 حوارات عامة

القاص حامد فاضل: أدب الصحراء صار سمة خاصة بتجربتي السردية

hamed-fadilتحلق مرويات القاص حامد فاضل في فضاءات الصحراء الممتزجة بالواقعي والمتخيل، متخذة منطقها الخاص، المستمد من واقع عاشه وخبره، وأعاد تركيبه لينحو به إلى ما هو حلمي وغرائبي، من صمت الصحراء ومفازاتها الزاخرة بالقصص، استقى القاص مادته لابتكار حكاياته الجديدة، بسياقات عبقت بالسحر والخرافة .. من هنا اكتسبت قصص حامد فاضل بصماتها الخاصة وحرارتها وصدقها الفني، بوصفه ابن مدينة الصحراء (السماوة) .. أصدر القاص مجموعته الأولى (حكايات بيدبا) عام 1994، تلتها مجموعته (ما ترويه الشمس ما يرويه القمر) 2004، ثم مجموعته الثالثة (المعفاة) 2010، وله مخطوطة كتاب بعنوان (مرائي الصحراء المسفوحة)، التقته جريدة البيان للتعرف على جوانب من تجربته السردية ..

 

• كانت لكم نشاطات في المسرح، ومارستم النقد، وكتبتم الشعر، ولكم محاولات في الترجمة، ولكنكم حللتم في بيت القصة ووسمتم بوسمها، فلماذا القصة؟

ــ لأنها تترع كأس حياتي، فأثمل بها، ولها، صدقني سأذوي مثل كغصن خريفي إذا لم أكتب القصص أو أقرأها .

 

• والبداية .. متى كانت بداية اهتمامكم بالقصة؟

- ولدت في قبيلة الرواة، رضعت ثدي المروية، ترعرعت في حضن الحكاية، كانت ليالينا، ولما تزل متخمة (بالسوالف) ليالي الشتاء اللائذة بدفء المواقد، ليالي الصيف المكشوفة لعيون السماء، كل ليلة ينفض راو وقور جراب حكاياته في ذاكرتي، فأنا يا صديقي سليل الرواة، أنى مضيت تلاحقني خيول الحكاية وتدهم أحلامي إذا ما أويت إلى الفراش .. وهكذا صيرتني الليالي زير قصص .

 

• لكنكم لم تنشروا خلال عمركم القصصي الطويل نسبياً غير ثلاث مجموعات؟

- لا تسألني كم نشرت، اسألني ماذا أبدعت .. لدي رواية عنوانها (العلبة) ما تزال ومنذ أكثر من أربع سنوات مطمورة تحت غبار الزمن .. كان هناك اتفاق بين الدكتور جابر عصفور والمرحوم فوأد التكرلي على طبع ثمان روايات لثمانية كتاب عراقيين في مصر، اختارني المبدع أحمد خلف إلى جانب حميد المختار وشوقي كريم وآخرين، لكن ذلك المشروع لم ير النور، فتلفعت الرواية بشال العنوسة، ولي في أحدى دور النشر مجموعة من أدب الصحراء ما تزال تقبع في الانتظار . وقد أنجزت في ثقافة الأمكنة كتاب (مرائي الصحراء المسفوحة)، وهي نصوص في الأمكنة الصحراوية، إلى جانب ما ألفته أو أعددته من مسرحيات لم تطبع برغم أن بعضها حازت على جوائز، ولي محاولات في الشعر فضلت لها الانزواء في أدراج المكتب .. أعكف الآن على كتابة مجموعة صحراوية جديدة .

 

* في مجموعتكم الأولى، (حكايات بيدبا) بدت هموم الناس البسطاء وكأنها الثيمة الأثيرة لديكم . ثم سرعان ما انتقلتم إلى البحث عن موضوعات مغايرة لقصصكم، وصولاً إلى ما أنتم عليه اليوم من الاشتغال في حفريات النص؟

ــ كتبت معظم قصص، (حكايات بيدبا) في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وكانت الذاكرة مترعة بالقصص المعتقة في القبو الخمسيني والستيني، والقصة هي ابنة الواقع، تولد من رحمه، وتتربى في أحضان بيئته، فكانت (حكايات بيدبا) مرايا الواقع السبعيني التي تمرأت في نصاعتها أحداثه، باستثناء قصة (النافورة) التي كتبتها في مطلع التسعينات .

 

• أعتقد أن قصة النافورة هي الحجر الذي ألقيتموه في بئر النقد فتردد صداه وانداحت عنه الدوائر؟

- اعتقاد صحيح، قصة النافورة هي التي أثارت انتباه البعض من كتابنا الكبار كعبد الرحمن مجيد الربيعي وعبد الستار ناصر وخضير عبد الأمير وآخرين .. كل الروائح تبخرت من الذاكرة، إلا رائحة ما كتبه المبدع الراحل اسماعيل عيسى الذي قال : كنت أقرأ النافورة وكأنني أقرأ قصة عالمية لكاتب أجنبي، كما وصلتني عبارات جميلة بحق مجموعتي الأولى من المبدع الكبير محمد خضير، وكانت له كلمات جميلة أخرى بحق مجموعتي الثانية .

 

• سادت ثيمة الصحراء قصص مجموعتكم الثانية (ما ترويه الشمس ما يرويه القمر) ثم تجلت مقدرتكم في أدب الصحراء في (مرائي الصحراء المسفوحة) التي دأبتم على نشرها في جريدة الأديب، هل اتخذتم الصحراء كخط خاص لتجربتكم السردية؟

- يمكن القول أن أدب الصحراء صار سمة خاصة بتجربتي السردية التي ما أزال أسعى إلى تطويرها، وتهذيبها لأخلع عليها ــ مع كل نص جديد ــ حلة جديدة تخرج بها على القارئ من محراب الصحراء، فمن الاشتغال على المروية الشفاهية لتحويلها إلى قصة فنية في مجموعة ما ترويه الشمس . إلى الحفر في الخلفية الميثولوجية الصحراوية واستغلال المكان الصحراوي كسداة لنسج غزل حكايات الصحراء في كتاب المرائي الذي هو بوتقة تنصهر في متون قصصه الميثولوجيا والتأريخ والسحر والحداء والقصيد البدوي لتنتج أحداثاً من عالم رملي لا يُرى سحره الباطن إلا من خلال عين المخيال .. هناك في المرائي مشاركة في صنع الأثر الكلي بين الحكاء والقارئ .

 

• يتسلل الإحساس بالشعر إلى قارئكم وكأنه يقرأ قصصاً في قصائد أو قصائد في قصص، فلم هذه القصدية في الكتابة الشعرية؟

- عشقت الشعر وتزوجت القصة .. لا أتقصد الكتابة باللغة الشعرية، ولكنه الحنين إلى الشعر، يطفح من بئر العقل الباطن، ويفيض فيغرق حقول النص .

 

• في أدب الصحراء هناك من النقاد من يقارن بينكم وبين إبراهيم الكوني. ما هو رأيكم بأدب الصحراء الذي يكتبه إبراهيم الكوني؟

- هناك سمات مشتركة في تأثيث أدب الصحراء، في حفريات النص الميثولوجي الصحراوي / الأمكنة / الأزمنة / الكائنات / المينوغرافيا / الأساطير / المرويات / السحر / الجن / الحداء / القصيد / .. إبراهيم الكوني مبدع كبير خرج من بطن الصحراء ليكتب عن الكائنات التي تؤثث الصحراء، أنه العراف الذي يخترع التنبؤات التي تحققها الصحراء .. وخرجت من ضجيج المدن لأكتب عن صمت الصحراء المكتنز بالحكايات فأنا المرواتي الذي يلبس المروية الصحراوية ثوباً جديداً بدلاً من ثوبها الخلق .

 

* النقد يسلط الأضواء أحياناً على بعض الأسماء دون استحقاق، وبمعايير لا علاقة لها بألابداع، ما تعليقكم؟

ــ لا تخلو ساحة الإبداع العراقي شأنه شأن الإبداع العربي وربما العالمي من أنصاف المبدعين الموهومين الذين يسفحون الحبر على مرايا القرطاس وينشرونه على حسابهم الخاص . فيباركه موهومون آخرون من النقاد الخدج ، ولكنه الزبد الذي يذهب جفاء .

 

• القصة محددة بزمن قصير لا يتعدى اللحظات والدقائق، كيف يكون بمقدور الكاتب رسم واقع زاخر بالأحداث والوقائع كواقعنا؟

ــ وهنا تكمن جمالية القصة وقوة تأثيرها، فتقنيات القصة الكلاسية أو الحديثة هي العصا السحرية التي ما أن يضرب بها القاص أرضية الحدث المتخيل أو الواقعي حتى تتفجر منها الحبكة وتتشضى في الفضاء الزمكاني ثم تتشكل كما يتشكل الغيث وتهمي في وعاء اللغة وتلتم عند نقطة السطوع لتنير الأثر الكلي للقصة، فلولا الاسترجاع والتداعي والاسقاط والافتراض لما استطاعت القصة الكلاسية أن تنصب خيمتها على أعمدة الزمن الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، فهي برغم تعايشها مع لحظات أو دقائق الماضي، تنفذ إلى الحاضر من كوة الاسترجاع في الذاكرة، وتعبر جسر الأماني نحو المستقبل من خلال استشراف الحاضر بكل دقائقه وأحداثه، وكذلك حال نول المخيال في القصة الحديثة والذي يعمل القاص النساج عليه لنسج الأحداث بعد التجريد الذي يطال اللغة أحياناً وإلغاء الحواجز المفترضة مابين الواقعي والمتخيل لصنع قصة غرائبية تطوع أشكال الأدب والفن كافة .. فلا عجب أن يشترك المؤلف والقارئ معاً في تأليف القصة، فما أن ينتهي المبدع منها، حتى يبدأ المتلقي بتأليفها .. قرأت قصة لا تتجاوز الفقرتين، تنقل لنا صورتين متناقضتين خارجية وداخلية لوجهين يتطلعان ببعضهما من خلال زجاج واجهة مقهى، ثم يختفي الوجهان ويبقى فنجان القهوة لوحده على الطاولة، هذه قصة مكثفة بتركيز عال ولكنها ما أن تنتهي حتى تبدأ بالاستطالة من خلال التحفيز والتأويل والاستنتاج وهنا تكمن قوة استيعاب زمن القصة وانفتاحه على الواقع الزاخر بالأحداث والشخوص في كل مكان من العالم .

 

• في ظل المتغيرات، هل يمكن أن نؤسس مفهوماً جديداً للمثقف العراقي لممارسة دوره ومسؤوليته في هذه المرحلة؟

- الإحساس بالمتغيرات الظرفية الزمكانية المؤثرة والموجهة للسلوك الإنساني واحد بالنسبة إلى مثقفي العالم السفلي كافة، ولكن البيادر لا تكتمل بالعجالة نفسها التي زرعت بها الحقول .. أن ما احتاجه المثقف العراقي بعد التغير الدراماتيكي الذي طال الأصعدة كافة، هو ترميم الذات أولاً، ثم استيعاب ما استجد من مؤثرات، فهضم التأثير وتمثيله فالتعبير عنه بعد ترشيح المستجدات لبيان موقفه من مجريات وحراك الواقع الجديد، وتلك هي بشارة المثقف التي تنقلها رسالته إلى المجتمع باعتباره العين التي تجوب الأفق الحضاري، فهو المؤشر على الواقع، المبشر بالأهداف، المرشد إليها، ولذا فان من الملزم والضروري أن يصار إلى ردم شروخ الماضي وإدارة الدفة نحو شاطئ المصالحة الثقافية لترميم سفينة الثقافة العراقية التي أبحرت منذ أكثر من ستة آلاف عام وما تزال تجوب بحار الثقافة .. إن تأسيس مفهوم جديد للمثقف مطلب مشروع في هذه المرحلة وفي المراحل اللاحقة مادامت الحياة ساربة في نهار الزمن، سارية في ليله، مستبدلة العوالم الزائلة بأخرى جديدة .

 

*هل لديكم ميل لأشكال التجريب والتقنيات الحديثة، وهل ترى فيها تعبيراً عن الرفض والتمرد للسائد والمألوف في الكتابة؟

- هو ليس رفضاً ولا تمرداً، إنما هو اجتراح طرائق جديدة لم تكن سائدة في القصص المتوارث منذ موباسان أول من خلع على جسد القصة ثوباً فنياً بعد ما تخلصت من ثوب السذاجة، لتنتقل إلى عالم أزياء الكتابة الحديثة المتجددة الباحثة عن أحداث مغايرة، وأمكنة حديثة، وأزمنة مفتوحة، متخلصة من وسم / السببية / المصادفة / المفاجأة / لتكتنز بالسرد الفني الذي يعنى بحسب مفهوم تودوروف بالكشف عن مكنون القصة ويحدد بناءها .. ويخطئ من يظن أن القصة الحديثة هي سرد متقن، ولغة تجريدية، أو هي كوكتيل من فنون الأدب مجرد من الحكاية، أن هذا النوع من الأدب هو نص لا يمت إلى القصة بصلة .. ومن هنا كان بورخيس الذي أثار اهتمام فوكو يعتبر أن قصصه حكايات .. أميل في محاولاتي القصصية إلى اعتماد الحكاية القديمة لإنتاج حكاية جديدة من خلال التزامن، ساعياً إلى مزج الخيالي بالواقعي وتهشيم الحاجز الوهمي الفاصل بين الواقعي والفنتازي، وأسطرة الأحداث المستلة من الحكايات، لينفتح السرد فيشمل الحلمي / الرؤيوي / العجائبي / الغرائبي / أتخفى وراء تعدد الأصوات متخلصاً من قيود السرد النمطي، معتمدا اللغة الشعرية، قاصداً النهايات المفتوحة، متيحاً للقارئ فرصة إظهار الإخفاء للمشاركة في إنتاج القصة .

 

• على مستوى القصة العراقية، ما الذي تطمحون إليه؟

- أطمح أن أكون اسماً لا رقماُ في القصة العراقية . 

 

 

 حاوره: كاظم حسوني

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

عندما أقرأ للاديب فاضل حامد، تصاب عيني بالعشى، فأصبح لا أرى إلا قلة من "الكتاب الأدباء" على كل الساحة العربية!

أرجو أن ترشدوني إلى آثاره، أي كل ما أنتج، أتمنى أن أشتريها.

عاصم الجابري
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2465 المصادف: 2013-06-05 02:09:53