 حوارات عامة

يوسف أبو الفوز: شباب العراق المتنور هم من سيكنس الافكار البالية والظلاميّة !

yousif abolfawzيوسف ابو الفوز، كاتب وأعلامي، اسمه الصريح "يوسف علي هدّاد"، سيرته الذاتية تقول انه من مواليد مدينة السماوة 1956، ومقيم ويعمل في فنلندا منذ عام 1995. سيرته بوصفة كاتباً وناشطاً سياسياً، تنوعت فيها المحطات والتجارب فشكلت شخصيته الانسانية والادبية بتميز وتفرد، وتعددت اصداراته إذ بلغت احد عشر كتاباً بين الرواية والقصة والمذكرات، وترجمت قصصه الى اللغة الفنلندية والكردية، ولدى مغادرته العراق أختار اسم "يوسف أبو الفوز" لحماية عائلته واقاربه داخل الوطن من عواقب ردود فعل الاجهزة الامنية الصدامية، ليلتصق به هذا الاسم ويصبح كنية أدبية واسما في التعامل اليومي، رافقه في كل المحطات المشرقة في حياته، ومواقفه التي نتمنى ان تبقى واثقة وناجحة دائما:

 

الحديث عن البدايات فيه الكثير من التفاصيل، كيف تختصر لنا ذلك؟

ــ عدة عوامل تداخلت مع بعض اثرت بشكل ما على تكوين شخصيتي وبداياتي الادبية. اهمها اجواء العائلة، فقد ولدت لعائلة عمالية فقيرة، مرتبطة بنضال يسار الحركة الوطنية، في مدينة السماوة التي عرفت باجواءها الثقافية وحراكها السياسي، وفتحت عينيّ على المجلات والكتب والاحاديث في موضوعات كبيرة كالحرية والعدالة الاجتماعية وهموم فقراء الناس وفي اجواء تقدمية ومتسامحة، وكنت محظوظا بوجود بمجموعة رائعة من المعلمين والمدرسين الذين انتبهوا الى علاقتي المبكرة بالكتاب والكتابة وتعاملوا بمسؤولية كبيرة لاجل رعايتي وتوجيهي بالشكل الصحيح . ثم تلا ذلك الارتباط المبكر بالنضال السياسي الذي ساهم في تطوير قدراتي المعرفية والحياتية مما ترك اثره على توجهاتي الادبية والفكرية .

 

وعن اول القراءات، ما طبيعتها؟

ــ كنت في الصف الرابع الابتدائي حين عثر عليّ اخي الاكبر اقرأ في كتاب "العبرات" للمنفلوطي، وحاول توجيهي لقراءة المجلات والكتب التي تناسب عمري، سوبرمان وسمير وتهتة، وغيرها، لكني كنت اصر على سرقة الكتب من صندوقه، وفي المدرسة وبتوجيه من اساتذتي الرائعين ومثقفين من ابناء المدينة، تعرفت في سنوات مبكرة من حياتي الى كتب التراث العربي، فقرأت مجلدات "العقد الفريد" لابن عبد ربه و"الاغاني" لابي فرج الاصفهاني، وسلسلة روايات جرجي زيدان وكتب المنفلوطي وجبران ونجيب محفوط وغيرها، وايضا كتب الادب الروسي والعالمي الكلاسيكية . كان لأمي مشكلة كوني اقرأ في كل مكان ووقت، وبالتالي كتبي متناثرة في كل زوايا البيت، هذه المشكلة انتقلت حاليا لـ " شادمان " شريكة حياتي.

 

حدثنا عن أول قصة كتبتها، وما موضوعتها وظروف كتابتها؟

ــ كتبت اول نص يمكن عده قصة وانا في عمر الثالثة عشر، اذا كتب استاذ اللغة العربية في درس " الانشاء " جملة " احمد رجل طيب ..." وطلب من طلاب الصف تخيل مشكلة لاحمد والبحث عن حل لها، وان نكتب ما نريد وبالشكل الذي نريد بصفحة او صفحتين، بعد اسبوع قادني استاذي ودار بي بين صفوف المدرسة معلنا عن ولادة كاتب عراقي، كوني كتبت قصة قصيرة . كنت اخترت لاحمد مشكلة تتعلق بموقفه المتخلف من زيارة زوجته لطبيب رجل وكشفه عليها، وكتبت نصا بتأثير كتابات جبران خليل جبران ومي زيادة . هذه القصة الميلودرامية الساذجة سرقت مني طفولتي ورمتني دفعة واحدة بين هموم وانشغالات كبيرة . وتجدر الاشارة انه في عام 2004 وخلال زيارتي مدينتي السماوة بعد غياب 27 عاما، قدم لي أهلي، وبوصفها أجمل هدية، الدفتر المدرسي، الذي احتفظوا به طوال سنين غيابي، حيث قرأت من جديد " قصتي" الاولى .

 

كونك نشطاً ثقافيا وسياسيا، بل وغزير الانتاج : مجاميع قصصية، روايات، كتب مذكرات، كتب ادبية مشتركة، افلام وثائقية (سيناريو واخراج)، واعمدة صحفية دورية في الصحافة العراقية، ومئات وربما الالاف من المقالات في السينما والادب والسياسة، كيف يمكنك تحقيق كل هذا؟

ــ الحياة علمتني، بأن اشياء كثيرة يمكن تعويضها واستعادتها الا الوقت . فكل دقيقة تمر لا تعود، ومن هنا ادركت بأن يومي 30 ساعة، اذ تعلمت وبشكل مبكر في حياتي تنظيم وقتي والاستفادة منه. تعلمت ان لا اضيع وقتا بأشياء غير ضرورية، ابذل جهدي، واجتهد، لتشخيص ما هو ثانوي وما هو رئيسي في عملي وللتميز بين الاهم والمهم في حياتي . حياتي في اوربا صقلت هذا الامر اكثر. يمكن القول ان شريكة حياتي " شادمان " ربما هي من النساء السعيدات في العالم لانها تعرف اين تجدني في اي لحظة، كونها تعرف مسبقا برنامجي ولايام طويلة . ان جدول عملي دقيق، وفيه اكون صارما مع نفسي، واسعى دوما لوجود مساحة ضرورية لعائلتي ولاصدقائي.

 

كيف كانت حياتك قبل هجرتك من العراق وما اسباب مغادرة البلاد؟

ـ في البدء، اود التصحيح، أميل دائما لاستخدام كلمة "المنفى" بدل "الهجرة"، فأنا لم اهاجر مختارا، بل وشأن الالاف من مثقفي وسياسي بلادي، غادرت وطني صيف 1979 مضطرا، برحلة مغامرة مع المهربين وعبر الصحراء السعودية وصولا الى الكويت، بعد سلسلة مضايقات متواصلة ومداهمات لبيت اهلي وتهديدات وثم محاولة اعتقال من قبل سلطات البعث الحاكم لاجباري للانتماء قسرا الى حزبهم الفاشي، وبدأت في اذار 1978، ضمن ما سمي ايامها بالحملة ضد قوى اليسار والديمقراطية، فأضطررت للاختفاء لاكثر من سنة، وكنت مطاردا ومطلوبا، وتنقلت تحت اسماء وهويات مستعارة، ودفع اهلي، خصوصا امي، ثمن اختفائي غاليا، فأضطررت لترك كل شيء لاجل الحفاط على حياتي وكرامتي. بعد أن قضيت فترة في الكويت واليمن اليمقراطي قررت في ربيع 1982 العودة الى الوطن، الى مناطق كردستان للمساهمة في حركة الكفاح المسلح لمقاومة نظام صدام حسين ضمن فصائل مقاتلي الحزب الشيوعي العراقي، وبعد حملات الانفال في صيف 1988غادرنا كردستان وبدأت رحلة المنفى الثانية التي وللاسف لم تتوقف حتى من بعد سقوط نظام المجرم صدام حسين .

 

وما تأثير "المنفى" على حياتك وخصوصا اختيار المواضيع وطريقة تناولها؟

ـ المنفى اعطاني فضاءا واسعا من الحرية، وجعلني اكتب ما اريد دون قيود وتابوات، ومنحني افقا اوسع للاجتهاد وفقا لمعايير الفن والتجربة المكتسبة. ان الاحتكاك بالاخر، ثقافة وحياة وقوانين، يجعل الانسان يكتشف نفسه . والمنفى صار مرآة واسعة جعلتني كأنسان ارى بعضا من حواشي الرخوة كما يقال، فكريا واجتماعيا، فاجتهدت لتشذيبها من حياتي وعملي ككاتب وانسان . مع الاستقرار في فنلندا توفرت لي الفرصة لانجاز اعمال روائية الى جانب مجاميع قصصية وكتب ادبية اخرى، وصدر لي عدة اعمال قصصية وادبية، ومنها رواية "تحت سماء القطب" 2010 و"كوابيس هلسنكي" 2011 . وبحكم سنوات المنفى وتجربتي في فنلندا، حاولت تسليط الضوء على حياة العراقيين في المنفى واختيار موضوعات لها علاقة بحياتهم الجديدة وارتباطهم بهموم وطنهم، فرواية "كوابيس هلسنكي "، رغم ان العنوان يقود لعاصمة فنلندا الا انها رواية عراقية تتحدث عن الهم العراقي والقمع البوليس لنظام صدام حسين بحق كل معارضيه، وعن نشاط الجماعات التكفيرية في اوربا ودورهم في تغذية نشاط الارهابيين في العراق خلال وبعد سنوات الاحتلال الامريكي .

 

أنت كاتب عراقي، لكنك ولاكثر من دورة تم انتخابك عضوا في الهيئة الادارية لمنظمة الكتاب والفنانين الفنلنديين، كيف تتم الموازنة بين هويتك العراقية والتزاماتك الفنلندية؟

ــ في عام 2006 تم انتخابي لاول مرة لعضوية الهيئة الادارية لمنظمة الكتاب والفنانين الفنلنديين، وهذه العضوية وايضا عضوية نادي القلم الفنلندي تأتي بسبب حاجتي في فنلندا لاطار ثقافي انشط من خلاله، خصوصا مع غياب أي اطار ثقافي عربي او عراقي في هذا البلد. انا كاتب عراقي قبل كل شيء، وبهذه الصفة يشير لي الاعلام الفنلندي، والعراق هو همي الدائم، احاول قدر المستطاع ان اضع قضايا العراق دائما تحت الضوء ضمن مجالات عملي . نشاطي هذا وفر لي فرصة الاحتكاك بالاخر ومحاولة الاستفادة من تجربته ووفر لي شبكة علاقات طيبة مع الوسط الثقافي الفنلندي، وسعيت وبذلت جهدي المتواضع للتعريف بالثقافة العراقية وهموم المثقفين العراقيين، وهذه بالطبع مهمة عسيرة تحتاج الى جهود مؤسسات، لكني اجتهد في تقديم ما يتلائم مع سياسات هذه المنظمات الثقافية، ففي اجتماعاتها ونشاطاتها غالبا ما يكون وجود لقضايا تهم المثقف العربي والعراقي، فمن فنلندا صدر في اذار2004 اول برقية تضامن اوربية مع المثقفين العراقيين ضد اعمال الارهاب ومن اجل حرية الراي والتعبير، وفي عام 2009 نظم "اسبوع الثقافة الفنلندية في كردستان" بمشاركة عشرة من الفنانين والكتاب الفنلنديين، وكانت هذه النشاطات باقتراح مباشر مني . اكتب للصحافة العراقية والعربية والفنلندية عن شؤون بلادي، وفي غالبية كتاباتي عن التجربة الاوربية وفنلندا على وجه الخصوص، اسعى لنقل تجربة البلدان المتحضرة لابناء بلدي، وعندي الان مشروع كتاب جديد قيد الاعداد عن التجربة الفنلندية . يا سيدتي المنفى يمكن ان يكون وطنا ثانيا، وطنا جميلا، مسالما، يوفر فرصة لحياة هادئة بعيدا عن فوضى الموت في بلدانا، ولكن لا يمكن ان يكون وطنا ثابتا . لان جذور الانسان الاولى هي المهمة والاساسية، هي من تحدد هويته الثابتة. بالامكان ان تنمو لك جذورا جديدة، لكنها لا تستطيع محو جذورك الاولى.

 

كيف لك نقل تجارب البلدان المتحضرة الى العراق، وهل تعتقد يمكن استيعاب تجارب البلدان ألاخرى؟

ــ لي مقال دوري، بعنوان "عالم أخر" ينشر في جريدة الصباح البغدادية، واخترت هذه الجريدة بالذات لانها توزع بشكل واسع في دوائر الدولة، في هذا المقال سعيت واجتهدت لطرح التجربة الفنلندية في بناء دولة حضارية متقدمة. فنلندا في تاريخها القريب، مجتمع زراعي، لا يملكون ثروات كثيرة مثل النفط، لديهم البحيرات والغابات، وتعرضت فنلندا تقريبا لما تعرض له العراق، احتلالات، حروب ونزاعات اهلية، ومجاعات، وعقوبات اقتصادية وعسكرية، لكنها ومن بعد الحرب العالمية الثانية، نهضت لتكون بالشكل الذي جعلها دائما تحتل المراكزالاولى في مؤشرات النزاهة والديمقراطية والشفافية والتقدم والسلام وغيرها. كيف نجحوا في بناء بلدهم؟ في هذه المقالات حاولت ان اتحدث عن البرامج التعليمية والصحية والثقافية والحياة الاجتماعية والتجربة البرلمانية والعلاقات مع الجيران وغيرها، وفي بالي اضافة لاطلاع القراء، اقول لعل مسؤولا تثيره تلك التجارب ويقرر البحث والاستفادة منها. هل يمكن استعياب تجارب الاخرين؟ نعم، وهذا ممكن، ففنلندا ذاتها لم تبن تجربتها لو لا الاستفادة من تجارب الاخرين، ومنها تجربة الاتحاد السوفياتي الاشتراكية وفقا لظروف بلدها الخاصة . التجارب لا تستنسخ، العقول النيرة المخلصة لوطنها، يمكنها ان تتعلم بسهولة وان تبني ان امتلكت الاراداة الحقيقية والمخلصة بالاستفادة من تجارب الشعوب الاخرى . ساعمل على ضم هذه المقالات الى كتاب اعمل لانجازه حاليا، ليعكس التجربة الفنلندية، وليكون بمتناول من يرغب بالاستفادة من تجارب الاخرين .

 

هل لك مساهمات في مهرجانات او زيارات دولية رسمية؟

ـ اسهاماتي بهذا الجانب تتداخل بها نشاطاتي ككاتب وكناشط سياسي او ناشط في منظمات المجتمع المدني . ككاتب ساهمت في زيارة العديد من الدول الاوربية بدعوات من النوادي الثقافية للجاليات العراقية في السويد والولايات المتحدة وكندا وهولندا، للحديث عن تجربتي الادبية وواقع الحياة الثقافية في العراق. اما كناشط في منظمات المجتمع المدني فانا و للفترة 1998 ـ 2005 كنت عضوا منتخبا في سكرتارية منظمة اتحاد الشبيبة اليمقراطي العراقي، ومسؤول مكتب العلاقات الخارجية فيها، ومهماتي تتطلب المساهمة وتمثيل المنظمة في مهرجانات وندوات في العديد من دول العالم . هذه النشاطات تنعكس بشكل كبير على خبرتي ككاتب اذ توفر لي الفرصة للاحتكاك بنماذج بشرية مختلفة وايضا الاجتهاد في عكس الواقع الاجتماعي العراقي ونضالات الشعب العراقي .

 

كيف تنظر الى مستقبل العراق؟

ــ كنا نتأمل بعد سقوط النظام الديكتاتوري البعثي وخروج قوات الاحتلال ان يتم بناء عراق ديمقراطي اتحادي، يعامل به الانسان على اساس المواطنة في دولة المؤسسات والقانون، ولكن للأسف ما موجود حاليا امر محزن، حيث توالت حكومات المحاصصة الطائفية والاثنية، التي تواصل خداع الشعب وتجهيله، ويبدو ان الامر سيأخذ وقتا ويحتاج الكثير من العمل، واساسا من وجهة نظري يحتاج الى اجيال جديدة تكنس كل ما موجود من افكار بالية وظلامية للتمكن من بناء عراق متطور حلمنا به وعملنا لأجله، وقدمنا له كل جهدنا وحياتنا، هذا العراق كدولة حضارية سوف لن نعيش لنراه ولكنه قادم مستقبلا، هكذا تعلمنا تجارب الشعوب .

 

من تراه سيُسهم بكنس الافكار البالية والظلامية التي تتحدث عنها وهل سيكون للمثقفين دورا في هذه العملية؟

ـ الاجيال الجديدة، شباب البلد المتنور، هي القوى الكفيلة بأنجاز هذه المهمة. ان سياسات نظام البعث الديكتاتوري عادت بالعراق الى عهد ما قبل الصناعة، وجاء الاحتلال الامريكي وحكومات المحاصصة، فزادت الخراب خرابا. ان النهوض بالعراق يحتاج الى الكثير من العمل والجهد، ولا يمكن النهوض بالبلاد اذا لم يتم اقرار دستور علماني يفصل الدين عن الدولة ويكون عاملا في بناء دولة المؤسسات والقانون، كل حديث عن دولة قانون وموسسات في ظل حكومات محاصصة وطائفية واثنية هم مجرد كلام، وهذا يحتاج لقوى جديدة مؤهلة لانجاز هذه المهمة . اما المثقفون فيفترض ان يكون لهم الدور الابرز، فالبنى التحية والهياكل التي تبني المرافق الخدمية والاقتصادية فيمكن للراسمال المحلي والاجنبي ان يقوم ببنائها واعمارها، لكن المثقف له دور اساس في اعمار الانسان العراقي ليكون منتجا وايجابيا وعاملا في بناء عراق جديد . من هنا تكون مهمة المثقف كبيرة واساسية ليس في العراق وحده بل وفي كل مكان .

  

اجرت اللقاء: احلام يوسف طاهر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2764 المصادف: 2014-03-31 00:40:45