1536 خالد فائق العبيديفي القرآن وصاحب الـ 69 مؤلفا.. الدكتور خالد فائق العبيدي

قامة وقيمة عراقية علمية كبيرة لها حضور متميز أينما حلت وإرتحلت ،كان الأكاديميون والمثقفون ومازالوا أسوة بعشاق ربط العلم بالدين يتزاحمون لحضور ندواته ومحاضراته أولا بأول أينما عقدت ويتسمرون أمام الشاشات لمشاهدتها ومن أية فضائية بُثت، فيما إنكب هؤلاء على كتبه وبحوثه ومقالاته دراسة وقراءة وتحليلا لما تغص به من فوائد بحثية ولفتات قيمية ودررعلمية وشذرات دعوية جمة وفي شتى المجالات المعرفية.

إنه الدكتور المهندس خالد فائق صديق العبيدي ،العضو المشارك المحترف في مجلات علمية عالمية كمجلة “ساينس”؛ الدورية الشهيرة الصادرة عن الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم والتي صدرت طبعتها الأولى بدعم من توماس اديسون عام 1880، ومجلة” نيتشر”العلمية البريطانية المعروفة؛ والتي صدرت أول مرة عام 1869، كذلك مجلة “ساينتفيك اميركان “الشهرية العلمية الأمريكية التي صدرت طبعتها الأولى عام 1845،اضافة الى” ناشيونال جيوغرافيك” وهي مجلة معرفية أمريكية أشهر من نارعلى علم ، صدرت أول مرة عام 1888. وهو استاذ جامعي ومحاضر سابق في الجامعة التكنولوجية والجامعة المستنصرية ببغداد بين أعوام ( 1998-2004م)، علاوة على قسم الهندسة المعمارية بجامعة عجمان للعلوم والكنولوجيا عامي 2011م و2012م، وهو أيضاً المحاضر والمدرب المعتمد في جمعية ونقابة المهندسين العراقيين ومعاهد وهيئات تدريبية علمية متعددة في بعض دول الخليج العربي، وله مؤلفات في الهندسة الانشائية والمختبرات الهندسية وشبكات الخدمات الصحية والمائية فضلا عن شبكة المعلومات الدولية منشورة في كل من العراق والمانيا. تشرف الدكتور خالد بإكتشاف تقنية هندسية جديدة في مجال الاستقرارية اللاخطية نشرت في ألمانيا، وهو عضو فعال في اللجنة الدولية للاعجاز العددي في القرآن الكريم، وعضو الاتحاد العالمي ومركز الاعجاز في القرأن والسنة ومقره بلجيكا، وعضو مؤسس في هيئة تحرير وتحكيم المجلة العلمية الاكاديمية في القاهرة ، إضافة الى العديد من المؤسسات والهيئات العلمية المناظرة في كل من الامارات وقطر والسعودية والاردن والمغرب وماليزيا.

إلتقيناه لتسليط الأضواء على مسيرته أولا وللتعرف على طروحاته ووجهات نظره ثانيا وبادرناه بالسؤال الأول :

س1: لجنابك الكريم 69 مؤلفا في مجال الدعوة والتنمية البشرية والاعجاز القرآني وعلومه منها ما تم نشره عربيا ومحليا ومنها ما يزال تحت الطبع وقيد النشر، أوجز لنا عناوين وفحوى بعض هذه الكتب وأقربها الى قلبك .

- بدءاً أود أن أشكر لكم هذه الالتفاتة الطيبة بإتاحة الفرصة للعبد الفقير ولقائه المباشر مع الجمهور العزيز والحبيب. أما عن السؤال؛ فنعم ولله الحمد والفضل والمنة وصل مجموع الكتب المنشورة لغاية يوم الناس هذا (53 ) كتاباً فضلاً عن عديد البحوث والدراسات، سواء في مجال الاختصاص أو العلوم القرآنية أو التنموية، نشرت وطبعت من خلال دور نشر في كل من: العراق، الأردن، لبنان، سورية، المغرب، الإمارات، السعودية، البحرين، فلسطين، ماليزيا، ألمانيا، إيطاليا. أما الكتب المعدة للطبع بإذن الله تعالى، والتي هي قيد التأليف والتهيئة فهي سلسلة: (وتلك القرى – إعادة صياغة التاريخ البشري وفق المنظور القرآني) وتقع في جزئين؛ الأول في 13 كتاباً (وصلت لمراحلها النهائية)، والثاني في 15 كتاباً (أحاول إكماله إن كان في العمر بقية).

أما عن الكتاب الأقرب للقلب، فهو بالتأكيد الكتاب الأول: (المنظار الهندسي للقرآن الكريم) الذي طبعته ونشرته دار المسيرة بعمان في 3 طبعات، أعوام؛ 2001-2005-2009م، وبرغم الطلب الكبير على الكتاب الا ان الدار ارتأت أن تكتفي بالطبعات الثلاث فقط. والسبب في كونه الأقرب للقلب، ليس لأنه الأول فحسب ، لكن معاناة طبعه ونشره وتأليفه كانت جميلة استغرقت 5 سنوات في وقت الحصار بتسعينيات القرن العشرين حيث لا شبكة عالمية، ولا مصادر حديثة، ولا حتى حاسوب شخصي خاص، ولا أية تقنية بحثية تسهل عملية الطباعة، الا انها كانت بالنسبة لي بطعم العسل حيث كان الكتاب شغلي الشاغل حتى أن صاحب المكتبة الذي نضدت عنده فصول الكتاب وكلما رآني بجانب أحد الطباعين، يقول مازحاً: متى يكمل كتابك هذا؟! حتى اكتملت فصوله طباعة عام 1999م، ثم كانت قصة تبني دار النشر له أياما جميلة، يومئذ أقيم معرض للكتاب في جامعة بغداد- الجادرية وذهبت أعرض كتابي لدى دور النشر المصرية والسورية واللبنانية والاردنية ،والجميع أجابني لاحقاً بالموافقة الا أن الدار الأردنية كانت سباقة في ذلك . وبعد توفيق الله تعالى للمؤلف في هذا الكتاب جاء التوفيق الرباني المضاف في بقية الكتب وكانت أسهل بكثير بسبب توفر أدوات العمل البحثي وتسهيلاته أكثر من ذي قبل.

لعل القارئ الكريم يجد في السيرة الذاتية للمؤلف المتوفرة في موقع الفيسبوك الخاص تفاصيل وصور أكثر عن تلك الكتب.

س2: لكم أكثر من 150 حلقة متلفزة بثت من محطات عديدة على مدار سنين في مجال الدعوة العصرية والاعجاز الهندسي في القرآن الكريم ، ماذا تقصدون بالاعجاز الهندسي ،هل هو علم جديد لم يسبقكم اليه أحد من المتخصصين ، أم ماذا؟

- الاعجاز الهندسي أو السبق الهندسي القرآني، هو ببساطة سبق آيات القرآن الكريم؛ تصريحاً أو تلميحاً أو استنباطاً، للعلوم الهندسية الحديثة بمختلف تصنيفاتها وتخصصاتها التي تبنتها المجامع العلمية بعد عصر النهضة والتنوير الأوربية. ورغم أن تلك المجامع المنبثقة أوربياً كانت وما تزال لا تؤمن بالدين أو الخالق، ولا تقبل بأي ربط بين العلوم الدينية والمادية، لكن الله تعالى غالب على أمره، حيث جعل في وعده الأثير الخالد بأن يري الناس آياته في الآفاق وفي الأنفس حتى يتبين لهم أنه الحق، فهو سبحانه على كل شيء شهيد. قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)}[فصلت: 53]. وأزعم أن أحد أهم مجالات الدعوة الحديثة المعاصرة هو تبني لغة العصر في العلم والإعلام .

أما قضية هل هو علم جديد لم يسبقن له أحد، فالجزم في هذا لا يليق ولا يصمد، فلقد تكلم الكثيرون قبلي ومعي في عدة علوم إعجازية قرآنية مختلفة ضمن مختلف التخصصات، وبعضهم تطرق في ثنايا بحوثه إلى بعض العلوم المشتركة مع العلوم الهندسية، لكن من دون أن يجعل ذلك ضمن السبق القرآني في الهندسة كتخصص مستقل. فالإعجاز الهندسي يشمل السبق القرآني في العلوم الصرفة (كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء) والعلوم التطبيقية في كل تخصصاتها (التقنيات والصناعات والمواد والمنشآت المرتبطة بكل التخصصات الهندسية الحديثة والقديمة) وكذلك العلوم العددية والمنظومات الرقمية والرياضية والإحصائية. وعملية الجمع بينها لتشكيل منظومة سبق قرآني في الهندسة هو ما قمت به. بالتالي؛ إجمالاً يمكن الزعم أن جمع العلوم الإعجازية التطبيقية والصرفة والعددية في بودقة واحدة وصياغتها بشكل هندسي منهجي لم يتطرق له أحد قبلي ولله الحمد والفضل والمنة..

س3: ألفت كتابا بعنوان جذاب وملفت الا وهو (هندسة الدعوة العصرية: من المنطلقات إلى التطبيقات- دعوة للنهضة العصرية للأمة وفق القرآن والسنة) ما معنى الدعوة العصرية هنا وهل هي محاولة للتجديد، أم للانقلاب على الدعوة التقليدية، أم أنها مُواكبة لمستجدات العصر مع الحفاظ على الثوابت؟

– نعم، هو صادر عن دار ابن حزم في لبنان عام 2011م. وهو خلاصة خليط بين بحوث وخبرة خاصة وعامة فيما يتعلق بلغة المخاطبة العصرية للناس على اختلاف خلفياتهم الثقافية، بمعنى انه اختصار أجوبة لأسئلة نحو: (من نخاطب؟ بماذا نخاطب؟ لماذا نخاطب؟ كيف نخاطب؟ متى نخاطب؟ وما شاكلها)، ويتطرق ليس فقط الى أجوبة تلكم الأسئلة بل ويعممها ليضع تصورا كاملا ومنهجية واضحة ومنظومة متكاملة من التصورات والتأطيرات والتأصيلات والمنطلقات باتجاه تطبيقها في الواقع العملي من خلال مشاريع تنفيذية في مختلف نواحي الحياة الغرض منها إيصال الإسلام الى العالم بأبهى صورة وأحلى حلة. ولعلي هنا أستعير لغة التجار حين أقول أن للأمة بضاعة غالية أغلى من كنوز الذهب والماس لكنها قصرت في كيفية عرضها للمتبضعين والمتسوقين، فالمشكلة في التسويق والعرض وليس في القيمة والنوعية. وقد كانت هناك حلقات متلفزة مستلة من الكتاب، عرضتها وأنتجتها قناة بغداد الفضائية عام 2008م في 8 حلقات، وهي متوفرة على موقعي بقناة اليوتيوب وروابطها متوفرة في السيرة الذاتية وكذلك من خلال منشورات موقع الفيسبوك.

س4: أنت مكتشف منظومة الثوابت الهندسية في القرآن، ولكم إبتكارات مستلة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة تبنتها مؤسسات عالمية، ولقد سألني غير واحد من القراء الكرام عن مضمون تلكم الابتكارات وفحوى منظومة الثوابت الهندسية القرآنية فنرجو منكم توضيح ذلك؟

– نعم، منظومة الثوابت الهندسية هي منظومة رياضية تعتمد تسلسل السور والآيات والكلمات للموضوع المبحوث، وكذلك عدد مرات ذكرها أو تكراراتها، وأيضاً نسب تلك التسلسلات، أي (نسبة تسلسل السورة إلى عدد سور القرآن الكريم، نسبة تسلسل أو رقم الآية ضمن السورة إلى عدد آيات السورة، ونسبة تسلسل الكلمة المعينة ضمن السورة إلى عدد كلمات السورة). وقد توصلنا من خلال هذه التقنية إلى تطابق كامل للعديد من الثوابت العلمية المكتشفة حديثاً في شتى التخصصات العلمية الهندسية مع حقائق تلك المنظومة القرآنية وبشكل عجيب قد يطول تفصيله في هذا المقام، لكنه موضح بكل جلاء من خلال حلقات متلفزة كثيرة ومعها محاضرات موثقة في مؤتمرات وندوات تجدونها في موقعي الفيسبوك واليوتيوب المشار إليهما. ومن تلك البرامج برنامج (لمسات بيانية) من تلفزيون الشارقة عام 2010 م في 7 حلقات، وكذلك مشاركات المؤلف في مؤتمرات عالمية عن الإعجاز العددي في القرآن الكريم في دبي والمغرب وماليزيا. وكمثال بسيط، فإن نسبة تسلسل كلمة (قطراً) (وتعني النحاس) في قوله تعالى (آتوني أفرغ عليه قطراً) في سورة الكهف إلى عدد كلمات السورة يعطينا بالضبط كثافة النحاس المتبناة علمياً وهي (0.896 ديكاغم/سم3 ) وهو نفسه ( 8.96غم/سم3 )،حيث اعتمد مبدأ المرونة في وحدات القياس ضمن الجداول العلمية المعروفة .

أما عن بقية الابتكارات، فتتراوح بين هندسية اختصاصية أو تقنيات عامة. ومن ذلك مشروع المباني الخضراء الكاملة المتعمدة بالكلية على الطبيعة في توفير الخدمات المختلفة من كهرباء وماء وتصريف وما شاكل. وكذلك مشروع تقطير الماء من الهواء باستخدام تقينات طبيعية وليست آلية مصنعة، وكذلك تصنيع الفضة الشفافة استنباطاً من القرآن الكريم، أو مشروع تجميع الكهرباء من البرق، وغير ذلك.

س5: لكم طروحات قيمة بعنوان” قوانين الرحمن برسم القرآن في أمم بني الإنسان ” فماهو محور هذه القوانين وما الرابط بينها؟

– نعم، هو ضمن ما بيناه في كتابنا (القوانين القرآنية للحضارات) الصادر عام 2002 في بغداد ومن ثم 2004م في بيروت، وكذلك كتابنا (لسنا بمأمن- لله جنود السماوات والأرض) الصادر عام 2007 في بيروت. إذ أن لله تعالى قوانين ونواميس في تشكل وصعود ونزول الحضارات البشرية في الأمم والقرى ، ومثلها في الظواهر الطبيعية والكونية. ومن يتدبر في ذلك يجد الكثير من هذا الأمر، ولعل ابن خلدون رحمه الله تعالى قد وضع منهجيته في التداولية التأريخية والاجتماعية المعروفة في الأمم من خلال أحدى تلك القوانين وهي قانونه الشهير الذي أوصله الى ابتداع نظريّة تعاقب الدول الدّوري في سياق تاريخ الفكرالإنساني، حيث اقتنع بفكرة التعاقب في الحضارة، وأنجز المقارنة في دائريّة التغييرالقائم بين الإنسان والمجتمع الذي يولد وينمو ويهرم ويموت شأنه شأن الإنسان. ولعل كل ذلك من خلال التدبر في كتاب الله تعالى المعاش حياتياً وكذلك كتابه المقروء كما في قوله تعالى: {.. وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ..} [آل عمران- من الآية 140]. وفي كتابنا ذاك وضعنا ثلاثة انماط من القوانين القرآنية، هي قوانين تشكل الحضارات البشرية بشكل عام (10 قوانين)، القوانين العامة في صعود ونزول جميع الأمم والقرى والقرون (16 قانونا)، ثم قوانين الاستثناء لأمة الإيمان (وهي كثيرة). وكل تلك القوانين تنطلق من فهمنا للتقسيم القرآني للعلوم في دوائره الثلاث: دائرة الغيب، دائرة الشهادة، دائرة الأحكام كما بيناها في ثلاثة أجزاء مبسطة نشرت في الموقع كتلخيص سريع مجمل لما جاء في الكتاب المشار إليه.

س6: ” ضعف الطالب والمطلوب “، “هو يشفين “،”الا يسبح بحمده “سلسلة دراسات قرآنية منهجية وبحثية في غاية الاتقان من ناحية الإخراج الفني والتصميم والمضمون، نود أن تختصر لنا أبرز ما تناولته هذه السلسلة وسلطت الأضواء الكاشفة عليه .

- هذه الكتب من الإصدارات الحديثة لي، فقد صدرت عن جائزة دبي للقرآن الكريم عام 2017م، وهي تتعلق بالرد على الملحدين الناكرين للخالق جل وعلا في مجالات علمية متعددة. فالأول: (الا يسبح بحمده: فقه لغات المسبحين من ما دون الذرة إلى ما وراء المجرة) يبن حقيقة لغات التسبيح بمفهومه اللغوي والاصطلاحي لجميع المخلوقات من الأصغر للأكبر، ووفق أحدث البحوث العلمية المنشورة في العالم. وأما الثاني: (هو يشفين: أثر الدعاء في تعجيل الشفاء وفق أحدث بحوث العلماء) يتناول ما توصلت له وأقرت به البحوث المادية التطورية الملحدة من أن الدعاء والإيمان والصيام والصدقة والصلاة والخشوع والتبتل تسهم في رفع نسبة ومعدلات المناعة عند البشر ضد الأمراض من جهة وكذلك تعجل كثيراً في شفاء المرضى من جهة أخرى، وفي الكتاب قصص جميلة رويتها عن مشاهدات عينية خاصة أو شهود ثقاة عايشوا حالات بعينها. وأما الثالث: (ضعف الطالب والمطلوب: قصة الاستنساخ البشري من الصعود إلى السقوط)، فهو يتكلم عن قصة الاستنساخ البشري وفريته الكبرى التي كانت قنبلة العالم خلال التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة، ثم تبين أنها محض كذب وتدليس وتزوير في البحوث والغرض منها اقناعنا بأنه لا وجود لخالق، وأنه بإمكاننا أن نخلق ما نشاء لأننا أصلاً خلقنا من تطور وصدفة وخبط عشواء كما يزعمون، ففي الكتاب الادلة العلمية العديدة والحاسمة على كذب افترائهم وخيبة زعمهم وبطلان تصوراتهم.

س7: من مؤلفاتك ذائعة الصيت كتاب ” القوانين القرآنية للحضارات ” طبع في بغداد وبيروت وهو دراسة قرآنية معتبرة لأحداث التأريخ ،ترى كيف تولدت فكرة الكتاب ولماذا تم ربط بعض طروحاته لاحقا بجانب من طروحات المفكر والفيلسوف الكندي ألان دونو، والتي صدرت في كتاب للأخير بعنوان ” نظام التفاهة” بشأن كيفية تصدر” الرويبضات “للمسؤولية في كل مكان بعنوان جامع مانع الا وهو “التفاهه تحكم” وهذا هو عين ما يحصل في العالم عامة ،وفي العراق خاصة يوم صار لسفهاء الاحلام وحدثاء الأسنان دول وسلطنات ورايات وأعلام؟

- نعم، تلك الكتب التي ذكرناها آنفاً، تحوي القوانين السماوية والنواميس الإلهية لتطور وصعود وسقوط كل حضارة. وقد استعرضت في المقالات التي أشرتم إليها في الموقع بعض المؤلفات التي تبين حقيقة التافهين والرويبضات والنكرات التي تسود مجتمعات العالم اليوم، وهو مؤشر خطير على قرب زوال حضارتنا الحالية، سواء على المستوى المحلي في العراق أو الإقليمي أو العالمي، إذ هو واضح جلي لكل متابع، وهو مؤكد عليه وقد حذر من خطورته آلان دونو وغيره كثير في دراسات ومؤلفات لا مجال لذكرها في هذه العجالة. ولعل حالنا في العراق مضاعف التأزم ومتراكب التشرذم، والسبب كما لا يخفى هو لتكالب قوى كثيرة ضمن الإقليم وعلى مستوى العالم على هذا البلد الكبير المعطاء . وقد كان لي تعليق سابق في ذلك قلت فيه: (أرض الرافدين: منها بداية الحضارة البشرية وفيها انتهاؤها) كتعبير على أن ما فعل ببلدي الحبيب سيكون مآله لا محالة نهاية الحضارة البشرية، فعندما تكسر الأساس يتهدم البناء المعنوي ثم المادي، ولو ضربت القدم سقط البدن، وهكذا هو حال العالم اليوم مع شديد الأسف، ظلمات بعضها فوق بعض.

أما كيف تولدت فكرتها، فقد كانت في البداية كمحاضرات كنت ألقيها في العاصمة الحبيبة قبيل غزو العراق، فكان ان أصدرتها على شكل كتيب صغير بطباعة شخصية في بغداد، ثم ترسخت بعد 2003لأكملها وأنشرها في بيروت لاحقاً.

س8: الملاحظ ومنذ إنتشار وباء كورونا المستجد (كوفيد – 19) وانت لاتفتأ تشكك بنظرية الفايروسات ونظرية الايكسوسومات وتستعرض آراء كبار المتخصصين العالميين في فحص PCR وتحذر من مخاطر اللقاح المزعوم وهندسة التجهيل والتحكم بالعقول وعقيدة الصدمة ورأسمالية الكوارث وكيفية خلق أزمة دولية ما لتمرير هدف اقتصادي أو سياسي ما لإقناع البشرية بها ،ولطالما تحدثت وكتبت عن الدور المشبوه لبيل غيتس، واللوسيفرية ، وآل روكفلير،وآل روتشيلد في ذلك بغية إحكام السيطرة الماسونية على العالم وإغراق الدول بالديون الربوية الخانقة وحقن البشر برقائق الكترونية عبر اللقاح المزعوم يسهل من خلالها السيطرة عليهم من جهة ،ولقتل اكبر عدد منهم لتخفيض عديد السكان على سطح الكرة الارضية من جهة اخرى، فماهي وجهة نظرك ومالذي تريد ايصاله الى القراء من مجمل ذلك كله فيما يتعلق بإشاعة الـ” كورونافوبيا”؟

– في الحقيقة أن القارئ قد يعجب متسائلا هل يمكن أن يكون للجهل علم، فكيف يجتمع النقيضان؟! فنقول وبالله التوفيق، إن عملية السيطرة على العقول والتحكم فيها (Mind Control) فيه دراسات وبحوث كثيرة قام بها المفكرون والباحثون الستراتيجيون الغربيون لغرض فرض هيمنة حضارتهم المادية باستخدام الأدوات الناعمة ثقافياً وعلمياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً علينا نحن الشعوب المغلوبة على أمرها، ثم يأتي دور الأدوات الخشنة عسكرياً ليكمل القصة إن تطلب الأمر كما حصل لدينا في العراق ودول أخرى. ومن بين تلك الأدوات ما يعرف بـ علم الجهل (the science of Ignorance) أو هندسة الجهل (Agnotology)، وهي آليات تغيير البوصلة وتشويش التوجهات عن طريق خداع للشعوب وتزوير الحقائق وفرض تقنيات الإلهاء القسري بإشاعة التفاهات والسفاسف ومن ثم تغييب تلك الشعوب عن الواقع بشكل متعمد ومقصود ومدروس ممنهج، وذلك كي تمرر عليها أساليب الهيمنة الفكرية والتحكم بالعقول المشار إليها. وقد وضعت دراسات كثيرة في هذا الأمر.

من ضمن عمليات التجهيل المتعمد ما تم ممارسته علينا حتى في العلوم المتبناة، والتي يتم تدريسها في الجامعات والمعاهد، وهي وجهة النظر العلمية المعتمدة من قبل المجامع العلمية في مختلف التخصصات، ومنها الطبية موضوع المشكلة اليوم. حيث أن تلك المجامع العلمية لا يتصدرها ولا يرشح لها من مسؤولين ورؤساء إلا من كان من عتاة الملحدين الماديين المتمرسين في أية وجهة نظر أو أطروحات مخالفة لما يريده الممولون! ففي أية مشكلة أو موضوع لو أردنا أن نعرف حقيقة القصة علينا أن نبحث عن الممول، فإن عرفناه توضحت الأمور كلها أمامنا. وفي موضوعنا عن كورونا واللقاحات والعلاجات نجد أن عائلة روكيفيلر الأمريكية اليهودية (في الاسم فقط لكنهم يعتقدون بالنورانية اللوسفيرية أو عبادة الشيطان) هي المتحكمة في سوق الأدوية في العالم، وهي من تقرر كيف ومتى ولماذا نصنع هذا الدواء ونترك ذاك، وكيف ومتى ولماذا نضحك على العالم بأن نصدر هذه النسخة من االدواء المعين ونلغي النسخة السابقة، وليس الأمر كما يعتقد الكثيرون أنها بسبب البحوث العلمية والتجارب السريرية، فتلك من أساليب الخداع. ثم أنها المسؤولة المباشرة منذ الخمسينيات عن جميع منتجات اللقاحات منذ أيام الحصبة وشلل الأطفال التي تسببت بموت وعاهات وأمراض لأكثر من 200000 امريكي وملايين آخرين لم يعلن عنهم حول العالم. أما عن جنديهم المطيع “بيل غيتس” التقني الناجح الأكثر شهرة عالمياً، ومعه رئيس هيئة الدواء الأمريكية (CDC) الدكتور فيتشي ومعهما رئيس مظمة الصحة العالمية الحالية؛ الأثيوبي (تيدروس أدهانوم غيبرييسوس) المتهم بثلاث جوائح كوليرا في بلاده قبل تسنمه منصبه الجديد في الهيئة الدولية، فهم وغيرهم لا يتعدون كونهم واجهة ظاهرية للقصة، في حين أن الحقيقة مخالفة تماماً!

وسأبوح لك بأمر مهم؛ فبعد بحوثي وتتبعي الحثيث لتاريخ المدعو بيل غيتس، الذي كان في بداياته رجلاً مؤمناً بسيطاً وذكياً ومحباً للشهرة، وجدته قد زامل رفيقاً لدربه هو بول آلين (Paul Allen)، الملياردير اللاحق، حينما أسسا معاً مؤسسة مايكروسوفت بتمويل مباشر من الجهات الغنية المتمكنة وقتها. بول آلين هذا بدوره كان يعتبر جون جيكوب آستر (John Jacob Astor)؛ أول ملياردير متعدد أمريكي (First American Multimillionair)؛ المثل الأعلى له وكان يسعى لأن يحذو حذوه ويصير مثله، لكن من هو جاكوب آستر هذا يا ترى؟! إنه سليل عائلة آستر اللوسيفيرية المعروفة (ضمن العوائل الـ 13 التي تتحكم في 85 بالمئة من ثروات العالم، تماماً مثل عائلة روتشيلد وعائلة روكيفيلر) حيث استقى ونهل بول آلين من منابعهم الشيطانية اللوسيفيرية الدموية وتشرب منها حد النخاع، ونقلها بالكامل إلى رفيق دربه غيتس لاحقاً. فعندما كان غيتس في عمر المراهقة، وهو المنتمي إلى عائلة غنية ومثقفة لوالدة مصرفية ووالد محام، فهم حتماً على تواصل وارتباط بكبار العوائل الأمريكية المتحكمة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. لذلك فبروز موهبة ابنهم اللافتة في مجال الابتكار البرمجي والرياضي لم يكن ليخفى على عامة الناس فضلاً عن خاصتهم. فحصل أن كان تحت المراقبة والاهتمام من الدوائر التي تتصيد الدرر البشرية وتراقب الأذكياء والنوابغ منهم لتسخرها لمصالحها، ولعل على رأس أولئك المتصيدين الفئة الشيطانية الحاكمة في العالم وخصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية. فلقد تعرف بيل غيتس في مراهقته على صديق يكبره بعامين لكنه غريب الأطوار، هو الآخر كان مفعماً بالحماس باتجاه الحواسيب والبرمجيات والعالم الافتراضي (the virtual world) والخيال العلمي (science fiction) والتنويريات (Enlightenment) والمتنورين (Illuminati) وعقائد عبدة الشيطان، فتأثر به غيتس أيما تأثر وتناغم مع أفكاره المطروحة؛ إنه شريكه فيما بعد: الملياردير بول آلين (Paul Allen).

س9 : من الدراسات المهمة التي قدمتها لقرائك وحظيت بإهتمام ملحوظ ” الحجة بالحجة يا أهل الاختصاص” ، هل هي آراء شخصية ومحلية ، أم أنها إستعراض شامل لحجج بعض علية القوم منهم بغية مقارعة أفكار وإدعاءات بعضهم الآخر بالدليل والبرهان القاطع تحت شعار “من فمك ادينك ” أو ” وشهد شاهد من أهلها ” والفضل كما قيل قديما ، ما شهدت به الاعداءُ؟

– سواء في هذه الدراسة أو غيرها من المنشورات، لا يمكن أن اعتمد بأي حال من الأحوال إلا على الأساليب البحثية الرصينة والدراسات المهمة العميقة؛ أما من جهات الاختصاص أنفسهم أو من خلال تصريحات نسبت لهم وتم توثيقها والتحقق منها في مجلات ولقاءات متلفزة وندوات مباشرة أو عن بعد. لكني أختلف عن الآخرين بأني أبحث في جميع الدراسات المؤصلة والمنهجية، وليست فقط تلك المعتمدة من المجامع العلمية المادية، إذ هم عندي جزء من المشكلة وليسوا جزءا من الحل. ولعل أحد تلك اللقاءات التي نشرتها حول الموضوع كان عن المحكمة الدولية التي اشترك فيها كبار التخصصيين في المجالات الطبية والقانونية والإعلامية والأمنية والدبلوماسية والسياسية والاقتصادية كي يحاكموا بشكل رصين ما تمر به البشرية في قضية كورونا، وجاؤوا بأدلة كثيرة واستشهادات مثيرة ومعلومات خطيرة أكدت بمجملها أن الموضوع كله عبارة عن لعبة مصلحية قامت بها مجموعة مجرمة غرضها الربح المادي من خلال تمرير اللقاح والدواء للفايروس المزعوم (المخلق مخبرياً لهذا الغرض).

كذلك أشرت إلى كتابين مهمين في دراسة أخرى هما: كتاب: ” عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث – The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism -” المنشور عام 2007م للكاتبة والناشطة الاجتماعية الكندية (the Canadian author and social activist) نعومي كلين (Naomi Klein)، والتي نظر لها من قبل الخبير الستراتيجي الأمريكي ميلتون فريدمان (Milton Friedman) في كتابه ” الرأسمالية والحرية -Capitalism and Freedom -“. وكذلك تقرير مؤسسة روكيفيلير المنشور عام ٢٠١٠م بعنوان: (سيناريوهات مستقبل التقنية والتطور الدولي – scenarios of the future of technology and international development-)، حيث جاء في صفحة ١٨ منه تحديدا ان كل ما نمر به اليوم من أحداث، خصوصاً في انتشار الوباء وإقفال العالم قسرياً ونشر الكمامات والكفوف ومنع جميع وسائل السفر وغير ذلك. ومؤسسة روكيفيلر الناشرة للتقرير هي من ضمن مؤسسات عائلة روكيفيلر الغنية آنفة الذكر.

أما عن دراسة ” الحجة بالحجة يا أهل الاختصاص” فقد تحديت به المختصين أن يجيبوا على تساؤلاتي المبنية على بحوث ومؤلفات ودراسات بايولوجية وطبية وعلاجية عديدة قام بها مختصون معروفون وهي مبثوثة ومنشورة في مجلات وكتب مختلفة، اذ تأكد من خلالها أن اللقاحات منذ بداياتها كانت تحمل معها الأخطار الكثيرة والكبيرة والتي تبينت لاحقاً من عديد الدراسات، لكن الإعلام يركز فقط على حالات الشفاء (المزعومة) في حين يغفل عن حالات الموت والإعاقة والإصابة بأمراض أخرى جديدة لم تكن معهودة سابقاً كما هو في حال مرض فايروس نقص المناعة المعروف بالأيدز وكذلك ما استحدث لاحقاً من أوبئة جديدة كايبولا وسارس وغيرها وصولاً لتمثيلية اليوم (كوفيد-19) والذي تهدف منظمة الصحة العالمية (المتهم الأول بما يحصل ) من إثارة الرعب غير المبرر منه إلى توصيل رسالة للناس أنه يجب عليهم قبول اللقاح كي تعود حياتهم كما كانت. وها هي الأيام تثبت أن الأمر كله مرتب على أعلى المستويات في العالم سياسياً وصناعياً ومالياً وتقنياً بل وحتى قانونياً إذ تهدف دول معينة إلى استصدار تشريعات تفرض اللقاح عنوة على الناس وبشكل قسري عجيب يثير علامات استفهام مضافة حول حقيقة المؤامرة (وليست نظرية المؤامرة). ولقد سألت سؤالاً في نهاية ذلك المنشور أردتهم أن يجيبونني عليه، وهو: (هل أنتم مستعدون لتجعلوا من أولادكم حقل تجارب لعقاقير لا يمكن البت والجزم بصلاحيتها وفائدتها؟!) وثم وبسؤال آخر أهم تحديتهم أن يأتوا بالأدلة العلمية للإجابة عليه وهو: (من الأخطر؛ المرض نفسه أم اللقاح؟!).

س10 : وماذا عن دراستك الأخرى التي صدرت بعنوان” لغة الضاد؛ أصل اللغات، وفق عديد الدراسات” ؟

– نعم هي من ضمن عملي في سلسلة (وتلك القرى) حيث تكلمت في أحد الكتب عن اللغات ونشوئها وتنوعها، وتعمقت في تبيان ما قيل فيها من نظريات. وكان من ضمن ذلك موضوع لغة العرب وأصولها وما قيل فيها من المدرستين : المادية العلمانية والدينية الإيمانية، وكيف بينت الدراسات المتنوعة حقيقة أنها مختلفة عن بقية اللغات ليس بمفرداتها الديناميكية التصويرية وجزالة لفظها وحسن أدبها وروعة بلاغتها وعميق عروض شعرها فحسب، بل لأن أغلب المصطلحات في جميع اللغات الحية الكبرى في العالم جاءت من المشتقات اللغوية العربية، كذلك بسبب أثرها في الدماغ والنفس البشرية أيضاً كما اكد الدكتور آندرو نيوبيرغ عالم الاعصاب الأمريكي الشهير وصاحب المؤلفات الكثيرة.

س11: ونحن نتحدث عن الدراسات لابد لنا أن نعرج قليلا على “مختصر سيرة الحبيب عليه افضل الصلاة والسلام” وماذا تناولت فيها؟

– هو منشور جميل، ليس لي، عمله أخ لنا بشكل مميز، لكن مضمونه يختصر الكثير من محطات السيرة الشريفة بشكل مختصر شائق، فجزاه الله كل خير ونفع به.

س12: هل هناك في جعبتك مؤلفات ،برامج ، فعاليات مستقبلية بعد انقشاع الحقبة الكورونية؟

– نعم أنا مستمر بالعمل في سلسلة (وتلك القرى) بجزئيها وكتبها الـ 28 منذ سنوات طويلة وما أزال، وأسأل الله تعالى أن يمد في عمري كي أكملها لأن فيها معلومات غاية في الأهمية والقيمة أخذت مني جهداً جهيداً وعملاً حثيثاً وصبراً جميلاً ووقتاً طويلاً.

س13: أتودون توجيه كلمة أخيرة للقراء الأعزاء؟

- العلم ليس مقدساً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو لكونه بشريا فإنه ليس منزهاً عن الأدلجة والمصلحة، والتقنيات ليست بريئة نزيهة جاءت لمصلحة البشرية كما تعتقدون، بل إن الأمر خلاف ذلك تماماً، فالعلوم والتقنيات كلها مسخرة لخدمة مموليها فقط (عقائدياً ومالياً وسياسياً ودبلوماسياً وفي كل المجالات) وما يسمحون به لنا يأخذون ثمنه مضاعفاً من تعبنا وكدنا ليدخل جيوبهم من جهة، ويكون دماراً ثقافياً وأخلاقياً ودينياً وحتى عقلياً وعلمياً لنا ولأجيالنا من جهة أخرى، لأنهم لا يتكلمون بالحقيقة، بل فقط ما يرونه مناسباً لترسيخ قيم الفساد والشذوذ والهلاك والدمار . فلا تغتروا بكل ما ينشر حولنا من بحوث علمية حتى وإن صدرت من جهات مسؤولة عن التشريعات العلمية أو مؤسسات أممية عليها الكثير من علامات الاستفهام أصلاً قبل جائحة كورونا، فهم بشر يخطئون ويصيبون وتعتريهم النوازع المختلفة سواء آيديولوجياً أو مصلحياً، بل كونوا حذرين وحتى مشككين، حتى يثبت لكم بالأدلة القاطعة ومن المتنوعة المصادر أن الأمر صحيح. فهناك الكثير من الدعوات لدى العلماء الموضوعيين بأن لا ينجرف الباحثون والعوام وراء سراب أنهم اكتشفوا الحقيقة المطلقة، أو أن ما تم التوصل إليه اليوم يمثل نهاية المطاف العلمي والبحثي للكثير من النتائج المنشورة في جميع العلوم. وأن المذهب أو المبدأ الشكي (Skeptical Principle) والتساؤل الدائم عن وجود احتمالات أخرى للحقيقة يمثل النضج العلمي والطريق الصحيح نحو فهمنا للكون والحياة. فمثلاً؛ الدكتور سو ديزموند هيلمان؛ المدير التنفيذي لمؤسسة “بيل وميليندا غيتس” التي يديرها غيتس نفسه، يدعو إلى الشك المستمر في النتائج البحثية، ووجوب معاملة العلوم مثل معاملة الأيديولوجيا، فتراه يقول في مقال نشرته صحيفة وول ستريت جورنال: (إن المعرفة العلمية ظلت مؤقتة على الدوام، وأن الشك والمبدأ الشكي يعد “دم الحياة” بالنسبة للتقدم العلمي، موضحا أن العلماء قادوا التطور والتجديد العلميين بتساؤلهم الدائم عما إذا كانت هناك إجابة أخرى أو منهج أفضل أو رؤية مختلفة في ما يتم التوصل إليه من نتائج علمية. وأكد أنه ليس من قبيل التصادم مع العلم أن يكون الناس شكاكين، بل عكس ذلك، فإن الشك من صميم الروح العلمية. كما أماطت العديد من البحوث والدراسات المنشورة ضمن المجلات العلمية نفسها (مثل ساينس ونيتشر وغيرها ذكرناها في كتاب ” ضعف الطالب والمطلوب” آنف الذكر) اللثام عن وجود الكثير من حالات التزوير والتدليس والكذب والتلاعب في البحوث والدراسات المختلفة ضمن التخصصات العلمية المختلفة! فكل شيء وارد في عالم اليوم المليء بالاعاجيب والدسائس والمؤامرات على كافة الأصعدة.

ليس هناك شيء اسمه “نظرية المؤامرة” بل هي حقيقة دامغة قديمة، تقنيتها التخفي والسرية، ودليلها ما تعيشه البشرية من تخبطات وصدمات متتابعة وفقاً لمفهوم تعاقب الصدمات وترادفها وتتابعها باستمرار كي تلين الشعوب ويعاد صياغتها وفق ما هو مرسوم ومتفق عليه ضمن العقيدة اللوسيفيرية التي تختصرها ترميزات وكتابات ” الوصايا الحجرية الجورجية-Guidestones Georgia”، وكما تروي لنا حكاية الرؤساء الأمريكان منذ الاستقلال وصراعهم مع البنك الاحتياطي الفيدرالي.

المؤامرة كبيرة وقديمة ومتعددة الأوجه، وهي مؤكدة بأدلتها في القوانين القرآنية، فهي مزدوجة المصدر: الشيطان وجنوده من الجن والإنس، والملحدون الماديون ومن تبعهم من المغرر بهم من المؤدلجين أو الجهال أو المنتفعين. ولعلنا اليوم نشهد تحالف القوتين معاً ضد كل ما هو نظيف ونقي وناصع وضد كل فضيلة وخير وصلاح وسلام. صحيح أن لهؤلاء الأشرار قوة ونفوذ هائلين تعمل بالسر والخفية والدسيسة الخبيثة وبمكر تكاد تزول منه الجبال كما وصفهم الله تعالى، وبقدرات تفوق قدرات الحكومات بسبب تحكمهم بإصدار العملات في العالم وبأقوى سلطتين ماليتين عالميتين هما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فضلاً عن أذرع أخطبوطية في كل مرافق حياتنا من السياسة إلى الثقافة والعلوم والتقنيات والفنون والإعلام والرياضة وكل ما يخطر ببال أحدكم، إلا أن الوقوف أمامهم ليس مستحيلاً لو تعلمنا وتثقفنا واتحدنا كشعوب حرة.

قال تعالى في قضية تولي الشياطين الجنِّية لبعض البشر المستحقين لذلك بسبب خياراتهم العقائدية والأخلاقية ليصبحوا ضمن جنود إبليس من البشر أو الشياطين الإنسيِّة: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (129) } [الأنعام: 128-129]، {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)} [مريم: 83-84]، ولو ركزنا على المعاني العميقة للمعوذتين (سورة الفلق، وسورة الناس) لوجدناها جاءت رحمة بأمة الإيمان من خطورة المؤامرة المسلطة عليها من قبل إبليس وجنوده من الجن والإنس ممن ذكرنا. فهما تشملان الاستعاذة من جميع المخاطر المحدقة والشرور المقبلة من جميع المخلوقات؛ صغيرها وكبيرها، منظورها ومخفيها.. وأعمالهم التدميرية المحاكة في ظلام الليل وظلمات الأقبية السرية من؛ سحر بمختلف أنواعه، وحسد، ونفث، وحقد، وغيره من الأفعال الخبيثة التي يؤمن بها ويمارسها كطقوس فعلية أولئك الأشرار من جنود النظام العالمي الجديد – القديم .

يقول العالم الكندي مارشال مكلوهان: (فقط الأسرار الصغيرة تحتاج الحماية، الأسرار الكبيرة يحميها عدم تصديق العامة لها).

موضوع آخر يجب التنويه له، أننا يجب أن نتكلم ولكن قبلها يجب أن نتعلم، فالطريق نحو الخلاص من تسلط الفئة المتحكمة عالمياً هو صحوة شاملة للشعوب لما يحصل ومن بعدها رفض عارم لذلك التسلط المقيت رغم كل محاولات التكتم والتعتيم والمراقبة وحذف المشاركات ومنع المنشورات وما شاكلها لكل من يعارضهم. ورغم أن التاريخ يحدثنا أنهم تعاملوا بقسوة شديدة مع المعارضين مهما بلغت درجاتهم، سواء بالقتل والتصفية الجسدية أو الطرد وتشويه السمعة والسجن والتهديد وغيرها، تحت تهم شتى مثل معاداة السامية أو التثقيف الخاطئ أو التحريض أو غيرها، لقد فعلوها مع الرئيس الأمريكي جون كينيدي الذي تحدث في خطابه الأخير قبيل موته عن نيته للكشف عن الجهات التي تتحكم في امريكا والعالم فتم قتله جهاراً نهاراً في الحادثة الشهيرة كي يكون عبرة لغيره، ومع المخرج الامريكي العالمي الشهير آرون روسو الذي تحدث في 2015 عن قصة تغيير النظام العالمي والتي استمع لها من خلال علاقته بعائلة روكيفيلر ومنها زرع شرائح إلكترونية في أجسام الناس للسيطرة عليهم كلياً وبعدها بقليل توفي الرجل بظروف غامضة، وغيرهم من مختلف الجنسيات.

نسأل الله تعالى أن يجعل كيدهم في نحورهم ونحرهم في كيدهم حتى يذبحوا أنفسهم بأيديهم، وأن يرينا فيهم عجائب قدرته إنه سميع بصيرحفيظ محيط قادر مقتدر جبار منتقم وهو نعم المولى ونعم النصير، وإليه المصير ومن عذابه وسخطه نستجير.

 

حاوره / احمد الحاج

 

 

1534  سارترترجمة وتمهيد: د. زهير الخويلدي

"لم أفهم أبداً الأدب إلا من حيث هو مشاركة في العالم... إذا لم يكن كل شيء، فإن الأدب ليس شيئًا... لذا لا يوجد أدب واضح، ولكنه في عمق العالم"

تمهيد:

اذا كانت الفلسفة نخبوية بالأساس وتتكلم بلغة مفهومية مجردة صعبة القراءة والتقبل وتتحرك ضمن فضاء أكاديمي وتعيش في برجع عاجي منغلق على ذاته فإن الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر وجد لها الحلول والوسائط البيداغوجية الضرورية لكي تتجاوز أسوار الجامعات وتصل الى الجمهور وتكسب الكثير من القراء والمتابعين من خلال تكلمها لغة الأدب والمسرح وتخترق الثقافة الشعبية عن طرق النقد والالتزام والتطرق الى قضايا الناس والتفكير في شؤونهم اليومية وتقدم حلولا ملموسة لمشاكلهم الفعلية.

الترجمة:

يتحدث جان بول سارتر عن عمله الدرامي والأدب الملتزم والانقسام بين الأفعال والإيماءات. "باسم ماذا تقاتلون من أجل أي أهداف محددة؟" جان بول سارتر يستجيب للشباب. لقد تجاوزت احتباسات دالتونا Sequestrés d'Altona مائة عرض في مسرح عصر النهضة. إن نشر المسرحية  هو أيضًا نجاح نادر لعمل مسرحي. تحتوي مجلة كراسات حرة للشبيبة، وهي مجلة جديدة ومتعاطفة، ينشرها الطلاب وتلاميذ المدارس الثانوية، وهم أعضاء حقيقيون في جيل "الموجة الجديدة"، في عددها الأول على مقابلة طويلة مع جان بول سارتر حول الدراما والفلسفية و السياسات التي تواجه الكاتب المعاصر. بإذن من هذه المجلة، نقدم هنا مقتطفات كبيرة جدًا.

جاك آلان ميللر: مسرحك بأكمله يطرح مشكلة الممثل، أي أنه يجعلك تدرك أن كل انسان ممثل، وكل ممثل انسان. برأيك، ما هي عواقب هذا الموقف على المترجمين الشفويين لديك؟ وهل تسمح لهم بالتزامن مع شخصياتهم أم تجبرهم على الابتعاد عنها؟

جان بول سارتر: يعتمد الأمر قليلاً. في رأيي، يجب أن يتراجعوا عن شخصياتهم، ويجب أن يكونوا انعكاسيين، ولا يتطابقوا أبدًا، ولا يتم الخلط بينهم وبين البطل. من الجيد أن يشعر الممثل الفاعل. لكن بعض الممثلين، حتى الجيدين جدًا، يبذلون كل ما لديهم، وعندما يلعبون، فإنهم يعتقدون ما يلعبونه. إنهم يعيشون أدوارهم. ينسون أن المسرح ليس أبداً حياة. يشعر الآخرون، على العكس من ذلك، أنهم يلعبون شخصية مختلفة عن أنفسهم، ويشعرون أنهم ممثلون. فيما يتعلق بقطعتي، هناك فنانان يتطابقان تمامًا مع ما أريده، وقد أعطيا دائمًا هذا البعد: أحدهما هو فيتولد Vitold، والآخر روجياني Reggiani.

جاك آلان ميللر: هذا المفهوم للممثل يؤدي إلى فلسفتك.

جان بول سارتر: لطالما جادلت بأنه من الصعب للغاية التمييز بين دور الوظيفة والجودة. في الوجود والعدم، أوضحت أنه من أجل أن أكون نادلًا نلعب الوجود، وأن الاثنين لم يتم تمييزهما. لا يوجد أي سلوك ليس في نفس الوقت لعبة لا تحتوي على عناصر مرحة. حتى بالنسبة لأخطر الرسامين، إلى الحد الذي يختارون فيه ألوانهم، وتجار الألوان، إلى الحد الذي لديهم عادات في الرسم، يلعبون، يحاولون تحقيق ما لن يكونوا أبدًا، الرسامين.

جاك آلان ميللر: هذه المشكلة في مركز كين. لكنه يظهر أيضًا في مبيعات الذباب والشيطان والاله الطيب وهيجو، وغويتز. أما فرانتز فهل متفرجوها هم السلطعون؟

جان بول سارتر: بطبيعة الحال. السلطعون هو جمهوره الأول. وفرانتز دائما في سوء نية تجاههم. لا يقول لهم الحقيقة أبداً. عندما يعترف لنفسه بماضيه، وعندما يعترف بأنه عذب فعلاً، فإن السلطعون لا يوجد هناك أبداً. يخفي عنهم، يحاول أن يظهر لهم بخلاف ما هو عليه حقًا. إنه ماكر، يتظاهر بهم.

جاك آلان ميللر: عنصر آخر في مسرحك هو نغمة شكسبير، خاصة في والشيطان والإله الطيب والاحتباسات. ألا تعتقد أن الفشل في انتقاد مورتس بلا قبور ونيكراسوف يرجع إلى حقيقة أنك أهملت المزج بين الدرامي والكوميدي؟

جان بول سارتر: سأخبرك بصراحة: حتى الموتى بدون دفن، أعتقد أنها قطعة مفقودة. في الأساس، تعاملت مع موضوع لم يكن هناك إمكانية للتنفس فيه: تم تحديد مصير الضحايا مقدمًا بشكل مطلق، ولا يمكن لأحد أن يفترض أنهم سيتكلمون، لذلك، لا تشويق، كما نقول اليوم. كنت أقوم بتنظيم الناس بمصائر واضحة المعالم. هناك احتمالان في المسرح: احتمال المرور والهروب. كانت البطاقات على الطاولة بالفعل. إنها غرفة مظلمة للغاية، وليس من المستغرب. كان من الأفضل أن نجعلها رواية أو فيلم. النقاد لم يرحبوا بهذه القطعة، كنت على حق.

جاك آلان ميللر: ونكراسوف؟

جان بول سارتر: قطعة نصف مفقودة. كان ينبغي أن نركز على الصحيفة، وليس على المحتال الذي لا يهمه في حد ذاته. كان من الأفضل أن تظهر أنها عالقة في معدات الصحيفة. ولكن لم يكن هذا فقط ما اعتبره النقاد المسرحية سيئة. هاجمت الصحافة، هاجمت الصحافة. رد فعل طبيعي تماما. لا أعرف ماذا كان سيحدث لو كان الفعل الثاني مثل الأول. لم يتم استنساخها لأن أحدهم، نكراسوف، لديه نوع درامي فريد، والآخر، ميت بدون دفن، وهو نوع كوميدي فريد، لم يرحب به النقاد المسرحية.

جاك آلان ميللر: كان مسرحك تخطيطيًا جدًا في البداية. في الذباب، يمثل أورست الحق، العقل، لا شيء، مما يزعج النظام القائم. في حين أن فرانتز أكثر نعومة، وأكثر صلابة، وأكثر إنسانية، وأكثر تعقيدًا أيضًا. ماذا يمثل؟

جان بول سارتر: ما تقوله عن أورست صحيح. بالنسبة لفرانتز، يجب أن يفهم من حقيقة أنه عذب أثناء الحرب، على الجبهة الروسية. لديه شخصية البروتستانت، مع ضمير مطالب، الذي يتفاعل ضد الأفعال التي ارتكبها في وقت معين والتي لم يعد بإمكانه تحملها. وهكذا، هناك تناقض بين ماضيه وضميره المتشدد. أخشى بشدة أن كل واحد منا على هذا النحو. أخيرًا، عاش كل منا تاريخًا عنيفًا، أي نحن أشخاص من عمري. عشت حربين، الاحتلال، كل الصراعات التي انجذبت فيها فرنسا، معاداة الكتلتين. لكل هذا التاريخ العنيف، يجب أن نعتبر أننا جميعًا مسؤولون. كل واحد منا، حتى ولو بدرجة طفيفة للغاية، لأننا نلوم هذا العنف، كل واحد منا مسؤول عن هذا العنف. حدث ذلك على الرغم من أننا تم تدريبنا. نحن مؤهلون به. بهذا المعنى، يمثل فرانز رجلاً عمره خمسة وأربعون عامًا. لقد ولدت عام 1905.

جاك آلان ميللر: ولكن بالنسبة لنا، من ولدوا أثناء الحرب أو بعدها؟ ...

جان بول سارتر: من المحتمل أن يكون فرانتز  أقل فهمًا من وجهة النظر هذه من قبل الشباب، لأنك لم تعش بالفعل هذا الماضي. حصل والديك على ذلك. هذا هو الاختلاف الكبير مع أورست: هنا، لا يوجد استنتاج. إن المتسللين ليسوا قطعة إيجابية، بل قطعة سلبية.

جاك آلان ميللر: أعتقد أننا يمكن أن نتخيل مسرحك، على الأقل الذباب و الشيطان والاله الطيب والاحتباسات كتوضيح لكهف أفلاطون. أورست، غويتز، فرانتز، جميع الثلاثة يختبرون العالم. بعد محاكمات صعبة، يأتون إلى حريتهم. في هذا الوقت، يختلف سلوكهم. يلعب أورست الروح الجميلة ولا يدخل الكهف، يختار غويتز القتال من أجل الرجال ومعهم، بينما يقتل فرانتز نفسه.

جان بول سارتر: أنا لا أقول بالطبع أن عليك أن تقتل نفسك! البطل الإيجابي الوحيد هو غويتز (الشيطان والإله الطيب) لأنه يعود إلى العالم للمساعدة في تجربته الخاصة، مما فهمه. لكنه يرفض دخولها كشخص ينير الآخرين، الذين سيكون لديهم طبيعة النخبة، والذين سيستفيدون من تجربة النخبة.

كان أفلاطون أرستقراطيًا. التجربة الحقيقية لعالم الحرية هي أن تعرف أنه لا توجد أرستقراطية، وأن هناك حالات مختلفة وأشخاص يستخدمون حريتهم بشكل أو بآخر بشكل جيد! قبل اندلاع الحرب، أراد جويتز ألا يحدث ذلك. عندما يفهم أن الحرب مطلوبة من قبل غالبية الرجال، فإنه يقبل أن يكون رئيسًا، وهو خارج التواضع. بالنسبة له إنها مجرد وظيفة، وظيفة عامة. إنها بالنسبة لي فكرة ما يجب أن يكون عليه القائد السياسي والاجتماعي، رجل قوي من الكتلة، يجسد الكتلة، يخرج من القداس. لا توجد أرستقراطية، هناك وظائف فقط. أما بالنسبة لفرانتز، فالأمر مختلف. لا ينبغي أن يؤخذ كمثال، فهو وصفي، سلبي. أردت أن أبين أنه في كل واحد منا تناقض بين أعمال العنف والتطلعات الأخلاقية المعينة لنا في نفس الوقت.

جاك آلان ميللر: هل الأدب طريقة لك لتحرر نفسك من الظروف المادية، أو طريقة لدخول العالم؟

جان بول سارتر: لم أفهم أبداً الأدب إلا من حيث هو مشاركة في العالم. إذا هربت، ليس لديها مصلحة. لقد تم انتقادي كثيرًا بسبب تقييد نفسي من خلال إشراك الأدب. إذا لم يكن كل شيء، فإن الأدب ليس شيئًا. يجب أن تكون قادرا في جميع المناسبات، ووفقًا لظروفك الخاصة المتميزة، أن تشهد على كل شيء. لذا لا يوجد أدب واضح، ولكنه في عمق العالم.

جاك آلان ميللر: ومع ذلك، فإن بعض هذه الأيام من الغثيان تشبه إلى حد كبير عبارة فينتوي Vinteuil الصغيرة، في بروست .

جان بول سارتر: كان ذلك في وقت مبكر جداً، قبل الحرب. لقد تطورت كثيرا منذ ذلك الحين. أصبحت خبراتي أكثر وأكثر اجتماعية من التعبئة.

جاك آلان ميللر: هل يمكنك توضيح تأثير كافكا عليك؟

جان بول سارتر: كان كبيرا، لا أستطيع أن أقول إلى أي مدى، وخاصة في البداية. ما يفصلنا هو جانبه الديني والصوفي. يندمج كافكا في مجتمع يهودي، وفي الوقت نفسه يتعارض معها. إن وضعنا في فرنسا ليس هو نفسه: الاندماج أكثر مرونة. عليك أن تعرف ما هي علاقات كافكا مع المجتمع، والصوفي، مع والده. لا يمكن أن يكون تناقض الفرد المتكامل تمامًا هو مجتمعنا: فالمجتمع الفرنسي أقل بكثير من مجتمع اليهود التشيك.

جاك آلان ميللر: لقد كتبت، قبل عشر سنوات، مقالًا هدم مورياك باسم الرواية الأمريكية وخلص إلى أن "السيد مورياك ليس روائيًا". هل تؤيد هذا البيان؟

جان بول سارتر: أعتقد أنني سأكون أكثر مرونة اليوم، معتقدة أن الجودة الأساسية للرواية يجب أن تكون في الحماسة والاهتمام، وسأكون أقل تعقيدًا بشأن الأساليب. هذا لأنني أدركت أن جميع الأساليب تزوير، بما في ذلك الأساليب الأمريكية. نتمكن دائمًا من قول ما نفكر به للقارئ والمؤلف دائمًا. تزوير أمريكي أكثر دقة، لكنه موجود. بعد قولي هذا، لا أعتقد أنها أفضل طريقة لصنع رواية جيدة من إظهار نفسك بشكل واضح. إذا قمت بإعادة كتابة مسارات الحرية، فسأحاول تقديم كل شخصية دون تعليقات، دون إظهار مشاعري.

جاك آلان ميللر: هذا غير صالح من حيث القيمة المطلقة، منذ السيدة دي لافييت Mme de La Fayette ...

جان بول سارتر: طبعا. تترجم المناهج بطريقة أو بأخرى مبادئ العصر. من المؤكد أنه في الوقت الذي جسّد فيه الملك الله بنفسه وكان لديه رؤية مطلقة لرعاياه، يجب التعبير عن فكرة الحقيقة في الرواية. تكتب السيدة دي لافييت من وجهة نظر الله والملك. تحت نفس الظروف، كانت العمارة مشروطة بهذا. في فرساي، جميع الغرف متتالية، بحيث يمكن للمالك أن ينظر إلى كل شيء. إنه مجرد اعتقاد مثل أي دين آخر مطلق. لا توجد حقيقة مطلقة. التاريخ مشوش لدرجة أنه لا توجد مراجع مطلقة، إلا إذا كنت شيوعيًا أو مؤمنًا. ما كان صالحًا في فرساي ليس هنا. إن وجود الله لموريك هو ما يعني أنه يمكن أن يأخذ وجهة نظر مطلقة. بالنسبة لي، الله غير موجود. أيضا...

جاك آلان ميللر: ما هي العدالة بالنسبة لك؟ لا يعترف أورست لا بالناس ولا بالآلهة. اذن ؟

جان بول سارتر: لا يمكنك الهروب من مجتمع مثل مجتمعنا. لا توجد علامة مطلقة تجعل من الممكن الحكم على أن القضاء يمثل العدالة، والمتهم ظالم. وهكذا، فإن العدالة ليست سوى شكل وقائي من أشكال المجتمع. لا يمكن تحديد العدالة الحقيقية اليوم. لتعريفه هو الوقوع في الظلم. ولكن من ناحية أخرى، لست متأكدًا من أن مفهوم العدالة أمر أساسي للمجتمع. أعتقد أنها تأتي من طبقة لاهوتية قديمة بحد ذاتها. إذا لم يكن لديك إله، فلا معنى له إلا كحماية ضد فئة معينة من الأفراد. إن مفهوم العدالة لا طائل منه حقا.

جاك آلان ميللر: لذلك دعونا نتحدث عن العمل. لمن، ولماذا يصبح الفعل لفتة؟

جان بول سارتر: يصبح الفعل لفتة عندما يتم ضربه في حد ذاته مع عدم الفعالية. على سبيل المثال، إذا كنت محبوسًا في السجن وإذا طرقت الباب للخروج، فهذه لفتة. إذا اتصلت بأمين السجن في نوع من الأزمات، فإن الأمر يكون بمثابة لفتة. الإيماءات هي أعمال غير مكتملة. يجب أن يكون للفعل نهاية. إذا تم تعريفه فقط على أنه تمثيل، نوع من الرقص، رقص الباليه، فهو مجرد لفتة. هذا شيء يحدث باستمرار للأفعال. على سبيل المثال، في المصارعة الرياضية: هدف كل خصم هو تقليل فعل الآخر إلى لفتة، أي جعل الخصم يقوم بمجموعة من الأعمال التي تؤدي ليس لها معنى. لم يفعل هوغو أي شيء سوى القتل. لكنه لم يقتل لأسباب سياسية، أو لأن حزبه اتهمه بذلك. لقد قتل في الواقع لأنه كان يشعر بالغيرة، لأنه كان هناك انفجار. لذلك لم يكن عملا. عندما تتحدث نجمة سينمائية وتبتسم وتتحرك، فإن مواقفها ليست فقط للمصورين. لقد فقدوا معانيهم.

في الفعل، هناك حقيقة غير موجودة في الإيماءة. يحكي جينيه قصة الشاب الوسيم الذي يرتدي ملابسه. عندما رأى أنهم ينظرون إليه، استمر وأصبح فعله لفتة. هناك أدب في العمل وأدب في العمل. الأدب في العمل لا يؤذي أحدا، ولا يزعج، ولا يؤذي أحدا. لفتة هي صورة كاريكاتورية للفعل.

جاك آلان ميللر: لذا فالعقل هو الذي يقوم بالفعل؟

جان بول سارتر: نعم

جاك آلان ميللر: تقول في الشيوعيين والسلام أنك تبرر الشيوعيين على أساس مبادئك وليس مبادئهم. هل هذا يعني أنك تبرر سلوكهم المباشراتي، كإجراء مباشر وفعال؟

جان بول سارتر: فالمباشراتية ليست على المحك عندما تبرر السلوك الشيوعي. لا يمكن للمرء أن يقول: "أنا معادٍ للشيوعية، لكن الشيوعيين محقون في اتخاذ مثل هذا الإجراء". لكن ما يمكننا قوله هو أنه باسم عقيدة مبتورة نسبيًا، يقوم الشيوعيون بعمل له هدف يمكن الموافقة عليه باسم عمل يأخذ كل أوجه القصور الموجودة في القاعدة والتي تملأها. هناك ثغرات داخل الماركسية. أعتقد أن فلسفة الوجود يجب أن تتغلب عليها شريطة أخذ أولوية المادة في الاعتبار

جاك آلان ميللر: وفقًا لموريس ميرلو بونتي، فأنت لست خبيرًا في الديالكتيك لأن جدالك هو الوجود والعدم وليس الوجود والكائن الآخر، وأن عمل الشيوعيين بالنسبة لك يتألف من "أن تكون ما هو ليس".

جان بول سارتر: وغني عن القول أنني لا أتفق مع تأويل ميرلو بونتي. من الواضح أن دور الحزب الشيوعي هو إعطاء شكل جماعي نشط للبروليتاريا. وهذا لا يعني أنه يفعل ذلك دائمًا وبصورة جيدة، ولكن هذا هو هدفه. حقيقة الانتماء إلى البروليتاريا لشخصين مختلفين، أحدهما يعيش في باريس والآخر مرسيليا، لا يعني أن لديهم علاقات، لكنهم هم نفس نتاج المجتمع، على حد سواء. ويمكن ربط هذين المنتجين بمرور الوقت. يتمثل دور جهاز الكمبيوتر في التأكد من أن هذين الرجلين مترابطان في كائن حي، وهو تحويل كتلة الفصل إلى عضو فئة.

جاك آلان ميللر: بما أنك ترفض تأويل ميرلو-بونتي، فما هي "المشكلة الحقيقية" للديالكتيك، المشكلة التي ستتعامل معها في نقد العقل الجدلي؟

جان بول سارتر: مشكلة الديالكتيك بالنسبة لي هي مشكلة التجميع. هل هناك حقائق في التاريخ أم حقيقة؟ إذا كان يجب أن يكون للتاريخ حقيقة واحدة، إذا كان علينا أن نضع كل شيء في اتصال اصطناعي، إذا فهمت أي حقيقة، يمكننا التحدث عن حقيقة تاريخية. هناك جدلية إذا كان التاريخ عبارة عن تجميع، إذا تم ربط الحقائق الإنسانية في كل لحظة، بحيث تكون كل واحدة منها، بطريقتها الخاصة، كل الأشياء. في رأيي، فإن جميع الحقائق العرضية، مثل اجتماعنا، تعبر عن مجملها. كما ترى ذلك من خلال أسئلتنا المختلفة التي تشكك في الطبقة العاملة والرأسمالية. لذلك هناك شيء في هذا الاجتماع أكثر من طالب جاء لزيارة الكاتب.

جاك آلان ميللر: باسم ماذا ستقاتلون من أجل أهداف محددة؟

جان بول سارتر: باسم مبدأين يتماشيان: أولاً، لا يمكن لأحد أن يكون حراً إذا لم يكن الجميع كذلك ؛ ثانيًا، سأناضل من أجل تحسين مستوى المعيشة وظروف العمل. الحرية، ليست ميتافيزيقية، ولكنها عملية، مشروطة بالبروتينات. ستصبح الحياة إنسانًا من اليوم الذي يمكن فيه لكل شخص أن يأكل حشوه ويمكن لكل رجل ممارسة مهنته في ظل الظروف التي تناسبه. سأناضل ليس فقط من أجل تحسين مستوى المعيشة، ولكن أيضا من أجل ظروف معيشية ديمقراطية للجميع، من أجل تحرير جميع المستغلين، من جميع المضطهدين.

جاك آلان ميللر: هل تؤمن بأن فاعلية هذه الأفعال والفاعلية التي تمنعها تتدحرج الى إيماءات؟

جان بول سارتر: حول هذه النقطة، سأكون متشائما جدا. أعتقد في الواقع أن هذه الكفاءة يمكن أن تكون فقط لمنع الأسوأ. أعني أنه في مجتمع الاستغلال والاضطهاد، في شكله السياسي، الديكتاتورية، يبدو أن الجميع موافقون، يجب أن يكون هناك كتاب ليشهدوا على حياة أولئك الذين ليسوا موافقين: هذا عندما يتم تجنب الأسوأ."

مقابلة مع سارتر: من "الغثيان" إلى "الاحتباسات"، مجلة ليكسبريس، رقم 455، 3 مارس 1960. أجراها جاك ألان ميللر (عام 1960)، تم نشره في 9/20/2019

***

كاتب فلسفي

 .......................

الرابط:

https://www.lexpress.fr/culture/livre/1960-entretien-avec-sartre-de-la-nausee-aux-sequestres_2028715.html

 

 

1533  امجد الجنابيبكل صراحة عن الاستشراق والبرامج الاذاعية والتلفزيونية والتنمية البشرية مع الدكتور أمجد الجنابي

رائع هو الإبداع والتألق ولاريب، الا أن الأروع منه هو ذلك التنقل الممنهج والترحال المدروس بين مجال أكاديمي وآخر من دون تقاطع ولا تضاد بينها ولا إنقطاع حتى ليعضد أولها آخرها ويكمله بمهنية وإحترافية عالية،ولاشك أن من جاب بساتين الثقافة وحلق في سماء المعرفة بعصر التصحر العلمي والجدب المعرفي كنحلة جوالة ليرتشف من رحيق هذه الزهور وتلك حري بتسليط الضوء على سيرته ومؤلفاته ومجمل أعماله وإن كان معروفا لشريحة كبيرة من المتابعين وذلك في حوار شائق يمازج بين فني" دفق المعلومات،وسيرالشخصيات "لينتج لنا في نهاية المطاف ألقا مفعما بعبق خاص يستحق المتابعة ليملأ الأجواء ويذكيها بعطر فواح ونحن نتنقل بمعيته من محطة الى أخرى،ونتجول برفقته من مرفأ الى ثان ومحطتنا ستكون مع مبدع عراقي له في كل مجال بصمة، إنه الدكتور أمجد يونس عبد مرزوك الجنابي،الذي أبدى إستعداده للحوار بصدر رحب وإبتسامة عراقية جميلة لاتكاد تفارق محياه وبادرناه بالسؤال الأول وإن كان مطولا:

س1: بداية الثمانينات كنت برفقة زميل لي في جولة إعلامية خارجية وهناك على ضفاف نهر الالبة بمدينة هامبورغ الالمانية وفي إحدى الأمسيات بفندق انتركونتننتال شاركنا الطاولة قدرا كابتن طيار ألماني ما إن علم بأننا عرب حتى بادرنا بسؤال إقشعرت له أبداننا وأصابنا بمقتل حين قال لنا وبالحرف" لماذا تعبدون محمدا؟!" فلم نحر جوابا بداية الأمر لهول الصدمة إلا أننا وما إن إستجمعنا أفكارنا ولملمنا شعثنا حتى شرعنا بمحاولة إقناعه -عبثا - بأن المعلومة التي تعشعش في رأسه غير صحيحة بالمرة وإنما هي من مخاض الإستشراق المتحامل عموما ومن نتاج المستشرقين الحاقدين وسبق لي أن ذكرت تلكم الواقعة في الحلقة الأولى من سلسلة "لماذا أحب محمدا ﷺ؟"

بما أنك متخصص بالدراسات الإستشراقية وحامل لشهادة الدكتوراه فيها، وبما أن لجنابك الكريم كتابا طبع مرتين في غضون ثلاثة أشهر لأهميته القصوى بعنوان (آثار الاستشراق الألماني في الدراسات القرآنية) الصادر عن مركز تفسير بالرياض عام 2015 أرجو أن تحدثنا قليلا عن دور الاستشراق الاوربي عامة والألماني خاصة في حرف بوصلة الحقائق وتشكيل العقل الجمعي الاوربي تجاه تعزيز كراهية الاسلام والمسلمين وترسيخ نظرية "الاسلام فوبيا" .

ج/ بداية شكرا لك على هذه الاستضافة وتحية لك ولمن يقرأ ويتابع هذا الحوار..

الاستشراق هو دراسة غير المسلمين لحضارة الشرق عموما وللاسلام خصوصا؛ وبدأ مع الإرهاصات الأولى للحروب الصليبية من أجل التعرف على الأرض الجديدة (الشام وفلسطين ومصر) وكان لا بد لزاما التعرف على ثقافة ودين تلك البلدان حتى أن أقدم ترجمة لمعاني القرآن الكريم تعود إلى عام 1150 م تقريبا..

والحركة الاستشراقية تاريخيا كانت وما زالت ترعاها مؤسستان منفصلتان عن بعضهما متفقتان في أهدافهما العامة؛ المؤسسة الأولى؛ هي الكنسية والتي يديرها ويوجهها رجال الدين من المسيحيين وقد اسشرق الكثير منهم وكتبوا كتابات حول الاسلام وحاضروا ونشروا مقالات عبروا فيها عن رؤيتهم للاسلام وقد شاب نظراتهم وكلامهم الكثير من المغالطات والشبهات التي أثاروها هنا وهناك..

المؤسسة الثانية هي الأكاديمية ويبرز فيها دور اساتذة الجامعات والباحثين حيث انشأت مراكز بحوث وأقسام علمية في الكليات تبحث في الحضارة الاسلامية والشرقية عموما وقد نحى المستشرقون فيها منحى علميا موضوعيا بحسب ما يدعونه لكن الواقع يشهد بعكس ذلك وان كانوا أقل ضررا وأخف تهجما على الاسلام.

كلا المؤسستين تسير وفق توجهات المؤسسة السياسية الغربية وهي المحرك لهما في كثير من المحطات.

بالنسبة للاستشراق الألماني فالأمر مختلف قليلا حيث يعده الباحثون في الاستشراق منصفا وموضوعيا مع أنني وآخرين نتحفظ على هذا التوصيف المتفائل لسببين رئيسين؛ الأول أنني وفي أثناء دراستي اكتشفت أن الألمان لا يجاهرون بالعداء وإنما يخفونه وراء عبارات مهذبة ومن خلال دس الشبهات بشكل أذكى من غيرهم والسبب الثاني أن كل مستشرق يعبر عن نفسه ورأيه فهم ليسوا سواء أبدا، وكثير من الاساتذة الألمان العاملين في هذا المجال تجد عندهم الاحترام والتقدير للاسلام والمسلمين بدرجات متفاوتة وذلك واضح من خلال كتاباتهم..

أما عن مصطلح (الاسلامفوبيا) فهو بالـتأكيد تعكز أصحابه على كتابات وبحوث المستشرقين الذين نبشوا التراث الإسلامي وانتقوا منه ما يعزز هذه النظرية وقد صرفت لهم أموال وبذلت جهود كبيرة في سبيل ترسيخ هذا المفهوم عند الاوربيين والغربيين عموما لا سيما بعد احداث الحادي عشر من ديسمبر..

اليوم نلاحظ انحسار هذا المفهوم بسبب الجهود التي بذلت من الدعاة والعاملين في المراكز الاسلامية الغربية من المسلمين ولا سيما مع اجواء الحرية المكفولة عنهم في تلك البلاد.

س2: في عين العام على الحادثة الآنفة عرض ”فيلم الرسالة ”بنسخته الانجليزية وللمرة اﻷولى في ألمانيا وسط حراسة أمنية مشددة وبدأ العرض فسال الدمع،ساد الصمت،جاشت المشاعر،هاجت الذكريات وكلما صدحت سمفونية الموسيقار الفرنسي موريس جار، كلما همنا عشقا وطرنا شوقا في رحاب المصطفى ﷺ حتى إنتهى الفيلم ..وووبدأنا، وكم تمنيت لو أن الطيار الالماني إياه كان برفقتنا ساعتها ربما لغير الكثير من قناعته لما للسينما من دور خطير في تنميط الصور والسلوك والافكارعلاوة على غسيل العقول وتغيير القناعات سلبا أو إيجابا ولا أدل على ذلك من قلب المعادلات عبر أفلام السباكيتي ويسترن التي جعلت من الهنود الحمر وهم سكان أمريكا الاصليين مجرد وحوش وأوباش ماكان يدفعنا للتصفيق عند قتلهم وسلخ رؤوسهم، كذلك فعلت بالمكسيكيين وحولتهم الى ثلة من اللصوص وقطاع الطرق ليس الا،فيما دفعت تجاه التعاطف العالمي مع اليهود وبشكل ملفت بتركيزها على "الهولوكوست" والتي ينفي العديد من المؤرخين وقوعها - بهذا الحجم الهائل على أقل تقدير - ودعني أسأل هنا وبما أنك قد قدمت برنامجين متلفزين مهمين جدا،الأول "السياسة بعين السينما " والثاني "أبعاد سينمائية" عن دور الفن السابع الذي أغفلناه عمدا وأهملناه سهوا وربما حرَّمناه ايضا في قلب الحقائق عاليها واطيها !!

ج/ السينما رافد مهم من روافد الثقافة؛ والغريب أننا ننظر لها أنها مكان لتضييع الأوقات وللعيش في الأوهام بينما في الغرب عموما يتعاملون مع ما يعرض فيها من أفلام بصفته حقائق تاريخية وتغذية معرفية في الكثير من المجالات، ويكفي أن تعمل استبيانا بسيطا لتكتشف أن الشاب الغربي قد شاهد مئات الأفلام ويعد ذلك جزءا لا يتجزأ من حياته وهو ما يفسر لنا سرعة انتشار الصورة النمطية عن العرب والمسلمين في اوروبا والامريكيتين...

من خلال متابعتي وتقديمي لأكثر من مائتين وخمسين ساعة تلفزيونية عن الأفلام المنتقاة بعناية بالغة وجدت أنها تحمل قيم انسانية كثيرة وفيها مادة غزيرة نفهم من خلالها المجتمعات الغربية وكيف ينظرون الى ما حولهم ومن حولهم وكيف ينظرون لنا وما هي المفاهيم السائدة لديهم..

السينما أداة مهمة جدا في تشكيل الوعي المجتمعي وفي توجيه السلوك العملي، ولمن يجهل أهميتها يكفي أن يطلع على الملايين التي تصرف من أجل فيلم واحد تاريخي او سياسي او حربي ليعرف حجم الامكانات التي تحشد لترسيخ الافكار عن طريق الافلام وصناعتها جنبا الى جنب مع مراد الحكومات الغربية وفي هذا المقام يطول الكلام..

برأيي أن بداية النهوض من واقعنا تكون بالاهتمام بشكل موضوعي واحترافي بما عند الآخرين من خير والسينما وما فيها من أفلام قد تتعدى نسبتها الـ 15% تصب في تعزيز الثقافة ونشر الوعي ويجب ان لا تهمل مع ضرورة تحليل وتفكيك بعض المشاهد في الافلام من اجل فلترة واعية لما يقدم عبر الشاشة.

س3: برنامجك الرمضاني الأخير بنسخته السادسة "ملتقى القلوب" حقق حضورا طاغيا وإستطاع أن يجذب المتلقي برغم كم المسلسلات والبرامج الرمضانية وركامها وتمكنه من ترقيق القلوب وتأليفها فضلا عن ترطيب الالسن بذكر الله والتعريف بسير ومواقف الصحابة الأخيار وآل البيت الأطهار والتابعين الابرار رضي الله عنهم أجمعين،في وقت كان رامز جلال " المجنون رسمي "يصول ويجول للضحك على ذقون المشاهدين كذلك مسلسل" أم هارون " أو " أم شارون " كما يحلو لبعضهم تسميته،إضافة الى مسلسل " مخرج 7" ودعوتهما المفضوحة للتطبيع مع الكيان الصهيوني المسخ ضمن صفقة القرن المشبوهة، ترى كيف استطاع " ملتقى القلوب"أن يسحب المشاهد الى مساحته ليحجز أحدهم مقعده متسمرا أمام الشاشة الصغيرة إستعدادا لعرضه تاركا خلفه كل إبهار البرامج الأخرى وتقنياتها الكبيرة وإنتاجها الضخم، وماهي رؤية البرنامج ورسالته وكواليسه؟

ج/ الحمد لله أولا وآخرا لكون البرنامج قد عرض على أكثر من قناة ومنصة اعلامية وهو بشكل عام أخذ حضوره في زخم المحتوى المتعدد والمنوع الذي عرض في رمضان..

للبرنامج رؤية وهو يسعى لتأكيدها في كل موسم وهي أن المتصدرين للشأن الوعظي في العراق ما زالوا موجودين وفاعلين وهم يلتقون سنويا للحوار وانتقاء اطيب ما عندهم من كلام ويقدموه في صورة جميلة وفي أجواء هادئة وحوارات بناءة..

والبرنامج من أهدافه المتوسطة تشجيع طلبة العلم الشرعي على الظهور وتقديم ما لديهم للناس عبر منصات الاعلام وخارج جدران مساجدهم فهي مهما كانت تبقى محدودة الـتأثير لكنهم بخروجهم في البرنامج يحققون مساحات اوسع ويعرضون ما لديهم من خير لجمهور آخر غير جمهور المسجد المحلي.

البرنامج نعد له ونحضر له ونصوره في بحر أربعة اشهر تقريبا حيث ننتقي المشايخ والدعاة والاساتذة الذين سيشاركون في البرنامج ونرسل لهم ورقة اعداد البرنامج والتي قد تصل احيانا الى عشر صفحات اشرح فيها الفقرات المتنوعة التي سيقومون بالتحضير لها وتعد هذه الورقة هي خارطة البرنامج وما نقدمه فيه اثناء الموسم الواحد والذي تبلغ حلقاته 30 حلقة ثم نختار مكان التصوير وهو غالبا في احدى المحافظات التركية فمرة صورناه في اسطنبول واخرى في اسبارطا وثالثة في مرعش وهكذا ونحدد ايام التصوير وهي بحدود عشرة ايام ثم نذهب وننجز المهمة ويعود الكادر لتبدأ مهمة المخرج والمونتير وهي تستغرق منهما شهرين تقريبا لانجاز كل الحلقات لكثرة الفقرات في كل حلقة..

س4: أعددت وقدمت برنامجين اذاعيين مهمين حظيا بمتابعة جماهيرية واسعة قاربت الـ 50 حلقة اذاعية، أولهما كان بعنوان " أحسن الحديث" والثاني "اضواء على الحدث" حدثنا قليلا عنهما فضلا عن التجربة الاذاعية ودورها في الارشاد والتربية والتعليم .

ج/ البرامج الاذاعية انيسة لمن يكثر التنقل في سيارته أو لركاب السيارات بشكل عام وهي تسهم الى حد كبير في نشر الوعي وذلك لتركيز السامع على ما يقال دون تشتيت لأن الصورة والمؤثرات قد تبهره فلا ينتبه الى المحتوى بينما البرنامج الاذاعي ليس له من محتوى غير الكلام فيلتقط السامع الفكرة بشكل ادق واكثر انتباها..

في البرنامجين كان الحديث عن نشر القيم لا سيما قيم العدالة والحرية والحقوق العامة..

وقد لاحظت أن الكثير من الاصدقاء والمعارف قد استمعوا للبرنامجين لا سيما وان حلقاتهما تتكرر في اكثر من وقت خلال اليوم ولاحظت كذلك ان السامعين يلتقطون العبارات ويفهمونها ويناقشون فيها بشكل اكثر دقة من البرنامج المرئي وهي نقطة قد يغفل عنها صناع المحتوى الاعلامي..

النية والعزم والارادة تبرز اكثر في نبرة الصوت ومن يتقن الاداء الصوتي فسيكون له حضور لافت في الاذاعة وسيحقق من خلال ذلك توجيها تربويا ونشرا للوعي بشكل يحقق له الرضا والسلام الداخلي كونه ينجز شيئا مهما.

س5: الرواية صنف أدبي رفيع وخطير له ما له وعليه ما عليه،ولطالما شغلت البشرية وترسخ في ذاكرتها روايات شهيرة كان لها الدور الاكبر في صياغة منظوماتها الفكرية والثقافية المتفقة احيانا والمتضادة أحايين ولكم في هذا المضمار تجربة واعدة هي رواية "توأم وعواصم" بطبعتين عراقية ومصرية زيادة على ثلاث روايات مخطوطة قيد الطبع وهي على التوالي (الكأس الشاهدة)، (الرئيس الخادم)، (ساقي الملك)، ترى ماهي رؤيتكم للدور الذي يلعبه هذا الفن الادبي الراقي وبالاخص بعد عودته الى الواجهة وبقوة بعد فترة أفول مؤقتة ألمت به لأسباب لامجال لإستعراضها هاهنا مع الاقبال منقطع النظير عليه للمثقفين العرب وأخص منهم الشباب حتى أن الرواية الأخيرة الفائزة بجائزة البوكر العربي"الديوان الاسبرطي "للجزائري عبد الوهاب عيساوي،سبقها للظفر بالبوكر رواية "فرانكشتاين في بغداد "للعراقي أحمد السعداوي،كذلك رواية "دوامة الرحيل "الفائزة بجائزة كتارا للاديبة العراقية الراحلة ناصرة السعدون،وغيرها قد نفذت من الاسواق وترجمت الى لغات عديدة؟

ج/ الرواية فن لا يمل ونص لا يستهلك وهي مطلوبة على كل الاصعدة ومن جميع الفئات لا سيما الشباب..

ومقارنة بسيطة بين الكتاب المؤلف بنص اكاديمي وبين الكتاب المؤلف بنص روائي تكتشف أن الأول إن قرأه عشرات فالثاني يقرأه مئات وربما ألوف..

فكرت كثيرا في النص الأدبي الأول (توأم وعواصم) واستغرق مني قرابة السنة لإنهائها وسلكت فيه مسلكا أعده من المسالك الادبية الجديرة بالاهتمام وهي أنني جمعت في هذه الرواية والروايات التي بعدها نقطتين رئيستين هما؛ المتعة والفائدة..

وارى ان الروائي الناجح هو الذي يقدم معلومات ثقافية وتوعوية دقيقة من خلال قالب أدبي ماتع..

الرواية ليست بديلا عن الكتاب بصورته النمطية وانما هي شكل من الكتابة اكثر قبولا للقارىء واكثر استجابة لمتطلبات العصر وانا شخصيا قد شرعت بقراءة الروايات من وقت مبكر جدا وربما مر علي ربع قرن وانا أقرأ وما زلت فأصبحت الروايات الرصينة التي تجمع ما بين المتعة والفائدة احدى الروافد المهمة في تشكيل وعيي وتنظيم معرفتي.

ولأضرب للقراء مثالا بسيطا؛ إذ أن كل قارىء للروايات يتعرف من خلالها على المجتمع الذي تتناوله الرواية إضافة إلى تعرفه على الأنماط الاجتماعية والنفسية لأبطال الرواية فالنص الروائي يقدم لك المجتمع بكل تقلباته وصراعاته في شكل يعكس لك المجتمع الحقيقي على الارض في اي بلد تتناوله الرواية.

رواياتي الأربع تنوعت في الزمان والمكان والشخصيات والمواضيع فمثلا رواية " توأم وعواصم"  كانت اجتماعية تدور احداثها في بحر عشرين سنة في ثلاثة عواصم بينما رواية " الكأس الشاهد"  تدور احداثها في مطعم شعبي في زمن عشرين ساعة فقط وهي رواية رمزية تروى على لسان كأس على منضدة تشهد الاحاديث العفوية للزبائن وهم يتناولون الطعام!

أما رواية "الرئيس الخادم " فسياسية تتناول تجربة لسياسي اسلامي في إدارة منصب رئاسي، بينما الرواية الرابعة فهي تاريخية تتناول قصة النبي يوسف، على لسان احد صاحبيه في السجن وهو (ساقي الملك)!

اتمنى ان ترى الروايات الثلاث النور قريبا..

س6: انت خبير ومحاضر فاعل داخل العراق وخارجه في برامج التنمية البشرية ومهارات التعامل مع وسائل الإعلام، الظهور الإعلامي الناجح، السياسة الدولية والبروتوكول، لغة الجسد،مهارات العلاقات الإعلامية، كيفية التعامل مع الكاميرا ووسائل الاعلام المتنوعة، ولكم خمسة افلام تنموية قصيرة (تعداها، حلم، حديقة رمضان، نظام،دعوة للتامل) وكلها من اعدادك وتقديمك وقد تخرج على يديك مئات المتدربين في واحدة أو أكثر من هذه المجالات الفاعلة، نود إعطاء القراء والمتابعين نبذة عن دور المهارات الانفة للارتقاء بالمجتمع والنهوض بطاقاته المدفونة ومواهبه الخلاقة الى أفق أرحب لبناء حاضر العراق ومستقبله .

ج/ شخصيا أفرق في التدريب بين الدورات المهارية وغيرها من الدورات التنموية وذلك لكون المهارية تسعى لإكساب المتدرب مهارة معينة كمهارة الظهور الإعلامي والتي قمت بتدريبها للمئات من الأشخاص داخل وخارج العراق مع ملاحظة أؤكد عليها دائما وهي أن الدورة تعطي الأساس في المهارة أو مفاتيح المهارة ثم على المتدرب أن يستغل كل فرصة سانحة للظهور الاعلامي في مجاليه الرئيسين المرئي والسمعي..

المدرب يسعى لأكساب المهارة أو نشر الوعي وعليه واجب ثقيل ومسؤولية إخلاقية في عدم المبالغة في بهرجة العناوين أو النفخ في شخصية المتدرب لإلباسها ثوبا لا يناسبها بل التريث والتمهل والموضوعية العلمية ينبغي أن تكون هي السائدة في جو الدورة..

المجتمع ولا سيما فئة الشباب فيه بحاجة إلى أنواع كثيرة من الدورات لكن يجب أن تعطى بإصولها ووفق منهج علمي رصين وإلا فنحن أمام موجة من المحاضرات العامة والتي تسمى خطأ بالدورات لتضخيم محتواها من أجل غاية مادية أو شهرة موهومة للمدرب والمتدرب على حد سواء.

أرى أن يتحلى طرفا التدريب بسمات مهمة كي يأخذ التدريب دوره المهم في تنمية وتطوير المجتمع ومن هذه السمات؛ التواضع والطرح المتوازن وتغليب جانب الورش العملية على التنظير والمزاوجة بين المثال والواقع واحترام وقت الدورة والالتزام بتفاصيلها الرئيسة والفرعية وفق مخطط مرسوم وجدول مناسب.

وهناك حقيقة ثابتة لمستها في كل من عمليتي التعليم والتدريب وهي أن المعلومة تصل إلى المقابل عبر وسائل التدريب المنوعة أسرع بكثير من وسائل التعليم كالمحاضرة على سبيل المثال.

س7: لنخرج عن الدورات والنتاجات الاذاعية والتلفزيونية والروائية ونخوض قليلا في المجال الاكاديمي بصفتك استاذ جامعي سبق لك أن حاضرت ودرست في كلية الامام الاعظم في كركوك،وكلية الاداب / الجامعة العراقية في بغداد، ومعاهد المعلمات بوزارة التربية، ترى كيف تقيمون تجربتي نظام المقررات الدراسية، والتعليم الموازي محليا، ناهيك عن التعليم الالكتروني عن بعد والذي فرضه وباء كورونا المستجد (كوفيد - 19 ) للعام الدراسي 2019/ 2020؟

ج/ مناهج التعليم وطرقه يجب أن تخضع للتطوير والتحديث بشكل دائم وذلك لأننا نعيش في عصر التكنلوجيا المتسارعة ففي كل يوم هناك براءة اختراع او تطوير في جانب من جوانب المعرفة..

أحد أبرز أسباب التخلف عن ركب المدنية والحضارة هو الجمود عند الأساليب القديمة في التعليم والوقوف عند عتبة ما كتبه الأولون..

بوابة العلم مشرعة ويتسابق في طريقها ملايين البشر ومن يأخذ بزمام المبادرة ويعمل على تطوير طرقه ومناهجه يصل قبل الآخرين، نحن اليوم أمام فرق هائل في العمل الأكاديمي إذ يعتمد العالم المتقدم على التعلم وليس التعليم بمعنى أن الطالب يتعلم كيف يبحث ويصل إلى المعلومة الدقيقة وليس يتعلم المعلومة من كتب ومناهج خطتها عقول القرن العشرين!

اليوم نحن علينا أن نعلم الطالب كيف يستكشف المعلومة (How to discover) وليس (How to cover)؛ بعبارة أخرى علينا أن نغادر طريقة ضع يدك على المعلومات ورددها عن ظهر قلب!

ربما كانت أزمة كورونا فرصة سانحة للولوج إلى عالم التعليم الرقمي وقد لاحظت بالفعل تقدما ولو بطيئا في استثمار التكنلوجيا للتعليم عن بعد وربما ينقصها في هذه المرحلة المنهجية الصحيحة والدعم الفني لكن من سار على الدرب وصل كما يقولون وانا متفائل بكون هذه المرحلة رغم صعوبتها إلا أنها ستصنع فكرة استثمار التكنلوجيا وقد تكون في المدى المنظور جزء رئيسا في العمل الاكاديمي وهذا ما نطمح له.

س8: الملاحظ أن هنالك خلطا محليا عجيبا ولا أريد أن أقول هرجا بين الأمنيات الشخصية والفئوية من جهة وبين التحليلات السياسية الواقعية من جهة أخرى فترى المحلل السياسي العراقي في الأعم الاغلب إما يغرق متابعيه بأمل زائف يمثل غاية أمانيه ويجسد قمة أحلامه، وإما يصيبهم بإحباط ونكوص داهم وفي بعض الاحيان دائم، فيما يذهب بعضهم بعيدا ويغرد خارج السرب ليتحدث بطريقة - المنجمين والعرافين وقراء الحظ والطالع - وبطريقة الجزم ظنا منه أن ما يقوم به على طريقة - ابو علي الشيباني ومعلمه الوهمي - هو محض استشراف مستقبلي مستلهم من استقراء تأريخي سابق وقراءة حاضرة لاحقة  وبما انك قد استضفت في قنوات عديدة لتحليل الشأن العراقي عبر فضائيات البغدادية وسامراء وبغداد واذاعات محلية فضلا عن الحلقات المنشورة على قناتك الخاصة بموقع اليوتيوب وقد كان لك حضور ملفت وقوة حجة وسداد رأي،أسأل جنابك هل انت مقتنع بما يقدمه المحللون السياسيون العراقيون لجماهيرهم،أم أن لديك مؤاخذات على بعضهم،اذ لم يظهر فينا حتى اليوم محلل كمحمد حسنين هيكل، ولا عبد الباري عطوان على سبيل المثال لا الحصر برغم تحفظي على الكثير مما يطرحان الا ان " الكذب المصفط " كما يقول اجدادنا " خير من الصدق المخربط " فمابالك بـ" الكذب المخربط والتهويل والاماني الفارغة " التي تساق لنا صباح مساء وعلى الهواء مباشرة؟

ج/ قيل قديما (النائحة الثكلى غير النائحة المستأجرة) وهو قول يركز على صدق المتحدث وتبني قضية ما..

لكنني في هذا الصدد أقول أن التحليل فن من فنون الكلام له أصوله ومدارسه ونظرياته وكنت أتمنى أن تجتمع عند المحلل للشأن العراقي ثلاثية التحليل الدقيق؛ المعلومة الصحيحة والواقع الفعلي والاستشراف المستقبلي المبني على النقطتين الاولى والثانية.

وارى أن السبب الرئيس وراء كثرة المحللين وعشوائيتهم هو وجود المال السياسي الذي يوظف لتلميع صورة فلان أو علان وهو ما نشهده يوميا عبر ساعات الفضائيات الإخبارية فيعمد المحلل إلى اجتزاء الحقيقة وتوظيفها في تعبيد طريق من يدفع له أجرة الظهور!

كما أن غياب المراكز البحثية المستقلة عن المشهد هو أحد أبرز أسباب هذه الفوضى وربما سعى البعض لانشاء هذه المراكز لكنها في النهاية وقعت في احضان اصحاب المال والنفوذ فمالت عن اهدافها الى مصالحهم الشخصية!

وواقعنا الامني فرض كذلك تكميما للافواه ومداراة لهذه الجهة او تلك من اجل المحافظة على حياة المحلل والذي بات لا يجرؤ على مجاوزة الخطوط الحمراء من سياسيين واحزاب ووصل الامر أن نسمع مصطلحات بعينها تتداول على السنة المحللين وهي في اصلها مصطلحات محازبة تنتصر لهذا الطرف على حساب الاخر وهكذا..

خلاصة رأيي أن وضع العراق الداخلي محكوم بعدة توازنات تضغط على من يتصدر للتحليل والتنظير فتحرفه عن المسار الموضوعي وتأخذ بسفينته بعيدا عن مرفأ الحقيقة تائها في موانىء أصحاب النفوذ...إلا من رحم ربي.

س9: على مدار أعوام طويلة كتبت عشرات المقالات المتعلقة بالشأن العراقي نشرت في مجلات البيان والنور والرائد والال والاصحاب وغيرها، إنطلاقا من ذلك كله كيف تنظر الى مستقبل الصحافة العراقية المكتوبة والمقروءة "الورقية" هل هي في طريقنها الى الاندثار بغياب قانون فاعل يحمي الصحفيين ويضمن حقوقهم وفي كل يوم تطلع فيه شمس نسمع بإغلاق صحفية ومجلة ومؤسسة اعلامية لها باع طويل لقلة الموارد .

ج/ الصحافة المقروءة لا سبيل لاندثارها بأي شكل من الأشكال لأنها من صميم العمل الإعلامي لكنها قد تأخذ شكل النشر الألكتروني لا الورقي وربما يصار إلى طريقة في النشر تتناسب والمواقع الالكترونية او مواقع التواصل والمنصات الاخرى..

كما ان الحرية وحقوق الصحفيين يجب ان تكون في اولويات الحكومة والنقابات المعنية وذلك لارتباطها المباشر بالثقافة والوعي الوطني والمجتمعي ونأمل أن نخرج من فوضى العمل إلى نظامه المكفولة فيه كل مقومات الصحافة المقروءة.

بالممارسة يا صديقي وجدت أن بعضا من الشباب يميل الى الصحافة المقروءة ولا يحبذ العمل في المرئي والمسموع ومن هنا كان هذا المجال واعدا لهم وعلينا جميعا ان نسعى لتشجيعهم والاخذ بايديهم إلى المضي في تطوير مهاراتهم ونشر مقالاتهم وتشجيعهم.

كل كلمة حق تكتب وتنشر هي بمثابة لبنة توضع في بناء حضارتنا واستقرار بلداننا، وتراثنا عامر بنصوص تمجد الكلمة في وجه الظالم وهي النور الذي ينير الطريق للاجيال التي تلحق..

أنا وأنت نتاج كلمة ما قيلت لنا من فم رجل حكيم ما فصرنا ما نحن عليه وسلكنا ذات الطريق وأمام أعيننا أول فعل في القرآن وهو الأمر بالقراءة وهل يمكن لنا قراءة ما لم يكتب!

س10: الملاحظ وفي العقد الاخيرتحديدا أن جل ولا اقول كل الندوات والمؤتمرات واللقاءات قد افرغت من محتواها ولم تعد تجد نفعا وباتت أكثرها قاصرة على إلقاء ملخصات بحثية تلقى على عجالة وبطريقة رتيبة تدفع الى النعاس والسآمة أو الى مغادرة القاعة الكبيرة بالتزامن مع رداءة الصوت وعطل الاجهزة عموما وانقطاع الكهرباء اكثر من مرة وتوقف اجهزة التكييف لتنتهي الندوة أو المؤتمر في غير مواعيدها المقررة سلفا بوليمة كبرى تستنزف الموارد يسبقها في العادة عرض سريع لتوصيات انشائية مع توقيع مذكرات تفاهم ستظل مجرد حبر على ورق حبيسة الرفوف مع توزيع دروع التقدير وشهادات المشاركة بين الحضور، وأسأل جنابك الكريم وبما انك قد ادرت العديد من الندوات البحثية الاعلامية والاكاديمية الناجحة بشهادة كل من حضرها وقد كانت مختلفة عما اسلفت لكم من حيث حسن الاعداد وجودة التنظيم، لماذا يحدث ذلك في بقية الندوات والمؤتمرات المحلية وما هو الحل؟

ج/ العمل المنظم ينتج نتاجا منظما وواعدا..

الندوات والورش والمؤتمرات كلها تدور في فلك واحد لكنها تتبع نظاما صارما وتنظيما دقيقا فمن تجاوزه يقع في مطبات لا تحمد عقباها بدءا من اهتزاز الثقة بالنفس وصولا الى العيش على هامش الانجاز..

لا أدعي أن ما أدرته من ندوات كان في قمة التنظيم وقمة العطاء لكنني بذلت جهدي في أكثر من مناسبة للخروج من هذه الورش والندوات بأكبر حصيلة علمية وعملية وكان عملي في مركز البحوث في الجامعة العراقية إضافة أفتخر بها مع زملائي طيلة أكثر من ثلاث سنوات قدمنا فيها عشرات الورش والندوات وكانت بمعدل ندوة او ورشة اسبوعيا بالتعاون مع اقسام كليات الجامعة وهي موثقة وقد اخترنا فيها عناوين تهم المجتمع الاكاديمي والعام على حد سواء..

ونصيحتي لمن يتصدر لإدارة او تنظيم هذه الورش والندوات ان يستعين بدورات تطويرية ليكسب من خلالها المهارة المطلوبة في الادارة لانها ستنقلها الى فضاء رحب من الانجاز والعلاقات والعلوم النافعة.

س11: ماهي مشاريعك المستقبلية على مستوى الاذاعة والتلفزيون والإعداد والتأليف؟

ج/ مستمر في الاعداد للموسم السابع من برنامج (ملتقى القلوب) والاعداد للموسم الثاني من برنامج (شباب الامل) وعلى مستوى الكتابة الادبية اوشكت ان اضع اللمسات الاخيرة لكتاب في آليات ومعالم تدبر القران الكريم على شكل يوميات اسرة تتحاور فيما بينها واسال الله ان يوفقني وييسر لي كتابة عملين روائيين قادمين هما (عمامتان) و (س).

س12: بماذا تنصح الباحثين والمتخصصين في مجال الاستشراق والشعوبية وكلاهما قد كانت طروحاته المادة الدسمة التي استندت اليها هوليوود في تشويه صورة العرب والمسلمين حول العالم اضافة الى انها أيقونة ما يسمى اليوم بـ" المتنوريين الجدد"واللادينيين واللا ادريين واللامنتمين والملاحدة العرب أمثال ابراهيم عيسى،واسلام البحيري، وشحرور وغيرهم الكثير؟

ج/ الدراسات الاستشراقية تحتاج الى باحث متقن للغة البلد الغربي الذي يكتب فيه مستشرقوه عن حضارتنا لأن آفة الاستشراق هي النقل والترجمة غير الدقيقة وانا انصح كل من يريد البحث في هذا المجال ان يتقن على الاقل اللغة الانكليزية كي يراجع النصوص الاصلية للمستشرقين وليس ما نقل عنهم في مصادر ثانوية..

كل من ذكرت وغيرهم انما يعتمدون على انتقاء نتف من هنا ومن هناك من تراثنا الزاخر ثم يصرفونها على غير الوجهة التي قيلت فيها ويتحركون في البقع العمياء من تاريخنا ويحللون ويخرجون بنتائج وطروحات غريبة لا ترضي سوى نفوسهم التي حشدوا فيها الغث والسمين ثم شرعوا في تبني الغرائب من اجل الشهرة والتميز في اغلب الاحيان.

لا ارى أن ينتهج الباحثون في الاستشراق منهج الردود فقط وانما يحاولون ان يضعوا ركائز ومعالم لما يمكن ان نسميه منهج الذود عن حضارتنا وتراثنا باسلوب يجمع بين الموضوعية والمعاصرة؛ الموضوعية في التناول والمعاصرة في الاسلوب..

البناء أفضل من ملاحقة الهادمين ولا بأس بأن ينفر من كل جيل أفراد يردون ويفضحون من يتصدر مشهد التشكيك..

وكل ميسر لما خلق له..

س13: وماذا تقول عن إهمالنا عمدا أو سهوا لفنون خطيرة ومهمة للغاية كالرواية والقصة القصيرة والاخراج والمونتاج وكتابة السيناريو والتصوير والكرافيك والصحافة بفروعها والكاريكاتيرعلاوة على اغفالنا للسينما والاذاعة والتلفزيون والمسرح والدراما والستاند آب كوميدي والبانتومايم والمونولوج السياسي الذي ودعنا منذ زمن برحيل المونولوجست السياسي العراقي الوحيد "عزيز علي " برغم يساريته الا انه لم يتكرر كتجرية بصرف النظر عن انتمائه وما تزال وبعد مرور اكثر من 50 عاما نتاجاته تلك تبث عبر الاثير وتحظى بمتابعة هائلة، لقد سمعت وعلى لسان اكاديميين متخصصين بأن هذه الفنون إنما هي مضيعة للوقت والجهد والمال وفاتهم بأن كل الحقائق التأريخية والمبادئ والقيم قد شوهت بفعلها ولابد من ركوب موجتها لإصلاح وإعمار ما هدمه الآخرون عن طريقها وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وانتم اعلم بأمور دنياكم كم جاء في الاثر لأنها سلاح ذو حدين من شانها ان تبني، ومن شأنها ان تهدم بناء على من يقف خلفها ويدعمها لتحقيق أجندته والبروباغندا التي يسعى للترويج لها وتحقيقها على ارض الواقع وأهل الحق اولى من غيرهم بتحين الفرص واستثمارها على النحو الامثل خدمة لدينهم وبلدهم ومجتمعهم وقيمهم .

ج/ الفن ليس للفن أنما الفن لايصال غاية سامية وهدف نبيل..

هذه الفنون التي ذكرتها كلها نافعة ومهمة وهي لغة العصر والثقافة وعلينا ان نخرج من دائرة (الانسان عدو ما يجهل) لنعترف بجهل جمهرة كبيرة من المتصدرين للمشهد الوعظي بهذه الفنون وهذا يفرض عليهم ان يعترفوا بذلك لا ان يكابروا فبداية التصحيح تكمن في الاعتراف لنفتح الطريق للشباب ان يبدعوا في ظل حدود القيم الرفيعة والخلق النبيل وان لا نحجر واسعا وعلينا ان ندعم كل شاب يسعى ليثبت نفسه بالفن الهادف ايا كان نوعه ونعينه عليه..

الرسالة تنتشر بالمرسلين وبالوسائل المتاحة المعاصرة ولا تعارض بين الوسيلة وغيرها ما دامت مشروعة ولا تخرج عن الذوق العام والفطرة السليمة وكم كنت اتمنى ان اجد وانا ابحث في تطبيقات الهاتف الذكي عن العاب احترافية للاطفال والشباب تنطلق من منطلقات حضارتنا وتحفها القيم الرفيعة لكنني اعود حسيرا بعد جولة بحث صغيرة!

لا بد لنا من نفض الغبار والسير نحو التجديد ومواكبة هذه الفنون واستثمارها فيما ينفع الناس.

س14: كلمة أخيرة تودون إضافتها الى القراء الكرام .

ج/ شكرا لكل من يتابع ويقرأ ويحرص على النفع والانتفاع ولا سبيل لنا الا النهوض بواقعنا وتكرار المحاولة دون يأس لأن العاقبة واحدة..والسلام عليكم.

 

حاوره / احمد الحاج

 

حسن عجميالمفكّر حسن عجمي: السوبر مستقبلية في مواجهة السوبر تخلّف

حسن عجمي، أكاديمي لبناني وفيلسوف مجدّد، وشاعر ينظم عالمه الخاص من خيال وواقع، جمع في رؤيته الكونيّة بين الفلسفة والفيزياء، بحث في الوعي الإنساني وإشكالاته والمخاطر التي تهدّده. انتصر للمعرفة والفلسفة ودعا إلى نقد الماضي والإيمان بالمستقبل ولذلك اتّسمت كتابات صاحب "مقام الراحلين" و"السّوبر حداثة"، بالمستقبل وبما بعد "ما بعد الحداثة".

في هذا الحوار، يكشف حسن عجمي عن مفهومه للفلسفة وعلاقتها بالعلم والمعرفة والحريّة وعن علاقة العربي بالديمقراطية وجملة أخرى من المواضيع.

- يهتم الأستاذ حسن عجمي بالسوبر حداثة فما هي أهمّ ملامح هذا التوجّه الفكري؟

- السوبر حداثة مذهب فلسفي مختلف عن الحداثة وما بعد الحداثة. فالحداثة تقول إنَّ الكون مُحدَّد ولذا من الممكن معرفته بينما ما بعد الحداثة تعتبر أنَّ الكون غير مُحدَّد ولذلك من غير الممكن معرفته. لكن السوبر حداثة تؤكِّد على أنَّ الكون غير مُحدَّد ورغم ذلك من الممكن معرفته من خلال لا مُحدَّديته. وبذلك تجمع السوبر حداثة بين مبدأ لامُحدَّدية العالَم ومبدأ إمكانية الحصول على المعرفة ولذا تختلف عن الحداثة التي تقول بمُحدَّدية العالَم كما تختلف عن ما بعد الحداثة التي تقول باستحالة معرفة الكون كما هو. للسوبر حداثة تطبيقات عديدة أوضحتُها في كتابيْن أساسيين هما كتاب "السوبر حداثة" وكتاب "السوبر حداثة في مواجهة السوبر تخلّف". فمثلاً بالنسبة إلى السوبر حداثة، من غير المُحدَّد ما هو الكون ومما يتكوّن ولذلك تنجح النظريات العلمية المتنوّعة في وصف الكون وتفسيره رغم اختلافها وتعارضها كنجاح نظرية النسبية لأينشتاين القائلة بأنَّ قوانين الطبيعة حتمية ونجاح نظرية ميكانيكا الكمّ القائلة بأنَّ قوانين الطبيعة احتمالية. هكذا تتمكّن السوبر حداثة من تفسير نجاح النظريات العلمية (رغم اختلاف هذه النظريات) وذلك على ضوء لامُحدَّدية الكون فتُوحِّد بين إمكانية المعرفة ولامُحدَّدية العالَم. فالسوبر حداثة تمكّننا من الحصول على المعرفة كمعرفة لماذا تنجح النظريات العلمية رغم اختلافها. المبدأ الأساسي في السوبر حداثة هو أنَّ اللامُحدَّد يحكم العالَم والوجود وإمكانية المعرفة. بالنسبة إلى السوبر حداثة أيضاً، النظام السياسي والاقتصادي الأفضل هو النظام غير المُحدَّد بعقيدة سياسية أو اقتصادية أو دينية معيّنة ما يُحرِّرنا من سجون أية أيديولوجيا مُحدَّدة سلفاً. فاللامُحدَّد يُحرِّرنا من أية معتقدات مُحدَّدة في الماضي ما يجعله يضمن تحقيق إنسانيتنا.

- تهتمّ بالفيزياء وعلاقتها بالوعي، أيّ علاقة تراها؟

- الكون والوعي يُشكِّلان حقلاً وجودياً واحداً لا يتجزأ. فالفيزيائي الكبير جون ويلر يؤكِّد على الدور الأساسي للوعي الإنساني في صياغة الواقع. وهو بذلك يعبِّر عن اتجاه سائد في العلوم الفيزيائية المعاصرة. فنظرية ميكانيكا الكمّ العلمية تقول بأنَّ قوانين الطبيعة احتمالية وليست حتمية على نقيض من نظرية النسبية لأينشتاين. ولذلك بالنسبة إلى نظرية ميكانيكا الكمّ، تتساوى كلّ الاحتمالات الممكنة فيكون الجُسيم كالإلكترون جُسيماً وموجة في آن رغم أنَّ الجُسيم نقيض الموجة. من المنطلق نفسه، تعتبر ميكانيكا الكمّ أنَّ قطة شرودنغر حية وميتة في الوقت عينه لأنَّ احتمال أنها حية (من جراء عدم تعرضها لإشعاع قاتل) يساوي احتمال أنها ميتة (من جراء تعرضها لإشعاع قاتل). وفي النموذج العلمي لميكانيكا الكمّ تصبح هذه القطة إما حية وإما ميتة فقط حين ننظر إليها ونعيها تماماً كما يقول الفيزيائي جون ويلر. هكذا الوعي يصوغ الواقع. بكلامٍ آخر، الوعي يُحدِّد الكون غير المُحدَّد. ولذلك الوعي ضروري الوجود لكي يتحدّد الكون. فالعالَم غير مُحدَّد لكننا نحن مَن نُحدِّده من خلال وعينا. من هنا الوجود الإنساني الواعي ضرورة وجودية لكي يصبح الكون غير المُحدَّد مُحدَّداً. فالإنسان مُحدِّد اللامُحدَّد وبذلك الإنسان بوعيه يبني الكون والواقع. لا كونٌ بلا إنسان ولا إنسانٌ بلا وعي يُنتِج الوقائع الواقعية والممكنة معاً. وعلى ضوء ميكانيكا الكمّ ومبدأ لامُحدَّدية العالَم ما دون الذري تنشأ فلسفة السوبر حداثة وتطبيقها لمبدأ اللامُحدَّد على العالَم ما فوق الذري أيضاً واعتبارها أنَّ المعرفة ممكنة رغم لامُحدَّدية الكون. فاللامُحدَّد الفلسفي يُحرِّرنا بلامُحدَّدية الكون وحقائقه ما يستلزم وجود الدور الفعّال للإنسان في بناء الكون وصياغته.

1532  الفلفسة الانسانوية- كتبتم سابقا "من الخطأ تعريف الكون والعقل والحياة على أنّها مجرّد معلومات فبرامج "كومبيوتريّة" بل الأصدق أن نحلّل المعلومات من خلال مفاهيم الكون والعقل والحياة". لو فسّرت هذه النّقطة أكثر ونحن في زمن الرّبوتيّة؟

- يسيطر اليوم نموذج علمي وفلسفي مفاده أنَّ الكون والحياة والعقل مجرّد كومبيوترات متطوّرة. فمثلاً، يقول الفيزيائي سيث لويد إنَّ كلّ نظام فيزيائي هو عبارة عن عملية حساب للمعلومات تماماً كالكومبيوتر وبذلك الكون كومبيوتر متطوّر يقوم بحساب معلوماته بالذات. أما النقد الفكري الذي قدّمته ضدّ هذا النموذج فهو أنه من الخطأ اعتبار مفهوم المعلومة مفهوماً أولياً لا يحتاج إلى تعريف وبذلك من الخطأ استخدام مفهوم المعلومة لتحليل الكون والحياة والعقل بينما هو مفهوم غامض يحتاج إلى تحليل يُوضِّحه من خلال الكون والحياة والعقل. فإن عرَّفنا الكون والحياة والعقل من خلال أنها معلومات وقعنا حينئذٍ في مشكلة كيفية تحليل المعلومات لأنَّ السبيل الوحيد لتحليل المعلومات كامن في الإشارة إلى الكون وأحداثه فتتغير المعلومات بتغيّر الأحداث. وبذلك يقع النموذج العلمي والفلسفي السابق في الدور المرفوض منطقياً ألا وهو في هذا السياق تعريف الكون من خلال المعلومات ومن ثمّ تعريف المعلومات من خلال الكون. من هنا المنهج الأفضل لتحليل الكون والحياة والعقل هو اعتبارها غير مُحدَّدة تماماً كما تقول السوبر حداثة. فمن غير المُحدَّد ما هو الكون ولذلك ينجح العلماء في وصفه وتفسيره من خلال نماذج علمية متنوّعة ومختلفة كوصفه على أنه كومبيوتر متطوّر أو سمفونية موسيقية (كما في نظرية الأوتار العلمية) أو أنه مجرّد وهم (كما يقول الفيزيائي ليونارد سسكيند). هكذا نجاح النظريات العلمية في وصف الكون وتفسيره رغم اختلافها وتعارضها دلالة على أنَّ الكون غير مُحدَّد ما هو تماماً كما تؤكِّد السوبر حداثة.

- قلتم: "نحن سوبر متخلّفون لأنّنا نرفض العلم والمنطق ونستخدم العلوم من أجل التجهيل". هل خرجنا من العقل المستقيل عند الجابري إلى العقل المجهّل عند عجمي؟

- هذا توصيف دقيق إلى حدّ ما لأنَّ العقل الحاضر عقل سوبر متخلّف بمعنى أنه يُطوِّر التخلّف ولا ينتجه فقط. فنحن افتتحنا عصراً جديداً ألا وهو عصر السوبر تخلّف. ثمة فرق كبير بين التخلّف والسوبر تخلّف. فالشعب المتخلّف لا يُقدِّم شيئاً مهماً للإنسان والحضارة فلا يطوِّر شيئاً ولا يتطوّر بينما الشعب السوبر متخلّف يُطوِّر التخلّف من خلال تقديم العِلم على أنه جهل وتقديم الجهل على أنه عِلم. وبذلك الشعوب السوبر متخلّفة مُنتِجة على نقيض من الشعوب المتخلّفة لكنها مُنتِجة لأدوات تطوير التخلّف من خلال نشر الجهل والتجهيل. ومن آليات سوبر تخلّف مجتمعاتنا آلية استخدام التكنولوجيا لنشر الجهل والفِتَن والحروب. فكلّما يزداد رفض العِلم والتفكير العلمي وتزداد استخدامات التكنولوجيا يزداد تطوّر التخلّف. فالشعوب السوبر متخلّفة تستخدم المنجزات الحضارية لإعلاء رايات الجهل والعنصرية والتعصب. لذا نستغل ما أنجزه الغرب لكي نعزِّز سيادة تخلّفنا الكامن مثلاً في تقديس الماضي وأسياده ما حَتَّم سيطرة الأنظمة الديكتاتورية على مجتمعاتنا وعقولنا وسلوكياتنا أيضاً. ولا نستطيع الانتصار على السوبر تخلّف سوى من خلال السوبر مستقبلية التي تؤكِّد على أنَّ التاريخ يبدأ من المستقبل والسوبر حداثة التي تقول بأنَّ اللامُحدَّد يحكم العالَم ما يتضمن التحرّر من أية معتقدات وعقائد مُحدَّدة سلفاً.

- في مجتمع عربيّ يعاني جزء كبير منه أميّة عميقة، هل يعتقد الأستاذ حسن عجمي أنّ مجتمعا بهذه الصّفة يمكن أن يعِيَ بوجوده، وأن ينجح في الخيار الديمقراطي؟

- الديمقراطية هي حُكم الحقوق الإنسانية كحق كلّ فرد في أن يكون حُرّاً فيما يعتقد ويتصرّف. لكن معظم العرب يعتقدون بأنَّ الديمقراطية هي مجرّد انتخاب لممثلي الشعب. وهذه دلالة على سوبر تخلّفنا فمن الممكن للشعب انتخاب طغاة تماماً كما حَدَثَ في التاريخ ويحدث في معظم الدول العربية. من هنا يستحيل تحقيق الديمقراطية الحقيقية في العالَم العربي بسيادة السوبر تخلّف المتجسّد بتطوير الأميّة والتخلف كاستغلال التكنولوجيا لنشر الجهل والتجهيل. فأميّة المثقف أكثر خطورة من أميّة الجاهل. بكلامٍ آخر، نحن لا نعاني فقط من الأميّة بل نعاني أيضاً مما هو أخطر ألا وهو السوبر أميّة وهي أميّة المثقف الكامنة مثلاً في سوء فهم المفاهيم الحضارية الأساسية كسوء فهم معنى الديمقراطية ودلالتها. والخطوة الأولى للخلاص من عصور السوبر ظلام في عالَمنا العربي تكمن في محاربة السوبر تخلّف والسوبر أميّة من خلال فلسفة السوبر حداثة والسوبر مستقبلية التي تحرّرنا من مُحدَّدية المعتقدات والعقائد كما تحرِّرنا من أكاذيب الماضي وخداعه.

- قلتم إنّ النّظام الدكتاتوري مجموع يقينيات قامعة بالضّرورة لليقينيات الأخرى، فهل نحن أمام دكتاتوريات يخفي أحدها الآخر لا غير؟ وكيف يمكن تجاوز النظم الدكتاتوريّة؟

- بالفعل نحيا بل نموت باستمرار في ظل أنظمة ديكتاتورية سياسية وثقافية وفكرية. فالعديد من الأنظمة التي تدّعي أنها ديمقراطية هي بالفعل أنظمة ديكتاتورية خفية. ومثل ذلك لبنان. فالنظام اللبناني ديكتاتوري بطائفيته. فطغاة الطوائف هم الذين يحكمون في لبنان. لكلّ طائفة دينية طغاة يحكمون طوائفهم ويختزلونها في أنفسهم ويوزّعون الوظائف والمكاسب على أتباعهم فقط ما حوَّل لبنان إلى نظام ديكتاتوري يقمع مواطنيه ويختزلهم إلى مجرّد أعداد في طوائفهم. كما أنَّ أميركا نفسها تختزل فقراءها إلى مجرّد أعداد للتصويت في الانتخابات وبذلك تمارس العبوديّة الجديدة كما يقول الفيلسوف "نعوم تشومسكي" وتمارس الديكتاتورية الخفية. أما الخلاص من الأنظمة الديكتاتورية فيكمن في جعل الحقوق الإنسانية هي الحاكمة للنظام بدلاً من حُكم فرد أو أفراد أو أحزاب. ويتمّ ذلك من خلال ولاية المواطن حيث تتحِّد كل السلطات في أيدي المواطنين كالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ما يمكّن كلّ مواطن من مراقبة ومحاسبة أجهزة الدولة وسلطاتها ومحاكمة الحاكم والمسؤولين في الدولة. فالديمقراطية الحقيقية قائمة على حُكم المواطن واعتباره السلطة العُليا. ثنائية الدولة والشعب ثنائية الطغاة التي تقمع الشعوب بأكاذيبها. من هنا إن زالت هذه الثنائية المخادعة سادت الحريّة الحقيقيّة.

- يهتمّ الأستاذ حسن عجمي بالإنسان ووجوده فما هي أبعاد الوجود الإنساني؟

- الفلسفة الإنسانوية التي دافعتُ عنها في كتابي الأخير "الفلسفة الإنسانوية : العلمنالوجيا والعقلنالوجيا" تقول بوحدة البشر والحضارات والأديان والمذاهب الفكرية والمعرفية. فالفلسفة الإنسانوية تؤكِّد على وحدة البشر بمعنى أنَّ كلّ البشر يشكّلون إنساناً واحداً لا يتجزأ تماماً كما أنَّ كل الثقافات والحضارات تشكّل حضارة واحدة لا تنفصل وكلّ الأديان والمذاهب الفكرية كالمثالية والمادية واحدة في جوهرها. هذه هي أبعاد الوجود الإنساني التي بها يتمكّن الإنسان من أن يرتقي ويتطوّر. فمن خلال وحدة البشر والثقافات والأديان ننجح في تحقيق السّلام الأساسي من أجل تحقيق أية عدالة. فلا حرية ولا مساواة بلا سلام لأنه في زمن الحروب والفِتَن لا تُحترَم الحقوق الإنسانية كحقنا في الحرية والمساواة. وبذلك السلام الذي تدعو إليه الفلسفة الإنسانوية هو الأساس في تحقيق العدالة. فالعدالة الإنسانوية هي تلك التي تتكوّن من السلام والحرية والمساواة. من هنا أيضاً ترفض الفلسفة الإنسانوية الثنائيات كثنائية الأنا والآخر وثنائية المؤمن والكافر لأنَّ هذه الثنائيات مصادر الفِتَن والحروب. أما العلمنالوجيا والعقلنالوجيا فأدوات أساسية من أدوات الإنسانوية الفلسفية. فالعلمنالوجيا أي علم العلمنة تهدف إلى علمنة كل الظواهر من خلال فصلها عن ماهياتها الماضوية ما يضمن تحرّر الإنسان من الماضي من خلال اعتبار الظواهر والحقائق قرارات إنسانوية مستقبلية بينما العقلنالوجيا أيعلم العقلنة فتهدف إلى عقلنة الظواهر من خلال اعتبارها قرارات عقلانية ما يضمن الدور الفعّال للإنسان في إنتاجها. هكذا الفلسفة الإنسانوية ضمانة حرية الإنسان ودوره الفعّال.

- تعتبرون العلم عمليّة تصحيح مستمرّة، فهل ينطبق هذا المبدأ على الأدب والإبداع إجمالا. وهل يمكن الحديث عن نظريّة نقديّة بهذا المعنى؟

- العلوم والفنون والفلسفة والآداب تُشكِّل حقلاً وجودياً وإبداعياً واحداً لا يتجزأ ألا وهو حقل الوجود الإنساني. فالآداب والفنون المختلفة تُعبِّر عن فلسفات وعلوم عصرها والعكس صحيح. والعِلم عمليّة تصحيح مستمرة لأنَّ النظريات العلمية تُستبدَل بشكل دائم بنظريات علمية أخرى كاستبدال نظرية النسبية لأينشتاين بنظرية نيوتن العلمية. فبينما كنا نعتقد مع نيوتن بأنَّ الزمن مطلق وليس نسبياً أمسينا اليوم مقتنعين بقول نظرية أينشتاين بأنَّ الزمن نسبي فيتسارع أو يتباطأ بتسارع أو تباطؤ الأجسام والظواهر المادية. هكذا العِلم يُحرِّرنا من اليقينيات المطلقة فلا يقينيات في العِلم ما يضمن تطوّرنا المستمر. المبدأ نفسه صادق في ميادين الأدب والإبداع الفني. فالآداب والفنون عمليات تصحيح مستمرة ولذلك تتطوّر. فكلّ عمل فني أو شِعري أو نثري عظيم بإبداعه هو بمثابة تصحيح لِما جاء قبله ولذلك يرتقي عما سادَ في الماضي. وهذا التحليل يُشكِّل بالفعل نظرية نقدية تهدف إلى الإرتقاء عن معايير الإبداع الماضوية.

- أيّ دور للفلسفة في نشر المعرفة الإنسانيّة؟

- الفلسفة تُحرِّرنا من اليقينيات غير القابلة للشك والاستبدال. فكلّ قضية في الفلسفة موضع نقاش ونقد ما يضمن لنا أن نتحرّر من مُسلّماتنا الكاذبة. هكذا للفلسفة الدور الأساس في بناء المعرفة الإنسانية ونشرها لأنها عامل جوهري في إنتاج الحرية. فلا معرفة بلا حرية تماماً كما لا حرية بلا معرفة. فالفلسفة تُقدِّم لنا الحقيقة ألا وهي أنه لا توجد حقيقة مطلقة مُحدَّدة ويقينية ما يستلزم التفكير الدائم واستمرارية الأبحاث العلمية والمعرفية وفي هذا فضيلة كبرى. كما تُقدِّم الفلسفة الأسس المعرفية للحقول العلمية والإبداعية كافة لأنها تهدف إلى تعريف المفاهيم الأساسية كمفاهيم العقل واللّغة والمعرفة فالعلماء الكبار كأينشتاين و"ستيفن هوكنغ" هم أيضاً فلاسفة كبار والعكس صحيح. فمثلاً يقول أينشتاين بأنَّ الله لا يلعب بالنرد والمقصود أنَّ قوانين الطبيعة حتميّة فالكون حتمي بينما يقول "ستيفن هوكنغ" بأنَّ الله يلعب بالنرد والمقصود أنَّ قوانين الطبيعة احتمالية وليست حتمية. وهذا الخلاف خلاف علمي وفلسفي في آن. فالفلاسفة والعلماء مختلفون حيال إن كان الكون حتمياً أم لا. أما السّوبر حداثة فتؤكِّد على أنه من غير المُحدَّد إن كان الله يلعب بالنرد أم لا ولذلك الكون حتمي واحتمالي في آن فقوانينه الطبيعية حتمية في عالَم ما فوق الذرة واحتمالية في عالَم ما دون الذرة. هكذا الجدل العلميّ جدل فلسفي أيضاً. العِلم والفلسفة حقل معرفي واحد وهو أساس قيام أية حضارة. فلا حضارة بلا فلسفة وعلوم. وقياس تطوّر الحضارة هو قياس نمو فلسفاتها وتطوّر علومها. الشعوب التي لا تخوض في الفلسفة والعلوم شعوب بائدة.

- هل يعتقد الأستاذ حسن عجمي أنّ المجتمعات العربيّة قد أدركت المعرفة الإنسانوية؟

- المجتمعات العربية مسجونة بالسوبر ماضوية التي تُحتِّم سيادة الانغلاق ورفض الآخر وحُكم الأنظمة الديكتاتورية وحُكم الجهل والتجهيل. المجتمعات العربية سوبر ماضوية بامتياز لأنها تعتمد فكرة أنَّ التاريخ يبدأ من الماضي ويتجه نحو الماضي وينتهي فيه وأنَّ المستقبل ليس سوى وجوه مشوّهة لماضٍ ذهبي مُقدَّس لا يتكرّر. لذا تسجننا المجتمعات العربية بعقائدها وسلوكياتها الماضوية فيغيب المستقبل كلياً عن الحضور وتغتال عقولنا ومشاعرنا من جراء سيادة الماضي وتقديسه. على ضوء هذه الاعتبارات، المجتمعات العربية لم تدرك المعرفة الإنسانوية القائمة على التحرّر وسيادة المستقبل بل هي قاتلة للمستقبل ولإنسانيتنا من خلال قمعنا بيقينيات الماضي وقدسية هوياتنا الماضوية. المعرفة الإنسانوية تُحرِّرنا فتحقق إنسانيتنا لكونها خالية من اليقينيات المخادعة التي تؤدي لا محالة إلى التعصب والفِتَن. لكن مجتمعاتنا العربية مبنية على اليقينيات الكاذبة كيقين أنَّ الماضي أرقى حضارياً من أي مستقبل جديد وممكن من جراء تقديس الماضي ورموزه. المعرفة الإنسانوية هي التي تُؤسِّس للسلام من خلال تأكيدها على أنَّ فقط المعتقدات التي تبني السلام هي التي تشكِّل معرفة حقيقية كالاعتقاد بأنَّ كلّ البشر يشكّلون إنساناً واحداً لا يتجزأ. فالمعرفة قرار إنسانوي يُتخَذ على ضوء القِيَم الإنسانية كقِيَم الحرية والسلام والمساواة. أما المجتمع العربي فيُقدِّس المعارف الماضوية التي تميِّز بين الأنا والآخر ما جعله مجتمعاً رافضاً للإنسانوية ومعارفها.

- يذكر الأستاذ حسن عجمي في "السّوبر مستقبليّة" أنّ التاريخ يبدأ من المستقبل. لو تفضلتم بتوضيح هذه الفكرة.

- بالنسبة إلى السوبر مستقبلية، التاريخ يبدأ من المستقبل وبذلك تُعرِّف الفلسفة السوبر مستقبلية المفاهيم والظواهر من خلال المستقبل. من هنا تعتبر السوبر مستقبلية أنَّ الحقيقة قرار علمي في المستقبل بينما المعنى قرار اجتماعي في المستقبل. وبذلك تُعرِّف الحقائق والمعاني من خلال مفهوم المستقبل ما يجعلها ظواهر مستقبلية لا تتحقق سوى في المستقبل على ضوء قراراتنا العقلانية والعلمية والإنسانوية. للفلسفة السوبر مستقبلية فضائل معرفية عديدة منها أنها تضمن حريتنا فتضمن بذلك تحقيق إنسانيتنا. فبما أنَّ الحقائق والمعاني قرارات عقلانية في المستقبل، إذن الحقائق والمعاني ليست متحققة في الماضي ما يضمن التحرّر من الماضي وسجونه. والمقصود بأنَّ التاريخ يبدأ من المستقبل هو تحليل الظواهر والحقائق كافة من خلال المستقبل فتحويلها إلى ظواهر مستقبلية قادرة على تحريرنا وتحقيق إنسانيتنا الكامنة في الحرية. بالإضافة إلى ذلك تملك السوبر مستقبلية فضائل معرفية أخرى كفضيلة ضمان استمرارية البحث المعرفي والعلمي بفضل اعتبار أنَّ الظواهر كافة ومن ضمنها الحقائق والمعارف ليست سوى ظواهر مستقبلية لا تتحقق سوى في المستقبل ما يستلزم استمرارية البحث عنها.

- تشهد البلاد العربيّة حراكا شعبيا ملفتا (لبنان، الجزائر، العراق..)، ما قراءة المفكّر حسن عجمي لما يحدث؟

- المُحرِّك الأساسي للتاريخ هو العدالة المُعرَّفة بالقِيَم الإنسانية كقِيَم الحرية والسلام والمساواة. لذلك تهدف كلّ المجتمعات ويهدف كلّ إنسان إلى تحقيق العدالة الأقصى والعُليا. فلا تتحقق إنسانية الإنسان بلا تحقيق العدالة من خلال احترام الحقوق الإنسانية كحق كلّ فرد بالتمتع بالحرية والسلام والمساواة. فغاية الإنسان تحقيق إنسانيته. وبذلك غايته تحقيق العدالة لأنَّ من دونها يفقد الإنسان إنسانيته. من هنا الثورات العربية متوقعة وطبيعيّة لكونها تسعى إلى إحلال العدالة الحقة وتحقيق إنسانية الإنسان العربي. وهي بذلك ثورات على ضوء المُحرِّك الأساسي للتاريخ ألا وهو السّعي نحو تحقيق العدالة وتطويرها. مجتمعاتنا تقتل إنسانية الإنسان لأنَّ العدالة فيها غائبة. ولذا من الطبيعي أن تنشأ الثورات ويولد الحراك الشعبي في عالَمنا العربي من أجل استعادة إنسانيتنا الحقة والحقيقية من خلال بناء دول ومجتمعات مبنية على ضوء مبادىء العدالة كمبدأ الحرية ومبدأ المساواة أمام القانون ومبدأ المساواة الاجتماعية والاقتصادية. ومن المستحيل أن تنجح هذه الثورات في الانتقال بنا من حُكم الطغاة إلى أنظمة ديمقراطية سوى من خلال قبول العِلم والتفكير العلمي والمشاركة في إنتاج العلوم لأنَّ العِلم خالٍ من اليقينيات التي لا تقبل الشك والمراجعة والاستبدال والتي بدورها تسجننا وتؤدي بنا إلى رفض الآخرين ما يناقض أي نظام اجتماعي ديمقراطي. بالعِلم ننتصر وبالعِلم نحيا.

 

حاورته: سعدية بن سالم

 (أكاديمية وأديبة وصحافية تونسيّة)

 

1519  محمد مختاريمحمد مختاري روائي مغربي شاب (23 ربيعاً)، وباحث مجتهد، وناقد قادم بقوة، مُلتهم للكتب بشكل عجيب على اختلاف أنواعها، كشحرور يغرد بها، ومعها... ينحدر من تربة "محمد شكري" الذي يفخر به، لأن "بني شيكر"، أرضه، أنجبت كاتباً عالمياً مثله، ومن سيرة "الخبز الحافي" استلهم أحداث روايته الأولى. وبلغة "الكبار" كتبها رغم حداثة سنه... وإذا كانت الخيل الأصيلة تَبين من أصواتها، فإن عتق محمد الروائي يَبين من تغريدته في "مثل تغريدة منكسرة" الصادرة عن دار الثقافة في حكومة الشارقة، نال بفضلها، عام 2019، الرتبة الثانية لجائزة الشارقة للإبداع العربي - دورة المهرجان 22، عن جدارة... وعشقه للأدب بشكل عجيب، دورٌ في ذلك، وهو أيضاً سبب قوي لقراءة باكورة أعماله...

مرحبا بك في "العرين" سي محمد...

س - ما تضيف عنك، فوق ما قلتُ، مما له علاقة ببني شيكر تحديداً؟

ج- أشكرك، في البدء، سي ميمون، القاص الـمُلهم، على هذا التقديم الباذخ الذي أجد معه نفسي شاعراً بالخجل الشّديد.

يسرّني، جداً، أن أستفتحَ حديثي حول بني شيكر. في هذه القرية الصغيرة، عشتُ، ونشأتُ، وتربّيتُ. لقد كانت بيئة محافظةً تماماً، ومنغلقةً على نفسها، بحكم موقعها، إلى درجة أنّني حين انتقلتُ إلى موقعي الجديد، يومها، لم أستوعب الكثير من السلوكات. في بني شيكر، كانت في ذهني رغبة توسّع (طموحات)، لكنّ الموقع الجغرافي الضيّق، كان ندّي الأوّل. ومع ذلك، فإنّ الذكريات التي أملكُ في هذه القرية، لا تتوقّفُ عن تطعيم لاشعوري في الكتابة.

س - هذا التحرش، إن صح تعبيري، بالرواية قراءة وكتابة هل من سبب قوي له، بحيث يبرر هذا العشق لديك؟

ج- جميل لفظ "التحرّش" هذا. لكن، دعني أخبرك بأنّ الأمر، كلّه، ذو علاقة بالأهواء. لأنني، في البداية، كنتُ أكره الرواية: أعتبرها نوعاً أدبياً مجانياً، لا يمكن للمرء أن يستفيد منها، من جانب علمي. كنتُ دائماً أستبعدُها من اهتماماتي، أوّل عهدي بالقراءة. أضف إلى ذلك، أنّ أولى تجاربي في قراءة الرواية، كانت مُخفقة. إذ إنّ أوّل رواية قرّرتُ أن أقرأها، هي رواية دون كيخوته. وتعرف ترجمة من؟ ترجمة عبد الرحمن بدوي. كنتُ، حينئذ، لا أقوى على تعابيرها. وكمن يستقبح ثمرة شجرة عالية، ازدريتُ الرواية. لكنني ذات يوم، قررتُ أن أقرأ شيئاً آخر، وقد كان "ألف نهار ونهار". هنا اكتشفتُ لذّة السرد، قراءةً. أمّا مسألة أن أكون كاتب رواية، فقد كانت مستبعدةً من ذهني، أكثر مما كنتُ أستبعدُ قراءتها. حدث كلّ شيء في أبريل من 2017، حين قلتُ لأحدهم عليّ أن أكتب رواية. هكذا، ودون أيّ سابق إنذار. وفي شهر يوليوز من العام ذاته، سأبدأُ في كتابة "تغريدتي".

س- لماذا الرواية أولاً وليس القصة، أو الشعر مثلا؟

ج- في الحقيقة، كنتُ أميل إلى كتابة الشّعر. لأنّ المراهقة تعني الحبّ، والحبّ يستردفُ الشعرَ ضرورةً، شعرَ الرومنسية. لكن، بعد ذلك، صرتُ أتيقّنُ من أنّ "الشعر طويلٌ سلّمه"، وقرّرتُ أن أكفّ عن إطلاق تسمية "شعر" عمّا أكتب. وبخاصة، حين صار الجميع شعراء. لكن، مع دراساتي الجامعية، صرتُ أميلُ إلى النقد الأدبي أكثر. ومع الكتابة النقدية، اكتشفتُ أنّ على الناقد أن يعرف، على الأقل، ضعف ما يعلمه المبدع. انكببتُ على القراءة، ودخلتُ إلى متاهة الرواية بالنقد. ولعله ما يفسر أن بعض قرّاء "التغريدة"، يصفونـها بـ"التـمرين النقدي".

س - موضوع روايتك الأولى، ما الجديد فيه؟ وهل راعيت، معه، الشكل أيضاً؟

ج- بما أنّ "التغريدة" روايتي الأولى، فقد كانت المواضيع كثيرة، ومخيفة في الآن ذاته. لقد كنتُ أفكّر بكتابة شيء عن هيمنجواي، بطريقة ما. لكن تراجعتُ عن ذلك في آخر لحظة. حينئذٍ، كنتُ أقرأُ الأعمال الكاملة لشكري. وكان تأثيره ما زال قائماً، حين هممتُ بالتخلّي عن هيمنجواي. شكري كان هدف الكتابة، لكن كيف سأكتُبُ عنه؟ فكّرتُ: بما أنني، الآن، أحاول تعلّم كتابة الرواية، فلمَ لا أستلهمُ شخصيةً، هي الأخرى، تحاول تعلّم كتابة الرواية. لكن، كان السؤال هو: من سيكون المعلّم؟ إنه شكري، وشبحٌ آخر منّي.

أما شكلاً، فلم ترقني، بالمرة، طريقةُ الرتابة في السرد. فضّلتُ أن تكون الرواية عبارة عن شظايا، لا يبدو بينها أيّ علاقة في بادئ الأمر، ووحده القارئ الفطن قادرٌ على أن ينفذُ إلى جمع كلّ تلك الأشلاء.

س - حين قرأت روايتَك في مخطوط، أول مرة، سجلتُ إعجابي الشديد، وتنبأت لها بحظوة.. هل كنتَ جاداً وأنت تكتبها على أساس أن العمل الأول، ليس عندك فقط، غالباً، ما يترنح بالنظر إلى حداثة سنك... بعبارة: كيف اهتديت لموضوع راويتك بهذا الجمال في الطرح؟

ج- عليّ ألا أنسى يومَ أخبرتُك: إني هامٌّ بكتابة شيء عن شكري، فسررتَ بذلك كثيراً. وبعدها، قرأتَ معي النص فصلاً فصلاً، بصبر شديد. قُلتَ لي: إنها رواية جيّدة. لم أصدّق ذلك بسهولة، لسبب واحد: أني لم آخذ الأمر بجدّية. كنتُ أعتقدُ بأن ما كتبتُ، سيبقى حبيس ملفّات الحاسوب، وأنه لا يستأهلُ أن يُنشر حتّى. أمّا موضوع الرواية، وطريقة طرحه، كانا يبدوان لي معقدّين، إلى درجة أن أيّ قارئ سيضجر من ذلك. غير أنني سأكتشفُ، فيما بعد، أنّ جميع طبقات القراء، يمكن أن تقرأ الرواية، بحسب "موسوعتها"، إن سمح إيكو باستعارة مفهومه.

س- أنت تمثل صرعة جيلك، بدليل عنوان روايتك "التغريدة".. كلنا يغرد بطريقته.. ما الوتر الذي ترنمت به بحيث أطربتَ الناس.. لنقُل إنه الرواية، لكن ما اللافت فيها أمام هذا العدد الكبير من الروايات المطروحة في "الطريق"، مثلها مثل أوراق الخريف؟

ج- ربّما يعود السبب، كما أخبرتك سابقاً، إلى شكل الرواية. كما أنّ القارئ، غالباً ما يُستهدف ككيانٍ مُستهلك فقطّ. بينما حاولت "التغريدة" أن تكرّس اهتماماً بالغاً بالقارئ. حتى إنّه إن لم يبذل مجهوداً، باعتباره الـمُنتج الثاني، فلن يتوصّل إلى أيّ رهان، وسيقول، في النهاية، كما ورد في الرواية: "عشنا وشفنا تفاهات".

س- استلهمتَ أحداث "مثل تغريدة منكسرة" من سيرة الكاتب العالمي محمد شكري، واستطعتَ بذكاء أن تقدم، اعتماداً على الخبز الحافي، طبقاً أدبياً شهياً... لماذا محمـــــــد شكري تحديداً؟

ج- سؤال جيّد. سأبدأ بالإجابة عن القسم الثاني من السؤال؛ ثمّ أمضي إلى الأوّل. فبالنّظر إلى أني كنتُ منشغلاً بقراءة الأعمال الكاملة لشكري، فقد كان تأثيره قوّياً. ثمّ لأنّه يشبهني، بطريقة ما، في الاسم، ومكان النشوء، والترحال من المكان الأصلي إلى آخر، (هو من بني شيكر إلى طنجة، وأنا إلى فرخانة: ليس أبعد من شكري). بالإضافة إلى عامل الهوية، الخاصة منها: الأمازيغية، والعامة أيضاً: المغربية.

أما الاشتغال على شكري، فلم يكن مقتصراً على الخبز الحافي، بل على جلّ أعماله الروائية، والقصصية، والسير روائية، ومقابلاته الصحفية: الورقية، والسمعية البصرية... كلّ ذلك من أجل إعطاء صورة متكاملة الصّوى حول هذه الفلتة التي تُدعى: محمد شكري. غير أنّ توظيف هذه النصوص السابقة، لم يكن ساذجاً؛ وإنما مركب تركيباً مرآوياً.

س- يمكن أن أغامر، وأنا لستُ ناقداً، أن ألحظ رغبة "الكل" في "التغريدة"، تُستثار، لديهم، رغبة ملحة في الحكي، بل حتى الأشياء، والأمكنة أيضاً تصرخ: "دوري، الآن، دعني أحكي"... هذه الألسن المختلفة، العاشقة للحكي، تلحف جلساءها، ونحن القراء تالياً، بحكايا كثيرة، أقول كثيرة... ما الخيط الرابط بينها جميعاً؟ أ وليست هذه الكثرة، أو هذا التنوع في استدعاء من يحكي، مثل رغوة الصابون، مِلحاً زائداً، ومبالغاً فيه؟

ج- في احتفاء بالتغريدة في جامعة عبد الملك السعدي بتطوان، قالت الدكتورة سعاد الناصر عن الرواية بأنّها "مضمّخةٌ بلوثة الميتاسرد". لقد كانت محقّة إلى حدّ كبير. تنبثق رغبتي الكبيرة في هذه السرود المتعدّدة، من إحقاق نوع من الديمقراطية السردية في النص. ذلك بأنه لا أحد له الحق في أن يملك زمام الكلمة لوحده. الكلمة مُشاعة بين الناس. للكل الحق في أن يقول ما يريد. لأن الحكايات كثيرة، ولو قُيّض للأشياء أن تحكي، لبهرت الجميع... في روايتي، تـجد لوحة فنية، استطاعت أن تقول شيئاً أيضاً...

س- أيمكن أن أصنف "مثل تغريدة منكسرة" في رواية داخل رواية، داخل رواية؟

ج- يمكن أن نقول ذلك، إذا اعتبرنا ما يقوله النّقد عن الميتاسرد. مع هذا النمط، يخرجُ القارئ بأكثر من حكاية. وهو أمر مقصود بشكل كبير.

س- طيب، هذا العنوان ما اللافت فيه؟ وما هي هذه التغريدة المنكسرة؟ ولماذا غيّرته في آخر لحظة وقد كان "مجنون السرد" حسب المخطوط الذي قدمته لي، أول مرة، قبل الطبع.

ج- صحيح. لقد كان العنوان، سابقاً، "مجنون السرد". وبهذا العنوان، كان يمكن للقراء أن يكونوا على سكّة أخرى. لقد رأيتُ أنّه يفضح، بطريقة ما، ميولي النّقدي. ذلك بأنّ كلمة "سرد" أثيرة عند الشعريين. استقرّ اختياري، في النهاية، وذات لحظة عفوية، على "مثل تغريدة منكسرة". العنوان الذي بدا أنّه بعيدٌ عن متن الرواية، غير أنّ تأمّل رهانات الرواية، ستكشف أن التغريدة المنكسرة تعود إلى شكري. وليس عليك أن تسألني كيف ذلك؟ لأنّ الكرة، الآن، في ملعب القرّاء. أمّا أنا، بحسب الفكرة الغربية المهووسة بالتغييب، ميّتٌ.

س- حدثنا الآن عن جائزتك المُستحقة عن "مثل تغريدة منكسرة"..

ج- بصراحة، لم أكن أعتقدُ، بـجزم، أن تغريدتي سوف تحصل على الجائزة. لكن حدث ذلك ذات صباح باكر، حين اتصلت بي أمانة الجائزة، مخبرة إياي بأني فائز هذا الموسم. لقد شعرتُ بفرحة لا تُتصوّر. ولعل سبب فرحتي يعود إلى أنّ الاعتراف كان ممن لا يعرفونني، ولا أعرفهم. شيء يسوّغ الحديث عن موضوعية من نمط خاص. ذلك بأنني، وقبل أن أتوصل بخبر فوز الرواية، قد أرسلتُها إلى جائزة محلية بوجدة. لم أتلقّ رداً على استلام النسخة أصلاً. أحبطني الأمر، وزاد من ثقتي بأنني كنتُ أعبثُ حين فكرتُ في كتابة رواية. ومع ذلك، فقد حاولتُ أن ألاعب الحظ، فقمتُ بإرسالها إلى جائزة الشارقة للإبداع العربي.

لقد مكنتني الجائزة من الالتقاء بمبدعين من كافة البلدان. وأتاحت لي زيارة القاهرة: التي ما زال مذاق قهوتها المختلف، عالقاً على طرف لساني.

س- ما الذي تغير فيك "إنساناً " و"كاتباً" بعد نيلك لهذه الجائزة المشرفة عن روايتك الأولى "مثل تغريدة منكسرة"...

ج- إذا قلتُ إنّه لا شيء تغيّر، فلن أكون صريحاً تماماً. في الحقيقة، الحصول على جائزة لأوّل عمل أقدّمه، جعلني أفكّر ملياً فيما إذا كنتُ قادراً، حقاً، على كتابة رواياتٍ أخرى. الشعور بالرغبة في اختراق المزيد من العوالم الروائية، هو ما تغيّر فيّ، على نحو من الدقة.

س- بعد الجائزة هل التفت إليك النقد؟

ج- النقد، في المغرب خصوصاً، خفُت كثيراً. هذا إذا استثنينا ما يحدُث على الصُّعُد الأكاديمية. غير أنّ "التغريدة" نالت حصة محترمة من النقد، سواء من النقاد المغاربة أم من النقاد العرب. وكلّ القراءات النقدية التي اطّلعتُ عليها حتّى الآن، كانت مُمتعة، ومُقنعة تأويلياً. ولعلّ الجائزة كانت دافعاً في قراءة التغريدة نقدياً؛ لأنّ ذلك يمثّل مسوّغاً أوّلياً.

س- ثم، هل الجائزة من القوة بحيث يصح الحكم على رواية ما بأنها تستحق القراءة؟ مثلا ما أكثر الروايات الأنيقة، الجميلة التي لا يخطب ودها أحد، وتظل بلا زوج (جائزة)...

ج- أستطيع أن أقول بأنّ الجائزة تحوز قيمة مهمّة على صعيد الجوائز العربية. إنها تعتمد على نقاد، وأكاديميين من بلدان مختلفة، يُشهدُ لهم بالكفاءة في الأدب، والنقد. كما أنّها تعتمدُ شروطاً صارمة في عملية الترشيح للجائزة. يتقدّم لها مبدعون من العالم بأسره. ثم إنّ لها، الآن، أكثر من اثنتين وعشرين سنةً من الاشتغال، وقد حازها مبدعون، هم من هم الآن، وكانت بدايةً موفّقة لمشوارهم في الكتابة الإبداعية.

أمّا الروايات الجميلة "التي تبحث عن زوج"، كما أحسنت التعبير، فغالباً ما تكون ضحية للجوائز التي تضع لائحةً للفائزين قبل أن تعلن عن بداية الترشيح.

س- كتاب مشاهير رفضوا تسلم جوائز أدبية من جهات معينة، وآخرون مهرولون إليها، تسعفهم أيديهم الطويلة وجيوبهم المكتنزة، في ماراتون محموم، من أجل نيلها... ما رأيك أنت في هذا الفيلم، وقد صرت بطلا "ههه".

ج- أذكر أنّ سارتر فعل ذلك يوماً، حين رفض جائزة نوبل. الأمر الذي قام به إبراهيم صنع الله، أيضاً، حين قُدّمت له جائزة حكومية. وفي كلتا الحالتين، ينبع الرفض من قناعات شخصية. غير أنّ هؤلاء الذين يهرولون إليها، تتمثل قيمتهم الإبداعية مقترنة بسمعة الجائزة. فإذا كانت هذه صارمةً، ومشهودٌ لها بالأمانة، فما ضرّ ذلك أن يهرول إليها الكاتب، بحكم غرض مادّي. لكنّ ما يحزّ في النفس، هم هؤلاء الذين ليسوا من الكتابة في شيء، ومع ذلك، من خلال علاقات "خارج نصية"، يحصلون على الجائزة. هذا الصنف الأخير، هو ما يثير كلّ الزوبعة حول الجائزة في العالم.

س- قرأتُ للناقد الفلسطيني حسام معروف ورقة جميلة عن روايتك سماها "مثل تغريدة منكسرة".. محمد مختاري يقدم عرضاً بانوراميا للأحداث ". يقول فيها "حاول المغربي مختاري أن يقدم فكرته من خلال عرض بأسلوبية دوائر الماء... إلى أن يصل إلى عمق العمق". أجدها مصيبة تماماً، النقطة الأولى من الماء من بطلك تنداح، فتتسع عند الثاني، حتى تنفرج على شكل جدول منساب عند الثالث، وهكذا دواليك، في ديباجة حكي مخملي رائع، وصولا للعمق الذي لا يُغرِق بل يغري للغوص بحثا عن صدفات "التغريدة"، ودررها.. ما رأيك أنت في ماء هذه الرواية؟

ج - لقد أُعجبتُ، مسبّقاً، وبشكل شديد، بهذا التوصيف الذي قدّمه الناقد. لأنّ طريقة الحكي في التغريدة، انطلقت من النواة التي أحدثتها "حجرة" في بركة السّرد. هذه الدوائر والموجات الصغيرة، هي ما كان موضوع اهتمامي في الرواية. والقارئ، يحسّ، في أحايين كثيرة، أنّ الرواية ابتعدت عن موضوعها (وهذه ليست، في الحقيقة، سوى دائرة ماء تبتعدُ عن نواتها، لكنها تشكّل جزءاً من التموجات رغم ذلك)، غير أنّه يستشعر، كلما رأى البركة من فوق، أنّ المشهد ما يزال منسجماً. إن حصول الناقد على هذا التوصيف، أثارني بدوري، باعتباري كاتباً للرواية. لأنه، بكلّ صراحة، دقيق جداً.

س - الأسلوب الذي به تبدع يكبر ولا يُطال، بصراحة، "أكبر هو منك"، لك أن تعتبر هذه شهادة مني .. من أي مشتل تقطف أوراقه؟

ج- ما عسى أن يكون مشتل كاتب ما، غير مزيد من القراءة؟ القراءة أهدت إليّ الكثير من الأشياء، من بينها أسلوب الكتابة. أنا مدين لها بحياتي كلّها. ومن هنا، أقول: لا يمكن لكاتب أن يكتب دون قراءة، ولو امتلك ميكانيزماتها. الأمر شبيه باستحالة سياقة سيارة، على الرغم من امتلاك الرخصة، دون بنزين. هناك أشياء لا بدّ من الفروغ منها: القراءة ضرورية، ليس للكتابة فقطّ؛ وإنّما للحياة بأسرها.

س- الرواية الثانية.. متى ترى النور.. وهل ستحصل بها على جائزة أخرى.. ههه

ج - ههه لا، فالأمر ليس مرتبطاً بالجوائز بقدر ما هو متعلّق برهانات شخصية، اجتماعية، فكرية، لا أجد سبيلاً أليقَ إلى تحريرها من قفص صدري، سوى بالكتابة الروائية. حين أكون مستعدّاً لرحلة تستحقّ أن تغويني بعوالمها، حينئذ فقطّ، سأفرح بولادة رواية جديدة. لكنّ ما أنا متيقّن منه حتى الآن، هو أنّني ملزم بكتابة رواية جديدة، "تنضاف إلى أختها"، كما يحبّ أن يقول الشاعر، والأكاديمي: رشيد سوسان.

س- كلمة أخيرة سي محمد..

ج- كلمتي الأخيرة، وكما أقول دائما، باختصار شديد: أرجو أن أكون قادراً على تقديم شيء ذي بالٍ للمجتمع الإنساني.

وأشكرك، سي ميمون، القاص المُلهم، على هذه الأسئلة الاستراتيجية. أقول استراتيجية لأنّك تعرف المواقع التي يجب أن تكون فيها أسئلتك. مع المحبة التي بلا انقضاء.

***

سلسلة "حوارات العرين"

حاوره: ميمون حرش

 

 

عبد الرزاق الربيعييمثل ألشاعر عبد الرزاق الربيعي حلقة مهمة من حلقات شعر الحداثة في العراق وتحديدا الشعر الذي اصطلح عليه نقديا "الجيل الثمانيني"

وما سلط الضوء عليه وجعله محط الدراسات النقدية المتعددة هو امتلاكه لغة خاصة به وعوالم متفردة، ساعياً عبر هذه اللغة وعبر عوالمها الى اقامةِ علاقات جديدة بين المفردة والمفردة من خلال ألصورة الشعرية التي بقدر ما تبدو انها بسيطة وقريبة لقارئها الا انها صعبة التكوين والابتكار ولعل هذا ما يطلق عليه " السهل الممتنع "..

شاعر نوعي، هكذا تقدمه الدراسات النقدية، وهو فعلا بهذا التفرد

حيث يوصف بأنه احد مهندسي الجمال في القصيدة العراقية والعربية، ويشكل حضوره في اي مكان ايقونة ثقافية تستوجب تسليط الضوء عليها .

الربيعي مشهور بغزارة الانتاج الابداعي, لكونه شاعرٌ بالدرجة الاساس ومسرحيٌ وكاتبٌ للاطفال، فضلا عما يكتبه في الصحافة من متابعات نقدية..

كان لنا هذا الحوار الممتع معه ..

-  كورونا وفر لي ماكنت احتاجه

-  خذلت كثيراً وعندما ظفرت مرةً واحدةً سرقها القدر

-  الشاعر يشترك مع الاطفال في الدهشة

-  الكتابة تداهمني حتى في ساعات النوم

ضحى الحداد* بعد حوالي ثلاثة شهور من الحجر الصحي، هل تصالحت مع الوضع الذي فرضه" كورونا"؟

- أنا متصالح معه منذ البداية، وكيف لا اتصالح مع ظرف وفّر لي فرصة ذهبيّة كنت أحلم بها؟

وفّر الوقت الذي كنت أحتاج إليه لإكمال العديد من المشاريع الكتابية المؤجّلة، والقرائية الناقصة، التي كان يحول بين وبين انجازها: السفر، والتكليفات، ودعوات المشاركة في الندوات، والبرامج، والالتزامات الاجتماعية، وكلّ هذه تخفّفنا منها بفضل الحجر الصحي الذي حصّنني من غزوات العالم الخارجي، وأتاح لي فرصة ممارسة الهوايات المحبّبة لدي: القراءة، والكتابة، والتأمّل، ومزاولة المشي ضمن برنامج يومي، داخل محيط البيت، بمتعة عالية

* هل أنجزت عملا معيّنا؟

- بالطبع، لقد شارفت على وضع اللمسات الأخيرة على مجموعتي الجديدة" شياطين طفل الستين"، وكتبت أربعة نصوص مسرحيّة، والعديد من المقالات، التي نشرت ضمن مقالي الأسبوعي في جريدة" عمان"، كذلك أعدت كتابة مسرحيتي الشعريّة "كأسك يا سقراط"

* لماذا تعيد كتابة نص كنت قد كتبته قبل أكثر من ربع قرن؟

- هذا النص له خصوصيّة في كتابتي المسرحيّة كونه المسرحيّة الوحيدة التي كتبتها شعرا، علما بأنني كتبت الفصل الأول منه نثرا، لكن وصلت إلى طرق مغلقة، وكدتُ أن أتوقّف عن كتابتي له، لكن لمعت في بالي فكرة أن أعيد كتابة الفصل شعرا، وحين فعلت، فجأة انفتحت المغالق، وأنجزت كتابته، بعد ذلك قدّم عدة مرات من بينها في أيام الشارقة المسرحية ٢٠٠٤، وأخرجه الراحل محمد شيخ زبير، ثم جرى عرضه في الجزائر وقدّم لأكثر من ٤٠ عرضا للمخرج لحسن بتقة وتقديم فرقة جمعية الرسالة المسرحية، وبدأ عرضه منذ 2017 وقدّم في تونس، والمغرب، وفاز بالجائزة الذهبية كأفضل عرض متكامل في فعاليات الأيام الوطنية الثالثة “عز الدين مجوبي” للمسرح ببلدية عزابة، كذلك عرض في جامعة السلطان قابوس، وكلية التربية بعبري من اخراج وداد البادي وإشراف د.غالب المطلبي، وبعد هذه السنوات فكّرت بنشرها بكتاب منفصل، ووجدت من الضروري مراجعتها، وعند دخلت في أجوائها أضفت الكثير، وعدّلت، والسبب هو أنني كتبت النسخة السابقة لعرضه ضمن فعاليات مهرجان "علي احمد باكثير" في صنعاء ١٩٩٦، للمخرج الراحل كريم جثير، وكنت محكوما بزمن عرض، وبظروف انتاج، وزمن محدّد لانجازه، وقد زالت اليوم تلك الظروف، ، فما الضير من عودتي للنص مجدّدا بخبرة جديدة، لأملأ مساحات كثيرة في النص حتّى لو تحوّل إلى نصٍّ للقراءة فقط؟

* كيف تصف نفسك؟ من هو عبد الرزاق الربيعي؟

- "طفل الستين"، الذي يصرّ على الإمساك بتلابيب طفولته، ويحرص دائما على المحافظة على نظافة روحه، وينقّيها من الشوائب التي تلوّث بيئة وجدانه

* هل عبّرت عن هذه الفكرة في شعرك؟

- بالطبع، فبشكل عام، كتاباتي مرايا عاكسة لما يختلج في ذاتي، من شظايا متناثرة، وأحلام مهشّمة، وآمال تسبح في الأفق، لذا فمن يريد ان يقرأ سيرة روحي سيجدها مدوّنة في نصوصي بشكل غير مباشر، فلغة الشعر تكتفي باللمح، والإشارات، والرموز، وتنطلق من فضاء الخاص إلى العام الأوسع، أمّا عن هذه الفكرة؟، فقد عبّرتُ عنها نص أدرجته ضمن مجموعتي الجديدة" شياطين طفل الستين" :

رغم الأخطاء البيضِ

المنثورةِ في الفودين

ورغم الستّين

مازلتُ برحم الأرض جنين"

إنّه نوع من التشبّث بالماضي، مثلما فعل الشاعر مارك ستراند، عندما تنكر آثار الزمن في مقولته "هذه التجاعيد لا شيء، هذا الشعر الرماديّ لا شيء، أنا الصبيُّ ذاته الذي اعتادت أمّي تقبيله"، هذه المقولة جعلتها مفتاحا من مفاتيح مجموعتي الأخيرة التي حملت عنوان " نهارات بلا تجاعيد"، الصادرة ضمن منشورات الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء، وعن دار "الآن ناشرون وموزّعون" الأردنية

* هل هو هروب من مواجهة الزمن بشكل عكسي نحو الوراء؟

- وفق حركة الزمن، كلّ شيء في الحياة يسير نحو الأمام، شئنا أم أبينا، حتى لو تجاهلنا آثار هذه الحركة على وجوهنا، وأصابعنا، أو أهملناها، أو تحايلنا عليها، لكن أن نهرب منها، فهذا من غير الممكن، لأن وجودها يعني استمرارية دوران عجلتها، يعني الحياة، بكلّ مباهجها، أمّا اللحظة الوحيدة التي يتوقّف عندها الزمن، فهي لحظة الموت، ولم نبلغها بعد ما دمنا أحياء.

* وبماذا تفسّر هذا الانشداد للطفولة؟ الكتابة لهم هذا العالم الجميل والوعر كيف استطعت ان تمطر بقصائدك ومسرحياتك على بذرة الطفولة , لتبرعم بين يديك، ماهو سرك.؟

- الشعر شغب طفولي، والشاعر يشترك مع الأطفال في الدهشة، كلاهما محكوم بالدهشة، والصفاء، ونحن في حياتنا اليومية نحتاج أن نخلع الأقنعة، ونعود أطفالا لنتصرف على سجيتنا لا نخشى أحدا، حتى لو كان الإمبراطور الذي طلب من خياطه أن يصنع له ثوبا، في الحكاية المعروفة، لم يره أحد ، وحين خرج للناس بثوبه الجديد، فأعجب المحتشدون لكن طفلا قال: الإمبراطور عارٍ، نحتاج إصبع هذا الطفل البريء الذي لم يلوث، علما بأنني نشرت كتابين للاطفال قبل صدور مجموعتي الاولى " إلحاقا بالموت السابق"، ونلت جائزة عن قصيدتي " رأيت" في مسابقة نظمتها وزارة الإعلام عام ١٩٨٤، وعملت في دار ثقافة الأطفال سنوات *

ولأنّه أيضا العالم الأنقى، والأكثر صفاء، ومن منّا لا يحب النقاء، والصفاء؟أحيانا تمثل الطفولة صورة من صور الحنين لماض لم تلوّثه تفاصيل الحياة، ولزوجة حاجاتها اليوميّة ، البعض يعتبر هذا الإنشداد حالة سايكولوجية ملازمة من الصعب التخلص منه، لأنها مغروسة في تركيبة الشخصية، ولها منافع عندما ينعكس بياضها على الروح

* وهل لها أضرار؟

- بالطبع، عندما تقترن لدى البعض بالسذاجة، الطفل ليس ساذجا، كما يظنون، دماغ الطفل مكتمل بنسبة ٩٠% عكس بناؤه الجسماني الذي تبلغ نسبته ١٠% !

وهناك من يجعل السذاجة قرينة بالطيبة، يقول صديقي الشاعر عدنان الصائغ:

"تغيرت الدنيا يا (رزاق) ومازالت فيك سذاجة طفلٍ، تدفعك الطيبة أن تنسى مدية خلّك

في ظهرك

يدفعك الحبّ إلى أبعد من شفتيها"

* إلى أين يدفعك الحب؟

- إلى الجوهر، والروح، وجنون القصيدة، إلى الحلم المستحيل الذي يظلّ يدغدغ قلوبنا التوّاقة للجمال، وإذا لم يدفعني إلى شيء، فهذا لا أعتبر حبّا، لأن الحب يرقى، ويسمو بالنفوس، ويجعلها تتجلّى

* وهل وجدت هذا الحب؟

- كثيرا، ولكنّه لم يستمر طويلا

* لماذا وقد كتبت الكثير من قصائد الحب، ولك مجموعة شعريّة كلّها قصائد حب عنوانها: " في الثناء على ضحكتها" ولاتكاد تخلو مجموعة من مجاميعك من قصائد حب؟

- في الفضاءات التي تحلّق فيها طيور الحبّ ترتفع الكثير من فوّهات البنادق ساعية لاغتيالها، وقد نجحت الكثير منها في تصويباتها، وبلوغ أهدافها، لذا، سقطت من حياتي، وذاكرتي الكثير من هذه الطيور مضرّجة بدم القصيدة

*هل الحبّ هشّ لهذا الحدّ؟

- الحبّ الحقيقي لا يكون هشّا حتى لو كانت البنادق شرسة، ومهما كانت الأمواج التي تواجه مركب الحبّ المتهادي فوق سطح ظلام المحيطات عالية، لكنّ الهشاشة تأتي من الخذلان

* هل خُذلتْ؟

- كثيرا، المرّة الوحيدة التي لم أخذل بها، عندما ظفرتُ بحبّ ناصع البياض، لكنّ حكَمَ عليه القدر بالنهاية، فالمرأة التي حلّقت إلى جواري في الفضاء بكلّ صلابة، وقوّة، على مدى حوالي عشرين سنة، جرفتها عاصفة الموت، أعني الراحلة" عزّة الحارثي"، وتفاصيل الوجد، وعاصفة الفقد تجدينها في ديوانيّ" قليلا من كثير عزّة"، و" ليل الأرمل"،" أما الزبد فيذهب جفاء"

* ألهذا بقي الأرمل أرملا كلّ هذه السنوات؟

- نعم، فالحياة المشتركة لاتقوم بدون الحب، وأين هو الحب اليوم؟ مايسمّونه الحب، برأيي الشخصي هو صداقة عاديّة، تعويد، مداومة بين طرفين، وفي الكثير من الأحيان ينتهي بمجرد ترك العادة، أو الانقطاع عنها، أو يسقط بمواجهة أيّ ظرف!! أو مشكلة ، ويمكننا أن نطلق على هذا النوع : وهم الحب، وليس الحب نفسه، وهو السائد حاليا بين كثير من المتحابين، مع تقديري لهم.

* لماذا؟ ما هو الحبّ الحقيقي بالنسبة لك؟

- الحب شيء آخر، هو حالة انصهار كامل، حتى يقول كلاهما للآخر " يا أنا"، كما لدى المتصوّفة، الحبّ الحقيقي يحتاج عمقا، وإيمانا، وتسليما، وتضحية، ومواجهة صعاب، وتحدّيات، وأفضل توصيف له وجدته لدى نزار قبّاني بقوله:

" الحب مواجهة كبرى إبحار ضد التيّار

صلب وعذاب ودموع ورحيل بين الاقمار"

* لنعد إلى الوراء، متى بدأت علاقتك بالقلم؟

- بدأت قبل أن أمسك بالقلم

* كيف؟

- كنا نصغي لحكايات الأهل، في الليالي الطويلة، عن عرائس الأنهار، و" عبد الشط"، والقصور، والنسور، وسرعان ما كنا نرويها لأصحابنا في النهار، فحكايات الليل، في أعراف ذلك الزمان الذي يكاد أن يخلو من المتع، لا تمحوها نهارات الفقراء، فننقلها إلى أصحابنا الذين يشاركوننا بؤس الحياة المادي، وثراءها الحكائي، والجمالي، وعندما تنفذ الحكايات، ويتسرّب الملل لأصحابنا من كثرة تكرار الحكايات القديمة التي تبدأ بلازمة" كان يا ما كان" تأخذنا العزّة بشهوة الحكي، لذا نقوم ببناء علاقات جديدة بين الأبطال، ونسترسل بالكلام، دون رابط، ويوما بعد آخر، أعجبتنا اللعبة، لكن بدأيتسرب الملل للأصحاب الذين لاحظوا عدم وجود خيط سردي، يربط مفاصل الحكايات، فبدت حبكة تلك الحكايات ضعيفة، ثمّ كشفوا اللعبة، وقبضوا علي بالجرم المشهود: " لاتصدقوه، يكذب علينا، هذي مو قصص حقيقية صار يحكي من قلبه"، ويقصدون ب" من قلبه" من خياله، فالقصص ينبغي أن تكون حقيقية، لتُسمع، وكانوا يظنون أن حكايات الجن، والسحر و"الف ليلة وليلة" حقائق لا تقبل الشك!! من تلك " الأكاذيب" اكتشفت عالما غامضا في رأسي لم أعرف اسمه يومها، وهو الخيال!! وقدرتنا على نسج قصص، من تلك المنطقة الغامضة

ثم مرت السنوات، تعلمنا القراءة، والكتابة، واستغنينا عن سماع الحكايات، لأننا صرنا نقرأها، في المرحلة الدراسية الابتدائية، في مدرسة " النهاوند" بمدينة الثورة، أخذ بأيدينا معلم شاب كانت تلك سنته الأولى بالتعليم اسمه" حسين كركوش" هو اليوم صار كاتبا معروفا، ووضع أقدامنا على جادّة الطريق، فبدأت الكتابة بوقت مبكر، وعندما انصرف الأصحاب، صرنا ننشر لنخاطب البعيدين، بدأنا في نشرات الحائط ثم في جربدة " المزمار"، وأول نص نشر لي في جريدة" المزمار" كان في ٣/١/١٩٧٣ وعنوانه

" للوطن نغني" وكانت محاولات بسيطة، تمّ صقلها بالقراءة الكثيفة، وفي الإعدادية شجّعني على القراءة معلم اللغة العربية أستاذ حسن علي ( أبوالغيث) وواصلنا السباحة في بحر الشعر الصاخب، ثم تطوّر الأمر إلى النشر في صحف من بينها" الراصد" و" الفكر الجديد"، وكذلك في " الجمهورية" أواخر السبعينيات، عندما كان الأستاذ نصير النهر مسؤولا عن زاوية تهتم بأدب الشباب، والناشئة، وهكذا واصلنا القراءة، والكتابة والنشر، وصار القلم جزءا لا يتجزأ من أصابعي !

* تطرّقت للقص والخيال عندما يختلط بالكذب.. هل أنت مع مقولة" خير الشعر أكذبه"؟

- نعم، لكن ليس الكذب بالمعنى الأخلاقي، بل بالمعنى الفنّي، التحليق بأجنحة المخيّلة، وهذا ضروري، فالشعر إشارات، ورؤى، وعالم يتعالى على الواقع، قال الأصمعي" الشعر نكد بابه الشرّ، فإذا دخل في الخير ضعف"، ولا علاقة له بالواقع سوى أنّه ينطلق منه، ثم ينقطع عنه، ويسبح في فضاءات الخيال، فهو بناء لغوي قائم على المجازات، والاستعارات، والرموز،، بدليل أنه بدأ على شكل طلاسم، وتراتيل في المعابد

* لكلّ كاتب طقوس في الكتابة، ماهي طقوسك؟ وكيف تكتب؟

- لا طقوس لديّ، سوى طقس الانقطاع الكامل لحظة انبثاق النص من مفردة، أو صوت، أو صورة، أو موقف، ولحظة الانبثاق يلفّها الغموض، فلاوقت محدّد للكتابة الشعرية، ولا مكان ، الكتابة الشعرية تحديدا، تداهمني في كلّ زمان، ومكان، أحيانا حتى في ساعات النوم، وقد حصل معي كثيرا، فأنهض أدوّن ماخطر ببالي، وأكمل نومي، وحين ينقطع الشعر عني لا أقلق، ولا أقسر نفسي على الكتابة متمثلا بنصيحة ريلكه الذهبية"لا تكتب الشعر إلا عندما تشعر أنك ستموت إن لم تفعل"، لكن أحرص أن أكون دائم الجلوس على ضفاف نهر القصيدة.

* ماهي مواصفات النص الجيّد بنظر الربيعي؟

- النص الناجح هو الذي يجعلك متسمّرا أمام كلماته، وكلّما انتهيت من قراءته داهمتك رغبة للعودة من جديد، وتشعر بنشوة تشبه نشوة المتعبد حين يكون داخل صومعة، النص الجيد هو الذي يلامس وجدانك، ويجعلك تشكر صاحبه لأنه وفّر عليك جهدا، اذا كان قطافه بعيدا، عن متناول القصيدة، وتتحسر لأنك لم تكتبه اذا كان قطافه قريبا، ولا تملّ قراءته والشاعر الحقيقي هو من يجعلك تطيل الوقوف أمامه نصه

* من بين أعمالك التي جمعتها بمجلّدين صدرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، ماهي أقرب قصيدة لقلبك؟

- كثيرة النصوص القريبة للقلب، لكن لنص" أصابع فاطمة" مكانة خاصّة، لأنني كتبته بعد عام ونصف من مغادرتي بغداد، ويومها كانت مازالت الجمرة متّقدة، فرميتها على الورق، فكانت" أصابع فاطمة"، ففي هذا النص رسمت خارطة للحنين، استرجعت موروثاتنا الشعبية، طفولتي، التراث الرافديني، كوابيس الحرب، معاناتي في الغربة، وفيه تناصات مع الأغاني الفلكورية ، وملحمة جلجامش، والشعر العربي القديم، واستفدتُ من البناء القرآني في بعض مقاطعه، باختصار " أصابع فاطمة" نص مشحون بالرموز، والدلالات، والسرديّات، وهو أطول نص كتبته، وهذا ليس رأيي فقط، فقد لفت أنظار النقاد، ولوجمعت ماكتب عنه، ربما سأخرج بكتاب

* اقتحمت الأدب من أوسع ابوابه، فلم تترك مجالا الا ولك أثر فيه، أي الأنواع إقرب إلى نفسك؟

- يبقى الشعر سنام الجمل، بين الفنون، ليس لأن " الشعر ديوان العرب" فلم يعد كذلك اليوم، لكن لأنه الفن الأرقى، والأقرب للنبوءات، لذا وصفوا الأنبياء بالشعراء، والسحرة، وهنا أستحضر مقولة تبيّن المكانة الرفيعة التي يحتلّها الشعر وهي " عندما الكلمة تسمو تصبح شعرا"، لذا يلقى الاقرب إلى الروح، فمنه المنطلق، هو المجرّة التي تدور حولها كواكب المجموعة الشمسية

* وأين تضع المسرح؟

- في المرتبة الثانية بعد الشعر، وعلاقة الشعر بالمسرح قديمة، بل أنّ لوركا يقول" المسرح هو الشعر الذي ينهض من الكتاب ويتحوّل إلى بشر"، والمسرح نشأ في أحضان الشعر، منذ بداياته في عصر الإغريق، ويكفي أن اسخيلوس كان شاعرا، وكلنا نعرف أنّ نصوصه المسرحية تعدّ الأقدم في تاريخ المسرح، إلى جانب سوفوكليس ويوربيدس، وسواهما، ومن ثم ظهر شكسبير، وأحمد شوقي، وعلى أحمد بكثير، وعزيز أباظة وصلاح عبدالصبور، ويوسف الصائغ، وعبدالرزاق عبدالواحد، الذي كتب " الحر الرياحي" وعبدالوهاب البياتي ومسرحيته" محاكمة في نيسابور" وحتى نزار قباني كتب مسرحية عنوانها " جنونستان" وعدنان الصائغ "الذي ظل في هذيانه يقظا " وللشاعر خزعل الماجدي مجلد كامل من الأعمال المسرحية، وغير ذلك كثير

* هل هناك علاقة بين الصحافة والادب ؟ كيف جمعت الأمرين؟

- في البداية كنا شغوفين بالصحف، والمجلات، لذا قمنا بتقليدها، مثلما كنا نقلد المسرحيين بتقديم استكشات لأصدقائنا من باب المتعة، فوجدنا أنفسنا نسير بهذا الدرب، ومن ناحية مهنية، فإن أقرب الوظائف للشاعر والاديب : التعليم، ويشمل التدريس الاكاديمي، والعمل الصحفي، فالصحافة تجعل الشاعر، والأديب على تماس مع الأوساط الثقافية، والنشر، لهذا عمل الكثير من الأدباء في الصحافة، لكن للعمل في الصحافة سلبياته، كون أمواج " مهنة المتاعب" العاتية تأكل كثيرا من جرف القصيدة، لذا على الأديب الذي يعمل بالصحافة أن يكون حذرا، مع تقديري

 

حاورته: ضحى الحداد

  

1511  فوكو ودولوزتقديم وترجمة: د. زهير الخويلدي

"ما اكتشفه المثقفون منذ الحملة الأخيرة هو أن الجماهير لا تحتاج إليهم أن يعرفوا. إنهم يعرفون بشكل أفضل وواضح أفضل بكثير مما يعرفون؛ ويقولون ذلك بشكل جيد للغاية."

تقديم: ظلت العلاقة بين الثقافة والسياسة ملتبسة وعنيدة عن كل تحليل تتراوح بين الهيمنة والتبرير وبين الاستخدام والتوظيف وبقيت صلة المثقف بالسلطة متشابكة ومليئة بالتقلبات وتشهد المراوغة والخضوع ولذلك تحتاج في كل مرة الى الاستنجاد بالفلاسفة للتقصي والتدبر والانصات الى الآراء النقدية للثقافة والتشريحية للسلطة وربما الرجوع الى هذه المقابلة بين عملاقين من الفلاسفة الجدد في فرنسا الذين ظهروا بعد انتفاضة الطلاب في 1968 بباريس وهما فيلسوف الاختلاف جيل دولوز وفيلسوف الحفريات ميشيل فوكو هو خير مثال على عمق المقاربة الفلسفية للظاهرة وإمكانية ايجاد مخرج مشرف للطرفين ورسم الحدود بين المجالين ودفع الثقافة الى الالتزام الوجودي وتقييد السلطة بأولوية الحقوق والحريات .

اللافت للنظر أن الساحة الثقافية والمشهد السياسي في المنطقة شهدت تزايد المجادلات الساخنة وكثرة الشتيمة والتشويه والسباب والتراشق بالتهم والسجال عن طريق الشائعات والتخاصم بالاحتكام الى الآراء وافتقدت الى الحوارات الجادة حول البدائل والمقابلات الرصينة بين العقول المفكرة والشخصيات العاقلة.

في هذا الحوار يدور معول التشريح حول ظواهر السجن والمراقبة والمعاقبة والنضال ضد الظلم والحركة الثورية وامكانية التغيير من خلال العمل الثقافي والفعل السياسي ومقاومة الهيمنة العالمية وتحقيق التحرر ويتم التطرق كذلك الى جملة من الأدبيات السياسية التي رافقت المحطات الاحتجاجية في فرنسا والعالم . من المعلوم أن فوكو كتب عن فلسفة دولوز وأن هذا الأخير كتب عن ظاهرة فوكو ولكن استعادة هذا الحوار الثري الذي ترجم في الكثير من المرات الى العديد من اللغات هو محاولة معرفية للتصدي للتسييس المبالغ فيه وللجهل المركب الذي يبدأ يغزو بشدة منذ مدة كل من المجالين السياسي والثقافي، فماهو مفهوم السلطة عند كل من دولوز وفوكو؟ وكيف عرفا الثقافة؟ وماهو تصورهما للعلاقة بين المثقف والسلطة؟ وهل هناك التقاء في الموقفين؟ وأين توجد الفوارق بين الفيلسوفين الجديدين على المدينة؟ وكيف يمكن تفادي الافراط في تسييس الثقافة وزرع الشمولية في السياسية؟ أليس المطلوب هو التعددية والتنوع؟ ماهي الشروط المقترحة للقضاء على التبعية للدول الامبرالية؟ وهل يمكن الحلم بأرض خالية من العنف؟

النص المترجم

ميشيل فوكو:

 قال لي ماو: "سارتر، أنا أفهم جيدًا لماذا هو معنا، ولماذا يلعب السياسة وبأي معنى يفعل ذلك؛ أنت، إذا لزم الأمر، أفهم قليلاً، لطالما كنت تطرح مشكلة الحجز. لكن دولوز، حقا، أنا لا أفهم." أدهشني هذا السؤال بشكل كبير، لأنه يبدو واضحًا جدًا بالنسبة لي.

جيل دولوز:

ربما أننا نعيش بطريقة جديدة في علاقات الممارسة النظرية. في بعض الأحيان تصورنا الممارسة كتطبيق للنظرية، ونتيجة لذلك، في بعض الأحيان، على العكس من ذلك، كضرورة إلهام النظرية، باعتبارها نفسها مبدعة لشكل من أشكال النظرية القادمة. على أي حال، تم تصور علاقاتهم في شكل عملية تجميع، بطريقة أو بأخرى. ربما بالنسبة لنا، يتم طرح السؤال بشكل مختلف. العلاقات بين النظرية والممارسة أكثر جزئية ومجزأة. من ناحية، تكون النظرية دائمًا محلية، وتتعلق بمجال صغير، ويمكن أن يكون لها تطبيق في مجال آخر، بشكل أو بآخر. تقرير التطبيق لا يتشابه أبداً. من ناحية أخرى، بمجرد أن تغرق النظرية في مجالها الخاص، فإنها تؤدي إلى عقبات وجدران واشتباكات تجعل من الضروري أن يتم نقلها بنوع آخر من الخطاب (هذا النوع الآخر الذي الانتقال في النهاية إلى مجال مختلف). الممارسة هي مجموعة من التبديلات من نقطة نظرية إلى أخرى، والنظرية، تتابع من ممارسة إلى أخرى. لا يمكن لأي نظرية أن تتطور دون مواجهة نوع من الجدار، ويستغرق الأمر اختراق الجدار. على سبيل المثال، لقد بدأت بالتحليل النظري لبيئة من الحبس مثل اللجوء النفسي في القرن التاسع عشر في المجتمع الرأسمالي. ثم تأتي إلى الحاجة للأشخاص الذين تم حبسهم بدقة للتحدث عن أنفسهم، ليكونوا بمثابة تتابع (أو، على العكس من ذلك، أنت كنت بالفعل تتابع فيما يتعلق بهم)، وهؤلاء الناس موجودون في السجون، هم في السجون. عندما نظمت مجموعة معلومات السجون، كان هذا على أساس: تهيئة الظروف التي يمكن للسجناء التحدث فيها بأنفسهم. سيكون من الخطأ تمامًا أن نقول، كما بدا أن ماو يقول، أنك ستمرن من خلال تطبيق نظرياتك. لم يكن هناك تطبيق، ولا مشروع إصلاح، ولا تحقيق بالمعنى التقليدي. كان هناك شيء آخر تمامًا: نظام التبديلات بشكل عام، في تعدد الأجزاء والقطع في نفس الوقت النظري والعملي. بالنسبة لنا، لم يعد المنظر الفكري موضوعًا أو ممثلًا أو وعيًا تمثيليًا. أولئك الذين يتصرفون والذين يقاتلون توقفوا عن التمثيل، حتى من قبل حزب، النقابة التي بدورها ستطالب بالحق في ضميرهم. من يتكلم ومن يتصرف؟ إنه دائمًا تعددية، حتى في الشخص الذي يتحدث أو يتصرف. نحن جميعا مجموعات صغيرة. لم يعد هناك أي تمثيل، هناك فقط عمل، عمل نظري، عمل الممارسة في علاقات التتابع أو الشبكة.

ميشيل فوكو:

يبدو لي أن تسييس المثقف كان يتم تقليديًا من شيئين: مكانته كمفكر في المجتمع البرجوازي، في نظام الإنتاج الرأسمالي، في الأيديولوجية التي ينتجها أو يفرضها (ليتم استغلالها)، اختزل إلى بؤس، رفض، "ملعون"، متهم بالتخريب، الفسق، إلخ)؛ خطابه الخاص بقدر ما كشف حقيقة معينة، أنه اكتشف علاقات سياسية حيث لم يدرك المرء أيًا منها. هذان الشكلان من التسييس لم يكنا غريبين عن بعضهما البعض، لكنهما لم يتطابقا بالضرورة. كان هناك نوع "الرجيم" ونوع "الاشتراكي". تم الخلط بين هذين التسييسين بسهولة في لحظات معينة من رد الفعل العنيف من جانب السلطة، بعد عام 1848، بعد الكومونة، بعد عام 1940: تم رفض المفكر، واضطهاده في نفس اللحظة التي ظهرت فيها "الأشياء" في "حقيقتها"، عندما لا يقال أن الملك كان عاريا. قال المثقف الحقيقة لأولئك الذين لم يروها بعد وباسم أولئك الذين لم يستطيعوا قولها: الضمير والبلاغة. ما اكتشفه المثقفون منذ الحملة الأخيرة هو أن الجماهير لا تحتاج إليهم أن يعرفوا. إنهم يعرفون بشكل أفضل وواضح أفضل بكثير مما يعرفون؛ ويقولون ذلك بشكل جيد للغاية. ولكن هناك نظام سلطة يحظر هذا الخطاب وهذه المعرفة، ويحظرها، ويبطلها. قوة لا تقتصر فقط على حالات الرقابة العليا، ولكنها تنغمس بعمق شديد، وببراعة شديدة في شبكة المجتمع بأكملها. هم أنفسهم، المثقفون، هم جزء من نظام القوة هذا، والفكرة القائلة بأنهم عوامل "الوعي" والكلام هي نفسها جزء من هذا النظام. لم يعد دور المثقف أن يضع نفسه "متقدماً قليلاً أو جانباً قليلاً" ليقول الحقيقة البكم للجميع. بل هو بالأحرى محاربة أشكال القوة حيث يكون الهدف والأداة: في ترتيب "المعرفة"، "الحقيقة"، "الضمير"، " الكلام ". هذا هو السبب في أن النظرية لن تعبر، تترجم، تطبق ممارسة، إنها ممارسة. لكن محلي وإقليمي، كما تقول: لا يحسب. حارب ضد السلطة، حارب لجعلها تظهر وابدأها حيث تكون غير مرئية وأكثرها خبثًا. النضال ليس من أجل "الوعي" (لقد مر وقت طويل منذ الوعي حيث اكتسبت الجماهير المعرفة، والوعي كما هو موضوع، تحتله البرجوازية)، ولكن من أجل تقويض واستيلاء على السلطة، بجانبه، مع كل أولئك الذين يقاتلون من أجله، وليس وراء تنويرهم. "النظرية" هي النظام الإقليمي لهذا النضال.

جيل دولوز:

هذا كل ما في الأمر، نظريًا، تمامًا مثل صندوق الأدوات. لا علاقة للمؤشر ... يجب أن تستخدم، يجب أن تعمل. وليس لنفسك. إذا لم يكن هناك أشخاص يستخدمونها، لتبدأ مع المنظر نفسه الذي توقف بعد ذلك عن كونه المنظر، فهو أنه لا يستحق شيئًا، أو أن اللحظة ليست تعال. نحن لا نعود إلى نظرية، نحن نصنع الآخرين، لدينا آخرون للقيام به. من الغريب أنه كان مؤلفًا يمر بمفكر نقي، بروست، الذي قال ذلك بوضوح: تعامل مع كتابي كزوج موجه نحو الخارج، حسنًا، إذا لم تناسبك، خذ - في الآخرين، ابحث عن جهازك الخاص الذي هو بالضرورة جهاز قتالي. النظرية، لا تجمّع، تتكاثر وتتكاثر. إنها القوة التي تعمل بطبيعتها عمليات التجميع، وأنت تقول بالضبط: النظرية بطبيعتها ضد السلطة. بمجرد أن تغرق النظرية في مثل هذه النقطة ومثل هذه النقطة، فإنها تعارض استحالة وجود أقل عواقب عملية، دون انفجار، إذا لزم الأمر في نقطة مختلفة تمامًا. ولهذا السبب فإن مفهوم الإصلاح غبي للغاية ونفاقي. فإما أن يتم الإصلاح من قبل أشخاص يدعون أنهم ممثلون ويصرحون بالتحدث باسم الآخرين نيابة عن الآخرين، وهو ترتيب للسلطة، وتوزيع للسلطة يقترن بزيادة القمع. فإما أن يكون إصلاحًا يطالب به من يهمه الأمر، ويتوقف عن الإصلاح، فهو عمل ثوري مصمم، من أسفل طابعه الجزئي، على استجواب كل السلطة وهرميته. ويتضح ذلك في السجون: يكفي طلب السجناء الأصغر والأكثر تواضعا لتفريغ بليفين للإصلاح الزائف. إذا كان الأطفال الصغار قادرين على جعل احتجاجاتهم مسموعة في روضة الأطفال، أو حتى أسئلتهم ببساطة، فسيكون ذلك كافياً لإحداث انفجار في النظام التعليمي بأكمله. في الحقيقة، هذا النظام الذي نعيش فيه لا يمكن أن يتحمل أي شيء: ومن هنا هشاشته الراديكالية في كل نقطة، وكذلك قوته القمعية العالمية. في رأيي، كنت أول من علمنا شيئًا أساسيًا، سواء في كتبك أو في مجال عملي: عدم جدارة التحدث للآخرين. أعني: سخرنا من التمثيل، وقلنا أنه انتهى، لكننا لم نستدل على نتيجة هذا التحويل "النظري"، أي أن النظرية تتطلب أن يتحدث الأشخاص المعنيون عمليًا نيابة عنهم.

ميشيل فوكو:

وعندما بدأ السجناء يتكلمون، كانت لديهم نظرية السجن والعقوبة والعدالة. هذا النوع من الخطاب المناهض للسلطة، هذا الخطاب المضاد الذي يحمله السجناء أو أولئك الذين يطلق عليهم الجانحين، هذا هو ما يهم، وليس نظرية حول الانحراف. مشكلة السجن هذه مشكلة محلية وهامشية، لأنها لا تقضي أكثر من 100 ألف شخص في السجون سنوياً؛ في فرنسا اليوم، ربما يكون هناك 300.000 أو 400.000 شخص مروا عبر السجن. هذه المشكلة الهامشية تهز الناس. لقد فوجئت برؤية أن الكثير من الأشخاص الذين ليسوا في السجن يمكن أن يكونوا مهتمين بمشكلة السجن، وفوجئت لرؤية الكثير من الأشخاص الذين لم يكن مقدرا لهم سماع هذا الخطاب من قبل السجناء، وكيف في نهاية المطاف سمعت ذلك. كيف نفسر ذلك؟ أليس هذا، بشكل عام، نظام العقوبات هو الشكل الذي تظهر فيه القوة كسلطة بشكل أوضح؟ وضع أحد الأشخاص في السجن، وإبقائه في السجن، وحرمانه من الطعام، والتدفئة، ومنعه من الخروج، وممارسة الحب، وما إلى ذلك، وهذا في الواقع أكثر مظاهر الوهم بالسلطة التي يمكن تخيله. في ذلك اليوم، كنت أتحدث إلى امرأة كانت في السجن، فقالت: "عندما تظن أنني، البالغ من العمر أربعين عامًا، عوقبت يومًا ما في السجن بوضع نفسي على خبز جاف. ما يلفت النظر في هذه القصة ليس فقط طفولة ممارسة السلطة، ولكن أيضًا السخرية التي تمارس بها كقوة، في أكثر الأشكال القديمة، الأكثر طفولية، أكثر أشكال الأطفال. اختزل شخصًا إلى الخبز والماء، أخيرًا، تعلمنا أنه عندما نكون أطفالًا. السجن هو المكان الوحيد الذي يمكن للسلطة أن تظهر فيه في الحالة العارية بأبعادها المفرطة، وتبرير نفسها كقوة أخلاقية. "إنني محق في أن أعاقب، لأنك تعلم أنه من القبيح أن تسرق، أن تقتل ..." هذا هو الأمر الرائع في السجون، لأنه بمجرد أن لا تختبئ السلطة، إنه لا يخفي نفسه، ويظهر نفسه على أنه طغيان يدفع في أصغر التفاصيل، وبسخرية من نفسه، وفي الوقت نفسه فهو طاهر، إنه "مبرر" تمامًا، لأنه يمكنه أن يصيغ بالكامل في الجزء الداخلي من الأخلاق التي تؤطر تمرينها: يظهر طغيانها الإجمالي على أنه هيمنة هادئة على الخير على الشر، والنظام على الفوضى.

جيل دولوز:

وفجأة أصبح العكس صحيحا. ليس السجناء فقط هم الذين يعاملون كأطفال، ولكن الأطفال كسجناء. الأطفال يخضعون للرضع وهو ليس ملكهم. بهذا المعنى، صحيح أن المدارس عبارة عن سجون صغيرة، والمصانع بها الكثير من السجون. عليك فقط رؤية مدخل رينو. أو في مكان آخر: ثلاثة تبول جيدة خلال النهار. لقد وجدت نصًا لجيريمي بينثام من القرن الثامن عشر، يقترح على وجه الدقة إصلاح السجون: باسم هذا الإصلاح العالي، ينشئ نظامًا دائريًا حيث يعمل كل من السجن الذي تم تجديده كنموذج وحيث يمر المرء بشكل غير محسوس من من المدرسة إلى التصنيع، من التصنيع إلى السجن، والعكس بالعكس. هذا هو جوهر الإصلاحية، التمثيل التمثيلي. على العكس من ذلك، عندما يبدأ الناس في التحدث والتصرف نيابة عنهم، فإنهم لا يعارضون تمثيلًا واحدًا حتى عكس الآخر، فهم لا يعارضون تمثيلًا آخر للتمثيل الزائف للسلطة. على سبيل المثال، أتذكر أنك قلت أنه لا توجد عدالة شعبية ضد العدالة، فهي تحدث على مستوى آخر.

ميشيل فوكو:

أعتقد أنه، في ظل الكراهية التي يمتلكها الناس من أجل العدالة والقضاة والمحاكم والسجون، يجب ألا نرى فقط فكرة عدالة أخرى أفضل وأكثر عدالة، ولكن أولاً وقبل كل شيء تصور نقطة مفردة حيث تمارس السلطة على حساب الشعب. إن المعركة ضد العدالة هي معركة ضد السلطة، وأنا لا أعتقد أنها معركة ضد الظلم وضد العدالة ومن أجل تحسين أداء السلطة القضائية. ومع ذلك، من اللافت للنظر أنه في كل مرة كانت هناك أعمال شغب وثورات ومثيرات، كان القضاء هو الهدف، في نفس الوقت وبنفس الطريقة التي كان بها الجهاز المالي والجيش والآخرين. أشكال السلطة. فرضيتي، لكنها مجرد فرضية، هي أن المحاكم الشعبية، على سبيل المثال في وقت الثورة، كانت وسيلة للبرجوازية الصغيرة المتحالفة مع الجماهير للتعافي، واللحاق بالحركة لمحاربة العدالة . وللتعويض عن ذلك، اقترحنا نظام المحكمة هذا الذي يشير إلى العدالة التي يمكن أن تكون عادلة، إلى القاضي الذي يمكنه إصدار حكم عادل. إن شكل المحكمة ذاته ينتمي إلى إيديولوجية العدالة التي هي البرجوازية.

جيل دولوز:

إذا أخذنا في الاعتبار الوضع الحالي، فإن القوة لديها بالضرورة رؤية شاملة أو عالمية. أعني أن جميع أشكال القمع الحالية، المتعددة، يمكن تلخيصها بسهولة من وجهة نظر السلطة: القمع العنصري ضد المهاجرين، القمع في المصانع، القمع في التعليم، القمع ضد الشباب على العموم. يجب ألا نسعى فقط إلى وحدة كل هذه الأشكال في رد فعل على 68 مايو، ولكن أكثر من ذلك بكثير في إعداد وتنظيم متضافرين لمستقبلنا القادم. إن الرأسمالية الفرنسية في حاجة ماسة إلى "حذافة" للبطالة، وتتخلى عن القناع الليبرالي والأب للعمالة الكاملة.

ومن هذا المنطلق تم العثور على وحدتهم: الحد من الهجرة، بمجرد أن يقال أن المهاجرين قد حصلوا على العمل الشاق والجميل، القمع في المصانع، لأنه مسألة يعيدوا إلى الفرنسيين "ذوق" العمل الشاق بشكل متزايد، ومكافحة الشباب والقمع في التعليم، لأن قمع الشرطة يزداد شدة حيث تقل الحاجة للشباب في سوق العمل. ستتم دعوة جميع أنواع الفئات المهنية لممارسة وظائف الشرطة على نحو متزايد الدقة: المعلمين والأطباء النفسيين والمعلمين من جميع الأنواع، إلخ. هناك شيء كنت تعلن عنه منذ فترة طويلة، والذي اعتقدنا أنه لا يمكن أن يحدث: تعزيز جميع هياكل الحبس. لذا، في مواجهة سياسة القوة العالمية هذه، نقوم بعمل استجابات محلية، ونيران مضادة، ودفاعات نشطة ووقائية في بعض الأحيان. لا يتعين علينا أن نجمع ما يتم تجميعه فقط من جانب السلطة والذي لا يمكننا أن نجمعه من جانبنا إلا من خلال استعادة الأشكال التمثيلية من المركزية والتسلسل الهرمي. من ناحية أخرى، ما يتعين علينا القيام به هو إنشاء روابط جانبية، نظام كامل من الشبكات، من القواعد الشعبية. وهذا هو الصعب. على أي حال، لا يمر الواقع بالنسبة لنا على الإطلاق من خلال السياسة بالمعنى التقليدي للمنافسة وتوزيع السلطة، من ما يسمى الهيئات التمثيلية في الحزب الشيوعي أو الجمعية العامة للعمال. الواقع هو ما يحدث بالفعل اليوم في مصنع، في مدرسة، في ثكنات، في سجن، في مركز شرطة. بحيث يتضمن الإجراء نوعًا من المعلومات ذات طبيعة مختلفة تمامًا عن المعلومات في الصحف (وبالتالي نوع المعلومات من وكالة الصحافة للتحرير).

ميشيل فوكو:

هل هذه الصعوبة، إحراجنا في إيجاد الأشكال المناسبة من النضال لا يأتي من حقيقة أننا ما زلنا لا نعرف ما هي القوة؟ بعد كل شيء، لم يكن حتى القرن التاسع عشر لمعرفة ما هو الاستغلال، ولكن ربما لا تزال لا تعرف ما هي القوة. وربما لم يكن ماركس وفرويد كافيين لمساعدتنا في معرفة هذا الشيء الغامض للغاية، وفي نفس الوقت مرئي وغير مرئي، وحاضر وخفي، واستثمر في كل مكان، والذي يسمى القوة. ربما لا تستنفد نظرية الدولة والتحليل التقليدي لأجهزة الدولة مجال ممارسة السلطة وعملها. إنه المجهول العظيم اليوم: من يمارس السلطة؟ وأين يمارسها؟ في الوقت الحالي، نعرف تقريبًا من يستغل، وإلى أين يذهب الربح، ومن يمرر، وأين يعيد استثماره، في حين أن السلطة ... نحن نعلم جيدًا أنه ليس الحكام هم الذين يملكون السلطة. لكن مفهوم "الطبقة الحاكمة" ليس واضحًا جدًا ولا متقنًا. "الهيمنة"، "المباشر"، "الحاكم"، "المجموعة في السلطة"، "جهاز الدولة"، إلخ.، هناك مجموعة كاملة من المفاهيم التي تحتاج إلى تحليل. وبالمثل، يجب أن يكون واضحًا إلى أي مدى يتم ممارسة السلطة، ومن خلال التبديلات التي تصل غالبًا إلى حالات صغيرة من التسلسل الهرمي والتحكم والمراقبة والمحظورات والقيود. حيثما كانت هناك قوة، تمارس السلطة. لا أحد يتحدث بشكل صحيح هو صاحب. ومع ذلك، يتم ممارستها دائمًا في اتجاه معين، حيث يكون أحدهما على جانب والآخر من جهة أخرى؛ نحن لا نعرف من لديه بالضبط. لكننا نعرف من ليس لديه. إذا كانت قراءة كتبك (من نيتشه حتى أحس بالرأسمالية والفصام) ضرورية للغاية بالنسبة لي، فذلك لأنهم يبدو لي أنهم يذهبون بعيدًا جدًا في موقف هذه المشكلة: في ظل هذا القديم موضوع المعنى، المدلول، الدلالة، وما إلى ذلك، وأخيرًا مسألة السلطة، وعدم المساواة في القوى، وصراعاتها. يتطور كل صراع حول مركز معين للسلطة (أحد المراكز الصغيرة التي لا تعد ولا تحصى والتي يمكن أن تكون رئيسًا صغيرًا، وحارس نزل، ومدير السجن، وقاض، ومسؤول نقابي، ومحرر صحيفة). وإذا قاموا بتصميم المنازل، وشجبها، والتحدث عنها علنًا، فهذا صراع، ليس لأن أحداً لم يكن على علم بها بعد، بل لأنه يتحدث عنها، مما يجبر الشبكة معلومات مؤسسية، وتسمية، وقول من فعل ماذا، وتحديد الهدف، هو عكس أول للسلطة، إنها خطوة أولى للصراعات الأخرى ضد السلطة. إذا كانت خطابات مثل تلك، على سبيل المثال، للسجناء أو أطباء السجن تكافح، فذلك لأنهم يصادرون للحظة على الأقل سلطة التحدث عن السجن، الذي تشغله حاليًا الإدارة فقط وزملاؤها الإصلاحيون. . خطاب النضال لا يعارض اللاوعي: إنه يعارض السر. يبدو أنه أقل بكثير. ماذا لو كان أكثر من ذلك بكثير؟ هناك سلسلة كاملة من الغموض حول "الخفي" و "المكبوت" و "غير المعلن"، والتي تجعل من الممكن "التحليل النفسي" بتكلفة منخفضة ما يجب أن يكون موضوع صراع. قد يكون الكشف عن السر أكثر صعوبة من اللاوعي. يبدو أن الموضوعين اللذين واجهناهما كثيرًا بالأمس، "الكتابة ممنوعة" و "الكتابة تخريبية تلقائيًا"، يبدو لي أنهما يخونان عددًا معينًا من العمليات التي يجب شجبها بشدة .

جيل دولوز:

بالنسبة إلى هذه المشكلة التي تطرحها: يمكننا أن نرى بوضوح من يستغل، ومن الذي يستفيد، ومن يحكم، ولكن السلطة لا تزال أكثر انتشارًا، سأضع الفرضية التالية: حتى وقبل كل شيء، حددت الماركسية المشكلة من حيث المصلحة (السلطة تحتفظ بها طبقة مهيمنة تحددها مصالحها). فجأة، واجهنا السؤال: كيف يتبع الناس غير المهتمين، ويتبنون السلطة عن كثب، ويتوسلون للحصول على قطعة منها؟ ربما، من حيث الاستثمارات، الاقتصادية واللاواعية، الفائدة ليست الكلمة الأخيرة، هناك استثمارات الرغبة التي تشرح لماذا يمكن للمرء، إذا لزم الأمر، الرغبة، لا ليس ضد مصلحته، لأن المصلحة تتبع دائمًا وتوجد حيث تضعها الرغبة، ولكن الرغبة بطريقة أكثر عمقًا وانتشارًا من مصلحته. يجب أن تقبل سماع صرخة رايش: لا، لم تخدع الجماهير، أرادوا الفاشية في مثل هذا الوقت! هناك استثمارات الرغبة التي تشكل السلطة وتنشرها، والتي تجعل السلطة على مستوى الشرطي مثل رئيس الوزراء، ولا يوجد فرق في الطبيعة بين السلطة على الإطلاق. أن يمارس شرطي صغير والسلطة التي يمارسها وزير. إن طبيعة استثمارات الرغبة في هيئة اجتماعية هي التي تفسر لماذا يمكن للأحزاب أو النقابات التي سيكون لها استثمارات ثورية باسم المصالح الطبقية  أن يكون لها استثمارات إصلاحية أو رجعية تمامًا على مستوى الرغبة.

ميشيل فوكو:

كما تقول، العلاقات بين الرغبة والسلطة والمصالح أكثر تعقيدًا مما يعتقده المرء عادة، وليس بالضرورة أن أولئك الذين يمارسون السلطة لديهم مصلحة في ممارستها؛ أولئك الذين لديهم مصلحة في ممارستها لا يمارسونها، والرغبة في السلطة تلعب بين السلطة والمصلحة لعبة لا تزال فريدة من نوعها. يحدث أن الجماهير، في وقت الفاشية، تريد البعض أن يمارسوا السلطة، وبعضهم لا يجب الخلط معهم، لأن السلطة ستمارس عليهم وعلى نفقتهم، حتى موتهم، تضحياتهم، مذبحتهم، ومع ذلك يريدون هذه القوة، يريدون ممارسة هذه السلطة.

 لعبة الرغبة والسلطة والمصلحة هذه لا تزال غير معروفة. استغرق الأمر وقتًا طويلاً لمعرفة ما هو الاستغلال. وكانت الرغبة ولا تزال شأنا طويلا. من الممكن أن النضالات التي تدور الآن، ومن ثم هذه النظريات المحلية والإقليمية المتقطعة التي يتم تطويرها في هذه النضالات هي واحدة منها تمامًا، هذه هي بداية اكتشاف كيف تمارس السلطة.

جيل دولوز:

لذا، أعود إلى السؤال: الحركة الثورية الحالية متعددة الأوجه، وليست ضعفًا وقصورًا، لأن مجموعًا معينًا ينتمي إلى القوة ورد الفعل. على سبيل المثال، تعد فيتنام استجابة محلية رائعة. ولكن كيف يمكن تصور الشبكات، والصلات المتقاطعة بين هذه النقاط النشطة غير المستمرة، من بلد إلى آخر أو داخل نفس البلد؟

ميشيل فوكو:

ربما يعني هذا الانقطاع الجغرافي الذي تتحدث عنه هذا: طالما أننا نكافح ضد الاستغلال، فإن البروليتاريا هي التي لا تقود النضال فحسب، بل تحدد الأهداف والأساليب والأماكن وأدوات النضال؛ إن التحالف مع البروليتاريا هو الانضمام إليها في مواقفها، وأيديولوجيتها، واستئناف دوافع قتالها. هذا هو الاندماج. ولكن إذا كان ضد السلطة أن يقاتل المرء، فعندئذ يمكن لجميع أولئك الذين تُمارس السلطة عليهم على أنها إساءة، يمكن لجميع أولئك الذين يدركون أنها لا تطاق أن يشاركوا في القتال حيث هم وبدءًا من نشاطهم (أو سلبي) نظيف. من خلال الانخراط في هذا النضال الذي هو هدفهم، والذين يعرفون هدفهم جيدًا تمامًا والذين يستطيعون تحديد أسلوبهم، يدخلون في العملية الثورية. بطبيعة الحال، حلفاء البروليتاريا، لأنه، إذا ما مارست السلطة كما تمارس، فهي للحفاظ على الاستغلال الرأسمالي. إنهم يخدمون حقًا قضية الثورة البروليتارية من خلال القتال على وجه التحديد حيث يمارس القمع عليهم. لقد بدأت النساء، والسجناء، وجنود الوحدة، والمرضى في المستشفيات، والمثليون جنسياً معركة محددة ضد الشكل المعين للسلطة، والقيود، والسيطرة التي تمارس عليهم. إن مثل هذه الصراعات هي حاليا جزء من الحركة الثورية، بشرط أن تكون جذرية، بدون تسوية أو إصلاحية، دون محاولة تطوير نفس السلطة مع تغيير الملكية على الأكثر. وترتبط هذه الحركات بالحركة الثورية للبروليتاريا نفسها بقدر ما عليها أن تحارب كل الضوابط والقيود التي تجدد في كل مكان القوة نفسها. أي أن عمومية النضال بالتأكيد لا تتم في شكل هذا التجميع الذي كنت تتحدث عنه سابقًا، هذا التجميع النظري، في شكل "الحقيقة". ما يجعل عمومية النضال هو نظام السلطة ذاته، وجميع أشكال الممارسة وتطبيق القوة.

جيل دولوز:

وأننا لا نستطيع أن نلمس أي شيء في أي نقطة من التطبيق دون أن نواجه هذه المجموعة المنتشرة، والتي من الآن فصاعدًا نرغب بالضرورة في التفجير، بدءًا من أصغر ادعاء موجود. وهكذا ينضم أي دفاع أو هجوم ثوري جزئي إلى نضال العمال. "

المثقفون والسلطة "، ميشيل فوكو، القوس، رقم 49: جيل ديلوز، الربع الثاني 1972، ص 3-10.

-4 مارس 1972،  أقوال وكتابات المجلد الثاني نص رقم 106

 

كاتب فلسفي

...................................

الرابط:

http://1libertaire.free.fr/MFoucault110.html

 

 

1505  جاك دريداتقديم وترجمة د زهير الخويلدي

" نهاية الدولة وانقضاء رغبات السيادة ليست للغد، لكنها تعمل في عالمنا. ما لا يمكن التنبؤ به، كما هو الحال دائمًا، هو الزمن أو بالأحرى سرعة هذه الطفرات الحتمية".

تقديم: يفترض انتقال البشرية بعد انتشار فيروس كوفيد 19 في كافة أرجاء المعمورة واصابة الملايين بهذا المرض ووفاة الآلاف من الناس في ظل غياب الدواء وعدم توفر تلقيح ودخول غالبية الدول  في الحجر الصحي الشامل من عالم مابعد 11 سبتمبر الى عالم مابعد الكورونا، ومن هيمنة العولمة المتوحشة عن طريق الآلة الاقتصادية والعسكرية الى تعاون الشعوب على تفكيك العولمة عبر الآلة الطبية الصحية.

لقد تمت ترجمة هذه المقابلة مع فيلسوف التفكيك جاك دريدا للحديث عن نهاية السيطرة الأمريكية على العالم وبداية تشكل أقطاب وقوى اقليمية أخرى وعن علاقته بوطنه الأم الجزائر والفلاسفة الفرنسيين. فكيف قرأ دريدا حدث 11 سبتمبر 2001؟ ولماذا ربط قيام العولمة المتوحشة بالإرهاب الديني؟ وماهو موقفه من الاسلام؟ والى أي مدى تبنى النظرة الاستشراقية والحكم المتحامل على العرب والمسلمين؟ ماذا يقصد بالتفكيك؟ وماهي علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية؟ وكيف طرح السؤال الايتيقي بجدية؟ عن أي سياسة أممية مابعد ماركسية يتحدث؟ وهل يمكن بالفعل بناء مقاومة جذرية للعولمة تنقذ الانساني؟

النص المترجم:

"غنية بما يقرب من ثمانين مجلدًا، أصبح الأعمال الذي طورها جاك دريدا المولود بالجزائر يوم 15 يوليو 1930 والمتوفي بباريس يوم 9 أكتوبر 2004 لما يقرب من أربعين عامًا معترف بها اليوم في جميع أنحاء العالم باعتباره أحد المكونات الأساسية لحداثتنا الفلسفية. "التفكيك"، وفقًا للاسم الذي أعطاه المفكر لفلسفته، يتجاوز الإطار الصارم للدراسة الأكاديمية: تتعلق كتبه بنص أفلاطون ونص القانون الدولي. على أية حال، كلمة مفتاحية: أن تكون منفتحا على ما يأتي، إلى المستقبل، إلى الآخر.

سؤال:

على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، أدت كتبك إلى حفل استقبال يضع نفسه في المجال السياسي. وفقًا لإرشاداتهم، مثل الأعمال التي تفتح أحيانًا على سياسة الصداقة، وأحيانًا على سياسة الذاكرة، أو حتى على سياسة الضيافة. كيف تفهم مصطلح السياسة هذا؟

جواب:

سأرد بالضرورة تخطيطيًا وبرقيًا. إذا اعتبرت رسائلي لفترة طويلة أنها محايدة سياسياً - عندما كانت تحيزاتي اليسارية معروفة - فذلك لأنني كنت دائمًا منتبهةً للسياسة، ولم أكن أعرف نفسي، ولم أكن أعرف ما أردت أن أفكر في القوانين السياسية السائدة. وهذا يفسر لماذا لم أقل كلمة، لفترة طويلة، ضد ماركس، ولكن لم يعد بالنسبة له، في حين بقيت منتبها للغاية لما كان يحدث في هذا الجانب. ومع ذلك، فتحت الفرصة لإتاحة خطاب سياسي يأخذ في الاعتبار عمل التفكيك الذي بدأته. كنت أنتظر أن أكون قادرا على توضيح عملي التفكيكي بمفهوم متجدد للسياسة. ظهر هذا لي فقط في الوقت الذي انهارت فيه الأنظمة الشيوعية المزعومة وعندما تأكدت وفاة ماركس في كل مكان. اعتقدت أنها كانت غير عادلة وضارة سياسيا وخطيرة. إن كتاب "أطياف ماركس" كتاب معقد ومتعدد الطبقات ومتناقض بشكل متعمد، ليس فقط "من أجل ماركس"، بل بطريقته الخاصة أيضًا  من أجل ماركس. منذ ذلك الحين، سعت في جميع أنواع الكتب والخطب والتعاليم إلى التفكير في ما يمكن أن تكون عليه الأممية الجديدة، مع مراعاة العولمة ومشاكل السيادة الجديدة وكل ذلك، في السياسي، ينفصل عن مجري السياسي: الدولة القومية الإقليمية، المرتبطة بشكل أساسي بالجذور الوطنية. إنها مسألة إعادة التفكير، وليس السياسة، ولكن السياسة نفسها، والقانون الدولي، وعلاقات القوة، لتحليل وفهم الهيمنة الأمريكية، والضعف النقدي والمفارق للولايات المتحدة أيضًا، أماكن جديدة وطرق جديدة لتنظيم الحركات السياسية، وعدم التجانس في حركة القوى المناهضة للعولمة والتي ستقرر، على قناعة، بشأن مستقبل "العالم".

سؤال:

عند القراءة، يبدو أن هناك طيفًا آخر يطارد نصوصك، وبعض المفاهيم التي تطورها مثل العدالة، والتسامح، والضيافة: انه الأيتيقا.

جواب:

بطريقة ما، كانت الأسئلة الأيتيقية موجودة دائمًا، ولكن إذا فهم المرء من خلال الأيتيقا نظامًا من القواعد والمعايير الأخلاقية، فلا، فأنا لا أقترح أيتيقا. ما يهمني هو، في الواقع، معضلات الأيتيقا، وحدودها، خاصة حول مسائل الهدية، التسامح، السرية، الشهادة، الضيافة، الحياة - الحيوان أم لا. كل هذا يعني التفكير في القرار: يجب أن يتحمل القرار المسئول وألا يمر فقط بتجربة أو غير قابلة للتجربة. إذا كنت أعرف ماذا أفعل، فأنا لا أتخذ قرارًا، أو أطبق المعرفة، أو أنشر برنامجًا. لكي يكون هناك قرار، يجب أن لا أعرف ماذا أفعل. هذا لا يعني أننا يجب أن نتخلى عن المعرفة: نحن بحاجة إلى أن نكون على علم، وأن نعرف قدر الإمكان. تبقى الحقيقة أن لحظة اتخاذ القرار، اللحظة الأيتيقية، إن شئت، مستقلة عن المعرفة. في وقت "لا أعرف ما هي القاعدة الصحيحة" التي يطرحها السؤال الأيتيقي. لذا ما يشغلني هو هذه اللحظة اللاأيتيقية من الأيتيقا، هذه اللحظة عندما لا أعرف ماذا أفعل، حيث لا توجد معايير متوفرة، حيث لا يجب أن يكون لدي معايير متاحة، ولكن أين يجب أن أتحمل، أتحمل مسؤولياتي، انحرف. على وجه السرعة، دون انتظار. ما أقوم به هو إذن لاأيتيقي وأيتيقي. أنا أتساءل عن استحالة إمكانية الأيتيقا: الضيافة غير المشروطة مستحيلة، في مجال القانون أو السياسة، والأيتيقا حتى بالمعنى الضيق. هذا ما يجب فعله، المستحيل. إذا كان الغفران ممكنًا، يجب عليه أن يغفر ما لا يُغتفر، أي أن يفعل المستحيل. لا يمكن أن يكون عمل المستحيل أخلاقًا ومع ذلك فهو شرط الأيتيقا. أحاول التفكير في إمكانية المستحيل.

سؤال:

تقول "إمكانية المستحيل". هذه هي أيضًا كيفية تعريف التفكيكية. الآن، لا يمكن للمرء أن يفكر اليوم، أثناء قراءة هذا، في الهجمات الإرهابية التي عانت منها الولايات المتحدة في سبتمبر 2001. في كتاب قادم، مفهوم 11 سبتمبر، تكتب أن ما وصل يهدد في نفس الوقت "نظام التأويل، منظومة الأوليات، المنطق، الخطابة، المفاهيم والتقييمات التي من المفترض أن تسمح بفهم وتأويل، على وجه التحديد، شيء مثل" 11 سبتمبر " نريد أن نعود إليكم، في هذا الصدد، أحد الأسئلة التي تطرحونها: "هل يمكننا أن نفجر طبلة أذن الفيلسوف ونستمر في سماعه؟"

جواب:

ربما أود أن أفجر طبل الفلاسفة، دون انفجار الفلسفة. ما يهمني يجب أن يسمع من مكان فلسفي. لكن دعنا نترك ذلك. وبالعودة إلى السؤال الملموس الذي تطرحه، أعتقد أن المفاهيم التي تم التلاعب بها والفعالة في تفسير "11 سبتمبر" هي بالفعل مفاهيم تخضع الآن لتفكيك جذري. ليس تفكيراً نظرياً، تفكيراً عملياً. إنها مستمرة، كما أقول في كثير من الأحيان "ما يحدث": ذريعة الحرب ضد الإرهاب لا تصمد، لأن مفاهيم الحرب والإرهاب نفسها لم تعد قائمة. قال الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في إحدى الجلسات إنه ليس لدينا تعريف دقيق للإرهاب الدولي. ويعني مفهوم الحرب، في القانون الأوروبي القديم، شخصية الأعداء في الدولة وإعلان الحرب بين الدول. ليس هذا هو الحال. لا حرب دولية ولا حرب أهلية. حتى مفهوم "الحرب الحزبية" الذي اقترحه كارل شميت يفتقر إلى الأهمية. إن "الإرهابيين" من نوع القاعدة لا يمثلون دولة (حالية أو افتراضية) ولا إرادة تأسيس أو استعادة دولة. في ما حدث في 11 سبتمبر، لا يوجد شيء مثل ذلك. لقد قيل أن الجهاز المفاهيمي بأكمله الذي نستخدمه عادة لم يعد يعمل: لا الحرب ولا الإرهاب. لكن المعارضات المفاهيمية مثل الوطنية / الدولية، المدنية / العسكرية لم تعد فعالة. يجب إصلاح كل هذا. والتي، ليس لدي أوهام، ستكون طويلة وتدريجية مع تفاوتات واسعة في التنمية، كما كنا نقول في الخطاب الماركسي. نهاية الدولة وانقضاء رغبات السيادة ليست للغد، لكنها تعمل في عالمنا. ما لا يمكن التنبؤ به، كما هو الحال دائمًا، هو الزمن أو بالأحرى سرعة هذه الطفرات الحتمية.

سؤال:

الولايات المتحدة هي ميناء يرحب بكم في كثير من الأحيان. هل هناك أسباب محددة لذلك؟

جواب:

لقد سافرت كثيرًا، وربما كثيرًا، ليس فقط في الولايات المتحدة. أود أن أتحرر من هذه الصورة "الأمريكية"، فهي لا تتوافق مع الواقع. فقط لرغبات أو مصالح القلة. يجب أن نتحدث أيضًا عن جميع القارات وجميع دول أوروبا. كانت السنة الأولى التي قضيتها في الولايات المتحدة، في 1955-1956، مشروطة: تم الحصول على منحة دراسية بفضل مدير المدرسة الثانوية للذهاب إلى هارفارد. ثم عدت إلى الولايات المتحدة بعد ذلك بعشر سنوات، دعيت لحضور مؤتمر رينيه جيرارد. المحاضرة التي ألقيتها في ذلك الوقت، نقدًا لبنية معينة، كان لها تأثير قنبلة هناك. رأينا هناك، بشكل صحيح أو خطأ، الإشارة الأولى لما يسميه الأمريكيون منذ ما بعد البنيوية. لقد دعيت ثلاث مرات متتالية، بفارق ثلاث سنوات. أخيرًا، طلبت مني جامعات ييل، ثم إيرفين في كاليفورنيا ونيويورك، عقد ندوات لمدة بضعة أسابيع، مرة واحدة في السنة. لم يسبق لي أن أمضيت فترات طويلة في الولايات المتحدة، معظم وقتي لا يقضي هناك. ومع ذلك، فإن استقبال عملي كان هناك بالفعل، كما هو الحال في أماكن أخرى، أكثر سخاءً وأكثر انتباهاً، واجهت أقل من الرقابة، وحواجز الطرق، والصراعات مما كانت عليه في فرنسا، هذا صحيح. على الرغم من أن التفكيك كان موضوع معارك ضارية وغاضبة في الولايات المتحدة، فقد كان النقاش أكثر انفتاحًا هناك مما كان عليه في فرنسا، مما ترك لي هوامش أكثر. أخيرًا، شكرًا، أو بسبب تاريخ الجامعة الأمريكية، غالبًا ما نعمل هناك كثيرًا، بشكل جيد وسريع جدًا. على أي حال في البيئات الأكثر دراية لي.

سؤال:

دولة أخرى ميزت وجودك: الجزائر. لقد ولدت وترعرعت هناك. منذ مغادرتك لمدينة الجزائر عام 1949، تجاوزت هذا البلد أزمات اجتماعية وسياسية متعددة. ما علاقتك اليوم بهذه الأرض الأولى؟

جواب:

الدقة أولاً، ثم حكاية. الدقة: حتى تسعة عشر عامًا، لم أكن قد غادرت قريتي أبدًا من ضواحي الجزائر العاصمة، البيار. لم أكن أعرف "المدينة" على الإطلاق. الحكاية: في عام 1996، خصص برلمان الكتاب، الذي شاركت في تأسيسه ونائب الرئيس، إحدى جلساته للجزائر في ستراسبورغ. تم تجميع المتحدثين، قبل ساعة المناقشات، في غرفة. بجانبي شابة جزائرية. تسألني: "هل عشت جيدًا في الجزائر، شارع أوريل دو بالادين؟" - نعم. "في الثالثة عشرة؟" - نعم. "أنا أيضا." تعرف نفسها واكتشفت أنها ابنة الجزائريين الذين غادر والداي شقتهم عندما اضطروا لمغادرة الجزائر. ومنذ ذلك الحين، اضطرت هي أيضاً إلى مغادرة الجزائر بسبب وضعها المزدوج كامرأة ومفكر. لقد نشأت هذه الجزائرية الشابة في المنزل الذي رآني أكبر، حضرت إلى جلسة برلمان الكتاب لمشاهدة الدراما الجزائرية واغتيال المثقفين والتعصب الإسلامي الذي كان يدمر البلاد. أعيش اليوم في هذا التناقض المؤلم: جزائري من المحكمة - مع المعاناة والحنين الذي يفترض (أسمي هذا الحنين) - أعيش في بلد، فرنسا، والذي هو لي أيضًا، من خلال المراقبة، من هنا التاريخ المؤلم للجزائر المستقلة.

سؤال:

بالكاد في باريس، خلال فصولك التحضيرية في لويس الكبير Louis-le-Grand، ذهب إعجابك الأول إلى سارتر و وبرجسون . ومع ذلك، فقد قطعتك رحلتك بعيدًا عن هذين الفلاسفة. كيف تنظر اليهم اليوم؟

جواب:

صحيح أن برجسون كان مبهرًا بالنسبة لي، ومثل كل جيلي، كان سارتر شخصية عظيمة فيلسوفًا وكاتبًا ملتزمًا. كيف أنظر إلى هذه الإعجاب؟ أنا لا أنكرهما. إذا كان لدي الوقت اليوم، والحرية، أود أن أعيد قراءة هذين المفكرين، وأن أعلمهما. ولكن، بينما أشيد بهما - أحاول، حتى في تحليلاتي التفكيكية لتمييز حبي للنصوص - لن أفعل ذلك دون إعادة كتابتها في أصالتها وفي حدودها، تلك الخاصة بالتقليد الفلسفي والمؤسسي الفرنسي . هناك، في برغسون وسارتر، طرق عمل وتفكير وكتابة لا توجد باللغة الألمانية ولا باللغة الإنجليزية، وهي غريبة تمامًا على الأجنبي.

سؤال:

ثم، بين أصدقائك، كان هناك فلاسفة وكُتّاب مهمون: ألتوسير، ليفيناس، بلانشو، وكذلك جيل دولوز وجان فرنسوا ليوتار. الصداقة تتطلب الحوار. هل يمكن قراءة عملك كحوار مع هؤلاء الأصدقاء؟

جواب:

نعم. لكن الحوار - وهي كلمة لا أزرعها كثيرًا - لا يعني أن الكتب، واحدة تلو الأخرى، إجابات أو أسئلة لهؤلاء المفكرين. في الواقع، هناك أكثر من مجرد حوار. وقد تم توجيه بعض نصوصي، خاصة إلى هؤلاء الأصدقاء، ولكن دون جعلها غير قابلة للقراءة للآخرين. حتى مع كتبي على بلانشو أو ليفيناس. لذا، وبنفس الطريقة، فإن شبح ماركس، الذين لا يمكنني تفسيرهم دون أن يسلط الضوء عليهم، يكشفون عن تاريخ علاقاتي بالكامل مع ألتوسير، أي ليس فقط مع ألتوسير، ولكن مع أولئك الذين تمكنوا من تحيط بينما كنا ندرّس في معهد الدراسات العليا، في لحظة العصر الألتوسري، إلى ما تم فعله معه، من حوله: قراءة رأس المال، لماركس، الأعمال التي لم أكن دائمًا د ولكن ليس ضدها. نفس الشيء بالنسبة لديليوز. شعرت بأنني قريب جدًا من أطروحات دولوز، لكني لم أكن لأكتبها مثله: لقد شرعنا وكتبنا بطريقة مختلفة. لقد تأثرت، على سبيل المثال، بمقالته عن نيتشه، لكنني لم أستطع متابعة . كما اختلفت أوديب مضاد مع ما قاله عن أرتو، على الرغم من أنني شاركت اهتمامه في أرتو. أخبرته بالمناسبة، علاقاتنا الشخصية كانت دائمًا ودية للغاية، كما هو الحال مع ليوتار. كان نفس النوع من القرب. كل هذا معقد للغاية، وسوف يستغرق الأمر عدة قضايا إنسانية لتفسيره.

سؤال:

أصبحت إحدى الشذر ات المأثورة لديك مشهورة: "لا يوجد  شيء خارج النص ". إذاء كان كل شيء نصًا، فكل شيء معني بطريقة التفكيك. أليس هذا يتعارض مع تنوع أنظمة فهم العالم التي يكشف عنها تطور العلم؟

جواب:

لقد بدأت منذ أربعين عامًا تقريبًا بتأمل في الكتابة والنص. ما يهمني في البداية، وعلى الرغم من أنني أصبحت "فيلسوفًا" من حيث المهنة، كان الكتابة الأدبية. تساءلت ما هو الكتابة؟ ماذا يحدث عندما تكتب؟ للإجابة، كان عليّ توسيع مفهوم النص ومحاولة تبرير هذا التمديد. "لا يوجد شيء داخلي" لا يعني أن كل شيء هو ورق، مشبع بالكتابة، ولكن كل الخبرة منظمة مثل شبكة من الآثار التي تشير إلى شيء آخر غير أنفسهم. وبعبارة أخرى، لا يوجد هدية لم يتم تكوينها دون الإشارة إلى وقت آخر، هدية أخرى. الأثر الحالي. تتبع وتعقب. وسعت مفهوم التتبع ليشمل الصوت نفسه، مع فكرة إعادة النظر في الخضوع في الفلسفة، من العصور اليونانية القديمة، من الكتابة إلى الكلام (المركزية المنطقية)، وحتى الوقت الحاضر العيش من الصوت (مركزية الصوت). ومع ذلك، وعلى الرغم من الحاجة إلى النقد، فإن التفكيك ليس نقدًا. إنه ليس حكماً تقييماً ولا محاكمة تنحية. ولا هو، لاستخدام كلمتك، طريقة. تفترض فكرة الطريقة مسبقًا مجموعة من الإجراءات المنظمة، قبل تجربة القراءة أو التفسير أو التدريس، بالإضافة إلى إتقان معين. إذا اكتشف بعض الأشخاص تكرارًا معينًا - فهذا ما تشير إليه طريقة الكلمة، أليس كذلك؟ - أسباب التفكيكية، التفكيك ليس طريقة. لا "النقد" ولا "الطريقة"، التي تمر أيضًا عبر التاريخ أو سلسلة من أفكار "النقد" أو "المنهج"، يفسر التفكيك تفسيرات القراءة والكتابة وتحويل النص العام، والتي كلها أحداث. إنهم يجلبون أشياء جديدة، مفاجئة للشخص الذي يختبرها. لا يوجد إتقان للتفكيك، مجرد مقابلة "شيء آخر"، شخص آخر يملي عليك في كل مرة قانون القراءة المفرد، الذي يخبرك بأمر العودة المسؤول، للإجابة على قراءتك. ومع ذلك، إذا لم يفلت أي شيء من النص، فلن يكون النص إجماليًا. بسبب بنية الآثار التي تتكون منها، والتي تفتح على شيء آخر غيرها، لا يمكن إغلاق الكل. ويستثنى من ذلك مجموع النص وإغلاقه واكتماله وفي نفس الوقت قيمة النظام. التفكيك ليس نظامًا، أكثر من كونه فلسفة: إنه يشكك في المبدأ الفلسفي. إنها مغامرة فردية تعتمد بدايتها في كل مرة على الموقف، والسياق على وجه الخصوص، وعلى الموضوع، وجذوره في مكان وتاريخ، والتي تسمح لها، بطريقة ما، بالتوقيع على لفتة التفكيكية ."

مقابلة مع جاك دريدا أجراها جيروم ألكسندر نيلسبيرج، مجلة الانسانية l’humanité  28 يناير 2004

 

كاتب فلسفي

..........................

رابط المقابلة:

https://redaprenderycambiar.com.ar/derrida/frances/evenement.htm

 

1507  هانز جورج جاداميرالحوار الهرمينوطيقي بين الأزمة البيشخصية والكتابة

ترجمة: د. زهير الخويلدي


"هذا المصير الخاص بثقافتنا التكنولوجية وهذا التنظيم التكنوقراطي الذي يمتد بقوة في جميع أنحاء الكوكب، يوقظنا وفي نفس الوقت يجعلنا ندرك الحرية. "

يشكل هذا النص النسخة الأصلية للمقابلة مع هانز جورج جادامير من إنتاج وإلفي بولان وجاك بولان. نُشرت مقتطفات مختلفة على التوالي في لوموند بتاريخ 3 يناير 1995 وفي فرانكفورتر روندشاو بتاريخ 11 فبراير 1995.

 مفهوم الهرمينوطيقا

سؤال:

 إن عملك الفلسفي معروف جيدًا بتطويره لما أسمته "الهرمينوطيقا" منذ البداية. حتى لو وجد الجمهور المتعلم أحيانًا صعوبة في فهم المقصود بهذا، فقد أصبحت الهرمينوطيقا موضوع اهتمام متزايد في المناقشة الفلسفية الدولية في العقود الأخيرة. هل يمكنك أن تخبرنا، برأيك، ما أثار هذا الاهتمام وأشرح لنا سبب تكريس عملك لتطوير الهرمينوطيقا؟

جواب:

بالطبع. كانت المهمة التي حددتها لنفسي في البداية هي تحديد مفهوم التأويل. لقد قابلت التعبير عنها في كتابات الرومانسية الألمانية، ثم في الاستخدامات التي صنعتها المدرسة الظاهرية بها مع هوسرل وهايدغر عندما رأيت فيها صيغة جديدة. يجب أن نضع في اعتبارنا دائمًا أن الكانتية الجديدة التي كانت سائدة في ذلك الوقت بدأت دائمًا من حقيقة: حقيقة وجود العلوم. لقد كانت حجته الأولى والأخيرة. أتذكر التعلم من أستاذي بول ناتورب، الأستاذ في ماربورغ، ما يلي: "ما هو المعطى؟ المعطى هو ما تحدده العلوم. وهكذا تم تضييق النقاش الفلسفي بأكمله ومحدودة بشكل غير عادي. بل إنه لا يزال مرئيًا في منعطف الفكر الذي تبلور بعد الحرب العالمية الأولى تحت اسم الوجودية. كانت نقطة التحول هذه بمثابة رد فعل واستجابة للكانتية الجديدة أكثر من كونها وسيلة فكرية جديدة جذرية. لقد أصبحت أكثر وعياً بهذا الوضع كلما تقدمت في بحثي الخاص وفي الاجتماعات التي أتيحت لي الفرصة للقيام بها. أتذكر بشكل خاص رحلتي إلى مندوزا، الأرجنتين، بعد الحرب العالمية الثانية والاجتماع الذي عقدته هناك مع زملائي الإيطاليين والفرنسيين والإنجليز بعد فترة طويلة من العزلة التي وجدنا أنفسنا فيها في ألمانيا. ما كان مثيرًا للاهتمام بالنسبة لي هو المجموعة الكاملة من الأشياء التي لا يمكنك تطويرها إلا إذا تحدثت مع شخص ما وتبادلت معه بشكل حقيقي. نتمتع في الحوار بنوع من المزايا التي يتعذر الوصول إليها لنقل المعرفة الأحادية والبسيطة، والذي يحدث فقط من خلال فرض حقيقتها. هذه القناعة هي سر التبادل الحقيقي: لا يعيدني الآخرون إلا ما يهمنا. كانت هذه الفكرة غير موجودة تمامًا في ألمانيا في ذلك الوقت، باستثناء الحجة الكاثوليكية واليهودية (أفكر في مارتن بوبر) حيث تم طرحها فقط بأسلوب شبه فويليتي. ولكن في الأوساط الأكاديمية، لم يكن هناك شيء مثل ذلك بصراحة. من هذه الحالة، لدينا نوع واحد فقط من النصب اللفظي. هذا هو المصطلح Vorlesung الدرس1.

إنه أمر لا يصدق بالنسبة لنا اليوم، ولكن عليك أن تعرف كيف تدرك، دون الشعور بالاضطرار إلى استدعاء McLuhan على الفور، ما الذي جلبه تطور العلوم إلى العالم الغربي. عندما تحررت الرياضيات من التعويذة التي استخدموها كعقلانية جديدة ليصبحوا نوعًا من الأدوات لإتقان الطبيعة، كان نوعًا من الحدث الاستثنائي. جاليليو، هذا كل شيء. يكمن العلم الحديث في هذا: فهو يصر على أن اللغة أصبحت أداة هناك. من الواضح أن العكس حدث لما نفعله عندما نتحدث بالحديث.

نقد هرمينوطيقي للحداثة:

سؤال:

هل يمكننا أن نذهب إلى حد القول إن تشوهات الفلسفة تبدأ بهذا الالتزام الحازم لصالح العلم؟

جواب:

نعم، هذا صحيح تمامًا. يجب أن نضع في اعتبارنا دائمًا أننا نتحدث، بعد كل شيء، عن المفاهيم المجردة للغة وأننا قد اكتسبناها في أفق مفهوم العلم الحديث. هذه المفاهيم لا تأتي إلينا من الكلام ومن الحياة نفسها. إذا تحول اهتمامي إلى الفلسفة اليونانية، فهذا يعني إحياء العناصر الإيجابية التي اختفت لنا جميعًا بفضل تدمير هذا العالم لتجربة الاتصال. بالنسبة للسؤال عن ماهية التفسيرية، أود أن أقول أن التفسيرات تكمن في المقام الأول في فهم أننا لا نجد أبدًا كلمات يمكن أن تعبر عن شيء نهائي. لذلك نترك دائما مفتوحة للمتابعة التي ينبغي أن تعطى لملاحظاتنا. لأن هذا هو جوهر الحوار. الحوار، من حيث المبدأ، ليس له نهاية، ولكن على العكس من ذلك يمكن أن تنشأ عناصر جديدة دائمًا، وقد يأتي إلينا دائمًا شيء جديد في الاعتبار، أو، كما نقول بالألمانية، es kann einem etwas اينفالن. كل فكرة جديدة، كل حدس مفاجئ، بهذا المعنى، هو فتح. هذا الاختلاف بين المفهوم الآلي للغة ومفهومها التأويلي عميق للغاية. إذا اقتربت جدًا من الفلسفة اليونانية، لم يكن بسبب الحوار السقراطي الذي فعلته هو: إنه بالفعل شكل أدبي حيث يختلط هذان الجانبان. ولكن دعونا نفكر، على سبيل المثال، في أرسطو. أنا أصر دائمًا: هذه ليست كتبًا نقرأها، لكننا نواجه مواد حوار. عندما نحاول، كعلماء لغة جيدين، استخلاص الموقف الداخلي والنهائي للميتافيزيقيا الأرسطية من هذه الكتب، فإننا نعطي أنفسنا نقطة بداية غريبة تمامًا. لكن ماذا نعرف؟ عندما كشف أرسطو عن انتقاده البدائي لأفلاطون بشكل لا يصدق، فهل كان يعني ذلك بالفعل؟ نحن غارقون في الأدب لفهم ما يعنيه، في حد ذاته، حقيقة أنه لا يمكن لأي رجل من العصور القديمة، قبل أسقف ميلانو (سانت أمبرواز)، أن يقرأ دون التحدث بصوت عال.

سؤال:

لطالما كانت الفلسفة التحليلية غير مبالية بالهرمينوطيقا، حتى في بعض الأحيان معادية. هل يمكن القول إنها تغير موقفها حاليًا وتولي اهتمامًا جديدًا للحوار؟

جواب:

لقد عدت، على حق، إلى القياس الذي نجده في تطور الفلسفة التحليلية والهرمينوطيقا. يتناسب هذا تمامًا مع تجربتي في جامعة كوينز في أونتاريو، كندا. كان هناك قسم يتكون في الأصل حصريًا من فلاسفة تحليليين. دعاني أحد طلابي السابقين في أحد الأيام وكان لدينا نقاش جيد. دعاني مرة أخرى بعد خمس سنوات. نظرًا لعمري والتعب الذي تسببه هذه الأنواع من الرحلات، أجبت بأنني أتيحت لي الفرصة بالفعل للتعرف على زملائه. لكنه أجاب: "لا، ليس لأنهم أصبحوا جميعًا مؤمنين في هذه الأثناء". لماذا؟ لقد فهموا ببساطة أن نفس العلاقة الأصيلة، ونفس الجهد لتحرير أنفسهم من كل البناء النظري، كانت تعمل في شعار الظواهر للذهاب إلى الأشياء وفي الاتجاه الذي اتخذته الفلسفة التحليلية. . وقد تقلص هذا بشكل لا يصدق إلى درجة عدم القدرة على الإشعاع عبر الثقافة بأكملها. هذا لا يعني أن الفلسفة التحليلية لا تتعامل مع الأسئلة الجادة. إن أسئلته خطيرة واستمرت حتى اليوم، حيث يتم استيرادها حاليًا إلى ألمانيا وهذا الاستيراد هو الأحدث هناك. ليس لدي شيء ضده. ولكن ما يبدو لي الأكثر إثارة للاهتمام في هذا الاستيراد هو أنه يضع نهاية للعزلة الثقافية التي تسببت فيها ألمانيا، لأن هذه العزلة تعني أيضًا أن كل شيء جاء من هيجل، وأنه كان الجاني الوحيد وأن كل شيء جاء من التقليد المثالي للألمان. أدركت بنفسي أن الفلسفة التحليلية لها أهداف مشابهة لتلك الخاصة بهذا التقليد وأن الحدود بين التقاليد يجب أن تختفي. لكننا نحن الألمان، للأسف، غير قادرين، ولا الفرنسيين، على القيام بمنعطفات دقيقة للغة الإنجليزية، موضوع الفلسفة. لتحقيق ذلك، يجب على المرء أن يكون على دراية كاملة بتعابير هذه اللغة.

شاعرية اللغات:

سؤال:

أليس تركيز تحليل اللغة على وصف القواعد التي من المفترض أن نتبعها هناك لا يميل إلى تجاهل ما تسمونه البعد الشاعري للغات؟

جواب:

ليس هناك شك في ذلك. أعتقد أن أكثر ما يحرر وأكثرها حيوية في جميع اللغات هو قدرتها الشاعرية، وقدرتها على توليد الحدس الذي يتحدث إلينا حقًا. ما فهمته في الفنومينولوجيا، وقبل كل شيء في هوسرل، هو الشيء التالي: يصف ويعرض الأشياء الأكثر تافهًا بلغة خفية لدرجة أن المرء لديه الانطباع الذي يراه المرء حرفيا ما يدور حوله. أنت لا تحتاج حقًا إلى كلماتك بعد الآن.

أنت تدرك هذا بمجرد أن تفكر في كيفية دخول الفنومينولوجيا إلى الأدب. يمكننا بالفعل لسوء الحظ أن نلاحظ في هذا المجال أننا اقتصرنا عمليًا على الحديث عنه. بالكاد كانت هناك أي آثار حقيقية يمكن أن تنبثق من المدرسة الفنومينولوجية لسبب بسيط هو أن لا أحد يعرف كيف يتغلب على هذا الخطأ في تقدير دور الفلسفة. أحد الأشياء التي أثني عليها هو تمكني من القيام بذلك من خلال الهرمينوطيقا.

السؤال الصالح والوحدة الفلسفية للعقل:

سؤال:

أنت تتحدث عن التشوهات الأساسية التي مرت بها الفلسفة. ما هي بالضبط؟ هل يجب فهم الهرمينوطيقا كوسيلة للفت الانتباه إلى هذه التشوهات والسعي إلى تحريرها؟ هل هذه هي الطريقة التي يجب أن تقرأ بها كتابك الحقيقة والمنهج2؟

جواب:

يكمن أحد التشوهات الحاسمة التي أدخلتها الحداثة في الفلسفة في فصل المبدأ الذي تم طرحه بين العقل النظري والعقل العملي. ظهر هذا لأول مرة في أرسطو، بطريقة يفهمها أرسطو، بالطبع، بطريقة أكاديمية للغاية. كانت مشكلة سقراط لا تزال محايدة فيما يتعلق بهذا الفصل بين السبب النظري والسبب العملي. ولكن إذا كان المرء يتساءل عما كان يفكر فيه الإغريق، ولا سيما سقراط، عندما سألوا أنفسهم سؤال الخير، فمن الواضح أن هذا الفصل لا يوجد هناك على وجه التحديد. إن تحطيم نظام العالم من جهة، والسعي من جهة أخرى لإرساء النظام في عالمنا البشري كانا معاً نفس المهمة. ولهذه المهمة يجب أن نعود للتغلب على كل هذه التشوهات المستمدة من الحداثة. هذه بالتأكيد واحدة من النقاط التي تعلمت فيها شيئًا من أرسطو، على الرغم من أن أرسطو لم تعالج هذا السؤال مباشرة بنفسها. تحدث عنها فقط من حين لآخر وبشكل غير مباشر، على سبيل المثال عندما تساءل عما تفعله الآلهة بالفعل. كانت هذه الآلهة بالنسبة له "كائنات نظرية بحتة". ولكن ما هو "الوجود النظري البحت"؟ هذا يعني أنهم يكرسون أنفسهم بكل كيانهم للمهمة التي يغمرون أنفسهم بها والتي أمامهم أعينهم. هذا له أهمية عملية كبيرة. كلنا نختبره أكثر أو أقل عندما نشعر بأننا باحثون. إن عبارة "باحث" مضللة بعض الشيء، بالنظر إلى دلالاتها الجغرافية والسيرة الذاتية، التي تعطينا الانطباع بأن القارات المجهولة ما زالت تنتظرنا. الأمر ليس كذلك حقًا، ولكن هناك دائمًا سؤال حول ما إذا كنا قادرين حقًا على أخذ رأي الآخرين على محمل الجد. الآن لم يكن هذا ما كان عليه قبل كل شيء بالنسبة لهيجل عندما سعى للإجابة على السؤال: ما هي الثقافة؟

الحوار بين الثقافات عن مستقبل العالم:

سؤال:

هل اللقاءات والحوارات التي تتكاثر اليوم بين الثقافات المختلفة لعالمنا لا تخلق ظروفًا جديدة من التفاهم المتبادل حيث يمكن أن تتطور طرق التفكير الجديدة؟

جواب:

تضع إصبعك على ما أعتبره نهاية نهاية الهرمينوطيقا. لأنه ليس من العار بالضرورة أن يفكر الآخرون بشكل مختلف عني. قد يكون مكسبًا. ربما هكذا نفتح الآفاق لبعضنا البعض. أعتقد أن المساهمة الدنيا التي يقدمها كل شخص لثقافة العالم تكمن في النهاية في ذلك.

وغني عن القول أنه لا يمكن جعلها هدفًا نهائيًا بشكل مباشر، ومع ذلك، أود أن أقول، لا يزال أمام أوروبا الكثير لتتعلمه يومًا ما لتكون قادرة على إقامة هذا النوع من مجتمع الحوار. لكن العالم ككل سيفعل ذلك في النهاية لأنه سيضطر إلى القيام بذلك. وللمرة الأولى، في الواقع، تجد جميع الثقافات العظيمة في العالم، بما في ذلك تلك التي تأتي من ديانات أخرى غير ديانتنا، نفسها، إذا جاز التعبير، متحدة مع بعضها البعض في الاقتصاد العالمي. لذا علينا أن نتعلم كيف نتعايش مع بعضنا الآن. لم يكن الأمر كذلك من قبل. اليوم نحن معجبين بالزميل الياباني الذي تمكن من إيجاد نفسه في عالم مفاهيمنا. لكن هذا لن يكون كافيا، حتى الآن، لقيادةنا خارج لغتنا وخارج القضبان المفاهيمية الخاصة بنا. ربما، على الأكثر، سيكون قادراً على أن يرينا، بطريقة بارعة، الطريقة التي نعبر بها عن أنفسنا عندما نحاول الخروج من أنفسنا دون أن نتمكن من التفكير بشكل منتج. وهذا بالطبع ينطبق على كلا الجانبين. إن الخروج من هذا الوضع سيكون بلا شك مهمة للعالم بأسره، إذا لحسن الحظ، تمكنا من تقديم الحلول المناسبة للمشاكل البيئية وكذلك تلك التي تفرضها منظمة العالم. لكن ما سنحتاج إلى تعلمه أكثر وأكثر هو أن الآخرين موجودون، وأنه أيضًا يرىنا كأخر. ربما سيتعين علينا قبول المزيد والمزيد من التعايش الحقيقي بين اللغات المختلفة. لطالما ناضلت معنا في ألمانيا للدفاع عن فكرة أنه ينبغي أن نكون قادرين على إدارة التحدث بلغة ثانية بنفسك إذا أردنا أن نكون قادرين على الوصول إلى فهم حتى عندما تفشل جميع الترجمة، فمن وهذا يعني في مجال الشعر.

هالة الحقيقة الخاصة بالفن الشعري والتواصل:

سؤال:

الحوار الذي تسعى إليه الهرمينوطيقا لا يهدف في المقام الأول إلى مشاركة هذه القوة من إيقاظ الحدس، خاصةً باللغة واللغة المتأصلة في أول تجربة شاعرية، لأنها تجعلنا دائمًا تغلب بالفعل على الانقسام، الموروث من الحداثة، بين العقل المعرفي، العقل الأخلاقي والعقل الجمالي؟ ألا يبقى التواصل الشاعري، من هذه الزاوية، النموذج الذي تسعى كل الاتصالات إلى الاقتراب منه؟

جواب:

هذا مؤكد. من ناحيتي، أعتقد أن هذا هو الحال بالفعل عندما تشعر أنك على الأقل في المنزل بلغة ما. لقد حاولت دائمًا التعرف على الحقيقة المتأصلة في تجربة اللغة الشعرية والفن بشكل عام وكذلك في التأويلات للتواصل. تعتبر الموسيقى، من هذا المنظور، على سبيل المثال، أحد الوعود الأساسية للمستقبل. انفتح العالم الآسيوي ومعه العالم كله على الموسيقى الكلاسيكية الغربية ويعيش في هذا الكون.

هذه ظاهرة فشلت من ناحيتي في فهمها إلى أقصى حد، وربما لا يوجد أحد يمكنه القيام بذلك. ولكن هناك المزيد. نحن لا نعيش فقط عليه. وغني عن القول أننا نحاول أيضًا التغلب عليها من خلال الشروع في المغامرات الموسيقية الأكثر جرأة. يبدو لي أن سر كل الفن يكمن هناك: ما نسميه "التقدم" هو دائمًا شكل من أشكال العودة. هكذا تُكشف لنا الأشياء الجديدة باستمرار. دعونا نفكر، على سبيل المثال، في النحت الأفريقي الذي تعلمنا أن نجده رائعًا في بداية هذا القرن. إذا تجرأ شخص ما على الإعراب عن إعجابه به قبل قرن من الزمان، لكان قد أُعلن عن جنونه وحبسه في اللجوء. أعجبتني حالة الموسيقى بشكل خاص، لكنني أعترف أن الشيء نفسه ينطبق على الرسم. لقد أعطتني باريس الفرصة لتجربتها. بعد سنوات عديدة، أتيحت لي الفرصة، في عام 1993، لقضاء بضع ساعات هناك مرة أخرى في المتاحف. وكما يحدث غالبًا في باريس، بعد أن مررنا بمجموعة غنية للغاية، نأتي إلى أحدث التطورات في الفن التصويري. نبدأ بالدهشة. علينا أن نجمع أنفسنا معًا حتى نتخلل، فعندما نعود، فإن الفن السابق هو الذي يجعلنا نبدو شاحبين بشكل غريب. كل هذه المسارات يمكن أن تسافر بطريقة أو بأخرى. هذه هي مسارات الفن، الامتياز الحقيقي للفن. إن تزامن التجربة التي يعرف كيف يغرسها في نفسه يكتسب هنا قيمة جديدة بالكامل. إنها تساوي تقريبا القيمة التي يدعيها الدين، لها قيمة الوحي.

سؤال:

إذا تُركت الحياة اليومية والاجتماعية لنفسها، فإنها يمكن أن تصبح عملًا فنيًا، ولكن يمكن أيضًا أن تتضرر في حطام السفن الثقافية التي أصبحت شائعة عندما يستغل المرء بشكل أعمى الفتوحات العلمية والتكنولوجية المعاصرة من أجل أهداف تتعارض مع أخلاقيات التفاهم المتبادل. أليست التفسيرات عاجزة عن وقف كوارث الحضارة هذه؟

جواب:

هذا المصير الخاص بثقافتنا التكنولوجية وهذا التنظيم التكنوقراطي الذي يمتد بقوة في جميع أنحاء الكوكب، يوقظنا وفي نفس الوقت يجعلنا ندرك الحرية. هناك مثال جيد للغاية في هذا الصدد، ويسعدني استخدامه. تم إعطائها لي من قبل كتاب والتر بنيامين الأثر الفني  في وقت إعادة إنتاجه الفني 3. يسعى المؤلف إلى إظهار أنه في العالم الحديث، يحدث تجانس اجتماعي جديد. ويرتبط هذا بنظام عقلاني جديد في العالم الاجتماعي. يخبرنا أن هذا الأخير يمكن أن يحدث الآن فقط عن طريق إعادة إنتاج نفسه لأن الهالة الخاصة بالفن ستختفي هناك. هذه نبوءة رائعة عكس ما يحدث، لأن ما نراه هو أننا نشعر بهذا الهالة مرة أخرى. في كل مكان نرى الناس يندفعون قبل النسخ الأصلية، على الرغم من كل غزو النسخ التي يمكننا رؤيتها. كان يجب أن يفهم كل منهما الآخر، هذه هي الأخبار السارة. شاهد هؤلاء الزوار الذين يتأخرون لمدة ربع ساعة أمام لوحة غيرنيكا. لماذا يبقون هناك لمدة ربع ساعة إن لم يكن لأنهم يشعرون بهذه الهالة؟ لماذا يجب أن يستمروا إذا لم يشعروا أنه حتى ما هو مجزأ في حياتنا يمكن التعبير عنه من خلال هيئة التدريس التفاهم لدينا؟

لقد اختبرت بنفسي، أينما كنت، الأهمية القصوى للحفاظ على هذا الانفتاح. أنت تحافظ عليه حقًا فقط من خلال إدراك العجز الجذري الذي ستحصل فيه دائمًا على الكلمة الأخيرة. هذا هو كل ما يدور حوله التأويل. وهو يتألف من معرفة هذا الشيء البسيط بلا حدود: الكلمة الأخيرة، حسنًا، لا، لا أريد الحصول عليها."

(هايدلبرغ، 15 نوفمبر 1994)

 

...............................

الاحالات والهوامش:

1- ملاحظة المترجم: مصطلح Vorlesung يعني "الدرس"، "المحاضرة"، ولكن معناه الاشتقاقي يشير إلى فعل قراءة خطاب أمام الجمهور.

2 - راجع هانس جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، باريس، طبعة سوى، ترجمة اتيان صقر وبول ريكور،  1973. ترجمة جديدة بقلم جان غروندان وبول فريشون، باريس، طبعة سوى، 1995.

3 - الترجمة الفرنسية للعمل هي لموريس دي وندياك في الإنسان، اللغة، الثقافات، باريس، دونيل، 1971، صفحة 45 وحاشية.

الرابط:

https://journals.openedition.org/germanica/1344

المصدر الورقي:

Hans-Georg Gadamer, Elfie Poulain et Jacques Poulain, « Interview de Hans-Georg Gadamer. Le dialogue herméneutique entre crise interpersonnelle et écriture (Heidelberg, 15 novembre 1994 », Germanica, 22 | 1998, 183-193.

المصدر الالكتروني:

Hans-Georg Gadamer, Elfie Poulain et Jacques Poulain, « Interview de Hans-Georg Gadamer. Le dialogue herméneutique entre crise interpersonnelle et écriture (Heidelberg, 15 novembre 1994 », Germanica [En ligne], 22 | 1998, mis en ligne le 30 janvier 2012, consulté le 10 mai 2020. URL : http://journals.openedition.org/germanica/1344 ; DOI : https://doi.org/10.4000/germanica.1344

كاتب فلسفي

 

 

فاديا سلومحسني التهاميبينَ أرضِ الكنانة وياسمينِ الشام عشقٌ أبديٌ منذ أن وُلد أخناتون من أم شامية فينيقية. إذاً التاريخُ واحد والآلامُ والمعاناةُ واحدة، كيف لا وقد خُضنا نفسَ المعارك وتقاسمنا الشدائد والمحن.

مُقدمتي هذه للترحيبِ بشاعرٍ ومترجم من أرض الكنانة العظيمةِ الأستاذ الكبير الأديب حسني التهامي. فللكلمةِ عنده وقعُها، هو لا يعبثُ بالكلمات، يصوغُ حروفَه من تبرٍ ويشكلُها قطعةً فنية. يكتبُ الهايكو، وله دراساتٌ عدة في هذا اللون الشعري. له أيضا ترجمات راقيةٌ عن الانجليزية لشعراء من شتى أقطار العالم. وهو أيضاً رئيسُ منتدى هايكو مصر. أهلا وسهلا بك 

س1- بدايةً هل يمكنُ الفصلُ بين تاريخِ الأدب وتاريخِ اللغة لأي حضارة؟

 -شكراً لك صديقتي الشاعرة المبدعة فادية سلوم على الترحيب، وعلى هذهِ الأسئلةِ المُهمة التي تفتحُ أمامنَا أفاقاً لمناقشة بعض القضايا المُهمةِ و المطروحةِ على الساحةِ الأدبية في عالمِنا العربي. 

حقيقةً لا يُمكنُ الفصلُ بين تاريخِ الأدبِ واللغة، حيثُ يلعبُ الأدبُ دوراً محورياً ومُهماً في رُقي اللغةِ والحفاظِ عليها، من خلالِ الأشكالِ الفنيةِ الإبداعيةِ المختلفةِ كالشعرِ والقصة والروايةِ والمسرحيةِ بنوعيها شعريةً ونثريةً. كلُ هذه الأشكال الأدبيةُ تعملُ على تطورِ اللغةِ، كي تتماشى مع روحِ العصر. فالأدبُ مرآةٌ صادقةٌ لأي حِقبةٍ زمنيةٍ، والأديبُ دائماً يَحملُ على عاتِقه مسئوليةَ تنميةِ الوعي بأهميةِ اللغة، وهو أيضاً يُساهمُ في تطوير وابتكارِ ألفاظٍ جديدةٍ في اللغة. ولا يُمكن للغةِ أن تتطورَ إلا من خلالِ أنساقٍ أدبيةٍ متنوعة. واللغةُ في الأساسِ هي الحاضنةُ الأولى لأيِ عملٍ إبداعيٍ،وهي وعاءُ الفكر والثقافةِ ومرآةُ الحضارةِ الإنسانية. وأيُ عملٍ إبداعيٍ فريدٍ لا يبرزُ تفردُه ولا توهجُه إلا من خلالِ سياقٍ لغوي.

وإذا نظرنا إلى تاريخِ اللغةِ العربيةِ، وجدنا أن الشعرَ - الذي كان يُطلق عليه ديوانُ العرب - كان يحملُ لواءَها و يعبرُ عن همومِها ويشكلُ جمالياتِها. ونزولُ القرآنِ بلسانٍ عربيٍ حافظٌ أبديٌ للغةِ العربية وعاملٌ أساسيٌ لنقلِ هذه اللغةِ على شفاهِ غير الناطقينَ بها من بلادٍ شتى في العالم.

 س2- أستاذ حسني: هل أصبح الهايكو مالئ الدنيا وشاغل الناس، وهل لقصيدة الهايكو مستقبل في الأدب العربي؟

- وصلتْ قصيدةُ الهايكو العربيةُ إلى عالمنِا العربي متأخرةً عن طريق ترجماتِ نصوصٍ عن الانجليزية، وليست عن اللغة المصدر، فأتت سطحيةً وغيرَ دقيقة وابتعدتْ عن روحِ النص، ربما لأن من قام بترجمتِها لم يكنْ على درايةٍ كافيةٍ بطبيعة هذا الفنِ التأملية. وأولى الترجمات الجادة لها كان في مقالة مترجمة - لدونالد كين الأستاذ بجامعتي كيمبردج وكولومبيا - عن الشعر الياباني نشرتها مجلةُ "عالم الفكر" الكويتية عام 1973 (المجلد الرابع، العدد الثاني)، وبدأتْ تتسعُ رقعةُ هذا النمطِ الشعريِ القادمِ من اليابان على خريطةِ عالمنِا العربيِ، وأصبحَ يستهوي عدداً كبيراً من المبدعين، إذ وجدوا فيه مناصاً من قيودِ القصيدةِ الكلاسيكية وقفزةً جديدة على قصيدةِ التفعيلةِ وقصيدة النثر. إن رغبةَ هؤلاءِ الشعراءِ في أن يرتادوا حقولاً جديدةً تضيفُ إلى تجربتِهم الإبداعيةِ، وإلى الشعريةِ العربيةِ أيضاً كانت دافعاً نحو تبني قصيدةِ الهايكو اليابانية، كما أن هذا النوعَ المختزلَ والمكثفَ يتماشى مع روحِ العصرِ المُتسارع الذي يعيشونَ فيه ويتأثرونَ به. 

يذهبُ شعراءُ الهايكو العربيِ مذهبين: الأول ظل أسيرا لخصائصِ الهايكو الكلاسيكي، ولا زالوا يلبسون عباءة باشو وغيره من شعراء الهايكو الأوائلِ من خلال تقليد ألفاِهم وأفكارهم، بينما رأى أنصارُ النوعِ الثاني ذووا النزعة التجديديةِ أن ينطلقوا بعيداً عن الأنماط التقليديةِ، وتناولوا الواقعَ الحياتيَ بتفاصيله ودقائقِه المتشابكة مع الاحتفاظ بعنصر المشهدية وهو الأساس في الهايكو. لربما بدأ شعراءُ النزعةِ التجديدية كتابة الهايكو بشكله التقليديٍ، ثم رأوا أن يُضيفوا شيئاً جديدا إلى هذه التجربة اليابانية شكلاً ومضموناً، وهذا ما سيتكشَّفُ لنا بعد مُضي حقبةٍ من التجريبِ والإبداعِ في هذا اللون.

كثرتْ تدريجياً منتدياتُ الهايكو العربية التي اجتذبت كُتاباً وعُشاقا لهذا النمط الجديدِ في الساحة الشعريةِ وساعدَ على ذلك مواقعُ التواصل الاجتماعي التي سهلتْ نشرَ أعمالِ الشعراءِ وتواصلِهم مع بعضهم البعض. ومن أشهر هذه المنتديات منتدى "عشاق مصر"، "الهايكو سوريا"، "نادي الهايكو العربي"، "الهايكو الحر"، "هايكو المجاز والتأويل"، "نبض الهايكو"و"هايكو مصر ". ورغم اختلافِ منظورِ هذه المنتديات للهايكو وتعاطيهم له، لم يكن هذا الاختلافَ عائقاً في تمددِ بقعة الضوءِ التي أتى بها هذا القادمُ الجديدُ إلى خارطةِ الشعريةِ العربية. لكن ما يُؤخذُ على بعض هذه المنتدياتِ حرصُها على اجتذابِ أكبرِ عددٍ من عُشاق هذا الفنِ والتساهلُ مع النصوصِ غيرِ الإبداعيةِ، وتكريمُها،دون تحريضِ هؤلاءِ المنجذبينَ لكتابةِ هذا اللونِ الشعري الجديدِ على القراءةِ المتمعنةِ لأعلامِ الهايكو والاطلاع على أصول الفن الذي يكتبونه. ناهيكَ عن الأخطاءِ النحويةِ واللغويةِ التي تذهبُ بجمالياتِ النصِ وعمقِه أدراجَ الرياح. ولا يمكن إنكارَ جهدَ القائمين على هذه المنتدياتِ وأثرَهم في ترسيخ فكرةِ الهايكو ونشْرِها ولا دورَهم في اجتذابِ الآلافِ من القراءِ، لكن يجبُ أن نُقَّدمَ لهم أعمالاً ثرية وجماليةً ودقيقة تكون بمثابةِ نماذجَ يُحتذى بها في كتابةِ الهايكو.

 س3- هناك من يرفضُ تسميةَ من يكتبون الهايكو بشعراءَ الهايكو ويطلقُونَ عليهم (صُناع الهايكو) ما السبب برأيك؟

- ربما يرجعُ ذلك إلى أن قصيدةَ الهايكو ليست عربيةَ المنشأ، هي في الأصلِ قادمةٌ إلينا من بلاد الشم )اليابان) وتغيرتْ أشكالُها منذ نشأتها. فهُناكَ من يرى حالياً أن شعراءَ الهايكو - حتى اليابانيين - ليسوا شعراءَ حقيقيين، لكنهم يجيدون نظمَ هذا اللون الشعري،لاهتمامِهم بالشكلِ والإيقاعِ بعيداً عن روحِ الهايكو.

وفي رأيي أن الهايكست العربي – كأي شاعرٍ في العالمِ – عندما يسعى إلى تشكيلِ هايكو حقيقيٍ من خلالِ التجريبِ، يخفقُ أحياناً وينجحُ أحياناً أخرى، حتى يصبحَ إبداعُه تجربةً حقيقةً ومكتملة. والذي ينجحُ في القبضِ على لحظة الهايكو هو الشاعرُ الحقيقيُ الذي يستطيعُ خلقَ نصٍ عبقريٍ، وهذه الحالةُ بالفعل تأتي عفويةً، وهي ما يُطلق عليه الساتوري أو الاستنارة". تكمنُ الإشكاليةُ في التساؤلِ المُلِح: هل نتمسكُ بالهايكو التقليدي أم الحديث؟ وعندما عرضتُ فكرة تأسيسِ هايكو مصر على الصديقةِ الشاعرةِ شهرزاد جويلي مديرة المنتدى ارتأينا أن يكون للنادي طابعاً خاصاً ينطلقُ حاملا بعضَ سمات الهايكو التقليدي ومحلقاً في أفقِ الحداثةِ،كي نرتقي بقصيدة الهايكو العربي ويكونَ لها سمتُها الخاصُ والمُميز. نادينا بالحداثةِ إذن مع الإبقاءِ على سماتِ الهايكو الأساسيةِ، والاحتفاظِ بهويتِه وجمالياتِه من خلال التقاطِ مفاتنَ جديدة من مشاهدِ الطبيعةِ والعالمِ التي لا تنتهي بلْ وتتشكلُ دقائقُ جديدةٌ في حياتنا اليومية لم تكن موجودةً في زمنِ الأوائلِ، الذين ابتكروا هذا الفن. يجبُ علينا أن نتناولَ في شعرِنا مثلَ هذه التفاصيلِ الجديدةِ بلغةٍ عصريةٍ ورؤىً ووعيٍ حداثي.

س4- يلفتُ انتباهي ظاهرةٌ مخيفة وهي عدمُ تقبل شعراء الهايكو للنقد. يا ترى هل لدينا نقدٌ حقيقيٌ؟ أم ربما أثر النقد الجارح سلباً على بعض الشعراء فأصبحوا يتخوفون من نشرِ نصوصهم في المنتديات المختصة بالهايكو؟

- النقدُ الحقيقي هو النقدُ البناء الذي يظهرُ جمالياتِ النص، ثم يعرجُ على ما يعتورُ النصَ،كي يلتفتَ إليها المبدعُ إلى نواقصِ إبداعهِ فيتجنبُها فيما بعد. وكلنُا في بداياتِنا كانت لنا نواقصُ فيما نكتبُ، بل وكنا نعتقدُ أن ما نكتبُه هايكو،وهو أبعدُ ما يكون عن روح الهايكو. والناقدُ يتناولُ النص شكلاً ومضموناً. لكن هناك بعض المُدعين الذين يركزون على اشتراطات الهايكو، و يرون فيه قوالبَ جامدةً لا يصلحُ إلا بها،فكانت رؤيتُهم للهايكو مثل أذواقهمُ الجافةِ.ونسوا أن الهايكو تجربة إنسانية عميقة، وهي عبورٌ لهذه التجربةِ من خلال مشهدٍ حِسي. كيف تكون ناقدا حقيقيا وأنت تفتقدُ لأبسطِ الأدوات وهي الصياغةُ اللغوية، والطامةُ الكُبرى أن يترأس بعضَ أندية الهايكو أقزامٌ يُخطئون في اللغةِ، وهي لباسُ الأفكارِ والجمال. وهذه الظاهرة قد تؤثرُ سلباً على مستقبل الهايكو العربي. ونتيجة لذلك أيضا قد ينفرُ الشبابُ الطامحونَ لكتابةٍ واعدةٍ من أساليب النقدِ الهَدَّامةِ والمُضللةِ في كثيرٍ من الأحيان، ناهيكَ عن التناقضاتِ في أقوالِ هؤلاء المُدعينَ، فهم يقولون ما لا يفعلون. والأولى بهم أن يكونوا أنموذجاً للإبداعِ الحقيقي كي تنهضَ حركةُ الشعر. وبشكلٍ عام فإنني أرى أن حركة النقد حالياً متأخرةٌ كثيرةٌ ولا تواكبُ حركةَ الشعرِ، فهي متخلفةٌ عن ركبهِ. 

س5- هل برأيك شعر الهايكو يشبع حاجة القارىء الجمالية؟

- لا بد أن نتفق على أن المُبدعَ الحقيقي لا يعطي القارئِ كلَ شيء. في الروايةِ مثلاً يجعلُ الروائيُ أحيانا قارئهُ شريكاً في العملِ الفني، وأحياناً أُخرى يضعُ نهايةً مفتوحةً و متروكة لذهنيةِ القارئِ ومخيلته ووعيهِ وافتراضاتِه. كذلك الحالُ في الهايكو، يكونُ القارئُ جزءاً أساسياً في النص. يفتحُ الهايكست لهُ أفقا واسعاً من التأويلاتِ، ويفجرُ في النصِ ينابيعَ المخزونِ المعرفي والثقافي. وبذلك يتحولُ القارئَ من مجرد متلقٍ عادي إلى قارئٍ فاعل يشتبكُ مع النص ويفجرُ فيه دلالات كثيرةٍ وعميقة. ولقد اعتادَ القارئ العربي على النصوص الطويلةِ التي يكثرُ فيها المجازُ الصريحُ،حتى لا تكادُ تخلو النصوصُ العربيةُ من الذاتيةِ والخيالِ المُحلق،وهذه الأشكالُ الجماليةُ تطبعتْ عليها الذائقةُ العربيةُ منذ زمن، فحينما تُدربُ هذه الذائقةَ على نمطٍ جديدٍ خالٍ من هذه الجمالياتِ فلا بُدَ من إعطائِها فرصةً ووقتا كافياً كي تتقبلَ المشهدَ الجديدَ،فيستشعرُ جمالياتٍ أُخرى لم تعتدْ عليها. وكلُنا يعرفُ أن الهايكو أقصرُ نصٍ شعريٍ في العالمِ، وهو لقطةٌ حسيةٌ مجردةٌ من المجازِ الصريحِ، ويتسمُ بالتقشفِ اللُغويِ بعيداً عن التنمقِ والبلاغة.

س6- عندنا مثل شامي يقول: كل أوان لا يستحي من أوانه، بمعنى أن لكلِ زمانٍ أدواتَه،ومن خلالِ ما طالعنا به المترجمون أنه حتى اليابانيون كانوا يهاجمون شعر الحداثة. ما قول أستاذنا في ذلك؟

- قصيدةُ الهايكو اليابانيةُ الحديثةُ تحررتْ من المفردات المكرورة وتأثرت بالثقافة الغربية، فطرأت عليها مواضيعُ جديدة. فمن حيث الموضوع تناولت المواقفَ اليوميةَ المعاصرةَ، وربما تعدتِ صورَ الطبيعةِ وتناولتِ الإنسانَ والحياةَ الاجتماعية لكنها لم تتخل – رغم ذلك كله – عن المشهديةِ التي أرى أنها هي الأساس في قصيدة الهايكو، فإذا تخلت القصيدة عن هذه الخاصيةِ الجوهريةِ، فإنها تتخلى عن روحِها وكونِها هايكو. وبرغم وجود هذا التيار الحداثي في اليابان فإن هناك تياراً آخر متشدداً، قاده الناقدُ ياسودا – يوجيرو- الذي هاجم الحداثةَ في الشعر الياباني بشكلٍ واضحٍ واتهمه بأنه شعرٌ خاوٍ بلا مضمونٍ وبلا شكل. وهذا الناقدُ مُتعصبٌ للقديمِ رافضٌ أشكالَ الحداثةِ برمتها. وورث الشاعر أوكا- ماكوتو منهج ياسودا في رفضِه للحداثةِ، والأغرب من هذا أن بعض الحداثيين الذين تعرضوا للهجوم من أووكا – ماكوتو هم أنفسهم يهاجمون الكثيرين من شعراء الحداثةِ الذين يكتبون الهايكو والتانكا، ولا يعتبرونهم شعراء في الأصل، ويرون أن الشاعر إذا تخلى عن الكلمةِ الفصليةِ والإيقاع الشعري، فما يكتبه ليس هايكو. وفي نظرِهم أن الهايكو لا يكونُ هايكو إلا بلغتِه الأصليةِ، وذلك لطبيعةِ اللغةِ اليابانيةِ وخصوصيتِها. بينما ما نقدمُه نحن أو أي شاعر في العالم -عدا الياباني- هي قصائدُ قصيرةٌ تُحاكي أو تقتربُ من روح الهايكو. فقصيدةُ الهايكو – في اعتقادِهم – تمتلكُ فضاءً معرفيا خاصاً بشعراء اليابانية.  

 س7- كيف نفسرُ ابتعاد جيل الشباب العربي عن القراءة.... هل هي الظروف والأحداث التي يمر بها الوطن العربي،أم دخولُ الحضارة الغربية والتكنولوجيا جعل الذائقةَ العربية تتغير من المشاعر والأحاسيس إلى حضارة المتعة والاستهلاك؟

- سمعتُ حواراً مهماً في التلفاز للشاعرِ والروائي المعروفِ عبد الرحمن الشرقاوي قبل ظهور الانترنت وسيطرةِ التكنولوجيا الحديثةِ على عقولِ شبابنا وأطفالنِا، وكنت حينها في المرحلة الجامعية،كان يُبدي هذا المبدعُ الكبيرُ في حوارهِ تعاطفاً مع القارئ العربيِ لظهورِ مُنافسٍ قويٍ كالتلفاز للكِتابِ، فما بالنُا اليومَ ونحنُ في خِضَمٍ هائلٍ من التقنياتِ الحديثةِ و تكنولوجيا العصر. وهذا ما يُفسر لنا سببَ تفردِ المُبدعين الأسبقين الذين استقوا معرفتهم من أمهات الكتب والمنابع الفكريةِ والمعرفيةِ بشكلٍ أساسيٍ دونَ مُنافس. الآن بعضُ القراءِ يستقون معرفتهم من الإنترنت ومن مواقع غير موثوق بها. ويعتقدون أن لديهم كماً معرفياً هائلا، لكن في الواقع ذلكَ الكمُ المعرفيُ غيرُ عميقٍ،وهو بمثابةِ قشورٍ لا تمثلُ وعياً معرفيا حقيقياً. 

أيضا لا يمكنُنا إنكار التأثير السلبي للأحداثِ الداميةِ والعصيبةِ، التي يمرُ بها عالمُنا العربي على التوجهِ الفكري والتركيبةِ المزاجية للشباب المعاصرِ. فالغالبيةُ منهم يلجأون إلى النزعةِ الهروبيةِ والتشاؤم في ظلِ مستقبلٍ معتمٍ وغائم. فكيف لهم وهم يعيشون تحتَ وطأةِ الحربِ والتشريد أن يهنأوا بمتعةِ القراءة؟! وآملُ ألا تظلَ هذه الحالةُ طويلاً، لأن الشبابَ هم قوامُ نهضةِ الأمةِ،عندما يتزودون بالوعيِ المعرفي الذي منبعُه الكتابُ بشكلٍ أساسي. 

س8- بعد مُضي عقود في كتابة الهايكو هناك جوانب لا يمكن تجاهلها، كيف يمكن أن يضيء لنا تلك الجوانب شاعرنا الكبير: النظرة التأملية الاستنارة (ساتوري مركز الوجود والانسان ألا وهي الطبيعة).

- الاستنارة" الساتوري":

 وهي اللحظةُ الجماليّةُ والوحيُ الشعري وتمثّلُ جوهرَ الهايكو، والعنصر الأساسَ للشاعر. والشاعرُ - حين تأتيه هذه اللحظةُ الجمالية - ينصهرُ ويتّماهى تماماً مع ما حوله من عناصر الطبيعةِ، ليشكّل مشهدَه الشعرى بطريقة تأملِية وصوفية. وعندَ القبض على هذه اللحظةِ يدركُ الشاعرُ كُنْهَ الأشياء وطبائعَها ويتوحدُ معها. لكن في نص الهايكو هذا التماهي والانصهار يظهر في لحظة خاصة، وهذا التماذجُ - على حدِ قولِ الناقدِ والشاعرِ الكندي الأمريكي بروس روس- بين الخاص والكوني. 

إذن "الساتوري" الحقيقي هو أهمُ جماليةٍ في الهايكو. وهو اللحظة "الروحية"، أو " الجمالية". إنه يعطي الشاعرَ أو الإنسانَ رؤيةً جديدةً وفهماً عميقاً للأشياءِ العادية في الحياة،ويجعلُ للحياةِ معنى. فالعَالِمُ يرى الوردةَ من الناحيةِ الفيزيائيةِ بتركيباتها وأشكالِها وأنواعِها، بينما ينظرُ الشاعرُ لها على أنها ليست شيئا عادياً، بل لها وجودٌ وعالمٌ وكيانٌ ذو معنى، وربما يتوحدُ ويتماهى معها بروحِه ومشاعرهِ. 

الساتوري (التنوير)، لحظةُ تأملٍ مُنضبطٍ،من خلالِها تبدو ومضاتٌ تفاجِئُنا وتدهشنا، وكأنها تُميطُ اللثامَ عن حقيقةٍ ما، في لحظةٍ خاصةٍ من الشعورِ والصحوة:

مستيقظٌ في منتصفِ الليل

على صوتِ جرةِ الماء

تَصدُّعُ الجليد

(باشو)

تتمحورُ فلسفةُ الزَّنِ البوذيةُ حولَ فكرةِ التأملِ،التي يكونُ فيها نوعٌ من السيطرةِ على جُموحِ العقلِ النشط،وتظهر مساحةٌ أكثرُ للصفاءِ الذهني والهدوء والتصوفِ الخالص. فشاعرُ الزنِ أثناءَ استغراقِه في العوالمِ التأملية، تأتيهِ من قلبِ الصمتِ نداءاتُ الطبيعةِ المُعجزة. وهذه النداءاتُ مفعمةٌ بروحِ الجمالِ والحياةِ اليافعةِ وربما قادمةٌ من الفراغ.

قُبرةٌ

سقطَ صوتُها وحيداً،

مُخلفةً وراءَها اللاشيء 

(امبو، ترانس بليث)

الصمتُ؛

صوتُ الزيزِ

يخترقُ الصخور.

(باشو، ترانس بليث)

في النصِ الأولِ هُناك حالةٌ من اللاشيئية:الشعورُ بالعدمِ أو الفراغ. وهي حالةٌ خاليةٌ من العواطفِ والأفكارِ الشخصية. هي حالةُ تماهٍ مع الطبيعة. واللاشيئيةُ هنا ليستْ مُرادِفا لحالةِ الفراغِ، لكنْ لها وظيفةٌ تُدركها الحواس.

 س9- الآن سنرحلُ معك إلى أعماقك لنستنبطَ الجميلَ الذي وقعت عليه اختياراتك لأجمل أشعارك وتحدثنا عن تجربتك في شعر الهايكو. في الختام لك جل تقديري واحترامي.

- قبلَ التعرفِ على قصيدةِ الهايكو صدرَ لي ثلاثةُ دواوينَ شعريةٌ تتفاوت ما بين تفعيلةٍ ونثر: "زنبقة من دمي"، "الصبار على غير عادته" و"أشجارنا ترتع كالغزال"، وكنتُ في حاجة ٍ ماسةٍ للتجريبِ والتعرفِ على أنماطٍ جديدةٍ في الكتابة. قرأتُ كثيراً عن هذا الفنِ الجديدِ. ثمَ قمت بترجمةِ الكثير من النصوصِ لشعراءَ من بلادٍ عديدةٍ،وتعرفتُ على تجاربهم، ولقد أسرني هذا النمطُ الشعريُ، وقلت في نفسي لماذا لا يُضاف هذا اللونُ الشعري إلى الأجناسِ الأخرى التي يحفل بها شعرنُا العربي، وبذلك تزدادُ الحركةُ الشِعريةُ في العالم العربي ثراءً وتنوعا. كنتُ أحلمُ بعد دواويني الثلاثة أن أكتبَ نصوصاً تميلُ إلى القِصرِ وتنساب كانسياب الماء في النهرِ،فكان الهايكو! في الهايكو صدر لي ديوانان بعنوان: "رقصةُ القرابين الأخيرة" و"وشْمٌ على الخاصرة"

***

١- غرفةٌ مظلمةٌ

كناري يطيلُ النظرَ

في سمكةِ حوضِ الزينة

 

٢- أوراقٌ متناثرةٌ

متى سأرتب الفوضى

بداخلي!

 

٣- تتعثرُ أقدامي-

تحتَ هذهِ البقعةِ، كناري

كان يصدحُ بالأمس!

 

٤- ليلةَ رأسِ السنةِ-

شرفةِ معتمة

ولا تزالُ تلمعُ أزهار النرجس

 

٥- شوارع مبتلة

لماذا تغافلني في الليل

أيها المطر !

 

٦- خلفَ النافذةِ

تتسمعُ إيقاعَ المطرِ

أصابعُ البيانو!

 

٧- لافتةُ مواعيدِ القطاراتِ

قُبَيْل تحليقِها، تتبينُ وجْهتها

فراشةٌ!

 

٨- ثلاثون عاما

خصلة شعر في طي كتاب

لم تطلها يد الشيب!

 

٩- جنازةُ طفلٍ-

بين المشيعينَ يعسوبٌ

بالأمسِ أفلتَ من يديهِ!!

 

١٠- مُصبُ النهر-

أراهُ اليوم أضيقَ

بعيّْني شيخْ

 

١١- الصباحُ الأخير-

آخرُ عهدِه بالجدارِ

ظلُ العجوز!

 

١٢- أسفلَ الجبلِ

شجرةُ أثلٍ وحيدة

تظللُ أقحوانة

 

١٣- عبورٌ-

أتسلقُ

يتسلقُ ظلي معي!

 

١٤- الأشجار التي نَجْتثُها

تتباكى لموتِها

الظلالُ

 

١٥- أمشي صوبَ ظلي

وفي داخلي

جثةٌ هامدة!

 

١٦- ظلالُ المساءِ -

شاطئ البحيرة

يقصُ حكاية الماءْ!

 

١٧- على الجدارِ-

ظلها يراودها

امرأة عجوز!

 

١٨ - باب بيتنا القديم-

ظليّ الذي تركتُهُ

يجلسُ القرفصاء!

***

كل الشكر والتقدير للاستاذ حسني التوهامي لرحابة صدره واتاحته لي هذه الفرصة .

 

أعدته وحاورته فاديا سلوم من سوريا 

 

 

1499 سمير الفيل* أنصت لحكايات الناس وأرصد أحزانهم وأفراحهم وأكتب عن السري، الذي لا يكاد يرى .

* مهمة الكاتب أن يتأمل الحياة، ويؤمن أن لها قانونها الحاكم رغم أنها تبدو من بعيد عبثية.

* كنت دائما منحازا للبسطاء، ومنهم أستقي مادة نصوصي القصصية، كما أنحاز للفكر المستنير، وأرفض الرأسمالية المتوحشة.

* أعتقد أنه لكي تتقدم بلادنا فلابد من اقصاء الخرافة، وإطلاق سراح الخيال.


- لانه كاتب متعدد المواهب، لديه حدس قوي بفكرة عنفوان النص، وقدرته على تغيير الواقع والارتقاء ببنيته الجمالية والفكرية. بدأ شاعرا إبان حرب الاستنزاف (1969 ـ 1970) ثم طرق باب الرواية في عمل عمدة في مجاله هو" رجال وشظايا" 1974، بعدها ألقى بثقله في مجال القصة القصيرة فأنجز 18 مجموعة قصصية، حاز على جائزة الدولة التشجيعية عن مجموعته" جبل النرجس " 2016. أسس مجموعة" أدباء ضد التلوث " وحين قام نائب في دائرته الانتخابية باتهام نجيب محفوظ بأنه يخدش الحياء العام برواياته، أسس مع مجموعة من أدباء مدينته دمياط قافلة " في حب نجيب محفوظ " كما أسس مؤخرا مع زملاء له " مختبر السرديات". يؤمن سمير الفيل أن العمل الثقافي لا ينعزل في الغرف المغلقة لذا يعتبر المقهى مكانا للفعل الثقافي، وقد شارك 2011 في جمع التراث اللامادي لحوض البحر المتوسط لصالح منظمة اليونسكو. كان لنا معه هذا اللقاء للتنقيب عن قضايا فكرية وأدبية نثيرها معه لأول مرة، وقد اتسمت إجاباته بالصراحة والإبانة والوضوح في البداية سألته:

.

* تجربتك الأدبية متنوعة وثرية ما بين الشعر، والرواية، والقصة، والمسرح، النقد، أيهما وجد الأديب سمير الفيل نفسه فيها؟

ـ كانت بدايتي مع شعر العامية في أجواء حرب الاستنزاف حين قدمني شيخ أدباء دمياط في مقهى شعبي لإلقاء قصدة " أنا والناس" بعدها التقيت عبدالرحمن الأبنودي الذي حضر مع ابراهيم رجب بعوده ليقدما ثلاث أمسيات في فارسكور ودمياط وكفر البطيخ. في قرية كفر البطيخ قدمني الأبنودي فالقيت ثاني قصائدي واستمعنا لأغنية " يا بيوت السويس " بعود الملحن. لا أستطيع التعبير عن شعوري الوطني حين تجرأت على قول الشعر في حضرة الكبار، لكن يبدو أنها كانت مرحلة استقطبت اهتمام الناس لكي يكون الفن في خدمة المجتمع . أذكر أنه في نفس العام عقد المؤتمر الاول للأدباء الشبان بالزقازيق، وفيه حصلت على شهادة تقدير وعمري 18 سنة.

القصة القصيرة جاءت بعد ذلك فقد حصدت ثلاثة جوائز أولى على مستوى مصر بدءا من سنة 1974 عن قصص:" في البدء كانت طيبة"، و" العصا والخوذة" و" كيف يحارب الجندي بلا خوذة؟ ".. وقد عرفت وقتها بأديب الحرب . تقدمت خطوة بكتابة واحدة من أوائل روايات حرب أكتوبر هي " رجل وشظايا" عن مسار العمليات في جبهة القناة، وقد أخذت معلوماتي عن صديقي الشاعر مصطفى العايدي الذي حارب في الأنساق الأولى للعابرين، وهو ما زال حي يرزق .

أجد نفسي بعد هذه المسيرة أقرب ما أكون لدائرة القصة القصيرة، فأنا أنصت لحكايات الناس وأرصد أحزانهم وأفراحهم وأكتب عن الجواني، الداخلي، السري، الذي لا يكاد يرى.

* لكل كاتب قضية يحاول الوصول بها إلي وجدان وعقل القارئ فما هي قضيتك الأولى؟

ـ مرة كنت أسير في شوارع مدينتي دمياط إلى جوار الروائي الكبير صبري موسى، وسالته بخفة ونزق عن مطلبه من الحياة. نظر إلى مليا وقال في عبارات قصيرة: تختلف المتطلبات مع كل مرحلة من مراحل حياة الإنسان.

سأستفيد من مقولته فأقول: بالنسية لي أرى أن القضية المحورية التي سيطرت على تفكيري في بداياتي هي " الحرية"، وقد وجدتها قضية مهمة ليشعر الفرد بقيمة الحياة.

في مرحلة تالية وبعد اقترابي من سنوات الشباب صارت قضيتي الأولى هي " العدل الاجتماعي "، وأعتقد إنها قضية ملحة في نصوصي القصصية التي أعالج فيها قضايا الناس وهم يبحثون عن لقمة الخبز في مسار مواز للبحث عن الحب وتقدير الآخر.

في المرحلة التي أعيشها الآن أبحث بصبر ودأب عن طمأنينة النفس وعن اليقين في مسارات الحياة التي تخفي عنا متاعبها حتى بت قادرا على التسامح مع أخطاء الآخرين، أيضا التسامح مع ذاتي فأنا شخص كثير الأخطاء ولدي هاجس أن الإنسان " خلق في كبد" وعليه أن ينتشل نفسه من المكائد والرزايا وقلة الزاد.

* ما هي المقومات التي تساعد علي نجاح الكاتب في ظل هيمنة وسائل التواصل علي حياة الجميع؟

ـ في كل وقت هناك عناصر تحفز على نجاح الكاتب في مسيرته ـ أنا عن نفسي غير مقتنع تماما بما قدمته حتى لحظتنا الراهنة ـ ومن مقدمات الكتابة الناجحة أن تتسلح بالصدق الفني، وأن تنحاز للإنسان في كل تطلعاته المرتقبة ليحصل على قطعة خبر وزجاجة دواء وسقف يمنع عن المطر والانواء. من الضروري أن يكون لدى الكاتب قدرة على الوعي بحقائق الأشياء، وأن يتضمن النص الأدبي الذي يشتغل عليه خطابا ما، بالإضافة إلى أن يفهم ـ إن كان قاصا أو روائيا ـ طبيعة الشخصيات التي يتعامل معها، في ذات الإطار عليه أن يسير مع الأحداث ولا يلوي عنق نصه ليمضي في طريق يفترضه. بمعنى آخر، أن عليه مسئولية التحرر من الضجة الإعلامية التي تحيط به وأن ينزع إلى الاستقلالية وأن يتأمل الحياة، ويؤمن أن لها قانونها الحاكم رغم أنها تبدو من بعيد عبثية إن لم نقل عدمية.

* كيف يري الأديب "سمير الفيل " الحركة الثقافية في مصر والوطن العربي؟

ـ هذا سؤال صعب ومركب . لكن دعني أحاول الإجابة عنه. لن يكون لدينا أدبا حقيقا وأصيلا إلا برفع الرقابة عن قلم الكاتب، لا أقصد فقط الرقابة المرتبطة بالسلطة بل ان هناك رقابة أصعب يقوم بها المجتمع المحافظ تارة وبعض رجال الدين تارة أخرى، ناهيك عن الرقابة الداخلية والأخيرة تسلب الكاتب حريته وتجعل أفقه التخيلي في غاية المحدودية. أنا شخصيا أكتب وأنا مسور بتلك الظلال القاسية، مرة أنجو، ومرة أقع في حبائل سوء الظن.

مبدئيا يمكننا القول أن الحروب والصراعات والقلاقل همشت دور الثقافة، وقللت من تأثير الأدب، وستمضى سنوات طويلة قبل أن يتم رأب الصدع، لكنني أتوقع أن تنهض المركز الثقافية المؤثرة لتنشيط دورها التنويري وهي: القاهرة، بيروت، بغداد، دمشق، تونس، وإلى حد ما عواصم الخليج الثقافية: الدوحة، أبوظبي، الرياض، الكويت، المنامة.

أحب أن أشير إلى أهمية مشاريع الترجمة وخاصة في القاهرة" المركز القومي للترجمة " وأيضا في عواصم المغرب العربي، والخرطوم. لدينا كوادر بشرية متميزة تحتاج فقط لإعادة ترتيب الأولويات مع وضع خطط ثقافية ممكنة التنفيذ .

* يقول البعض بأن الحركة الثقافية الآن أصبحت خارج سيطرة مؤسسات الدولة من حيث الاتجاهات والنشر ما مدي صحة تلك الرؤية؟

ـ سأتحدث عن تجربتي في مصر، وهي التي أعلم تفصيلاتها، ما زال دولاب العمل في الهيئة العامة للكتاب وفي هيئة قصور الثقافة متوازنة حيث تصدر كتبا رخيصة وفي متناول يد الجميع ويحصل الكاتب على مكافأة مجزية وعدد مناسب من كتابه الصادر . إلى جانبها بعض الدور المرموقة التي تنشر الكتب المهمة في أزمنة قياسية ولكنك مطالب بالدفع، وستتحمل " الفاتورة " كاملة. هناك أيضا النشر في دور" تحت بير السلم" حيث الفوضى والعشوائية واختلاط المفاهيم. كل هذا يحدث في سوق واحد، وأتصور أنني زرت في أوقات متقاربة، معارض الكتب في الشارقة والقاهرة ودمشق، فوجدت نهضة حقيقية في مجال النشر لكن المواطن العادي لن يترك الرغيف ويذهب ليشتري الكتاب، ناهيك عن " غول" القنوات الفضائية الذي يسرق الوقت مثلما يسرق العمر.

* بالأمس كانت القاهرة "مصر "تقود حركة الثقافة في المنطقة العربية وتراجعت الآن لصالح مناطق أخري، فما أسباب ذلك من وجهة نظرك؟

ـ لست معك في هذا التصور، فلو أنك زرت معرض الكتاب الأخير في القاهرة لفطنت لوجود حركة نشر هائلة، تواكبها أنشطة حية لكتاب قادمين من كل انحاء الوطن العربي. أعرف خالد الجبور من فلسطين عن طريق شبكة الأنترنت، تعرفت عليه وجها لوجه في المعرض الأخير كما التقيت أدباء من السعودية والكويت وسوريا . ربما نشطت بعض المراكز غير التقليدية كدبي والشارقة والرياض وجدة والمنامة والدوحة وهذا بسبب الرصيد النفطي الذي يدعم الثقافة ويجعل من الممكن شراء كتب في ظل وجود دخل مرتفع.

* شهدت المنطقة العربية تغيرات سياسية عديدة كيف رصدها الكاتب "سمير الفيل "؟

ـ رصدت تلك التحولات في مجموعاتي القصصية الأخيرة، وهي على التوالي: " الأستاذ مراد"، " أتوبيس خط 77" و" حذاء بنفسجي بشرائط ذهبية" . التحولات التي حدثت في المنطقة لم تؤد إلى ارتقاء الفكر و السلوك بل ظهرت تشققات وانقسامات وتشظي في هذا الواقع الذي ينزع عن المواطن العادي قدرته على اتخاذ القرار.

لقد انتهيت منذ عامين من إنجاز روايتين عن أحداث ثورة 25 يناير 2011، الروايتان، هما " نظارة ميدان" و" ابتسامة يناير الحزينة" ولسبب مادي لم أتمكن من طباعة العملين على نفقتي، ولسبب رقابي لم توافق دور النشر الحكومية على النشر وأنا متفهم الظروف والضغوط . لكنني قمت بتشريح المجتمع المصري من خلال الأحداث التي وقعت، ثم أنني انحزت كليا للثورة التي يبطش بها كثير من المسئولين الحاليين باعتبارها عملا ممجوجا وغير مبرر.

* عاصرت انتفاضة المصريين في 17 ’18 يناير 1977 وكذلك أحداث 25 يناير 2011 كيف قارنت بينهما، وما هو موقفك من كل منهما؟

ـ كان صديقي الكاتب المسرحي المرحوم محمد الشربيني موجودا بالعاصمة المصرية، وجاء في يناير 77 ليصرخ: " الجنرالات في كل مكان والدبابات في الشوارع" . كانت حركة احتجاجات جاءت بعد زمن الانفتاح وتم قمعها ولكنها أيضا كشفت عن الخطأ الاستراتيجي للسادات حين سمح بالعمل السياسي للجماعات الإسلامية فسقط هو نفسه يوم العرض العسكري في اكتوبر 1981 ووقعت أحداث دامية في أسيوط. كانت " ثورة للجياع" وتم احتوائها بسرعة عبر التخلي عن القرارات الاقتصادية.

أما حركة الناس في 25 يناير 2011 فقد كانت لأسباب أخرى وهي التي تجلت في الشعار المرفوع" عيش. حرية. عدالة اجتماعية" وأحسب أن الثورة تم تفريغها من مضمونها خاصة بعد السنة التي حكمت فيها جماعة الإخوان المسلمين، فلم يتمكنوا من تسيير الأمور لقلة خبرتهم، ولأن رجل الدولة غير رجل الزاوية في جامع فقير.

أنا منحاز لثورة يناير وقد شاركت فيها لكنني أمتلك من الشجاعة ما يجعلني أقول أنها وقعت في أخطاء جسيمة منها عدم وجود أهداف محددة وغياب القائد، مما أدى لعدم تحقيق جل أهدافها. فهل قام الشباب بالثورة من أجل تنحية مبارك فقط، فيما ظلت بقية السياسات قائمة مع إصلاحات طفيفة؟!

* لكل مفكر أو مبدع أيدلوجية معينة تسيطر عليه إلى أي أيدلوجية ينتمي فكرك؟

ـ لا تسيطر علي أي أيديولوجيات. كنت دائما منحازا للبسطاء، ومنهم أستقي مادة القص ثم لكوني اقتصاديا قريبا منهم. أنحاز للفكر المستنير، لليسار بوجه عام، وأرفض الرأسمالية المتوحشة، وأعتقد أنه لكي تتقدم بلادنا فلابد من اقصاء الخرافة وفصل الدين عن الدولة، واعطاء البحث العلمي ميزانيات معتبرة، ومنح العلماء الفرصة لتقديم " قائمة بالإصلاحات" . يهمني جدا أن نطور التعليم وأن نمنح الثقافة دورا أكبر في التأثير. ثم لابد من سلسلة إصلاحات اقتصادية عبر سياسات تهتم بالفقراء مثلما فعل جمال عبدالناصر.

* كيف تري دور النقاد والدراسات الأدبية للإصدارات الجديدة هل يظهر أثرها في حركة الإبداع؟

ـ كنت سعيد الحظ أن يتوفر عدد من النقاد لدراسة أعمالي القصصية، سواء من مصر أو من دول عربية أخرى، لكن بوجه عام هناك انفصام بين الجامعة وبين الواقع الأدبي إلا في نطاق ضيق.

وإحقاقا للحق فإن كلية آداب دمياط وبفضل مجموعة من الأكاديميين المستنيرين بدأت في اعتماد دراسات للماجستير والدكتوراة حول أعمال كتاب معاصرين مثل ابراهيم أصلان، ومحمد عفيفي مطر، وأحمد صبري أبوالفتوح، وسمير الفيل وغيرهم. نعود للنقد العام فنثبت بالقرائن والأدلة أنه نقد موسمي وباستثناء " ملتقى القاهرة للرواية " وجهود بعض المواقع مثل ورشة الزيتون التي يديرها شعبان يوسف، ومختبر الإسكندرية الذي يديره منير عتيبة، فإن الكتابات الجديدة بحاجة إلى إلقاء الضوء عليها وهو دور غائب منذ عقود طويلة.. لن أكون متجنيا فهناك أكاديميين عظام مثل الدكاترة: حسين حمودة، خيري دومة، محمد بدوي، أماني فؤاد، أحمد بلبولة، أسامة البحيري، أحمد الصغير، هويدا صالح، وغيرهم. لكن الإصدارات الجديدة تفوق قدرتهم على التناول .

* يتحدث الكثيرون عن ضعف مستوي التعليم في مصر مما يؤثر سلبا علي اللغة العربية وآدابها وبالتالي الإنتاج الأدبي . كيف ترصد تلك الإشكالية في الوقت الحاضر؟

- بالطبع نحن نرغب في تطوير التعليم وهو عنصر أساسي في تطوير المجتمع ذاته، لكن الإبداع ذاته لم يتأثر بشكل حرفي بهذا الخلل إلا على نطاق ضيق. هناك مشكلة أخرى حيث يلتفت للأدب الاستهلاكي البحت، ومنه ظهور أدب " الرعب" و" الجريمة" و" الجاسوسية "، وهو أدب غير مؤثر إلا عند جيل الشباب .

الكاتب الحقيقي مطالب بالتعلم في كل وقت وحين لتطوير لغته وتحويل هذا التعلم لمسارات فنية في بنية النص. في هذا الصدد تخلبني لغة كتاب اهتموا بسحر اللغة مثلما نجد عند محمد مستجاب، وبهاء طاهر، ومحمد المنسي قنديل، ومحمد ابراهيم طه، وسيد الوكيل، وابراهيم عبدالمجيد، وعادل عصمت، وسعيد نوح وصبحي موسى ووحيد الطويلة وطارق إمام، وغيرهم.

الكتابة رغم كل المشكلات التي نطرحها تتطور وتصوب نفسها ـ كما كان يقول لي الراحل فؤاد حجازي ـ علينا فقط أن نختار ما نقرأ وألا نستسلم لتيار الركاكة.

* تمنح الدولة العديد من الجوائز سنويا هل ترى في منح هذه الجوائز أهواء شخصية في اختيار أصحابها؟

ـ الجوائز موجودة في كل مكان بالعالم، وأرفع الجوائز مثل " نوبل" و" بوليتزير " تتعرض من حين إلى آخر لعثرات منها تدخل السياسي في الثقافي، ومنها أهواء لجان التحكيم، ومنها عدم الترجمة لكتاب عظام وبالتالي عدم القراءة لهم. هذا معروف عالميا.

على النطاق العربي المشاكل مختلفة فمثلا جائزة " بوكر" تمنح حسب الجغرافيا، وهو أمر معيب، وأكاد أزعم أن جائزة ملتقى القاهرة للرواية كانت أكثر موضوعية بمنحها الجائزة لقامات منها عبدالرحمن منيف وابراهيم الكوني وحتى للمعارض صنع الله ابراهيم، الذي رفضها .

فيما يخص الجوائز التشجيعية فهي موضوعية لأنها تمضي عبر لجان متخصصة، التفوق والتقديرية والنيل كانت هناك مشكلة لائحة الجوائز التي تعطي الحق لكبار الموظفين لفرض آراءهم وهو ما تم تجاوزه بتصحيح اللائحة.

انت تعرف أن الإنسان دائما يتعلم من أخطائه وهذا أمر يصدق في جميع المجالات.

* ما هو الجديد الذي ينتظره القارئ المصري والعربي منك في الفترة القادمة؟

- انجزت في فترة الحظر كتابة 55 نصا قصصيا، أتصور أنها تقترب من حدود التجريب والبحث عن أشكال جديدة في الطرح، هذا فيما يخصني، على النطاق العام، ننتظر مسرحا جديدا، وكتابات طليعية في القصة القصيرة والرواية، كما نتمنى أن تفتح فروعا للأوبرا، وأن يعود للغناء العربي رصانته بعد سلسلة التردي التي أدت لفرض السوقة والدهماء أذواقهم فبتنا نترحم على صوت" أحمد عدوية" فما بالك بأم كلثوم وفيروز وعبدالوهاب ونجاة؟! .

كذلك نحتاج إلى مزيد من الكتب العلمية، وإلى إتاحة الفرصة للشباب وللمرأة للحصول على مكتسبات ميدانية، والاهتمام بالطفل خاصة من خلال المسرح وقد قضيت خمس سنوات أخيرة في عملي الوظيفي موجها للمسرح وقمت بكتابة عشرات المسرحيات التي كانت عتبة للطفل كي يتسلح بقيم إنسانية نبيلة. وأحب أن أقول أن من بين طلابي في الابتدائي موزع معروف هو محمد زقزوق، وملحن قدير هو خالد زاهر. ثق أنك حين تلقي بذور الإبداع في التربة فسيأتي الوقت لتحصد ما زرعته.

* ما الرسالة التي توجهها إلى الأدباء الشباب في مصر والوطن العربي؟

ـ أثق في أن الغد سوف يحمل بشارات لكي تكون الحياة أكثر إنسانية، فيختفي الظلم التاريخي، وتصوب الرأسمالية اخطائها، وينعم المواطن بالأمن والرخاء. إن كان ثمة رسالة محددة تخص " الكتابة"، فهي: الصدق، الوعي، الجدية، العمل داخل فريق.

أتمنى أن تسهم التكنولوجيا في توفير أدوات متقدمة لتوصيل الفني الرفيع والنبيل لقطاع أكبر من الشعب . الشباب لديهم الطموح وفي عقولهم أفكار سديدة لكن إياكم من فكرة" قتل الاب " .

* كيف تري اداء الحكومة في إدارة أزمة الوباء العالمي؟؟

ـ أتصور أن التعامل معها كان على مستوى الحدث، والغريب أن موقف الحكومة كان متقدما خطوات عن موقف الشعب نفسه، فهو ما زال محملا بالخرافة، ويتجاهل في عمومه التعليمات الصحية . لأنه مازال واقعا تحت سقف "ربنا يسترها" . من هنا أعتقد أن التعليم نفسه وما أبتغيه هو ثورة جذرية في التعليم، تجعل العلم مدار حركتنا وليس الانحياز لفتاوي قديمة لا يمكن أن تناسب العصر.

* ماهي رسالتك الي الرئيس كمفكر ومثقف؟

ـ عادة لا أتعامل مع الرؤساء، وإن كان لدي رسالة تاريخية سنة 1958 من جمال عبدالناصر حين أرسلت له خطابا للتهنئة بقيام الوحدة بين مصر وسوريا، فكتب ينبهني لأهمية تحصيل العلم من أجل أمة عربية ناهضة. أثمن الاصلاح الاقتصادي الذي كان له تأثير إيجابي في " محنة فيروس كورونا" لكنني أطمح إلى مزيد من الاهتمام بالفقراء، والانحياز " للغلابة" فهم ملح الأرض. كذلك ضرورة التعامل بحزم مع الجماعات الجهادية . هذا الأمر يحتاج لإرادة سياسية وهي موجودة والحمد لله.

 

حوار: د. السيد الزرقاني

 

1493  موران أدغارترجمة: د. زهير الخويلدي

"هذه الأزمة تدفعنا إلى التساؤل عن أسلوب حياتنا، وعن احتياجاتنا الحقيقية المتوارية خلف أشكال اغتراب الحياة اليومية"

في مقابلة مع لوموند، يعتقد عالم الاجتماع والفيلسوف أن السباق من أجل الربحية وكذلك أوجه القصور في طريقة تفكيرنا هي المسؤولة عن عدد لا يحصى من الكوارث البشرية التي تسببها جائحة كوفيد 19. لقد اختارت الصحيفة تحليله لهذا الانفجار العالمي، وأزمته متعددة الأبعاد، وما سيكون عليه العالم بعد ذلك. والحق أن إدغار موران هو عالم اجتماع وفيلسوف، في مونبلييه (هيرولت)، في يناير 2019. ولد في عام 1921، مقاتل مقاومة سابق، عالم اجتماع وفيلسوف، مفكر متعدد التخصصات وغير منضبط، الطبيب الفخري من أربعة وثلاثين جامعة حول العالم، إدغار موران، منذ 17 مارس، محصور في شقته في مونبلييه مع زوجته، عالم الاجتماع صباح أبو السلام. من شارع جان جاك روسو، حيث يقيم  مؤلف الدرب 2011 والأرض - الوطن  و1993 والذي نشر مؤخرًا مذكراته في دار فيارد  2019،  وهو عمل من أكثر من 700 صفحة يتذكر فيه المثقف بعمق القصص والاجتماعات و"التجاذبات" الأقوى من وجوده، ويعيد تعريف العقد الاجتماعي الجديد، وينخرط في بعض الاعترافات ويحلل الأزمة العالمية التي " تحفز بشكل كبير ".

هل كان الوباء بسبب هذا الشكل من الفيروسات التاجية متوقعا؟

- لقد انهارت كل التوقعات المستقبلية للقرن العشرين التي تنبأت بالمستقبل من خلال نقل التيارات التي تعبر الحاضر إلى المستقبل. ومع ذلك، ما زلنا نتوقع 2025 و2050 عندما يتعذر علينا فهم 2020. ولم تكد تجربة الانفجارات غير المتوقعة في التاريخ تخترق الضمير. ومع ذلك، كان من الممكن توقع وصول ما لا يمكن التنبؤ به، ولكن ليس طبيعته. ومن هنا قولي الدائم: "توقع ما هو غير متوقع. "- بالإضافة إلى ذلك، كنت من هذه الأقلية التي تنبأت بسلسلة من الكوارث التي تسببها عملية التنقيب غير المنضبط للعولمة التقنية الاقتصادية، بما في ذلك تلك الناتجة عن تدهور المحيط الحيوي وتدهور المجتمعات. ولكن لم يكن لدي خطط للكارثة الفيروسية. ومع ذلك، كان هناك نبي لهذه الكارثة: بيل جيتس، في مؤتمر عقد في أبريل 2012، معلنا أن الخطر المباشر على البشرية ليس الخطر النووي، بل الصحة. وقد شاهد في وباء الإيبولا، الذي كان من الممكن السيطرة عليه بسرعة إلى حد ما عن طريق الصدفة، الإعلان عن الخطر العالمي لفيروس محتمل مع قدرة عالية على التلوث، وأوضح الإجراءات الوقائية اللازمة، بما في ذلك معدات المستشفيات كاف. ولكن على الرغم من هذا التحذير العام، لم يتم فعل أي شيء في الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر. لأن الراحة الفكرية والعادات تكره الرسائل التي تزعجهم.

كيف نفسر التحضير الفرنسي؟

- في العديد من البلدان، بما في ذلك فرنسا، تركت الاستراتيجية الاقتصادية في الوقت المناسب، التي حلت محل التخزين، نظامنا الصحي محرومًا من الأقنعة وأدوات الاختبار وأجهزة التنفس؛ ساهم هذا، إلى جانب العقيدة الليبرالية في تسويق المستشفى وتقليل موارده، في المسار الكارثي للوباء.

سيكون الوباء اللاحق مغامرة غير مؤكدة حيث ستتطور قوى الأسوأ وقوى الأفضل، ولا تزال الأخيرة ضعيفة ومشتتة. دعنا نعلم أخيرًا أن الأسوأ غير مؤكد، وأن ما هو غير محتمل يمكن أن يحدث، وأنه في القتال العملاق الذي لا يمكن اختراقه بين الأعداء الذين لا ينفصلون وهما إيروس وثاناتوس، من الصحي والحيوي اتخاذ جانب إيروس ".

ما هي ملامح هذا الانفجار العالمي؟

- كأزمة كوكبية، يسلط الضوء على مجتمع المصير لجميع البشر الذين لا ينفصلون عن المصير البيولوجي الإيكولوجي لكوكب الأرض؛ في الوقت نفسه تكثف أزمة الإنسانية التي لا تنجح في تشكيل نفسها في الإنسانية. كأزمة اقتصادية، فإنها تهز كل العقائد التي تحكم الاقتصاد وتهدد بتفاقم الفوضى والنقص في مستقبلنا. وكأزمة وطنية، يكشف النقاب عن أوجه القصور في سياسة تفضل رأس المال على العمل، وتضحي بالوقاية والاحتياطات لزيادة الربحية والقدرة التنافسية. كأزمة اجتماعية، يسلط الضوء على عدم المساواة بين أولئك الذين يعيشون في مساكن صغيرة يسكنها الأطفال والآباء، وأولئك الذين تمكنوا من الفرار إلى وطنهم الثاني الأخضر. كأزمة حضارية، يدفعنا إلى إدراك أوجه القصور في التضامن والتسمم الاستهلاكي الذي طورته حضارتنا، ويطلب منا أن نفكر في سياسة الحضارة (سياسة حضارية، مع سامي نير، أرليا 1997) . كأزمة فكرية، يجب أن تكشف لنا عن الثقب الأسود الهائل في ذكائنا، مما يجعل التعقيدات الواضحة للواقع غير مرئية لنا. كأزمة وجودية، تدفعنا إلى التساؤل عن أسلوب حياتنا، واحتياجاتنا الحقيقية، وتطلعاتنا الحقيقية المقنعة في اغتراب الحياة اليومية، لإحداث فرق بين الترفيه الباسكالي الذي يبعدنا عن حقائقنا والسعادة التي نجدها في القراءة أو الاستماع أو رؤية روائع تجعلنا نواجه مصيرنا البشري. وقبل كل شيء، يجب أن تفتح عقولنا لفترة طويلة تقتصر على الأساسي والثانوي والتافه، إلى الأساسي: الحب والصداقة لتحقيق رغبتنا الفردية، والمجتمع وتضامن "أنا" في "نحن"، مصير الإنسانية الذي كل واحد منا هو جسيم. باختصار، يجب أن يشجع الحبس الجسدي تفكيك العقول.

ما رأيك سيطلق عليه "العالم القادم"؟

- بادئ ذي بدء، ماذا سنحتفظ، نحن المواطنين، بماذا ستبقي السلطات العامة من تجربة الحبس؟ جزء فقط؟ هل سيتم نسيان كل شيء، أو تشكيله بالكلور أم فولكلور؟ ما يبدو محتملًا جدًا هو أن انتشار الرقمي، الذي يتم تضخيمه بسبب الحبس (العمل عن بعد، والمؤتمرات عن بعد، وسكايب، والاستخدام المكثف للإنترنت)، سيستمر بالجوانب السلبية والإيجابية التي لا تتعلق به هذه المقابلة للفضح. دعنا نصل إلى الأساسيات. هل سيكون الخروج من الاحتواء بداية الخروج من الأزمة الضخمة أم تفاقمها؟ طفرة أم اكتئاب؟ أزمة اقتصادية ضخمة؟ أزمة الغذاء العالمية؟ استمرار العولمة أم الانسحاب التلقائي؟ ماذا سيكون مستقبل العولمة؟ هل ستستعيد النيوليبرالية المهزومة السيطرة؟ هل ستعارض الدول العملاقة أكثر مما كانت عليه في الماضي؟ الصراعات المسلحة، التي قللت من حدة الأزمة بسبب الأزمة، فهل ستتفاقم؟ هل سيكون هناك زخم دولي موفر للتعاون؟ هل سيكون هناك أي تقدم سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، كما حدث بعد فترة وجيزة من الحرب العالمية الثانية؟ هل تطيل الصحوة التضامنية خلال الحبس وتطول؟ هل سيتم تضخيم ممارسات التضامن التي لا حصر لها والمشتتة قبل انتشار الوباء؟ هل سيستأنف غير التقليدي الدورة الموقوتة والمتسارعة والأنانية والمستهلكة؟ أم ستكون هناك طفرة جديدة في الحياة الودية والمحبة نحو حضارة حيث يتكشف شعر الحياة، حيث تزدهر "أنا" في "نحن"؟ من غير الواضح ما إذا كان السلوك والأفكار المبتكرة سينطلقان، أو حتى بعد ثورة السياسة والاقتصاد، أم أنه سيتم استعادة النظام المهتز. يمكننا أن نخشى بشدة من الانحدار العام الذي كان يحدث بالفعل خلال العشرين سنة الأولى من هذا القرن (أزمة الديمقراطية، الفساد المنتصر والديماغوجية، الأنظمة الاستبدادية الجديدة، القومية، كراهية الأجانب، الدوافع العنصرية). كل هذه الانحدارات (والركود في أحسن الأحوال) مرجحة طالما أن المسار السياسي والإيكولوجي والاقتصادي والاجتماعي الجديد الذي تسترشد به إنسانية متجددة لا يظهر. وهذا من شأنه أن يضاعف الإصلاحات الحقيقية، التي ليست تخفيضات في الميزانية، ولكنها إصلاحات للحضارة والمجتمع مرتبطة بإصلاحات الحياة. من شأنه أن يربط (كما أشرت في الطريق) المصطلحات المتناقضة: "العولمة" (لكل ما هو تعاون) و"نزع الطابع العسكري" (لتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي وإنقاذ الأراضي من التصحر)؛ "النمو" (لاقتصاد الاحتياجات الأساسية، والاستدامة، للزراعة أو الزراعة العضوية) و"الانخفاض" (لاقتصاد التافه، الوهم، القابل للتصرف)؛ "التنمية" (لكل ما ينتج الرفاه والصحة والحرية) و"التغليف" (في تضامن المجتمع) ...

 

كاتب فلسفي

.......................

* مقابلة أجراها نيكولاس ترونج لصحيفة العالم بتاريخ 19 أبريل 2020 الساعة 5:47 صباحًا - تم تحديثها في 19 أبريل 2020 الساعة 11:27 صباحًا

المصدر:

لوموند الأحد 19 - الاثنين 20 أبريل الصفحات 28-29.

 

1488 عبد الرضا عليس1- الدكتور عبد الرضا عليّ في سطرين من يكون؟

ج1 – ناقدٌ وأكاديميٌّ بلغَ من العمرِ عتـيَّا ، وبعد شهرين يدخل عامَهُ التاسعَ والسبعين إذا أرادَ اللهُ تعالى.

س2- كيف بدأت مع الأدب.. هل بتوجيه أو عن اختيار وقناعة؟

ج2 – اشتريتُ لاميّةَ الطغرائي (مصادفةً) بتحقيق المرحوم العلاّمة عليّ جواد الطاهر من بائع كتبٍ متجوّلٍ كي أتعرَّفَ على هذا الذي يُدعى بـ (الطغرائي)، وحينَ قرأتُها أثَّرتْ فيَّ، فسحبتُ تقديمي من قسم الرياضيّات، وقدّمتُ طلباً للانتماءِ لقسمِ اللغة العربيّة في الجامعة المستنصريّة، مع أنَّني كنتُ أحملُ بكالوريا الثانويَّة من القسم العلميّ. لأنَّ أسلوب الطاهر في التحليلِ، والتفسير، والتقييم، فضلاً عن مضمون القصيدة، وفلسفة نصّها حبّبَت إليَّ اللغةَ العربيّةَ، وجعلتْ محبَّة حرفةَ الأدبَ تدركني.

س3- لو لم تكن أديبا وناقدا.. ماذا كنت تودّ أن تكون؟

ج3 – وددتُ أن أكونَ أستاذاً جامعيَّاً، وقد حقَّقتُ ما كنتُ راغباً في تحقيقه، فقد مارستُ التعليم الجامعيَّ في العراق لمدّةِ خمس عشرةَ سنةً، فضلاً عن عشر سنواتٍ أخرى قضيتُها في جامعة صنعاء باليمن، إلى جانبِ عملي الحالي في الإشرافِ على طلبةِ الدراساتِ العليا في قسم اللغة العربيّة، وآدابها (الدراسة عن بُعد) لحسابِ الجامعة الحرّة في هولندا.

س4- ما علاقتك بالسياسة؟ بالرغم أنّ الأدب والنّقد هنا ممارسة لسياسة معيّنة والسّياسة تستوجب الأدب والفراسة.. ماهو رأيك أنت؟

ج4 – في مرحلة الشبابِ كنتُ يساريَّاً، وقد دخلتُ السجونَ بسبب إيماني بالفكرِ الديمقراطي اليساري، ولعلَّ ذلك الفكرعلَّمني الموضوعيَّةَ، والأمانةَ العلميَّةَ في مرحلةِ الكتابة النقديَّةِ حين استوى عودي المنهجي، لكنَّني الآن أكرهُ الحديث في السياسة، وقد رفضتُ إجراءَ مقابلاتٍ تلفازيّةٍ حين طَلبَ ذلك بعضهم منّي، لكن هذا لا يمنع من أن يكونَ لي رأيي الخاص في الذي يجري الآن في العراق، والعالم، فضلاً عن أنَّني إنْ وجدتُ سياسيَّاً موتوراً، أو حاقداً، أو مروّجاً للكذبِ، أو مدلِّساً، فإنَّني أُقاطعُهُ، وقد أحظرُه، أو أتحاشاهُ (في الأقل) إن كان من أصدقائي، لاسيّما إذا كان يكيلُ بمكيالين.

س5- أنت شاعر والبحور والموازين تسري في شريانك.. كيف تقيّم نفسك كشاعر..؟ وما تقييمك للشعر والشّعراء اليوم؟

ج5 – كتبتُ الشعرَ الشعبيَّ منذ مرحلة الثانويّة، وقرزمْتُ أبياتأ شعريّةً من شعر الشطرينِ في السنةِ الأولى من الجامعة، لكنّني بعد دراستي لعلم العروض في السنةِ الجامعيّة الثانية بدأتُ بكتابةِ القصيدةِ الناضجةِ الرصينة،غير أنَّني توقّفتُ عن نظم الشعرِ طوال سنوات جمهوريّة الخوفِ، ومنظّمتِها السريّة، كي لا أكونَ ضمنَ الجوقةِ التي باعت الضميرَ، وغنَّتْ للطغيانِ، ومجَّدت الدكتاتوريّة، على الرغمِ من الإغراءاتِ الكبيرة التي كان النظامُ الدكتاتوري يجذب بها ضعافَ النفوسإليه. أمَّا تقييمي لشاعريّتي فهو عند الآخرين ممَّن قرأ بعضَ مقطوعاتي، وليسعند نفسي . ويبقى الشطر الثالث من سؤالكِ المراد منه تقييمي للشعرِ والشعراء اليوم، فهو سؤالٌ كبيرٌ وتصعب الإجابة عليه،فهناك شعراء يتخذون أسلوب شعر الشطرين( العمودي) منهجاً لهم، وهناك آخرون يتخذون الأسلوبِ التفعيلي منهجاً، إلى جانب المئات الذين يكتبون نصوصاً مفتوحة ( قصيدة النثر)، وهذه الأساليب مختلفة في النسيجِ، والشكلِ، والمضمون،وفلسفة نصوصها، وحالاتها النفسيّة ،وينبغي على الناقد ألاّ يطلقَ أحكاماً عليها مجتمعة، فلكلِّ أسلوبٍ أدواته في الأداء والتوصيل، وتكوين الأخيلةِ،والعواطف ممّا يجعل استحالة تقييم الشعراء، وتقييم ما يكتبونه في هذه العُجالة، لأنَّ الحكمَ لن يكونَ سليماً كما نزعم.

س6- الشعر وجدان وخروجعن المألوف وأحاسيسجيّاشة.. فهل نعتبر القصائد التي كتبت لغايات مادية.. عن طلب ولحسابات خاصة بمقابل.. سواء كانت مدحا أو هجاء أو رثاء أو.. هل نعتبره شعرا أم امتهان الشعر والاحتراف فيه؟

ج6 – سبق لي أن عالجتُ هذا الأمر، أو اقتربتُ من تأصيل القول فيه في مبحث أدرجتهُ في كتابي الموسوم بـ(قيثارة أورفيوس) قلتُ فيه : (كان الشعر في العراق، وبقيّة الأقطار العربيّة في القرن التاسعَ عشرَ امتداداً للحقبة التي يُطلق عليها بـ "حقبة الاجترار" أو "الانحطاط" إذ اتَّصفَ الأدب فيها بالعقم، وعدم التطور، والتراجع شيئاً فشيئاً دون الالتفات إلى دورهِ الفاعل في الحياة الثقافية، والاجتماعية، والحضارية، وكان الشعر أكثر الأنواع الأدبية تراجعاً، لأن الشعراء اعتمدوا في نظمهم على مواهبهم فقط دون أن يطوروها بالاكتساب، فنضبت قرائحهم بمرور الزمن، وجفت منابعهم التخيليّة لابتعادها عن الصقل، وظلوا يكرّرون أنفسهم، ويقلد بعضهم بعضاً، ولم يلتفتوا إلى دور الفن في الحياة.

وقد ارتبط الشاعر بالبيوتات العريقة، والأمراء والحكام، وكان همّه الأول وشأوه الأقصى إرضاء ممدوحهِ، لأنه يعيش على هباته، وما تجود به يداه. من هنا كان التكسب هدفاً من أهداف الشعر لدى جل الشعراء، ومتى أصبح التكسب هدفاً في الشعر فاقرأ على هذا الشعر السلام.

وكان الشاعرُ يهيئ نفسه لممدوحه قبل حصول المناسبات، فينظم قصائد مختلفة الأغراض، للعديد منها ، سواء أكانت أفراحاً، أم أتراحاً، وحين تحين المناسبة المعينة يُخرجقصيدته المهيأة سلفاً بعد أن يضيف إليها بضعة أبيات لتحديد المناسبة، أو الأسماء الواجب توافرها في القصيدة، وهكذا يفعل في قصائد الرثاء، فقد هيأ نفسه لكتابة أكثر من قصيدة يسبغ فيها على المرثي أنواعاً من الصفات الكريمة، والمآثر الحميدة، وحين تقع الفاجعة يُضيف إليها بضعة أبيات لتتناسب والحالة التي سيقف فيها الشاعر منشداً بين يدي ممدوحه، أو من يريد تقديم التعزية إليه.

والشاعر لا يرتجي تطوير فنه الشعري بقدر ما يرتجي عطايا ممدوحه، وهو يرفض أحياناً استحسان الممدوح لشعره، لأنه يطلب حسناته:

كلما قلتُ قالَ: أحسـنتَ قولاً

وبـ (أحسنتَ) لا يُباعُ الدقيقُ(1)

فإذا كانت مثل هذه الأفعال المشينة قد ارتُضيتْ آنذاك لأسبابٍ تعلَّقت بالحاجةِ، وقلّةِ الوعي، فهي الآن مستهجنة، وتزري بالشعرِ،وتحطّ من قيمة الشاعر الذي يمارسها،ويحقُّ لنا أن نعتبر فعلتَهُ (كما تفضَّلتِ) امتهاناً للفنِّ، وتكسّباً مشيناً.

س7- لماذا غادر الأستاذ الدكتور عبد الرضا علي العراق؟ ولماذا لم يفكر العودة إليه؟ ولماذا فضّل الاستقرار ببريطانيا؟

ج7 – انتقلتُ من جامعة الموصل إلى الجامعة المستنصريّة ببغداد في العام 1992، وحين باشرتُ بالوظيفة استدعاني عميد الكليّة، وأعلمني أنَّ تقريراً من جهةٍ عليا قد وصل للسيّد رئيسالجامعة يفيدُ أنَّ المنظَّمةَ السريّة لجمهوريّة الخوف غير راضيةٍ عنّي، وهي تحذّر رئيسالجامعة من خطورتي، فأجبته خائفاً مستغرباً: ما وصلكم عنّي ليسصحيحاً، ولعلَّ هذا التقرير يحملُ ضغينةً ، فأنا رجلٌ لا شأن لي بالسياسة، ومؤيّدٌ للنظام، ولستُ مرتبطاً بأيِّ تنظيمٍ، أو حزب، لذلك اسمح لي أن أزورَ رئيسالجامعة كي أتحقّق من الأمر، فربّما لم أكن أنا المقصود.

وحين ذهبتُ لمكتب رئيسالجامعة، وطلبتُ مقابلته أبقاني مدير المكتب أكثر من عشرين دقيقة، ثمَّ قال لي: يعتذر الرئيسعن مقابلتك اليوم، وسيستقبلك يوم الأحّد القادم، وهو اليوم المخصّص للمقابلات، فقلتُ له: بلّغه تحاياي، وشكري، وأدركتُ أنّهم يكيدون لي كيدا، فأسرعتُ إلى بيت شقيقتي،وكانت زوجي هناك، فأخبرتهما بما يضمرون، وتوجّهتُ مباشرةً إلى مرآب الحافلات ، وركبتُ المتجهة إلى الأردن، ومن الأردن توجّهتُ بالطائرة إلى اليمن، وعملتُ في جامعة صنعاء أستاذا لمادة الأدب العربي، ونقده، وإذا بجريدة (الزوراء) التي كان يرأسمجلسإدارتها عديّ صدام حسين تصدرُ بياناً تقسّم فيه الأدباء الذين غادروا العراق أقساماً ثلاثة: ضمَّ القسمُ الأول الأدباءَ الباحثين عن الرزق، و ضمَّ الثاني المتأرجحين (بمعنى أنهم مرّة مع النظام، وأخرى ضدّه) وضمَّ القسم الثالث الذين أسمتهم بالمرتدّين، وكنتُ ضمن هذا القسم ،أي أنّنا محكومون بالإعدام لارتدادنا عن النظام الدكتاتوري، مع أنّني لم أكن معارضاً، وهذا شرفٌ لا أدَّعيه.

وعملتُ عشر سنواتٍ في جامعة صنعاء، لكنَّ سفارة النظام العراقي في صنعاء لاحقتني بسبب كوني من المرتدّين، وكنتُ مراقباً من أزلامها، وحين شاركتُ في ملتقى السيّاب الذي أقامه معهد العالم العربي ببارس/ فرنسا في العام 1995م ، تمَّ استدعائي لمقابلة السفير العراقي الدكتورمحسن خليل، وحين قابلتُه علمتُ أنَّ تقريراً من أحد أزلام النظام قد رُفع إلى السفارة يدَّعي كذباً أنَّ ملتقى السياب الذي أقيم بباريسقد أقامته المعارضة العراقيّة في فرنسا، فضحكتُ، وقلتُ له : الذي أقام الملتقى معهد العالم العربي،وليسالمعارضة العراقيّة، والسفارة الفرنسيّة في صنعاء هي التي منحتني الفيزا، فكيفَ تصدّق هذه الوشاية الكاذبة يا دكتور !

وحين انتقل السفير إلى القاهرة ممثلاً للعراق في جامعة الدول العربيّة استدعاني القنصل ، والوزير المفوّض، لأنَّ كاتب التقرير الأول وهو دكتور يعمل بجهاز المخابرات العراقيّة واسمه (م . ب)، قد كتبَ عنّي تقريراً جديداً،...وبعد المقابلة أدركتُ أنَّهم يلاحقونني،وقد تتمُّ تصفيتي، وأنّ عليَّ أن أبحث عن منفى يقيني شرّهم، وأتنفسفيه هواء الحريّة، فكانت بريطانيا هي المنقذ.

وحين سقط الصنم، وعدتُ إلى بغداد في العام 2008م، هالني ما رأيتُ، فقد كان تنظيمُ القاعدة( وهم من التكفيريين) يقتلون كلَّ من يعمل في الدولة العراقيّة، وكان الصراع الطائفي قد اشتدَّ بين أبناءِ البلد الواحد، فضلاً عن التفجيرات الكثيرة التي جعلت الأمان مفقوداً، فعدتُ أدراجي، ومضى قطار العمر، ولم يعد سنّي مناسباً للعودة، والعمل الآن.

س8- انتقلت إلى العديد من الدّول.. أيّ الدّول العربية تراها أفضل ثقافة وأمانا..؟

ج8 – التي أفضل ثقافةً هي مصر أمّ الدنيا، ثمَّ تونسالخضراء،َ تليهما المملكة المغربيّة ، أمّا التي أكثر أماناً فهي سلطنة عُمان.

س9- الحبّ.. كم أحببت من مرّة..؟ هل يموت الحبّ بعد الحب الأول..؟ وأمنية لم تحقّقها..

ج9 – مرَّاتٍ عديدةً، لكنَّها كانت تجاربَ فاشلة، فانحسرَتْ، ويبدو أنَّ قولَ أبي تمّام في صدر مستهلِّ قصيدته: (أهنَّ عوادي يوسُفٍ وصواحِبُهْ) خيرُ ما يليقُ ذكرهُ هنا، علماً أنَّ علقمةَ الفحلَ وصفهنَّ أعظم توصيف بقولِه :

فإِنْ تَـسْأَلونِـي بِالنّسـاءِ فإِنَّـني

بَصِيــرٌ بأَدْوَاءِ النِّســاءِ طَبِيبُ

إِذَا شـاب رَأْسالمرءِ أَو قَلَّ مالُهُ

فليــسلهُ مـن وُدِّهِنَّ نَصِيـبُ

يُرِدْنَ ثَرَاءَ المـالِ حيـثُ عَلِمْـنَهُ

وشَـرْخُ الشَّبابِ عِندهُنَّ عَجِيـبُ

لكنَّ الحبَّ الأوّل يبقى خالداً، ولن يموت كما أزعم.

أمَّا الأمنية التي لم أحقّقها ، فهي إكمال مشروعي الثقافي الذي أخَّرتني عن إكماله كثرة الأسقام، وأوجاع الجسم.

س10- كلمة لم تقلها.. وتريد قولها.. !

ج10 – شكراً لمجالس همس الموج الرصينة، فهيَ التي عرَّفتني بـ الشاعرة السامقة سونيا عبد اللطيف.

حاورته: سونيا عبد اللطيف

................

إحــــــالات

(1) كتابنا :( قيثارة أورفيوس) ص:10-11.

 

 

1487  مانيسو امريكو- الكتابة رئتي الثالثة، هذه اللغة التي لا تجوع معها إذ تلتهم هالة قواعدها،

- المحيط الاجتماعي والثقافي يشكل موروثاً أساسياً لكلّ منا

- ولأنّ لكلّ زمانٍ ذائقته ومفرداته

- الحب والسلام قضيتي  الاولي والاخيرة

- رسالتي للشعب السوري الا يعول الا علي نفسه فقط


- "أنا الفتاة المحقونة بالحبر

بكلّ ما أوتيتُ من غيرة، أتجنبُ الموت بهمزةٍ طائشة وأبيع روحي لمن تعاطى الشعر

أتيتكم من قرية تُدعى Oşki kibar وتعني عاشقَ الجميلة أخاطبكم باسمي الصغير المشتق من نسيان الألم

سنوات عمري الثمانية والثلاثين نسجتُها في كنفِ سوريتي وصولاً إلى الوطن القسري ألمانيا

كانت جامعة حلب الشهباء قد اختارتني يوماً لأحتضن حقوقي في كنفها كما ونحو معهد للفنون الجميلة بصلصالٍ دافئ رسمتُ طريقاً إلى قسم النحت والخط

منذ نشأتي كانت وما زالت اللغة العربية تجري ندية الحرف على فمي، تهُبّ طازجة إلي موثقةً بفترةٍ مفتوحة الصلاحية فتجدني رغماً عن قلبي أتطيبُ شِعراً، أتمايل على موسيقا الحركات بين فتحٍ وسكونٍ وضم

أنا الفتاة المحقونة بالحبر

أرضع صغاري حبّها لتصبح الكتابة رئتي الثالثة، هذه اللغة التي لا تجوع معها إذ تلتهم هالة قواعدها، هذه التي لا تتجزأ والتي لم ولا ولن أراها إلا إرثاً معصوماً غير قابل للجدل أو السقوط في القاع

فتجدني أتذوق ملح ما يُدوَن، كترسباتٍ في قاع الكاتب مثلاً، تراني أحمل ملعقة في جيبي على الدوام أملأ فمي أتحرى عن أفعالها وأنسى وجهي وأصابعي أينما أمر

فاعذروا صراخي المفاجئ، انفعالاتي المؤقتة، إنّ تلوثَ المزاج العام للقارئ، يصنع أرضاً محترقةً مكتظةً بطينِ الخطأ والأنفة والتشويه

إنها الأمانة الثقيلة التي حباها الله أناملنا والتي من حقكم علينا أن نتريث ونتريث لنودعها بين أيديكم كما يليق بها وبكم" كان حديثها عن الذات صرحة شامية في وجهه  كل من يتجاهل وطنها باوجاعه  انها الشاعرة السورية  "مانيسا امريكو" التي سعدنا بالتحاور معها حيث سالتها في البداية:

س- أراك تتمسكين بعروبتك في وقت تخلي فيه الكثيرون عنها ما تحليلك لذلك؟

- منذ نشأتي كانت اللغة العربية تتوسد حنايا القلب برفقة لغتي الأم لطالما كانت تجري ندية الحرف على فمي، تهُبّ طازجة إلي موثقةً بفترةٍ مفتوحة الصلاحية فتجدني رغماً عن قلبي أتطيبُ شِعراً، أتمايل على موسيقا الحركات وأتجنبُ الموت بهمزةٍ طائشة

هذه اللغة باختصارٍ لا يجوع معها أحد

س- ما هي أهم المؤثرات الثقافية والفكرية التي ساهمت في تشكيل وجدانك الإبداعي؟

- في البداية كانت مدرسة نزار قباني الشعرية ذات وقع خاص حيث يمتاز شعره بأنه سهل ممتنع، وغالباً يستهويني هذا الشعر الذي يترك أثراً كبيراً في قلوب قراءه، حيث يلامس الأجيال بمختلف فئاتها العمرية كما وأنّ إضافة تفاصيل الحياة اليومية البسيطة لديه كان له أثر واضح في رؤيا أُخرى واسعة المدى ورويداً رويداً تعددت وتوسعت الذائقة الأدبية وغدت الملاحم تلفت انتباهي بشغف كبير كملحمة مم وزين للشاعر أحمد الخاني وملحمة جلجامش وأنكيدو

كما وأنّ المحيط الاجتماعي والثقافي يشكل موروثاً أساسياً لكلّ منا فقد نشأتُ داخل عائلة متشبعة بالأدب بين أمٍ تدندن الموشحات في مسامعنا قبل النوم ووالدٍ يخبرنا بقصص ممتلئة بالعبر والحكم منذ طفولتنا، كنّا كمن يُحقن بالحبر أو بالشعر لست أدري حقاً، ولطالما كان السرد الوارد فيما يرويه والدي وما ينتهي إليه من عِبرة يأسرني كنتُ أتفكر في ما ورائيات هذه الرواية وكيف استطاع الكاتب الإبقاء على الأثر طويل المدى في الذاكرة

أظنّ أنّ إتقان الإصغاء يقودونا نحو تذوق الجمال بطريقة متفردة كأن تنبت لنا رئةٌ ثالثة بها ومنها نتنفس الفن الكامن دواخلنا

وقد كانت الكتابة رئتي الثالثة

س- لكل كاتب قضية يحاول الوصول بها إلى وجدان وعقل القارئ فما هي قضيتك الأولى؟

الحب والسلام أولاً وأخيراً

السلام الداخلي بين النفس وذاتها، السلام الكامن في أصل الإنسان، لذلك تجدني أكتب الحب

فبه وحده ندرك السلام في زمنٍ تحجر فيه كل لين

حقاً إنّ الحبّ يغير نظرتنا بالمطلق وبدونه لا شكّ أنّ الإنسان مجردٌ من إنسانيته

هو سفير السلام به وبه وحده فقط نستطيع أن نجدّ أنفسنا التي فقدنا

س- من هو كاتبك المفضل على المستوى العربي والعالمي ولماذا؟

- الخارج عن المألوف سليم بركات صاحب اللغة الشعرية المتمرِّدة

سليم بركات بكل ما يغلب عليه من طابع الجموح، والذي قال عنه أدونيس: "هذا الشاب يمتلك مفاتيح اللغة في جيبه"

والفرنسي ميلان كونديرا القادر على أن يأخذنا دائماً للنظر في الأسئلة التي يطرحها كل إنسان منّا على نفسه باستمرار

كونديرا عبقري النقائض المحببة بالنسبة لي ينقلك بين الحلم والواقع، بين الفلسفة والخيال والعظيم أنّ كلّ هذا المزيج المعقد بكمٍّ هائلٍ من البساطة

والبرتغالي المذهل فرناندو بيسوا بكل شخصياته المتداخلة المنفصلة المتسم بالتكثيف والميتافيزيقية والحساسية

المهتم بالحياة العابرة والحب، المنغمس في الواقع

هذا على وجه الخصوص لكن القائمة تطول وتطول

س- الكاتب دائما وليد التجربة الحياتية التي يمر بها كيف رصدتي تجربة الحرب في وطنك الأم سوريا؟

- من خلال التحديق في عمق الإنسانية ففي جعبتي كومةٌ من الأحزانِ لا أبكي عليها

وهنا يستوقفني ما قلته في أحد نصوصي بأن شهادتي التي سبقَ وحصلتُ عليها استبدلتُها بحرفةِ صناعةِ الأحذية وجلستُ على الشاطئ أنتظرُ أقدامَ الناجين

س- لكل كاتب مقومات نجاح في كل زمان ومكان فما هي المقومات التي تساعد على نجاح المبدع والكاتب في ظل هيمنة وسائل التواصل على حياة الجميع؟

- من المؤكد أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت من ضروريات الحياة الحديثة لكنها للأسف سلاح ذو حدين كما ويجب استخدامها والتعامل معها بحذر، أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي عملت على تقليل الحواجز التي تعيق الاتصال حيث أتاحت المجال لنقل الأفكار والآراء المتعلقة بموضوع معين لعدد كبير من الأشخاص وبطريقةٍ سهلة، وذلك من أيّ مكان وزمان، كما فتحت الأبواب لتبادل الآراء وتوسيع فرص المشاركة في التعبير عن الرأي، أما على وجه الخصوص فقد حررت الكاتب من أمورٍ عدّة إلى حدٍ كبير كما وأتاحت له تشكيل قاعدة جماهيرية كبيرة

س-  قضية الحداثة هي القضية القديمة الحديثة التي تشغل بال الكثير من النقاد في الوسط الادبي مارأيك في أسلوب الحداثة في الشعر؟

- مما لا شك فيه أنّ الشعر ظاهرة فنية عريقة رافقت حياتنا البشرية منذ القِدم ومما لا شك فيه أيضاً أنّ الشعر قد تطور ومنذ القدم حيث شهد في العصر الأموي تغيراً في بعض موضوعات الشعر أي أنّ التجديد كان محدوداً في شكل القصيدة وبنائها الفني مروراً بالتجديد البديعي والموشحات قبل عصرنا الحديث، ولأنّ لكلّ زمانٍ ذائقته ومفرداته

فلا بأس من ذلك لأن الذائقة العامة تستدعي وتختلف لكن دون التمرد والاستنكار على ومن هذا التراث الشعري الذي كان وسيبقى منارةً لاقتباس النضج الشعري الذي لا يتناسب كثيراً مع عصرنا باختصار إنّ الحداثة الشعرية استعاضت عن الإيقاع الصوتي بالإيقاع المشهدي من خلال قصيدة الومضة أو قصيدة المشهد

س- لكل كاتب أيدلوجية خاصة تهيمن على كل ابداعاته فما هي أيدلوجية شاعرتنا " مانيسا امريكو"

- التخلص من أيّ انتماء ذلك لأنّ النص الشعري بصفته جنساً أدبياً لا يقيم إلا بمعايير أدبية بحتة

س- ما هي رسالتك للشباب الكتاب في الوطن العربي؟

- إنّ تلوثَ المزاج العام للقارئ يصنع أرضاً محترقةً مكتظةً بطينِ الخطأ والأنفة والتشويه

وما الأدب إلا إرثٌ معصومٌ غير قابل للجدل أو السقوط في القاع

لذلك وجب التريث والتريث والتريث فيما يودعه الكاتب لدى القراء

س- ما هي رسالتك إلى الشعب السوري عامة والمرأة السورية خاصة؟

-إنما هي رسالة للإنسان على وجه العموم

لا تعول إلا على نفسك

س-  هل لنا أن تقدمي لنا بعض من نماذج إبداعك الشعري؟

بعنوان تَجليات

كنتُ أريدُ أن ألعقَ جَرحك

أن أدعوَهُ للعشاء وألتهمَ جمالهُ بعينٍ واحدة

أن أقيسَ حرارتهُ بقُبلة

أنقر زاويتهُ مثلَ عصفور

أُغري رطوبةَ جدارهِ وأنفخ فيهِ كثيراً إن هوَ تدفق

أن أمدَّ رأسي وأُثبّتَ بصري في عينهِ الساحرة

لا شيءَ سوى الغباش وظِلّيّنا المتعانقين

كنتُ أريدُ أن أُعلقهُ كتميمةٍ

وأن أجلسَ على الحافةِ وأتركَ قدميَّ الصغيرتين

تتأرجحانِ في دمه

كنتُ أريدُ أن ألعقَ جَرحك

أن أصطحبهُ إلى السينما

أن أرقصَ الفالسَ في شوارعِ دمشقَ الملهوفة معه

أقفُ على تعبي

أُدلّكُ ركبتيهِ الباردتين

أتركُ لكَ فمي الذي قَبّلك

وآخذُ فمكَ الذي لفظني

في كلِّ مرةٍ أردتُ أن أضغطَ على تفاعلِ (أحببته)

أضمكَ وأضغطُ على قلبي

-2-

بعنوان من حنجرةٌ تغرقُ بك

الدمُ الذي سالَ من حزني

صارَ نهراً

وأنا وأنا ما زلنا نتبادلُ الحديثَ عنك

أتسلقُ وجهكَ شامةً شامة

أطوفُ صوتكَ مترعةً بالشعر

كافرة بكلِّ ما صدقتُ عنك

أُشعلُ قناديلَ الخوفِ الآتي أنا واحساسي الذي ينمو في عينيك

أعصرُ اللغة في غربةِ الرمل

أسفكُ دمَّ الظلال

وأوزعُ نفسي عليك

-3-

قصيدة تباريح الهوى

ألا يا طيفَ صوتٍ لو أتاني

فلم أمسك فؤادي إذ دعاني

 

ولو في الأرض قد تبقى وحيداً

أغارُ عليكَ من بُعد المكانِ

 

أغارُ عليكَ مِن جفنٍ ورمشٍ

جمانٌ مِن جمانٍ في جمانِ

 

وأدنو مِن وصالٍ فيه أحيا

كما يدنو المصلي للأذانِ

***

حوارها د. السيد الزرقاني

كاتب مصري

 

1489  طه الزيديمبدعون من بلادي ..

أن تدور باحثا في مسائل أشبعت بحثا ونقدا ودراسة وتأليفا وتصنيفا وتمحيصا بمتون وحواش وهوامش وذيول وشروح على الشروح شيء، وأن تلاحق المستجدات والحادثات في عالمك وكل ما يحيط من حولك بما لم يتم بحثه من ذي قبل نزولا عند إلحاح الجمهور وللاجابة على تساؤلاته الحائرة شيء آخر تماما، أن تؤلف كتابا أو كتابين بمجال أو تخصص معين شيء، وأن تدلي بدلوك لتؤلف في مجالات عدة مشبعا نهم القراء ومجيبا عن إستفساراتهم المؤرقة شيء ثان، ولعل هذا ما إنبرى له باحث عراقي مثابر عرف بملاحقته للمستجدات لبيان أحكامها وتفصيل مجملها وتوضيح مشكلها وتخصيص عامها وتقييد مطلقها إنطلاقا من وجهة نظر شرعية مقاصدية وعلمية تتميز بالواقعية وتتصف بالعقلانية وتتشح بالوسطية بعيدا عن الافراط والتفريط، باحث له في كل جديد كلمة وفي كل مستجد بصمة كان آخرها وليس أخيرها ورقة بحثية بعنوان "الإفتاء عبر الاعلام الرقمي وسبل تعزيز الوعي بالمعرفة الفقهية لدى الجمهور" ومحاضرة بعنوان:" صناعة القدوة العلمية في ضوء نظريات التأثير الجماهيري" ألقيت ضمن فعاليات " المؤتمر الاعلامي الدولي الأول للاعلام الرقمي وصناعة الوعي الجماهيري" الذي نظمته "منصة اريد " بالتعاون مع "جمعية البصيرة للبحوث والتنمية الاعلامية" بثلاث نسخ ماليزية وعراقية وجزائرية وكلها عبر الانترنت والتواصل عن بعد، انه الباحث الدكتور طه أحمد الزيدي، الذي أتحفنا بكتاب جديد في زمن الكورونا (كوفيد - 19) يضاف الى سلسلة مؤلفاته القيمة السابقة بعنوان (التوطئة في أحكام الأوبئة - في ضوء الفقه التكاملي) إلتقيته ليحدثنا عن ما يسمى بفقه " المستجدات" كبديل يرجح بعضهم إستخدامه والكتابة والتأليف والتصنيف فيه بدلا من مصطلح شاع في فترة قريبة ماضية الا وهو" فقه النوازل " اذ أن هناك من يتحفظ على المصطلح الأخير ذاك أن النوازل تعني المصائب وليس كل حادث ومستجد في عالمنا المعاصر هو مصيبة وإن كان بعضها كذلك، فمن المستجدات ما فيه خير البلاد والعباد إن أحسن إستثماره وتوجيهه على النحو الأمثل ليرتقي بالمجتمع الى أفق أرحب، وبدأنا بسؤاله عن سبب تأليفه في المستجدات وما أبرز مؤلفاته في هذا المجال المهم فضلا عن الجوانب الأخرى غير المطروقة سابقا فأجابنا مشكورا:

- الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فحياكم الله اخي الكريم الاستاذ أحمد، وجميع الاخوة القراء والمتابعين، من المعلوم أن لكل فن من فنون البحث والتأليف رجاله، يحسنون التصنيف فيه، بناء على مخزونهم المعرفي، وتخصصهم العلمي وتنوعه لديهم ورغبتهم وهمتهم وادراكهم لأهمية هذا الحقل من المعرفة لأهل العلم أو للمجتمع، ولولا هذا التنوع لخرجت المعرفة شوهاء قصيرة في جانب وطويلة في جانب آخر، قوية في مجال هزيلة في غيره، وسبب اندفاعي نحو التأليف والبحث في الفقه والقضايا المعاصرة دون تحقيق التراث، لأن الباحث أمير والمحقق أسير، وفي كل خير، كما أن التصدر للإفتاء والتعرض لتحرير المسائل المستجدة بحكم عملي في القسم العلمي ثم قسم الفتوى في المجمع الفقهي العراقي وبحكم مشاركاتي في المؤتمرات الفقهية والاعلامية الدولية كل ذلك عزز لدي الرغبة في معالجة القضايا المستجدة، وبحث المشاكل المعاصرة التي تتطلب حلولا شرعية واقعية تتجاوز المعالجة التقليدية، والتصدي للمسائل المعاصرة ذات الشأن العام كقضايا السياسة الشرعية والاعلام الاسلامي، ولما لها من تأثير في المجتمع.

س2 - وما هي أهم مؤلفاتكم في المستجدات والقضايا المعاصرة؟

ج: في الفقه كتاب أحكام جرائم المعلومات في الفقه الاسلامي والقانون، وقضايا معاصرة في الفقه والسياسة، وترشيد الخلاف الفقهي في وسائل الاعلام،  وسلسلة قضايا فقهية معاصرة وتضم ست رسائل علمية (قروض السكن دراسة مقاصدية فقهية - حكم الطلاق عبر أجهزة الاتصال الحديثة - التسويق الشبكي في ضوء فقه المآلات - الضوابط الشرعية لاستخدام مواقع التواصل والالعاب الالكترونية - أحكام التعاملات المالية الالكترونية المعاصرة - التوطئة في أحكام الاوبئة في ضوء الفقه التكاملي).

وأما في السياسة الشرعية: فلنا كتاب المرجعية في ضوء السياسة الشرعية، ونظريات السلطة في السياسة الشرعية، والتأصيل والتحرير في السياسة الشرعية والاعلام والفضاء،

وأما في الإعلام الإسلامي: فلنا كتاب الإعجاز الإعلامي في القرآن الكريم - تأصيل وتفعيل، والمدخل إلى التفسير الإعلامي، والمرجعية الاعلامية في الاسلام، والمسؤولية الاخلاقية للإعلام الاسلامي، والتربية الاعلامية، وإعلام حقوق الانسان، وفقه المصطلحات دراسة تأصيلية وتطبيقية في السياسات الاعلامية.

س3: على الرغم من الحظر الوقائي الذي أجلس 4.4 مليار إنسان حول العالم في منازلهم بعد أن حصد الوباء أرواح عشرات الالوف وأصاب اكثر من ثلاثة ملايين إنسان في أرجاء المعمورة، صدر لكم كتاب (أحكام التعاملات المالية الإلكترونية المعاصرة ) ضمن اصدارات المجمع الفقهي العراقي، يعالج خمسة تعاملات مالية كبرى تجري عبر التواصل الالكتروني برؤية فقهية مقاصدية معاصرة، حدثنا قليلا عن خلاصة هذه التعاملات الخمسة التي تناولتها في كتابك لاسيما وأن جميع التعاملات ونتيجة الحجر الصحي وحظر التجوال قد أصبحت الكترونية من خلال الكي كارد والماستر كارد ونحوها بما فيها رواتب المتقاعدين والموظفين .

ج: العلم لا يعرف حظرا زمانيا ولا مكانيا، ولذلك نجد كثيرا من علمائنا ألفوا رسائل وكتبا مطولة في اثناء العزلة والسجن، كالإمام السرخسي صاحب المبسوط وشيخ الاسلام ابن تيمية صاحب الفتاوى والراغب الاصفهاني صاحب حلّ متشابهات القرآن، والسيوطي صاحب اللألئ المصنوعة في الاخبار الموضوعة، ومن المعاصرين سيد قطب صاحب في ظلال القرآن، كما نجد كثيرا من الناشطين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني كتبوا رسائلهم الجامعية في السجن، فالعزلة للمؤلف نعمة يغتنمها للتأليف والكتابة، يقول عليه الصلاة والسلام: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ، وقد منّ الله علينا في اغتنام الحظر الصحي في تأليف كتاب التوطئة في أحكام الأوبئة والذي هو الان تحت الطبع، وما زلت مستمرا في تأليف كتاب معجم ألفاظ الإعلام في القرآن الكريم لأتمم به موسوعة الإعلام في القرآن الكريم، كما أنعم الله عليّ في هذه المدة بمراجعة وتدقيق كتابنا التفسير الاعلامي للقرآن الكريم بأجزائه الثلاثة.

 وأما كتاب أحكام المعاملات المالية الالكترونية المعاصرة فقد فرغت منه قبل الحظر وتمت طباعته مع بداية الحظر، ويعالج الكتاب ابرز المستجدات التي تواجه المجتمعات الاسلامية المتعلقة بالتعاملات المالية الالكترونية، إذ يشهد العالم تقدما كبيرا وواسعا في مجال تقنيات التواصل عبر شبكات الانترنت، فظهرت التجارة الالكترونية لتعطي تصورا جديدا لمسألة اتحاد المجلس، ومعها قامت شركات كبرى تمارس نشاطات تجارية ومالية وتسويقية متنوعة، يقابله ظهور شركات وهمية تستغل اندفاع كثير من المستخدمين للأنترنت نحو تحقيق مكاسب مالية، لترمي بشباك النصب والاحتيال عبر برمجيات لا وجود لها الا في الفضاء الافتراضي، ولأجل ضبط بوصلة التعاملات المالية من غير تساهل يؤدي الى أكل الربا أو اموال الناس بالباطل، أو تشديد لا يراعي الواقع ويوقع الناس في الحرج، ولاسيما أن هذه التعاملات أصبحت معلما للحياة المعاصرة لا يمكن تجاهلها أو اهمالها، وايمانا منا بأن الفقه الاسلامي فقه حيوي ومتجدد يجمع بين الثوابت والمتغيرات، يواكب المستجدات ويعالج النوازل والحوادث ضمن اطار اجتهادي يقوم على فهم النصوص ومراعاة مقاصد التشريع واسراره في جلب المصالح ودرء المفاسد، وفهم الواقع والواجب فيه، واعتبار المآل والتنبه للذرائع، وهذه وظيفة أهل الذكر الذين ملكوا ادوات النظر والاستنباط، الذين يحرصون على بيان الاحكام الفقهية في القضايا المعاصرة المتعلقة بمختلف جوانب الحياة، وتقديم الحلول الشرعية للمشكلات والازمات التي تواجهها المجتمعات الاسلامية والاقليات، لذلك جاء هذا الكتاب ليعالج الأحكام الشرعية لخمسة تعاملات مالية تجري عبر الانترنت، وهي: التجارة في موقعي امازون وايباي، والتعامل مع شركات الفوركس بشقيها العام والاسلامي، والاشتراك في شركات الوساطة للاستثمار والتسويق الالكتروني، والتعامل مع العملات الالكترونية الافتراضية المشفرة المعماة، وتوصلت الدراسة الى أن بعضها جائز كالتجارة في موقع امازون وايباي مع مراعاة بعض الضوابط الشرعية للتعامل التجاري فيها، وبعضها لا يجوز لما فيه من الربا وأكل اموال الناس بالباطل والغرر والاحتيال، كشركات الفوركس والوساطة في الاستثمار الالكتروني، وبعضها بحاجة الى اتخاذ خطوات تتولاها الجهات الحكومية ليتم اعتمادها شرعيا كالعملات الافتراضية المعماة، ولله الحمد والمنة فقد استجاب عدد كبير من الشباب للأحكام التي توصلت اليها الدراسة وتركوا العمل بالمحظور منها شرعا، وبعد صدور كتابنا صدر عن دائرة التفتيش والرقابة في هيئة الاوراق المالية العراقية كتاب رسمي يحذر من التعامل مع شركات الوساطة الالكترونية للاستثمار في اسهم الشركات الدولية لغلبة صفة الوهمية عليها.

س4: أنت القائل ضمن سلسلة بشائر بـ " ثبات أجر الجمعة والجماعة لمن تركها لسبب قاهر " كيف ذاك؟

ج: من روائع ديننا الاسلامي مراعاته للجانب النفسي في تشريع الاحكام، تحقيقا للسكينة ولاسيما في باب العبادات، وعند انتشار وباء كورونا كوفيد - 19 وما تتطلب من اجراءات وقائية تحقيقا للمصلحة العامة والخاصة ومنها ايقاف صلاة الجمعة والجماعات في المسجد، مما أثر على نفسية شريحة واسعة ممن قلوبهم معلقة بالمساجد، فكان لا بد من بيان إحدى مبشرات ديننا الحنيف متعلقة بهذه الجزئية، ومفادها أن من واظب على صلاة الجمعة والجماعة في المسجد، فحبسه عذر أو منع عنها لأمر خارج عن إرادته وقدرته، فنبشره أن الأجر والثواب يكتب له كاملا، لأنّ قواعد الشريعة: أن من أراد عملا صالحا وبذل أسبابه ومنع منه بمانع خارج عن قدرته وإرادته فإنه حينئذ يكتب له الأجر كاملا، في الصحيح قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا»، وأخرج البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حينما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة، فقال: «إنّ بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم»، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر»، ومعلوم أن السكينة والطمأنينة تقوي الجانب المناعي لدى الانسان وهو ما يحتاجه في مواجهة الامراض الوبائية، فكانت هذه المبشرات لتحقيق هذا المقصد العظيم. 

س5- في مقالك الأخير بمجلة الاعجاز العلمي تحدثت عن " الاكتشافات العلمية النظرية والتطبيقية للعلماء المسلمين الأوائل" وقد نال المقال استحسانا كبيرا، حبذا لو تعطينا نبذة عن أشهر هذه الاكتشافات بشقيها النظري والتطبيقي .

ج: من المعلوم أن الإسلام حث على العلم وعلى تدبر آيات الله في خلق النفس البشرية، وسننه في الآفاق، ورفع منزلة العلماء، مبينا أن من مقاصد الشريعة في تحصيل العلوم ونشرها ثلاثة: - ترسيخ العبودية لله تعالى، وتعظيم توحيده، وزيادة الخشية منه، وتوظيف مخرجات العلم المتجددة في تحقيق ذلك، (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)، وتكريم الانسان وخدمته، وتسخير مخرجات العلم ليقوم بوظيفة الاستخلاف في الارض، ولحفظ ضرورياته التي لا تستقيم الحياة الانسانية الكريمة الا من خلالها، وبناء المجتمعات وعمارة الارض، وتعزيز التعارف بين المكونات الانسانية والتعايش الحضاري السلمي، قال تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا )، ووضع الاسلام ضابطين للعلم المحمود: عدم مخالفة الشريعة، والنفع وانتفاء الضرر.

وبذلك فتح الاسلام الافاق أمام علماء الشريعة للتأمل في الحقائق العلمية الكونية، ووسع دائرة توظيف العلوم التطبيقية لخدمة الانسان والارتقاء بالمجتمع، ولذلك جاءت هذه الدراسة لتعالج جهود علماء الشريعة في التعامل مع الحقائق العلمية ومنها: حقيقة كروية الارض واثبات الجاذبية، قال الإمام ابن حزم (ت 456هـ): إن أحداً من أئمة المسلمين المستحقين لاسم الإمامة بالعلم (رضي الله عنهم) لم يُنكروا تكوير الأرض، ولا يُحفظ لأحد منهم في دفعِه كلمة، بل البراهين من القرآن والسنة قد جاءت بتكويرها، وقال الإمام فخر الدين الرازي(ت606هـ): " ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها، وقال المقدسي (ت381هـ) رحمه الله: " أما الأرض فإنها كالكرة، والأرض جاذبة لما في أيديهم من الثقل؛ لأن الأرض بمنزلة الحجر [المغناطيس] الذي يجذب الحديد.

وأما انجازات علماء المسلمين في العلوم التطبيقية، فيأتي في مقدمتها إتقانهم بناء المراصد الفلكية وصنع آلاتها، وصنع الاسطرلاب، ومنها صناعة الساعات بأنواعها، وقد وصف مؤرخ قصر شارلمان (اليارد) وكذلك بعض المصادر العربية ساعة الرشيد فيقولون: "إنها ساعة ضخمة بارتفاع حائط الغرفة، تتحرك بواسطة قوة مائية، وعند تمام كل ساعة يسقط منها عدد معين من الكرات المعدنية بعضها اثر بعض، بعدد الساعات فوق قاعدة نحاسية ضخمة، فيسمع لها رنين موسيقي، يسمع دويه في أنحاء القصر، وفي نفس الوقت يُفتح باب من الأبواب الاثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة، ويخرج منها فارس يدور حول الساعة، ثم يعود إلى حيث خرج، فإذا حانت الساعة الثانية عشر يخرج من الأبواب اثنا عشر فارسا مرة واحدة، ويدورون دورة كاملة ثم يعودون فيدخلون من الأبواب فتغلق خلفهم".

وأما قمة الانجاز العلمي فكان على يد عالم الميكانيك بديع الزمان أبي العز اسماعيل بن الرزاز الجزري البغدادي، من علماء القرن السادس الهجري، إذ يعدّ أول من ادخل (الرجل الآلي) إلى الخدمة المنزلية، فقد صنع لأحد الخلفاء آلة على هيئة غلام منتصب القامة، وفي يده ابريق ماء وفي اليد الأخرى منشفة، وعلى عمامته يقف عصفور، فإذا حان وقت الصلاة يصفر الطائر، ثم يتقدم الخادم نحو سيده، ويصب الماء من الإبريق بمقدار معين، فإذا انتهى من وضوئه يقدم له المنشفة، ثم يعود إلى مكانه والعصفور يغرد، حتى كان اعجوبة زمانه، كما انه أول من صنع مكاتب تعمل بالرقم السري، لحفظ نفائس الكتب ومنها كتابه الجامع بين العلم والعمل النافع.

ولعل من مقاصد هذه الدراسة دعوة علماء المسلمين وحث شبابنا الجامعي الى بدء نهضة علمية لنجمع بين الإيمان والعلم وبهما نقود العالم، ونقدم من جديد حضارة تنقذ البشرية وان تقدمت علميا من الخواء الروحي لنجنبها ويلات التوظيف الدموي للمكتشفات العلمية كما حصل في الحربين العالميتين ويحصل اليوم من تدمير الشعوب بالأسلحة التقنية والجرثومية والمناخية.

س6- مع كثرة الوفيات بسبب وباء كورونا وحيرة الناس، بل قل تخوفهم من دفن الموتى الذين قضوا بالوباء حتى ان الكثير من ذوي المتوفين قد أحجموا كليا عن دفنهم فضلا عن تغسيلهم وتكفينهم والصلاة عليهم، وكان لكم رأي فقهي محترم في كل ذلك، حبذا لو أوجزت لنا رأيكم في المسألة مناط البحث هاهنا للفائدة العامة .

ج: أذكر قبل ثلاث سنوات توجه الى المجمع أحد طلبة الدراسات العليا بأسئلة تتعلق بقضايا معاصرة طالبا رأي المجمع الفقهي العراقي فيها وكان من بينها سؤال عن كيفية غسل ودفن الموتى الملوثين اشعاعيا، وحينها كلفت بتحرير هذه المسألة، وعندما بدأ الحديث عن وباء فايروس كورونا المستجد، واطلاعنا على بعض التقارير العلمية الدولية بشأن التعامل مع جثة ضحايا هذا الوباء، عدنا الى تحرير المسألة السابقة وتنزيلها على حالة موتى وباء كورونا، وملخصها: إن اكرام الميت واجب شرعا، ولكن إن تعسرت بعض واجباته لحصول مفسدة تصيب الحي أو وقوع حرج فالواجبات الشرعية مقيدة بالاستطاعة، وتسقط بالعجز أو الحرج الشديد، فيؤتى منها المستطاع، بحسب ما يراه أهل الاختصاص فيما يتعلق بآثار انتشار الوباء.

فإن لم يكن التغسيل ممكنا فييمم، بمسح الوجه والكفين، فإن لم يتمكن من التيمم مباشرة؛ لتجنب التقرب، والملامسة، أو لمنع فتح الكيس الذي غلفت به الجثة، فلا بأس أن يدفن بغير غسل ولا تيمم كحال فاقد الطهورين، ويكفن بلفافة فإن تعذر إخراج الجثة من الكيس الخاص بها، فيعد الكيس كفنا له بمثابة اللفافة ويكتفى به، وإن أمكن لفه فوق الكيس بلفافة فعل.

ويصلى عليه صلاة الجنازة، من قبل من يباشره، ولو عن بعد، وإن لم يتمكنوا من الصلاة على الجنازة فيصلى على قبره ولو عن بعد، مع مراعاة المدة أو المسافة التي يحددها أهل الاختصاص لتجنب انتقال العدوى أو التلوث الوبائي، فإن لم يفعل ذلك، فتصلى عليه صلاة الغائب، وليس في ذلك امتهان للميت، وإنما تغلب المصلحة العامة للأحياء على المصلحة الخاصة بإكرام الميت.

وأما ما يتعلق بدفنه فالأصل أن يحفر له ويدفن لحدا، فإن خيف من تلوث التراب أو نبشه من قبل الدواب ما يؤدي إلى انتشار الوباء، أو عند عجز من يتولى دفنه فعل ذلك لخشية التلوث أو لكثرة الموتى، فيدفن بما تراه اللجنة الطبية المختصة أسلم لمن يتولى ذلك أو للمجتمع، فإن اقتضت المصلحة العامة دفنه بتابوته وعلى عمق معين ووضع مادة تمنع انتشار التلوث من اسمنت وغيره، أو اختيار مقبرة خاصة لدفن موتى الوباء، فلا حرج في ذلك؛ لأن حرمة الحي وحفظ نفسه أولى من حفظ جثة الميت، والله سبحانه وتعالى أمرنا بالاحتكام إلى أصحاب الخبرة في أمور الدين والدنيا التي لا يوجد فيها نص صريح، أو تعذر إعمال النص.

س7- (الإعلام والأمن المجتمعي رؤية واقعية واستشرافية) هذا هو عنوان المؤتمر العلمي الدولي السادس للإعلام الذي نظمه مركز البصيرة بالتعاون مع منصة اريد، بمشاركة (38) بحثا علميا، لباحثين من داخل العراق وخارجه، وقد ترأست جنابك الكريم المؤتمر المذكور والقيت كلمته الافتتاحية، ترى ما هو الدافع الأساس لإقامة هذا المؤتمر العلمي وما هي رؤيته ورسالته واهدافه ؟

ج: في البدء نحن بفضل الله تعالى نحمل شهادتي دكتوراه الاولى في فلسفة الاعلام تخصص اعلام اسلامي، والثانية دكتوراه في العلوم الاسلامية تخصص فقه مقارن، واستحقاقات كل تخصص مطلوب القيام بها، ومن هنا يأتي اهتمامنا بمعالجة القضايا الاعلامية، ادراكا منا أولا: لأهمية الاعلام، فليس هنالك خلاف في اهميته ودوره المؤثر في الاسرة والمجتمع فقد أصبحت وسائل الإعلام مصدراً مهماً من مصادر المعلومات، وموجّهاً قوياً لسلوك كثير من أفراد الجمهور، وتنامي دورها في التأثير وفي تشكيل الرأي العام والقدرة على الإقناع والتغيير، ومع تقدم المجتمعات وتحضرها، يزداد تعقدها واندماج وسائل الإعلام فيها، حتى أصبحت وسائل الإعلام جزءاً لا يتجزأ من المجتمع، ولاسيما في الأزمات والأحداث الساخنة، وثانيا: ضرورة ضبط العمل الاعلامي ليشكل عنصر استقرار في المجتمع ولا يعد معول هدم، واخيرا أن علاقة الإعلام بالأمن المجتمعي يرتبط ارتباطا مفصليا مع مستوى الوعي الذي تمتلكه المجتمعات في التعامل مع المحتويات والمضامين التي يبثها الإعلام بمختلف وسائله من حيث مهارة الاختيار من جهة ومهارة صناعة المحتوى المضاد من جهة أخرى، فالأمن الفكري للمجتمعات مرتبط بالتربية الإعلامية والرقمية التي يتلقاها أفراد المجتمع والتي عن طريقها فقط يمكن أن يحصن نفسه ويكون في مأمن من تداعياتها الخطيرة، وهو أمر بحاجة للبحث والتقصي العلمي المستمر لكي تواكب المجتمعات كل مراحل التطور السريعة التي يشهدها الإعلام ولاسيما الإعلام الجديد، ومن هنا اصبحت الحاجة ملحة لعقد مؤتمر اعلامي يعالج هذه القضايا، فارتأت الهيئة الادارية لجمعية البصيرة للبحوث والتنمية الاعلامية عقد مؤتمرها العلمي الدولي السادس بعنوان (الإعلام والأمن المجتمعي رؤية واقعية واستشرافية) محددة أهدافه: بتشخيص الأزمات المتعلقة بالأمن المجتمعي نتيجة استخدام الإعلام الرقمي، والتأكيد على دور الإعلام الهادف في تعزيز الأمن المجتمعي ومواجهة الفكر المتطرف، وتحديد مسؤولية المؤسسات كافة في توظيف الإعلام لتحقيق السلم المجتمعي، وتحديد وسائل وقاية المجتمعات من جرائم الإعلام الرقمي، ومن ثم التعرف على التحديات الفكرية المتطرفة لمخرجات الإعلام الرقمي، واخيرا وضع مشروع برنامج (تربوي –إعلامي) لتعزيز الأمن المجتمعي.

س8 - لكم سلسلة نشرت تباعا بعنوان " تأملات دعوية " لصناعة الداعية، وإدارة الدعاة، ودور الداعية، ترى ما المقصود هنا بالداعية تحديدا هل هو الفقيه، المحدث، المفسر، الامام، الخطيب، الباحث في اصول الفقه، أم ان مفردة " داعية " تتسع لتشمل " الكتاب والاعلاميين والمفكرين والباحثين والأدباء والشعراء " ايضا اذا ما نذروا اقلامهم للدعوة الى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة ومن غير افراط وتفريط ؟

ج: كل من يدعو الناس الى الله تعالى والى الاسلام، فهو داعية مع مراعاة ثلاثة شروط لاستكمال مقوماته، وهي: الدعوة على بصيرة، ومقصدها الاصلاح، وسورها الاخلاص والتجرد، فالدعوة مظلة أوسع من جميع المفردات التي ذكرتها وكلها تندرج تحتها، بل قد نجد داعية من تخصصات علمية غير الدراسات الشرعية، يحسن العمل الدعوي وجاء بنتائج مذهلة تفوق بعض الدعاة المتخصصين، وفي كل خير،  إن الدافع وراء كتابة هذه التأملات الدعوية التي جاءت بدعوة من منتدى دعاة العراق هو ايماني بأن الدعوة وظيفة ربانية تكاملية تراكمية واقعية متجددة منضبطة مؤسساتية، وهذه الصفات تقتضي وضع برنامج أو مشروع تطويري تحت مسمى (صناعة الدعاة ) أو (ادارة الدعاة)، وما دام هنالك صناعة أو ادارة فلا بد من تخطيط مدروس ضمن دائرة الامكانات المتاحة يقدم برامجا لتطوير الدعاة في العراق مع الاهتمام بالمتابعة وتقويم مراحل الانجاز، ولا بد أيضا من توظيف التقنيات المعاصرة ونظريات التأثير الجماهيري في عملنا الدعوي، فالله تعالى يؤكد حقيقة الانتماء البيئي للداعية (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)، ولذا يذهب علماء الاتصال الى أن مفهوم اللسان لا يقيد باللغة فقط، بل بمنظومة انماط الثقافة المتوارثة، وأدوات التواصل ووسائطه واساليبه وانماطه، ولذا لسان القوم الدعوي يتطور سواء في المحتوى والأساليب أو القوالب، فلكل عصر ادواته وأساليبه ولغته، ومع سنة الله تعالى في تطور المجتمعات وحركة التغيير فيها والتجديد فان هذه الادوات والأساليب تخضع بلا شك لسنة التطور، ويذهب بعض علماء الاتصال الى أن تطور المجتمعات ومرورها بعصور مختلفة يصنف بناء على نوع وسائل الاتصال في ذلك العصر وهي (الاشارة والشفوية والمكتوبة والمسموعة والمرئية)، ولعل من اسباب ولوجي ميدان الاعلام هو إدراكي أن الاعلام يعد في عصرنا من اعظم المنابر الدعوية وأكثرها تأثيرا واوسعها ميدانا، وأقولها بصراحة ان عصر القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي فرصة للدعاة ان يعززوا البعد العالمي للدعوة الاسلامية بشرط حسن التوظيف في المحتوى والشكل.

س9 - لكم كتاب يتحدث عن فقه المصطلحات: دراسة تأصيلية وتطبيقية في السياسات الاعلامية.. عن اية مصطلحات يتحدث الكتاب وما جدوى الحديث عنها حاليا؟

ج: أصل هذا الكتاب محاضرة القيتها في المحفل العلمي الدولي وقد عقد في ماليزيا، والفلسفة التي يستند اليها هذا الكتاب أنه إذا كانت اللغة تمثل جسر التواصل مع الآخرين، فإن المصطلحات والمفردات تمثل مادة هذا الجسر ودعائمه، والبشرية لا غنى لها عن هذه المادة، ولا تقوم على غير هذه الدعائم منذ أن خلق الله تعالى آدم عليه السلام والى يومنا هذا، ومن يملك ناصية صناعة المصطلحات، فإنه يملك أداة التفوق والريادة، والمقصود بالمصطلحات في هذه الدراسة هي الوافدة التي يستند اليها التواصل العلمي والحضاري، وتفوق الغرب في ميدان الانتاج العلمي جعله يتفوق في تصدير متطلبات ذلك من صناعة مصطلحات فرضت التبعية على عالمنا العربي والاسلامي والانقياد اليها، وتكمن خطورة هذه التبعية ليس في هذه المصطلحات العلمية الجديدة بقدر ما في المفاهيم التي تعبر عنها، فهذه المصطلحات ليست كلها تقنية، فنسبة كبيرة منها تروج لمفاهيم يختلط فيها السياسي والفكري والعلمي وتحيل إلى دلالات لها أبعاد ثقافية ترتبط بالهوية العربية والإسلامية التي تعكسها اللغة العربية، وهي في نظر كثير من المفكرين" تشكل أحسن أداة لنقل المبادئ"، بل أخطر أداة إن لم تتم معالجتها عند التعريب، لأنها نبتت ونشأت في بيئة غربية لها تصورات مغايرة للبيئة العربية والإسلامية التي نعمل على نقل المصطلح اليها، وتشتد خطورة المصطلحات حينما تكون جزءا من حرب نفسية، ترمي من خلالها القوى المتصارعة النيل من معنويات عدوها وخصومها، فمن شروط استقلالية الدول استقلاليتها في منظومتها الاصطلاحية، وليس هذا يعني الانعزالية الحضارية او المعرفية، فالمصطلحات على نوعين: فهنالك مصطلحات مشتركة تمثل حقا مشاعا لجميع الشعوب، وقاسما مشتركا بين الحضارات واستعمالها حق لجميع أبنائها، فمثلما العلم رحم بين أهله، فمصطلحاته رحم بين لغات الشعوب، ولكن هنالك لكل أمة مصطلحات خاصة تعبر عن معتقدها ورسالتها وريادتها، وهي من مقومات هويتها، ومن هنا كانت الدعوة لتأسيس وتأصيل فقه المصطلحات ليتم من خلالها السعي لانتاج مصطلحات عربية اصيلة تعزز الوجود الحضاري للغتنا، كما يعمل على توظيف الوافد منها بما يجنب مجتمعاتنا مفاسدها ويجلب منافعها، وهذا الفقه يقوم على أصول لعل من ابرزها: حق المصطلح محفوظ، وعليه لا ينبغي التلاعب في استخدام دلالة المصطلح في غير موضعه، والمصطلحات الهوية الحضارية للأمة، والمصطلح ابن بيئته، فالذي ينقل المصطلح الوافد او يترجمه عليه ان يكون ملماً ببيئتين: البيئة التي ولد فيها المصطلح، مطلع على أعراف أهلها ومعتقداتهم ومدلولات عباراتهم، والبيئة التي ينقل إليها المصطلح ودلالاته، مراعيا معتقداتها وقيمها، الاهتمام بالترشيد الاصطلاحي، بمراعاة مقصدية المصطلح ومآل دلالاته، ومراعاة التطور الاصطلاحي والتجديد الدلالي، لقد ادركت بعض الدول العربية تداعيات المصطلحات وضرورة احتوائها بما يحفظ هويتها وقيمها فقامت بانشاء مجامع للغة العربية من بين وظائفها تعريب المصطلحات الوافدة، وهذه خطوة مهمة في ايجاد المعادل اللغوي العربي لهذه المصطلحات.

وأخيرا تتجلى جدوى دراسة المصطلحات لما لها من أثر في تشكيل شخصية المسلم المعاصر، ولما لها من تداعيات على حركة المجتمعات ومحاولة التحرر من سيطرة القوى الغربية وكشف سياساتها توظيف المصطلحات لخداع الشعوب واخضاعها والتحكم بها، وهذا يمثلا تحديا كبيرا يحتاج الى جهود كبيرة لمواجهته . 

 س10: انت مهتم كثيرا بالمسؤولية الاخلاقية للتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي ولك محاضرات فاعلة في ذلك، ترى ماهي رؤيتك لهذا النوع من التعامل الاخلاقي مع المواقع التي اصبحت الشغل الشاغل لمعظم ابنائنا وبناتنا .

ج: لعل من أبرز الدوافع للعناية بهذا الامر ايماننا بأن الأخلاق الفاضلة تشكل الدعامة الأولى لصيانة الانسان وحفظ الأمم والشعوب والمجتمعات، وبفضلها ينهض العمل الصالح النافع من أجل خير الأمة والمجتمع، وما من حضارة أو أمة حادت عن مبادئ الأخلاق الفاضلة وانحرفت نحو الترف والإسراف والفساد والانحلال الخلقي إلا دمرها الله بترف أبنائها وإسرافهم وفسادهم، فخطر الانحلال الخلقي على الأمة والمجتمع أعظم بكثير من الخطر المادي المحسوس، ومن جانب آخر تعد مواقع التواصل الاجتماعي من الوسائل الحديثة التي أصبحت جزءا من الحاجيات الأساسية في حياة الأفراد ولمختلف الفئات العمرية،  ونظرا لما تتميز به هذه الوسائل من خصائص تتجلى بسهولة استخدامها وتوفرها في الأجهزة الحديثة وقلة تكلفتها وسرعة تداول المعلومات فيها وتنوعها من الكتابة إلى الصورة وحتى الفيديو، ونظرا للحرية التي تعطيها هذه الوسائل لمستخدمها والفضاء المفتوح أمامه، ولضعف دور رقابة الدولة وكذلك الأسرة مما يجعلنا نعول بشكل أساس على الوازع الديني الذاتي للمستخدم فهو خير رقيب لمن يختلي بجواله الذي يعد نافذة واسعة لعالم مفتوح فيه معلومات عن كل شيء، ولذلك جاءت هذه الدراسة لتعزز المسؤولية الاخلاقية الشخصية لدى مستخدمي هذه المواقع، وتأتي في مقدمتها: استشعار مراقبة الله تعالى، لأنه في حالة الضعف التي يمر بها الإنسان وفي ظل غياب رقابة الأسرة، فلا يعول الا على استشار الرقابة الإلهية لتصرفات الإنسان وسلوكياته، وقد أكدت النصوص الشرعية على ذلك، يقول الله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، ثم الالتزام بالتوجيهات الشرعية، فمعيار التصفح لهذه المواقع هو جلب المنافع ودرء المفاسد وكل ما يؤدي إليهما، فمثلا الحرص على تصفح المواقع التي تضم الفوائد الشرعية أو العلوم النافعة التي تخدمك في تخصصك العلمي أو عملك، يقابله تجنب الدخول إلى المواقع التي تنشر الرذيلة وتعرض الفواحش صورا وأفلاما أو التي تسيء للإسلام ولرموزه أو تدعو إلى الإلحاد والكفر والضلالات، ومنها احترام نعمة الوقت ؛ لأن الأصل في صناعة هذه الأجهزة وتصميم هذه المواقع لاختزال الوقت والجهد، وتجعلك تصل إلى المعلومة التي تريد بأقل وقت وأدنى جهد، وأن تتواصل مع من تريد من غير تكلفة ولا تضييع وقت، ولكننا للأسف نجد أكثر الذين يتعاملون مع هذه الوسائل يصرفون أوقاتهم ويضيعون هذه النعمة بالانكباب عليها الساعات الطوال، ومن التوجيهات للتعامل مع هذه المواقع الحرص على أداء الطاعات، فمن خلال الملاحظة والدراسة يتبين أن كثيرا من المولعين بمتابعة مواقع التواصل الاجتماعي والمدمنين على مخرجات برامجه على جوالاتهم ينشغلون عن أداء العبادات من الصلاة على وقتها أو صلاة الجماعة أو قراءة القرآن والأوراد والأذكار، ومنها التثبت من المعلومة قبل إعادة نشرها، فمواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالمعلومات والأخبار التي لا يعرف مصدرها، ولذا على المسلم المتصفح أن يكون حريصاً على عدم إعادة نشر المعلومة التي تصله قبل أن يتثبت من صحتها، ويتوثق من مصدرها ومظانها، ولاسيما التحقق من دقة الآيات القرآنية، ومقبولية الأحاديث النبوية سندا ومتنا، والتوثق من العبارات المنسوبة للعلماء، وأخيرا الفائدة المرجوة من نشرها، كل ذلك قبل أن يسارع بإعادة ارسالها.

كما أكدنا على ضرورة مراعاة الضوابط المتعلقة بالتواصل بين الجنسين وأولها وجود المسوغ الشرعي للتواصل، وتجنب استخدام الصور الشخصية وتبادلهما، والاكتفاء بالمحادثة الكتابية، وتجنب المحادثات بالصوت والصورة مع الأجانب والأجنبيات، وعند الحاجة يجب الالتزام بأدب الحديث المباشر بترك التميع والخضوع بالقول والالتزام بالملبس المحتشم وعدم التعمق في الاحاديث العامة، إن هذه الضوابط تهدف اولا لإنقاذ المسلم والمسلمة من فتنة هذه المواقع، ومن ثم حفظ المجتمعات من فوضى الاعلام الرقمي ومفاسده.

إن أهمية هذا الموضوع جعلنا نصدر (3) كتب بهذا الشأن وهي المسؤولية الاخلاقية للإعلام الاسلامي والتربية الاعلامية والضوابط الشرعية لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي وهذا الاخير كان محط اهتمام كبير فبعض وسائل الاعلام الملتزمة استأذنت منا في بثت حلقات من برامجها مستوحاة منه وكذلك اخبرني أكثر من خطيب مسجد بأنه أفاد من الكتاب في سلسلة خطب بهذا الشأن وهذا من فضل الله تعالى أن يسخر ألسنة بعض الدعاة ومنابر اعلامية لتنقل افكارك الاصلاحية وتنشرها بين الناس.

س11: نود من جنابك الكريم ان تحدثنا عن "مركز البصيرة " وأهم نشاطاته خلال الفترة القليلة الماضية .

بعد عام 2003 عملنا مع نخبة من الاعلاميين على تأسيس الرابطة الاسلامية للإعلام والتي عقدت مؤتمرها في مطلع شهر نيسان من عام 2004 بحضور عشرات الشخصيات والمؤسسات الاعلامية الهادفة، وتحت مظلة هذه الرابطة تم تأسيس مركز البصيرة للبحوث والتطوير الاعلامي في عام 2006، ليتولى الجانب العلمي والتدريبي للرابطة، ثم ارتأت الهيئة الادارية تسجيله كجمعية علمية مجازة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سنة 2011، فالبصيرة صرح علمي ذو اهتمام وتخصص في مجال البحث العلمي المتعلق بالدراسات الإعلامية التأصيلية والنظرية والتطبيقية، وبحوث استطلاعات الرأي العام، وفي مجال التدريب والتطوير الإعلامي للعاملين في وسائل الإعلام يضم في عضويته نحو 150 استاذا جامعيا وباحثا واعلاميا، وأما اهم انجازات مركز البصيرة فهو عقد سبعة مؤتمرات علمية دولية متخصصة في الاعلام، واصدار أكثر من 46 مؤلفا مطبوعا بالتعاون مع دور نشر عربية ومحلية، واقامة نحو 68 دورة اعلامية داخل العراق وخارجه شارك فيها 800 متدرب، وعقد عشرات الندوات العلمية والاعلامية، وسجل حضورا عالميا من خلال عضويته في رابطة الاعلام المرئي الهادف الدولية ورابطة الصحافة الاسلامية الدولية، وعقد اتفاقيات تعاون مع مؤسسات علمية ومراكز بحثية وتطويرية داخل العراق وخارجه، كما أعد نحو 76 دراسة متخصصة لمؤسسات دولية، ونحو 195 مقالة علمية وتقرير عن الشأن العراقي.

وسجل المركز حضورا علميا واعلاميا في كثير من الجامعات العراقية وهو عضو مؤسس في المجلس الاعلى للجمعيات العلمية في العراق، ونظرا لنشاطاته المتميزة منح المركز لقب افضل جمعية علمية في العراق من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

س12: وماذا عن أنشطة وفعاليات " منصة اريد " العلمية؟

ج: منصة اريد وعاء علمي عالمي تواصلي يدعم الباحثين الناطقين باللغة العربية لتوثيق مسيرتهم العلمية والبحثية وتسهيل البحث والأرشفة للجميع ويوجد في المنصة مجموعة من الخيارات تتيح لأساتذة الجامعات والباحثين الناطقين باللغة العربية عرض سيرتهم المهنية والأكاديمية بطريقة مدروسة، وتنظم عملية البحث عن أسمائهم في جميع محركات البحث عبر رقم تعريف يحصل عليه فور تسجيله في الموقع، وتهدف المنصة الى النهوض بواقع العلماء والخبراء الباحثين من الناطقين بالعربية عبر تقديم خدمات حقيقية واقعية تعذر تقديمها من قبل وفق صيغ عمل مؤسسي مبرمج خاضع لمناهج متقدمة لتحقيق هذا الهدف، وتسعى الى فتح آفاق التعاون العلمي المستمر ومشاركة الطاقات والأفكار والقدرات والعلاقات بغية تحقيق إنتاج علمي أعلى جودة وأكثر إتقانا ونفعا للإنسانية، وتعمل على مد جسور واقعية فعالة لتلاقي وتعارف الثقافات العالمية المتنوعة لأثراء البحث العلمي، وتميزت باقامة محافل علمية دولية تضم مجموعة من المؤتمرات الدولية في التخصصات العلمية الفاعلة، وقامت باصدار موسوعة للشخصيات العلمية التواصلية، تضم في عضويتها نحو 39 ألف باحث من شتى الدول العربية والاسلامية، ولنا شرف السبق في التعاون مع مؤسسها الدكتور سيف السويدي منذ مراحل التأسيس، ومن ثم نيل عضوية الهيئة الاستشارية العليا فيها، ونحمل نحو سبعة اوسمة من اوسمتها العلمية واخيرا اكرمنا الله تعالى بفوز مدونتنا العلمية فيها بالمرتبة الاولى ضمن مدونة "عالم" التي شارك فيها مئات الباحثين، كما قام مركز البصيرة بفعاليات علمية مشتركة مع هذه المنصة الرائدة.

س13: لنختم حديثنا وبصفتك عضو فاعل في " المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء للدعوة والافتاء " عن أهم اصدارات وفتاوى المجمع الفقهي في ظل الحجر الصحي وحظر التجوال بإيجاز .

ج: المجمع الفقهي العراقي مرجعية شرعية لأهل السنة في العراق، يضم نخبة من كبار علماء العراق داخله ومن جميع التيارات الفكرية والمذهبية، يعتمد الاجتهاد الجماعي والشورى في اصدار قراراته وفتاواه، واستطاع المجمع خلال مدة قصيرة بناء شبكة علاقات علمية ومجتمعية واسعة مع شخصيات ومؤسسات رسمية وغير رسمية من داخل العراق وخارجه، وللمجمع نشاطات علمية تتمثل باقامة المؤتمرات والدورات العلمية المتنوعة، ويتولى رعاية طلاب العلم الشرعي ضمن برنامج كرسي العلماء، واسهم بترشيد الفتاوى وتبني الخطاب الاسلامي الوسطي، واصدر المجمع نحو 72 اصدارا مطبوعا يمثل مؤلفات علمية ورسائل جامعية وكتب دعوية، كما قام المجمع بحملات دعوية ابرزها حملة "غير نفسك في رمضان" بخمس نسخ، وحملة "محمد صلى الله عليه وسلم قدوتنا " بخمس نسخ ، وحملة "عراق بلا تطرف"، كما اطلق حملات اغاثية لتقديم المعونات الى اهلنا النازحين والمهجرين والعوائل المتعففة، كل هذه النشاطات جعلت له حضورا جماهيريا في الساحة العراقية.

واما عن نشاط المجمع خلال الحظر، فقد اصدر المجمع فتاوى عدة تتعلق بأحكام اقامة صلاة الجمعة والجماعات في المساجد في اثناء الحظر، وكذلك ما يتعلق بغسل ودفن ضحايا وباء كورونا، وأكد المجمع أن الحجر الصحي واجب شرعا، وعلى المصاب ومن يشتبه به، الالتزام به كإجراء وقائي، وعدّ كل من يتعمد نشر الوباء مرتكبا لجريمة يستحق عليه عقوبة رادعة.

 كما اصدر فتوى بشان وجوب صيام رمضان، ويحرم على المسلم الإفطار في رمضان بحجة أنّ الصوم يضعف المناعة أو الحاجة إلى شرب الماء باستمرار كإجراء وقائي ضد الوباء، فقد تأكد المجمع الفقهي العراقي من مصادر علمية طبية عليا موثوقة: أنّ من لم يكن مصابا بوباء كورونا؛ يستطيع الصيام، ولا علاقة لصومه بضعف المناعة، أو بأي إجراء وقائي منه، وبذلك انتفى أن يكون عذرا لإسقاط وجوب الصيام، وعدّ الاصابة بالوباء مرض يجوز للمصاب الافطار في رمضان بعد استشارة طبيب مختص، كما دعا المجمع الى دفع الزكاة للعوائل المتعففة التي تضررت بسبب حظر التجوال وتعطلت اعمالها ولاسيما اصحاب الاجور اليومية، مؤكدا، ان " القربات تدفع الابتلاءات"، كما قام القسم الانساني بحملة توزيع آلاف من السلات الغذائية بين العوائل المتعففة في نحو 8 محافظات عراقية في فترة الحظر الصحي قبل شهر رمضان وخلال ايامه المباركة بالتعاون مع ائمة وخطباء المساجد وبعض الجمعيات الاغاثية

واستطاع القسم الاعلامي في المجمع تسجيل أكثر من 60 حلقة تتضمن محاضرات وعظية تم تسويقها لأكثر من (5) قنوات فضائية لبثها خلال شهر رمضان المبارك، كما تم التنسيق مع "قناة ديوان " لبث برنامج افتائي يومي بعنوان "والله اعلم" يستضيف فيه فضيلة الشيخ العلامة أحمد حسن الطه حفظه الله، كبير علماء المجمع للإجابة عن اسئلة المشاهدين.

وفي الختام نود التذكير بأن للدكتور طه الزيدي مؤلفات أخرى لعل من أبرزها:

كتاب " المسجد الأقصى رحلة تاريخية ومنهجية، وكتاب " بشارات وصفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم في أنجيل برنابا 2001"، والمرشد المساعد في دورات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد بالاشتراك2002" و" الجامع لأخلاق المرأة المسلمة" ط1- 2000 وط2- 2004 وط3 – 2005 "، وكتاب " قواعد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" 2004.، وكتاب " نفحات رمضان 2005 " وكتاب " المنهج في العمرة والحج ط1/ 2005 وط2/ 2009، وط3/2014 وط4/2018، وكتاب " الإعلام الإسلامي الواقع والطموح" بالاشتراك2007، " وكتاب " الصحافة الإسلامية في العراق " ط1/2005، وط2/ 2007 " و" دليل الإعلام الإسلامي " 2008 و" المرجعية الإعلامية في الإسلام " ط1/ 2009، ط2/ 2014، اضافة الى " معجم مصطلحات الدعوة والإعلام الإسلامي" ط1/ 2009، الطبعة الثانية تحت الطبع، و" الخطاب الإسلامي في عصر الإعلام والمعلوماتية بالاشتراك 2010 " والتربية الإعلامية والمسؤولية الاجتماعية للإعلام الإسلامي بالاشتراك2012، و" المسؤولية الأخلاقية للإعلام الإسلامي 2012، و" القنوات الفضائية وتأثيرها على المجتمع وفئاته بالاشتراك 2012 و" تدريس الحديث النبوي وعلومه.. الأصالة والمعاصرة، ط1/ 2011، ط2/ 2016 و"المرجعية في ضوء السياسة الشرعية، ط1/ 2013، ط 2/ 2016م، والثالثة تحت الطبع، ومقومات التجديد والوسطية في الخطاب الإسلامي- 2015، وقضايا معاصرة في الفقه والسياسة الشرعية، وترشيد المعرفة الدينية في وسائل الإعلام (برامج الإفتاء أنموذجا)، وأحكام جرائم المعلومات في الفقه الإسلامي والقانون، التأصيل والتحرير لمسائل في السياسة والإعلام، إعلام حقوق الإنسان في العراق، ترشيد الخلاف الفقهي في وسائل الإعلام، المقابلة في تحقيق المخطوطات.

تأبطت أوراقي شاكرا لفضيلة الدكتور طه الزيدي، الذي يمثل علما من أعلام العراق ورمزا شامخا للشخصية العلمية الاعلامية التواصلية، وخير سفير لعلماء العراق في العالمين العربي والاسلامي سواء بشخصه الكريم أوبمؤلفاته وأفكاره التي تجاوزت المحلية الى العالمية.إنتهى

 

حاوره: احمد الحاج

 

صفاء الصالحيأحب القراءة منذ طفولته، فنهل من شتى علوم الأدب حتى احترف القصة القصيرة جداً، وبات أيقونة بارزة من أيقونات تطور القصة القصيرة بالعراق، أتسمت أعماله بالإبداع والجمال، فتميز بجاذبيَّة الأسلوب، وجمال التَّعبير، جمال نوري صوت قصصي عراقي له حضوره المميز في الساحة الأدبية، تماهى مع بروتوكولات السرد ما بعد الحداثوي وتجاوز المدرسة الكلاسيكية في نتاجاته الادبية، وحسب التصنيف الزمني ينتمي الى جيل كتاب القصة القصيرة الذي ظهر إنتاجه في الثمانينات الميلادية، الجيل الذي سرق الحرب منصته، فامتهن الكتابة في الخنادق، وبعد تنامي ظاهرة الاغتراب عن الذات أو عن المجتمع، نتيجة لجحيم الحرب وقسوتها والحصار الاقتصادي المقيت، الذي راكم المشكلات، وخصوصاً في الأساسيات الحياتية الاقتصادية، كان القاص محققاً للعلاقة التفاعليّة بين الأديب والمجتمع وكان أكثر من غيره التحاما بقضايا مجتمعه بكل متناقضاته وتداعياته ليكون مرآة لكل ما يدور في المجتمع والضوء المسلط على تلك المعاناة عبر اختياره لشخصيات تنتمي الى الطبقة الفقيرة والوسطى او كما يسميها هو مهزومة ومنكسرة تحاول في لجة هذا الخراب أن تجد لها نافذة صغيرة تطل من خلالها على الحياة ومعطياته، وهذا مكمن نبرة الحزن والانين والالم في تفاصيل كلماته.

كما اهتم القاص في مجموعته القصصية الأخيرة " الباب الرابع " بهموم الناس من جراء الحصار مثل قصة (ابتسامة ناقصة، وعظام) . ويعد القاص جمال نوري ابرز أدباء القصة القصيرة المتتبعين لقضية الاغتراب الذاتي والاجتماعي والفكري والزمكاني . وبحسب التصنيف الأدبي ينتمي القاص الى جيل الكتابة الما بعد الحداثية، فكان بارع حد الاتقان في تطوير تجربته القصصية من خلال طرحه لموضوعات قصصية جدية بوسائل وتقنيات مبتكرة في البنيوية والسيميائية واللسانية، رغم محافظته على الاصالة، ولقد حملت منجزاته الإبداعية الاخيرة سمة التجديد في شكلها الفني تكتيكاً ولغة وأسلوباً،لا سيما في المولود الأدبي الجديد والحداثي " القصة القصيرة جداً " فأبدع بأشكال فنية بلغة شعرية مكثفة موحية وفكرة مركزة، يمكن ان نقف عند البارز منها مجموعته " غورنيكا عراقية " في قصة (صور، دموع، غورنيكا عراقية         ) لقد ابدع في تلاقح الفن القصصي مع الفن الفوتغرافي، الذي يقوم في الأساس على الإلتقاط التصويري في بناء نصه . القاص جمال نوري احمد قادر الصالحي من مواليد عام 1958 في “ديالى- خانقين”، وفي الربع الثاني من سبعينات القرن المنصرم في مدينة جلولاء تطورت اهتماماته وميوله الثقافية والأدبية مع مجايليه أمثال المؤلف والمخرج المسرحي الدكتور محمد صبري الصالحي، قبل ان تلقى موهبته الإبداعية الرعاية والتوجيه من عراب الثقافة في المدينة الاستاذ والأديب جلال زنگابادي، وبعد الانتقال مع أفراد أسرته للعيش في مدينة تكريت في محافظة صلاح دخلت حياته الادبية مرحلة جديدة بلقائه بالقاص فرج ياسين، تخرج القاص من جامعة الموصل كلية الآداب – قسم الترجمة 1980، وعمل مدرساً لمادة اللغة الانكليزية في ثانوية تكريت للمتميزين، وعرف القاص في التزامه ومثابرته في خدمة الثقافة وانتخب رئيساً لاتحاد الأدباء والكتاب في صلاح الدين . اشترك مع القاص بذكريات يذكيها المكان الذي ننتمي له "جلولاء "، وينازعني الحنين اليه بعد تواردنا الحوار الافتراضي العنكبوتي، راجياً بلقاء وحوار واقعي، حتى حانت الفرصة الرائعة ان نكون أمامه وجها لوجه في مسقط رأسه خانقين وتحديداً في مقهى عبد المجيد لطفي الثقافي والفضل يعود الى الناقد الدكتور سامان جليل ابراهيم طبعا الشكر الموصول له، لعل اللقاء اضاءة في محراب هذا الجنس الادبي، وما هو غامض وجديد عن حياة القاص وتجربته القصصية .

الحوار:

1477 صفاء الصاحلي

س: مع ميلاد المنجز الاول تولد مشاعر الحماسة والتسرع، والفرح الممزوج بالخوف من الإقدام على التجربة، كيف اطاح جمال نوري بالقلق السابق على الكتابة مع ميلاد المنجز الاول؟

ج: تحدثت قبل فترة قصيرة في مقال عن نشوة النشر واثرها في استعجال الكتاب الشباب ودعوتهم الى التريث والتلبث قليلا ليس لشيء الا للكي تكون منجزاتهم اكثر تماسكا ونضجا ونبذ الاستعجال في النشر اما عن ميلاد مجموعتي الاولى المشتركة مع القاصة لمياء الآلوسي وما صاحب ذلك من نشوة وفرح وغبطة فهو بلا شك احساس طبيعي ولكن ماكتبه الناقد باسم عبد الحميد حمودي عن هذه المجموعة جعلني اتريث طويلا فقد كتب مقاله الموسوم (جسد مليء بالثقوب) وشخص مواطن الضعف عبر مقاربة نقدية تحليلية موضوعية واثنى في الوقت نفسه على قصتي.. القطار ..وعدها انطلاقة حقيقية لقاص سيتمكن بعد سنين ان يبتكر صوته الخاص، لهذا وذاك اصبحت أكثر تأنيا في الاقدام على النشر وتفاقم القلق خوفا من انجاز عمل قصصي يفتقر الى عناصر الابداع .

س: (الجدران) مجموعة قصصية هي خلاصة شراكة  القاصة “لمياء الألوسي” 1985،هل لك أن تحدثنا عن هذه التجربة؟

ج: عنونة الجدران مستلة من واحدة من قصصي والتي بسببها رفضت وزارة التربية شراء الكتاب كونه يبث افكارا سوداوية وكنا حينها نخوض حربا ضروسا وقصص كهذه تحتشد بالابطال المتازمين والذين يعانون من استلابات عديدة لا تتفق مع مسار الحكم الشمولي الذي يدعو الى الحروب والحقد والثأر ..اتفقنا انا والقاصة لمياء الالوسي على طبع مجموعة مشتركة لضعف امكانياتنا المادية ووجدنا في فكرة المجموعة المشتركة مشاركة في دفع مبلغ النشر والطبع وهكذا كان الامر .

 

س: الكتابة في كل الأجناس الادبية هاجس الكثيرين من الأدباء في بداية مشوارهم، كيف تغلب جمال نوري على هذا الهاجس قبل احترافه القصة القصيرة، ولماذا هذا الجنس الأدبي بالتحديد؟ وھل آن أوان الھجرة نحو الرواية؟

ج: لا شك ان التجريب حالة ترافق الكاتب منذ بدايات وعيه ومنذ بدايات انطلاقته للكتابة وقد يجد نفسه في هذا الجنس الادبي او ذاك وقد يسمع رأي الاخرين ممن هم اكثر خبرة ومعرفة والماما في الأدب والعطاء الثقافي ولعلك تعرف استاذي الاول في هذا المضمار وهو الكبير جلال زنكابادي وكان له الفضل في رعاية مو هبتي الادبية وتوجيهها الوجهة الصحيحة حيث كنا نسكن في محلة الجماهير في مدينة جلولاء وكان المبدع زنكابادي عراب الثقافة آنئذ في جلولا ء وقدم عطاء خرافيا وشمل المبدعين الشباب باهتمامه ومتابعته ولعله هو اول من وجهني الى كتابة القصة حيث اكتشف عندي هذه المقدرة منذ بداياتي في المرحلة المتوسطة .. وحين سالني الدكتور حاتم الصكر وهو يقدمني الى جمهور مدينة ديترويت لماذا لا تكتب الرواية اجبته قائلا، سابقى مخلصا للقصة القصة ولن اجازف مثل غيري لاجترار مالفظه الروس والغرب من روايات عالمية معروفة .

س: ليست ثمة مصدر واحد من مصادر استيحاء القاص مواضيعه، من أين يستوحي جمال نوري مواضيعه؟

ج: أثار العديد من الاصدقاء هذا السؤال مع انهم يدركون بان الواقعية تهيمن على الكثير من قصصي ولكنها واقعية مجبولة بمعطيات المخيال والفانتازي والعجائبي وقد تبدو بعض قصصي وكانها توثق لواقعة قصصية بعدسة جامدة او متحركة، كل شيء في الحياة هو مصدر ومنهل ثر لتجاربي السردية،قد يكون الحدث واقعيا كسقوط رجل على الطريق او رائحة ما تأخذني الى زمن بعيد يرتبط باحداث اخرى او لون ما يستفز في داخلي شتى المشاعر والأحاسيس وقد تكون مجالسة الاخرين مصدرا مهما بالنسبة لي هذا اذا ما نحينا تجاربي الشخصية في الحياة وقد تحمل الموسيقى اكثر من علاقة وايحاء لاستشراف احداث مؤثثة بالخيال، كل الموجودات التي تحيط بي تمنحني الافكار والومضات البارقة لكي انتهي الى نص سردي يتفاعل مع الحياة ويقرأ مفارقاتها ومعانيها وتشظياتها .

س: شرح شفرات بعض النصوص السردية للمتلقي من اجل ان يجني ثمرة الدلالة، هل توقع الكاتب في فخ الاطالة على حساب تقنية الإيجاز والتكثيف؟

ج: اذكر انني في العام الماضي اضطررت لشرح بعض قصصي استجابة لطلبات بعض القراء ليس لكي اسهل لهم امر فهم القصة وتبسيطها ولكن لكي اعلمهم كيفية قراءة النص الجديد والتفاعل معه واذكر انني شرحت بعض القصص وفسرت شفرات النص واحالاته .. ربما كان ذلك دافعا لهم لكي يفهموا وكما تعرف هنالك مستويات مختلفة لقراءة النص والقراء يختلفون فمنهم القارئ العادي والجيد super reader اي القارئ الخارق الذي قد يصل الى مرتبة الناقد، كل نصوصي السردية تحتشد بالرموز والشفرات مع انها تبدو بسيطة وسلسة ومتدفقة، دعني احدثك عن صديق كان قد بدا مشواره في كتابة الشعر وطلب مني ان أعيره بعض الكتب فأعرته مجموعة شعرية للشاعر ناظم حكمت وبعد ايام اعاد لي الكتاب وقال لي هذا شعر سهل انا اكتب احسن منه فضحكت وقلت له عليك ان تدخل السجن لاكثر من عشرين عاما كي تكتب مثل ناظم وهنا بودي ان اقول ليس من الضرورة أن نكتب بغموض لكي تبدو تجربتنا الكتابية اكثر ثراء وعمقا ..ثمة عمق عجيب في قصاىد ناظم حكمت رغم بساطته وكذلك الامر مع نزار قباني ..في النهاية انا لست ملزما بشرح ما اود ان اقوله وتلك مهمة القارئ لاشك .

س: متى يكتب جمال نوري وماهي طقوسه عند الكتابة؟

 

ج: اكتب في اي وقت اذا ما توفر الدافع لذلك او اذا أزف الوقت لاختمار الفكرة ولا شك لايكتمل ذلك الا بصحبة الشاي، صديقي الخرافي وتجد ذلك واضحا في كل السفرات مع اصدقائي الى نهر دجلة وللموسيقى ايضا حضورها في اوقات الكتابة .

س: الخيال الأدبي يختلف اختلاف جوهري عن الخيال التصويري، في غورنيكا عراقية كنت مبدعاً في تلاقح الفن القصصي مع الفن التصويري، الا حدثتنا عن هذه التجريب الإبداعي؟

ج: الخيال او المخيال الابداعي يشتغل عبر تفاعله مع أي حدث تنشغل به والخيال التصويري او التاويلي يتخذ ابعادا مهمة في بناء النص وابتكار هارمونيته وانا امتلك عين كامراتية خاصة ارصد بها تفاصيل المكان وحركة الاشياء وهذه العين وليدة خيال ثر ينفتح على افاق مختلفة ..لولا الخيال سيصبح المنجز السردي وثيقة او تقرير صحفي واقعي جدا .. لهذا وذاك يعد الخيال مصدرا خطيرا لاخراج العمل الادبي الى حيز الابداع .

س: قفلة الكاتب او ما يسمى متلازمة الصفحة الفارغة متى يصاب بها جمال نوري، وكيف يتجاوز جمال نوري هذه المتلازمة ويعيد أدوات قوته؟

ج: يتوقف الكاتب احيانا عن الكتابة وقد تطول الفترة او تقصر وقد توقفت عن الكتابة لسنوات عندما انشغلت بكارثة الحصار وماتركه من آثار سلبية روعت المجتمع العراقي ودفعتني انا شخصيا للعمل كحارس ليلي في احدى المجمعات السكنية الخاص بالعمال الذين كانوا يشيدون القصور الرئاسية وجامع صدام الكبير مع ثلة من كبار السن ومع انني لم اكن وقتها كبيرا في السن الا انني كنت اكافح ليل نهار لأطعام عائلتي بما يسد الرمق، كانت الظروف قاهرة جدا ولهذا وجدتني انقطع نهائيا عدا محاولات بسيطه هنا وهناك واذكر انني ارسلت للصديق جواد الحطاب قصة الرائحة ونشرها مع عدة نصوص اخرى في صفحة واحدة وتصدى لها في يوم أخر الناقد باسم عبد الحميد حمودي وأثنى على القصة أيما ثناء ..وقتها عندما رأيت الجريدة اخبرتني زوجتي بنفاد الرز والخبز في بيتنا مما اضطرني ان احمل الحصة التموينية المتواضعة من سكر وشاي لابيعها على اصحاب المقاهي ولم انجح في مهمتي تلك بعدها توقفت لست سنوات كاملة اذ انصرفت بكليتي لتوفير الزاد لعائلتي، وقد انقطع عن الكتابة احيانا لعدم وجود حافز حقيقي يجعلني اندفع للكتابة .. لا اعرف بالضبط ما الذي يحرضني على الكتابة ربما انثيال المطر او عندما اشم رائحة ما او اذ اجتمعت مع ثلة من اصدقائي الادباء وربما حين انصت لأغنية احبها او مقطوعة موسيقية محددة .. بينما اجد نفسي احيانا مندفعا برغبة عارمة للكتابة لا يمنعني شيء ولكنني على أية حال لست كالروائي تحسين كرمياني الذي يتدفق بالكتابة بطريقة لافة جدا .

س: بين الأدب والنقد ثمة جسور تجعل العلاقة بينهما علاقة وثيقة وجدلية في الوقت نفسه. كيف تقيم هذه العلاقة وما هي قراءتك لمستقبلها؟

ج: بالتاكيد ثمة علاقة جدلية بين الادب والنقد وكلما ازدهر الادب ازدهر النقد وتفاعل وانتج منجزا مهما معولا في ذلك على معطيات العملية الابداعية وعلى كل كاتب ان يدرك ويفهم آليات النقد ووسائله لكي يعزز قدراته الابداعية .وانا ككاتب قصة قصيرة لم اكرس وقتي لمتابعة السرد حسب بل اخذني الولع الى قراءة المناهج النقدية وتقاناتها في التصدي للنصوص الادبية واستكناه مواطن الابداع فيها ..المسيرة النقدية عندنا لاتواكب المنجز الابداعي وهي للاسف تخضع الى معايير العلاقات الشخصية والمجاملات المحسوبة لاغراض يعرفها بعض النقاد .

 

س: القراءة هي وقود الكتابة، لمن يقرء القاص جمال نوري؟ وما اهم كتاب قرأته في حياتك؟ وما هوعنوان الكتاب المطروح على طاولة القراءة حالياً؟

ج: الكتاب الذي اقرأه الان هي رواية الكاتب المبدع تحسين كرمياني ..ليلة سقوط جلولاء..وانا شخصيا لم اتوقف يوما عن القراءة ولا اريد ان استعرض اسماء الكتاب الذين قرأت لهم فانا مثلي مثل اي كاتب قرا ونهل من مشارب الادب وعيونه وتأثرت كثيرا بالروائي الامريكي ارنست همنكواي ومن الروايات المهمة التي شغلتني هي رواية (الدون الهادئ) للروائي الروسي شولوخوف.

س: مكتبتك المنزلية كيف تشكلت وكيف تبدو في منزلك؟ ولماذا أوصيت بحرقها بعد موتك؟

ج: المكتبة المنزلية في بيت كل أديب تعد المكان الذي ينطلق منه ليتواصل مع العالم ..الكتب التي توضع على الرفوف تشغل حيزا معرفيا وينبغي ان اكون ضمن هذا الحيز لانتج ادبا .. بدايات مكتبتي كانت في جلولاء وكنت اقتني الكتب من مكتبة جلولاء الوحيدة التي كانت تعد الرافد الوحيد لمكتبات الادباء ورغم شحة الكتب آنئذ الا ان الشاعر والمترجم الموسوعي جلال زنكابادي لم يبخل علي بكتب ثرة أغنت مكتبتي وبعد الانتقال الى تكريت بدأت المكتبة تتسع بفضل مكتبات الموصل حيث كنت قد التحقت بجامعة الموصل لاكمال الدراسة فضلا على مكتبة الثقافة في تكريت للحاج المرحوم شاكر الويس ناهيك عن مكتبات بغداد التي كانت تعد الرافد الحقيقي لهذه المكتبة وتشغل مكتبتي غرفة خاصة في بيتي اما عن وصيتي باحراقها فهي احتجاج على الامية والجهل والتخلف الثقافي فما جدوى وجودها وانت لا تجد قراء لا في بيتك ولا في محيطك وان اوصيت باهداء مكتبتك الى الجامعة مثلا او اية مؤسسة ثقافية اخرى فانها ستلاقي اهمالا وتبقى مركونة في علبها كما لاقت مكتبات غيري من الادباء ولهذا من الاولى ان تحرق في ليلة شتائية باردة لعلي بذلك الفت نظر الناس الى اهمية القراءة والثقافة التي نبذوها.

س: الترجمة الادبية تقتضي ابداعاً خاصاً من لدن المترجم الادبي حتى يتسنى له نقل النص المترجم، بدلالاته الثقافية وسماته الجمالية، جمال نوري مبدعاً في الأصل ومترجم، ماهي معوقات نقل سيرة الآلام والمعاناة العراقية المنبثقة من كلماتك الى عالم اوسع عبر ترجماتها الى الإنكليزية ونشرها إلكترونياً؟

ج: من العربية الى الانكليزية وانما العكس وكنت اذا ما قرأت نصا قصصيا او مقالة او قصيدة بالانكليزية ووجدتها تتوافر على عناصر الابداع هرعت الى ترجمتها الى العربية وكما تعرف ان الترجمة من العربية الى الانكليزية هي أصعب بكثير من الترجمة من الانكليزية الى العربية ومهما يكن فان الترجمة كما يقال خيانة او أشبه بقبلة من خلف الزجاج .

س: الرمز في القصة القصيرة يشكل نزعة أسلوبية ووسيلة حداثوية وقد قدمت قصصك (وجوه، قسورة، سيرة عصا) في مجموعة الباب الرابع مشحونة بالرمز والإيحاء على شيء متواري ينبغي أستجلاؤه، كيف يبني جمال نوري رمزه ويوظفه؟

ج: الرمز والاختباء خلفه او توظيفه وسيلة الكاتب لكي يتخلص من أدران المباشرة والتقريرية ولهذا حسب أفخخ نصوصي بالشفرات والاحالات الرمزية وغالبا ما اشتغل على تفعيل المعادل الموضوعي الرمزي كمعطى دلالي يشير الى القصدية التي انطوت عليها النصوص السردية . ومع ذلك لم تتخلص العديد من قصصي من مقص الرقيب الامني الذي بترها ولاسيما عندما كنت ارسل النص الى الصحيفة او أضمنها مجموعة قصصية . واذكر هنا صديقي الشاعر المبدع منذر عبد الحر عندما كان يتولى ادارة الصفحة الثقافية في جريدة القادسية وتردد كثيرا في نشر قصتي الوقائع المتخيلة لمصرع امرىء القيس واخبرني ان نشرها سيعرض كلينا للمسائلة وقلت له الامر يعود لك وبعد ستة اشهر نشرها في الجريدة وبقيت بعدها لفترة متازما ومرتبكا خوفا من عسس الثقافة الذين كانوا يتعقبون الرموز التي نوظفها في نصوصنا.

س: تشكل عتبة العنوان عنصراً فاعلاً من عناصر النص الادبي، ولصغر حجم الفضاء الكتابي في القصة القصيرة تمثل عتبة العنوان علامة كتابية ادق وأعمق من بقية الفنون الادبية، وتضع القاص امام مسؤولية بالغة الصعوبة ماهي معاييرك الفنية في الصياغة النهائية للعنوان القصة ولعناوين المجاميع القصصية؟

ج: يقال ان العنوان ثريا النص ويقال انه المفتاح الذي يلج ابواب ومغاليق النص ولد شك ان الدراسات النقدية الحديثة قد اولت هذه العتبة أهمية بالغة فضلا على بقية العتبات كعتبة الاستهلال والغلاف والاهداء والعنوان وعند انجاز اي قصة اقف محتارا في اختيار العنوان وان شق علي الامر في بعض الاحيان فقد استنجد بالدكتور القاص فرج ياسين اما بالنسبة لعنونة المجاميع القصصية فانني بالتاكيد اختارعنوان أفضل قصة في المجموعة وقد يكون بامكاني ان الجأ الى العنونة الخارجية التي تشتبك مع كل النصوص بخيط خفي ولكنني بالتاكيد آثرت اختيار عنوان قصة من قصص المجموعة لكي تصبح عنوانا للكتاب .

س: أعلنت في وقت سابق النية في انتاج فلم سينمائي قصير جداً بالتعاون مع المخرج رياض الجابر وفكرة الفلم مستوحاة من احدى قصصك القصيرة، أي قصة من قصصك التي ستنتج فلماً،هل لك ان تخص حورانا بالسبق، وتعرج الى غيرها من المشاريع التي حولت نصوصك الى اعمال درامية مرئية؟

ج: اتفقنا انا والمخرج رياض الجابر على اخراج فلم قصير جدا يتناول احداث قصتي القصيرة جدا (ثوب أبيض للزفاف) وقد اتفقنا على صياغة السيناريو معا وقد تم اختيار الممثلين لأداء ادوارهم الا ان جائحة الكورونا أوقفت المشروع مؤقتا .كما طلبت مني المخرجة سيسبان عدنان من مدينة البصرة كلية الفنون، قسم المسرح اخراج مسرحيتي أحلام مؤجلة والتي تتحدث عن الحرب وقدمتها عام 2018 في كلية الفنون في البصرة .

النتاجات الأدبية :

١- (الجدران) مجموعة قصصية مشتركة مع القاصة “لمياء الألوسي” – 1985.

2- (ظلال نائية)-1995 .

3- (البئر) – 2000 .

٤- (أفق آخر) – قصص قصيرة جداً 2002 .

5- (شمس خلف الغيوم) - 2010 .

6- (غورنيكا عراقية)-2016 .

٧- (الباب الرابع)- الطبعة الثانية في طريقها للنشر .

8- (نثيث الدفء) -مجموعة قصصية تحت الطبع .

9- (قطار الساعة التاسعة، أحزان مضحكة، أحلام مؤجلة، الاعتراف الاخير لموحان مراد) نصوص مسرحية .

١٠- (شخابيط) ومضات وشذرات من معطيات الحياة اليومية على صفحات التواصل لاجتماعي .

بلإضافة الى مجموعتين شعريتين:

١- قصائد بحجم القلب .

٢-من مجمرة الغياب .

نقد ودراسات

١- جماليات الوصف قصص جمال نوري عن دار الإبداع  (رسالة ماجستير جامعة تكريت – كليةالتربية الاساسية للطالب علي حسين صالح العزاوي) .

٢- جماليات البناء السردي في قصص جمال نوري عن دار الابداع (رسالة ماجستير جامعة الموصل كلية التربية الاساسية للطالب محمود حريد الجبوري) .

٣- أنماط الشخصية في قصص جمال نوري عن دار غيداء (رسالة ماجستير للطالب خالد جعفر سليم في احدى الجامعات التركية) .

٤- بلاغة القص (مستويات التشكيل السردي في قصص جمال نوري) عن دار الحوراء للطباعة والنشر والتوزيع في سوريا، لنخبة من النقاد ومن اعداد وتقديم ومشاركة الدكتور محمد صابر عبيد .

٥- ا لزمن في قصص جمال نوري القصيرة (المؤلفون المشاركون محمود حيدر خلف، محمد صلاح رشيد) مجلة أبحاث كلية التربية الاساسية .

٦- فاعلية الحوار في قصص جمال نوري -دراسة تحليلية: م.م ندى حسن محمد- مجلة مركز دراسات الكوفة- مجلة فصلية محكمة .

٧- بالاضافة الى العديد من الدراسات والمقالات النقدية التي تناولت سرديات جمال نوري في المنتديات الثقافية او ما نشرت في الدوريات والصحف المحلية والعربية .

وللقاص كتاب نقدي (مقاربات نقدية) يضم العديد من العروض والمقاربات المنشورة في الصحف والمجلات، فضلاً الى ترجمة كتاب سومرست موم (The kite and otherstories)، والقاص فائز بجوائز عديدة: مسابقة مجلة جامعة الموصل عام ١٩٧٨، جريدة الجمهورية ١٩٩٥،دار الحكمة العراقية ٢٠٠٨، اخرها في القاهرة جائزة نجلاء محمود محرم، بالاضافة الى العديد من الشهادات والدروع التقديرية، وكرم في العديد من المناسبات الادبية .

 

حاوره صفاء الصالحي

.......................

* الصورة الأولى للاستاذ صفاء الصالحي

 

 

 

علي رسول الربيعيهذا حوار يجريه الأستاذ الدكتور بوعلي نابي أستاذ الفلسفة (في جامعة معسكر في الجزائر) مع علي رسول الربيعي حول قضايا تواجه الإسلام اليوم.

إن الهدف من هذا الحوار الذي نجريه ليس تمجيد الماضي التراثي الإسلامي، بل تذكره، واستعادة التفكر في تفسيره، وإمكانات إعادة بنائه، والنظر في كيف يمكن أن يكون وثيق الصلة بالحاضر. يمكننا من خلال تذكر الماضي بموضوعية فقط أن نكتسب منظوراً أكثر وضوحًا وانتقادًا لحاضرنا. آمل أن يتمكن استرجاع الماضي التراثي التفسيري لوضعه في نسبيته التاريخية الدنيوية من تمكين المسلمين من مقاومة الألفاظ السياسية المتعصبة بشكل متزايد، والعنيفة بشكل جوهري.

س: د. نابي: ماهي المهام المطروحة  ذات الراهنية على الباحث والمفكر في الإسلام ؟

ج: أرى أن أحد المهام الأساس، هي التحقيق في المفاهيم الأخلاقية الدينية ذات الصلة بالاهتمامات المعاصرة، ولاسيما ما يتعلق منها  بالتعددية الدينية واستقلال الفرد فيما ورد منها في الأدب التفسيري الإسلامي السابقة. آمل أن يتم أستخلاص سردًا واضحًا لبنية ومضمون هذه المفاهيم في الإسلام. وأرى من ناحية منهجية سيتضمن التحقيق في هذا الأدب، الذي أنتجته مختلف المدارس اللاهوتية والأخلاقية، تحليلًا للمصطلحات التي تستعملها كل جماعة  للتعبير عن معتقداتها وافتراضاتها فيما يتعلق بلالتزام الصادق في الإسلام. آمل أن يفسر هذا التحقيق والتحليل الصراع في العالم الإسلامي اليوم بين روح التعددية المتسامحة من ناحية والتعصب من ناحية أخرى.

بالإضافة إلى العمل على تحديد المفاهيم الإجتماعية الأكثر أهمية في الإسلام التي تقدم علاقات إنسانية أفضل سواء داخل الأمم أو فيما بينها. والكشف عن الجوانب المعيارية للتركيبات الدينية الإسلامية وتحديد تطبيقها في ثقافات متنوعة للإشارة إلى أهميتها الأساسية للنظام العالمي التعددي في القرن الحادي والعشرين. أن سؤالكم يجعلني أتساءل بدوري عن عدم وجود تحليل جاد لمفهوم حق التعددية الدينية بين الجماعات الإسلامية ذات التوجه الديني. لأن تكمن أهمية هذا التحليل في أنها تمكنهم من اتخاذ موقف مبدئي من المراجع التاريخية والتحليلات التفسيرية والأحكام  الفقهية لكل من حرية الدين والمشاركة السياسية في الإسلام. لقد ساعد عدم الاهتمام بالتعددية الدينية وارتباطها الجوهري بالحكم الديمقراطي على الحيلولة دون الاستعادة الصحية للعلاقات الشخصية والطائفية في العالم الإسلامي.

أريد اشير سريعا الى أحد الأسباب المعرفية - لغياب التعددية رغم وجود التعدد تاريخيا ونتائج غياب هذه التعددية على حالة ووضعيات التعصب والنزاعات العنيفة. أنها تتعلق بالعقلية الأحادية التي تجزم بأمتلاك المعنى الواحد للنص القرآني مما يعني تمتلك حقيقته وبالتالي تصبح هي يمتلك الحق، تقف هذه العقلية عائقا أبستيمولوجيا أمام التعددية الأعترافية، لذا أحد أهم الشروط لتأسيس التعددية على الأرضية الفكرية والأجتماعية الأسلامية هي نقد هذا العقلية وتفكيك مقولاتها. لأنها تُلغي كُلِ إمكانيةً لقبولِ واقعِ ومبدأ التعدديةِ

س: د. نابي: ماهي شروط التفسير ومقوماته، هل يعني أن يقوم المسلمون المعاصرون بتركيب المفاهيم الحداثية على النظرة ما قبل الحديثة للقرآن؟

ج: كان هناك مسعى عند علماء المسلمين لوضع أسس منهجية لفهم أحكام الشريعة اولاً وعموم نص القرآن ثانيا ويمكن تحديدها بما يلي:

1- تحليل الجوانب الأدبية واللغوية للوحي.

2- تحديد السياق التاريخي للوحي.

3- توضيح المعاني من خلال الإشارة داخل النص.

4- شرح الايات باستعمال الأحاديث التي نسبت إلى النبي. ولو أن التفسيرات المستندة إلى الحديث كانت الأكثر عرضة للنزاع نتيجة للموقف العقائدي المسبق ولأختلاف الاتجاهات السياسية اللاهوتية. وأن قبول  أحاديث معينة ورفض أخرى  تتعلق بسلطة بعض الرواة الذين يُعتبرون موثوقين من قبل جماعة من المسلمين وليس كذلك من قبل اخرى.

نشأت مقاربة إبداعية وتفسيرية لمعاني النص القرآني بسبب الاهتمام المتزايد بالمسائل اللاهوتية المتعلقة بالإرادة الحرة والقدر، والالتزامات الدينية والأخلاقية، والإحسان الإلهي. قدمت مدارس إسلامية مختلفة، مثل المعتزلة والأشاعرة والشيعة، التي ادعت  كل منها صحة صلاحية مواقعها العقائدية المتوقفة على الاقتباس من القرآن الكريم ، طرقًا قيًمة لتفسير الأيات القرآنية.

دخلت الثقافات الهلنستية والهندية الفارسية في الفكر الإسلامي من خلال الترجمات العربية خلال القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. وشهدت الحضارة الإسلامية آفاقًا جديدة للإبداع، مدفوعة بزيادة الاهتمام بالفلسفة والتفسيرالذي لايقف عند الحدود البيانية وفقه اللغة أو مدلول واحد لمعنى النص القرآني. وبالتالي، لم يستجيب المفسرون المسلمون فقط لمصالحهم وأهدافهم المذهبية في البحث عن بُعد تفسير إضافي للقرآن. فقد كشف تعليقاتهم بكل وضوح عن التأثيرات الثقافية والفلسفية والمنهجية والتأهيلية للعصر الذي أنتجوا فيه فهماً إبداعياً للوحي الإلهي. لذلك  أرى من الناحية المنهجية من المهم ابتداءً:

أولاً، البحث في المادة التفسيرية القرآنية من أجل اكتشاف تعاليم التوجهات القديمة في الكتاب الإسلامي حول القضايا ذات الاهتمام الحديث.

ثانياً، تحليل هذه المواد في ضوء النقاشات الحديثة بين المسلمين من مدارس فكرية مختلفة واستكشاف آثارها على التعددية الدينية وحرية الضمير والوضع القانوني للأقليات الدينية في الوحي الإسلامي.

ثالثاً، يمكن  في هذا المجال التفسيري أن يتعرف الباحث الثاقب على الذرائع التفسيرية  للممفسرين السابقين والتي أدت إلى السياقات التي أدت الى التشويه  الموجود في الإسلام. بالإضافة إلى ذلك، فمن خلال التحقيق في مثل هذه التفسيرات المشوهة، فإن المفسر المسلم قادر على إعادة صياغة فهم جديد للقرآن الكريم. وقد قدمت اسهامات مهمة  في هذا الشأن من قبل مفكرين  مسلمين.

لا يدعم القرآن بطبيعته إرشادات لاهوتية مفصلة، وبالتالي لا يقدم مواقف واضحة بشأن الأسئلة التي نطرحها عن القضايا المعاصرة وتتبع تطور هذه الأفكار من خلال دراسة الطرق التي فسر بها علماء اللاهوت المسلمون. ثم نستشكف المفهوم القرآني لها  من مواقع  تتصل بروح العصر ومتطلباته، وتقييم مدى توافقه مع فكرة الخلاص القرآنية ايضاً. على المرء أن يلتمس التوجيه الروحي والأخلاقي من التفسيرات القرآنية في الأدب اللاهوتي ابتداءً ثم بعد ذلك يمكن أن يقدم تفسيرا يقبل معايير وقيم معاصرة .

س: د. نابي: إن أحد الأسئلة الملحة للفكر العلماني هي العلاقة بين الدين والسياسة، ما ذا يبقى من الالتزام والضمير الديني إذا تم حرمان الدين من التعامل مع القضايا المتعلقة بالعدالة والسلام؟

ج: نعم تستند الشكوك حول دور الدين في المجال العام إلى الاعتقاد بأنه لا ينبغي خلط الدين والسياسة وأن الدين يجب أن يكون محايدًا في القضايا الاجتماعية والسياسية. لكن أحد الحقائق الجديدة في الشؤون الاجتماعية – السياسية في الغرب بعد أن جرب الفصل لقرون، أخذ ينظر الى هذا الفصل بأنه يعني حرمان الدين من أعباءه واهتماماته الأساسية بالمسائل الأخلاقية. وارى أن يمكن أن نفسرالإسلام من مواقع وأهتمامات معاصرة ويمكن ان يكون له دور توجيهي وموقف قيمي أزاء التفـقير الروحي الذي يمارس باسمه وأزاء الفقر، والأزمات، والسلام، أيً يمكن لإسلام أخر غير قروسطي أن يقوم بهذا الدور ويمارس هذه المهمة.

نعم يمكن أن يؤدي الحياد في الشؤون الاجتماعية والسياسية إلى زوال الدور الحاسم الذييمكن أن  يلعبه الدين فيما يحمل من منظومة قيمية روحية وانسانية تدخل الى الجوانح  فتهذبها من الداخل ولاتقف عن طقوس الجوارح فتمارس دورا حيوياً في تشكيل الضمير الأخلاقي للنظام العام؛ لطالما كان الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، على الأقل في التقاليد الإبراهيمية، دافعًا رئيسيًا  للدعوات لإمكانية وجود نظام اجتماعي عادل.

يتركز النقاش غالباً حول الافتراضات المتناقضة عن الدور الذي يجب أن يلعبه الدين في السياسة. تميل الثقافة العلمانية "الكلاسيكية" "السميكة" "القاطعة" إلى التوصيف السلبي لأي شيء ديني بمجرد عبوره الحدود من المجال الخاص إلى المجال العام. على النقيض من ذلك، ترى الثقافة الدينية أن القيم الدينية تشكل مصدراً قيماً في مكافحة الظلم الاجتماعي والسياسي.

كانت النظرية السياسية التقليدية، التي تفترض مسبقاً استصواب الفصل بين الديني والسياسي، بطيئة في الاعتراف تحولات تاريخية بحدوث نقلة نوعية أخذ فيها التدين مساحة واساعة او دروا متعاظما في المجال العام بقوة الواقع. كان هناك إصرار نظري من قبل منظري ما يمكنني اسميه " العلمانية التقليدية، وهي العلمانية التي نُظر لها في القرن 19 ومورست بشكل فعلي بعد الثورة الفرنسية والأمريكية" على الانفصال الذي يقضي بخصخصة الدين وابعاده من الساحة العامة العلمانية وما يجري حدثيا وفعليا في أوضاع تاريخية مشخصة من حضور للدين في المجال العام، أيً الخلط بين اللمكن نظريا والحاصل فعليا،وهناك كما هو معروف مسـافة بينهما دائما، عقبة رئيسة في فهم  تشكيلات وحركية السياسات في المجتمعات التي يكون فيها الالتزام الديني عنصراً أساسياً في إدارة المشكلات الاجتماعية والحفاظ على الإحساس بالانتماء للجماعة في السياقات والأطر التقليدية. إن النظرة العلمانية المتفتحة أو الشفافة أو ما اسميه العلمانية الوظيفية  التي تنقلنا من الفكرة الضيقة المتمثلة في أنه لا ينبغي للدولة أن تنحاز إلى دين معين الى  الفكرة الأوسع المتمثلة في أن لا ينبغي لدولة أن تنحاز إلى دين ضد وجهات النظر غير الدينية ايضاً، يكون أن يكون دورها ايضاً  في منع  هيمنة أحد الديانات على الآخرين، بينما تقوم  العلمانوية الأيديولوجية السميكة بتهميش الجماعات ومن ثم دفعها نحو التشدد والعدوان والانفصالية، وقد اثبت التجربة التاريخية مطابقة هذا التحليل وأنه صحيح بقوة الواقع.

س: د. نابي: هل كان من الممكن معرفيًا أو وجوديًا تحفيز مقاربة بين الثقافات والشعوب المختلفة حول القيم والطموحات الإنسانية العالمية دون السعي إلى اكتشاف الأصول  الدينية والفلسفية والميتافيزيقية وإضفاء الشرعية على مصادر هذه القيم؟ بمعنى آخر، سواء كان ذلك في سياق الديمقراطية الدستورية أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هل من الممكن المضي قدمًا دون دراسة الأسس الأخلاقية أو الميتافيزيقية لهذه القيم العالمية؟

ج: إذا كانت الشعوب المختلفة لا تفكر مثل بعضها البعض، فكيف يمكن للمرء أن يفترض أخلاقا عالمية خالية من التقاليد ولا أسس لها تكون مقبولة لدى شعوب العالم ذات العقلية الدينية دون أي محادثة لتهدئة مخاوفهم والشكوك؟ رغم أنني مؤيد قوي للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتطبيقه من خلال الديمقراطية الدستورية في العالم الإسلامي، لكن كان من المستحيل صياغة افتراضات حول ما يسمى بالمفاهيم العالمية الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان دون الأخذ بعين الاعتبار التفسيرات السياقية والمجتمعية المفروضة على اللغة الجامعة للنصوص العلمانية والنصوص الدينية. هذا هو جوهر المشكلة في التطور السياسي للمجتمعات الإسلامية. ففي اللحظة التي يعترف فيها المرء بالنسبية الثقافية في تطبيق القيم الأخلاقية العالمية، يواجه وجها لوجه مسألة الاستهانة بكل تلك المخاوف التي لدينا بشأن انتهاك حقوق الإنسان للأفراد، وعلى الأخص الأنظمة السياسية الأكثر الاستبداد وتسلطية التي تغمر المشهد السياسي للعالم الإسلامي (ناهيك في مناطق أخرى من العالم).

س: د. نابي: رغم أنه لا توجد مناقشات حول الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي في اللاهوت ااسلمي الكلاسيكي أو الفلسفة الإسلامية  يمكن أن تكون بمثابة نقطة انطلاق للاتفاقيات الدولية حول المعايير الأخلاقية المشتركة للجنس البشري بأسره، إلا أن الأساس العلماني للإعلان يعتبر غير كافي من الناحية النظرية المعرفية اشتقاق حقوق الإنسان المتأصلة بالطبيعة البشرية وغير القابلة للتصرف. ربما تكون النقطة المؤلمة في الخطاب العلماني لحقوق الإنسان، بالنسبة الى المنظرين المسلمين في لغة الحقوق، هي الإقالة الكاملة أو طرد أيً شيء ديني كعائق أمام التطور الحديث لنظام حقوق الإنسان.

ج: نعم، إن لغة حقوق الإنسان حديثة وذات جذور راسخة في الليبرالية العلمانية التي تحمي وتعزز حقوق المواطنين والتي تتطلب خصخصة الدين من المجال العام للسماح بتطويرسياسة مستقلة عن الدين. وأن هذه العلمنة في المجال العام غائبة في الفقه الإسلامي والأنثروبولوجيا  اللاهوتية الإسلامية. نعم أتفهم أن العلمانية التي يرتكز عليها الإعلان لا تترجم إلى تعبير إسلامي دون إثارة أسئلة جدية حول علاقة الدين بالسياسة والدولة. والأهم من ذلك، أن التركيز الغالب على استقلالية الفرد بمعايير أخلاقية مستقلة تتجاوز الاختلافات الدينية والثقافية للمطالبة بالحقوق دون النظر إلى روابط المعاملة بالمثل يتعارض مع تأكيد التقاليد الإسلامية القروسطية السائدة.

أؤكد دعمي الفكري الثابت للإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أساس أصالة الكرامة الإنسانية والقدرة الأخلاقية على التفاوض حول مصيرها الروحي دون تدخل الدولة. ويمكنني التأكيد دون أي تحفظات على أن الخطر الوشيك على نظام حقوق الإنسان يأتي من كل من الحجج النسبية الأخلاقية والمذاهب اللاهوتية الإقصائية. إن الحجج التي تدعيها وتقدمها النسبية الأخلاقية  بوصفها "دفاع عن النفس"، لكن في اللحظة التي تدخل فيها النسبية الثقافية خطاب حقوق الإنسان، فإنها تؤيد عن غير قصد انتهاكات هذه الحقوق و"مبرر" قبولها  في سياق تقييمها الثقافي الخاص لكرامة الإنسان.

سيكون من الخطأ الاعتقاد أن كافة المفكرين المسلمين التقليديين يعارضون الحاجة إلى حقوق الإنسان العالمية لحماية كرامة الإنسان والشخصية الإنسانية في سياق الدولة القومية اليوم. نعم هناك  من يرفض من بين المسلمين فكرة حقوق الإنسان باعتبارها غير مقبولة من الناحية "الفلسفية". ومع ذلك، فإن حتى أشد المعارضين لوثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذين يعتبرون الوثيقة إمبريالية أخلاقية وعرقية ثقافية، يقرون بحقيقة أن البشر لديهم حقوق تعود إليهم كبشر.

وهنا اريد أن اشير الى مثال حيث يقدم الفقيه التقليدي البارز في مصر الشيخ محمد الغزالي في كتابه (حقوق الإنسان: بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة) الدعم المؤهل للوثيقة الدولية لأحترامها من قبل المسلمين لكن ليس لأنها تعبر عن قيًم ذات صلاحية كونية على المسلمين قبولها ولكن لأن بعض "أسسها" مذكورة في القرآن. فبالنسبة للغزالي، مثله مثل العلماء التقليديين في العالم الإسلامي، يرى أن الإسلام يوفر القواعد الشرعية والتي يمكن تطبيقها داخل العالم الإسلامي. ويتم ،على هذا النحو، إلحاق إعلان بديل لحقوق الإنسان الإسلامية بترجمة ومناقشة الوثيقة الدولية. لكن أرى أن هذا التوجه يقوض في معرفة حقوق الإنسان شرعية الإعلان العالمي في عيون المسلمين. وأرى ايضاً أن أفضل الطرق لتقليل التأثير السلبي لهذا الاتجاه هي إشراك العلماء التقليديين في استكشاف الأسس الميتافيزيقية لإعلان حقوق الإنسان وإظهار الأساس الأخلاقي المشترك الذي تتقاسمه أديان العالم في دعم المعايير التي تقوم عليها الوثيقة الدولية. إن الأصرار على التوجه  الذي ينظر لإعلان حقوق الإنسان بوصف فقط علماني  يحرمه من أي أسس معيارية.

على الرغم من هذه المخاوف، يتم الالتفات إلى النداء العالمي لحماية الكائنات البشرية من سوء المعاملة والاضطهاد حتى في مناطق العالم الإسلامي التي تحدث فيها انتهاكات حقوق الإنسان بشكل متكرر أكثر. بالنسبة للعلماء المسلمين، لا يمكن أن تكون فكرة حقوق الإنسان جديدة فحماية البشر من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة قد تم تسجيلها في التقاليد الدينية وغير الدينية الرئيسية عبر التاريخ. إن المادة الأولى من الوثيقة الدولية بأن "جميع البشر يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق" يجسد التوصيف الأساسي للحكمة الإنسانية.

س: د. نابي: وحكم الردة وتغيير العقيدة ؟

ج: يتعرض الى معاملة قاسية في الشريعة الإسلامية من يحكم عليهم بـ " الردة". لكن بما أن عقوبة الإعدام تُستند إلى التقاليد بدلاً من نص القرآن، وأن رفض المرء للعقيدة الإسلامية بعد قبوله خطيئة ضد الله، فقد حكم بعض  الفقهاء المسلمين أنها تقع خارج اختصاص الدولة الإسلامية.

شكك عدد من الفقهاء السنة والشيعة في مدى إمكانية تطبيق أحكام او عقوبة الإعدام، على من يُنظر اليه " مرتدا" وذلك لأن القرآن يتعامل أساسًا مع الأمر بشكل صارم بين الله والبشر، وبالتالي، خارج نطاق اختصاص المحاكم "الإسلامية". لا أعارض عقوبة الإعدام على هذا النحو فقط  ولكني أتساءلت أيضًا عن صلاحية وشرعية وأهلية تطبيق المفهوم  ضمن مجموعة  أحكام الشريعة  الإسلامية بسبب عدم وجود مؤسسة على شاكلة كنسية يمكنها تحديد مدى خطورة الجريمة.

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن المشكلة تتمثل في الافتقار إلى الدقة في تصنيف الجريمة على أنها دينية، لأن السابقة التي وفرت نموذجًا للأحكام اللاحقة للعقوبة العاصمة في التاريخ الإسلامي المبكر كانت بالتأكيد مسألة تمرد ضد النظام السياسي للمسلمين وليس ضد دين الاسلام. أيد آية الله منتظري، على سبيل المثال، وكان من بين فقهاء القانون البارزين في إيران، الحق في حرية الدين وتغيير الولاء الديني، وانتقد الحكومة الإيرانية لتجاهلها أحد المواد الأساسية للإعلان حول حرية الدين ، ويتسق مع هذا الراي العلامة جمال البنا ايضاً. ومع ذلك، فإن غالبية الفقهاء في العالم الإسلامي يواصلون تأكيد الأحكام التقليدية في هذا الأمر، وعلى الأقل نظريًا، يحافظون على صحة الصيغ الكلاسيكية المتعلقة بالردة. فبينما يؤكد الفقيه البارز الشيخ يوسف القرضاوي في مقالته عن حقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، حقوق الأقليات في حرية الدين، لكنه يتجاهل تمامًا حق المسلم في التحول من الإسلام إلى دين آخر معترف به الدين مثل المسيحية أو اليهودية.

 

...................

* الصورة للدكتور علي رسول الربيعي

 

 

1471 رتا بربارة- كم سيكون جميلاً أن نغير عالمنا للأفضل والأجمل.

- سورية – رغم الجرح – ستبقي وستعود أقوي من جديد.

- المصداقية وصدق التعبير هما الأساس المتين لنجاح كل مبدع

- والدتي الروائية المبدعة (فادية شماس) جعلتني شغوفة بالقراءة منذ الصغر.


- من عمق التجربة القاسية يولد الإبداع ،عاشت تحلم بأطواق الياسمين ،تزين أعناق الوطن ،في مدينتها السورية الأنيقة ،لم تكن تدري بأن الزمن سيأتي بعواصفه الهوجاء ،لتثرا غبارا مذريا علي هذا الوجه الجميل للوطن ،أمسكت قلمها ودفترها لتعلم أبناء وطنها ، لتخط الحرف الأول في ذاكرة جيل كانت تريد ان تتعمق جذوره في تراب الوطن ،عايشت صرخات آلامها ودمعاتهم علي فراق الأحبة في ليلات المدينة الحزينة ، انها الكاتبة السورية "ريتا بربارة " ومن هنا كانت بداية الحوار معها حيث سألتها :-

س: لكل كاتب قضية يحاول الوصول بها الي وجدان وعقل القاريء فما هي قضيتك الأولى؟

-  عودة القيم الانسانية هي قضيتي الأولي والأخيرة، فعودة تلك القيم ستغير واقع المجتمعات وستجمل وجه العالم، وبغرس هذه القيم وبعثها من جديد سيسود السلام العالم، فالإنسان هو أساس كل تغيير، وكم سيكون جميلاً أن نغير عالمنا للأفضل والأجمل.  .

س: من هو كاتبك المفضل علي المستوي العربي والعالمي ولماذا؟

- حين تنشأ في بيت كاتبة بحجم فاديا شماس فلابد أن تكون كاتبك الأول والمفضل ليس لكونها أمي فقط – بل لأن كتاباتها المتميزة هي ما جعلني شغوفة بالقراءة منذ الصغر، فعشت وكبرت مع عوالم صنعتها برواياتها المتميزة، وتعودت أن اقرأ للكل، وإن كان هذا لا يمنع أنني أميل لكتابات دوستويفسكي، ومون باسون، وأنطون تشيخوف، وجبران خليل جبران، ويوسف إدريس، وكوليت خوري، وغادة السمان، وغيرهم الكثير فنافذة فكري منفتحة على كل ما هو مبدع وجميل لأنني أعشق التنوع، وأومن أن هذا التنوع يثري المخزون الثقافي لدي كل كاتب ويجعله قادراً على صنع عالم مختلف بقلمه حين يكتب.

س: الكاتب دائما وليد التجربة الحياتية التي يمر بها كيف رصدتي تجربة الحرب في وطنك الام سوريا؟

رصدت من خلال مجموعتي القصصية " جرح الفينيق " الحرب السورية وويلاتها وتأثيراتها الاجتماعية وبخاصة تأثيراتها على المشاعر الإنسانية للمواطن السوري داخل وخارج سورية، كما ترصد المجموعة بعض مظاهر الفساد التي تنتشر بالمجتمع، وأملي التعامل مع هذه الممارسات السلبية بشكل حاسم لتختفي من مجتمعنا لتبقي سورية وطن نفخر به يسوده الأمن والأمان، وكان اختياري لعنوان المجموعة للتعبير عن جرح سورية النازف وللتأكيد على أن سورية – رغم الجرح – ستبقي وستعود أقوي من جديد.

س: لكل كاتب مقومات نجاح في كل زمان ومكان فما هي المقومات التي تساعد علي نجاح المبدع والكاتب في ظل هيمنة وسائل التواصل علي حياة الجميع؟

- المصداقية وصدق التعبير هما الأساس المتين لنجاح كل مبدع، لأن النافع هو ما يبقي أما ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة فسرعان ما يختفي برغم الضجة التي قد تصاحب الكثير منه وقت النشر، لأن ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي يواجه سرعة نسيانه لكثرة ما ينشر، ويفتقد التوثيق لأن الكثير مما ينشر يكون مجهلاً ومجرد رأي شحصي لمن ينشر، كما زاد استخدام النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي المشهد سوءًا حيث أصبح من السهل النقل والاقتباس وانتشرت السرقات الأدبية لافتقاد هذه الوسائل الرقابة والتوثيق اللذان يحفظان لكل كاتب حقوق ملكيته الفكرية، وعلينا معالجة هذا المشهد الثقافي الملتبس، بتوحيد الجهود والقيام بعمل مؤسسي يعيد للمشهد الثقافي العربي رونقه وتميزه، نعيد به صياغة مشهد ثقافي جديد يفخر به الكاتب قبل القارئ.

وبرغم ما تمر به بلدي الحبيب سورية من ظروف، فإنني أري أن أمام الأدباء السوريين فرصة ذهبية ليخرجوا من رحم هذه المعاناة والحرب الكونية التي تدار ضد سوريةـ بإبداع يؤسس لمشروع ثقافي سوري نهضوي يعيد للرواية السورية مكانتها وتميزها، شريطة ألا يعتبروا الكتابة ترفاً يخرجوا به من واقع متقلب عاشوه طوال السنوات الماضية فالكتابة رسالة وقضية يجب أن يؤمن بها من يمارسها ليسهم في تشكيل وعي نسعي جميعاً أن يكون وعياً يعين على الإصلاح وإعادة بناء وطن أثخنته الجراح..

س: تراجع الدولة عن دورها الثقافي ساعد علي تنامي الافكار الدينية المتطرفة ما رأيك في ذلك؟

- حتى لا نظلم الدولة بأجهزتها المعنية ونلقي عليها العبء الكامل في نشر مثل هذه الأفكار الدينية المتطرفة التي تعتنقها الجماعات التي تقف في مواجهة الوطن، فإنني أري أن العبء لا يقع بكامله على الدولة بل ساهم الواقع العالمي الجديد وصراع القوي الكبري على مناطق الثروة والنفوذ وبخاصة في منطقتنا العربية في نشر وتنامي هذه الأفكار المتطرفة، وكانت وسيلتهم الأسهل استخدام وسائل الاتصال وبخاصة وسائل التواصل الاجتماعي – كواحدة من وسائل حروب الجيل الرابع – في نشر هذه الأفكار وكان حجم الاستهداف يفوق امكانيات أي دولة فوصلنا لهذا الواقع المرير الذي دمر اقتصادياتنا وعاد بنا سنوات كثيرة للوراء.

س: ما هي رسالتك للشباب الكتاب في الوطن العربي؟

- الشباب طاقة وقوة لوطننا العربي، واتمني أن يكون شباب الوطن العربي قوة بناء لا معول هدم، وعليهم أن يعيدوا بتفوقهم وجهودهم المخلصة هذا الوطن لسابق عهده مهد للحضارة ووطن للعلم والعلماء.

س: الكاتب جزء لا يتجزأ من قضايا امتة العربية كيف رصدتي مايحدث في البلدان العربية المختلفة؟

- يقولون " كلنا في الهم عرب " وأرى أن تناولي للشأن السوري هو رصد للواقع العربي حيث أن ما يحدث في سورية يتكرر في كثير من البلدان العربية لتشابه الطبيعة والطباع.

س: ما هي رسالتك الي الشعب السوري عامة والمرأة السورية خاصة؟

-برغم الجرح ستبقي سورية وطن العزة وستعود لسابق عهدها وبجهدنا جميعاً وتكاتفنا سنجعلها أجمل، ويقع عبء كبير في هذه المرحلة على المرأة السورية الأم والأخت، وعليها يقع العبء الأكبر لتوفير الجو النفسي الذي يعين على تضميد الجراح وتجفيف مآقي الدمع التي انهمرت حزناً على شهداء أبرار ضحوا لأجل أن يبقي الوطن، واتمني كما كانت رمزاً للصمود والتحدي وقت الحرب، أن تكون عوناً للزوج تسانده وتعينه على مواجهة أعباء الحياة، وكما ربوا شهداء عليهم أن يقفوا بكل قوة وحب بجوار أبناء شهداء الوطن لينشئوا خير تنشئة، وبحبها وإخلاصها ستعيد المرأة السورية للوطن السوري روحه الحلوة، ولأبنائنا البسمة وبراءة طفولة سلبتها سنوات الحرب القاسية.

س: لكل كاتب ايديولوجية خاصة تهيمن علي كل ابداعاته فما هي ايديولوجية الكاتبة ريتا بربارة؟

-قد تسيطر على الأديب ايديولوجية يسايرها طول العمر، يوافقها أحياناً، ويبتعد عنها أحياناً أخرى تاركاً الحرية لذاته الابداعية لتقول ما تريد، وتخرج من دائرة التأطير، لأن الأدب فكر والفكر لا تحده مقولة ولا يسيطر عليه انتماء، يسير في ردهات شتى ويملأ كل فراغات النفس ويخترق كل الأسوار ليقول ما يريد، وحين يبدأ الكاتب في الكتابة عليه أن يتحرر من قناعاته وايدولوجياته ويطلق لطاقته الإبداعية العنان ليكون التعبير صادقاً وواقعياً مجرداً غير موجه.

لذا دعني أقول أنني حين أكتب اتحرر من أية ايديولوجية، وتحكمني فقط رؤية عامة أنطلق من خلالها بإبداعي، ورؤيتي هي : الحياة بكل ما فيها بخيرها وشرها، بحسناتها وآثامها، والانسانية بكل آمالها وآلامها، بكل حروبها وسلامها، بكل بنائها وهدمها وعلمها وجهلها.

ويشغلني الوطن المتخم بالأطماع التي لا تنتهي، وأسرتي التي تكونت وعرفت معنى الحياة وقدرة الكلمة على التأثير. فأنا أغني قضايا الانسان غير المؤدلج بقلم غير مؤدلج. قلم يستمد نوره من أفراح العاشقين ودموع الثكالي لأنني أرى الانسانية أكثر اتساعا وأوسع عطاء وأرحب مدى، فإن رأى المهتمون غير ذلك في كتاباتي، يكون من خلال تنامي الوعي وتداعي التفكير بالحرية التي من خلالها يسير قلمي على أوراقي ومن خلال الرغبة في المشاركة في الحسّ البنائي الانساني بشكل عام لا من خلال المنظور الإيديولوجي الضيق الذي أظنه يحدّ من حريّة الأديب على الابداع والأديب لا يقدم آثارا أدبية جميلة إلا إذا تمتع بجوّ من الحرية المطلقة فما أطرّتُ ذاتي أو أدبي بنظرية مؤدلجة مهما عظمت وكثر روادها، وكل ما قدمته يكون من أثر ثقافتي لدي ومعرفتي لا أكثر.

س: ما هي المؤثرات الثقافية الفكرية التي ساهمت في تشكيل وجدانك الإبداعي؟

- المؤثرات الثقافية، بدأت ألحظها بذات نفسي ممّثلة بذاك الكلام الجميل المؤثر الذي ينداح في وجودي كالطوفان منطلقا من بين شفاه والدتي الروائية المبدعة (فادية شماس) التي كانت تستخدم الكلام النقي الجميل أمامي في كل حين، بعدما تلمست - بحدسها الأدبي -ميولي الأدبية المبكرة منذ نعومة أظافري، كما تأثرت كثيراً بمجتمعي الحلبي وثرائها الثقافي المتنوع والمتميز، والكل يعلم أن حلب مدينة ثقافة بامتياز، وقد منحتني أفقا فكريا ثقافيا من خلال الأقوال والمواقف والأراء. وكل ما سبق ترك أثره العميق في ذاتي وظهر أثر له على لساني وقلمي. أما المؤثرات الفكرية، كأطر عامة أنظر من خلالها إلى عالمي البنائي الذاتي. وإلى العالم المحيط بي فأخذتها من خلال دراستي من ينابيع العلم والمعرفة وكنت انهل من المناهل الفكرية وأتعلم كيف أتعامل بفكر منفتح وتقبل للاختلاف والتعاطي مع كل جديد.

 

حوار السيد الزرقاني

 

 

1467 لوك فان ميدلاروحديث عن الاتحاد الأوروبي وأزمة كورونا:

ترجمة: بشار حاتم

الصحفي دانييل شتاينفورت: السيد فان ميدلار، بعد الأزمة المالية في عام 2008 وأزمة الهجرة عام 2015، تعد أزمة كورونا هي الثالثة وربما الأكثر خطورة في تاريخ الاتحاد الأوروبي. هل يمكنها تمزيق المجتمع الدولي؟

لوك فان ميدلار: أعتقد أنه من السابق لأوانه الحديث عن أزمة وجود  للاتحاد الأوروبي في هذه المرحلة. نحن نتعامل مع أزمة صحة عامة، التي هي بالأحرى أزمة وطنية كبيرة تشمل جميع البلدان الأوروبية. الرؤساء ورؤساء وزراء الحكومات والملوك يتحدثون إلى مواطنيهم وكذلك إلى أعضاء المجتمعات الوطنية للمصير المشترك. هذه الحكومات الوطنية في طليعة مكافحة الفيروس لأنها مسؤولة عن السياسة الصحية. بالنسبة لي هذا هو الفارق الكبير بالنسبة للأزمة المالية، حيث كان اليورو أحد أهم إنجازات التكامل الأوروبي. واجهت العُملة المُشتركة خطر الانهيار ثلاث مرات. كان يُمكن أن يشكل هذا الأمر صدمة للاتحاد الأوروبي.

الصحفي دانييل شتاينفورت: الا تعتقد أن نزاعات الماضي التي لم تُحل ستتداخل مع الأزمة الحالية في الإتحاد الأوروبي؟

لوك فان ميدلار: بالطبع، ستكون هناك عواقب اقتصادية كارثية جراء التوقف بسبب كورونا. هناك أزمة جديدة تلوح في الأفق. لحسن الحظ، بذلت دول الاتحاد الأوروبي بعض الجهود لتخفيف أسوأ الآثار. صحيح أن صراعات العقد الماضي قد لحقت بنا عندما يتعلق الأمر بالإحباط المكبوت والجروح التي لم تلتئم بعد. وهذا أمر لافت للنظر بشكل خاص في الجدل الحالي حول التضامن المالي: لقد شعرت إيطاليا سلفًا أن شُركائها في الاتحاد الأوروبي قد تخلوا عنها بخصوص سياسة الهجرة. لذلك يُحاجج البعض في أن سندات اليورو ستكون العرض الحاسم إذا لم يفز ماتيو سالفيني في الانتخابات المقبلة.

الصحفي دانييل شتاينفورت: هل هذه حجة مفهومة بالنسبة لك؟

لوك فان ميدلار: نحتاج أيضًا إلى مُراقبة الجانب الشمالي من المعادلة. وهؤلاء هم المتشككون باليورو بشكل أساسي في ألمانيا وهولندا،الذين ينتظرون فقط للاستفادة من كل خطوة تتخذها حكوماتهم تجاه تعميم الديون بشكل دائم. أن نقاش سندات كورونا هو حقل ألغام سياسي مُنتشر في كل مكان.

الصحفي دانييل شتاينفورت: عندما يتحدث الإيطاليون عن التضامن، فإنهم لا يقصدون فقط سندات كورونا المالية.

لوك فان ميدلار: بلا شك تم التخلي عن إيطاليا في المراحل الأولى من الأزمة. لم تحصل على المساعدة التي احتاجتها. وبدلاً من ذلك، فرضت ألمانيا وفرنسا قيودًا على تصدير الملابس الواقية الطبية، وهذا ما لا يُمكن تبريره. كان على الفيروس أولاً عبور جبال الألب بشكل مأساوي  لإقناع الأوروبيين الآخرين بأنه خطير.

الصحفي دانييل شتاينفورت: السؤال : ما مقدار الأنانية والمعارضة التي يمكن للاتحاد الأوروبي تحملها؟ ابن بلدكم، نائب رئيس المفوضية، فرانس تيمرمانس، حذر قبل أيام من أن اتحاد الدول كما نعرفه لا يُمكنه النجاة من هذه الأزمة.

لوك فان ميدلار: أريد الإجابة على ذلك من منظور تاريخي. كم مرة تم توقع نهاية الاتحاد الأوروبي ونهاية اتفاقية الشنغن أو نهاية السوق المُشتركة في العقود الماضية؟ حتى أن بعض الاقتصاديين الأنجلو ساكسونيين حددوا قبل عشر سنوات إلى حد كبير اليوم الذي سيندثر فيه اليورو. ومع ذلك، لا يزال موجود حتى اليوم. أعتقد أن الاتحاد الأوروبي أكثر مرونة مما يعتقد المرء. عندما تكون الوحدة على المحك حقًا، فهناك دائمًا نوع من التلاحُم اللامرئي الذي يُحافظ على صلابتها. أعني بذلك ليس فقط السعي وراء المصالح الاقتصادية،ولكن أيضًا الوعي الثقافي والتاريخي الأعمق لكونها جزءًا من أوروبا.

الصحفي دانييل شتاينفورت: هل الأزمات هي ببساطة جزء من الاتحاد الأوروبي؟

لوك فان ميدلار: أجل في بعض الأحيان، يتعين على رؤساء الدول والحكومات التباحث حول الأزمة واتخاذ قرارات سريعة مُمكنة. يُمكن القول أن الذعر جزء من إدارة الأزمات في الاتحاد الأوروبي. يحتاج النظام إلى شعور بالبقاء ليُصبح نشطًا. أعتقد أن هذا كان أيضًا السبب وراء إدلاء فرانس تيمرمانس بهذها التصريح المُثير.

الصحفي دانييل شتاينفورت: وصف الكاتب الألماني هانز ماغنوس إنتسنسبيرغر الاتحاد الأوروبي بأنه " وحش بروكسل اللطيف" عندما يتعلق الأمر بقوة البيروقراطيين والعجز السياسي للمواطنين. كم من هذا الوحش لا يزال موجودًا في مؤسسات بروكسل اليوم؟

لوك فان ميدلار: في الواقع، تجاوزت أحداث السنوات العشر الماضي حكياةة إنتسنسبيرغر. بالطبع، لا تزال السوق المُشتركة جزءًا مركزيًا من الاتحاد الأوروبي. لكن المُناقشات العامة اليوم لم تعد حول درجة انحناء الخيار أو الكليشيهات البيروقراطية الأخرى، وإنما حول الأمور التي تؤثر على الناس بشكل مباشر: أمور تتعلق بالحدود، والعملة،وعلاقاتنا مع روسيا، مع الصين، ومع الولايات المتحدة . أصبح الاتحاد الأوروبي أقل أهتمامًا بالتفاصيل التكنوقراطية مقارنة بالأحداث غير المتوقعة. أسمي هذه سياسة الأحداث التي بدورها حلت محل السياسة الاعتيادية. كان على الاتحاد الأوروبي أن يُعيد اكتشاف نفسه كنظام قائم على القواعد وغير جاهز للتعامل مع الصدمات والأزمات.

الصحفي دانييل شتاينفورت: كيف تبرز سياسة الأحداث نفسها في أزمة كورونا؟

لوك فان ميدلار: تجسد أزمة كورونا كيف يتعين على السياسيين قبول العيش مع انعدام الامان. أدركت المُستشارة الألمانية ميركل ذلك عندما وصفت الأزمة بأنها "خطيرة ومفتوحة على جميع الاحتمالات". وقال الرئيس ماكرون، الذي لم يعترف قط بعدم معرفة شيء ما في الأوقات العادية، في خطابه الأخير إلى الفرنسيين أنه يريد أبلاغهم: "ce que nous savons et ce que nous ne savons pas" (ما نعرفه وما لا نعرفه)  إن الغموض بشأن ما يفعله الفيروس لمُجتمعاتنا يجعل أي نهج بيروقراطي صعبًا - وبطريقة أكثر جوهرية من الأزمات السابقة.

الصحفي دانييل شتاينفورت: وماذا تعتقد، هل كافحت مفوضية الاتحاد الأوروبي باعتبارها قلب بيروقراطية بروكسل في الأزمة؟

لوك فان ميدلار: خففت المفوضية قواعد ميزانية الاتحاد الأوروبي وقواعد مساعدة الدولة في مرحلة مبكرة للغاية. وهذا أعطى الحكومات مجالا للعمل، على سبيل المثال لإنقاذ الشركات من الإفلاس. وأدركت أن الدول الأعضاء في طليعة الكفاح من أجل الحياة والوظائف. خاب أملي بخصوص تنظيم برنامج شراء المعدات الطبية. كان هناك حديث عن مُهل تمتد لشهور في المناقصات العامة، على الرغم من أن إيطاليا كانت بحاجة إلى المُساعدة في غضون 24 ساعة. هنا لم تدرك الهيئة أننا لم نعد نعيش في أوقات اقتصادية عادية. على الأقل فيما يتعلق بسوق السلع الطبية، كان ينبغي أن يبدأ اقتصاد حرب، كما فعل الرئيس الأمريكي.

الصحفي دانييل شتاينفورت: هل المفوضية قادرة على القيام بذلك على الإطلاق؟

لوك فان ميدلار: نعم، فذلك موجود حتى في حامضها النووي DNA. كان جان مونيه، أحد الآباء المؤسسين للمفوضية الأوروبية، وقد نظم هذا الرجل الطلب على السلع والخدمات اللوجستية للحلفاء في حربين عالميتين. بالطبع، هناك دائمًا حجج جيدة بشأن الإجراءات البيروقراطية: فهي تهتم بالعدالة والقُدرة على التنبؤ، ويتم التعامل مع الجميع نظريًا بنفس الطريقة، وتمنع الفساد، وما إلى ذلك. ولكن في أوقات استثنائية، يجب اتخاذ قرارات مرنة، لأن الأمر بتعلق أكثر بالقدرة على اتخاذ القرار السريع وقوة القيادة.

الصحفي دانييل شتاينفورت: بالعودة إلى "التلاحُم اللامرئي" الذي حسب رأيك، يُلاحم اتحاد الأوروبيين: وفقًا لاستطلاعات الرأي في إيطاليا، فإن أقلية فقط من المواطنين تُجاهر الآن بالتزاماتها مع الاتحاد الأوروبي. الا يقلقك هذا الأمر؟

لوك فان ميدلار: بلى. وقد رأينا في حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أن الدعم غير الكافي يمكن أن يؤدي إلى إنهاء العضوية. ومع ذلك، لم يكن البريطانيون أبدًا أعضاء من صميم القلب، ولم يكن لديهم أبدًا شعور حقيقي بالهوية مثل الإيطاليين. خيبة أمل الإيطاليين حقيقية للغاية، في الوقت الحالي يميل البعض أكثر نحو الروس والصينيين من الألمان والفرنسيين. لكني أعتقد أنه لا يزال هناك وعي واسع بأن فوائد البقاء في الاتحاد الأوروبي تفوق فوائد الانفصال عنه. ولا يمكنني أن أتخيل أن التعاطف مع روسيا والصين مُستدام من الناحية السياسية.

الصحفي دانييل شتاينفورت: ماذا عن الوضع في بلدك؟ وما هو حجم التأييد على المشروع الأوروبي في هولندا؟

لوك فان ميدلار: وفقا لاستطلاعات الرأي، فإن الغالبية العُظمى من الهولنديين سيصوتون للبقاء في الاتحاد الأوروبي. من غير المُحتمل حاليًا وجود "Nexit انسحاب هولندا من الاتحاد الأوروبي". هناك الكثير من نقاط الاحتكاك مع بروكسل التي تعطي أيضًا الريح الخلفية للمتشككين بالاتحاد الأوروبي. لكن الهولنديين براغماتيين. إنهم يعرفون المزايا التي يُمكنهم الحصول عليها من السوق المُشتركة.

الصحفي دانييل شتاينفورت: جعلت هولندا في الآونة الأخيرة نفسها لا تحظى بشعبية كبيرة في النزاع حول مساعدات كورونا. أراد وزير المالية Wobke Hoekstra أن يعرف لماذا لا تمتلك بعض البلدان القدرة المالية الكافية لكبح آثار الوباء.

لوك فان ميدلار: كان ذلك نوعًا ما حماقة ولم يكن لحظة دبلوماسية حاسمة. الموقف الهولندي قابل للمُقارنة تمامًا مع الموقف في ألمانيا، حيث يتم تقاسم نفس التحفظات حول سندات اليورو. تكمن المُشكلة في أن البلدين يتعرضان حاليًا لضغوط معنوية كبيرة. في الوقت الذي ينطوي الأمر فيه حول الحياة والموت، فإن حجة التعامل بمبدأ هي أكثر أهمية مما كانت عليه في وقت كان يُمكن فيه للمرء أن يتهم بلد لأسباب تجارية سيئة.

الصحفي دانييل شتاينفورت: أين ترى سويسرا في هذه الأزمة؟ تقليديًا هناك مستوى عالٍ من الشك في الاتحاد الأوروبي من قبل سويسرا، وقد يشعر الكثيرون بأنهم على صواب عندما يتطلعون إلى الخلافات الحالية. في الوقت نفسه، يشعر الجميع أننا في قارب واحد وأنه لا يُمكننا النجاة من دون تعاون.

لوك فان ميدلار: من المهم أن سويسرا بصفتها دولة خارج الاتحاد الأوروبي، ليست أقل تعرضًا لأزمة الصحة العامة والأزمة الاقتصادية القادمة من جيرانها. في هذه الحالة، كما هو الحال في جميع البلدان الأوروبية، هناك روايتان سائدتان في الخطاب العام: واحدة تؤكد ما هو مشترك والأخرى تؤكد ما يفرق أوروبا. يجب أن يذكرنا هذا أيضًا بأنه لا ينبغي فهم أي بلد على أنه كتلة مُتجانسة وأن هناك وجهات نظر وتعارضات مُختلفة ليس فقط بين الدول ولكن أيضًا داخلها.

 

...........................

معلومات عن ضيف الحوار:

لوك فان ميدلار، المولود عام 1973، هو أستاذ قانون في الاتحاد الأوروبي والدراسات الأوروبية بجامعة لايدن ومحلل سياسي لـ «إن آر سي هاندلسبلاد» و «دي ستاندارد». من عام 2010 إلى عام 2014، عمل المؤرخ والفيلسوف السياسي ككاتب خطب ومستشار موثوق لرئيس مجلس الاتحاد الأوروبي هيرمان فان رومبوي. اشتهر الهولندي بكتابه "من القارة إلى الاتحاد - الحاضر وتاريخ أوروبا المتحدة"، الذي نُشر في عام 2016 .

عن صحيفة NZZ  السويسرية

 

 

1464 ريتشارد ديفيد بريشتوحديث عن أزمة كورونا والعودة إلى الحياة الطبيعية وخيبة أمله في حزب الخضر:

ترجمة : بشار حاتم

الصحفي يواخيم فرانك:

السيد بريشت، بعد شهر من الحظر المؤقت، أعلن وزير الصحة ينس سبان الآن أن جائحة كورونا "قابلة للسيطرة". هل تجعلك مثل هذه المصطلحات  متشككا؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

هذه المفردات لها تأثير مُهدئ. إنها تريد القول: "لا داعي للقلق بشأن قضايا نهاية العالم". لهذا لا أجد مشكلة في كلمة مثل " قابلة للسيطرة behrrschbar". وفي المقابل،فإن الخُطب التي ما زالا ترامب وماكرون يُلقيانها مُخيفة. إذا كان هناك شيء لا يصح في الأزمة،فهو استعارات الحرب. أن محاربتنا للفيروس كــ"خصم"  كما لو أننا في معركة بطولية ,تبدوا فكرة حمقاء! فنحن لا نتواجه مع بعض هنا، بل على العكس: نحن ننسحب ونحاول تجنب هذا (الخصم) قدر الإمكان. وهذا هو عكس قواعد فنون الحرب.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت ماذا عن مصطلحات من قبيل "طفيليات وكائنات ضارة " وأيضا استعراض القوة.

ريتشارد ديفيد بريشت:

استخدام الكلمات العرفية ليس دليل على القوة. هذا الخطاب له أيضًا قصة سيئة. تم استخدامه في نهاية القرن التاسع عشر عند ظهور الأوبئة، ولكن تم تطبيقه على البشر بعد أقل من جيلين في وقت لاحق: طفيليات وكائنات ضارة- هذه اللغة التصويرية الوحشية هي نموذج سابق.

الصحفي يواخيم فرانك:

هل أنت من الذين يبحثون باستمرار عن فرص في الأزمات؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

تجربة الحياة تجعلني نوعا ما متشككا. فكر في أزمة السوق المالية لعام ٢٠٠٨/ ٢٠٠٩ التي أثارتها المضاربات المفتعلة. هل اختفت آثارها منذ ذلك الحين؟ لا، إن النظام الفاسد كله في حالة دهور. و لماذا؟ لأن الناس صرخوا في الأزمة: " هناك حريق، هناك حريق! علينا الآن أن نطفئه ولكن لا يمكننا التفكير في كيفية بناء النظام من جديد ". بعد الأزمة، سرعان ما تلاشى حماس إعادة بناء النظام. إذا قلت في الأزمة " هذا الأمر سابق لأوانه الآن"، فهذا يعني قد فات الأوان.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت: " هذا الأمر سابق لأوانه الآن "

وهذا  ما يحصل بالضبط اليوم؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

على كل حال هذا هو تخوفي. لكنني لا أريد أن أتخلى تمامًا عن الاعتقاد بأن شيئًا ما قد يكون ممكنًا.

الصحفي يواخيم فرانك:

لماذا ينبغي للوضع أن يكون هكذا؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

لأن الكثير من الناس يقومون بتجارب في هذه الأزمة والتي بدورها ترسخ قوتهم. تهتهة "أسرع، أعلى، واصل، أكثر"، قطعت وتيرة -كل شيء -فورا، وتولد شعور في الواقع بأننا ننجو بدون ذلك. فجأة لم تعد الفكرة القائلة بأننا نتحرك ببطء أكثر هنا وهناك، أو أن بعض الثوابت ستبقى كما هي، هذه الفكرة أصبحت فجأة غير قابلة للتخيل. المثال الأول: هل نحتاج حقًا إلى حركة جوية داخلية حيث لا تحقق لوفتهانزا أي أرباح بكل الأحوال؟ المثال الثانيى بخصوص طاقم العناية والرعاية: يعلم الجميع أن التحفيز الودي والمكافآت الرمزية لا تغير النظام على المدى الطويل. وأعتقد أنني لست الشخص الوحيد الذي يفضل العيش في بلد يتلقى فيه طاقم الرعاية رواتب لائقة.

الصحفي يواخيم فرانك

الفيلسوف ريتشارد ديفيد بريشت: عن مشكلة القرن الحادي والعشرين وبالعودة لمثالك الأول: وظائف لا حصر لها تعتمد على حركة المجتمع، بما في ذلك السياحة .

ريتشارد ديفيد بريشت:

هذه ببساطة مسألة الشر الأصغر والأكبر. لدينا مشكلة آخذها على محمل الجد. إنها مشكلة القرن الحادي والعشرين: إذا تخلينا عن تنظيم النمو، فإننا سننتج أشخاصًا عاطلين عن العمل مع كل العواقب الاجتماعية والسياسية. ولكن إذا لم نخرج من هذا القيد الاقتصادي، فسوف ندمر الموارد الطبيعية لهذا الكوكب.

الصحفي يواخيم فرانك:

انها معضلة ...

ريتشارد ديفيد بريشت:

... لا يمكننا أن نخرج منها في نهاية المطاف إلا من خلال تحول الاقتصاد الاجتماعي إلى اقتصاد السوق المستدام. من المسلم به أن هذه عملية صعبة ومعقدة. لكن لدينا الآن فرصة لإحداث تغييرات يراها مثلا باحثو المناخ، على أنها ضرورية للبقاء.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت بخصوص كورونا: طريق التغيير

هل تعتبر أزمة كورونا عامل مساعد على التغيير؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

نعم من الناحية النفسية، ولكن ليس من الناحية الاقتصادية، ثمة شعور على الأقل بأن حياتنا قبل الأزمة لم تكن بدون بديل. اما عن أي تدابير سياسية الاقتصادية يجب اتخاذها, فهذه مسألة مختلفة تمامًا. أعتقد فقط أن رغبة الناس في اتباع طريق التغيير قد أخذت بالنمو.

الصحفي يواخيم فرانك:

حتى لو تطرقنا لمثالك الثاني،فقد أصبح نظام الرعاية الصحية أكثر تكلفة؟ لأنه في مكان ما يجب أن يأتي المال من أجل دفع أجور أفضل لموظفي الرعاية.

ريتشارد ديفيد بريشت:

أنت تتطرق لمشكلة كبيرة. في الأساس، إذا لم يكن هناك عجز في المجتمعات الغربية، فهذا يعني وجود المال. مجتمعاتنا أكثر ثراء من أي وقت مضى. بالطبع، يمكننا تجهيز النظام الصحي بشكل أفضل. على المرء فقط أن يجرؤ على الحصول على المال من المصادر المتروكة حاليًا.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت: من أين تأتي الأموال؟

أي مصادر تقصد؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

يجب أن يكون السؤال الأساسي: من أي مصادر نأخذ المال؟ ممن نحصل عليها؟ من الجميع؟ أم فقط من الذين لديهم الكثير من المال؟ هل يمكننا ربما إعادة تخصيص الضريبة التضامنية أو ما تبقى منها؟ أم لا يمكننا أن نصل إلى ضريبة التعاملات المالية؟

الصحفي يواخيم فرانك:

هذه واحدة من افكارك المفضلة

ريتشارد ديفيد بريشت:

نعم، لأنه بناءً على الأحجام المحتملة، أعتقد أن الدولة يجب أن تحصل مستقبلا على ضرائبها بشكل أقل من دخل عمل الناس، وبشكل أكثر من الأموال التي يتم الدفع بها بين الحين والآخر في الأسواق المالية واسواق الرأسمال. جزء كبير من هذه الشركات التي سيتم فرض ضرائب عليها ليست سوى  شركات مقامرة. يتكون رأس المال الاقتصادي الذي يتم تداوله في البورصة من قبل الألمان والبنوك الألمانية من مبلغ مرتفع جدًا يصل إلى تريليون دولار سنويًا. فرض الحد الأدنى من ضريبة المعاملات  بنسبة 0.1 في المائة فقط على هذه الأموال، كما تم حساب مؤخرًا، سيجلب لوزير المالية الألماني تقريبًا 43 مليار يورو. هذا كفيل بجمع الكثير المال.

الصحفي يواخيم فرانك:

الفيلسوف ريتشارد ديفيد بريشت: هل كورونا هي لشبونة القرن الحادي والعشرين؟

عندما هز زلزال كبير مدينة لشبونة عام 1755، أصبحت وجهات النظر العالمية على المحك. هل من وجهة نظر الفيلسوف، أن مدينة وهان مركز بؤرة كورونا، هي لشبونة القرن الحادي والعشرين؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

هذه لعبة عقل مثيرة! مع زلزال لشبونة، انهارت الفكرة الفلسفية واللاهوتية للإله الصالح الذي خلق أفضل العوالم. لأنه في أفضل العوالم، ليس من المنطقي أن تحدث الكوارث الطبيعية على الناس وتكلف الكثير من الأرواح. إذا أردت أن أجد نقطة للمقارنة مع الحاضر، فقد يقودنا فيروس كورونا إلى التفكير في إنسانيتنا من جديد. لقد نسينا إلى حد كبير في الحياة اليومية أننا كائنات بيولوجية.  لدي انطباع دائم بأن الشباب يعتقدون أنهم أكثر ارتباطا بهواتفهم الذكية من الحيوانات والنباتات. الآن ندرك: بأننا كجنس بشري، حساسون وضعفاء للغاية، ونعتمد بشكل كبير على بيئتنا البيولوجية. سيكون أمرًا جيدًا حقًا إذا نظرنا مجددًا إلى أنفسنا على أننا جزء من الطبيعة، عدا ذلك فإننا سنستغلها ببساطة من دون أي عائق. ولكن من منظور اليوم، لا يمكنني صياغة ذلك إلا بالأمنيات المؤجلة.

الصحفي يواخيم فرانك:

نُثبت جميعًا كأفراد ومجتمع في هذه الأزمة أننا أنظمة متعلمة: هل توفر الكمامات الحماية أم لا؟ هل يجب أن نستخدم تطبيقات التتبع لمقاطعة طرق الإصابة أم لا؟ ماذا تعلمت منذ شهر آذار؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

في البدء، فهم أفضل لوظيفة الفيروس، والتي ما زلنا لا نعرف الكثير عنها. عندما يتعلق الأمر بالمراقبة الإلكترونية، ما زلت أشارك نفس الرأي  الذي قلته قبل أربعة أسابيع: أعتقد لا يوجد دليل على وجود علاقة بين استخدام هذه التطبيقات ومعدلات الإصابة المنخفضة. كما أنني لا ألاحظ أي عالم يرغب بشكل جدي إثبات هذه العلاقة. أفهم من ذلك أن وزير الصحة سبان يريد القول إنه يجب علينا استنفاد جميع الاحتمالات. وهذا منعكس طبيعي.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت: اتصال من خلال الاتصال

هل هذا الأمر غير مفهوم بالنسبة لك؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

هذا رد فعل وليس استنتاج. ألقيت محاضرة في 10 آذار وتواصلت مع ما يقدر بنحو 100 شخص في ذلك المساء. كانوا على اتصال بآخرين والآخرين كانوا على اتصال أيضًا مع آخرين. فكيف يُفترض أن يعمل برنامج التتبع؟ وكيف يجب أن تتم إجراءات الحجر الصحي العملية؟ نتوقع أشياء عجيبة مع هذه الإجراءات التي لا يمكنهم تحقيقها. وإذا لم يتمكنوا من انجازها فلا ينبغي لنا القيام بذلك. وإلا سنعبر حدودًا مهمة جدًا دون الحاجة لذلك. لا يزال هناك حديث عن التطوع. ولكن هل سيبقى هذا الأمر على هذا النحو في المرة القادمة؟

الصحفي يواخيم فرانك:

انتهاكات أخرى للحدود- تقييد الحريات وحظر الاتصال – هل هذه الإجراءات صحيحة؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

نعم، لأنها مناسبة لحالة الطوارئ ولأننا يمكن أن نثق في ديمقراطيتنا الليبرالية القائمة على سيادة القانون أننا سنستعيد هذه الحريات بالكامل. في هنغاريا لم يكن لدي تلك الثقة.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت بخصوص موضوع كورونا: و"العودة إلى الحياة الطبيعية"

الجملة السحرية تسمى اليوم "العودة إلى الحياة الطبيعية". وهذا يشير أيضًا إلى أنه بعد الأزمة، سيكون كل شيء كما كان من قبل.  بفضل مزحة التغيير!

ريتشارد ديفيد بريشت:

سيكون ذلك مسألة ضغط. يجس السياسيون بعناية فائقة نبض المواطنين. إذا أصبحت الدعوة للتغيير أكثر صخبا، فستكون هناك أيضًا استجابة في السياسة. وفي ضوء ذلك، يجب أن أذكر خيبة أملي بحزب الخضر!

الصحفي يواخيم فرانك:

لماذا؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

لأنهم يتناولون فقط الموضوع الذي ذكرته للتو "العودة إلى الحياة الطبيعية". قدم زعيم حزب الخضر روبرت هابيك الآن اقتراحًا لطيفًا بشأن نوادي النقاش وجلسات العصف الذهني، والتي يجب أن نتبادل فيها تجربتنا للأزمات ونطور الأفكار. يذكرني ذلك بــ "لجان العدالة" التي ظهرت في جميع أنحاء الشرق الألماني أثناء وقت التحول. كان لديهم نفس الوظيفة. كان يوما ما يتوجب على مواطني جمهورية ألمانيا الديمقراطية التفكير بمسألة: ما الذي يعجبنا حقًا في جمهورية ألمانيا الاتحادية؟ ماذا نريد أن نتلقى وبماذا نحتفظ في ألمانيا الديمقراطية؟ وأي شيء آخر نتمناه؟ بالطبع، لم يؤخذ هذا على محمل الجد في جميع الأوقات! وبنفس الوسائل يريد أعضاء حزب الخضر التخلص من مسؤولياتهم اليوم، على وجه التحديد فيما يخص التحول الكبير والمزيد من الاستدامة.

الصحفي يواخيم فرانك:

فيلسوف (روبرت هابيك) يتحدث عن أزمة كورونا: هل هو اهتمام بمنحنى الشعبية ... اتعتبر هذا جُبن؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

أظن ذلك: إذا ركزنا كثيرا على طرح الموضوع للنقاش، فسوف نكون غير متضامنين في الأزمة. وبهذا لن يكون تأثيرنا مثل رجال الإطفاء،وإنما مثل المتفرجين على الحريق بجانبهم ويقدمون لهم نصائح ذكية. ولذا فمن الواضح أنهم أعطوا شعار "التحفظ". في اللحظة الخاطئة، تهتم قيادة الحزب في المقام الأول بقيمتها في منحنى الشعبية. لا يسعني إلا أن أكرر ما قاله فرانتس جوزيف شتراوس ذات مرة: حبيب الجميع هو مُغفل الجميع.

الصحفي يواخيم فرانك:

إذن أنت لا ترى الدعوة إلى "الحياة الطبيعية" على أنها نداء استغاثة من كل أولئك الذين يخافون على وظائفهم، وأرباحهم وعليهم أن يراقبوا بعد الإغلاق كيف يمكنهم تعويض الخسائر المالية لأن  خلاف ذلك  سينتهي أمرهم؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

ربما أنت تفكر في رجال الأعمال الصغار.

الصحفي يواخيم فرانك:

على سبيل المثال.

ريتشارد ديفيد بريشت:

بالطبع أفهم أنهم قلقون بشأن أعمالهم! ومن واجب الدولة مساعدتهم. يحتاج الصغار إلى مساعدة أكثر بكثير من الكبار، على الرغم من أنه من المعروف أن لديهم لوبي مؤثر.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت: "الإجراءات المضادة أصبحت الآن أكثر أهمية"

وأن قوة الدولة لن تنفد.

ريتشارد ديفيد بريشت:

يمكن فرض ضريبة على تجار الإنترنت الكبار لدعم البيع بالتجزئة. موقع أمازون وعمالقة التجارة الآخرين عبر الإنترنت هم الرابحون الأكبر في أزمة كورونا. إذا تم فرض ضريبة على مبيعاتهم بنسبة 25 في المائة، فهذا كفيل بإنشاء صندوقًا ماليًا ضخمًا، حيث يمكن من خلاله دعم تجارة التجزئة المستقرة المؤهلة ومساعدة أصحاب المطاعم. قبل أزمة كورونا، كنت أؤيد مثل هذه الضريبة من أجل الحفاظ على التنوع البيولوجي للسوق ومنع التصحر الكامل لمدننا الصغيرة والمتوسطة الحجم. إن مسقط رأسي سولينغن هو مثال بارز على التصحر الكبير. في السبعينيات  كان لا يزال هناك تجارة تجزئة مزدهرة عن طريق المحلات التجارية التي يديرها أصحابها. عمليا لم يبق منها شيء. لذا فإن الإجراءات المضادة ستكون أكثر أهمية الآن حتى لا تنهار المخزونات المتبقية أيضًا. كما أن المجال الحضري النابض بالحياة هو أرض خصبة للثقافة والتعايش الاجتماعي والديمقراطية الحية. وهذا ما يجب الحفاظ عليه.

الصحفي يواخيم فرانك:

خلاصتك عن أزمة كورونا في شهر نيسان 2020؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

في سياق التنمية، اعتقدت أن القرارات السياسية كانت صحيحة. وأعتقد أيضًا أن التسهيلات التي تم تحديدها الآن صحيحة. حتى الآن، لم يكن هناك سبب يدعو إلى لوم الحكومة. سيكون من المهم الآن كيف نقوم بتدبير الحياة الطبيعية الجديدة من دون إعادة ارتكاب  الأخطاء السابقة.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت: "يضع المُجتمع نفسه الآن تحت الاختبار "

وفي الوقت نفسه، هناك الكثير من الجدل حول مدى وحجم التسهيلات. يشعر الكثير ممن لا يستفيدون من هذه التسهيلات أنهم عوملوا بشكل غير عادل.

ريتشارد ديفيد بريشت:

هذا طبيعي. هذا جزء من الموضوع. لكن لا أعتقد أن هذا سيء للغاية. سننسى ذلك  في غضون سنة. والأهم من ذلك، يضع المجتمع نفسه الآن تحت الاختبار. ويقترب بعض الشيء من ذاته ولديه الفرصة للتفكير في أشياء يفترض أنها تفتقر إلى الوقت أو الطاقة أو المال.

الصحفي يواخيم فرانك:

ومالذي لن ننساه  خلال سنة؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

بالتأكيد بعض الصور المرعبة، مثل تلك من شمال إيطاليا. والخوف الكبير على الأقارب أو على الوظيفة. ولكن ربما سيكون أيضًا هذا الإيقاع المختلف للحياة جيد بالنسبة لنا. يمكن مثلا مُناقشة بعض الأشياء في الاجتماعات المرئية دون الحاجة إلى ركوب السيارة أو حتى السفر بالطائرة. نأمل ألا ننسى الإحجام عن ركوب سفينة سياحية على اعتبارها مخبأ فيروسي. ونأمل أن نتذكر مدى أهمية الأصدقاء والأقارب لنا. هذا أيضًا من السهل نسيانه في حياتنا السريعة.

.................

* معلومات عن الضيف:

ريتشارد ديفيد بريشت هو فيلسوف وكاتب ألماني مولود في مدينة سولينغن عام 1964. يعمل الآن كأستاذ محاضر في جامعة لونبورغ. حاز على شهرة عالية بعد أصداره كتاب "من أنا - وإذا كان الأمر كذلك، فكم ؟".

.............................

عن صحيفة: Frankfurter Rundschau