتصالح مع الديمقراطية، وقد تطلب ذلك عقودا، ولكن لم نسمع واحدا قال بالتصالح مع العقلانية، ولعل ذلك يتطلب دهرا.

 

* في ظل المتغيرات التي يعرفها العالم العربي، تستند معظم حركات المعارضة العربية والإسلامية على التعبئة الدينية في نشاطاتها الرامية إلى تغيير الأوضاع أو مواجهة النظم القمعية والفردية، في نظركم هل هناك حاجة ضرورية إلى إعادة بناء الخطاب الديني، أم إن جدلية الدين والسياسة لازالت تطرح نفسها بقوة في مسألة التغيير العربية الإسلامية؟

- صحيح ان الدين مولد لطاقة اجتماعية جبارة ولكن هذه الطاقة ينبغي أن تبقى موجهة للصلاح بعيدا عن تهييج الناس بالأوهام والأحلام. ربما أخطر التحديات التي واجهت التحولات الدينية في البلاد العربية، على مدى القرن الفائت، وهي تمثُّلُ ترجمتها الصائبة في حركة بعينها أو حزب بعينه. فالإسلام يستوعِب ولا يُستوعَب، ومن هذا الباب كل يعمل على شاكلته. ذلك أن انزلاقات الإسلام السياسي في البلاد العربية متأتية بالأساس من ضعف المكون الثقافي بداخله، وحين نقول المكون الثقافي نعني النقدي والتفكيكي والاختلافي. فالإسلام السياسي العربي لم ينتج حركة فكرية عاضدة ومصححة له ومقومة، ومن هذا المأتى كثرت سقطاته وانحرافاته.

ويبدو الإسلام السياسي في نسخته الإخوانية قد انتهى إلى طريق مسدود، جراء تصوراته وتمثلاته للواقع، وهو غير قابل للتصدير أو الرواج إلا في أوساط الحالمين، ومن هذا السياق تبقى أمام كل واقع اجتماعي حاجة إلى تطوير تصوره وتعامله مع الأحداث، بعيدا عن الوصاية، فالإسلام الأنثروبولوجي هو أكثر صدقا في التعبير عن خبايا الواقع.

 

* لعب أنصار لاهوت التحرير دورا أساسياً في هزيمة الدكتاتورية وتعبئة شعوب أمريكا اللاتينية، هل التحرر من نظم الوصاية يتطلب بالأساس، التحرر من الدين؟ وهل لاهوت التحرير ثورة دينية أم ثورة على الدين؟

- لاهوت التحرير هو خطٌ إيمانيٌّ نصيرٌ للمستضعَفين بالأساس، لذلك رفع شعار الخيار من أجل الفقراء، لا يتوانى عن توظيف أدوات التحليل الاجتماعي ذات الطابع اليساري، لذا جاء توظيف الماركسية، ليس هياما بها، بل بقصد الإحاطة بمنابت الفقر، وبسائر أنواع الصراع الطبقي سبيلا للتحرر. إنه لاهوت يتوسل بما أنتجه العقل البشري لمناصرة المحرومين في قضاياهم. من جانب آخر ما كان لاهوت التحرير ثورة على الدين بل ثورة على نسخته المرسملة، ممثلة في حاضرة الفاتيكان، ولذلك بلغ التناطح أوجه بين الطرفين في تسليط عقوبة الحرمان على جملة من رواده. كان الكردينال راتسينغر رئيس مجلس مراقبة العقيدة، قبل أن يصير حبر الكنيسة الأعظم، هو من تولى محاكمة ليوناردو بوف وحرمانه، بدعوى الانحراف عن الصراط المستقيم وذلك سنة 1985.

فهناك اختطاف لرسالة المسيح السامية من طرف كنيسة غربية مركزية باتت مهيمنة على غيرها في الأطراف وعابرة للقارات، وهذه الكنيسة ليست ذات طابع كاثوليكي أو بروتستانتي أو أنغليكاني كما هو معتاد، بل هي كنيسة تتجاوز التوصيف المذهبي والليتورجي المعتاد، وما يميزها هو التحالف الجوهري مع قيم الليبرالية الجديدة. لقد كان لاهوت التحرير ولا يزال تصحيحا لرسالة السماء بعدما دب فيها من انحراف على الأرض. لذلك قال غوستافو غوتيراز، أحد آباء لاهوت التحرير، حين سئل في أحد الحوارات معه: هل مات لاهوت التحرير وانتهى؟ فرد قائلا: لم أر مأتما.

 

أجرت الحوار: نزهة صادق

 

1245 المصطفى كليتيالمصطفى كليتي كاتب مغربي معروف، لا يحرث أرض إبداعه إلاّ إذا تأكد من أن التربة خصبة، وما يزرع فيها يُرجى جناه كدوحة وارفة الظلال، يكتب القصة القصيرة جداً (القصيصات كما يحب أن يسميها) بألق، وحب، وافتنان، تدعمه في ذلك موهبة، ودراية، وقراءات مكثفة.. هو ليس "فقط" كاتب، بل فنان يسلك طريق النحل على حد تعبير الدكتور يوسف حطيني...

و" فقط"، وهي عنوان آخر أعماله في القصة القصيرة جداً، كلمة خفيفة على اللسان، وثقيلة في ميزان الإبداع.. "فقط" ثقيلة في الطرح، والسبك، والتلوين كرسم بديع، يسر الناظرين إليه..

"كليتي" هو كاتب فرع اتحاد كتاب المغرب بالقنيطرة؛ لاسمه، في خريطة السرد المغربي، مكانٌ متميز، هو مكتنز " صحة" في الجسدين : النفَس، والسرد القصصي، هادئ، لا يتكلم كثيراً، ولا يحب الأضواء، لكنه "فيض" هادر كلما " أبدع"، يأتي على الأخضر اليانع، في نصوصه، ويحول اليابس فيها إلى رطبٍ أخضرَ يلحق بالأول في تناغم، وانسجام، ولعل " كتابه الأخير " فقط" خير دليل بشهادة نقاد مرموقين، وكثيرين، اعترفوا له بفضل الإجادة في كتابة القصة القصيرة جداً، وله أيضاً :

- "موال على البال" عام 2008- المطبعة السريعة بالقنيطرة.

- "القفة" عام 2019- دار الحرف بالقنيطرة.

- "ستة وستين كشيفة" عام 2013-مطبعة القرويين بالدار البيضاء.

- "تفاحة يانعة وسكين صدئة"- دار الوطن –الرباط

- " فقط" عام 2017 - مطبعة سليكي أخوين بطنجة.

مرحباً بك في حوارات العرين أستاذ سي المصطفى..

س- الكنابة في القصة القصيرة جدا لديك في تصاعد مستمر، وبألق لافت، هذا التراكم، كيف تنظر إليه بعد رجع صدى قرائك؟

ج- النزوع إلى جنس أدبي معين ضرب من الإيمان يقتضي الوفاء والإخلاص، فحينما أكتب قصة قصيرة جداً لهث للقبض على الجمر، ففي قصر حجمها وقلة كلماتها، ضنى وتعب كذلك النحات الذي يستخلص من كثلة الحجر الصلب تحفة فنية تسر الناظرين، ولعل التراكم و الاجتهاد وحسن الإنصات لتجارب أخرى يغني المسار ويرفده بتغذية راجعة، فنحن،لما نكتب، لا ننطلق من فراغ وإنما هناك نصوص غائبة تسكننا سواء المقروءة أو الثاوية في تجاويف الذاكرة أو أخصبتها المعاناة والتجربة الذاتية، يسرني جداً ما ألقاه من ردود فعل نقدية مواكبة لنصوصي مما يجعلني أعتز بما أكتب بدون أن أنسى بأن هناك دوماً حلقة منقوصة تدفعي بشكل مستمر للقراءة والبحث وجميل التريث حتى لا أسقط في النمطية والتكرار.

 

س- يبدو أن لك موقفاً من " القصة القصيرة جدا " كتسمية، وتستعيض عنها ب " قصيصات " كما تحب أن تتصدرها مجموعاتك؟ لماذا الخروج عن " المتداول "؟

ج - نستهلك مصطلحات وتسميات وموافقات قد تكون غريبة أحياناً عن أنسيتنا وثقافتنا وحضارتنا، ولاسيما واللغة العربية غنية بالاشتقاقات وبمد لغوي لا ينضب، فلماذا لا نتبنى معجماً يتوافق مع خصوصياتنا ورؤيتنا، ولاسيما ونحن ننتمي لمهاد حضاري غني بالسرد وفنونه من الحكايات الممتدة في " ألف ليلة وليلة " وغيرها من المرويات والمحكيات، فبدل قصة قصيرة جداً نعوضها ب " أقصوصة " ومع ذلك مجرد ترجمات من مضان أجنبية أخرى قد تكون بوعي فني أو دونه، هذه مجرد وجهة نظر قد تحتمل الصواب أو الخطأ .

 

س- ما راكمته، لحد الآن، في القصة القصيرة جداً نال رضى القراء، والنقاد خاصة، ويبدو أن مجموعتك الجديدة و الآخيرة " فقط " طفت على السطح مقارنة مع كتبك السابقة، وحصدت استحساناً.. بكلمة :ما" الوصفة "؟

ج- حسب ملتي واعتقادي لا توجد وصفة مطلقاً في الإبداع، وكل مبدع يبقى نسيج وحده ولما هو إبداع أصلا؟ بيد أن المبدع يومئذ يرتكز على تجربة الكتابة وهي مرة وقاسية وتقتضي الصبر والتحمل وطول النفس وعدم العجلة والتسرع، وفي نفس الوقت فتح " ورشة " للتكوين بله وإعادة التكوين وتجديد معارفنا ومدركاتنا، فالكتابة الحقيقية استنارة وجدل فكر وعليها أن تكون مساهمة في النقاش الفكري العام، ولا تبقى حبيسة مجالها الأدبي الضيق، فالكاتب عليه أن يقرأ كثيراً في مجالات مختلفة ترتبط بالعلوم والآداب الإنسانية انطلاقاً من التاريخ والفلسفة إلى آخر مبتكرات التكنلوجية والذكاء الصناعي، فالمعرفة زيت مضيء لقنديل الكتابة، ولاسيما ونحن ننتمي لعصر له مواصفات خاصة والأجهزة المفاهيمية للمتلقي في زمننا لها أشراطها ومقتضياته .يثلج صدري الاحتفاء النقدي لمجموعتي القصصية :" فقط "، التي استغرقت مدة كتابتها سنوات ثلاث بالتمام والكمال، وأهديها عنوة لعشاق القصة القصيرة، في وقت انصرف عن كتابتها الكثير من الدخلاء أو أدباء الصرعات الأدبية الحديثة غير أن القصة القصيرة جداً أو " القصيصة " كما أحب تسميتها بالتحديد، فن كتابي جميل يترسخ وجودها في التربة الأدبية عبر المنتجين الحقيقين لهذا الفن المستعصي والمنيع والراقي والمواكب للحظة الحضارية الني نعيشها وليس مجرد ظاهرة أدبية ستتلاشى مع وتيرة الزمن، أعتقد على أن كل تفوق أدبي يلزم صاحبه رهانات تجاوزه والبحث المتواصل عن أراضي بكر لحرث الكتابة .

 

س- دعنا نقف على لوحة كتابك الجميل " فقط "، رسم اللوحةَ الفنان عبد الكريم الأزهر، عبارة عن تشكيل يغلب عليه سواد في شكل دائرة غير مكتملة، داخلها ينزاح ماء يعوم فيه رأسان، أحسبهما ذكراً وأنثى وفوقهما بطة سابحة، ورغم أن الدائرة تحتها كوة مفتوحة، فالماء، مع ذلك، لا ينساب أبداً، وبالمقابل وحدهما الرأسان هما اللذان ينزلقان، الرأس على اليمين وهو لامرأة يقطر ما يشبه جداراً أو صومعة، بينما الرأس الثاني ينفث سواداً على شكل طائر، فوق رأسه وردة بوريْقات يانعة وحمراء اللون، وإذا قابلنا الرسم بشكل مستطيل تتبدى لنا بومة، في قمة، متوجة كملكة،.. ما علاقة هذا التشكيل بنصوصك في " فقط ".. أريد أن أقرب القارئ " فقط " بهذا العالم السار .

ج- سؤالك حول غلاف الكتاب وهو عتبة أساسية تدخلنا لعوالمه، ليس مجرد سؤال مسكوك بل هو ضرب من المقاربة النقدية والبحث عن أغوار الكتاب من خلال اللوحة المتميزة والتي أنجزها فنان تشكيلي مغربي عالمي مرموق : عبد الكريك الأزهر وله باع طويل في تصميم أغلفة الكتب، فقد سلمته مسودة الكتاب لمدة طويلة، وعمل بلمساته الفنية على محتقديم الكتاب في حلة جمالية اتشحت بموهبته وفنه، في الحقيقة لا أجد تأويلا حرفيا لما أنجزه وإنما هو توطئة تشكيلية وعتبة تفتح شهية المتلقي على تضاريس االنصوص القصصية، والمجاورة التشكيلية للعمل ال[داعي قد تشغل آليات التحليل والتأويل كما ورد في سياق سؤالك الملامس لخلفيات اللوحة وشواغلها .

 

س- وزعت قصيصاتك في أضمومة " فقط " على أربع مجموعات وهي:

1 – "مسامع القلب" (33 قصة) .

2 - " سين شاهد عيان "(25 قصة)

3- " زوم عن تلك الشجون " (35 قصة)

4- أخبار عن الحاكم بأمره (31 قصة)..

ومجموع النصوص هو 121 قصة قصيرة جداً متفاوتة في الطول، وتختلف في التيمة والطرح والسؤال، هنا، ماهو الداعي لهذا التقسيم؟ وما الغرض منه؟ ثم لماذا يحصد " زوم " حصة الأسد في توزيع النصوص؟

ج- مشروعي في القصيصات أو القصة القصيرة جداً، ينطلق من مجموعة " ستة وستين كشيفة " ثم " تفاحة يانعة وسكين صدئة " لأقف عند أضمومة " فقط " فهي في الحقيقة ثلاثية لمن يريد أن يرصد تجربني المتواضعة في هذا المجال، وكنت أكتب نصوصاً متواترة بتيمات مختلفة منها العاطفي والمبني على السياق اليومي والانتقاد لواقعنا السياسي، ومع تعدد النصوص وتنوعها توضحت الصورة ورؤيا الكلية للكتاب فقسمتها كما سلف الحديث إلا أربع وحداث أساسية، الغرض من كل ذلك تقريب العمل على شكل تيمات منتظمة ومترابطة تمتع المتلقي وتوحد قراءاته وتعامله مع النصوص، فعملية التنسيق بين النصوص في المجموعة الواحدة عملية أساسية وبنائية لكي تشكل للقارئ تنوعاً وجاذبية ومتعة زائدة، لم يكن في حسباني أن يكون العدد أكبر هنا وهناك مع العلم بأني حذفت وألغيت عددا كبيراً من النصوص حتى أحافظ على الإيقاع العام للمجموعة، وحدة "زوم عن تلك الشجون" أتت أكبر من غيرها ربما للحوادث والأسئلة التي تشغلني في الحياة اليومية وهي المادة الأساس التي تنهض عليها كتاباتي .

 

حاوره: ميمون حرش

ضمن: حوارات العرين

 

سونيا عبداللطيفمحمد بن رجب هذا الرجل الذي اشتهر بمساهماته الكثيرة والقيمة في مجال الصحافة والإعلام وخاصة الإنتاج الاذاعي والتلفزي وعدة مجالات. أخرى كما عرف في خلال هذه الفترات كلّها برقيّ أخلاقه وتواضعه الكبير وصدقه وتفانيه في العمل وبعمله النقدي الأدبي الصريح والمباشر خاصة و في الثقافة عامة.. التقيته وكان لي معه هذا اللقاء في مجالس همس الموج الأدبية والفنية بفضاء السليمانية الثقافي:

 

س1: هل عشت أو خضت قضية أو صراعا أدبيا وفكريا أو موقفا سياسيا عندما كنت منسقا ومنظما أو مقدما لفقرة من برامجك الاذاعية..؟

ج1: بحكم كوني أتحرك على جبهتين جبهة الصحافة وجبهة الثقافة فإني عشت عديد التيارات الأدبية والفكرية وحضرت عديد الندوات فيها و منها النقدية في تونس وخارجها وقد كان لي فيها الدور المهم.. فقبل أن أنضم إلى الصحافة كنت ناشطا منذ نهايات تعليمي الثانوي في الساحة الثقافية بكل ما تتصورون من فروعها.. وقد عشت حراك الطليعة الأدبية التي ظهرت في تونس 1968 أي إثر النكسة العربية المدمرة وقد مست جميع فروع الحياة الأدبية والفكرية والفنية وكانت وراءها متغيرات كبرى في القصة والشعر والنقد وحتى في المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية .. كانت حركة أدبية رائعة اعتمدت الثورة على كل شيء وصنعت مسارها خارج المنظومة الثقافية التقليدية المحافظة وهي ترنو إلى رفض المنظومة السياسية لولا أن مشجعيها الأول كان وزيرا وهو محمد المزالي الذي فتح لها مجلة الفكر وهي أهم مجلة في البلاد و كان الثاني محركها ومساندا لمحمد مزالي هو البشير بن سلامة وذلك كان قبل سنوات عديدة من تعيين المزالي رئيسا للحكومة وقبل أن يختار البشير بن سلامة وزيرا للثقافة.. ثم إن بعض أفراد الطليعة كانوا مؤمنين بالنظام القائم لكنهم رافضين لسقطاته، كلهم وعرفوا كيف يحافظون على الطليعة دون السقوط في الرفض السياسي المطلق أو المعارضة السياسية المتطرفة.. وقد كانت هذه الحركة عنيفة فكريا ونقديا وتمكنت من دخول الجامعة التونسية لأن بعض أساتذتنا من أنصارها وهم أيضا سوريون.. سواء كانوا من معارضين مثل توفيق بكار أو مهادنين مثل المنجي الشملي صاحب مجلة التجديد أو القرمادي صاحب ديوان اللحمة الحية...

وقد كتبت ضمن هذه الحركة وساندتها بكل قوة مع نقدها بكل قوة أيضا وقد نشرت وأنا تلميذ في البكالوريا عام 1970 مقالا مطولا في الملحق الأدبي لجريدة العمل بعنوان " لم يعد الشعر شعرا " إنما هماميات إذا كتبه الطاهر الهمامي وهو زناديات إذا كتبه الحبيب الزناد وشابيات إذا كتبته فضيلة الشابي وصموديات إذا كتبه نور الدين صمود..

وكم كنت سعيدا لما رأيت مقالي هذا موثقا في شهادة دكتوراه الطاهر الهمامي حول الطليعة الأدبية بعد 15 سنة من موتها رسميا وإن تواصلت في أعماق المبدعين دون إعلانها كما سبق.. مع العلم ان الطليعة التي كانت حذرة حتى لا تنساق في معارضة النظام كليا سقطت فيما كانت تخشاه إذ تجرأ رئيس تحرير الملحق الثقافي لجريدة العمل على نشر مقال كاريكاتور ضد مدح الشعراء لبورقيبة وكان التركيز على الشاعر الكبير أحمد اللغماني الذي كان بورقيبة يحبه حبا كبيرا إلى درجة أنه طلب منه يوما أن يكتب له مرثية قبل أن يدركه الأجل فقال له اللغماني أنه لا يقدر لأنه يحبه بدوره ولا يستطيع أن يتخيل أن بورقيبة ميتا لا اليوم ولا غدا .. ولما بلغ الرئيس بورقيبة أن شاعره اللغماني غاضب ومستاء لما نشر في الملحق الثقافي قرر إيقاف هذا الملحق ومعاقبة المشرفين عليه بنقلهم من وظيفة الى وظيفة ومن منصب الى منصب بهدف التشتيت.. وكانت هذه الضربة الأساسية التي أنهت حركة الطليعة .. هذه الحركة التي عشتها وواكبتها من فترة ظهورها وتطورها إلى انتهائها وموتها وفي قصصها ما هو الايجابي والسلبي والجميل والقبيح..

كما أنني كنت محركا لمعركة أدبية نقدية طاحنة بين شعراء تونس والناقد الكبير لطفي اليوسفي الذي قال في محاضرته أن لا وجود لشعر في تونس والسبب هو الوضع الثقافي الذي تعيشه البلاد فقمت أنا بنشر كلامه في جريدة الصباح فانطلقت حملة ضده لأنه أنكر وجود شاعر تونسي بل قال هنالك بعض قصائد.. كما أن الجهات الثقافية الرسمية شعرت بالحرج الكبير إذ وصفها لطفي بأنها تسببت في لوم ثقافي.. وبما أني كنت مسؤولا في الصباح فإني فتحت باب الرد على كلامه كل يوم ولمدة طويلة.. أما هو فإنه وجد في مجلة الملاحظ ملاذا له الله يرد بنفسه بل تطوع لمن يدافع عن نظرته عددا من المثقفين ... وفي النهاية أصدر لطفي بيانا متميزا أدبيا يعتبر فتحا كبيرا في مجال الإبداع الأدبي... وكانت الحصيلة في هذه المعركة مجموعة كبيرة من المقالات والدراسات الطيبة، الفكرية والشعرية والأدبية ونشاطا نقديا كبيرا كاد يتحول إلى حركة أدبية جديدة في البلاد.

وللعلم أني تولّيت شخصيا في نهايات الثمانينات تأسيس مهرجان أدبي للشباب باسم المهرجان الوطني للكتاب الناشئين الذي كان وراء حراك أدبي واسع اعتمد على التبرعات والهدايا .. وهذا العمل كان وراء ميلاد مهرجانات أدبية شبابية عديدة بلغت في نهاية تشرين من ذلك العام الاثنان وثلاثين مهرجانا ..

 

س2: من هم أهم الوزراء الذين تداولوا على وزارة الثقافة وكنت قد واكبتهم وترى أنهم كانوا فاعلين فيها وقدموا إضافة للثقافة؟

ج 2: بما اني مهتم بالحياة الثقافية والفكرية والإبداعية منذ شبابي الأول أي منذ الستينات فإني اقدر أن أقول بأني عرفت كل وزراء الثقافة في تونس وهم 24 وزيرا منذ سنة 1967 مع بداية اطلاعي على الحياة الثقافية الى يومنا هذا ونحن نتطلع الى وزير ثقافة جديد في حكومة منتخبة إثر انتخابات برلمانية ورئاسية في شهر اكتوبر.. من بين هؤلاء الوزراء برز عدد مهم كانوا فاعلين في حياتنا الثقافية وهم الشاذلي القليبي ومحمود المسعدي والبشير بن سلامة ومحمد زين العابدين رغم التباعد الزمني بينهم جميعا..

ومن أطرف ما اذكر هنا أنه باستثناء محمود المسعدي الذي لم يكن معروفا بوزارته الثقافية إنما بوزارة التربية فهو من وضع مع بورقيبية أسس التعليم في تونس في عهد الاستقلال والأستاذ الحبيب بولعراس صاحب المسرحيةالشهيرة" مراد الثالث" والأستاذ محمد اليعلاوي الذي مسك هذه الوزارة ثمانية اشهر فقط وكلهم اليوم أحياء يرزقون مثل الشاذلي القليبي وفؤاد المبزع وعبد الباقي الهرماسي وصالح البكاري والبشير بن سلامة وعز الدين باش شاوش والمنصر الرويسي واحمد خالد.. وإحقاقا للحق فإن تونس عرفت وزيرين اعتبرهما عظيمين أسديا للثقافة في تونس وهما الشاذلي القليبي وهو الذي أسس الوزارة أصلا .. وهو الذي رفع الأمية الثقافية عن الشعب وهو الذي أسس مهرجان قرطاج الصيفي ومهرجان الحمامات الصيفي ومهرجان قليبية لهواة السينما وأيام قرطاج السينمائية وكلها مهرجانات دولية كان لها التأثير الكبير على حياة المواطنين وثقافتهم وهو الذي حرص على نشر الثقافة منذ نهاية الخمسينات في القرى والمدن عن طريق الحافلات المتنقلة الحاملة للمكتبات المتحولة والأقلام لعرضها على الجدران البيضاء والقماش الأبيض المتدلى على جدار.. وكان الناس ينتظرون بكل شوق وشغف هذه الحافلات التي تطل عليهم مرة في الأسبوع أو مرة في الشهر بحسب الظروف.. كذلك الشاذلي القليبي هو الذي أسس إدارات ومراكز ثقافية وقد انتهى الى تأسيس دور الشعب ودور الثقافة في كامل تراب البلاد التونسية...

أما البشير بن سلامة فهو الذي جعل الثقافة منتشرة أكثر اذ جعل لها قوانين في كل مجالاتها وهو الذي جعلها شاملة بتركيز معاهد عليها مثل المسرح والموسيقى وتنشيط الشباب في ميدان السينما وأسس بيت الحكمة ويعتبر هذا انجاز تاريخي يرتكز على أبعاد تاريخية لبيت الحكمة في القيروان وأسس أكثر من مائة مهرجان في داخل الجمهورية وجعلها دولية ووطنية وجهوية ومحلية. ولم تكن هناك مدينة دون إنجاز ثقافي.. وهو الذي بدأ بإحياء المدينة العتيقة بعد موتها الذي دام طويلا.. كما بعث أيام قرطاج المسرحية الذي أشرف عليه الفنان المنصف السويسي ...

وأخيرا وليس آخرا هو الذي أسس سياسة الدعم للإنتاج الثقافي من خلال صندوق التنمية الثقافية الذي كان يجمع ميزانيته السنوية من آداء تمّ توظيفه على " البيرة التونسية " وهذه السياسة المختصة في تنشيط الإبداع عن طرق الدعم متواصلة إلى حد الآن وكونها لا يمكن ان تكون لنا أقلام مهمة ومسرحيات كبيرة ومؤلفات فاعلة لا يقع تشجيعها.. خاصة وأن تونس تحمل مبدعين كثيرين لكن السوق الإعلامية والثقافية .. لا تغطي ربع العلاقات.. لذلك كان لابدّ من تدخل الدولة من خلال الدعم للمحافظة على الإبداع في هذه المجالات..

ومن حسن حظي أني تقابلت مع الشاذلي القليبي العديد من المرات بحكم عملي ومراسلاتي لعدة جرائد عربية وتونسية وكنت أفتخر بكون البشير بن سلامة صديقا لي ولا وزيرا فقد قام بنشر بعض القصص والأشعار لي في مجلة " الفكر " لما كان مدير تحريرها .. وبعدما أصبح وزيرا تقربت منه أكثر وأحببت ما قدمه وما فعله في الشأن الثقافي واحترمت سياسته الثقافية وساندته في مسيرته الإصلاحية التأسيسة وقد نلت في عهده حظوة كبيرة رغم أني لست منتميا للحزب الحاكم وقتذاك ولست موظفا في الدولة.

 

س3: ماهي اهم سفرة او رحلة خارج تونس قمت بها اثناء مهامك كإعلامي ومازالت راسخة بذهنك؟

ج 3: بحكم اني كنت صحفيا وناشطا ثقافيا ثم اصبحت بعد التقاعد الذي حصلت عليه مبكرا عام 2006 مديرا للإعلام بالالكسو فإني بالطبع سافرت كثيرا وزرت جل البلدان العربية في مناسبات مختلفة مع التركيز على مصر وبلدان الخليج وزرت فرنسا عدة مرات وإيطاليا واسبانيا وألمانيا وبولونيا والبوسفور وطشقند في روسيا وكاراكاس عاصمة فنزويلا كما زرت ايران وبقيت فيها اسبوعين كاملين ... وقد تمتعت أولا بكل هذه السفرات والرحلات لكن الأهم اني عشت ثقافات هذه البلدان وبعض مظاهر حياتها..

ومن أطرف ما أذكر لما سافرت أول مرة الى الخليج كنت أحمل تحت تأثير إعلام غربي وبعض التوجهات التونسية ضد العرب والعروبة أفكارا مسيئة أو الأصح خاطئة عن الخليج وأهله لكن لما نزلت بالكويت ثم ابو ظبي ودبي اكتشفت كم أننا ظالمون وكم نحن سريعو التأثر بأعداء الأمة وفوجئت بأن عرب الخليج لا يختلفون عنا في شيء وأننا ندعي ما ليس فيها.. وأن هناك فرق كبير بين النظام الرجعي المستبد والشعب الخليجي. تماما كما عندنا نظام مستبد وإن كان متطورا فكريا لكنه أقل كثيرا من الطموحات العالية والكثيرة لدى التونسيين.. فنحن نعاني من نفس المشاكل مثل غياب الحريات ومشكور المتسبب فيه هو الإستعمار الذي قبلنا رؤيته ورضينا بكل رديء والتقسيمات التي فرضها علينا وجعلنا لا نحب بعضنا البعض وقد نكون أعداء دون فهم لبعضنا. ولكن تغيرت نظرتي بعدها وأصبحت أميل الى الرحلات لدول العرب مع أني أرفض أنظمتها الحاكمة التي في أغلبها نصبها الإستعمار فرعاها واهتم بها واستغل ثرواتها واستباح لغتها وانتهك حرماتها التراثية وأدخلها في حداثة بلا هوية صالحة للانسان الغربي ونحن العرب ولأسباب كثيرة قبلناها أو قبلنا الأمر ولم نثر ضدها إلا كلاما على بعض المواقع ...

اما عن سفرتي إلى فرنسا فقد عشت الدهشة والصدمة الإيجابية فقد انبهرت بالثقافة وفضاءاتها التراثية ومخزونها الثقافي من متاحف ودور ثقافة ومراكز دولية لنفس الغرض .. وعدت بهذا الانبهار لكني لم أتغير أبدا ولم أحمل فكرا غربيا أو فرنسيا ولا منتزع الفكر أو الانتماء للمدرسة الفرنكفونية والفرنكفولية..

أما في كاراكاس اكتشفت عوالم لا أعرفها حضاريا ولا فكريا وعدت لأقول لابد من إجراء متغيرات في ثقافتنا التونسية فنحن ارتبطنا بثقافة فرنسا وإيطاليا ولا نعرف شيئا عن العالم بل نحن بعيدون عن سرة العالم فهل من المعقول ان لا نعرف شيئا عن أمريكا اللاتينية.. ان حضارة أمريكا اللاتينية أقدم من الحضارات العربية بل هي أقدم من حضارة الفراعنة فما خلفه أجدادهم مثل " الأنكا " لا يمكن ان يتخيله أحد لأنه لا يعرف إلا ما خلفه الرومان والقرطاجييون .. فهنالك حضارة عجيبة وغريبة تحقق الدهشة وتزيد من الأحلام وتنزع عنا الكثير من الأوهام والأفكار الخاطئة عن الحضارات مما أننا لا نعرف جيدا عن عدة مدن إسلامية في العالم.. وقد نحتقرها بسبب ثقافتنا الرجعية المحدودة التي تبيناها وورثناها واستوعبناها دون جدال..

فأنا لما زرت إيران وبالتحديد طهران وقم و اصفهان وتبريز.. كما زرت في روسيا طشقند.. هنالك وجدت الحضارة الإسلامية بحق.. هنالك تكتشف عظمة التراث العربي الإسلامي الممزوج بحضارات أقدم أكثر تطورا من العرب القدامى والمحدثين..

في النهاية إن رحلاتي سلسلة من الاكتشافات تجعلني أعيد النظر فيما استوعبته.. وبعض قناعاتي ترفض المعلومات التي فرضت علينا تلقائيا بطريقة مدسوسة أو غرسوها فينا لنكون اتباعهم.. كلها في حاجة إلى إعادة النظر فيما نتصور أنه حق أو حقيقة و صدق.. لقد كذبوا علينا لما علمونا أن بورقيبة هو من صنع كل شيء راقيا لتونس فحين تسافر إلى بلدان مختلفة تكتشف أن بورقيبة لم يفعل شيئا لبلده مقارنة بما فعله الآخرون من رؤساء وحكومات أمام التطور الكبير الذي حصلوا هم عليه.. ثم تجدنا نتباهى بأخطائنا وبغرورنا ونرفض اصلاح ما بأنفسنا ومن أمرنا لأننا تعلمنا كذبا وأوهمونا بأننا الأفضل الأصح في حين أن بلدانا أقل منا شأنا شهدت وحققت تقدما كبيرا..

 

س4: إلى جانب عملك كصحفي إعلامي هل قمت بأنشطة أخرى بعيدا عن ميدانك؟

ج 4: نعم، لقد نشطت في عالم المعاقين وخاصة الصم.. وقدمت الكثير من الخدمات رغم أني لم أكن عضوا في جمعية مختصة بل كنت مناضلا بشكل منفرد تحت تأثير اختصاص زوجتي رحمها الله تعالى فقد كانت هي مختصة في تقويم النطق فاقتربت منها وعرفت مشاكل الصم في تونس ومن هنا اكتشفت كارثة الإعاقة ومصيبة ذوي الاحتياجات الخصوصية بصفة عامة فاقترحت على جريدة الصباح التي أعمل بها بعث صفحتيْن لهؤلاء المواطنين وقد وجدت آذانا صاغية وسمحت لي إدارة التحرير أن أفتح ما شئت من الصفحات في الصدى الأسبوعية وصرت معروفا في تلك الأوساط في التسعينيات وتمكنت من التأثير في قرارات وزارة الشؤون الاجتماعية أصبح ذو الاحتياجات الخصوصية يوصلون لي التشكيات والشكايات ويعرضون القضايا علي ويقترحون أو يسألون عن القوانين فأنا أذكر أن عنوان الصفحتين كان "لا تيأس"

 

س5: من هي الشخصية التي كان لها تأثير عليك أو هزّتك أثناء محاورتك لها؟

ج5: لقد أجريت حوارات كثيرة في الجريدة وفي التلفزيون و الإذاعة.. بلغت أكثر من الثمانين وهي حوارات كبيرة في الأدب والثقافة بكل فنونها وحتى في السياسة... تقريبا مع جل الكتاب التونسيين ومع بعض الكتاب العرب وبعض الادباء الأجانب...

من أهم الحوارات في تونس كانت مع محمود المسعدي والبشير بن سلامة وهشام جعيد وهشام بوقمرة وأحمد خالد ومحمد اليعلاوي وتوفيق بكار والمنجي الشملي والحبيب الجنحاني وحمادي صمود وعبد السلام المسدي ونور الدين صمود والطاهر شريعة وعبد الجليل التميمي وعبد اللطيف بن عمار وعمار الخليفي والميداني بن صالح وعز الدين المدني وسهير العيادي والعروسي المطوي ومصطفى الفارسي وعبد الواحد ابراهيم ومحمد الصغير أولاد حمد والمنصف المزغني والفاضل الجعايدي وجعفر ماجد وجميلة الماجري والسيدة علياء صاحبة برنامج إذاعي للأطفال وناجية ثامر وهند عزوز..

من العرب أذكر الطيب صالح أدونيس ومحمود درويش وعز الدين المناصرة والطيب التيزيني ورشدي راشد ومحمد برادة وعبد الحميد بن هدوقة وعبد الله العروي ونزار قباني ومحمد الفيتوري وسلمان عيسى وعبد الوهاب الراهب وعبد الرحمن مجيد الربيعي وعبد الرحمان الابنودي وغيرهم..

ومن افريقيا الرئيس السينغالي سيدار سنغور ومصطفى سيسي ..

من الغرب عدد من الكتاب الذين كنت التقي بهم عادة في المركز الثقافي الفرنسي بتونس منهم غي هنيبال وهو ناقد كبير واعتذر لأني نسيت الكثير من الأسماء و لا أستحضر التفاصيل بدقة..

لكن إذا ما رجعت لبعض هذه الأسماء يمكنني أن أذكر لكم أهم هذه الحوارات وهي التي أجريتها مع الرئيس السينغالي سيدار سنغور زعيم الزنوج والحركة الفكرية و الأدبية لديهم.. فلما تقابلت معه في منتصف الثمانينات وبالضبط سنة 1984 لم يكن موضوع مفهوم الزنوجية أو الثقافة في الزنوجية أو ما سماه سيدار بالخصوصية السوداء في إفريقيا وقتها متداولا ... وبهذا الحوار كنت السبب وراء جلب الاهتمام والانتباه لهذه القضية الأدبية التي ابتكرها الرئيس سنغور الذي حكم السينغال سنوات طويلة من 1960 إلى 1980 ليسلم الحكم تطوعا للرئيس عبدو ضيوف الذي كان وزيره وليتفرغ للأدب والشعر ويبثّ في العالم أكثر وأكثر مسألة قضية الزنوجية فهو يعتبر من رواد حركة الزنوجة التي ساهمت في رفع النهضة الأدبية الأفريقية إلى الأمام والتي ضمنيا تعنى الأدب النضالي للسود في العالم من أجل التحرر أولا من العبودية ومن الإستعمار ثانيا.. وتحكي عذابات الزنوج عبر القرون.. فكان منها في الموسيقى: الجاز والبلوز.. وفي الأدب هناك شعر ايميل سيزار مؤسس الزنوجية الأدبية وسيدار سنغور زعيمها باعتباره قادرا أكثر على الإتصال والتواصل والترويج بحكم منصبه وحب السينغاليين له حضوره الكبير في الحكم في فرنسا فقد كان عضو المختصين في النحو الفرنسي وله مكانة هامة على المستويين السياسي الأدبي النضالي والشعر...

الحوارات التي تأتي بعده وأراها مهمّة كانت مع محمود المسعدي ومع هشام جعيط ومع أدونيس ومحمود درويش ونزار قباني ويبقى الحوار مع المؤتمر كبيرا وفاعلا.. وهو موجود بأكمله في مجلدات الأعمال الكاملة لمحمود المسعدي الذي أعده محمود طرشونه .. كذلك حواري مع هشام جعيط اعتبره مهما جدا ونجده منشورا في كتاب لقاءات من هشام جعيط فقد طرحت معه أهم إنجازاته الفكرية وتحاليله في الحداثة وفي القومية العربية...

 

س6: ما هي اهم الحوارات واللقاءات التي اجريتها ومازلت تحتفظ بها؟

ج6: الحوار الذي تريدين الإشارة إليه قديم جدا يعود إلى جويلية سنة 1978 كنت في العراق بمناسبة العيد العاشر للثورة العراقية وكان صدام حسين آنذاك رئيس الحكومة ولكنه بحكم قوته وهيمنته السياسية كان أكثر نفوذا من الرئيس حسن البكر.. فهو أشهر من الرئيس عالميا وكل العالم يتحدث عن صدام حسين وكانت جل الإتصالات به والمفاوضات معه.. وكنت في تلك الاحتفالات مع الشاعر احميدة الصولي صاحب عدة دواوين شعرية والإعلامي عبد البادر قزفز ودعينا الى البرلمان ليستقبلنا صدام حسين ويدلي بإجابات للإعلاميين وقد سعدت بذلك بشكل كبير وانتقلنا على عين المكان وهو مقر المجلس الوطني وجاء صدام حسين وقد بدا لنا رهيبا فلا يمكن تصور أو تخيل هيبته ووقاره إلى درجة الخوف والرهبة منه ولكنه كان بروح شبابية إلى درجة أني أنا الشاب آنذاك أحسست إني الشيخ العجوز أمامه.. والغريب أنه لما جلس على الكرسي أمام ما لا يقلّ عن ثمانين صحفيا قال: إنه يطيب عليّ جميع أسئلتكم وأسمح لكلّ واحد فيكم أن يعتبر هذه الحوارات معكم حوارا خاصا به ولا اعترض على ذلك.. وإن رأيتم أن تجعلوا هذا اللقاء لي معكم ندوة صحفية فلا مانع لديّ وأنتم عندي أخيار فاتخذوا من هذه الجلسة الطريقة المثلى التي ترونها مناسبة مع عمل مؤسساتكم وحسب طموحاتكم الشخصية فأنا أعرف أن الكثير منكم يحب ويتمنى لو يجري هذا الحوار بمفرده ويكون خاصا به.. فها أنا متواجد أمامكم فاسألوا ما تريدون.

وإحقاقا للحق لم أستعمل لقائي هذا بالصدام حوارا خاصا بل عدت إلى تونس ونشرت حصيلة الحوار بشكل ندوة صحفية احتراما للمقام ولم تكن لدي طموحات آنذاك غير أن أكون صحفيا صادقا وناجحا..

وقد عملت في تحرير هذا الحوار على تلخيص كل الأسئلة والأجوبة التي أدلى بها الصحفيون والرئيس وكان من ضمنهم كبار الصحفيين الغربيين والعرب...

ومن أطرف ما أذكر أنه إثر عودتي إلى تونس في منتصف جويلية وقبيل شهر أوت كان صدام حسين قد أزاح من الحكم حسن البكر .. وأصبح الرجل الأوحد على رأس السلطة في العراق... لذا إن ما نشرته كان له قيمة وربما فهم وقتها المختصون في النقد والتحليل السياسي من الحوار بعض المؤشرات والإشارات لما يوحي ما كان الصدام ينوي فعله...

 

س7: هل يوجد شيء تأسف عليه لأنك لم تنجزه أو أنك أنجزته؟

ج7: اذا ما راجعنا حياتنا من المؤكد أننا نجد أشياء كنا خططنا لها لكن الله أراد لنا أشياء أخرى..

لم أندم على شيء إنما بالأحرى كان يمكن أن أكون أفضل وأحسن.. أشعر أني أضعت بعض الفرص.. كان يمكن أن أنشر مجموعة كتب لي ولم أفعل.. وكان يمكن أن أختار السياسة واقترب من السياسيين والسلطة ولم أفعل.. وكان يمكن أن أكتب شعرا وأصدر دواوين ولم أفعل.. وكان يمكن أن أكون روائيا إلا أني لم اكتب رواية رغم قدراتي على القص والرواية واستعراض التفاصيل بدقة..

ولكن، أعد أحبائي أني سأعمل على إصدار كتابين يفرحهما.. كتاب في السيرة الذاتية وأعرج فيه على كل من كانوا من أهل الفساد في الثقافة والإعلام في الأربعين السنة الأخيرة وعليهم أن يستعدوا لأن هؤلاء سيجدون أسماءهم مذكورة ومسجلة مع لفت الانتباه الى ما عشته واطلعت عليه من حقائق..

الكتاب الثاني سأجمع فيه أهم حواراتي وإذا لقي هذا الأخير صدى أواصل نشر بقية الحوارات .. أما المقالات فلن أنشرها رغم أهميتها... أترك حرية مشاركتها ونشرها من قبل الأصدقاء أو أي مبدع كان في مجاله سواء كنت من أحبابه أو من أعدائه بنقل ما طاب لهم من أعمالي الصحفية التي استمرت أكثر من أربعين سنة..

 

س8: كيف كانت علاقتك بالسياسة؟ وهل كنت الإعلامي الجريء والقلم الحرّ أم كنت مقيدا ومسيرا في بعض الحالات وعند خوض بعض المواضيع الحساسة؟

ج8: أنا مغرم بالسياسة أكتب فيها بانتظام لكني لا أمارسها في الواقع ولم أنتم إلى أي حزب ولم أكن مناضلا لا ضد بورقيبة ولا ضد بن علي.. عملت في الصحافة بالقدر الذي يمكن أن أصوغ فيه الرأي بحرية أو خارج حريتي لكني أبدا نشرت شيئا يسبب لي الخجل أو الحرج.. أو أني كنت... وأصبحت..

وقد نلت الجوائز والأوسمة منها الجائزة الوطنية للآداب والفنون اختصاص نقد أدبي.. ونلت وسام الاستحقاق الثقافي درجة ثالثة وهي درجة مهمة .. وحصلت على درع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم..

 

س9: بعيدا عن العمل والمهنة والثقافة أين ترغب أن تكون وما هي الاماكن التي تشتهي الجلوس فيها والأشخاص الذين ترتاح وتفضل مجالستهم ومحاورتهم؟

ج9: أحب السفر ويتواصل وفق الإمكانيات والرحلات.. قد أزور العاصمة الفنزويلية من جديد وقد أذهب إلى بيكين .. وطبعا فرنسا والتي فيها ابني مقيم في عاصمتها باريس وهو يطلب مني زيارته منذ سنة..

 

س10: هل اختيارك للصحافة بتأثير من أحد مقرب إليك أو بتوجيه من أحدهم لك أم متعة؟

ج10: لا، لا أحد سواء من قليببةأو من العائلة تأثرت به أو أثر فيّ..

فأنا منذ مراهقتي كنت أكتب الشعر ولما كنت في السنة الثالثة ثانوي بنابل اطلعت على جريدة العمل وكان فيها ملحق أدبي اعجبني وخاصة أنه توجد صفحة يرد فيها صاحبها على المراسلات.. فأرسلت له بقصيدة بسيطة.. ففوجئت بأنه يرد على قصيدتي بعد أسبوع مشجعا إياي أني على الطريق السويّ وأحمل بذور الموهبة وطلب أن أراسله دائما وهو س٨يتولى بالرد على ما أكتبه..

وبعد سنة، نشر لي هذا الملحق الأدبي قصيدة بعنوان " تمرد " ومازلت احتفظ بتلك القصيدة وأحبها لأنها كانت إنتاجي الأول وهي التي فتحت لي أبواب الكتابة والحب الحقيقي للأدب وكانت السبب الذي دخلت به مجال الصحافة سنة 1968 ودور الثقافة والشباب بنابل قليبية.. وصرت نجما في المعهد الثانوي بنابل يعرفني عدة أساتذة بصفة مغرم وهاو في كتابة الشعر وفي السنة الخامسة من التعليم الثانوي ترك لي مدير المعهد حرية تنظيم حفل آخر السنة.. تشجعت وكتبت نصا مسرحيا قدمته أنا أصدقاء لي من محبي المسرح في ظرف شهر وكان أن قدمناها في الحفل المدرسي.. ومن هناك كانت لي انطلاقة أخرى وأصبحت أعتبر نفسي بالفعل كاتبا فأنا قد جربت القصة والمسرح وكتبت الشعر من 1970 ..

وبالتالي لما دخلت الجامعة وجدت نفسي أعرف الكثير من الأدباء والشعراء وبدات علاقتي بهم وبالثقافة تتمتن أكثر فأكثر خاصة في ابن خلدون وابن رشيق..

وبعد تجربة قصيرة مع التعليم لا تتجاوز السنة دراسة في الجامعة التحقت بجريدة الصباح حيث سبقني اسمي هناك.. وعملت طيلة سنة او اكثر متطوعا دون مقابل... فالخبرة لا تقاس بمال..

 

 س11: اخيرا ما هي حكايتك مع الاعلامي رفيق الدرب أحمد عامر؟

ج11: هو شاعر جاء من نفطة إلى العاصمة وسبقني إلى العمل في الإذاعة سنة 1973 أما أنا فاشتغلت في الإذاعة بعده سنة 1974 .. كان احمد عامر ضامرا ولطيفا جدا وصاحب نكتة وكان طموحا أكثر من اللزوم.. فكنا نتنافس تنافسا شريفا إلى حدّ الصراع النزيه وربما هذا التنافس خلق بيننا علاقة توتر لمدة عشرين سنة.. فكان اتفاقنا، أن اهتم أنا بالأدب والثقافة والسينما والفنون التشكيلية وهو بالمسرح والموسيقى والاغاني.. وكنا أيضا زملاء في الصحافة وتغيرت تلك العلاقة المتوترة بسبب التنافس إلى علاقة عمل واحترام بعد أن أصبحت رئيس تحرير مساعد جريدة الصباح.. رحمه الله فأنا كنت أحبّه جدا بالرّغم أنّي لم أقلها له يوما في حياته..

 

س12: ما رأيك في صحافة وإعلام الأمس مقارنة بإعلام وصحافة اليوم؟

ج12: صحافة الأمس كانت بنسبة 90% مختلفة لغياب الحريات تماما فالاستبداد كاد يقتل الإعلام. وقد كنت إذا ما سافرت لبلاد عربية أجد أن هنا أو هناك بعض الحريات.. أما مع بورقيبة وبن علي كان الموت الإعلامي تماما فلم تكن هناك حريات إلا في الثقافة أو في الرياضة دون دخول في تفاصيل السياسات الثقافية أو السياسات الرياضية...

وقد كان كل من تمسك بحقه في الحرية وحرية التعبير تعرض إلى الملاحقات الأمنية والايقافات والتهميش...

أما اليوم فإن أمورا كبيرة قد حدثت:

أولا: الثورة ألغت الاستبداد.. ويمكن القول تحرر الإعلام كليا.. ولكن للأسف ظهرت الحريات وهي مطلقة فاستغلها أنصار النظام الهارب.. وأصبحنا نعيش مع الانفلات في كل شيء.. كلام كثير.. و.. و.. وبالتالي لم تعد هناك صحافة ولا إعلام حقيقي.. ولا مهم..

فهناك بلاتوهات يومية وفي تلفزيونات خاصة لا تبثّ إلا الدّعاية ولا تنقل إعلاما.. هي دعاية إما ضدّ أو مع.. وفق مصالح وانتماءات هذه القناة أو تلك وليس من قبيل الصدفة أن يقع التعامل مع نفس الوجوه.. بل كي لا يتغير الهدف وقد اختصوا..هم.. في الحرب ضد الثورة والدفاع عن نظام ستين سنة من الاستبداد وتنظيف الفاسدين والتعامل مع رأس المال الفاسد والمهرب لثروات البلاد..

انا شخصيا أعتبر أن الإعلام الإذاعي والتلفزي يعيش دمارا كبيرا وهو لا يقوم إلا بدور فاسد لتوجيه الرأي العام لكره الثورة ولتقوم كل الوجوه الجديدة..

 

حاورته: سونيا عبد اللطيف – تونس

 5 نوفمبر 2019

 

1208 شمس الدين بلعربي 1مبدعون من بلادي تخطوا المحلية وصولاً الى العالمية ..

لطالما جذبني فن الأفيش السينمائي وأثار إعجابي وداعب مخيلتي وما زلت أذكر أفيشات شهيرة على واجهة صالات سينما النصر، بابل، سميراميس، اطلس، الخيام، النجوم، غرناطة، وسط العاصمة بغداد يوم كانت عاصمة بحق تتصدر قوائم العواصم الأبرز في العالم وعلى كافة الصعد لا كما هي اليوم حيث تقبع بفعل المتخلفين في ذيل القائمة كأسوأ عاصمة للعيش حول الكرة الأرضية، أفيشات لأفلام سينمائية عراقية يوم كانت هناك سينما حقيقية لم تغادر ذاكرتي الى يومنا لعل من أبرزها فيلم "المسألة الكبرى" وفيلم "القادسية"، "الظامئون"، "الاسوار"، "الرأس"، "الحدود الملتهبة"، "الجابي"، "المنعطف" وغيرها، ولم يختلف الحال مع أفيشات السينما المصرية المعروضة في بغداد وأبرزها فيلم " العصفور"، "الكرنك"، "احنه بتوع الاتوبيس"، "ماتزال الرصاصة في جيبي "، نحن لانزرع الشوك"، "سواق الاتوبيس"، ولطالما أثار إعجابي في ذات الوقت القامات العربية والعراقية التي تخطت المحلية لتصل الى العالمية بعزيمة لا تلين ولاشك أن رسام الافيش الجزائري شمس الدين بلعربي، وهو فنان تشكيلي متخصص بتصميم ملصقات الأفلام العالمية (الأفيش) من مواليد 1987 بعين تادلس التابعة لولاية مستغانم الجزائرية، يعد واحدا من هؤلاء المبدعين العرب فكان معه هذا الحوار:

 

* كيف كانت بداياتك؟

- البداية كانت في مرحلة الطفولة اذ كنت مهتما بالرسم، وفي طريق عودتي الى المنزل يوميا كنت أرمق بعض الصحف وهي ملقاة على جانب الطريق وكانت تجذبني صور نجوم السينما فيها فألتقطها واتأبطها لأرسمها في منزلي المتهالك الذي يضم بين جنباته عائلة مكونة من ستة أفراد أنا أكبرابنائها سنا ولعل عيشي بكنف عائلة فقيرة جدا إضطرني لإمتهان الرسم كحرفة بدأت بتزيين المحال التجارية والديكور أولا، الا انني تعرضت لكثير من المضايقات وواجهت كما هائلا من الغبن نتيجة لذلك وهكذا كانت البداية !

 

* هل بإمكاننا القول بأن بداياتك كانت من صالات السينما وأفيشاتها التقليدية اليدوية ماقبل الافيشات الالكترونية؟

- بكل تأكيد فالسينما بالنسبة لي كانت حافزا كبيرا لرسم ملصقات ولقطات الأفلام حتى عقدت العزم على بناء ورشة عمل صغيرة الى جانب المنزل وبدأت أبعث برسوماتي الى شركات الانتاج السينمائية الامريكية برغم ان تلكم اللوحات كانت مرسومة بأدوات بسيطة وهكذا لسنين حتى تبسم لي القدر وتواصل المنتج الارجنتيني خوان مانويل اولميدو معي بعد أن شاهد أعمالي وأعجب بها وطلب مني عمل ملصق لفيلمه (الضربة القاضية) من بطولة الممثل العالمي محمد قيسي، الشهير بدور (Tong po) والمعروف ضمن الشخصيات السينمائية في عقد الثمانينات، وهكذا حتى تم تسجيل إسمي في القاموس العالمي للسينما العالمية IMDB

1208 شمس الدين بلعربي 2

* ماهي اللمسات العصرية التي أضفتها على فن رسم الأفيش، أم إنك إقتصرت على الأسلوب التقليدي فقط برغم إنقراضه بعد دخول الكرافيك وفنون التصميم الحديثة ضمن برامج الحاسوب؟

- بعد بسم الله و الصلاة على رسول الله، أقول في ما يخص رسم الأفيش فإنه يعد من الفنون المرئية وبدأ هذا الفن حسب المؤرخين في فرنسا وأشتهر في ما بعد عند اليونانيين الذين أدخلوه الى مصر ليتطورهناك بشكل تقليدي كلاسيكي قديم .

أما بالنسبة لي ففي البداية كنت أعيش في قرية صغيرة غربي الجزائر وأرعي الغنم مع خالي رحمه الله و كنت أعثر على صفحات الجرائد هنا وهناك وكانت تجذبني الصور البراقة لنجوم السينما فيها فألتقطها وأتمعن فيها وأرسمها بعود على الرمال وعندما بلغت سن السادسة انتقلت الي المدينة لدخول المدرسة وهناك بدأ المعلمون بإكتشاف موهبتي وبدأت أعطي الأهمية لمادة الرسم أكثر من باقي المواد الاخرى، وكنت أمر بصالات السينما وأشاهد الافيشات وأتمعن بالصورالضخمة لنجوم السينما وبخاصة افلام الاستاذ محمد قيسي و جان كلود فان دام واهمها فيلم قلب الاسد و فيلم bloodsport و kickboxier

وصرت وبعد عودتي الى المنزل أرسم كل ما شاهدته على الورق وأبدأ بإرسال الرسومات الى شركات الانتاج السينمائية الأمريكية حتى أخذ الناس ينعتونني بالمجنون و لكنني اتكلت على الله لأنه هو من اعطاني ووهبني تلكم الموهبة فواصلت المثابرة والعمل ومرت السنون تلو الأخرى و لم اتلق أي رد فقررت الابتعاد عن الميدان الفني لبعض الوقت والعمل في ميدان آخر لكي اتكفل بمدخول العائلة وبعدها دخلت في مرحلة صعبة جدا وبدأت أعمل في المعامل فتاثرت صحتي ودخلت المستشفي وبعد خروجي منها بدأت الاتصال من خلال مواقع التواصل الاجتماعي مع الممثلين ومنهم الاستاذ محمد قيسي الذي أعجب كثيراً بأعمالي وقام بنشرها على صفحته فنالت إعجاب المخرجين والمنتجين وبدأوا بالتواصل معي وأخذت حياتي المهنية في الفن و صناعة الملصقات بالطريقة التقليدية أي عن طريق الرسم و فن رسم الملصقات تتواصل، مع ان الافيش هو فن كلاسيكي قديم انتهي زمنه لأن التكنولوجيا المتطورة الرقمية وهي رائدة هذا العصر قد ازاحته جانبا، ولكن وبحمد الله نجحت في إعادة هذا الفن الى الساحة الفنية أما بالنسبة الى الاضافات التي اسهمت فيها لإثراء هذا الفن فكانت عبر الرسم الزيتي والتركيز على المبالغة الفنية في الظل والنور والكتابة بخط عصري جميل واستعمال الالوان الجذابة الممزوجة بطريقة الذوبان اللوني لإبرازها قريبا من الصورة الواقعية، لقد أعدت تركيب الملصق المرسوم و أخرجته من دائرة اللوحة التشكيلية الى رسم مركب بأبعاد مختلفة لتقريب فكرة الفيلم للمتلقي والتعريف بمضمون الفيلم وفي بعض الأحيان استعمل الصورة الحقيقية واضيف لها تزيينات فنية بالريشة بما تعجز الآلة الرقمية عن اضافتها !

1208 شمس الدين بلعربي 3

*هل تقتصر ابداعاتك على رسم الافيش فحسب، أم انها تخطت ذلك الى رسم اللوحات الفنية والبورتريه وماشاكل؟

- رسمت الكثير من اللوحات الفنية لشخصيات ثقافية وفكرية وعرفت بالثقافة العربية والإسلامية في المحافل الدولية وهذا واجب نحو كل فنان و مفكر ومثقف عربي .

 

* ماهو الافيش الاقرب الى قلبك حتى الآن؟

- الأفيش الأقرب إلى قلبي هو افيش فيلم: Chinese Hercules The Bolo Yeung Story وهو فيلم وثائقي يروي قصة الممثل الأسطورة بولو يونغ، ويتناول مسيرته الفنية و كان لي شرف تصميم ملصق هذا الفيلم الوثائقي التأريخي، أما عن أحب الملصقات التي لم اصممها وتمنيت لو انني صممتها فهي فيلم (قلب الاسد) الذي صممه الفنان جون الفين، وملصق فيلم (ليجيونير).

 

* هل اقتصرت رسوماتك على الافيشات الاجنبية، أم ان لديك افيشات للسينما العربية عموما، والجزائرية على وجه الخصوص ولماذا؟

- اكثر أعمالي الموثقة عالميا هي للسينما الأجنبية أما بالنسبة للسينما العربية فهناك مشاريع مستقبلية ووعود من منتجين ومخرجين عرب بهذا الصدد كما انني صممت غلاف البوم غنائي لفرقة موسيقية فلسطينية، أما بالنسبة للسينما الجزائرية فلم اتلق أي طلب بالنسبة للأفلام الا انني صممت بعض ملصقات المهرجانات الوطنية الجزائرية.

 

* كيف وصلت الى نجوم هوليوود ومن ابرز النجوم الذين تتواصل معهم؟

-الوصول الى نجوم هوليوود كان صعبا جدا بحكم التعقيد في كيفية الاتصال نظرا للكم الهائل من الرسائل التي تصلهم من المعجبين و كيفية عرض اعمالك و كيفية إقناعهم بعمل جديد مختلف و أنه سينال إعجاب الناس، زد علي ذلك أن لهم فريق عمل خاص بهم، كل هذا شكل عائقا امامي ولكن وبعد الاتكال على الله وبالصبر والتكرار والعمل المستمر لسنين تم التوصل إلي النتائج المرضية، وأهم النجوم الذين تعاملت معهم jean claude van damme و Jimmy Gourad و Qissi و Harrison page .

 

* حدثنا قليلا عن تجربتك في مصر، ماذا اضافت لك وما ذا اضفت لها؟

- المصريون هم أول من أسس لرسم الأفيش عربيا وتواصلت مع الكثير من الفنانين المصريين الذين وجهوني وارشدوني و لم يبخلوا عليَّ بأية معلومة و الحمد لله.

 

* اوجز لنا طموحاتك المستقبلية ومشاريعك الحالية .

- اتمني أن أفتح مدرسة عالمية للشباب العربي لإبراز مواهبهم و انا مستعد لإعطاء كل ما عندي من خبرة و تجربة وقد وجدت اذانا صاغية لتبني هذا المشروع وانا على ثقة بأني اذا ما وفقت لفتح هذه المدرسة فسوف ننتشل الكثير من المواهب الشابة الحالمة من الركود والبطالة .

اما بالنسبة لمشاريعي الحالية فانا اعمل على ملصق لفيلم هوليوودي كبير من بطولة مايك تايسون و انتونيو بانديرا فضلا عن ملصقات أفلام كثيرة أخرى، وختاما اشكرك استاذ احمد على منحي هذه الفرصة للتواصل مع القراء الكرام.

 

حاوره: احمد الحاج

 

1192 أولغاملخص الحوار باللغة العربية

تكتب أولغا زلبيربورغ  Olga Zilberbourg القصة القصيرة والمقالة (الترافالوغ) وتعمل الآن على أولى رواياتها. وكما تقول ستضع فيها خبراتها عن تربية الأطفال والأمومة والعلاقة الشائكة بين البيئة والطفل. ويمكن أن تفهم أنها تحمل بصمات آن إينرايت في كتابها (إنجاب الأولاد)، وأليف شافاق في كتابها (حليب أسود). ولكن هذا لا يعني أنها دون ذاكرة وطنية. فقصص مجموعاتها تعكس القلق الوجودي الذي مر به جيلها، و لا سيما في مرحلة الانتقال من الاتحاد السوفياتي إلى روسيا الاتحادية. وألم البحث عن ملجأ أو منفى أو في عالم مشحون ضد التجربة الروسية. ولذلك إن قصصها لا تخلو من مشكلة الحرب الباردة وعيوب البيروسترويكا وقضية البحث عن هوية أدبية واجتماعية.  ولدت أولغا في سان بطرسبورغ (ليننغراد) في أيام الدولة السوفييتية. ثم غادرت إلى الولايات المتحدة للدراسة. واختارت أن تقيم فيها. وهي حاليا تعيش في سان فرانسيسكو مع زوجها وابنها بوريس وابنتها زينة. وتعمل  محررة مستشارة في مجلة (ناراتيف) الأمريكية، ومعاونة مدير لورشة أدباء سان فرانسيسكو. عن  كل هذه المسائل كان لنا معها الحوار السريع التالي.

 

* كيف هو حال المشهد الأدبي في روسيا الاتحادية الآن؟.

-   دخل الفضاء ناشرون جدد، وأصوات جديدة كثيرة. وهناك دور صغيرة تتابع دورها في اكتشاف كل شيء جديد، ولا سيما ما لم يكن موجودا في الاتحاد السوفييتي السابق.

 

* من هو أكثر معاصرة وتأثيرا بالمشهد المعاصر.. باختين أم برديائيف؟.. تولستوي أم دستويفسكي؟. وهل غوركي خارج التاريخ أم أنه موجود في روح الأجيال الجديدة؟.

- سؤال تحريضي. باختين طبعا. وتحليله للديالوج والكرنفالات لا ينضب. ولا أعتقد أن دستويفسكي أو تولستوي لهما نفس الرصيد في الحياة الراهنة. إنهما من الماضي ولهما دور في تربية الناشئة. لكن بوشكين هو الكاتب الخالد الذي لا يموت في ضمير الأجيال. وقصصه تعجبني وأعود لها دائما. أما غوركي فهو حي فعلا. ولا يزال له وزن. وأي تحليل معاصر لكتاباته يؤكد وجوده على المسرح السياسي أو سياسة الأدب.

 

* من هو أهم كاتب روسي في العصر الراهن برأيك؟.

- بلا تردد أقول سفيتلانا أليكسييفيتش، ليودميلا بيتروشيفكايا، لينور غوراليك، غوزيل ياخينا، أليشا غانييفا وآخرون.

 

* وماذا عن فلاديمير شاروف المترجم إلى الإنكليزية والعربية.  والذي حصد عدة جوائز؟..

- أتساءل كيف تأثرت به. طبعا  أنا أسمع عنه، ولكن تأملاته الدينية لا تصلني. فهو كاتب متدين. أترك مهمة الكلام عنه لك.

 

* كيف تنظرين لكتابات سولجنتسين ونابوكوف. هل تعتقدين أنهما قدما أبعادا جديدة للأدب الروسي. أم أن آخرين لعبوا هذا الدور ولكن عاشوا في منفى مزدوج، خارج المكان وفي الظل؟. هل لديك أسماء ومبررات؟..

-  نابوكوف، في عصره، وبرودسكي وسولجنتسين في فترتهما، لعبوا دورا كبيرا، لنقل: ضد النظام التوتاليتاري، وهو السبب الذي ألقى بهم في المنفى. ولكن أنا نشأت في عصر مختلف، وسافرت استجابة لنداء وضغط آخر. ولذلك لست مبتورة عن روسيا ولا توجد عندي أسباب للحقد. وفي هذه الآونة، أنا مهتمة بحكايات اليهود الروس الذين استقروا في أمريكا. على سبيل المثال، اكتشفت مؤخرا أعمال أنزيا يزيرسكا، والتي حققت شعبية واسعة بكتاباتها عن الغيتو اليهودي في مدينة نيويورك في فترة العشرينيات. وكتابها “سالومي في الوصايا” تحول إلى فلم صامت.

 

* كيف ينظر الأمريكيون للأدب الروسي. ومن هو الأهم برأيهم.. التقليديون أو المعاصرون؟. 

- لسوء الحظ، معظم الأمريكيين الذين لا يجيدون الروسية يعترفون بأسماء قليلة من جسم الأدب الناطق بالروسية. وأقول “لسوء الحظ” لأن هؤلاء الكتاب، رغم أهميتهم، يقدمون رؤية مختزلة عن الأدب الروسي. ولكن من حسن الحظ، أنه يوجد حلقة قوية من المترجمين الذين ينقلون من الروسية إلى الإنكليزية.

 

* ما هي الكتب التي نشرت لك بالروسية والإنكليزية. وأين تضعين نفسك: في المشهد الروسي أم الأمريكي. بكلمات أخرى لمن تنتمين، لماذا؟؟..

- للتو نشرت مجموعتي “مثل الماء وقصص أخرى” وصدرت عن دار “وتاو” في كاليفورنيا. وكتابي السابق “الأرض المستسلمة Khlop-strana "صدر في موسكو عام 2016 عن دار نشر فريميا. وسبقت ذلك مجموعتان من القصص ونشرتهما مطابع مستقلة في سانت بطرسبورغ. ولكنني أكتب غالبا بالإنكليزية وأتعاون مع مترجمين لنقلها إلى الروسية. وأحيانا، أكتب القصص بالروسية أيضا. وأنا مغرمة بالتفكير بسؤال أو مشكلة الانتماء والهوية -- الجواب ليس سهلا ولا مباشرا. إنما ككاتبة أجد نفسي في البيئة التي أعيش فيها في سان فرانسيسكو-- ولا زلت أكتشف أصواتا جديدة هنا.

 

* هل لديك تعليق حول الأدب الأمريكي ما دمت تختارين الحياة في سان فرانسيسكو والكتابة عنها؟.

- جوالكتابة في سان فرانسيسكو كوزموبوليتاني بمعنى أنه مختلف تماما عن نيويورك. وأقرأ حاليا كتابا قريبا من قلبي من تأليف ليليان هوين وعنوانه “مشترو السحر”، تدور الأحداث في تاهيتي وتروي قصة شاب من جماعة هاكا الصينية في تاهيتي والذي يغرم بابنة عمه. وفي سان فرانسيسكو دار للنشر هي “تو لاينز” وتركز في موادها على الترجمات الأدبية، وقد نشرت مؤخرا “مشرق” للكاتبة دوانوود بيموانا. وبترجمة موي بوبوكساكول، وهذه أول رواية لامرأة تاهيتية تمت ترجمتها إلى الإنكليزية. أما من بين كتابي المفضلين في سان فرانسيسكو أذكر:  تميم أنصاري، المولود في كابول، والذي تلقى علومه في جامعة ريد في أوريغون، وبيغ ألفورد بيورسيل، شارلي جين أنيرز، وغيرهم...

 

* هل تعرفين شيئا عن الأدب العربي. ماذا. وما رأيك به.  ومن له علاق وثيقة بالمشهد العربي، أمريكا أم روسيا؟..

- الجيل السوفييتي السابق من القراء كانوا على دراية أفضل بالأدب العربي بالمقارنة مع جيلي. والترجمة ليست مباشرة وغالبا تكون عن طريق الإنكليزية -- ومن فترة قريبة اطلعت بالروسية على عرض لكتاب: “تاريخ العرب” للمؤرخ البريطاني إيوجين روغان. ولكن أهم كاتبين حصدا شهرة مماثلة في الاتحاد السوفييتي وأمريكا هما المصريان نجيب محفوظ ويوسف إدريس.  وأنا لا أنسى ترجمة فادي جودة لشعر محمود درويش  -- وأذكر من قصيدة نشرتها مجلة ناراتيف، التي أشترك بتحريرها، قول درويش: "ماذا/ سنفعل/ من / دون/ منفى؟". وبالإشارة للمنفى، أنت رشحت لي مؤلفات هشام مطر. وأحببت على وجه الخصوص كتاب مذكراته “العودة”، ثم بحثت عن أعماله السابقة ورأيت أنها شديدة الأهمية ورائعة.

 

 * ماذا تقرأين الآن. وما رأيك به؟؟..

- مهتمة بقراءة قصص نسائية لأتعلم المزيد عن عالم المرأة. وذكرت لك سابقا عن إعجابي بكتاب “إنجاب الأطفال” للإيرلندية آن إينرايت. أسلوبها طريف و تتعلم منه أشياء كثيرة عن حكمة الأمومة وعبقرية الأطفال.  وبدأ هذا الاهتمام بعد إنجاب ابني الأول بوريس. و لكن الآن أطلقنا أنا ويلينا فورمان مدونة سميناها “سطور وعلامات تنقيط” بهدف جمع نتاجات الأصوات غير المعروفة من أدب ما بعد سقوط الاتحاد  السوفييتي. وهذا مشروع شيق وأتلقى منه زادا معرفيا هائلا.  فسقوط الدولة السوفييتية تجربة مخيفة وملهمة أيضا.

 

أجرى اللقاء بالإنكليزية وترجمه: صالح الرزوق

..........................

Russian Literature Between Past and Present: An Interview with the writer Olga Zilberbourg

Olga zilberbourg is a Russian writer belong to the fourth generation of story tellers. I mean the one that happened to appear after Russian renaissance, soviet Russia and writers in exile. She reflects in her stories much concerns about two points.. social upheaval and being uprooted.

Olga was raised in Sant Petersburg before she settled in San Fransisco. Most recently she serves as a consulting editor at Narrative Magazine and as a co-facilitator of the San Francisco Writers Workshop.

About Russian literature and her creative works we had this little chat.

*For a start what do you think about the contemporary scene of Russian literature?..

With the fall of the Soviet Union, contemporary Russian literature has become decentralized. On the one hand, the print runs are a lot smaller, but on the other hand, many new publishers have entered the space, and many new voices. In the past few years, the market pressures have led to some consolidation in the publishing industry -- but there remains a number of small presses that discover new voices -- none of that existed in the Soviet Union.

*Do you think recent writers retained some principals of soviet era.. in contents and in forms. Or went back completely to great traditions of russian poetry and novels.   And who is more influential. Soviet or russian writers. Inside and beyond borders?.

In 2018, Yuriy Saprikin, an influential Moscow-based journalist and editor, launched a project "Polka" -- "Bookshelf" -- where he asked a group of experts (teachers, writers, critics, etc) to nominate the most influential works of Russian literature. As a result, his team came out with a list of 108 books. At the top of this list is Lermontov's The Hero of Our Time, then Tostoy's Anna Karenina, then Gogol's The Dead Souls. Numbers six and seven are works written during the Soviet era, though anti-Soviet in effect: Andrei Platonov's The Foundation Pit and Venedikt Erofeev's Moscow-Petushki. So, the answer is: both, though I do believe that what we took most from the Soviet period is less the officially sanctioned literature (say, Gorky and Sholokhov -- though each of these is represented on "Polka"), but the underground and counter-cultural literature.

https://polka.academy/books?sort_direction=desc

*Of course there is some concern about who is more contemporary and influential.. Bakhtin or Berdyaev?.  Dostoevsky or Tolstoy?. Is Gorky out of date or is still alive within new emerging voices?..

Hah, great questions. To me, Bakhtin, is definitely more relevant. I definitely aspire to writing carnivalesque and dialogic literature. I haven't reread Dostoyevksy or Tolstoy since graduate school, but I do return to Pushkin with great joy. His short stories are so much fun!. Gorky could probably stand a contemporary reevaluation and rereading. He still matters, for sure -- one of the best contemporary online literary magazines is named after him:https://gorky.media/

Any analysis of his work today would still read very political, I think.

*Who is the best Russian writer in recent time in your opinion.

I would highly recommend Svetlana Aleksievich, Liudmilla Petrushevkaya, Linor Goralik, Guzel Yakhina, Alisa Ganieva and more.

*And what aboutVladimir Sarov who is available in English and Arabic translations?..

I'm curious what you'll make of him. I've heard of him, for sure, but I don't particularly find his religious speculation interesting. My personal perspective, of course. Would love to know your take!.

*Now to the exile.  How do you look at the writings of Solzhenitsyn and Nabokov. Do you think they had given new dimensions to russian literature. Or others more represented russian literature but lingered in the shadows. Who and why??.

In her recent essay "A Century of Russian Culture(s) Abroad" (published in a volume called "Global Russian Cultures," edited by Kevin M.F. Platt), Maria Rubens argues for moving away from the idea of "waves" of Russian emigration to the notion that loci of Russian culture exist in various places and time periods, and they are a permanent and evolving formation. "Each locus of Russian life that has emerged over the last century generated its own models of extraterrestrial identities, shaped by evolving relations with the metropolitan space and local geography." I find these ideas appealing.

Nabokov in his time, and Brodsky and Solzhenitsyn in their time had a lot to say against the totalitarian regime that sent them into exile. I grew up in a different era, and went abroad following different pressures. I'm not cut off from Russia--I could return there if I wanted to, and I don't hold a grudge. At the moment, I'm particularly drawn to stories of Russian Jews who found home in America. For instance, I've recently discovered the work of Anzia Yezierska, who achieved considerable popularity writing about the Jewish ghetto in New York City in the 1920s. Her book, Salome in the Tenements, was adapted into a silent movie. In the 1950s, she published her "fictionalized biography," that I haven't read yet but looking forward to.

*How do the Americans receive the russian literature. And what is more respectable. Old great writers or contemporaries?.

Unfortunately, most non-Russian speaking Americans still recognize only a few names from the body of Russian-language literature. I say "unfortunately" because these authors, though important, provide a reductive view of Russian literature. Fortunately, however, there's a very strong group of translators who work from Russian to English. And these translators are often willing to be champions for their authors. I loved seeing recent translations of the work of Guzel Yakhina, Ksenia Buksha, Linor Goralik, Olga Slavnikova, Akram Aylisli -- an author from Azerbaijan, who writes both in Azeri and Russian. Lisa Hayden runs a wonderful blog "Lizok's Bookshelf" where she catalogs the top translations from Russian. I highly recommend it: http://lizoksbooks.blogspot.com/2018/12/russian-to-english-translations-for-2018.html

 *What do books do you have published in russian and in english so far. And where you put your self. In russian or American scene. In other words to whom you do belong. Why?.

LIKE WATER AND OTHER STORIES was just published by WTAW Press in California. My previous book, The Clapping Land (Khlop-strana) came out in Moscow, in 2016, from Vremya Press. Two previous collections of stories were published by independent presses in St. Petersburg. I do most of my writing in English and work with translators who help me to adapt these stories to Russian. On occasion, I do write stories in Russian as well. I do love pondering the question of belonging and identification -- the answer to it has never been simple and straightforward one. As a writer, I strongly identify with my writing community in San Francisco--and I keep discovering new voices here.

*Do you have a say about American literature since you live in SF?.

My view of American literature is definitely impacted by living in San Francisco. The voices that I hear most strongly around me often reach the commercial publishing houses in New York, but often they don't. Writerly San Francisco is a very cosmopolitan space in a way that's very different from New York. My recent favorite was a book by Lillian Howan, THE CHARM BUYERS, set in Tahiti and telling a story of a young man from the Hakka Chinese community on Tahiti who falls in love with his cousin. Two Lines Press, a San Francisco-based publisher that focuses on literature in translation, recently published BRIGHT by Duanwad Pimwana and translated by Mui Poopoksakul, which is the first novel by a Thai woman to be translated to English. My other favorite local writers include Tamim Ansary, who was born in Kabul and went to college at Reed College, in Oregon, Peg Alford Pursell, Charlie Jane Anders, just to name a few.

*What is the difference between American and russian literatures in your view. Or both belong to one mind and two tongues?..

My sense is that barriers to entry into American literature are lower. You want to be a writer? Great -- get a degree in creative writing, and learn all about that profession. Obviously, this path depends on having money to get the education and to support yourself through this challenging and not very financially rewarding career -- and underprivileged groups have much smaller chances of accessing this path. In Russia, as far as I know, there's still only one university that teaches creative writing. Creative writing workshops have been popping up in various places in Russia, but they don't have the same clout as a university degree, and few publishers pay attention to them. So, a path to a writing career can be a lot more circuitous and depend on personal connections.

*Do you know some thing about Arabic literature. What. And what do you think about it. Who is better involved with Arabic scene, The states or Russia?.

The dissolution of the Soviet Union meant that traditional publishing connections vanished. The previous generations of Soviet readers were a lot better informed about Arabic literature than mine is. If literature from Arabic is getting translated in Russia (and I'm sure it is), I haven't seen it reach the mainstream booksellers and reviewers. Translation often happens through English--just the other day, I saw a review of a Russian translation of a book by a British writer, Eugene Rogan, The Arabs: A History.

Two writers who were equally present in the Soviet Union and in the United States are probably Egyptian writers Naguib Mahfouz and Yusuf Idris. Personally, I have very much enjoyed Idris's short fiction. But I'm not sure if he's read in Russia anymore. In the US today, I think Arab literature is best represented less through translation than through the work of the exilic authors. Translation does happen: I very much appreciate Fady Joudah's versions of Mahmoud Darwish's poems -- I still remember the line from his poem published in Narrative Magazine, where I used to work: "What / will we do / without / exile?"  And speaking about exiles, you've introduced me to the books by Hisham Matar. I particularly appreciated his memoir The Return, but I went back and read his novels that I found quite wonderful.

*Does 11/9 catastrophe affect russian literature? .

I don't think 9/11 affected Russian literature. Perhaps, it speaks more to the limitations of my perspective, but I haven't seen references to 9/11 of any significance in Russian literature.

*What kind of project you are working on now?..

I've been working on personal essays -- it's a new form for me, and I'm trying to see if it will be a productive for the stories I have to tell. I'd really like to explore more of my memories from growing up in the Soviet Union at the time of its dissolution. Being a teenager in a country that was suddenly left without history gave a very particular slant of my understanding of the world, and I want to explore that.

*What do you read now. What do you think about it?.

I'm interested in reading more of women's stories and learning more from women. Yelena Furman and I have recently started a blog called "Punctured Lines" with the goal of gathering underrepresented voices of the post-Soviet literature. It's been a thrilling project and I'm learning a ton through it. https://puncturedlines.wordpress.com/

Interviewed by: S. Razzouk

 

 

1191 زادي سمثكتابة: زادي سميث

ترجمة: أحمد فاضل

***

في أحدث مقابلة مع الروائية البريطانية المتحدرة من أصول جامايكية زادي سميث، الحاصلة على عدة جوائز مهمة منها على سبيل المثال جائزة أورانج الأدبية، صحيفة الغارديان البريطانية المعروفة توجهت لها أن تقول كلمتها بخصوص الكتب التي طالعتها وتطالعها بأسئلة تدور جميعها حول الكتب، وهو باب يتابعه قراء الصحيفة باهتمام في كل شهر، حيث تلتقي فيه بأسماء لامعة في الأدب والفن ما يعكس حجم ما تتمتع به هذه الأسماء من ثقافة في مجال القراءة، فكان أن كتبت تقول:

 

الكتاب الذي أقرأه حالياً:

"عصر رأسمالية المراقبة" للكاتبة شوشانا زوبوف تبلغ عدد صفحاته 700 صفحة، لقد قرأته لفترة من الوقت إذ تم قياس أهميته بمدى فعالية وصفه للعالم الذي نعيش فيه، ومدى إمكانيته لتغيير العالم المذكور، فأرى أنه من السهل أن يكون أهم كتاب ينشر هذا القرن " .

 

الكتاب الذي كان له أكبر تأثير على كتابتي:

" أعتقد أن الإجابة الأكثر صدقاً على ذلك هي دائماً كتب الأطفال، وأخص منها " الاصبع السحري " لرولد دال " .

 

الكتاب الذي أعتقد أنه بالغ الروعة:

" اثنان قرأتهما مؤخراً: الأول هو " منزل يمسها " للكاتب ويليم فريدريك هيرمانز، هو كاتب كلاسيكي معروف لدى معظم القراء الهولنديين، ولكنه جديد بالنسبة لي، أما الثاني "المرأة حافية القدمين " للكاتب الرواندي Scholastique Mukasonga هو كتاب جميل ومؤلم يجب قراءته على نطاق أوسع " .

 

الكتاب الذي غير رأيي:

"روح اللامساواة في الحياة الأمريكية" للكاتبتين كارين إي فيلدز وباربرا جي فيلدز، تحدتا وبشكل جذري بعضاً من أقدم الأفكار حول العرق وغيرتا الكثير من آراء إيمانويل كارير وآني إيرنو التي وردت في كتبهما الفرنسية " .

 

الكتاب الأخير الذي جعلني أبكي:

"الزيتون مرة أخرى" من قبل اليزابيث ستراوت، ما يلفت النظر في ذلك هو أنه في ذلك الوقت لم أكن قد قرأت لأوليف كيتريدج التي تحدثت عنها، حيث تمكنت ستراوت من أن تجعلني أحب هذه المرأة الغريبة التي لم أقابلها أبداً، ولم أعرف عنها شيئاً، يا لها من كاتبة رائعة ".

 

الكتاب الأخير الذي جعلني أضحك:

"أنا الجديد" لهالي بتلر، الذي سبق وأن قرأته عندما كنت طالبة، يروي حكايات جيل الألفية من الشابات وبصورة تدعو للسخرية " .

 

كتاب لم أستطع الانتهاء منه:

" كثيرة جدا هي الكتب التي لم أتمكن من الانتهاء من قرائتها، مثل مارسيل بروست و Robert Musil’s The Man، أو حتى " الأخوة كارامازوف "، وهو ما سوف أعطيه فرصة أخرى للقراءة في الوقت الحالي، وكذلك " قصة مدينتين " و " دون كيشوت " والقائمة تطول، إنها ليست مسألة عدم إعجابي بهم أبداً، إنها دائماً مسألة وقت والتزامات أخرى، فأنا أكره عدم الانتهاء من الكتب ودائما ألوم نفسي على ذلك " .

 

الكتاب الذي شعرت بالخجل منه ولم أقرأه:

"من الصعب أن أفرد واحداً من هذه الكتب، ولكن ربما أشعر بالخجل لعدم قراءة " مذكرات توماس ثيسلوود "، كنت أكتب عن العبودية وأستخدمها في الكثير من رواياتي، لكنني وجدت اليوميات تبتعد كثيراً عما أؤمن به، إنه لأمر مدهش بالنسبة لي أن مثل هذه الكتب تجد لها قرائها ويستطيعون تحمل ما يقوله كُتابها" .

 

راحة لي عند قراءة:

"أي شيء من قبل كريس وير، من المريح أن أعرف أنه ليس لدي سوى فرحة قرائتها أمامي لبضع ساعات ".

 

الكتاب الذي أقدمه كهدية:

"أعتقد أن الكتاب الذي يتم تقديمه كهدية يجب أن يكون بكل سرور ودون أي التزام لذلك غالباً ما أقدم روايات مصورة، لقد أعطيت مؤخراً مجلدات " عرب المستقبل " للكاتب رياض سطوف للكثير من صديقاتي وأصدقائي " .

 

الكتاب الذي أحب أن أتذكره أكثر شيئاً من غيره:

" الكتاب الذي يترك في نفسي مساحة كبيرة من الإعجاب " .

 

عن / صحيفة الغارديان البريطانية

 

1189 محمد شارفلذلك تم استغلاله لزعزعة تراثنا الإسلامي.

أهلا ومرحبا بك معنا.

- مرحبا أختي خولة.

 

بداية: كيف يقدم لنا الدكتور محمد شارف نفسه؟ وخلاصة ما عاشه من تجارب وتنقلات فكرية بين الحركات الفكرية للقراء والمتابعين؟

- رغم أنني لست مؤمنا بتزكية الإنسان لنفسه وأومن إيمانا عميقا بأن عمل الإنسان هو خير من يقدمه للناس .إلا أنني ـ واستجابة لدعوتك ـ أقدم نفسي بإيجاز ..محمد شارف من مواليد 7سبتمبر 1960ببوحنيفية ولاية معسكر .درست الابتدائي بمسقط رأسي ثم التحقت بالمعهد الأصلي ولاية سيدي بلعباس وبعد التخرج زاولت مهنة التعليم كأستاذ للغة العربية، مارست هواية الشعر منذ الصغر ثم تخليت عنها .ونظرا لبعدي عن الأضواء لم أشارك في الملتقيات إلا نادرا ..كتبت ثلاثة كتب هي على التوالي 1سيد قطب المفترى عليه 2عيسى بن مريم وليس بن الله3ضوابط الاعتدال في نقد الأفكار والرجال ..كما ألفت ثلاث روايات 1وغربت شمس الضلال2العائد من الجحيم 3الراقي والمسحورة. ولي كتب أخرى تحت الطبع منها 1نفحات الإنعام في شرح قطر ابن هشام الذي سيصدر قريبا .

أما عن التنقلات الفكرية فأنا من عائلة محافظة متدينة ونشأت على هذا وما زلت ملتزما به والحمد لله، لكنني عايشت اليساريين والعلمانيين وتحاورنا وتم التفاعل وأثر ذلك في أعمالي الكتابية والشفوية.

 

- تعيش الدولة الجزائرية هذه الأيام حراكا شعبيا ونخبويا كبيرا ما قراءتك الثقافية والفلسفية لهذا التحول الكبير الذي يشهده وعي المجتمع الجزائري؟.

- في البداية دعيني أقول لك :إن الحراك الذي عرفته الجزائر هو حراك شعبي جاء كنتيجة تراكمات سلبية عديدة ’فالسلطة قد وصلت إلى نوع من التردي لم يعرف له مثيل من قبل ..التعفن الإداري، والتسيب السياسي، والعفن المالي الذي أزكمت رائحته العفنة كل النفوس الشريفة، وباتت الجزائر وكأنها مزرعة تسيرها فئة أقل ما يقال عنها أنها عصابة لا تنتمي لهذا البلد ولا تحب له الخير، ومما زاد في الطين بلة أن كرسي الرئيس الذي هو رمز البلد أصبح يجلس عليه شخص عاجز والغريب أن هذا الشخص أصبح وكأنه صنم تقدم له القرابين من طرف أناس يخدمهم بقاؤه ..ونتيجة لكل هذا هب الشعب وثار سلميا مطالبا باسترجاع وطنه المسروق منه ..أما النخب فبعضها تريث كعادته والبعض الآخر ركب الموجة لعله ينال ولو قسطا من الكعكة والبعض الثالث ساند الحراك بدافع حب الوطن وتخليصه من براثن هذا المستنقع لأنه يؤمن بأن هذا البلد ضحى من أجله رجال ليعيش أهله سادة لا عبيدا

 

- أبانت الحركة الطلابية بالجزائر في ظل الحراك على وعي وطني كبير هل يمكن مقارنة ثورة الطلاب بالجزائر هذه الأيام بثورة طلاب فرنسا سنة 1968م التي غيرت مجرى أوروبا كاملة؟.

- في اعتقادي أننا لا نستطيع أن نقارن بين ثورة طلاب كانت فاعلة ومنسجمة مع المشروع التحرري الهادف إلى نبذ الهيمنة وتحرر البلاد وزرع أفكار خادمة للمجتمع والشعب الجزائري عموما أقصد ثورة 1968وبين مشاركة الطلاب في الحراك الذي لا يرقى إلى تسميته ثورة ..فالأولى كانت فاعلة والثانية كانت منفعلة، والأولى أثرت في الغير بينما الثانية تأثرت بالغير.والأولى كانت أسبابها وغاياتها واضحة بينما مشاركة الطلاب في الحراك لم تكن واضحة الأسباب والدوافع ..بالإضافة إلى أننا عندما نقرأ الحركة الطلابية في الجامعة نجدها محزبة وتعمل لأجندة حزبها ..فالولاء عندها للحزب أو الجماعة مقدم على الولاء للوطن والشعب ..وهذا لا يعني أنه لا يوجد من الحركة الطلابية من كان نزيها صادقا وأولى أولوياته هي حب الوطن والعمل له ..كما أن الجامعة هي المخبر الذي تتكون فيه الأفكار ومنذ تأسيس الأحياء الجامعة شاهدنا هذه التناقضات الفكرية والانتماءات الإديولوجية والحزبية

- تنامي وبروز النعرات العرقية والقبلية ومصطلح الهوية داخل الحراك في هذا الوقت بالذات أليس مؤشرا خطيرا لاختراق الحراك وهل يمكن لأطراف تصطاد في المياه العكرة أن تتسبب في الانفلات الأمني بالبلاد؟

- النعرات موجودة منذ القديم لكنها تختفي وتظهر حسب الخريطة السياسية وحسب طموحات أصحاب القرار ففرنسا المستعمرة استغلت هذه النعرات ثم جاء المسؤولون بعد الاستقلال واستغلوها لحفظ بعض التوازنات ..لكننا كمسلمين نؤمن بقوله تعالى(إن أكرمكم عند الله اتقاكم )كما نؤمن بأن الرسول محمدا جاء رحمة للعالمين ولو يأت لعرقية دون أخرى .والغريب أنه بعد أحداث سنة1991استغلت الطبقة الحاكمة والتي لها انتماء واضح ..هذه النعرات وغذتها فأوصلت سفينة البلاد إلى الارتطام بالصخور مما أدى إلى تحطيمها في النهاية ..ولا نستغرب أن يخترق دعاة الفكر العرقي كاليساريين واللائكين المتطرفين الحراك بغية توجيه إلى تحقيق أهدافهم ..وهذا ما حدث بالفعل حيث أصبحنا نسمع أصواتا هنا وهناك تدعو إلى بعض الأفكار المشبوهة التي لا تخدم البلد والوطن ..ولكن ما نحمد الله عليه أن الجيش الحالي لم يتورط فيما تورط فيه الجيش في التسعينات من الاستجابة لأقلية شاذة فكرا وانتماء تريد أن تتحكم في بلد عريق حضارة وثقافة ودينا .

 

- أصبحت المجتمعات العربية اليوم تلجأ للدراما التركية بشكل ملفت للانتباه فهل أصبحت الدراما التركية تلبي حاجاته العاطفية التي فشلت الدراما العربية في معالجتها ما تعليقكم؟ أم أن ذلك إحدى وسائل القوة الناعمة التركية التي تمكنت من خلالها السيطرة على ذهن المجتمعات العربية؟.

- لا يخفى على أي باحث دور الصورة وتأثيرها على المجتمعات سواء في تقديم المعلومة أو تقديم الدراما ..فالدراما العربية رغم تقدمها في مجال الصورة بشكل نسبي مقارنة بالماضي إلا أنها على الشكل الموضوعي نجد إما أنها تجتر الماضي أو تلجأ للبهلوانية وكأنها مازلت تستخف بعقول المشاهد العربي ..بالإضافة إلى الرقابة السياسة التي تئد كل فكر جميل يعلو ولا يهبط .أما الدراما التركية فأهدافها محددة وليست غوغائية فهي ذات هدف استقطابي تجاري.حالمة بماض مجيد عاشه أجدادها،  واستخدمت براعة التصوير وجدة المواضيع والجرأة في الطرح للوصول إلى هذه الأهداف ومما زاد انبهار العالم العربي بها هو ترجمتها للعربية وأحيانا إلى اللهجات المحلية .أما عنصر إشباع الغرائز والعواطف المكبوتة فهو واضح ولا يحتاج إلى تعليق .

- قديما خاصة بعد نكسة حزيران 1967 كان للمفكر العربي دور كبير في تفعيل الحراك السياسي والشعبي، بماذا تفسرين التراجع الرهيب لدور المثقف العربي في الحراك السياسي العربي بعد الربيع العربي؟.

أعتقد أن القضية هنا هي قضية نوع الثقافة والوعي لدى المفكر ..فبعد هزيمة 1967والتي تعتبر نكسة بكل المقاييس لأن إسرائيل هزمت كل الدول العربية مجتمعة ومرغت سمعتها في التراب ..فالمثقف العربي آنذاك رغم انهياره من الداخل لم تطل نومته بل صحا وشرع يبحث عن أسباب هزيمته فاقتنع بأن الزعامات الفارغة والخطب الرنانة والسياسة التي ليست لها أهداف واضحة قد تؤدي به إلى الهاوية ..فبدأ يكتب ويناضل ويدعو للتحرير وعدم الذوبان في الآخر وركز على القضية المركزية وهي استعادة كرامته وتحرير أرضه ومحاولة امتلاكه لوسائل القوى والتقدم مثل عدوه ..لكن المثقف العربي الحالي يعيش تشرذما وفقدا للحصانة الثقافية التي تحميه من الذوبان ..فتفتحه على الغرب مبالغ فيه، حيث يراه قدوة في كل شيء، كما أن المعيار النقدي عنده ضعيف فهو لا يقوم بدور الغربلة بل يريد أخذ كل شيء عن الغرب (دون تعميم طبعا).. بقي أن أشير إلى أن العالم العربي بعد نكسة 1967ظهر فيه تياران ثقافيان متناقضان 1المد اليساري 2المد الديني بالَإضافة إلى موجة اليأس والقنوط التي أدت إلى ظاهرة الإلحاد ..وهذا عكسته كل الكتب والروايات التي جاءت بعد تلك الفترة ..بل حتى بعض الأعمال الدرامية عالجت هذه الظاهرة ومنها على سبيل المثال (فيلم أين تخبئون الشمس) ليوسف شاهين .

 

- فكرة المهدي المنتظر ظاهرة منتشرة في الأديان السماوية ما قراءتكم لتحول هذه الفكرة إلى مطية للتكاسل عن فعل التغيير بالوطن العربي دون باقي الشعوب؟.

- فكرة المهدي المنتظر ليست منتشرة في كل الأديان السماوية، بل هي عقيدة عند المسلمين سنة وشيعة فهم متفقون على الفكرة ولكنهم يختلفون في الجزئيات ..فمهدي الشيعة حي وموجود في السرداب وسيخرج .أما مهدي السنة فميت وسيخرج في آخر الزمان عند ظهور الفتن وهو عندهم علامة من علامات الساعة ..أما الأديان الأخرى فتوجد عندهم فكرة المخلص وهي شبيهة إلى حد بعيد بفكرة المهدي عند المسلمين .

بغض النظر عن المهدي كعقيدة نجد أن المنهزم يهرب من الواقع باستمرار ويلجأ إلى عالم الغيب كعملية تبريرية لعجزه ..والأحق لو يدرس الإنسان مشكلته بمعطياتها الواقعية ويتعامل معها على هذا الأساس ..(هذا ليس إنكارا مني للغيب فهم من عقيدتي وجاء به قرآني)

 

- بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تم الإعلان من أمريكا عن جعل تلك السنة سنة للتعايش و الحوار بين الأديان ..لكن الواقع أدى إلى عكس ذلك فشاهدنا ضرب العراق وغيرها ما تحليلكم لذلك؟.

- التعايش السلمي بين الأديان مبدئيا لا يكون بين دين صحيح وآخر محرف كما لا يكون بين قوي يفرض سيطرته وآخر ضعيف لا حول له ولا قوة ..فالأديان مصدرها واحد هو الله الذي بعث أنبياءه وقالها محمد بن عبد الله (نحن معشر الأنبياء أبناء علات أبونا واحد وامهاتنا شتى )والأديان جاءت لخدمة الإنسان كإنسان دون النظر إلى عرقه أو جنسه أو لسانه لكن الهيمنة المسيحية لا تؤمن بهذا .فأعتقد أن تنامي ظاهرة الإرهاب كانت من الدواعي إلى إعلان هذه الفكرة مؤقتا ..ثم جاءت قضية ضرب العراق ودون كلام كثير فهي ذات شقين:

1- إرجاع العرب إلى بيت الطاعة وقص جناح صدام حسين الذي رأوا فيه متمردا عن الطاعة وربما معرقلا لمشروع أمريكي في الشرط الأوسط بتمويل خليجي .وهذا ما ظهر الآن جليا ولا يحتاج لأي توضيح

2ـ ضرب مقومات الحضارة العربية الإسلامية التي تحول دون استغلال اليهود لتلك المنطقة .. ولا ننسى أن علاقة اليهود بالعراق قديمة فهي متواجدة منذ العهد البابلي ..

 

- انتشار دعوات تجديد الخطاب الديني تطالب به العديد من الدول الغربية ..إذا كنا فعلا بحاجة لذلك فلماذا الاقتصار على الخطاب الديني الإسلامي فقط دون المسيحي في منطقتنا العربية؟

- السؤال يحمل في طياته بذور الجواب ..أولا إن التجديد فكرة إسلامية،، ولقد عرف التاريخ الإسلامي مجددون عبر حقبه منهم على سبيل المثال الشافعي وأبو حامد الغزالي وغيرهما ..وحتى السنة النبوية تبين بأن هذا الدين فيه تجديد لكن هذا التجديد له شروطه وضوابطه وليس بابا مفتوحا على مصراعيه ..ثم إن هذا التجديد يأتي استجابة لدواعي دينية واجتماعية وثقافية نابعة من المجتمع المجدد وليس مفروضا عليه من عنصر خارجي ..فالغرب يريد تجديدا في الأصول العامة والقواعد الدينية وحذف آيات وأحاديث من الدين كما يجري في مصر الآن ..بحجة أنها لا تنسجم مع العصر والزمن ..وفي الواقع أنها لا تنسجم مع الغرب الذي يريد الهيمنة والاستحواذ الثقافي واستحمار الشعوب العربية والإسلامية ..ثم لماذا لا يمس هذا التجديد الخطاب المسيحي لأن هذا الخطاب بشري بأصله ويغيرونه متى يشاءون ..

 

- تاريخ العالم العربي والإسلامي يعج بالعديد من المغالطات التاريخية وحتى الدينية منها لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا ارتبط ظهور هذه المغالطات بالفكر الاستشراقي بالذات ما قراءتكم لذلك؟.

- الكلام طويل ..لكن المغالطات التاريخية بدأت قديما على يد الحركات الهدامة وفي مقدمتها الحركة الشعوبية (في الأدب) والحركة الباطنية (في الدين) لكن في عصر الحديث كان المستشرقون أكثر دقة في الهجوم وأعظم تأثيرا لأنهم وجدوا تلاميذ مخلصين ينشرون هذا الفكر ومن بينهم 1طه حسين 2علي عبد الرازق 3محمد أركون وغيرهم ..وهذه المغالطات يجب أن نقرأها بتأن ونعالجها بموضوعية بعيدا عن التقديس والتبخيس ..كما أن المستشرقين نقبوا في بطون الكتب التي أهملناها نحن طويلا ..ومن هذه المغالطات: - 1الإساءة إلى الصحابة وفي مقدمتهم خالد بن الوليد وعثمان بن عفان.

- 2الإساءة الى التاريخ العباسي والإسلامي جملة وتفصيلا

- 3التفاسير الخاطئة للقرآن والسنة وإعطائها أبعادا عدائية

4- تشويه الأدب العربي في مقابلة تمجيد الأدب اليوناني وأساطيره

 

- الحركة الثقافية العربية تشهد تهافتا كبيرا على منجزات الثقافة الغربية لكن يشوب تلك العملية حركة انبهار بل وتلقي دون غربلة أو مراعاة للخصوصيات الحضارية والثقافية التي أوجدت تلك النظريات ما قراءتكم لذلك؟.

قديما قالها ابن خلدون (المغلوب مولع بتقليد الغالب) لكنني هنا أريد أن أميز بين نوعين من الثقافة

1- هناك ثقافة عالمية الجنسية فيها الأخذ والعطاء دون قيود كالعلوم الطيبة والتجريبية وغيرها فكما أخذ الغرب منا قديما نأخذ منه دون حرج،، فالغرب أخذ من الخوارزمي وابن رشد والرازي كما تعلم أبناؤه في جامعات الأندلس وهذه بضاعتنا ترد إلينا في شكل متطور مدروس

2- هناك ثقافة لها علاقة بدين الأمة وحضارتها وتاريخها هذه يجب أن نأخذ عنهم بترو وغربلة وتمحيص كالأدب والدين والتاريخ وعلم النفس وعلوم التربية وغيرهم ..

فالانبهار جاء من كوننا ضعفاء حضاريا أمام الغرب وقبولنا لتشويه مقوماتنا جاء من كوننا لم نفرق بين العلمين بالطريقة السالفة الذكر

 

- ما مدى قدرة علماء الاجتماع العرب على إيجاد نظرية عربية أصيلة في علم الاجتماع تمتاح من النظريات الغربية ومصطلحاتها وكذا التراث العربي الأصيل من خلال كتابات رواد النقد علم الاجتماع العرب أمثال عبد الرحمن ابن خلدون وغيره؟.

- هذا العمل يتطلب عملا جماعيا وتفرغا له، كما يتطلب تدعيما من الدول لأنه مجهود شاق وجاد ..وهو موجود على مستوى بعض الأفراد نذكر من بينهم على سبيل المثال الأديب والعالم المصري أنور الجندي الذي قدم عدة دراسات في هذا المجال .وهو دور يجب أن تتفطن له الجامعات عبر رسائلها وبحوثها ..وليس عيبا ان نأخذ من الغرب في هذا المجال لا سيما في المجال المنهجي .فليس عيبا ان نأخذ من دوركايم أو جون جاك روسو ولكن العيب في أن نصبح نسخة مشوهة منهم .

 

- هل بالإمكان إيجاد نوع من المقاربات التّثاقفية الجديدة الجامعة بين الثّقافتين العربية والغربية لحل الجدل الدائر بين بنية المجتمعات الشرقية والغربية من خلال تشاكل ثقافي كوني جديد بعيدًا عن سلطة المركزية الغربية؟.

- مكن، لكن في إطار الاعتراف بخصوصية الآخر وعدم تضخم الأنا عند أي طرف .فهناك قواسم مشتركة في النظرة للإنسان والكون كما أن هناك قواسم مشتركة في الإله المعبود مع بعض التفاصيل ..أما الأشياء المختلف فيها فيمكن أن يتم الاتفاق فيها على احترام الخصوصيات .

 

- انتشرت ظاهرة النشر السريع في أوساط الشباب العربي بشكل ملفت للانتباه باعتبارك مثقفا بماذا تنصح الشباب في هذا المجال؟.

- جميل جدا أن ينشر الشباب وأن يقول رأيه لكي يتم التواصل بين الأجيال، لكنني أنصحه بالقراءة الواعية والتعلم والموضوعية في الطرح والاستفادة من خبرة من سبقوه لأن كل بناء لا يبنى على أساس سينهار ..ومما لاحظته أن بعضهم نشر روايات فجاءت هشة من حيث التقنيات الروائية لعدم قراءته في هذا المجال ومن حيث المعالجة الموضوعية نظرا لقلة التجربة، ولو تريث حتى ينضج لكان خيرا فالابتسار (التسرع )يضيع الثمرة المرجوة .

 

- دكتور في نهاية حوارنا الشيق هذا، نطرح عليكم سؤالا أخيرا وهو ما هو تصوركم لواقع ثقافة العيش المشترك بالوطن العربي بعد خمسون سنة؟.

- ليس عندي أكثر من الأمل لأن هذا الوطن قد أصبح رقعة شطرنج بين الشرق والغرب فكل ما أرجوه أن يصحو يوما ويدرك كوامن مصلحته ويتعاون بناء على مصلحته المشتركة لا على العواطف .فالعواطف لا تبني الدول ..ورأينا ذلك في العلاقة بين الدول العربية في الستينيات كيف انهارت لأنها مبناها كان قوميا عاطفيا ولم ترتاع فيه مصالح البلدين (سوريا ومصر نموذجا)

 

- كلمة أخيرة تعبر فيها عما يجول بخاطرك وما تود قوله للجمهور والمتتبعين؟

أولا أشكرك على أسئلتك التي أبحرت فيها في مختلف الشواطئ، وأتمنى أن تتغير النظرة للمثقف فالمثقف ليس ذلك الذي يحمل شهادة عليا (مع احترامي لهم جميعا) وإنما هو ذلك الذي يملك رؤيا ورصيدا ثقافيا يجابه الواقع ..كما أنني أتمنى أن يكون المثقف مستقلا حرا في فكره ورؤيته وألا يكون عميلا للسياسي وأن يدرك بأن ما تخطه يمينه مسؤولية يعاقب عليها عند ربه وألا يغش أمته ولو بحرف .

 

حاورته الإعلامية والباحثة الأكاديمية: خولة خمري

 

1168 روز اليوسف شعبانكان لي الحوار التالي مع الشاعرة الأستاذة روز اليوسف شعبان، حول تجربتها الشعرية ومسائل ثقافية وفكرية وتربوية متنوعة.

 

بداية .. من هي روز اليوسف شعبان؟

- هي زوجة عبد المجيد شعبان ووالدة هشام وروان وحسام، مدرسّة للغة العربية ومديرة المدرسة الابتدائية د" في طرعان منذ سنة 2013، أدارت قبلها مدرسة الرينة "أ" لمدة ست سنوات، وقبل الإدارة عملت مُدرّسة للغة العربية في المدرسة الابتدائية "أ" في طرعان، ومرشدة لوائية في لواء الشمال لطرق التدريس في الوسط العربي، كما ركّزت الخطة الخماسية في لواء الشمال، حاصلة على اللقب الأول في اللغة العربية وتاريخ الشرق الأوسط من جامعة حيفا، واللقب الثاني في موضوع التربية من جامعة حيفا، وتُعد رسالة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها في جامعة تل أبيب بتوجيه الأستاذ بروفيسور غنايم، موضوع الرسالة:" المنفى والاغتراب في روايات غالب هلسا"، تنبذ العنف في جميع أشكاله، تؤمن بالمحبة والعطاء والسلام، وتساهم في ترسيخ هذه القيم في نفوس طلابها ومجتمعها، وهي ناشطة في جمعية سلام من أجل شعوب العالم والتي مقرّها في اليابان.

 

حدثينا عن تجربتك الشعرية، عن البدايات، هل لقيت تشجيعًا، وممّن؟

- خلال دراستي في المراحل الابتدائية والثانوية كنت أكتب النصوص النثرية، الخواطر، والقصص القصيرة، وبعض المحاولات في كتابة الشعر، وكان أساتذتي للغة العربية يشجعونني على الاستمرار في الكتابة، على أن اهتمامي في كتابة الشعر والنثر ظهر أكثر في السنوات الأخيرة، فحين أكتب نصا، أرسله أولا إلى صديقتي فاطمة بصول التي تتميز بذائقتها الأدبية، ثم أرسله إلى خالي أسيد عيساوي الذي يكتب الشعر، وكان يعقّب على نصوصي ويبدي ملاحظات بنّاءة ، ثم أرسله لزوجي عبد المجيد شعبان الذي يتمتع هو أيضا بذائقة أدبية. وحين بدأت أنشر نصوصي في صفحتي في الفيس بوك، انتبه لها الناقد والكاتب شاكر فريد حسن، الذي عقّب على عدّة نصوص لي وأظهر مواطن الجمال فيها، ولفت القراء إليها، وهو من أكثر المشجعين لي في الكتابة.

 

من يعجبك من الشعراء والمبدعين العرب والفلسطينيين، وهل تأثرت بأحدهم؟

- أحب جدا كتابات الشاعر الكبير محمود درويش وهو بلا شك أستاذنا جميعا، فهو مدرسة عظيمة، وبدون شك تأثرت من أشعاره، كما تأثرت بكتابات نزار قبّاني، وعزّ الدين المناصرة، وفدوى طوقان. على صعيد الروايات أحب روايات ابراهيم نصر الله، والكاتب الفلسطيني غسان كنفاني والكاتب المصري نجيب محفوظ والسوري حنا مينة وغيرهم..

 

ما هي الموضوعات والأغراض الشعرية التي تركزين عليها في كتابتك؟

- أركّز على المواضيع الإنسانية والقيم والأخلاق والوطن، والحب، وأصوّر حالات الاغتراب التي يعيشها إنسان هذا العصر.

 

ما رأيك بالأدب المحلّي؟

- أدبنا المحليّ زاخر بأنواع مختلفة من الإبداع: الشعر ، الرواية، القصص القصيرة، الخاطرة والمقالات الأدبية والنقدية وغيرها. وبما أنني لست ناقدة فأنا اترك للنقاد تقييم هذه الكتابات .

 

كيف تقيمين العملية النقدية لدينا في هذه الديار؟

- لا شك أن للنقد الأدبي دورا هاما في ازدهار وتطور الكتابة الأدبية والإبداعية، وما نلحظه في بلادنا خلّو غالبية الأعمال النقدية من منهجية واضحة، مثل المنهج الأسلوبي والبنيوي، ومعايير نقدية تستند إليها، والتي من شأنها أن تسهم في رقيّ وتقدم الأعمال الأدبية، كما تفتقر الحركة النقدية في بلادنا إلى مؤسسات نقدية ترعى الأعمال النقدية وتساهم في تطويرها.

 

كيف ترين اتحادات وروابط الأدباء، وهل لها دور في الحراك الثقافي والأدبي، وهل تخدم أصحاب الأقلام؟

- اتحادات وروابط الكتاب تلعب دورا فاعلا وهاما في تنشيط الحركة الأدبية والثقافية والإبداعية وتشجيع المواهب والمساهمة في نشر إبداعات الأدباء عن طريق إحياء أمسيات ثقافية أدبية وإشهار كتبهم وتعريف القرّاء بهم. ويسعدني جدا أن تمت الوحدة بين رابطة اتحاد كتّاب الكرمل واتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين.

 

ما رأيك بأدب الأطفال لدينا؟

- نرى قفزة نوعية في السنوات الأخيرة في الكتابة للأطفال، وازدياد عدد الكتاب الذين يكتبون القصص للأطفال وهذا أمر مفرح جدا وضروري، مع ذلك فإن أدب الأطفال يفتقر إلى المسرحيات والقصص الفكاهية والتربية الجنسية، كما يفتقر إلى القصة التعليليّة التي تطرح سؤالا حول نشوء ظاهرة حقيقية موجودة ومن خلال الأحداث يُعطى تعليلا(سببا) لوجود الظاهرة. مثلا: لماذا يوجد للحسّون ألوان كثيرة؟ لماذا تغيّر الحرباء لونها؟ هناك قصة تعليلية للأستاذ الكاتب مفيد صيداوي " لماذا تختلف ألوان البشر؟" وأطفالنا بحاجة إلى الكثير من أمثال هذه القصة التي تساهم في إثارة وتطوير مهارة التفكير لديهم إضافة إلى مهارة تكوين أسئلة وغيرها من المهارات الضرورية لتطوير تفكير الأطفال.

 

كونك مديرة مدرسة كيف ترين الوضع القرائي هذه الأيام، وما دور المدرسة في تشجيع القراءة؟

- نحن نعاني من تنافس شديد مع الوسائل التكنولوجية الحديثة والألعاب الالكترونية الموجودة في الهواتف النقالة والحاسوب، مع ذلك فإننا نسعى دوما لتشجيع القراءة والمطالعة لدى الطلاب عن طريق إشراكهم في مسابقات في قراءة القصص، والمشاركة في مشروع مسيرة الكتاب من قبل وزارة المعارف، إضافة إلى تخصيص حصة مطالعة أسبوعية في مكتبة المدرسة، وتشجيع الطلاب على استعارة الكتب من المكتبة العامة في القرية، كما نقدم للطلاب لقاءات داخل الصفوف مع أدباء وكتاب محلّيين وغيرها من البرامج والفعاليات المثرية.

 

أفضل كتاب أعجبك حتى الآن؟

- كتاب "زمن الخيول البيضاء" للكاتب ابراهيم نصر الله.

 

أجمل قصيدة كتبتيها وتعتزين بها، وتحبين تقديمها للقراء؟ وماذا تقولين فيها؟

- قصيدة انتظار وقصيدة لأجلك جفرا

في قصيدة انتظار أصور معاناة الإنسان واغترابه في عالم تحيطه الأسوار والجدران، منها جدران سياسية، فكرية، اجتماعية وغيرها، كما تصور معاناة الانسان في بحثه عن حريته وخلاصه من هذه الجدران، وفيها عودة الى التراث وإلى الماضي برونقه وصفائه وبراءته.

أما قصيدة إليك جفرا فقد استوحيتها من قصيدة جفرا للشاعر الفلسطيني الكبير عز الدين المناصرة وأهديتها له، وفي هذه القصيدة أصور الوطن بكل جماله وأحلامه ومكنوناته وآماله.. وأقول فيها:

جفرا ! أيُّ حلمٍ جميلٍ

يدغدغ عينيَّ

تتراقصُ فيهما قوافلُ النحلِ

تعانقُ الزهرَ

وتسكبُهُ شهدا على شفتيَّ

جفرا الكحيلةُ ترابُ الارض ملمسُها

سنابلٌ من القمح

تحزم الفراشَ

وسائدَ في راحتيّ

كيف جئتني جفرا بعد الغياب؟

كيف اخترقت أسوار الحديد

واجتزت أبراجَ الغمام؟

أيُّ حلمٍ شهيٍّ حطّكِ في ناظريَّ

حمامةً بيضاءَ

وواحةً من العنب

وباقاتِ حبقٍ خضراءَ خضراءَ

ترفلُ بين اناملِ يديَّ

تعانق الذكرى

تراقص احلامَ الجداول

وتلثمُ جناحَ قُبّرةٍ

عادت لتوها من سفرٍ

تهفو اليَّ

أيُّ وشمٍ جميلٍ

طبَعْتِهِ جفرا في ساعديَّ!!

وجعلتِهِ مبسما

وتاجا للزنابق

وأيقونةً بيضاءَ بيضاء

ترفرفُ في الحدائق!!

لأجلكِ يا حنطيّةَ الخدين

أعانقُ الخمائل

وأودعها مناديلَ أحلامي

وأكاليلَ غارٍ

تعانقُ الجدائل

لأجلك جفرا يؤوب اليمامُ

ويحُطُّ على أعناق السنابل

 

ما هو مفهومك للحريّة وكيف ترين وضع المرأة العربية والفلسطينيّة؟

- الحريّة هي أن أتمكن من التعبير عن نفسي وعن آرائي وأفكاري دون خوف أو وجل، وأتمكن من تحقيق طموحاتي وأحلامي، وأتّخذ القرارات التي تناسبني دون أن أسبب أذيّة لأحد ودون أن يتعرّض لي أحد.

المرأة العربية والفلسطينية تعاني من اضطهادين: اضطهاد المجتمع الأبوي الذكوري من ناحية، واضطهاد المؤسسة الرسمية لها، بصفتها جزء من المجتمع العربي الفلسطيني من ناحية أخرى، ورغم ذلك نرى أنها تخطو خطوات حثيثة نحو الحرية ويتجلّى ذلك في ارتفاع ملحوظ في عدد النساء الأكاديميات والناشطات في المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأدبي والثقافي الخ...

 

ماذا تعني لك المفردات التالية:

الوطن: كرامة وعِزّة

الحب: تضحية ووفاء

البحر: إبحارٌ في النفس

السعادة: تكمن في العطاء

الطبيعة: جمال وانطلاق

من هو مثلك الأعلى؟

والدي يوسف عرسان صبّاح رحمه الله

هل لديك ميول كتابية غير الشعر؟

نعم، أكتب الخاطرة، والقصة القصيرة.

 

ما رأيك بالطفرة النسوية وهذا الكم ممن يتعاطين الكتابة؟ وكيف ترين مستواهن الإبداعي؟

- يسعدني أن أرى ازديادا ملحوظا في عدد النساء المبدعات، وهو أن دلّ على شيء فإنما يدلّ على ازدياد الوعي الثقافي والأدبي والفكري لديهن، أما من حيث المستوى فأترك أمر تقييم كتاباتهن للنقاد.

 

ماذا مع مشاريعك الأدبية المستقبليّة؟

- أفكر في إصدار ديوان شعر، وكذلك أفكر في إصدار كتاب "اتجاهات جديدة في أدب نجوى قعوار فرح" وهو خلاصة رسالة الماجستير، كما أطمح في نشر رسالة الدكتوراه التي أعدّها وموضوعها" المنفى والاغتراب في روايات غالب هلسا".

 

ما هي الكلمة التي ترغبين أن توجهيها لجمهور القرّاء؟

- أن يجعلوا القراءة نمط حياة وخاصة للأطفال فهم بناة المستقبل وعلينا أن نغرس فيهم القيم السامية والذائقة الأدبية الرفيعة.

 

أجراه : شاكر فريد حسن

 

1155 عبد الرضا علي2- حين اقتنيتُ (شرح لاميَّة الطغرائي) بثلاثة دراهم، وبدأتُ بقراءته، هزَّتني أبيات اللاميّة، وحين انتهيتُ منها وجدتُني أبكي، فعدتُ إليها ثانيةً.

- إنَّني بعضُ غرس شيخي، ومعلّمي، وسيّدي الطاهر جزاه الله أفضل الجزاء.

- لستُ نادماً على ما دوَّنته أبداً

- تناولتُ تجارب شابَّة مهمّة

- الزمن الراهن هو زمن الرواية (والسرد) بامتياز

- وإذا تحرينا الواقع وجدنا أنَّ [عليّ أحمد باكثير] هو أول من كتب على طريقة (الشعر الحر)

***

بين الراحل د. أحمد الوائلي، ود. عبد الرضا وشيجة تواضع جميلة اذ كان كلاهما شاعر فحل وكان الوائلي بتواضعه الجم يقول عندما يستشهد بشعر له: (قال شاعر معاصر) أما د. عبد الرضا فلا يقول شيئا على الإطلاق. والوشيجة الثانية اشتراكهما بحب الناس للجلوس تحت منبر يعتليانه لكن المختلف بينهما ان د. عبد الرضا علي اكثر حرية من د. الوائلي حيث ينشغل الوائلي في قضية واحدة ويتمدد د. عبد الرضا على عموم الساحة الأدبية لكن اختلافهم يكمن بين الحداثة والبدايات اذ يلزم الوائلي ان يكون منبره في باحة مسجد او قريبا من محرابه في حين تحرص الجامعات أن يزين وجود د عبد الرضا صدر قاعاتها الفخمة وان يكون جلاس منبره من النخبة وطلاب العلم في مراحل متقدمة وكان كلا الرجلين ظريفا لطيف المعشر متصالحا مع نفسه صادقا مع الناس عاشقا للجمال مع سرعة بداهة وقدرة على التعامل مع مجسات السرور ود عبد الرضا المولود عام 1941 سأقتطع شيئا من سيرته الذاتية للتعريف بعلم في رأسه أدب ..

- حصل على بكالوريوس آداب من قسم اللغة العربية في الجامعة المستنصرية سنة 70- 1971 م, بتقدير “جيد جدا” وكان الأول على قسمه.

- حصل على دبلوم عال في اللغة والأدب من معهد البحوث والدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة سنة 1975م, بتقدير “ممتاز”.

- حصل على الماجستير في الأدب الحديث والنقد من كلية الآداب / جامعة القاهرة سنة 1976م, بتقدير “جيد جدا”

- حصل على الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها (الأدب والنقد) من كلية الآداب جامعة بغداد في 5/1/1987م, مع التوصية بطبع رسالته.

لست مدعيا وصلا بليلى فالرجل اكبر من ان يكون صديقي لكن حرفتي تبحث عن منجزه وشهرته وطرح اسئلتي عليه.

1155 عبد الرضا علي

أولاً: هل تفقد الأسرار سريتها بعد السبعين؟ إن كان الجواب بنعم فليكن حواراً مختلفاً، وإنْ كان بلا فـ (شلك على ابن الناس غير مروته)

1 ـ من رسم خطوتك الأولى على طريق الأدب؟.

ج1ـ المصادفة.. فحين اقتنيتُ (شرح لاميَّة الطغرائي) من أحدِ الباعة الذين يبيعون الكتبَ في عربةِ دفعٍ (حمل) بثلاثة دراهم، وبدأتُ بقراءته، هزَّتني أبيات اللاميّة، وحين انتهيتُ منها وجدتُني أبكي، فعدتُ إليها ثانيةً، وثالثة، وقد استغرقتْ تلك الإعادة أسبوعين، أو أكثر، ولعلَّ انشدادي إليها يعود لأمرينِ: الأول موضوعها، والثاني ضبط شكلها بالحركات بدقَّة، لذلك لم أعدْ أستسيغُ بعد قراءتي لشرح لاميَّة الطغرائي (تسمَّى عند بعضهم لاميّة العجم) أيَّ كتابٍ آخر غير مضبوطٍ بالشكلِ، وحين استويتُ كاتباً حرصتُ على ضبط نصوصِ الشعرِ التي أستشهدُ بها بالحركاتِ مثلما فعل أستاذي العلامةُ المرحومُ عليّ جواد الطاهر محقِّقُ اللاميَّة، وشارحُها.

 

2 ـ هل يختلف زمنك عن زمن علي جواد الطاهر فتختلفان أم ان النقد واحد رغم انف الازمنة؟

ج2 ـ نعم يختلف كثيراً، فقد كان زمن الطاهر هو زمن الكبار الذين تخرَّجوا في أرقى الجامعات العربيَّة، والأوربيّة، ودرَّسوا تلاميذهم المنهجَ العلميَّ القويمَ، وتركوا بصماتِهم الجليلة واضحةً على تلك الأجيال التي استقت منهم الموضوعيّة، والحيدة العلميّة، والرصانة.

أمّا موضوع النقد، فيمكنك قراءته في الكتب النقديَّة، ولكن أين تجدُ مثيلاً للعلاّمة الطاهر الآن لتتعلّمَ منه أدوات العمليّة النقديَّة، وشروطها، وفروق الفطرة، والاكتساب، والشك الذي يقود إلى اليقين، والوصول إلى الحقيقة، وإذاعتِها بين الناس.؟...

لهذا أشعرُ بالفخرِ يا صديقي راضي حين أقولُ: إنَّني بعضُ غرس شيخي، ومعلّمي، وسيّدي الطاهر جزاه الله أفضل الجزاء.

 

3ـ هل كانت لك (اخوانيات) نقدية ندمت عليها؟

ج 3 ـ لا يا صديقي لستُ نادماً على ما دوَّنته أبداً، لأنّني كنتُ فيه موضوعيَّاً، وأميناً، وسعيتُ إلى تأصيلِ القولِ في الأحكامِ، والنتائج.

 

4 ـ مالذي يجذبك للنص واجبك النقدي او الاستمتاع؟

ج 4 ـ كلاهما .

 

5 ـ هناك الكثير من الشعراء الجيدين لم تسلط عليهم الاضواء ولم تنصف تجربتهم هل مددت يدك لاحدهم وسحبته نحو الاضواء من خلال النقد؟.

ج 5 ـ لستُ قادراً على ملاحقةِ جميع الجيّدين من الشعراء الشباب، فطاقتي محدودة بحكم سنّي، فضلاً عن أنَّني لا أتوافر على جميع التجارب الجديدة بحكم كثرة أسقامي، ومكان إقامتي الذي اخترته بإرادتي في المهجر، ومع ذلك فقد تناولتُ تجارب شابَّة مهمّة، وشاركتُ في تقديم منجزها الإبداعي للناس، كما في تجارب: ضحى الحداد، وعليّ وجيه، وورود الموسوي، وضياء الأسدي، وعليّ الزاغيني، وبشرى الهلالي، وحياة الشمَّري، وغيرهم.

لكنّني أعترفُ أنَّ شاعرةً مهمّةً قصرتْ ذاتي النقديّة عن دراسةِ تجاربها المختلفة عن السائد، والمغايرة لما هو شائع في التحليل، والتفسير، والتقويم، هي: فليحة حسن، ولعلَّي سأكفّرُ عن ذنبي إذا شافاني ربيّ وعافاني، فهي تستحقُّ منّي كشفاً موضوعيّاً في ما لها، وما عليها.

 

6 ـ هل كان الجواهري بلا أخطاء أو خطل؟.

ج 6 ـ الكمال للهِ وحده، لذلكَ ما كان الجواهري في منأى عنها، ولا كان في منجى منها، وإن كانت قليلة.

 

7 ـ قسم الشعر تبعا للمراحل إلى جاهلي وإسلامي وأُموي وعباسي وحديث.. هل أنت مع التقسيم؟.

ج 7ـ هذا التقسيم ضروريٌّ، وسليم، وسيبقى مهمّاً من حيثُ التبويب المنهجي لكلِّ عصرٍ، فضلاً عن أنّه يُعين الدارسين الراغبين في دراسةِ ظواهر كلِّ عصرٍ، وموازنتها بالآخر، إلى جانب حصر التخصّصِ الدقيقِ لمن يتولّى تدريس المراحلِ في أقسام اللغة العربيّة.

وقد أشرتُ إلى اختلافِ التقسيم بين العرب والأوربيين في كتابي الموسوم بـ [الإيقاع في الشعر الشعبي] قائلاً: (قسَّمَ قدامى العرب الشعر العربيّ إمّا إلى أبوابٍ، وإمّا إلى موضوعاتٍ، كالحماسة، والرثاء، والوصف، والرحلة، وغيرها. وكانوا يُسمّونَ الكلّ باسمِ جزءٍ منها، كما في (حماسة أبي تمّام) وحماسات من تابعوه تصنيفاً، مع أنَّها تضمُّ موضوعاتٍ وأغراضاً عديدةً، لهذا فإنَّ الأغراض والموضوعات المتعدّدةَ على وفقِ تصنيفهم ذاك تشترط ضمَّ المتجانسات معاً ليس غير.

أمّا الأوربيّون فقد قسَّموه نوعيَّاً، فقالوا: الشعر الغنائي، والشعر الملحميّ، والشعرَ التمثيليّ، والشعر التعليميّ.

ومع أنّهم اختلفوا في تحديدِ أسبقيّةِ ظهورِ أيِّ نوعٍ منه قبلَ غيرهِ، فإنَّ بعضهم يرى أنَّ الملحميَّ أسبقُ من بقيّةِ الأنواع ظهوراً، وحجّتهم أنَّ الإنسانَ فطن إلى وجودِ الآخرينَ قبلَ أن يفطنَ إلى وجودِهِ، وهو تعليلٌ يصطدم بمن يرى أنَّ الشعرَ الغنائيَّ كانَ أسبقَ من الملحميِّ ظهوراً لأنه تعبيرٌ عن الذاتِ البسيطةِ، وما في وجدانِها من عواطفَ مختلفةٍ، في حين يقومُ الشعرُ الملحميُّ على الإطالةِ، والإحاطةِ بحركةِ الناسِ، وما يقعُ لها من حروبٍ مع أممٍ أخرى) ولعلَّ الدارس الجاد قادرٌ على الإفادة من التقسيمين على وفقِ المقاصد التي يروم الوصولَ إليها.

 

8 ـ لم يختلف الجميع على أن مظفر النواب هو عرَّاب الشعر الشعبي الحديث لكن إلى اليوم وبعد أكثر من 70 عاماً لم يتم الاتفاق على من بدء كتابة الشعر الحر.. نازك أم السياب.. أنت مع من؟

ج 8 ـ أخي راضي، هذه القضيّة لم تحسم تراتبيَّـتها حتى الآن، على الرغم من عشرات الدراسات القيّمة التي ناقشتها، لكنّني أميلُ إلى ما قاله السيّاب في مقالته [تعليقان] التي نُشرتْ في مجلّة الآداب البيروتيّة ع 6، في حزيران 1954م: (وإذا تحرينا الواقع وجدنا أنَّ [عليّ أحمد باكثير] هو أول من كتب على طريقة (الشعر الحر) في ترجمته لرواية شكسبير (روميو وجوليت) التي صدرت عام 1947، بعد أنْ ظلَّت تنتظرُ النشر عشر سنوات كما يقول المترجم (.....) ومهما يكن فإنَّ كوني أنا أو نازك أو باكثير أول من كتب الشعر أو آخر من كتبه ليس بالأمر المهم . وإنَّما الأمر المهم هو أن يكتبَ الشاعرُ فيجيدُ فيما كتبه، ولن يشفعَ له ـ إنْ لم يجودْ ـ أنه كان أول من كتبَ على هذا اللون، أو تلك القافية).

 

9 ـ لك ولع خاص بالشعر الشعبي خصوصاً المغنى لا يعرفه إلا من يتابعك.. من يشغلك.. الكلمات.. اللحن.. الصوت؟

ج 9 ـ كلها مجتمعة، لاسيّما حين تؤثّرُ في وجداني، ولا أكتمكَ سرّاً إن قلتُ لك: إنّني ذو عاطفةٍ رقيقةٍ جدّاً، وكثيراً ما أجدُ المآقي تبتلُّ بالندى تأثّراً، فأمسكُ القلمَ، وأترجم ما كان في وجداني من بوحٍ خفيٍّ.

 

10 ـ نعم الشعر هو الشعر كيف ما كان لكن هل هناك قاعدة لنقد الشعر الشعبي؟

ج 10 ـ المنهج النقدي (العلمي) لا يفرّق بين الأنماط حين يتعاطى مع الأساليب الشعريّة المختلفة إلا ما كان خافياً وراء منطلقاتٍ معيّنة قد ترد في بنية القصيدة الشعبيّة، لاسيّما في ليِّ بعضِ الحروف، ودمجٍ بعضها الآخر عند التقطيع.

 

ثانياً: (المعنى في قلب الشاعر) اعتذار بالعجز أو طريقة هروب لم يقبل بها الناقد .

11 ـ أين تكمن قدرة الناقد في معرفة مافي قلب الشاعر؟ وهل للمقولة من صحة؟

ج 11 ـ نعم سيّدي العزيز يمكن للناقد الحاذق أن يصل إلى المعنى الذي أخفاه الشاعر، وأومأ إليه على نحوٍ غامض ـ مع سبق الإصرارِ ـ في بنية النسيج الشعري، كما فعل عبد الرزاق عبد الواحد حين قال في(دمعة)، وهي ومضةٌ عن الشهيد:

سرقوا منه خوذتَهُ

سرقوا خاتمَ العرسِ من يدهِ

سرقوا جُرحَـهُ والنطاقْ

عندما أنشدوا، كانَ يبكي العراقْ

فهو هنا قد كال أعظم الشتائم للشعراءِ الذين استمع إليهم، وهم يُنشدونَ في يوم الشهيد، ورأى أنَّ العراق كان يبكي وهو يستمع إلى قصائدهم تلك، لأنَّها كانت فجّةً، فأساءت لمكانة الشهيد عند(أهله) الشعب، و(وطنه) العراق.

 

12 ـ كتبت عن السياب وتجربته الشعرية كتاباً نقدياً رصيناً.. هل صح لديك أنَّ السياب كان يسرق أو يقتبس من صاحب الأرض اليباب (ت س إليوت) بعضاً من قصائده؟

ج12ـ السيّاب كان قد تأثَّر بـ (ت. س. إليوت) تأثَّراً واضحاً، وهناك فصلٌ في كتابي عن ذلك التأثّر أسميته بـ (التجربة الإليوتيّة) لكنَّ بدراً هو الذي أرشد الناس إلى أهميَّة إليوت، ودوره في استخدام الأساطير، وتوظيفها فنيَّاً، ولم يثبت أنَّ السياب قد سرقَ من إليوت، أو من غيره، فتلك فرية أرادَ بعض الحاقدين أن يروِّجوها، فلم يتمكّنوا، لأنَّ ما كان السيّابُ قد ضمّنه من شعر غيره، قد أشارَ إليه في هوامش قصائده.

 

13 ـ لو اختير شاعر لكل عصر ثم انتخب شاعر لكل العصور .. ياترى من هو شاعر كل العصور؟ ومن هو شاعر عصرنا الحاضر؟

ج 13 ـ لستُ مقتنعاً بفرضيّة (شاعر كلِّ العصور) فضلاً عن أنَّني لستُ قادراً على تسميةِ شاعرٍ معيَّنٍ لهذا العصر منفرداً، ولكن يمكن لعددٍ من شعرائنا (مجتمعين) أن يكونوا مرآةً لعصرنا هذا... كان الجواهري رحمه الله متنبّي عصرنا، وسيبقى ثالث النهرين، وحين ارتحل كانت الأنظار تتجه إلى أنَّ عبد الرزاق عبد الواحد يمكن أن يكون امتداداً له، وحين ارتحلَ عبد الرزاق توجَّهت الأنظارُ إلى يحيى السماوي، ومحمّد حسين آل ياسين وغيرهما ليكونوا امتداداً لذلك النهر الدافق في هذه الحقبة الراهنة، وهنا لابدَّ أن ننبّه أننا في هذا التوصيف قد اقتصرنا على شُعراء شعر الشطرين، والتفعيلة، ولم نشرك معهم كتّاب النصوص المفتوحة، أو ماسُمّيَ بـ كتاب قصيدة النثر، فهذه النصوص منفلة من عقالِ الموسيقى التي قال عنها فيثاغورس: (الكون مبنيٌّ بناءً موسيقيَّاً.)

 

14ـ كان المتنبي بعلاقته مع الحاكم يبحث عن امارة.. ماهي بغية الجواهري؟

ج 14 ـ كانت بغية الجواهري الكون كلّه:

يا مزيجاً من ألفِ كونٍ ترفَّقْ  إنَّ كوناً على ذراعيكَ أغفى

 

15 ـ انت مع من؟ المقفى.. الحر.. النثر؟

ج 15 ـ مع القصيدة المدهشة المختلفة المغايرة، مع وجوب التنبُّهِ إلى أنَّ كتاب قصائد الأعالي قلَّةٌ، وسبق لي أن أشرتُ إلى أنَّ القابضين على جمرة قصيدة النثر المدهشة لا يتجاوزون عدد أصابعِ اليدين.

 

16ـ كيف ترى مستقبل الشعر؟

ج 16ـ مع أنَّ الناقد الكبير الدكتور جابر عصفور يؤكّد على أنَّ الزمن الراهن هو زمن الرواية (والسرد) بامتياز، إلاّ أنني لا أرى ذلك، فللشعرِ دورهُ الفاعل في الحياةِ الثقافيّة، والعامّة إذا تمكَّن صانعه من معرفة هدفه، لأنَّ الشعرَ لم يعُد كما كان قبلاً (الكلام الموزون المقفّى الذي يدلُّ على معنى)، لأنه أضحى نبوءةً، وخلقاً، ورؤيا على وفق رأي أدونيس. لكنَّ كثرة المدَّعين ممن هبَّ ودبَّ بحملِ صفةِ شاعرٍ (جزافاً) هذه الأيام ممَّن دبَّجوا عشرات المجاميع التي رصفت المفرداتِ رصفاً باعتبارها قصائد نثر، هي التي قد تسيءُ لمستقبلِ الشعرِ، بتقديمِ نصوصٍ فجَّةٍ ذاتِ ألوانٍ داكنة، أو باهتة، سواءٌ أكان ذلك في الأداء، أم في التوصيل.

 

حوار / راضي المترفي

 

1143 البروفسور فالتر سومرفيلدوحديث عن  الآثار العراقية وتدميرها وسرقتها وأمور أخرى...

نقلا عن مجلة جيو أيبوخه (GEO Epoche) الألمانية/ العدد 87

ترجمة: بشار الزبيدي

***

جيو أيبوخه: الأستاذ البروفسور سومرفيلد، ماذا عن وضع الآثار القديمة في بلاد الرافدين؟

فالتر سومرفيلد: سيء للغاية - على سبيل المثال في نمرود، في مدينة كالخو القديمة. تلك المدينة التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، واحدة من الروائع الأثرية في الشرق الأدنى القديم: وواحدة من أبهى العواصم الآشورية، باحتوائها على مقبرة ملكية غير مستكشفة. في عام 2015، قام مقاتلو ما يُسمى بـ "تنظيم داعش" بتدمير الآثار بشكل مُمنهج، إذ تم نسفها وتحطيمها بواسطة البراميل المُتفجرة والجرافات.

 

جيو أيبوخه: لماذا هذه الكراهية؟

فالتر سومرفيلد: يدعي تنظيم داعش بأن: "سكان بلاد ما بين النهرين كانوا من أتباع الآلهة الوثنية، ونحن نستأصل كل أنواع الشرك، سواء في الحاضر أو في الماضي." عدا ذلك لا يفكر أي إنسان آخر في العالم الإسلامي بهذه الطريقة. يُشير القرآن مرارًا وتكرارًا إلى بقايا الإمبراطوريات والمدن المفقودة: كتحذير للأشخاص الذين لا يعيشون حياة إلهية. ولا يوجد نص يُوجب تدمير هذه الأماكن.

 

جيو أيبوخه: أي اضرار أخرى الحقها تنظيم داعش؟

فالتر سومرفيلد: لم يوثق الرأي العام على الأغلب الكثير من عمليات التدمير، بالأحرى المتجارة غير القانونية للسرقات الآثارية. نفذ تنظيم داعش هذه السرقات بشكل مُمنهج في جميع المناطق التي خضعت تحت سيطرته. لكن قدمت بالمقابل أحزاب الحرب الأهلية الأخرى في سوريا والقوات الحكومية الخدمة للتراث الثقافي.

 

جيو أيبوخه: كيف تتم عملية المتاجرة بالمسروقات؟

فالتر سومرفيلد: يتم تهريب التماثيل والأقراص الطينية والأختام الإسطوانية خارج البلاد إلى كردستان وتركيا والإمارات العربية المتحدة. هناك تجار قاموا لعقود من الزمن ببناء شبكات تهريب في جميع أنحاء العالم.

 

جيو أيبوخه: من هم المُشترين؟

 فالتر سومرفيلد: مجموعات من أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل. والآن أيضا العرب الأغنياء وعلى نحو متزايد من دول الخليج. حيث وضعوا القطع الأثرية في خزائنهم كاستثمار مالي وينتظرون حتى تتوقف إمدادات آثار بلاد ما بين النهرين وترتفع قيمتها كثيراً. لكن المتاحف ساهمت أيضاً بهذه التجارة في الماضي، وبشكل خاص في الولايات المتحدة.

 

جيو أيبوخه: أليس بيع الآثار من المحظورات؟

فالتر سومرفيلد: حالياً نعم. ولكن في الغرب، كانت أسواق التحف المسروقة مسموح بها قانونيا لسنوات. وفي الوقت نفسه، هناك اتفاقيات دولية لليونسكو وقوانين الحماية. وبالتالي أصبحت المُتجارة تتم بالخفاء، وبهذا تكون العملية خارج حدود السيطرة. لكن الأمر كله يتعلق بالمبالغ الضخمة: فقد دفع مثلا قبل بضع سنوات مشتر خاص مجهول مبلغ قدره 57 مليون دولار من أجل شراء تمثال على هيئة أسد عُثر عليه أثر تنقيبات عام 1930 في بلاد الرافدين.

 

جيو أيبوخه: ما هو الدور الذي تلعبه ألمانيا؟

فالتر سومرفيلد: لسوء الحظ، كان دائماً بلدنا بمثابة إلـ دورادو فيما يخص التحف المسروقة. لم يتم بذل جهود جادة لوقفها حتى عام 2016. حتى ذلك الحين، كان يمكن بيع هذه المسروقات بشكل قانوني أو على الأقل بدون عوائق.

 

جيو أيبوخه: إن إرث بلاد الرافدين لم يعانِ إلا منذ ظهور "تنظيم داعش".

 فالتر سومرفيلد: كلا. فالغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق في عام 2003 وتهاون الأمريكيين، أوقع البلاد بيد اللصوص. الأضرار الناجمة عن ذلك هي واحدة من الأسوأ في تاريخ العالم. إنها أسوأ بكثير من أي شيء فعله تنظيم داعش، لأنها شملت جميع أراضي العراق،ومنطقة واسعة النطاق. قامت القوات الأمريكية أيضًا ببناء معسكر للجيش على أنقاض مدينة بابل وإنشاء مهبط للطائرات هناك. على الرغم من أن هذا الأمر كان يجب أن يحمي أيضًا المواقع الأثرية، إلا أنه أضر كثيرًا بالمواد الأثرية للموقع.

 

جيو أيبوخه: من المفترض،أن تكون هناك هناك طلبات ملموسة من جامعي القطع الأثرية القديمة قبل غزو القوى الغربية.

فالتر سومرفيلد: هذا ما أكده لي الزملاء العراقيون مراراً. ففي المتحف الوطني ببغداد، بعد غزو عام 2003، لم يحصل نهب عشوائي فحسب، بل أيضاً تم الاستحواذ على بعض القطع الأثرية عن عمد، وربما كانت هذه القطع غنيمة للصوص مأجورين متأهبين لهذه المهمة سلفاً.

 

 جيو أيبوخه:  لكن ماهو الفرق بالنسبة لك بين لصوص الآثار الحاليين وبين باحثي القرن التاسع عشر الأوروبيين الذين قاموا بنقل الكثير من الكنوز خارج مناطقها؟

فالتر سومرفيلد: في ذلك الوقت، كان معظم هؤلاء الباحثين قد حصلوا آنذاك على تراخيص رسمية من الحكومة العثمانية في إسطنبول: لذا فقد احترموا القانون الدولي، وتم بعد ذلك تقاسم الاكتشافات. بالطبع، سيتم تقييم مثل هذا التصرف بشكل مختلف تماماً عما يحصل اليوم.

 

جيو أيبوخه:  كان الألماني روبرت كولدوي في ذلك الوقت أحد علماء الآثار في بلاد ما بين النهرين. وبفضله، تقف اليوم بوابة عشتار البابلية شاخصة في متحف بيرغامون في برلين.

 فالتر سومرفيلد: من يرى البوابة، يفكر: بأن كولدوي قام بنقلها كاملة من بابل وأعيد بناؤها في برلين. إلا أن القليل من الزوار يعرفون أنه أحضر 500000 قطعة فردية في مئات الصناديق. وأن 30 عاملاً أعادوا بناء البوابة من هذا الحطام على مدار عدة سنوات. كانت تلك لعبة ألغاز عظيمة. بدون هذا الجهد الهائل، لما كانت بوابة عشتار موجودة اليوم.

 

جيو أيبوخه: لكن أليس البوابة مُلك للمتحف الوطني ببغداد؟

 فالتر سومرفيلد: اكتشافات بلاد الرافدين هي مُلك للدول المحلية ولكنها أيضًا تراث ثقافي عالمي. كان بإمكاني التعايش مع حقيقة أن المتاحف الغربية ستعيد كل القطع إلى بُلدانها الأصلية: في حال سهولة وصول العلماء الدوليين إليها في بغداد كما الآن في برلين أو باريس أو لندن. ولكن هذا ليس ممكنًا.

 

 جيو أيبوخه: ما حجم الخسارة التي طالت الأبحاث جراء المسروقات؟

 فالتر سومرفيلد: لا تُقاس ولا يُمكن تعويضها. عندما يتم هدم المدن القديمة التي تعود إلى آلاف السنين، فإن ثروة لا حصر لها من المعلومات والوثائق وفن العمارة تختفي بكل بساطة. ونحن لا نعرف ما إذا كان الآلاف أو مئات الآلاف من القطع التي تم استلابها من الأرض واختفت في مجاميع خاصة. في سوريا وحدها، لُحقت أضرار بنحو 1500 موقع قديم أو دُمرت تماما جراء الحفريات غير القانونية. وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن العديد من الكيلومترات المربعة من سطح العراق أصبحت بفعل نابشو الآثار أرض صحراء صخرية.

 

جيو أيبوخه: ماذا تقول للأشخاص الذين يعتقدون أن في ظل الحرب والإرهاب، هناك أشياء أكثر أهمية من الحفاظ على بعض التماثيل القديمة وألواح الكتابة الطينية؟

فالتر سومرفيلد: أنا لا أحب هذا التناقض. بالطبع، حماية الناس أمر بالغ الأهمية. لكن الإنسانية تشمل أيضًا الثقافة والاهتمام بالماضي.

 

 

1135 خالدة المالكيوكل ما يشغل بالها ان تكون قريبة والجرح لازال طريا

امرأة امتلأت حنانا وفاض قلبها حبا وحفرت دموعها على خدها مسارات لها.. حنانها مجانا لكل عراقي نصر العراق ولايهم ان كان هذا النصر بالكلمة او البندقية او بالموقف وقلبها يرقص حبا لشفاء جريح او الوقوف بجانبه وليس مهما ان يكون الجريح في ميسان او الانبار او غيرها المهم ان تكون هي تلامس عيونها جرحه وتمسك يدها الضماد ويلهج لسانها بكلمات الدعاء ولاتهدأ حتى ينام الجرح ويهدأ صاحبه ثم تتطاير اخبارها شرقا وغربا باتجاه الوزارات والدوائر.. يعرفها اغلب المسؤولين من خلال تنقلها بين جرح وجرح ويرسلون لها الدعوات لكنها تقف امام هذه الدعوات موقفين لايشبه احدهما الاخر الاول انها تكون مسرورة جدا يوم تلتفت الوزارة او الدائرة التي ينتمي لها الجريح وتعتني به وتحاول تخفيف الالم وتقوم بالمواساة ويكون وجهها عبوسا يوم تكون الدعوة شخصية يريدون منها زيارتهم . تختفي وتنقطع عنا اخبارها وفجأة نجدها في محيط جريح سبقت الجميع وشدت رحالها وذهبت لزيارته احيانا تدعو من قريب عليها للذهاب معها واحيانا لايمهلها الوقت حتى حمل حقيبة يدها .. هذه هي زميلتي وصديقتي الصحفية خالدة المالكي التي دردشت معها بعد ان وجدها يوم امس ودعتني لفنجان قهوة في (كافيه) كان ملتقى لنا في الايام الخوالي وكان سؤالي الاول:

 

- اين تتجلى حقيقتك؟ في حبك للعراق؟ او مواساتك للجرحى؟

- لو تعرف انني سليلة من واسى ابا ذر وحظي بشرف ان يكون رداؤه هو كفن الصحابي الجليل رغم وجود اخرين والسبب ان جدي كان وقتها شابا اعتنق الاسلام مبكرا وكان عفيف اليد والقلب واللسان فأختار ابا ذر ان يكون رداء مالك الاشتر كفنا له . اما بخصوص حب العراق فلن احدثك لكن اخبرك فقط اني رغم كل الشرور والاذى لم اغادر مثل الاخرين مع وجود الفرصة وبعد سقوط نظام البعث لم احصل حتى على استحقاقاتي ودفعت ايضا ثمنا باهضا من الدم بسبب الارهاب .

 

- ماهي قصتك مع الجرحى؟

- وكيف يتسنى لك معرفة الجريح؟

- ومن يغطي نفقات سفرك المستمرة لزيارة الجرحى؟

سأجيب على هذه الاسئلة الثلاث دفعة واحدة واقول :

- قصتي مع الجرحى انني عند استشهاد ابنتي وحين كنت في المغتسل حيث نظرة الوداع وحيث لم أجد لها يدان او ارجل او وجهها الباسم وقبله الوداع قررت حينها أن يكون للجرحى نصيب كامل باهتمامي ووقتي اكراما للشهيدة ابنتي ولأنها في حياتها كانت عطوفه على المريض والفقير عطف ليس له مثيل اما سؤالك بخصوص كيف يتسنى لي . تأتيني يوميا مناشدات على الخاص او واتساب يشرحون فيها الجرحى لي حالتهم وانا بدوري اختار الحاله الاصعب لانها الاولى بالاهتمام وسواء وصلت للجهه المعنيه فهذا خير وان لم تصل أصطحب المواطن المتبرع معي في المحافظات وأكثرها الجنوبيه لأن المواطن المتبرع من حقه ان يريى الحاله ومن الامور الرائعه انني في كل جوله أجد هناك فريق تطوعي جاهز ليساعدني في حملتي لان الوقوف في الاسواق والمجمعات امر متعب فشكرا لهم والحمد لله انه في كل مكان اجد ناس طيبة ومتبرعين يساعدون في هذا الغرض .. ملاحظه اذا كان مبلغ علاج الجريح لايكفي بمحافظه واحده اكمل مسيرتي بمحافظه اخرى .. المهم علاجه , والحمد لله لحد الان ٢٣ جريح تم تسفيرهم للعلاج خارج العراق بنفس الطريقه .. وآخرهم الجريح البطل عباس تركي ضرير الحشد اما تكاليف سفر حملاتي انا اتكفل بها دائما لان الجريح جريح وليس من المعقول ان اجعل تكاليفي عليه

 

- هناك امراة في الهند في السبعينات يوم كان للهند حروبا وفقر اسمها (تيريزا) وبسبب مواساتها ومساعدتها الضحايا اطلق عليها اسم (الام تيريزا) هل هناك شبه بينك وبينها او هدف مشترك؟

- الام تيريزا تستحق احترام وتقدير لدورها الانساني وانا اعتبر كل ام شهيد عراقيه هي تيريزا.. وهناك الكثير من الامهات واطلق علي لقب (ام الحشد) وانا فخوره جدا بهذا اللقب

 

- ماذا تفعلين لو خلي العراق من الحروب والجرحى؟

- لن يخلى العراق من الجرحى لان الجرحى عددهم كثير ومهملين من قبل الجهات المعنيه

 

- هل طالبت يوما بحقوقك كمتضررة من النظام السابق ومتضررة من الارهاب؟

- لأكثر من ه١ عام لم اطالب بحقوقي كأم لشهيدة ضحايا ارهاب وعندما قررت المطالبه واكملت معاملتها دائرة ضحايا الارهاب ضيعت معاملة ابنتي رحمها الله على الرغم من اني كنت مصممه ان تكون كل مستحقاتها هديه مني للجرحى والايتام .

 

- هل لديك امنية؟

- أمنيتي هي أن أبني دار نموذجيه للايتام من عمر صغير الى عمر الجامعه وتكون الدار متكفلة بكل احتياجاتهم .

 

- ماهي الرسالة التي تودين توجيهها للنساء الصحفيات اولا ولكافة الزملاء؟

- رسالتي للصحفيات هي بما انكم صحفيات ولكم صوت وشأن في جميع مرافق الدوله وبما اننا لدينا كم هائل من الجرحى اتمنى ان تستغلن مناصبكن وقاعدتكن الجماهيريه بايصال صوت الجريح والمظلوم الى الجهات المختصه لان الجريح عاجز عن ايصال صوته ومظلوميته للمسؤل وبذلك تكونن قد مارستن دوركن المهني والانساني بأكمل صوره لان الانسانيه هي الفيصل وهذا أقل واجب نقدمه للذين ضحوا باجسادهم ودمهم للوطن

 

حاورها:  راضي المترفي

 

91 عبدالنبي الصروخ 1في مدينة السحر والجمال طنجة الندية تفتقت موهبة الفنان التشكيلي عبد النبي الصروخ، وتشكلت ملامح شخصيته الفنية مبكرا وهو ما يزال  طفلا بريئا حالما يشاغب بالبيت وبالمدرسة ويمنح لشغبه الحي مزيدا من الحياة. ومن جمال المدينة ومن تميزها الإنساني والطبيعي اكتسب رؤية نافذة عميقة للحياة ساعيا وراء اكتشاف كل الأسرار التي تحيط بالكون والإنسان. يستلذ المناورة في حمى كل ما هو سائد ومألوف، ويمنح لنفسه الحق في متابعة كل الجزئيات التي لا يلتفت إليها باقي الناس. يمتلك حساسية مفرطة إزاء المسخ الذي أصاب القيم في محيطه الاجتماعي، ويحمل في أعماقه نفسا بسيطة مسالمة لكنها تواقة إلى طرح الأسئلة الكبرى المستفزة،  كما أن  له نظرة مختلفة إلى الأشياء  تنطلق من أساس فلسفي خالص.  وقد ساعده على ذلك ثقافته العميقة التي تجمع بين عشق الفن التشكيلي وعشق الكتاب. فاستطاع بهذا الجمع اللطيف بين الرافدين التشكيلي والأدبي أن يصنع شخصية مبدعة تحول النصوص الأدبية والصور الذهنية إلى ألوان مرئية، وترسم الأفكار والأحلام والمواقف والنظريات الفلسفية في لوحات بهية.

كان اللقاء بهذا الفنان مفيدا مغريا بالسباحة في عوالم الجمال والأدب والفلسفة والتاريخ، بشكل يجعل الجليس عاجزا عن إيجاد الفرق بين المثقف والفنان في هذه الشخصية. فإذا تكلم عن الرسم وعالم التشكيل يعود بك إلى  محطات من التاريخ والحضارات الإنسانية، ثم ينقلك نقلا سريعا نحو الواقع المعيش و ما يعج به من صراع القيم واختلاف الإيديولوجيات والمنطلقات وهيمنة عقلية الربح وطغيان منطق الاستهلاك. فتجد أن اللوحة التي يتحدث عنها شيئا آخر غير الرسم، وتستطيع أن تقرأ في تفاصيلها ما لا يمكن أن يقرأه غيرك. فمن فجواتها وألوانها تطل عليك الأحداث والأخبار والصور والحكايات والأحلام والتطلعات بشكل يدفعك إلى المزيد من الفضول في التعرف على حقيقة الفن التشكيلي على روحه التي تحجبها الألوان والأشكال. ولذلك آثرت أن أعرض على القارئ هذا الحوار الهادئ المثمر الذي تحول إلى حديقة معرفية وفنية تمنح لكل قارئ نصيبه من المتعة واللذة والفائدة.

س: بداية، أودّ أن نؤسس لهذا الحوار من عتبة البدايات. وأجمل الأشياء وأصعبها هي البدايات. وأقصد هنا النشأة بكل ظلالها الحلوة والمرة، باعتبار أن المحطات الأولى حاسمة ومؤثرة في مسيرة كل إنسان.

ج: لا أدّعي أن طفولتي كانت استثنائية، ولكن الذي يمكنني أن أؤكد عليه هو ذلك الميل الفطري نحو الرسم وذلك الهوس الكبير بالخط منذ سنوات الدراسة الأولى. فقد وجدت نفسي وبدون وعي مني أداعب القلم وأخط على الورق ما كنت أعتبره آنذاك ترفا ولعبا وخربشات لا معنى لها إلى أن انتبه أحد معلمي إلى هذه الموهبة، وقد كان هو أيضا مغرما بالخط بارعا في الرسم. كلفنا يوما في إحدى الحصص الدراسية برسم الهيكل العظمي، فانبهر بما أنجزته، وشجعني على الاهتمام بالرسم. وكانت المفاجأة أكبر لما طلب مني زملائي مساعدتهم في إنجاز هذا الرسم. منذ ذلك الحين أحسست بالتميز على أترابي وبكوني أمتلك شيئا يفتقده الآخرون.والأمر الغريب الذي لا أجد له تفسيرا إلى يومنا هذا هو ارتباط بدايتي الأولى بالهيكل العظمي منذ ذلك الحين، فقد أصبح تيمة محورية في جل رسوماتي. كنت أرسم "السيد الهيكل العظمي" جالسا أو راقدا وتارة راكضا خلف الكرة وتارة أخرى راقصا أو سابحا أو غيرها من الوضعيات. ولا زلت أتأمل هذه البداية الغريبة وأبحث عن السر الذي جعل الجماجم والعظام تستهويني وتنصاع لموهبتي، لأفعل بها ما أشاء وأشكلها كما أريد بدون تكوين فني سابق. فما معنى أن ترتبط البداية بالنهاية، وما دلالة أن ترتبط الطفولة بالموت ؟؟؟

أما بخصوص علاقتي بباقي المواد فلا أنكر أنني كنت متهاونا متهورا مشاغبا كثير الغياب والمشاكسة.وبسبب ذلك ضيعت سنوات من عمري الدراسي، انقطعت عن الدراسة فترة، واشتغلت بالتجارة وببعض المهن البسيطة هروبا من بطش المعلمين، وفرارا من إنجاز الواجبات المنزلية. لكن إصرار والدتي عليّ للعودة إلى رحاب المدرسة كان أكبر من إرادتي. وقد نجحت في إقناعي، خصوصا أني جربت عذابات العمل مبكرا، وقاسيت ما فيه من تعب ونصب ونهْر وقهْر وتسلط المشغّل وغطرسته. فعدت إلى المدرسة لأجد نفسي أكبر التلاميذ سنا وأطولهم قامة، لكن نحافة الجسم كانت تشفع لي وتسهل عليّ الاندماج في ذلك الوسط الجديد. وبسرعة جاريت إيقاع الدراسة فصرت من المتفوقين. وظلت موهبة الرسم ترافقني، بل تزداد رسوخا وتعمقا في وجداني. وفي هذه المرحلة اتجهت نحو فن البورتريهات، فرسمت وجوها تقريبية لشخصيات سياسية وكروية وفنية شهيرة، حتى صرت بارعا في ذلك إلى درجة أنني أقمت أول معرض لي بالمدرسة، فكانت لوحاتي المتواضعة تزين جدران الفصل الذي كنت أدرس به. ثم بدأت علاقتي بعالم الرسم تتسع وتكبر بشكل أكثر نضجا حينما اتصلت بالفنان العالمي (خليل غريب) الأب الروحي الذي أدخلني إلى عالم التشكيل من بابه الواسع، وحفزني كثيرا على الاستمرار وعلى تحقيق التميز. ومنذ ذلك الحين صرت أرسم لوحاتي وأعرضها للبيع في إحدى المكتبات بمدينة طنجة، الشيء الذي جعلني أوجه بوصلة دراستي كليا نحو الفن وأخطط لمستقبلي بريشة الرسام. هكذا كانت البداية الثانية وأنا لم أتجاوز العشرين من العمر.

س: من خلال هذا السرد الطريف نخلص إلى أنك في بدايتك الأولى دخلت عالم الرسم بالصدفة وبرعت فيه بشكل عصامي بدون تكوين فني أو دراسة. لكن كيف طوّرت هذه الموهبة؟، وما الروافد الفنية التي ساهمت في ولادتك الثانية كفنان له بصمته ورؤيته وفلسفته في عالم التشكيل؟

91 عبدالنبي الصروخ 2

ج: ارتبطت هذه الولادة الجديدة بامتهان مهنة التدريس كأستاذ للفنون التشكيلية. فقد كان الجانب الوظيفي عاملا كبيرا وحاسما في دفعي نحو الإبحار في عالم الرسم ونحو الاطلاع على كل المدارس الفنية القديمة والحديثة، لأن وضعي الجديد أصبح يفرض علي أن أخوض غمار التجريب كفنان يجمع بين الدراسة النظرية للفن وبين ممارسة لعبة الإبداع. وبالفعل ازدادت مهاراتي تنوعا واتسعت مدركاتي الفنية عمقا، فصقلتُ موهبتي بما يكفي من زاد علمي غزير وبالانفتاح على تجارب عالمية رائدة في ميدان التشكيل.  ومع مرور الأيام أنشأت محترفا للرسم بالبيت الذي أسكن فيه، وجعلت منه مستودعا لحساسياتي الفنية ومعتكفا أمارس فيه طقوسي الإبداعية. أختلي فيه ساعات طوالا وأحاور فيه نفسي الأمارة باقتحام مضمار الاحتراف. وهكذا أنجزت لوحات عديدة من مختلف الأحجام وبكل المواد الخام المتوفرة، ثم اقتحمت عالم العرض فشاركت في معارض كثيرة فردية وجماعية داخل المغرب وخارجه بإسبانيا وفرنسا وبلجيكا. وقد أتاح لي ذلك الانفتاح اللقاء بكبار الفنانين العالميين وحضور منتديات حول المدارس الفنية الحديثة، الشيء الذي منحني مزيدا من الثقة للمضي قدما في هذا الدرب.

س: من المعروف عنك أنك قارئ جيد.. فما السر الذي جعلك مدمنا على الكتاب شغوفا به؟ وكيف أثر الكتاب على موهبتك الفنية؟

ج: من المؤسف جدا أن تجد بعض الفنانين لا يصاحبون الكتاب ولا يغذون موهبتهم بالمعرفة، ويكتفون بما لديهم دونما انفتاح على ثقافات الشعوب ومنجزاتها الفنية. والواقع أن الكتاب رفيق ضروري وجليس لا غنى للفنان عنه. منه يستمد الصور والأخيلة والأفكار والتجارب. وبالكتاب يغذي الفنان رؤاه ومواقفه وأساليبه. فالقراءة بالنسبة إلي هي نوع من التوعية المؤثرة التي تحدث زوبعة ذهنية تدفع الفنان إلى تجديد ذاته باستمرار وإلى مراجعة مكتسباته وقناعاته بشكل دائم.  ولذلك كنت حريصا على الجمع بين القراءة والممارسة الفنية. أجد متعتي في المطالعة بقدر ما أجدها وأنا أمام لوحاتي. وكل قراءة تزيدني قوة ورغبة في ترجمة تلك الأحاسيس والفوائد إلى أشكال وألوان وصور. وهنا أؤكد أن الرسم -على مر التاريخ- لم يكن قطُّ منفصلا عن العلوم والفلسفات والدين والتاريخ والمجتمع، بل كانت المعارف السائدة في كل عصر تحضر بظلالها في اللوحات الخالدة. بحيث تصبح كل لوحة كتابا تتقاطع فيه النظريات والتصورات والقيم مع الحمولة الفنية. ولذلك كانت علاقتي بالكتاب وطيدة خصوصا مع أمهات الكتب الأدبية والتاريخية والفلسفية والتربوية لكبار الكتاب العرب والأجانب، فعلى سبيل المثال قرأت كتب: أمين معلوف، عبد الرحمن منيف، باولو كويلو، غارسيا ماركيز، تولستوي،إدريس الشرايبي،عبد الكبير الخطيبي، محمد شكري، نجيب محفوظ، دوستوفسكي، برغسون، جاكطالي، وغيرهم كثير... وأشير هنا إلى أنني لم أكن أكتفي بمنجز واحد، بل أحرص على قراءة الأعمال الكاملة لكل مبدع حتى أشكل الصورة الكاملة لمشروعه الإبداعي وأفهم تفاصيل رسالته الفنية الكامنة في تجاربه المختلفة. وقد ساعدتني هذه القراءات المتنوعة في عملي الإبداعي وفي الانفتاح على الثقافات الإنسانية من بوابة الكتب واللوحات. فأنا أؤمن بالمثاقفة والانفتاح وبكون الرسام في حاجة ماسة إلى التحرر قليلا من قيد الثقافة الواحدة وإلى الاغتراف من معين المنجزات العالمية، لأن الفن إنجاز إنساني تتداخل فيه الهويات والانتماءات والجغرافيات واللغات والأديان والثقافات. وهذا التلاقح لا يمنع من أن يحتفظ كل رسام بخصوصيته الجمالية وبطابعه المحلي الذي يؤسس عليه تميزه وتجربته الخاصة.

91 عبدالنبي الصروخ 3س: كيف يستطيع الفنان أن يكون عالميا مع الحفاظ على المحلية أو الإقليمية.

ج: إذا تأملنا الواقع التشكيلي اليوم نلاحظ أن ثمة من الفنانين من يرتمي بسرعة قياسية في أحضان الثقافة الغربية ويعتبرها نموذجا للاقتداء، وبأن تقليد التجار الغربية سبب كاف للدخول إلى العالمية من بابها الواسع، فينسلخ بشكل كلي عن هويته ويتنكر لخصوصيته الثقافية، في حين أن المفروض هو أن ينفتح الفنان على كل التجارب والمدارس والحساسيات ويستفيد من الثقافات الإنسانية ويغذي بها تجاربه بدون التفريط في هويته وانتمائه، حتى يحافظ على طابعه الخاص وتكون له شخصيته الفنية المستقلة. وأعتبر أن الفنان مطالب بأن ينطلق من موقعه ومن محيطه وبأن يستمد منه طابعه الذي يميز منجزاته الفنية، وبعد ذلك يعمل على إشاعته وعولمته وتصديره ليصبح رافدا جديدا من الروافد المغذية للفن العالمي. فلو تأملنا الأسماء العالمية الخالدة نجدها لا تفرط في هويتها وإن كانت تبدع فنا عالميا. فالفنان (بيكاسو) رسام عالمي ولكنه حافظ على هويته الإسبانية. وكذلك (سلفادور دالي) فهو فنان إسباني وعالمي. وكذلك (فان غوغ) فنان هولندي وعالمي، والفنان غوغان رسام فرنسي وعالمي...فلكل فنان من هؤلاء الرموز مدرسته الخاصة في الرسم، وبفضل هذه الخصوصية المميزة لإبداعه اقتحم العالمية. والشيء الذي أود الإشارة إليه هنا هو أن معظم هؤلاء الفنانين يلتقون في (المدرسة الانطباعية) التي هي نتيجة التأثر بالثقافات الإنسانية، فمثلا الفنان (فان غوغ) تأثر بالمطبوعات اليابانية، بينما تأثر (غوغان) بألوان جزيرة تاهيتي. وتأثر بيكاسو بالفن الإفريقي. وهكذا هي أغلب التجارب العالمية. فكل فنان عالمي يستفيد من المؤثرات الخارجية مع محافظته على مراجعه ومصادره المحلية. وبذلك يستطيع التوفيق بين ما هو محلي وبين ما هو عالمي. وغير خفي ما كان للثقافة الإسلامية من تأثير ملموس على الفن العالمي وعلى مختلف العلوم. أما بالنسبة إلى تجربتي الخاصة فيمكن أن أدعي أنني بدأت محليا، أترجم واقعي ومحيطي وثقافتي المحلية بلغة الألوان. لذلك كان اهتمامي ينصب أساسا على الخط العربي وعلى الرموز الدينية وعلى الجداريات وعلى الأشكال العمرانية والفسيفساء وعلى كل ما له علاقة بالمحلية، أو إن صح القول بالثقافة الإسلامية.  اقتنعت بهذا التصور الهوياتي، فانطلقت من هذه الزاوية لتكون تجاربي التشكيلية مخلصة لانتمائها، تحيي أنفاس الموروث، وتساهم في ضمان الاستمرارية لجماله وتأثيره باعتباره تراثا إنسانيا ورصيدا حضاريا خالدا.

91 عبدالنبي الصروخ 4س: ما دمنا نتحدث عن المنطلق الهوياتي في الأعمال الإبداعية، أريد أن أسألك عن العمق المغربي بجميع أطيافه وظلاله وتلويناته. فما حظ الثقافة المحلية في مشروعك الإبداعي؟

ج: حينما نتحدث عن البعد الهويّاتي في أعمالي، يجب أن نميز بين ما هم عام وما هو خاص. فالثقافة الإسلامية والعربية حاضرة كمكون هوياتي عام، ولكن تحضر كذلك الثقافة المغربية كمكون خاص، وأقصد به كل ما يرتبط بالمجال المغربي وتنويعاته التعبيرية وطقوسه الاجتماعية ورموزه الفلكلورية والشعبية والتراثية. وأخص بالذكر المكون الأمازيغي والجبلي والصحراوي، باعتباري مواطنا مرتبطا بأصوله فخورا بانتمائه  وحاملا لجينات امتزج فيها ما هو عربي بما هو أمازيغي،  وبذلك تشكلت القناعات التي أحملها والذوق الذي أميل إليه وأدافع عنه. فلا أنكر أنني تأثرت كثيرا بالرموز والإيقونات والتعبيرات والأشكال التي تحيط بي. تأثرت بالأرض التي تقلني، وبالسماء التي تظلني، وبالهواء الذي يملأ رئتي، وبالماء الذي يرويني صباح مساء. كما أضيف أن اهتمامي بالمحلية ذهب إلى أضيق دائرة، وهي دائرة الحي الشعبي الذي تشرّبت منه القيم و الألوان والأشكال والأصوات والحركات. فمن جدران المدينة القديمة المتصدعة والمتآكلة كانت النزعة الفضولية تتنامي في داخلي وتتسرب إلى حساسيتي الفنية، لتجعل من تلك الجدران المتساقطة موضوعا مركزيا يؤثث لوحات كثيرة تختزل الزمان وتبوح بالتاريخ وتحكي حكايات تراها العين وتلمسها الأذواق. وكأنني أقرّب البعيد فأجعله مسطّحا بأبعاد مختلفة وبامتدادات جديدة. وعموما يمكن أن أقول بأنني متنوع في مواضيع رسوماتي إلا أن الطابع المحلي سكنني وهيمن على مشروعي الإبداعي. والذي لا بد من الإشارة إليه هو أنني لا أهتم بالموضوع كمعطى جاهز، ولا أهتم بالنقل المباشر للمرئيات بقدر ما يهمني التجريد داخل الموضوع: أي تجريد المادة الواقعية من لون وحركة وخطوط وغيرها وصبغها باللمسة الفنية المنزاحة عين الواقع الحرفي...

91 عبدالنبي الصروخ 5س: يغلب على لوحاتك الألوان الغامقة الداكنة، فهل هذا الاختيار عاكس لصورة الحياة كما تراها أنت؟ وهل لهذه النزعة التشاؤمية الناقمة والناقدة من تفسير؟

ج: قد يظن البعض أن أعمالي تغلب عليها السوداوية وبأنني أنظر إلى الحياة من زاوية مظلمة سلبية. والحقيقة أنني أرى أن تلك الألوان الغامقة تعكس الحياة التي نحياها كما هي في الواقع دونما تزييف للحقيقة. فهي مزيج من الألوان والسواد. فالحياة ليس بداية وليست نهاية في تقديري. هي محطة وجودية حاسمة بالنسبة للإنسان اعتمادا على التفسير الروحي للوجود الإنساني. ولذلك قد يعتبر البعض أن في أعمالي بعدا صوفيا. وأنا لا أنفي ذلك، لأن الحياة لها بعدها الواقعي كما أن لها بعدا روحيا صوفيا. وفي فضاء اللوحة أحاول أن يحضر البعدان معا لتجسيد الجمال الروحي الذي ينطلق من المرئي نحو اللامرئي، من المنظور إلى غير المنظور، من الواقعي إلى الميتافيزيقي. فهناك أسرار منتقبة وحقائق محتجبة وتفاصيل غائبة، والعقل عاجز عن إدراكها وحائر في تفسيرها. وهذا هو السر وراء تلك الألوان الغامقة.

س: وردت في كلامك إشارة إلى خاصية مهمة تطبع أعمالك التشكيلية، وهي مسألة التجريد. وأنا أرى أنه يصعب تصنيف أعمالك في تيار محدد. فهي- إن صح التعبير- في المنزلة بين المنزلتين. فكيف تصنف تجاربك الإبداعية؟

ج: فيما يخص مسألة التجريد في علاقتها بالتشخيص في أعمالي الإبداعية، يمكن أن أقول إنها علاقة جدلية. بحيث يكون التجريد في خدمة التشخيص، وبالمثل يكون التشخيص في خدمة التجريد. فأحيانا ألتجئ إلى التجريد هروبا من التشخيص أو بحثا عن فسحة للتأمل والراحة النفسية. وكذلك هناك رغبة في تربية الذوق لدى المتلقي ونقله من تذوق الجاهز إلى المشاركة في خلق المعني ومطاردة خيوط الموضوع وقراءة جمالية الغموض في اللوحة، خصوصا وأن الجمهور يميل في الغالب إلى تلقي التشخيص أكثر من التجريد، بل إن هناك قطيعة بينه وبين الفن التجريدي لغياب الثقافة الفنية ولعدم قدرة المتلقي على تفكيك شفرات اللوحات وقراءة ما تخفيه الأشكال والألوان من خطابات خفية. ولذلك ألجأ إلى التجريد لترقية الذوق وللمساهمة في خلق ثقافة فنية لدى الجمهور.

91 عبدالنبي الصروخ 6س: سؤال أخير، هو ما الجديد الذي أضفته إلى الساحة التشكيلية من خلال مشرعك الإبداعي؟

ج: الفن التشكيلي بحر لا ساحل له ولا قرار له. وفي كل يوم يتسع هذا البحر ويزداد عمقا. وكل تجربة فنية تساهم في هذا الاتساع. ولا أدعي أن منجزاتي إضافة نوعية، وإنما هي لبنة تنضاف إلى منجزات الفنانين المغاربة في أفق تأسيس مدرسة تشكيلية مغربية. والذي أفتخر به في هذه التجربة المتواضعة أنني حاولت نقد الفن الاستشراقي الذي سعى في كثير من الأعمال إلى تشويه التاريخ الإسلامي ونعته بالوحشية والعنصرية والنزعة الدموية، من خلال صور مشينة روجها الفنانون الغربيون والتي تركز على أسواق النخاسة والمعارك والجنس،  وتهمل بقصد المظاهر الحضارية والقيم الإنسانية التي اعتمد عليها الغرب كأساس لبناء حضارته الجديدة.

شكرا على هذا اللقاء الماتع الباذخ بالمعرفة والمفعم بالجمال. دام لك العطاء والبهاء.

 

حاوره: د.محمد شداد الحراق