 حوارات عامة

المثقف في حوار مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (3)

s3س15- الغرابة تكمن في مثقف ضد السلطة وآخر مع السلطة، كي نجد ميزان الوطن قد تأرجح طوال قرون عربية ولكن كان شديد الوضوح في القرن العشرين،

ربما هذا يفسر ضعف دور المثقف العربي على اعتبار انه قد واجه الغدر من زميله أولا مما اضعف الدور النقدي الفاعل، ويفسر ايضا هذا الوضع المحزن الذي آلت اليه اوطاننا ومجتمعاتنا وقد تم تهميش الدور النقدي للمثقف.. ولكن دعني في الاطار النقدي وتحديدا ما يتعلق بك شخصيا كناقد تشكيلي ضمن الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي الزخم والمأزوم ايضا، وبخاصة تلك الاحداث العاصفة المحيطة بك..؟

 ج15 – نجد وجوها كثيرة بمراياها المقعرة والمحدبة، وجراحات ألسنة ذوي القربى منها اشد مرارة وفتكا وتدميرا في الروح والجسد. وتنمو وتتغير أشكال ساستنا كالأميبيا، وتنتشر تلك الغرابة بنوعيات مختلفة بين شرائح المثقفين في كل مكان ولا تقتصر على أمة دون سواها، ولكن أليس غريبا ألا يكون بيننا مثقف ما خارج حدود مثل هذه التقسيمات المفترضة في أنظمة قمعية، ضد أو مع السلطة، سواء أكان في مجتمع بدائي نام، أم في مجتمع متقدم له قيمه وامتداده الحضاري المتنوع ؟ أليس عجيبا أن لايجد المثقف في هذا الوطن العربي الشاسع، سوى هذين الموقفين الموصوفين ثقافيا (على الضد وبالمعية) وتكرار الرأي الواحد والنظرة الواحدة، الا في خانات السياسة المفروضة؟ وأين نضع الاقتصاد والاجتماع والعلوم والمعرفة والآداب والفنون وخطط التنمية طويلة الأمد؟ وما هو موقف المثقف الحقيقي سياسيا منها ؟ ألسنا بفيض العلم والمعرفة سنتحرر وتتحرر مواقفنا المعلنة والسرية من سطوة الأنظمة الرسمية التي لا تؤمن بقوى الشعب العاملة، ولن تلتزم بدساتيرها الوطنية، ولا بطموحات شعوبها المستقبلية؟ بغية الوصول إلى ثقافة لاتحمل الاضداد الا لاستشراف موقف جديد من عملية الصراع القائمة في المجتمع. ولا تخشى النقد، ولا تتنكر لمبدعيها في مختلف الظروف والمتغيرات، التي سيواجهها مثقف ضد السلطة وآخر مع السلطة على صعيد أجهزة المؤسسات الرسمية والأهلية والصحافة. وسيظل المثقف الحقيقي ينسج داخل شرنقته، شروط موقفه الشخصي والمجتمعي معا، حتى وان كان في وسط تنتجه وتعيد انتاجه ثقافة الرأي الواحد وآلة القمع الواحدة في سلطته. فهو العاشق لوطن عربي يمتد ويتسع باتساع متطلبات مواقف مبدعيه إلانسانية، ومتطلبات القتال من أجل الحرية والاستقلال وبناء الوطن مجددا. اذ لم يكن القلق والمعاناة والمنفى سوى تحقيق فكرة واهداف الحرية، وفكرة المثقف عن المصير الفردي والجماعي الذي يجعل منها محور حياته الفنية والأدبية والسياسية ومحور تفكيره الدائم من حوله، جوالا في زمن التحرر من الاحتلال البغيض، ولن يكون مغتربا ووحيدا من كانت عزلته مضيئة بفنه وأدبه وفكره وموقفه ورؤيته المستقبلية. وهكذا (تحتل الحرية، فكرة ومفهوما وشعارا، مكانة واسعة في تحليلات الفنانين والادباء والمبدعين وبخاصة: " الطلائع"، وهي، حجر أساس في الثقافة البصرية والشعرية والسردية. وبالنسبة للأدب والفن، تغدو الحرية شرطا جوهريا عند المنتج وعند المتلقي تتحكم في التعاقد بينهما وتصير أفقا لهما، بل وغاية في حد ذاتها. والجزء الثاني من فكرة الحرية، يفسر أن سمات الفن والأدب في الجوهر، تعني ذاتية مجتمع يعيش ثورة دائمة". تسعي الى تقديم أجوبة متناسقة تمتح من الفلسفة والتاريخ والسوسيولوجيا وتعتمد منهجا تحليليا ينصب على القضايا الفكرية وعلى الأحداث المحيطة، وينتهي الى الكشف عما تنطوي عليه الحياة من تفاصيل ومواقف تعكس نوع حرية التعبير الفني والادبي. وهذا الكشف المعاش لا يكون قويا ومقنعا الا من خلال فنية الأسلوب والشكل. لنتخذ منه موقفا، ونجعل منه مادة لابداعنا الفني.

 

س16 - أردت أن يتحقق حلم المشروع النقدي الفني التشكيلي الذي بدأته في أوائل الستينيات من القرن المنصرم، وقد قلت انك اردته بلغة موضوعية يندرج تحت مسمى الواقعية النقدية الأكثر تحررا من ضغوط (البليخانوفية) في تفسير علم الجمال وبرؤية تأويلية ليتحقق بها التكوين أو الهيكل أو التصميم الكلي للعمل الفني والأدبي بين المخيلة والتفكير..قد مضى نصف قرن وقد تاثرت القيم الجمالية والابداعية بالكثير من الافكار وبخاصة ان الفلسفة لم تعد تحرضها وتقودها اليوم، لا بل راس المال..!! فكيف تقرأ حال وواقع المشروع النقدي الآن قياسا بما حلمت به سابقا.

ج 17- ان المشروع النقديّ المقصود، قائمٌ وحيوي ومتجدد يعكس ما يحيط به من أحداث ومتغيرات وهو مستمرٌّ قدر استمراري بالبحث والتقصي والانتاج المتميز الذي بلغ االخامسة والعشرين كتابا والأربعين معرضا للوحاتي.منذ اتقاد جذوة الحلم بولادته.. وتدلل غزارة كتاباتي النقدية في مجال الفن التشكيلي العراقي والعربي، على امتداد تاريخنا التشكيليّ العربي، على ضرورته التاريخية وقيمته الجمالية والوظيفية. و(كان من حوافز الابداع الفني الأساسية)، الشعور بأننا جوهريون قياسا الى العالم.و(معنى الابداع) هنا يكمن في القيمة التي تحركها الحرية، والقارئ هو الذي يعطي وجودا للنص إذا مارس حريته: « وليس هناك فن إلا من أجل المجتمع وبواسطته، وليس هناك ثقافة أمينة على دورها الوطني والقومي والانساني، ما لم تتخذ موقفا حازما من توجهات وثقافة الغزاة المحتلين لكل بقعة أرض في وطننا العربي، في سبته ومليليه وأفنى والاسكندرونة والجولان وفي فلسطين والعراق)

لقد كانت فكرة المشروع النقدي الفني التشكيلي الذي بدأته في أوائل الستينيات من القرن المنصرم، قد اعتمدت على قيمة مميزة في معمارية نقدية جمالية انبثقت من معنى ودلالة الواقعية الاشتراكية ومن " مفهوم الالتزام في الفن والأدب العربي الحديث" لتتوخى اعادة طرح مفهوم الالتزام من منظور إشكالي يربطه بالأسئلة القائمة التي كانت منبثقة بقوة، عند بعض مبدعينا وتجاربهم، ونقادنا وقراءآتهم، نتيجة مكابدات رحلة معرفية، استغرقت ما يزيد على قرن من الزمن. لكي تصل الينا متعبة واهنة تجاوزتها الأحداث والمتغيرات والمستجدات والتحولات وذلك بسبب عدم الوضوح الذي يطبع علاقة النقد الفني بالعمل الفني وبالقارئ تحت ضغط المشكلات الاجتماعية والسياسية وعدم المجاهرة باستقلالية الفن والأدب عن شعارات الحزب أوالرأي الواحد. لكن واقع الابداع، في نماذجه الجيدة، يشخص نوعا آخر من "الالتزام" لا تكون فيه القيمة الفنية والرؤية الذاتية أقل من المضمون ودلالاته المختلفة، دون "تجريد" الانسان الى مجموعة أفكار..

وفي ما يتعلق بالجزء الثاني من السؤال الذي أشار الى دوام روح وقيمة مشروع النقد الفني التشكيلي الذي مضى عليه أكثر من نصف قرن. فنحن نشيرالى ظهور الكثير من الأراء والأفكار والمنطلقات المستجدة، كما تاثرت القيم الجمالية والابداعية بالكثير من الافكار وبخاصة ان الفلسفة لم تعد تحرضها وتقودها اليوم، لا بل راس المال..!! مما يتطلب منا قراءة جديدة تطرح رؤية حديثة عن حال وواقع المشروع النقدي الآن قياسا بما حلمت به سابقا.فكانت الكتب والمقالات والبحوث والدراسات النقدية طيلة خمسة عقود خلت، قد أبقت لنا الذاكرة على قيد الحياة، في وقت نشتغل فيه على خلق رؤى وتصورات متقدمة وبوسائل جديدة تضمن فاعلية وحركة النقد الفني وتحولاته وارتباطه بمجمل مستجدات ومتغيرات وواقع الفنون الجميلة كافة..ذلك لأن الفن وحده هو القادر على المحافظة على الأرث والتراث، واغناء واغتناء الذاكرة. وتتطابق هذه الرؤية مع وظيفة الفن بما فيه الأدب، يعيد لنا لحظات حياتنا، ويثبت تجاربنا عندما نضعها في سياق المرحلة التاريخية. وقد اتصل بي هاتفيا من بغداد والموصل والبصرة عدد من طلبة الماجستير والدكتوراه وهم يعبرون عن تقديرهم للظروف التي احاطت بانتاج الكتب النقدية التي نشرتها منذ الستينيات من القرن الماضي التي حفظت لهم ما ضيعته ودمرته الحرب والاحتلال في الوقت الراهن.

كان يقابل الاحتلال والحصار والدمار نوع آخر من (تخميد) المقدرة الخلاقة وعزلها قصد الغائها. وتجسدت هذه الظاهرة المزرية في المؤسسات الرسمية لوزارات الثقافة العربية ودوائرها الصغيرة التابعة. التي تحاول أن تهيمن وتهمش وتعزل وتحجب حقيقة الموقف الثقافي الحر غير التابع لهم وتجزءتها الى مجموعات صغيرة متفرقة لتضعفها من بين المواقف التي لا تتفق معها على منهج أو رؤية منبتها الرسمي، وإنما لتغلق النوافذ الحرة المتنوعة الاتجاهات وبقاء الأمور معلقة بين التواصل والانقطاع في فهم الضرورات الأساسية لحقيقة المنجز الفني باعتباره إبداعا وكشفا وتجاوزا.) لتعيد انتاجها مجددا باتجاه الهيمنة على جوهرياتهاالفكرية والفنية والثقافية.وقد وضعت أمامها منهج التهميش والعزل والاقصاء التي بمجموعها لاتحجب الحقيقة.

 

 س18 - في سياق الحديث حول المخيلة والتفكير والعمل السياسي في عمق التجربة التاريخية التي عايشتها حدث مد وجزر ايدولوجيا، فكيف حدث التفاعل الفني والفكري لديك وبخاصة انك عايشت الشيوعية والبعثية كتنظيمين متناقضين بمكوناتهما النظرية والتطبيقية الى حد كبير...!؟

ج18 - لقد نجحت بتطبيق " علم الجمال الماركسي " على مجمل انتاجي الفني والمنهج النقدي التشكيلي ضمن اسلوب الحياة الثقافية السائدة في الستينيات، وفي سياق المرحلة التاريخية بعد قيام ثورة الرابع عشر من تموز – يوليو- عام 1958م. عندما كنت متعاطفا للعمل مع الشيوعيين، ثم منتميا اليهم. ومتخليا عنهم بعد تعارض مواقفهم السياسية المعلنة مع توجهاتي المتحررة من ضوابط اللبرالية والتسيب وقيود أخرى مفتعله يجاهرون بها ادعاء وايهاما.. وتشاء الظروف الشخصية أن أتعرف على نخبة من شباب حيوي في لندن يربطون تحولاتهم الفكرية باسلوب معيشتهم الجديدة. وتوطدت بيننا العلاقات ومن بينها تطابق المواقف السياسية. واكتشفت انهم ينتمون الى البعث. فاغرتني فكرة اكتشاف المنطلقات القومية عبرهم وتكررت المحاولة بعد انتقالي للعمل في تلفزيون البصرة، وأعدت ارتباطي الشخصي بالأديب احسان وفيق السامرائي، عندما كان يعمل محاسبا في المصرف الزراعي في مدينة العمارة. وكان بعد عام 1968م قد عمل مديرا لتلفزيون البصرة. فعملت معه وقدمت البرامج الثقافية والسياسية أيضا كانت تتجلى فيها بوضوح، الأفكار والتوجهات اليسارية وقد صارحني ذات مرة بأنه يتردد بين رفاقه وضوح أفكاري اليسارية وأخبروه بانتمائي السابق الى الحزب الشيوعي.وكنت أغض الطرف عن الرد عليه لعدم الامعان بتعقيد ظروفي الشخصية أكثر مما ينبغي. ومع ذلك ظل الكاتب احسان يدعمني بقوة، فانتخبت رئيسا لجمعية التشكيليين العراقيين في البصرة لدورتين متعاقبتين، حتى انتقلت الى بغداد عام 1975م للعمل في وزارة الاعلام – مديرية الفنون العامة، ابان تشكيلها لأول مرة، مع الفنان القاص المبدع نزار سليم ونوري الراوي وجميل حمودي وواصلت العمل فيب الاذاعة والتلفزيون والصحافة واقامة المعارض الشخصية ونشر الكتب النقدية.. وحاولت مرة ثانية وبوعي آخر تطبيق " علم الجمال الماركسي على علم الجمال البعثي " في مجمل نتاجات الفنون التشكيلية والنقدية العراقية والعربية. وأصدرت كتابا بعنوان: (الفن التشكيلي المعاصر في الفكر العربي الثوري عام 1979م). ونشرت بحوثا ودراسات في ذلك التوجه، وناقشت أفكار ومنطلقات البعث عبر خطب وأدبيات القادة البعثيين أنفسهم في مقالات متسلسلة نشرتها فيب صفحة آفاق جريدة الجمهورية. وعندما اكتشفوا عدم ارتباطي تنظيميا، وأنا أعمل في وزارة ومؤسسة اعلامية، أحلت نفسي على التقاعد عام 1986م، بعد ان حققت وجودي في المنجَزالفني والنقدي ورسمت ملامح حضوري باختياري وحريتي. وبدأت رحلة الشتاء والصيف. وهكذا كنت مكتشفا ومستقلا في تفسير علم الجمال، وبرؤيتي الشخصية، ليتحقق بها التكوين أو الهيكل أو التصميم الكلي للعمل الفني والأدبي بين المخيلة والتفكير والعمل السياسي بين تنظيمين متناقضين بمكوناتهما النظرية والتطبيقية. وقد مضى نصف قرن على تجربتي تلك وقد تاثرت اليوم بتنوع وتجدد القيم الجمالية والابداعية المحملة بالكثير من الافكار الحداثوية حتى بعد أن أصبحت الفلسفة لم تعد تحرضها وتقودها اليوم، لا بل راس المال. فقرأت أبجدية المشروع النقدي الآن برؤية متقدمة وبوعي جديد قياسا بما حلمت به سابقا.

وانطلاقا من فكرة الحرية، تتجسد شراكة الفنان والكاتب والقارئ في نتائج المعطى الثقافي والفني وما لذلك من امتداد على المجتمع ومشكلاته العديدة بسبب الاحتلال، والناجمة عن خسائر الحرب واهتزاز القيم والمتغيرات الحادة.). وهذا الادراك والوعي السياسي لاحقا، هو الذي حماني من الوقوع في فخ شراء المثقفين وافسادهم، لكي يُبتعدوا عن العمل الثقافي الملتزم بقضايا المجتمع ولكي يغيبوا الانتاج الفني الحقيقيّ. وهذا الوعي هو الذي هداني الى عدم منح فرصة لبعض كوادرالأحزاب السياسية أن تسيسني لخدمة أدبياتها الحزبية وتستخدم فني وكتاباتي في توجهاتها الاعلامية. فهي تريد اسمي لا انتاجي، وتريد استغلال مكانتي في الرسم والنقد التشكيلي والصحافة، ولا تسعى وراء نوعية الانتاج الثقافي الحر التقدمي الذي أقاوم به ثقافة الغزاة في مشرق الوطن العربي ومغربه.

 

 س19 - شاركت واشرفت على عشرات المعارض العربية والدولية والسؤال الذي يطرح نفسه ما بين الشرق والغرب واقاصي الشرق البعيدة تكمن الخبرات والرؤية واللقاءات كيف كنتها وعشتها وماذا تركت من بصمات.. تستشعرها فيك وفي المجتمعات والحركة التشكيلية ؟

 

 ج19 – كنت سعيدا لاتطيق فرحتي الدنيا في ما شاركت به من أنشطة وفعاليات في الفن والنقد خاصة، وفي الثقافة عامة.. وفي الاشراف على عشرات المعارض العربية والدولية، حيث العوالم والمعالم المدهشة والمتعبة. بين الغرب الغرب واقاصي الشرق البعيدة طلبا لمتعة الفن والروح والجسد، واذ تكمن الخبرات والرؤى ووتبادل الخبرات والمعرف في كنف اللقاءات التي عشتها لحظة بلحظة، فتركت من بصمات الفرح والنشوة والمتعة والسى واللوعة، ما جعلتني استعيد نشوتها كلما اشتد بي الشوق للحرية مرة أخرى وظامتني الدنيا بببلواها البشرية والقدرية والانسانية. أستشعرها في وجوه الناس الذين التقيتهم واتحسسها في فنونهم السمعية والبصرية الشعبية والتطبيقية والتشكيلية، وفي وموروثهم الوطني والتاريخي وفي أنسجة وتفاصيل حياة الامم والمجتمعات اتي زرتها وعشت وطرا من حياتي بين تفاصيل حياتها اليومية.

 

س20 - هل كتبت شيئا هل عبرت عن هذه اللحظات الانفعالية التفاعلية المدهشة أم بقيت في مدارات التشكيل..؟؟

ج20– لقد اغتنيت وأغنيت، سعدت وأسعدت، نحجت وأخفقت، عشقت وهمت، وولهت وانكفأت مرتدا الى عالمي الباطني، وعجزت في العقود الأربع السالفات من سنين الغسق، عن ابداع قصيدة واحدة استطيع ان أحترم مقدرتي الشعرية بها فكتمت محبتي لتجربة الشعر الحقيقية. ووهنت امكاناتي عن كتابة قصة واحدة أقتنع بجماليتها الفنية. فلم أفلح بالتوصل الى عمقها فتوقفت عن المحاولة. ولكنني اكتشفت نفسي في الرسم والنقد الفني التشكيلي، وكنت حرا في التعبير خلال الرسم، فغدوت لونا مبهرا في فضاءات " الفنّ الحديث "، منفردا في عزلة الفن التامة، كما المتصوفة. وكما الدهريين والماديين وجعلت من فني وكتاباتي نايا رقيقا لنسائم الروح الشعرية ولظى متقدا من لهب التجربة الفنية التي حفرت عميقا في نفسي، وطوّرت إلاحساس المرهف بالحياة وبالواقع فتخليت عن معنى العزلة وغرابة الوحشة. مبعدا تأثير التجارب الأولى الصادمة، المفرطة تجاه الأشياء، فولد في رحم التجربة الغضة توق مبكّر إلى الإلتحام الصوفي بالكون، ونمت موهبة رؤى الفن المؤمن بالانسان، وتعمقت مشاعر حب الحياة في التقاط مفراداتها ووحداتها وإعادة تركيبها على نحو غير مألوف، واستنباط الأشكال الفنية الحديثة، والصور القيمية الجمالية التشكيلية. وكان ثمة أربع محطات حاسمة: سنوات دراسة الفن بين 1956 و1962؛ وسنوات النضج التي تمتد حتى العام 1972 وتتضمن الدراسة على يدجواد سليم وفائق حسن واسماعيل الشيخلي وفرج عبو ونزيهة سليم وفالنتينوس في الخزف وهاشم الخطاط في الخط العربي والزخرفة. في الفترة التي عملت فيها صحفيا مشرفا على صفحات الفنون الجميلة والنقد الفني وكتابة "رؤية بول سيزان ما بعد الانطباعية " الذي نشرت فصولا منه آنذاك عام 1962م في جريدة المواطن التي كان يشرف عليها المؤدي والمخرج السيمائي قاسم حول. وظهور كتاب في ذكرى الشاعر عبد الامير الموسوي عام 1967م. -حررته مع القاص الرائد المرحوم خليل رشيد. وطبعناه مطبعة الغري – النجف لأشرف. واشرفنا على اختيار قصائد ديوانه (المرفأ الأزرق) 1968م. وبدأت بالنشر المنظم منذ عام 1970م فصدر كتاب - مقدمة في تاريخ الفن العراقي- الذي طبعته ونشرته وزارة الثقافة في العراق-مطبعة دار الحرية. وانتظمت باصدار الكتب الفنية التي أصبحت من المصادر الوحيدة التي حفظت لنا أهم مراحل نشوء الفنون التشكيلية في العراق بعد احتلال الوطن ولحد اليوم. وأخيراً في ذكرى يوم مولدي: الرابع عشر من مارس – آذار.. ولد كتاب الأمل الذي ضم بين دفتيه مسيرة العمر الفنية والثقافية في سنوات الأوج بين 1958م و2008م حين استكمل ما تبقى من سنين الغسق والمراثي. باتجاه مستقبل العراق"المتوّجٌ بالأحلام".. رغم كل شيء.

 

س21- قد تحدثت في الجزء الثاني حول ميولك لغاندي ولثقافة اللاعنف.. هل تبلورت هذه الاتجاهات لديك في نسيج ثقافتك ووعيك، وبخاصة ان تحولات مذهلة حدثت طوال ما يزيد عن نصف قرن من تصاعد مرعب للعنف في بلداننا.. أم بقيت اعجابا في اطار الغاندية..؟

ج21 – كان انشغالي بمنطلقات غاندي السياسية في ثقافة اللاعنف" قد تولد عن عناصر وشروط مجتمعية كانت تعبيرا عن وعي الفقراء بأسباب جوعهم وحرمانهم من حقوقهم الانسانية الطبيعية في الحياة. وكان ما هو ناجم عن ادراك مصائر الطبقات المسحوقة، هو تبلور موقف استنتاجي نقدي واضح بين فكر تاريخي قائد للمرحلة المعاشة التي كنا بحاجة ماسة وضرورية الى ظهوره وانبثاق قيادته وبين المسيلرة المطلوبة.. ولقد تحمس الى مثل منطلقاتي الفردية من المثقفين والمبدعين العراقيين، ما كان يشكل موقفا سياسيا مكثفا في النظرية وحسب، وفيه من القوة والايمان ما يجعله يرفض نظرية الموقف الواحد والفكر الواحد في اطار " فعل اللاعنف" الفعل الكلامي، فيلغي الانتساب أو الانضواء تحت لافتة التنظيم السياسي. وكانت فكرة غاندي في نهج اللاعنف لمواجهة قوى الاحتلال ومفاهيم الغزاة في استعمار الوطن ورفض كل تخصيص وطني واستبعاد كل تجديد أو إصلاح يبدأ من اعتماد رؤية وفلسفة لها ىلية واضحة ومبسطة تستوعبها الجماهير بسرعة لبساطتها المتناهية. أي أنها ثرية وممتلئة بقوة الناس ومستندة الى مضمون اللاعنف " السياسي " وجعله أفقا لنضال مستقبلي تخوضه قوى اجتماعية عريضة من الفقراء والمعدمين وترفض منطق الإرهاب والجمود، وتقاوم بأجسادها العارية منطق القمع والتهميش والالغاء والتدمير وكافة أشكال الاستبداد والعبودية. ربما كان لنوع تنشئتي وبيئتي ولظروفي العائلية، السبب الجوهري في الميل الشديد لرؤية غاندي السياسية ولثقافة اللاعنف. ولم اعد كذلك بعد أن تبلورت العديد من الاتجاهات في نسيج الثقافة والحضارة الشخصية والوعي الذاتي بحقائق العالم، وبخاصة بعد تحولات مذهلة خطيرة حدثت في تاريخنا السياسي والمجتمعي والاقتصادي طوال ما يزيد عن نصف قرن من تصاعد مرعب للعنف في وطننا العربي بعد مؤتمر سان ريمو ووعد بلفوروضعف وانهيار دولة العثمانيين وتقسيم مناطق النفوذ بين بريطانيا وفرنسا.. وزرع سموم كيان الاحتلال في فلسطين، منذ 1948م ولحد ضمور ذلك الكيان وانمحائه من الوجود. كان ذلك الاعجاب بفلسفة اللاعنف الغاندية، هو الذي مهد سبيل التحولات السياسية باساليب ثورية جديدة شملت محاولاتي في الفن والأدب والحياة.

  كان ما يميز صوت الفنان والكاتب والشاعر والمثقف العراقي عامة عند انطلاقته، هو (الحرية وهي تواجه وترفض الوصاية، بعيدا عن الماهيات المسبقة.. ينتقل من المزاوجة بين (قطبين يستأثران بقرارات مصير العالم، بعد الحرب الثانية.. وبين أسئلة الثقافة والأدب المتراكمة). ونشوب حروب اقليمية في شرقي آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وفي فلسطين وأفغانستان والعراق-. من هنا نستطيع أن نفهم الدعوة الى الالتزام، والسعي الى ادماج الفنون والآداب وبواعثها وغاياتها ضمن مشروع أوسع لتغيير المجتمع..). ولكن، علينا أن نتساءل عن المحاور والأفكار التي تؤطر مفهوم الحرية والالتزام). وكانت الثقافة الفنية والشعرية آنذك قد منحت العالم، قبل مجيء مايكوفسكي إلى الأدب، مجموعة كاملة من القامات الأدبية النادرة: ديرجافين، جوكوفسكي، بوشكين، ليرمنتوف، توتشيف، بلوك.. وغيرهم. فمع بداية القرن العشرين كانت الثقافة الأدبية قد صارت صاحبة تقاليد كلاسيكية راسخة وعميقة. وعند الحد الفاصل بين قرنين، في عصر النمو المتصاعد للحركة المستقبلية، كانت الدنيا بحاجة لمبدعين جدد يستطيعون أن يراكموا في إبداعهم طاقات الحشود الديمقراطية الواسعة، ويقومون بتطوير وبمضاعفة التقاليد الإنسانية للفن والأدب الجديدين. وأصبحت الحاجة اليوم في القرن الحادي والعشرين أشد وأعمق. وقد جاء مثل هكذا فنان وأديب وشاعر. مبدع ذو أسلوب فريد وغير مسبوق في الإبداع، صاحب طموحات وابتكارات هائلة، يتميز بإيقاع مثير وببلاغة مجازية مدهشة، فنان يرسم جدران القرى والمدن وشاعر راح يخاطب الملايين في الساحات والشوارع.). كنا قد ابتهجنا مرارا بمثل تلك الاصوات الحرة.عندما كانت القيمة الجمالية والثقافية المرموقة في تجارب التشكيليين بخاصة، قد نمت ونضجت وخطت لها مسارها وانطبعت بميسم مرحلتها ورافقت وواكبت التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، منذ بواكير القرن العشرين المنصرم حتى غزو العراق في مارس عام 2003م. ولم تفلح قوى الاحتلال من طمس معالم اللوحة والتمثال والخزف والخط العربي والطباعة والحفر والتصوير الفوتوجرافي ولم تفلح بإنتاج (أعمال تابعة) تكمن خلفها مُخيّلة المحتلين وثقافة الغزاة الطغاة على السواء. إن التمييز بين انتاج عمل ابداعي معاصر في (الفنون الزمانية والمكانية) الى جانب (الشعر) وروح (القصيدة) والقصة والرواية والمقالة، وبين انتاج أعمال فنية تسوقها رموز الاحتلال. ولا زال هناك من يُبشر بظهورها حتى الآن في ما هو منتج في ثقافة ما بعد الاحتلال التي يروج لها الأتباع. " بحكم علاقته المصيرية بتأييد الاحتلال، الذي أحكم سيطرته على افكاره المرتهنة " بنوع تبعية أشباه المثقفين الذين جفت وتصحرت المُخيّلة فيهم بعد أن اعتبروا الغزو والاحتلال واستمرارية الدمار والمعاناة طيلة سنوات الحرب والأسى واللوعة والمحارق، مبررا لغايتهم السياسية المرتهنة بخيارات المحتلين. فكانت ارتباطات هؤلاء الاتباع جزء مما تبقى من الذاكرة العليلة بوهم السلطة التي تجاهلت خراب الحرب، أو هي في طور المغادرة أو كانت منتهية. بينما كانت الحرب في أوطان آخرى وأقلام حرة أخرى، تؤلّف نصّاً رئيساً في آدابهم خلال وبعد الحرب. فا نفرزت تجربتهم عمن سواها من ثقافة التابع.. البديل. وأصبح دعاتها، مثقفين تابعين أيضا. وهكذا أراد الغزاة أن تختلط المفاهيم وتغيب المواقف وتتزعزع القواعد والركائز، ويبدأ الانهيار بالضبط كما تعاملوا مع الاقتصاد والناس والمؤسسات الثقافية والعسكرية والمدنية.. وظنوا أنهم مانعتهم قوتهم ليستلبوا حرية الانسان العراقي ومستقبله، فكانوا في وهمهم خاسئين.

 l6

س22- عبر التشكيل هل يمكن ان يكون هناك عنف أو تحريض على العنف، أم العكس تكريس ثقافة المقاومة باللاعنف.. كيف يمكن ان يلج المبدع ثقافة المقاومة وليس ثقافة العنف ..؟

ج22 – كانت ظروفي السابقة هي التي مهدت عندي سبل التحولات السياسية باساليب جديدة شملت محاولاتي في الفن والأدب والحياة. وبخاصة في ما يتعلق بالفنون التشكيلية التي أمارس الرسم من بين فروعها، وانحاز بوسائلها الى تطبيق ما أؤمن به فكريا ووجدانيا وروحيا. ومن بين تلك الصياغات والمعالجات الفنية، التحريض على التغيير وليس على العنف. على ثورية المواقف الانقلابية في التقنية الفنية واستخدام الأشكال الحديثة والرموزالبنائية المثيرة للفكر المستنهضة لحوافز الابداع المستقبلية. واعتمادالاشارات المعمارية التي تجمع بين جوهريات الموروث العربي الاسلامي وبين حداثوية الأشكال المتقدمة أي ثقافة مقاومة كيانات حاضرة جاهزة بتصاميم القيمية الحداثوية. لتغدو ثورة في اللاعنف. وضخ دماء جديدة في رؤاها المستقبلية. والأمثلة على ذلك كثيرة وثرية تتجدد حوافزها بحيوية المبدعين عربيا وعالميا. فعلى المستوى العالمي، وتحت عنوان: المقاومة في الفن التشكيلي: اشتهرت لوحات كوستاف كوربيه الواقعية قبل وبعد كومونة باريس واتحولات بعد أحداث عام 1848م الفرنسية. ولوحات جويا التحريضية العديدة عن اعدام قوى الاحتلال للوطنيين الاسبان: كانت مجموعة أعماله الكرافيكية: "ويلات الحرب" تتكون من 22 عملا، تصور(الحرب والمقاومة)، وتعبر عما في الحرب من مجازر ووحشية، وما خلفته من تشويه وتعذيب. لقد ظهر للمرة الأولى في تاريخ الفنون التشكيلية موقف ثابت، (ألا يمجد الفنان الحرب). فقد رفضها شكلا وموضوعا. رفض مبدأ الحرب، العدوان.. لقد رسم لوحتين من أهم الأمثلة على أعمال "المقاومة في الفن التشكيلي": الأولى لوحة "الثاني من مايو 1808م – هجوم المماليك"، والثانية لوحة "الثالث من مايو –إعدام المرافقين المدافعين عن مدريد. كانت الأولى تسجل دخول الفرنسيين مدريد، والثانية تصورنهوض الأسبان للدفاع عن وطنهم.. وكانت اللوحة البارعة من نوعها في تاريخ الفن... لم ينبع الجمال فيها من الألوان أو الحركة (كما هو شائع، ومعروف أيضا في لوحات جويا السابقة)، بل من الحيوية الهائلة التي تتفجر من اللوحة، تعبيرا عن رفض البشاعة والحرب.اللوحة دعوة للتمسك بالحياة. بالرغم من تراجيديا المشهدالذي وصف الشباب الأسباني الأعزل، أمام الجنود الفرنسيين المدججين بالسلاح، .. رافعين أيديهم احتجاجا ورفضا واستهانة بالموت من اجل حرية واستقلال الوطن.

كان جويا، فى أخريات أيامه، قد لجأ إلى باريس، من شدة وطأة الحياة السياسية المتفجرة في مدريد، ولم يرسم هناك سوى وجوه الأصدقاء، حتى وفاته عام 1828م.

ومثال آخر: لوحات ديلاكروا عن الثورة الفرنسية والحرية التي تقود الشعوب ولوحات بيكاسو عن الحرب الاسبانية وتدمير قرية جورنيكا عام 1937م ولوحات آلاف الفناني المعاصرين واتجاهاتهم الثورية بعد الحرب الأولى والثانية وقصف هيروشيما وناتازاكي والحرب الكورية وحرب فيتنام والحرب على فلسطين وافغانستان والعراق وما جرى من حروب اقليمية في أمريكا اللاتينية وافريقيا ويوغسلافيا- كرواتيا) وما سيحدث في ايران ولبنان وسوريا ومنطقة الشرق الاو,سط بأكملها. و(يعد الكاتب الأمريكي جاك لندن (1876 - 1916)، مثالا من أهم الكتاب الملتزمين في الحياة الأدبية الأمريكية خلال النصف الأول من القرن العشرين، وهو صاحب رواية "العقب الحديدية " الصادرة عام 1907، التي صور فيها حتمية الصراع بين معسكري التقدمية والرجعية، والأساليب التي تلجأ إليـها الرأسمالية في صراعها من اجل البقاء، وتنبأ في تلك الرواية بقيام ثورة اجتماعية تحاول الإطاحة بالنظام الجائر الذي يخدع دعاته الناس، ويسحق البشر تحت شعارات الديمقراطية والحرية، فيما هو نظام تعسفي غارق في أوحال العنصرية والرأسمالية.)

 

س23- تكريس المقاومة تشكيليا عالميا مدهش، وماذا عن المفهوم عربيا..؟؟

ج23– أما الحديث عن أمثلة عبر التشكيل عربيا، فأن هناك الكثير منها في الفنون التشكيلية في مصر والعراق ولبنان ودمشق والجزائر والمغرب وتونس ةليبيا توازي في قيمتها الجمالية والوظيفية ما للأحداث ذاتها من قيمة تاريخية وثقافية، ابتداء من بواكير فترة الحرب الآولى التي شملت العرب. وهناك نص نقدي ايجابي عبر الفن أو تحريض على العنف قصد التغيير الضروري، وكان تكريس ثقافة المقاومة باللاعنف، قد نجح بموازاة تأثير الشعر والقصة والرواية والمسرح والسينما والموسيقا والغناء. والانسان في الوطن العربي، كان بمجرد استذكاره لما يجرى على الامة العربية من مآس مدمرة، فستملأ واجهة بصيرته وبصره الصور الرهيبة من العنف الدامي الذي تعرضنا لآلياته التدميرية لحد اليوم. وبخاصة ما يجري اليوم من خراب ودمار وفواجع في فلسطين والعراق على مسمع ومرآى من دعاة الحضارة والتقدم في ما يدعونه بالمجتمع الدولي. وليس هناك امثلة صارخة أشد وضوحا تقال يوميا، وهي تشهد على ذلك عربيا.. ودوليا.

 

  س24- كلما طرحت عليك سؤالا شخصيا اجدك تدخل الى العام، عندما تنظر الى المرآة هل ترى كل الاحداث العامة على وجهك ايضا..؟ متى ترى انت شوكت بذاته في ذاته ؟

ج24 – كنت أتأمل وجهي في المرآة، (التي تعني احالة من رموز الثقافة في الحياة)، وأتحسس وجيب قلبي، كلما طرح علينا سؤال شخصي مخافة الابتعاد أوالتنائي عن الموقف المجتمعي الذي يتجسد في ما أرى من وجوه المبدعين على مدى التاريخ الانساني، ووجوه أهلي وأحبائي وابنائي وأحفادي، أرى محبة الناس الطيبين وهمومهم الملونة في وجوههم، وكنت بنظر الأصدقاء تاريخا خارج ذاتي، لذلك عندما يؤثرون ملازمتي بأفكارهم، فإنهم لا يغامرون، لأنهم يرافقون حالة فنية شقت طريقها في الفضاء والعتمة والحياة. إنني بنظرهم سفر مخضب بأفكار التجربة المتسعة، شكلاً جديداً، ومضموناً حياً، ورؤية مستقبلية. وينبثق من تجربتي سنا ضوء خفي يكشف عن عالم بالغ القدم، يخلق تماساً للروح وهي في وهجها المبهر، وإحساسا بالغ التأثير والقوة، يشبه لحظات الشعور بمهابة التقرب من عناصر الخلق الخالدة في كل فن عظيم. ويظلوا مقيمين على قراءة ما كتبته من سيرة حياتي، وقد تولاهم تعاطف لا يرحم يستشعرون به الحزن الأرضي، وعذاب الفنان واتقاد عاطفته إزاء قوة الروح الخليقة بالحياة.. فكتاباتي كما لوحاتي هبوط إلى أعماق انطوت على عالم داخلي يشعرهم بعمق أنفسهم وجذورهم ورؤاهم، وسيظل تأثير كل ذلك فيهم عميقاً لأنه كتب ورسم بروحية عاشق، ونزعة فنان، وبلاغة كاتب) وتسأليني متى ترى انت شوكت بذاته في ذاته ؟ فأجيب: سأفعل ذلك، متى ما تحقق حلمي بتحرير العراق وكل أرض تئن من وجع الاحتلال. ومتى ما سادت الأرض أشعار الأمل وعزفت موسيقا السلام وصدحت حناجر الناس بأغاني الانسانية.

ولو أحلت هذا السؤال الى الصديق الشاعر الكاتب فاروق سلوم لأجاب: (.. كنا نلتقي شوكت وكأنا على موعد مع خطايانا وقصائدنا وولعنا بالغفران.. ثمة صوت خاص يخرج من أعماقه فتغتسل أيامنا الملتاثة بكآبات خاصة.. شوكت ؟ يفضي بنا إلى ذاكرة تشكيلية مطرزة في زمن تفتقد فيه الألوان خاصيتها كل لحظة. ثمة محبة خاصة يمنحنا إياها. وتسكت لأنه لا يجاري بالوجد، إذ كلما قرأت دراسة له، ناقداً، راودتني الفكرة إياها، منذ أن قرأت مقدمته المعروفة في تاريخ الفن العراقي عام 1970، كانت الفكرة قولاً قديماً سجلته في الذاكرة بكامل الحرص.. تقول الفكرة، القول (مثلما يرعى الراعي أبقاره، يرعى الشاعر كلماته)، وهكذا هو في النقد، يرعى أفكاره بطريقة الحلم وهو يكتب، لذلك كانت الروح التشكيلية تتملك اللغة محاولة إياها إلى فسيفساء من كلمات الحلم، ونوازع التشكيلي، وتوهجات الشاعر.. يوميات شوكت الربيعي، مضامين تجعلنا قريبين من فكرة ألام، لأنه وهو المشاكس الأبدي لا يزال يتذكر، صوراً وروائح خاصة.. كتلاً سوداء متلفعة بالأردية، وجوهاً منداة.. ووشماً يشج الحنك أو يسم الخد والجبهة. انه لا يرث تلك الصبابات بسبب وفائه وهو المحمل برؤى البيئة، العمارة، الأهوار، رائحة السمك، وطيور الماء والطين.. بل يحولها إلى موقف من تاريخ خاص تمر به المجموعة البشرية جميعها، حالة من وصف قيمة التاريخ، والإنسان، والمرأة بكل رمزيتها وتعابيرها الملّغزة، مضموناً مهماً، تعامل معه بلا عناء عاطفي يقع فيه الكثيرون، انه يريد أن (يؤدلج) انتماءه ويحميه من الإنشاء، فيتشبث بنظرة لمرآة العاطفة، بمزيد من الترميز والدلالة.

 

س25- أحداث جسام عبرتها شامخا وحزينا أيضا، فهل الحزن زاد المبدع ؟ الا يمكن ان يبدع الانسان منتشيا فرحا ضاحكا اثناء لحظة التجلي الكوني فيه.! ما هي حالتك الانفعالية لحظة الكتابة هل تختلف عنها اثناء الرسم ؟.. حدثنا عن الاسرار كيف يحقق المبدع شوكت ذاته، وكيف يتحقق الابداع عبره..؟

ج25 - قبل أيام، ونحن في الرابع عشر من مارس عام 2008م ذكرى مولدي، أنجزت اللمسات الأخيرة من طبع كتاب الأمل الذي ضم الأحداث التي عبرتها منهكا ومؤمنا بارادة حرة وباختيار ذاتي حر، ولم يصاحبني الحزن الا عندما تسكنني الوحدة، ليمسي زاد المفطومين على الحرمان. وانفصلت عنه جسديا برسم لوحة جديدة بمادة الاكرليك التي أحب استخدامها بعد قراءة قصيدة فريدة أو قصة منبثقة من حق الرؤيا، وأنا استمع الى مقامات القبانجي وأغاني سليمة مراد. وعندما أنتهى الى الصيغة الأولى لتجربتي الجديدة المنفعلة بحدث ما شديد التأثير والضغط الساخن في الاعماق، أ قرأها على مسمع صديقي الشاعرين سماء عيسى وزاهر الغافري والروائي أحمد الزبيدي والكاتب المخرج السيمائي حاتم الطائي وعبد الله حبيب.ثم أعرضعليهم لوحتي التي رسمتها بوحي من كل ذلك.، وكأنهم كانوا في لقاء الجمعة الاسبوعي في ديوانيتي، على قلق إزاءها نظراً الى قربهم الحميم لتفاصيل غرابتها وفرادتها.. حينذاك لم يتردد أصدقاء مجلس الجمعة في مرسمي عن وصفها بـ (المدهشة) ومن هنا تأكدت أسباب تسمية يومياتي بالمدهشة. لأنهم بدأوا يتخلون تدريجيا عن الحزن حتى تمكن الجميع من اختراق الفرح الى لبابه.. لأول مرة تجسدت فكرة الشعر والفن والأدب في الفرح اليتيم الذي ابتدعناه، بعكس ما تثيره التجربة من «رعب» وشعور بـ (الوهن الأجرد).

وكان الجميع يراقبون الجهود التي بذلناها لتحقيق صورة العمل السردي وشكل العمل الفني في مؤسسة الرؤيا ومطابعها طباعياً وبصرياً حتى أصبحت كما قال عنها «سماءعيسى». تجربة منتشية فرحا تجلت في كتاب الأمل ما بين الأعوام (1958م – 2008م). أما الصيغة الأولى وغير النهائية فقد نشرتها أهم المواقع الألكترونية منذ عام 2006م. ومن هنا تأتي أهمية سؤالكم: (الا يمكن ان يبدع الانسان منتشيا فرحا ضاحكا اثناء لحظة التجلي الكوني فيه من أجل الفن الحقيقي..) والمتعة والتعلّم، - الاغناء والاغتناء.

كما ان قراءة اللوحة أو القصيدة تفترض روحا حرة صابرة تتأمل متبتلة في أعماق المبدع والقاريء معا. وما فتأت مضامين كتاب (اليوميات المدهشة) تشغل المعنيين القلة من صفوة الناس حتى صدور (كتاب الأمل) الآن، الذي ازدادت أهميته ألقاً ومضمونه إلغازاً. مما عكس الشغف الكبير به، فكان جهد المؤلف في مراسه ودأبه متميزا ابداعا واعدادا ومنهجا واخراجا وطباعة عن (مؤسسة الرؤيا للطباعة والنشر - مسقط 2008). من هنا تجسدت معاني الفرح في لحظات التجلي التي أنبثقت بقوة وتأثير الفن الحقيقي وجالاته وفضاءاته وحريته التي تطلّبت منه:(مبدعا) ومنا:(قراء متابعين) أعواماً من البحث والتقصي والتأمل المستوحد تارة والمنفعل بحقائق المجتمع والتاريخ تارة أخرى. وتختلف الحالات النفسية والمزاجية والمكوضوعية باختلاف وسيلة التعبير التي أشعر بحاجة ماسة الى التوسل بها أو استخدامها. في الرسم كمحترف لا انتظر هبوط الوحي. ولكن تلك القوة الخفية الميمنة التي ننتظرها تهبط وتتغلغل الى أعماقي وتجتاحني تياراتها العنيفة ويبدا الآنفصال عما يحيط بي من كائنات وجماد ولم أافطن الا على أصابع يدي والفرشاة ومواد الرسم تتحرك أمام عيني وانا مستلب الزمان. ارادتي وفكري وعواطفي خارج كياني وجسدي. أكون رهين العملية الفنية. حضوري الشهودي، بين العينين وبين قماشة اللوحة، أجدني في انشغال الروح وتوهجها المتواصل حتى الشهقة المبدعة. وتلك هي مرآة النفس التي تسمح لنا بتأمل مفاتنها والنظر الى بهاء انوثتها قبل أن تكشف عن انيتها الروحية خلال ايقاعات النغمية اللامرئية المتوارية خلف حركة أجزاء اللوحة وضمن معمارها الشكلي العام واللعب على أصوات الألوان وحركات الخطوط العمودية والافقية والدائرية المتجهة نحو نقطة مركزية كما في لوحات سيزان وما بعد الانطباعية والتكعيبية التي تشكل ركيزة من أعمدة الانشاء التصويري والبناء الشكلي في قيمة العمل الفني الجمالية التي يتعذر رسمها أو انجازها بين صياغتين أو اتجاهين فنيين مدرسيين، لأنها قصيدة (اللوحة البيضاء) هي نوع لاشبيه له تلتقي فيه حداثة البناء الشكلي وحركة ايقاع الموسيقى في فضاء الحرية الأبداعية، وهي كيان واحد مستقل، كما هي استقلالية وتفرد روح القصيدة. انها قصيدة (الأزمة القيمية) التي يتعذر نموها بين تربتين فحسب. لا ندري كيف وبأية بصيرة سنرى اللوحات وسنقرأ الشعر لو كان مسار الفن والقصيدة العربية قد وجد متسعا ومجالا له في العملية الابداعية ابان نهضة الفنون والشعر والأدب عامة في بواكير القرن العشرين المنصرم؟ أو ماذا سيحدث لو أن تلك الجهود الرائدة عربيا قد انجزت مشروعها كاملا وبدأت تعيد انتاجه على وفق الرؤى المستحدثة وتم ترجمتها الى لغات اجنبية.. وما كان حديثي عن تلك المقامات الا جزء من هذه الاسرار المكشوفة والاحلام القاحلة التي تمر علينا مر السحاب ولا تمطر، فكيف يتحقق الابداع عبره الا بجهد نوعي فريد خارق..؟

 

وما زال البوح مشروعا كما هي الاسئلة مشرّعة لكل الجهات والفضاءات مع مبدع كبير.. ولنا لقاء اخر في جزء مقبل...

 

حاورته: بريهان قمق

15 / 2 / 2008

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 856 المصادف: 2009-01-08 00:40:13