 حوارات عامة

حوار مع أ. د. ميثم الجنابي حول إبداع وشخصية هادي العلوي / حاوره: يوسف محسن

mutham_aljanabi- هل يمكننا أن نعتبر كتابات وأعمال هادي العلوي مشروعا فكريا متكاملا؟

- إن كلمة المشروع من الناحية اللغوية تشير الى ما جرى ويجري التخطيط لتنفيذه.

وضمن هذا السياق لا يمكن الحديث عن مشروع متكامل عند أي كان. وحالما يجري تجسيد أو تنفيذ المشروع في بنية متكاملة (نظرية أو عملية) عندها يمكن الحديث عن تجسيد أو تحقيق مشروع ما معين. وبما انه لا توجد عند هادي العلوي منظومة فكرية مستقلة ومتكاملة لهذا لا يمكننا الحديث عن مشروع متكامل. مع أن ذلك لا ينفي إمكانية وجوده على مستوى الخيال الشخصي. فالمشروع الفكري المتكامل يفترض وجود منظومة فلسفية متكاملة وجديدة من حيث المنهج والأسلوب والتأسيس والبراهين والأدلة والشواهد. وهذا ما لم يوجد عند هادي العلوي. إن الموجود عند هادي العلوي هو مجموعة أبحاث ومواقف متنوعة ومختلفة. والجامع لها هو روح التمرد والعصيان والنزعة النقدية.

تظهر المشاريع الفكرية وتنمو بالارتباط مع نمو الشخصية وتجاربها ومعاناتها النظرية والعملية. وبالنسبة لهادي العلوي فقد نشأ وتربى تربية دينية تقليدية، ثم أصبح شيوعيا وماويا ومشاعيا وصوفيا. واحتوت المرحلة "الصوفية" في أعماقها على يأس وقنوط من تجارب الشيوعية. لكنه ظل معجبا بالماوية (وقد يكون ذلك بسبب طابعها الفلاحي البسيط ومن ثم استجابتها من الناحية الأخلاقية للنفس التقليدية التي ظلت كامنة وقوية في شخصية وأخلاق العلوي). فحتى الماركسية، رغم طابعها النقدي الذي استثار محبة العلوي، كانت من حيث الجوهر والمنهج والأسلوب أيديولوجية تقليدية. وقد يفسر ذلك سبب إعجابه بالماركسية. بمعنى أنها كانت تستجيب لشخصيته النقدية والتقليدية بقدر واحد. وهو أمر جلي في مواقفه وقيمه وحياته الشخصية ورؤيته العملية. من هنا تناقضاتها الحادة التي ينبغي مع ذلك النظر إليها باعتبارها كلا واحدا. وقد يكون ذلك احد أسباب ضعف أو انعدام المشروع الفكري المستقل عند العلوي.

بعبارة أخرى، إن التأثير الكبير للماركسية على فكر العلوي كان محكوما ومرتبطا بالعقل العملي والقيم الأخلاقية وليس بتراثها الفلسفي وعقلها النظري. وليس مصادفة أن يصطدم آخر حياته بإشكالية الموقف من العقيدة. بحيث نراه ينظر إليها بقدر من المرارة الخالصة من شوائب الانتماء السياسي عندما اعتبرها خديعة. بحيث نراه يتوصل أخر حياته الى "مشروع" الإنسان وليس مشروع العقائد الكبرى. لقد أراد أن يعيد بناء رؤيته وتجاربه الشخصية من خلال التركيز على جوهرية الإنسان. لكنه مشروع جاء متأخرا. ومن ثم لم يكن بإمكانه التحرر من ثقل الزمن الأيديولوجي وتاريخ التراكم الفكري والعقائدي في تصوراته وأحكامه وقيمه. لقد كان الرجوع الى فكرة الإنسان ملاذه الأخير، الذي سعى لتجسيده في قاموس يتناول إشكاليات الإنسان.

 

- تشكل مشكلة التصنيف قضية بحد ذاتها، كيف يمكننا أن نصّنف العلوي هل هو متخصص في التاريخ، اللغة، السياسة الإسلامية الكلاسيكية؟ حيث أرى أن مؤلفاته تعمل في هذه التخصصات بوصفها أخلاط غير متسقة.

- فيما لو اختصرت الإجابة على هذا السؤال، فمن الممكن وصف هادي العلوي وكتاباته على أنها نموذج لفن الأدب وشخصية الأديب كما عرفته التقاليد العربية الإسلامية الكلاسيكية. لهذا لا نعثر في كتاباته على اهتمام علمي جدي بعلم الكلام والفلسفة وأصول الفقه والتصوف. وبالمقابل نعثر على اهتمام سياسي مفرط بالتاريخ وقضاياه وحوادثه وإشكالاته وشخصياته. بعبارة أخرى انه اهتمام بتاريخ الأحداث وإشكالاته الفكرية والسياسية. وبالتالي فهو تاريخ من نوع خاص، بلا تسلسل ولا تتبع ولا منظومة. انه اقرب ما يكون الى استخلاص فكري سياسي اجتماعي للمحات تاريخية وأحداث وشخصيات. وقد تكون المقالات التي كتبها تحت عنوان قاموس التراث نموذجا تطبيقيا لهذا النمط.

لقد كانت ثقافته الأولية ثقافة الأدب والأديب المتنوعة من أخلاط اللغة والأدب والتاريخ والفقه والدين والنوادر والسير. وهي أخلاط تعادل فكرة الأخلاط الفلسفية، أي العناصر والمكونات الضرورية للوجود. وليس بمعنى كلمة الخلط الدارجة في اللغة العصرية المشوهة! وقد بدأ العلوي بهذه التقاليد وانتهى بها! لكن خصوصيته تقوم في إدخاله إياها ضمن سياق وسباق المعارك السياسية والأيديولوجية والاجتماعية للشيوعية العراقية. بينما نراه في نهاية المطاف يصاب بمرارة المشاعر تجاه الشيوعية وإثارتها للتقزز والخجل. لكن البديل بقى ضمنها بعد تحوير أخلاقي لها ببعض معايير ومقاييس التاوية الصينية والصوفية الإسلامية. وبالمقابل اعتبر العقيدة كذب ودجل!

 

- من خلال قراءة أعمال العلوي نجد هناك مشكلة تتعلق بالمنهج، أتسأل عن الأدوات والمقولات التي يشتغل بها العلوي؟

- إن مفارقة الظاهرة تقوم في اعتناق وتأثر العلوي بالفلسفة الماركسية مع ضعف في تفعيل واستعمال منهجها النظري ومقولاتها الفلسفية. الأمر الذي وجد انعكاسه في هذا الخليط الغريب أحيانا بين نظريات ومناهج ومفاهيم ومقولات متنوعة ومختلفة. وقد تكون ظاهرة الاستطراد والخروج عليه في استعراض الأفكار والمواقف احد مظاهر هذه الحالة. وهذا مؤشر على انعدام المنهج بالمعنى الفلسفي الدقيق.

لقد ظل هادي العلوي أسير مقولات ومفاهيم وقيم أيديولوجية (ماركسية). ولا فرق هنا أن نقول ماركسية صرف أو سوفيتية. فالأخيرة ليست أسوء أو أفضل من غيرها، بقدر ما أنها نوع من أنواع الماركسية. والسبب هنا يكمن في أن الشيوعية الماركسية أيديولوجية صرف ولا علاقة منطقية بينها وبين الفلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة.

لكن الأيديولوجية بالنسبة لهادي العلوي كانت اقرب الى مجموعة قيم منها الى أفكار محددة ومنهجية. بعبارة أخرى، أنها كمية قيم مثل العدالة والمساواة والحق والعدل والحرية والإنسانية. ومن ثم يمكن العثور عليها في اغلب الأيديولوجيات بما في ذلك المتضادة والمتصارعة. وفي الوقت نفسه لا نعثر في كل كتابات هادي العلوي على استشهاد بمؤلفات كلاسيكي الماركسية. كما لا نعثر في أي من كتاباته على تناول أية قضية منهجية ضمن هذا السياق.

 

- هناك التباسات في عناوين بعض كتبة وخاصة (الاغتيال في الإسلام) (التعذيب في الإسلام ) يقصد أي إسلام؟ هل هو الإسلام المطلق؟ الم يكن من المصداقية العلمية أن يتحدث عن تاريخ الدولة الإسلامية؟ وذلك لان الاغتيال والتعذيب حالة مميزة لتاريخ البشر والدول والأديان جميعا؟

- إن عنوان الكتاب رؤية وموقف ومنهج. وبالنسبة لهادي العلوي كان المقصود بعبارة (في الإسلام) هو في تاريخ الدولة الإسلامية (الخلافة)، مثلما يقال الفلسفة في الإسلام والشعر في الإسلام وما شابه ذلك. والاستعمال مجاز، مع انه يمكن اختيار العبارة وتدقيقها بصورة لا تثير الالتباس و"الفهم السيئ".

فمن الناحية المنطقية كان من الأفضل اختيار عنوان أدق وأجمل. وهذا أمر ممكن بما في ذلك في حال الرغبة بالإبقاء على الإثارة في العنوان. لاسيما وان مضمون الكتاب وحيثياته لا تعدو كونها تجميع أحداث ومآثر تشير الى أن السلطة هي مصدر التعذيب والاغتيال. وان الفكر العميق والحر في التاريخ الإسلامي هو من إبداع المعارضة. وهي فكرة تتبعها العلوي بثبات ووضوح في جميع ما كتبه.

أما لماذا كتب هادي العلوي عناوينه بهذه الطريقة، فأنها نتاج وجدانه العارم وشخصية التمرد والعصيان الكامنة في أعمق أعماقه. بعبارة أخرى، أنها نتاج نفسية وذهنية التمرد والوجدان الإنساني الرفيع، التي تدفع الشخصية أيضا الى الغلو، بوصفها الطريقة المناسبة لإثارة الاحتجاج والعصيان على حالات الخروج الهمجية على فكرة الحق والإنسانية.

 

- إن اغلب كتابات العلوي حتى لو تم النظر إليها ضمن سياق اللحظة التاريخية، وهي لحظة غنية في تاريخ الفكر العالمي، نجد أنها تعود الى ماركسية "سوفيتية"، كما أنها اقل من مستوى مؤلف حسين مروه (النزعات المادية) الذي هو الآخر نسخة من الماركسية السوفيتية أصلا؟

كان هادي العلوي شديد الإعجاب بحسين مروة بشكل عام وبكتابه (النزعات المادية...) بشكل خاص. بحيث اعتبره "شيخ الماركسيين العرب"! (على الأقل في مجال التراث). وهو وصف له معناه وقيمته ودقته بمعايير الايدولوجيا. وقد كان تقييم العلوي هذا نتاجا لإعجابه بالماركسية وتنميطها المدرسي الجيد في كتاب حسين مروة. كما أن ذلك لم يكن معزولا عما فيه من محاولة لسدة الثغرة الكبرى وردم الهوة الهائلة التي لم يشتغل العلوي بالتفرغ له، أي كتابة تاريخ الفكر العربي الإسلامي. كما يمكن إضافة سبب أخر وهو أن العلوي لم يكن كبير الاهتمام بالفكر الفلسفي العربي الإسلامي. والكتاب الوحيد المتخصص بهذا الصدد هو كتاب (الحركة الجوهرية عند الشيرازي).

بعبارة أخرى، لقد كان كتاب حسين مروة من ناحية المضمون اقل إثارة وقيمة من كتابات هادي العلوي. رغم الدعاية الهائلة له كما هي العادة بالنسبة للشيوعية العربية. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن أن كل "إبداع" الشيوعية العربية وشخصياتها وكتابها وشعراءها وفنانوها كان جزء من تصنيع حزبي ومتحزب. وذلك لان الأول  يصنع "عقلا" عقائديا مقننا، أما العلوي فانه يترك المجال حرا أمام البدائل. انه مثير ومحرض ومثير للشك والنقد.

إن سبب هذه المفارقة يكمن في أن هادي العلوي لم يكن أيديولوجيا ولم يؤدلج لحركة سياسية أو حزبية. وليس مصادفة آلا يقلده الحزب الشيوعي العراقي (والعربية) إدارة تحرير مجلاته أو جرائده. بل عادة ما كان يترأسها أنصاف متعلمين مستعدين بحماسة منقطعة النظير لقول كل ما يرده الحزب! هذا الاسم المعتق لكل ما هو عتيق تلف! لقد كان هادي العلوي يفكر ويكتب بمعايير الذوق الشخصي والمعاناة الفردية وليس بمعايير العقائد. فقد تلاقت عنده في الواقع قيم العدالة والحق والمساواة والحرية والإنسانية وغيرها مع ما هو شائع عن الشيوعية. فتلابس الأمران فيه وعنده.

 

- في بعض كتب العلوي نجد أن كل ما يقوم به هو مجرد تبويب وجمع حوادث من المصادر التاريخية وتصنيفها ووضعها تحت عناوين معينة. ألا تعتقد أن أعمال من هذا القبيل تفتقد للجهد النظري الضروري بالنسبة للأعمال الفكرية والعلمية؟

إن السبب العام القائم وراء ذلك يكمن في بقاء هادي العلوي ضمن تقاليد الأدب والأديب الكلاسيكية العربية الإسلامية في الكتابة والتأليف. أما الجمع والتبويب والتصنيف فهو أيضا عمل علمي ومنهجي. إضافة الى احتواء على مجهود تعليمي وتنويري وإعلامي ودعائي. إن كتبا من هذا النوع قد تخلو من جهد نظري ومعاناة التحليل والنقد، لكنها لا تخلو من جهد علمي. إن هذا النوع من الكتابة ضروري أيضا للعامة. واغلب ما كتبه العلوي للعامة. وليس مصادفة أن تخلو اغلب كتبه ومقالاته عن البعد النظري العميق. فالعلوي لم يكن ممثلا لتقاليد العقل النظري. انه كان ممثلا لتقاليد العقل العملي. من هنا خلو أعماله من التفلسف واجتهاد التأسيس النظري.

 

- كل الدراسات والمقالات التقريضية تؤكد على تقييم جاك بيرك القائل بان "العلوي واحد من عشرة أهم مفكرين في العالم. ألا تعتقد أن هكذا أقوال تحتاج الى اختبار دقيق للتأكد من مصداقيتها؟

إن هذا الوصف يذكرني بوصف العشرة المبشرون بالجنة. وليس مصادفة أن يصاب الوعي العادي والمؤدلج بالإغراء الساحر بهذا الرقم. لكن التقييم الحقيقي للشخصية أيا كانت يجري من خلال اختبارها التاريخي.

إن ثقافة الأرقام المعاصرة تختلف عن سابقاتها. ففيما مضى كان لها عمقها الفلسفي ومعناها الوجودي والكوني والعلمي والأخلاقي والسياسي. أما الآن فأنها في الأغلب جزء من تقاليد المزاد العلني والبيع والشراء، أي كل ما كان العلوي يرفضه رفضا قاطعا. كما أنها ثقافة غربية (أمريكية) بحتة، بوصفها جزء من تصنيع دعائي لا علاقة له بالحقيقة، بل بالمبيعات والدعم المالي، أي أنها في الأغلب جزء من تقاليد الربا اليهودية. كما أنها جزء من الثقافة الجماهيرية الحالية التي تستسهل الأمور وتقتنع باليسر مما يطفو على سطح العبارة. من هنا تساوي أفضل عشرة أو مائة من المغنيين والمثيرين جنسيا وأصحاب الملايين والسياسيين!

إن هذا التقييم المبتسر يفترض من المرء أن يكون ملما وعارفا بصورة عميقة ومحققة بكل كتابات المفكرين (المشهورين وغير المشهورين) في العالم. وهذا غير واقعي وغير ممكن. وبالتالي فأنها عبارة اقرب ما تكون الى كلمة يجري إطلاقها في وادي الشعراء. فالشخصيات الفكرية الكبرى لا تقاس بمقياس واحد. أما المقياس الكمي فانه لا قيمة له بالنسبة لإدراك حقيقة الشخصية الفكرية وإبداعها النظري والعلمي. وذلك لما في هذا التقييم من كوامن لا علاقة لها بالحقيقة والأثر الفعلي للشخصية وآثارها المستقبلية. وبالتالي، ليس الإعجاب بهذا التقييم المبتسر سوى الوجه الآخر للاستلاب الثقافي المميز لليسار "العربي". بعبارة أخرى انه نتاج الاستلاب الثقافي وقيم الأحكام الأجنبية. بينما حقيقة وقيمة العلوي من نوع آخر.

 

- ما مصداقية وسلامة التقييم القائل، بأن اغلب أعمال هادي العلوي لا تتسم بالعمق الفكري، وأن اطروحاته بسيطة. أما شهرته مطبوعة بما فيه من كاريزما وكذلك بنموذج حياته وشخصيته وارتباطه بالشيوعي العراقي؟

هناك شخصيات تتحدد قيمتها بمزاياها الشخصية أكثر مما بفكرها النظري. واقصد بذلك الشخصية التي تجعل من العقل العملي أولوية كبرى بحيث تتماه معه كما نراه على سبيل المثال في شخصيات مثل سقراط وديوجين والحلاج. أما شهرة هادي العلوي، فإنها اقرب ما تكون الى صياح وصراخ في مزاد أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين.

إنني اعتقد أن العلوي مازال مغمورا. وهذا جزء من حالة الثقافة العراقية والعربية عموما. أما فكرة أن تكون سهولة مؤلفاته وبساطتها هو سبب شهرتها، فان ذلك لا يخلو من صحة. فالمعطيات والشواهد الواقعية تكشف عن أن أكثر الكتب شهرة أكثرها بساطة. فالأغلبية لم تقرأ وتعرف (الفتوحات المكية) أو (فصوص الحكم) لابن عربي، لكنها تعرف جيدا (نوادر جحا) أو سورة الفاتحة! كما انه نادرا ما نعثر على من قرأ كتاب (فينامينولوجيا الروح) لهيغل وبالمقابل نعثر على من قرأ كتابات كتب الكثير من المفكرين الأوربيين السهلة والشائعة الانتشار. غير أن ليس كل سهل وبسيط قابل للشهرة. كما لا اعتقد أن من الصحيح إرجاع شهرته الى شخصيته الكارزمية. إذ لا كارزمية فيه. فهو بسيط متواضع، سهل كالماء. وفي هذا مصدر قوته. فقد كانت شخصية العلوي اقرب ما تكون بقلب ولسان. فعندما نقرأ كتابات طه حسين أو العقاد فانك تشعر سريعا بالملل والقرف أحيانا. ولكنك تنهمك في قراءة العلوي. والسبب يكمن في أن ما يكتبه ينبع من قلب صاف.

أما فيما يخص ارتباطه العلوي بالشيوعية، فانه لم يكن في الواقع سبب شهرته بقدر ما كان سبب قتله! إذ أن ارتباطه بالشيوعي العراقي كان جزء من ضعف العلوي النظري، أي بأثر طغيان الوجدان عليه وهيمنة العقل العملي على رؤيته ومواقفه وكتاباته.

 

- رغم عيش هادي العلوي خارج العراق في مرحلة سبعينيات – تسعينيات القرن العشرين، التي اتسمت بتطورات تاريخية عالمية بما في ذلك في مجال الفكر)، فإننا نجده يدور في حلقة مغلقة من الشيوعية العراقية البدائية، والشيوعية المشاعية، والتاوية، والتصوف، كما لو انه معزول تماما عن الفكر العالمي الحديث؟

لقد أشرت الى انه لا يوجد عن العلوي اهتماما خاصا بالماركسية والشيوعية. فهو لم يكتب بهذا الصدد شيئا يذكر. كما تخلو كتاباته من أي شنئ له علاقة بأصول الماركسية ومكوناتها، اقصد الفلسفة والاقتصاد والاشتراكية (السياسة). وهكذا ظل حتى نهاية حياته. أما انه كان يعيش خارج "القبو البعثي" العراقي، فان ذلك لا يعني خروجه منه. فقد كان يعيش في قبو (سرداب) شامي! وتنقل أساسا بين الشام والصين فقط في مجرى عقوده الأخيرة. وكلاهما يتشابهان نسبيا. إذ لا اهتمام جدي فيهما لمجريات الثقافة العالمية. أما سبب اهتمامه أواخر حياته بالمشاعية والتاوية والتصوف فهو جزء من مرارة الشك بالعقائد الشيوعية. لكنه لم يستطع الفكاك منها بصورة تامة، بمعنى أن لم يوجه نقده الاجتماعي والفكري لتجارب الشيوعية والفكرة الماركسية. لقد بقى ضمن سياق الفكرة الشائعة عن أن الخطأ في العمل وليس في النظر. وهذا بدوره مجرد وهم أيديولوجي. لكنه تلمس أواخر حياته واقترب من الحقيقة البسيطة القائلة، بان الثقافة الحقيقية لها أصولها الحقيقية. والمهمة تقوم بالرجوع الى هذه الأصول. لكنه لم يستطع تأصيل هذه الفكرة، كما انه لم يقم بتطبيق نظري وفكري لها.

كان العلوي واسع المعرفة، عميق الدراية. انه رجل موسوعي. لكن الغلبة عنده بقت للتراث العربي الإسلامي. وهذا كم يصعب الإحاطة به. فهو كنوز هائلة جدا. أما الذي افسد تفكير العلوي وإنتاجه فهو الانتماء الى ماركسية لم يكن يعرف عنها إلا القليل. إضافة الى ضعف تأهيله الفلسفي.

 

- هجومه على الإسلام بشكل عام زاد من شعبية كتاباته، وذلك لأن العقل العراقي يستوعب البديهيات والأحكام الانفعالية والسريعة بدون تفحص فضلا عن ذلك استخدامها كأداة للصراع والتعبئة الحزبية؟ ما هو رأيك بهذا القول؟

لم يكتب هادي العلوي أفكاره ومواقفه حسب قاعدة خالف تعرف. على العكس. لقد بقي العلوي مجهولا بما يتكافأ مع حقيقة إبداعه. وقد تكون كتبه "المثيرة" عن التعذيب والاغتيال في الإسلام من بين أكثرها دلالة بهذا الصدد، مع أنها اضعف كتاباته، أو لنقل أنها لا تتمتع بقيمة علمية أو حتى فكرية كبيرة. لهذا يمكنني القول، بان شعبيته لا علاقة جوهرية لها بهذا النمط من الكتابة. أما هذه الشعبية فإنها ذات قيمة واثر عند نمط معين من الناس، وبصورة خاصة ما يسمى باليسار والعلمانيين (الدنيويين) في العراق.

أما العقل العراقي، فانه عينة مازالت طرية ولم يجر تحليلها بعد. ولا ينبغي النظر الى حالته الحالية بمعزل عن كمية ونوعية الخراب الذي تعرض له العراق على امتداد نصف قرن من الزمن (من 1958 وحتى كتابة هذا الحوار). فالعقل العراقي الحالي هو شيء اقرب الى الأعراف والتقاليد والمعلومات الجزئية والمعارف النسبية المخلوطة بعجين الأيديولوجيات الدينية والدنيوية. ونعثر على كل ذلك في نمط الكتابة والتأليف السائد فيه.

وفيما لو عدنا الى جوهر القضية، فان الشيء الذي ينبغي تسجيله هو التالي: إن عنوان الكتاب ومضمونه جزء من تاريخ الشخصية ورؤيتها وعقيدتها ومنهجها. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار كون العلوي هو كاتب اجتماعي (أديب بالمعنى الكلاسيكي العربي الإسلامي)، وأخلاقي النزعة والقيم، أي أديب العقل العملي، من هنا يمكن فهم البواعث الدفينة وراء كتابته لهذا النمط من المؤلفات وصيغتها وشكلها ومحتواها وغايتها. ففي عنوان الكتاب ومادته يمكن رؤية إدانته لظاهرة التعذيب والاغتيال المميزة لسيادة وهيمنة السلطة في العراق المعاصر. كما انه يحتوي على إدانة لهذه الظاهرة في التاريخ العربي والإسلامي. ومن ثم يمكن التوصل الى انه كان يسعى لتأسيس الفكرة القائلة، بأنه لا قدسية في التاريخ، وانه لا وجود لخلافة مقدسة. وهي فكرة عقلانية ونقدية بقدر واحد.

 

- هل يمكننا القول بان مؤلفاته اللغوية والتاريخية والسياسية والصوفية فاعلة في المشهد الفكري الآن؟

الأثر المحتمل والواقعي لإبداع هادي العلوي مرتبط بطبيعة كتاباته الاجتماعية والسياسية وأبعادها الفكرية. ومن ثم فان قوة ظهورها وتأثيرها أو ضعفها مرتبط في الأغلب بطبيعة الصراعات الاجتماعية والسياسية. إلا أن ذلك لا يعني فقدانها لقوتها العلمية المستقلة. فالأموات لا تحضر، وإنما تحضر الأحياء، أي أولئك الذين يشكلون عنصرا حيويا في حياة الأمم. والعلوي جزء من الروح الثقافي العراقي والعربي. فقد كانت شخصيته وكتاباته كيان متوحد. وفيهما تكمن خميرة الفكرة الحرة. من هنا يمكن توقع أثره وتأثيره المناسب لهذا النمط من الفكرة والأفكار والمزاج الاجتماعي والسياسي.

فيما يخص كتاباته اللغوية فإنها اجتهادات جزئية. وينطبق هذا على مؤلفاته التاريخية. وقد يكون من الأدق القول بأنها دراسات وأبحاث ومواقف في قضايا التراث العربي الإسلامي. وينطبق هذا على كتبه السياسية. أما التصوف فانه لم يكتب فيه شيئا. واقترابه منه كان في نهاية العمر، ومحصورا بقضايا شكلية لكنها ذات قيم. واقصد بذلك قيم التصوف الأخلاقية ونمط الحياة الشخصي والفردانية الحرة وفكرة المثقف القطباني أو الكوني. أما حضوره أو عدم حضوره في الثقافة العراقية الحالية فانه جزء من حالة ثقافة عامة أكثر مما له علاقة بما كتبه كما هو. وهذه حالة شاذة لكنها واقعية.

 

-  ماذا تبقى من هادي العلوي؟

- السؤال إشكالية أكثر من غايته. فما يتبقى من المرء أما كله أو جزء منه. وقد يكون الجزء أفضل من الكل. كما يمكن أن يكون الكل أفضل من الجزء. وهذه معادلة متغيرة أيضا. وإذا كان الجوهري في شخصية العلوي هو طابعها المتمرد وعصيانها الفكري، فمن الممكن توقع بقاياه ونوعيتها في الوعي الثقافي العراقي. فالزمن قد يجعل من جوانب معينة أو الكل جزء من تاريخ الفكرة والوعي الاجتماعي والضمير والوجدان الوطني والقومي ووعي الذات التاريخي والثقافي. وكما أن الأشياء تتحول وتستحيل في مسارها هذا من حالة الى أخرى، فان الشخصية وأفكارها  تواجه هذا المصير، خصوصا إذا كان إبداعها لا يتسم بكونه منظومة فكرية مترابطة. والعلوي من هذا النمط الأخير. لكن مأثرته وقيمته تكمن في تحوله الى روح من أرواح الثقافة المتمردة.

من كل ما سبق يمكنني القول، بان كل ما في العلوي يبقى. وفي الوقت نفسه تساقط وسيتساقط كل ما هو عالق وطارئ وعابر وثانوي، شأن ما في كتابات كل مثقف كبير الحجم بمعايير المرحلة. فالعلوي ليس زجاجة متكسرة يصعب رأبها، بل كينونة فكرية ثقافية متميزة. له أصالته وخصوصيته.

فالقيمة الجوهرية للحلاج باقية في الوعي والذاكرة ليس بسبب رواية ودراية المعاصرين لطواسينه وأشعاره وشذرات أقواله وأخباره الواقعية والأسطورية، بل بما في شخصيته وطابعها المتمرد ومصيرها المأساوي. لقد كان هادي العلوي نموذجا كبيرا وأصيلا فيما يتعلق بتمثل قيم النبل والإخلاص. 

 

- هل يمكن أن نطلق علية كلمة مفكر؟

- ليس هناك من كلمة إشكالية أكثر من هذه الكلمة كما نعثر عليها في تقييم الشخصيات المنتشر في الصحافة والدعاية العربية المعاصرة. وإشكالاتها تقوم في أنها تخلط بين ترجمة سيئة من اللغات الأوربية وجذر عربي لا يناسبها. من هنا إثارتها للالتباس. لهذا من الضروري إرجاع الكلمة الى جذرها من اجل حدها وإدراك حقيقتها. عندها فقط يمكن الإجابة على هذا السؤال. فالمفكر من يفكر. والجميع تفكر. لهذا فان الجميع مفكرون.

بعبارة أخرى، إذا كان المراد بالمفكر هو الإمام أو صاحب مدرسة، فانه لا يمكن إطلاقه على العلوي. بالنسبة لهادي العلوي، فان كلمة الأديب (بالمعنى العربي الإسلامي الكلاسيكي) هي الأدق في مضمونها للتعبير عنه وعن إبداعه.

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1880 الخميس 15/ 09 /2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1836 المصادف: 2011-09-15 13:32:31