 حوارات عامة

حوارات "العرين": القاصة رامية نجيمة

ramia njimaدفع إلي الصديق الكاتب الخضر الورياشي رزمة من الأوراق قائلاً:

"اقرأ، أنت تكتب المقال، لن تعدم في هذه المقالات متعة أبداً"..

وقرأت الأوراق بشغف ..

كانت للكاتبة الصاعدة رامية نجيمة، شدني فيها الموضوع، وطريقة الطرح،تدعمها جرأة، وسلاسة في بسط الفكرة،كل ذلك في ديباجة أنيقة، تسيجها لغة سليمة ..

شجعتني المقالات لقراءة مجموعة نجيمة الأولى للمرة الثانية قضبان وأجنحة.

للقاصة رامية نصيب من اسمها،هي تجيد "الرماية" في الحكي، قارئها يضمن الصيد الوفير، فلا يخشى على نفسه - أثناء تَجواله في تضاريس نصوصها- حرمانَه القَنَص ولا القبَسَ..

أهلاً بالكاتبة رامية في "حوارات العرين"..

 

س- أنت بارعة في كتابة المقال حسب قراءتي لك، و لك لحد الآن كتابٌ منشور واحد في جنس القصة القصيرة جداً.. ألم يكن من الأجدر أن تبدأي بالمقال وليس القصة؟

ج- فعليا، لقد بدأت بكتابة المقال، كل ما هنالك أن مقالاتي قد وجدت طريقها إلى القارئ ليس من خلال كتاب بل من خلال عدد من الجرائد والمواقع الوطنية والعربية، ذلك أن الوسائط التي تعنى بنشر المقالات كثيرة جدا بالمقارنة مع الوسائط التي تسمح بنشر النصوص الأدبية؛ ومن ناحية أخرى يمكن القول إن رواد المواقع والجرائد يشكّلون، في الغالب، ذلك النوع من القراء الذي يميل إلى قراءة المقال أكثر من القصة، لذلك فكرت أني لن أحتاج، في الوقت الراهن على الأقل، إلى نشر كتاب يضم مقالاتي طالما أنني أستطيع نشرها بكل حرية ويُسر، وإيصالها إلى القارئ طازجة وِفق ما يطفو على الساحة الإنسانية من أحداث ومواقف.

 

س- قرأتُ أضمومتك " قضبان وأجنحة" أكثر من مرة،وجدتها ممهورة بموضوعات و أحداث سياسية، و إنسانية، واجتماعية، ونصوص كثيرة فانطازية مفتوحة على عوالم كثيرة.. هذا التنوع هل هو مقصود..؟

ج- قضبان وأجنحة هي مجموعتي الأولى، وقد صدرت في العام 2013 بعد أن أخذ مني إنجازها ما يزيد عن عامين، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أني أكتب القصص والمقالات قبل ذلك بكثير، فلك أن تتخيّل حجم الأفكار والمشاعر التي تزاحمت في وجداني وأنا أنجز أول كتاب لي، لذلك أعتقد أن سر التنوع في نصوص هذه الأضمومة، يعود بالدرجة الأولى إلى همّ الكتابة الكبير الذي حملته في قلبي لسنين، والذي أتيح له أن يتفجّر أول مرة، في قضبان وأجنحة.. يمكن أن تتصورّني وأنا أكتب نصوص هذه الأضمومة أشبه بـ "سيزيف" وهو يحمل على ظهره صخرته العالية ويأمل أن يضعها على الأرض بأقصى سرعة قبل أن تتدحرج منه من جديد.

 

س- " السخرية " من الواقع طاغ في نصوص المجموعة نحو :"تبادل" ص/ 30، "سلاح الدعس الشامل" ص /27، و"متخصص" ص 21، و"تغيير" ص/ 6 و"مجموعة" ص /54... وغيرها كثير، هذا النزوع اللافت ألا تخشين السقوط به في براثن النكتة .. وكيف تحيدين عنها حين "تسخرين"؟

ج- في الواقع، أنا لم أخَف _خلال كتابتي لنصوص هذه الأضمومة_ من الوقوع في براثن النكتة، وأعترف أنّي لم أفكر في ذلك أصلا، فالنكتة في رأيي عمل إبداعي من طينة خاصة، يحتاج إلى قدر كبير من الذكاء والطرافة وخفة الروح.. ولا أعتقد أني أتمتع بهذه الصفات كلِّها، ناهيك عن أني عندما اتخذت قرارا بكتابة القصة القصيرة جدا، فعلت ذلك بعد أن قرأت لمجموعة من كتاب القصة، منهم مغاربة وعرب وأجانب؛ وبعد أن شعرت أني فهمت ماهية القصة القصيرة جدا. أولئك الذين قرأت لهم رسموا لي طريقا، وقد قُمت بالسَّير فيه، معتمدة على حسي الخاص ولمساتي الشخصية.. ولا أخفيك أنّ أكثر ما يخيفني وأنا أكتب القصة القصيرة جدا أو القصة القصيرة، هو أن أقع في فخ التقليد، أقصد تحديدا تقليد أولئك القصاصين الذي سحرتني كتاباتهم.. هذا هو البرثن الذي أخشى أن يشقّ مَساري السردي، ولذلك أحاول تجنبّه ما استطعت، بل إني أحيانا، بعد أن أقرأ مجموعة قصصية ما، وأجد أني قد تأثرت بها إلى أبعد حدّ، أعمد إلى الامتناع عن الكتابة لأسابيع، حتى لا أُنتِج ما يمكن أن يكون نُسخا مطابقة لما شُغفت به من نصوص.

 

س- سخرية صاروخية أسجلها في نص "تحكم "ص/11..طبعاً أنت تقصدين لا "جهاز التحكم عن بعد" بل معنى آخر بعيداً ..حدثينا عن طريقة توصيلك لمثل هذه المعاني في نصوصك للقارئ؟

ج- القُرّاء، في رأيي، صنفان؛ صنفٌ يفهم القصص بصيغتها الحرفية، ولا يُتعب عقله في التنقيب عما يوجد وراء المعنى، إما لأنه لا يعرف أنّ هناك معانٍ خفية خلف كلّ معنى ظاهر، أو لأنه ببساطة، لا يستطيع قِراءة إلا ما يوجد أمام عينيه؛ وصنف ثانٍ يضم أولئك الذين يُغربِلون الحرف والكلمة، ولا يَهنأ بالُهم إلا بعد أن يُخضعوا كلَّ صغيرةٍ وكبيرة لميزان التأويل. بالنسبة إليّ، أنا مُستعدّة نفسياً للتعامُل مع ذلك الصنف الأوّل مِن القراء، أما الصِّنف الثاني فإنّي أحبُّهم بلا حدود، لأنهم يَخلقون عندي نوعا مِن تحدّي الذات.. خاصة عندما يأتون بتفسيراتٍ جديدة لنُصوصي، تفسيرات لم أقصدها من الأصل، ولم تخطر في بالي ! ولا أخفيك سيدي، كَم أنّه مِن الممتع والصادم في آن، أن أصادِف ذلك النوع من القُراء الذين يملكون المقدرة على قراءة نص كتبته بصيغة جديدة، هذا الأمر أشبه بولادة أخرى للنص.. لكن، على يد المتلقي. وبشكل عام فأن يخوض الواحد منا في طريق الكتابة؛ يعني أنّه يدرك مسبقا أنه يتعامل مع أنماط مختلفة مِن القراء.. الكتابة _في رأيي_ عمل تفاعلي بين الكاتب والقارئ، هذا ما أراهن عليه وأنا أكتب نصا ما؛ والعلاقة بيني وبين المتلقي يمكن اختزالها في العبارة التالية: "حَبكةُ النصّ وبدايَته ونهايتُه مِن عندي، أما التفسير والتأويل فمِن عندك !".

لا تهمني كثيرا الطريقة التي تُفهم بها نصوصي، وأعتقد أنّه لا يحق لي التدخل في ذلك مِن خلال مُحاولة تصحيح المفاهيم التي التَقَطها القارئ؛ فأن يفهم هذا الأخير نصّا أدبيا بحسب مُستواه الثقافي والاجتماعي.. هو أبسَط حقوقِه على صاحِب النص.

 

س- يبدو لي أن أطول نص في المجموعة هو " رجل حر " ص/ 17و18( فيه اثنان وعشرون سطراً )، وأقصر نص هو " الشريط "ص/ 60 ( أربعة أسطر).. ما هي وصفة النص القصير جداً برأيك؟

ج- أولا، أشكرك لأنّك درست مجموعتي بهذا القدر من العمق، ولا أبالِغ إن قلت أنك وبينما تطرح عليّ هذه الأسئلة، تُعطيني معلومات كانت غائبةً عني ؛ فأنا حين أكتب لا أفكر كثيرا، إني أومن أنّ الكتابة فعلٌ عاطفي مُنبثقٌ عن اللاشعور، ولا يتدخّل فيه العقل الواعي إلا مِن باب تَقويم بعض الاعوجاج الذي قد يَرِد، والحرص على عدَم تجاوز الخطوط الحمراء، وأقصد تلك الخطوط المتمثلّة في قيم الكاتب وقناعاته الفِكرية. طول النص أو قِصره مسألةٌ خاضعة _في رأيي_ لما يتطلبه النصّ ذاته كي يصبح مَفهوما إلى حدٍّ ما، وقادراً على تأدية الرسالة التي حمّله الكاتب إياها. لا يهمني عدد السطور، بقدر ما يهمني أن يصل المعنى، وإن كان وصول المعنى _كما ذكرت آنفا_ ليس مُيسّرا في كل الأحوال، مادام رهيناً بالمتلقي؛ بذكائه، وبمستواه الثقافي، وبخلفياته الاجتماعية والأيديولوجية..

 

س- نقف رجاءً عند الأبعاد الدلالية لعنوان المجموعة؟ لماذا اخترت كتابة " قضبان وأجنحة" باللون الأحمر متسربلا في مساحة سوداء وسط أجنحة؟

ج- وهذا سؤال عميق آخر، أشكرك عليه مِن صَميم القلب.. إنك يا سيدي، لا تعرف كم أنّي انتظرتُ طويلا أن يسألني أحدهم هذا السؤال، حتى أنّي حلمت كثيرا أني أُسأل عنه وأجيب.. أنتَ هنا تحقِّق لي حُلمي..

صحيح أني لا أحب أن أفرض على القارئ قراءتي الخاصة لما أكتبه، كما قلت في ردي على سؤال سابق، وفي نفس السياق أعتقد أنّ للمتلقي كامل الحق في أن يفسّر لوحة الغلاف والطريقة التي كُتب بها العنوان بحَسب ذوقه وإحساسه الفني والجمالي، ولكن وبما أنّك هنا، سيدي الكريم، تسألني عن سرّ اختياري الشخصي، فلا بأس أن أجيب؛ ولنقُل إني أرى في كلِّ واحد منا طائراً يحاول فرد جناحيه هربا مِن الظلام (الحَبس/الجهل) مُمثّلا في اللون الأسود، وبحثا عن النور (الحرية/الحقيقة) ممثلا في اللون الأبيض؛ ولأنه كثيرا ما تصطدم هذه الأجنحة بقضبان تكسِرها وتُسيل دماءها، فإني لَم أجد لونا أحقّ من اللون الأحمر _ لون الدماء الزكية_ لأخط به عنوان أضمومة قصصية كلُّها دعوات إلى الجهاد ضد القضبان، في سبيل العبور إلى الضفة الأخرى.. حيث تسطع الشمس فوق الحقول الشاسعة..

لا أعرف إن كان الإنسان/ الطائر سيخلُص في النهاية إلى المرور عبر القضبان، لكني أومن بأن الحقيقة كما نراها من خلال القضبان هي حقيقة مشوَّهة، وهذا ما حاولت التعبير عنه في النص الذي أخذتُ منه عنوان الأضمومة وهو بالمناسبة أحبّ النصوص إلى قلبي.

 

س- هل ستتغير الدلالة لو قلبنا العنوان وقلنا : "أجنحة وقضبان" بدل "قضبان وأجنحة؟

ج- عندما كنت أفكر في العنوان تراءت لي الصورة التالية؛ إنّنا كلنا طيور حبيسة داخل قفص ما، نحاول الخروج منه والتحليق بعيدا، ولأن الطائر لا يستطيع إطلاق جناحيه داخل القفص فإنه يتعين عليه تجاوز القضبان أولا، إذن فمواجهة القضبان سابقة من الناحية الزمنية على فِعل التحليق.. لذلك قلت "قضبان وأجنحة" عوض "أجنحة وقضبان"، لم أحب أن تكون النهاية قضبانا، إنما أردتها أجنحة قوية مُحلّقة..

لقد كنت متفائلة ساعة اخترت العنوان، وأظن أني لو كنت فعلت ذلك وأنا في حالة إحباط، لكان العنوان سيكون هو"أجنحة وقضبان"، فأنا كما قلت في معرض الجواب عن سؤال سابق، أكتب بمشاعري.

 

س- ظاهرة لفتت انتباهي في أضمومتك الجميلة، تتعلق باختيارك للطباق في عناوين بعض النصوص نحو " الأسود و الأبيض"/ص 20 و "ظلمات ونور"ص/ 26، على ماذا تراهنين في اختيارك لمثل هذه العناوين؟

ج- وهذا الطباق موجود في عنوان المجموعة أيضا.. والحقّ أنَّ لا غايةَ لي منه أكثر مِن لفتِ انتباه القارئ إلى أنَّ الحياة زاخِرة بالمتناقضات وأنَّ فهمَنا لها ولِحقيقتها مرتبط كلّ الارتباط بالزاوية التي ننظر منها إليها (إلى الحياة). لقد وددت أن أجعل القارئ، يفعل كما أفعل في كثير من الأحايين، ويسأل نفسه مِن خلال نصوص الأضمومة: أين أنا بالتحديد، خارج القفص أم داخله؟ في الجزء الأبيض أم في الجزء الأسود؟ داجل دائرة الظلمات أم في بؤرة النور؟

 

س- بعض العناوين بدتْ لي طويلة.. هل يخدم هذا الطول في العنوان الجنسَ القصير جداً؟

ج- العنوان بالنسبة إليّ عنصر مهم جدا في أي نص أكتبه؛ فهو كفيل بأن يفتح شهية القارئ للغرق في نص ما، كما يستطيع _في حالة تم اختياره بشكل سيء_ أن يؤدي به إلى الفرار منه، لذلك أوليه عناية خاصة.. بعض العناوين أجعلها طويلة لأني أرى أنّها لا يمكن أن تكون أقصر، ذلك يحول _في اعتقادي_ بينها وبين أن تؤدي الوظيفة المنوطة بها وهي إعطاء صورة جميلة مشوّقة عن النص؛ وبعض العناوين أرى أنه لا يجوز أن تتجاوز كلمة واحدة حتى لا تهتِك سرّ القصّة، ولا تُحرق ما يُمكن أن يرتشفه القارئ مِن بين الحروف.

 

س- ظاهرة أخرى توقفتُ عندها في عنوان قصة " حضن دافئ " ص /19وهي حقيقة قصة جميلة جداً برأيي..لفتتْ نظري فيها عبارةٌ مكتوبةٌ بين قوسين وهي (قصة واقعية).. هل معنى هذا أن نصوصك الأخرى غير واقعية؟ وما حدود الواقع والخيال في المجموعة؟

و ما يميز نصوص " قضبان وأجنحة" أكثر الدقة في الطرح مع الرهان على مفارقات عجيبة مدهشة شبيهة بما نجده في الشعر حين نوظف "التورية" في البلاغة،مثل ما نجده في نصك " التجربة" ص/15

دعيني أقدم لك مثالاً هنا :

في نص " اكتشاف" ص /34 تصويرٌ لسجين وراء القضبان،لكنه، بعد أن تعب في البحث عن نفسه، استقر في السجن، فأحس بالراحة بعد أن عثر على ضالته فيه.. كيف يجد النفسَ من يتألم وينتَن داخل الزنازن؟

ج- الارتياح الذي شعر به البطل في نصّ "اكتشاف"، هو فعلا كما ذكرتَ، ناتج عن تواجده داخل زنزانة.. والسرّ كلّه راجع إلى ذلك الإحساس بالراحة الذي يخلفه الاعتقاد بأنّنا نؤدي ثمن ذنوبنا وخطايانا.. الاعتراف بالذنب، ثم تلقّي العقاب المناسب، في رأيه، أشعر بطل القصة أنه قد صار نقيا مِن الداخل، نقيا إلى الحد الذي يسمح له بالغوص في ذاته.. ذلك الحد الذي يتيح له العثور على نفسه.. وبخاصة، نفسه النقية الطاهِرة.. كان على بطل هذا النص أن يجد وسيلة لتحرير ذاته ولو كلّفه ذلك أن يقبع خلف القضبان.. ذلك أن سجن العقل والروح أشدَّ وطأة وتعذيبا مِن سجن الجسد الفاني.

أما في قصة "التجربة" فالبطل مقتنع أنه عالِم صنديد، وأنّ باستطاعته أن يدرُس الحالة البشرية ويتوصّل بخصوصها إلى أجوبة علمية ومنطقية شافية؛ إنه لم يدرك إطلاقا أنه إنسان، وأنّه لا يمكن أن يبلُغ حقيقة السلوك الإنساني بشكل خاص، طالما أنه ينطلق من خلفيات تُعشِّش في عقله وذاكرته، ناهيك عن أنّ الظاهرة الإنسانية برُّمتها عصيّة على الدراسة. البطل في هذه القصة كان يحاول أن يقرأ الواقع انطلاقا من رؤيته الخاصة ويُطبِّق عليه استنتاجاته الشخصية، وقد أدَّت به أنانيته وماديتُه المفرطة إلى سَلب الحياة مِن طفل لا حَول له ولا قوّة.

 

س- نصوص مجموعة " قضبان وأجنحة " موزعة ومصدرة بشكل أنيق في أربع مجموعات/مقولات: الأولى مصدرة بقولة لـ سينيكا، والثانية لـ بيير تيلار د شاردان، و الثالثة لـ جلال الدين الرومي، والرابعة لـ أبي حامد الغزالي.. لماذا هذا الحرص على هذا التصدير، وهل هناك علاقة بين نصوصك في هذه المجموعات وهذه المقولات مثلاً؟

ج- أشكرك مرة أخرى على هذا السؤال. في الواقع تقسيم النصوص إلى مجموعات كل واحدة منها مصدَّرة بقولة/ حكمة، لَم يكن أمراً اعتباطيا، ولا أخفيكَ أنّه قد أخذ مني الكثير مِن الجهد والوقت؛ وما حدث، هو أني حين كنت أهم بترتيب نصوص الأضمومة، كنت أحرص على توزيعها بشكل يضمن بعض التنوع على مستوى الأفكار المطروحة فيها والأسلوب الذي اعتمدته في التطرق إليها؛ وخلال ذلك،لاحظت أنّ النصوص المتوفرة لديّ يُمكن تصنيفها إلى أربع مجموعات بحسب المواضيع التي تتطرق إليها، وأقول لاحظت لأني لم أقصد هذا التقسيم وأنا أكتب النصوص ولكني تنبهت إلى ذلك حين كنت أحاول ترتيبها، ولكي أُقرِّب القارئ من فكرة كل مجموعة من النصوص ارتأيتُ أن أضع لها تصديرا يُعطي لَمحةً مبدئية عن التيمة الأساسية التي تتمحوَر حولها؛ اسمح لي أن أقدِّم مثالا على ذلك:

المجموعة الأولى مُصدرّة بقولة سينيكا "كلنا كالقمر لنا جانب مظلم" وهو فيما يبدو، يعني أنّنا، مهما حاولنا أن نبدو كاملين، فإن لكلِّ واحد منا عيوبه الخفية.. وأتجاوز ذلك وأقول إنّ هذا الأمر (امتلاكُ جانبٍ مظلم) لا ينطبق فقط على البشر إنّما يُمكن أن يُطبَّق على الأفكار والأيديولوجيات والعقائد.. إلخ، وبقليلٍ مِن التأمُّل سيتوصَّل القارئ إلى أنّ مضامين نصوص المجموعة الأولى كلّها تدور في فلَك نفس الفكرة/ القولة؛ "كلنا كالقمر، لنا جانِب مظلم".

 

س- لغتك ماتعة سليمة إلا ما جاء عرضاً، بل أسجل إعجابي ببعض ماجاء فيها،على سبيل المثال لا الحصر، من بلاغة متمثلة في جناس غير تام في قولك في نص "خطوات" ص /25: "أجبر هو على أنْ يجبّر"

وفي نص "منتهى الإحساس"ص/:9" أزعجه..و أعجزه".

من أي سوق أدبية تتبضعين هذه اللغة الأنيقة؟

ج- من أي سوق أدبية أتبضّع..؟ اسمح لي أولا أن أعبِّر عن إعجابي الشديد بهذه العِبارة الساحرة؛ أما بخصوص سؤالك سيدي، فصدِّقني إن قلت إني لا أتحكم تماما في زمام اللغة التي أكتب بها، فأنا كما ذكرتُ آنفا، أكتب بقلب مَشحون وعقل شبه مُغيّب، وكلَّما كان إحساسي بما أكتُبه قويا كلَّما جاءت لُغتي غنيّةً وطافحة، وكلَّما حاولت تقمُّص حالة الكتابة قهرا كلّما جاءت لُغتي ضعيفة ومُصطنعة، الإحساس في رأيي، هو ما يتحكّم في مستوى اللغة.

 

س – هل تؤمنين ببعض مقولات أبطال نصوصك:

هل حقاً مثلاً "إن البشر يخشون الزغزغة"..وما الزغزغة هذه؟

ج- هذه المقولة: "إن البشر يخشون الزغزغة " جاءت في أحد النصوص على لسانِ صُرصور، وأنا أعتقد أنَّنا لو نفذنا إلى عقل صرصور، (أعرف أن هذه مقاربة غريبة جدا ولكن لا بأس مِن الخَوض فيها مِن أجل الحُصول على بعض الاستنارة !) لوجدناه يتصوّر أننا، نحن، معشر البشر (والنساء بشكل خاص) نخشى الزغزغة، لعلّ هذا ما سيصوِّره له عقله (إن افترضنا، جدلا، أنّ له عقل!) ما دُمنا نقذِفه بالنعال ونطارده مع أنه لا يَقرص ولا يعُضّ إنما يزغزغ فقط ! أما نحن، معشر البشر، فإننا ندرك جيدا، أنّنا لا نخشى إلا زغزغة الصراصير لما تبثّه فينا من إحساس بالقرف. الفكرة هنا تُحيل مرة أخرى على الحقيقة وطريقة نظرنا إليها بِحسب تموقعنا في الحياة وزاوية نظرنا إليها.

 

س- تقولين في ص 35 : "عاش الناس يبدعون الحكايات وعشتُ أنا في الحكايات" ما الفرق هنا..؟

ج- أومن أنّ هناك نوعان مِن البشر، نوعٌ يصنع الأحداث بِيده.. يتحرّك جاهداً ليغيِّر ما يُمكن تغييره في الحياة، وهؤلاء هم مَن قلت عنهم إنّهم "يُبدعون الحكايات"؛ ونوع آخر لا يُحرّك ساكنا، يأتي إلى هذه الدنيا ويرحَل منها بلا أثر (إيجابي أو سلبي).. هذا النوع لا يغيّر شيئاً في الحياة، الحياة هي التي تُغيّره لكن بأيدي أولئك الذي يتحكّمون في مجريات الأحداث؛ اسمح لي أن أعطي مثالا: فلننظر مثلا إلى دولِ الشمال (الدول العظمى بشكل خاص) في علاقتِها بدول الجنوب.. إنّ الأمر يبدو كما لو أنّ الأولى تُخطِّط، وتُحرّك كلَّ الخيوط، بينما تعيش الثانية باعتبارها لعبةً في يدها، تماما كعَرائس المارْيونيت. وبالطبع فإنّ ما ينطبق على الدول يُمكن أن ينطبق على المجتمعات والأفراد.. هذا ما عنيته بهذا النص؛ وطبعا الـ "أنا" في هذا النصّ لا تحيل عليّ بصفتي الشخصية.

 

س – في بحرهذه السنة 2015اختير اسمك ضمن كُتاب كثيرين شاركوا في كتاب جماعي" أقواس قصصية" عن منشورات الموكب الأدبي،ومن توقيع جمعية تكفايت..ماذا أضافت لك هذه المشاركة؟

ج- (أرجو أن تعفيني، أستاذي الكريم، من الإجابة عن هذا السؤال)

 

س- هل في الرصيد جوائزُ أدبيةٌ معنوية أو مادية؟ وما رأيك في المسابقات الأدبية وجوائزها عموماً؟

ج- حتى الساعة، ليس في رصيدي جوائز مادية؛ أما الجوائز المعنوية فهي تعني لي الكثير.. لا أستطيع مثلا، أن أصِف سعادتي عندما يُقابلني أناس لا أعرِفهم في الشارع، أو في أي مكان عام ويُبادرون إلى تحيتي، والإشادة بِما أكتُبه.. كما لا أصف مدى التأثّر الذي أغرق فيه عندما يلجأ إليّ بعض الناس، ممّن أعرف، وممّن لا أعرف، لأساعدهم في حلِّ بعض مشاكلهم الشخصية والعاطفية.. عن طريق إسداء نصيحة أو تقديم مَشورة.. الكثير مِن الناس يعتقدون أنّه لا يستطيع كتابة القصّة إلا إنسان يمتلك معرفة عميقة للحياة.. وسواء كان ذلك صحيحا أو خاطئاً فأن يُؤمِّنني الآخرون على مشاعرهِم وقلوبِهم أمرٌ أقدِّره جدا، ومثل هذه الالتفاتات البَسيطة تساوي في خاطري الكثير، ولا يمكن أن أستبدِلها بجوائز مادية (في حال تعارُضِهما طبعا) ما حييت. محبّة الناس وتقديرُهم هي أكبر جائزة في نظري.

 

س- ما الذي لا يعجبك في كتابات غيرك ممن يكتبون القصة القصيرة جداً؟

ج- في القصّة القصيرة جدا لا يُعجبني بشكل عام، شيئان اثنان؛ أولّهما الاختصار الشديد، أي؛ أن يعمد الكاتب إلى الاختزال في النص حتى يصبح هذا الأخير ناقصا، وغير قادر على إبلاغ المعنى، الشيء الذي يَجعله أشبه بجَنين تم إخراجه إلى الوجود قسراً، قبل أن يكتمل نموه في رحم أمه؛ وثانيهما الغموض الشديد. لا أخفيك أني كثيرا ما أمر بحالات غريبة لبعض القصص القصيرة جدا التي أقرأها وأعيد قراءتها حتى تتنمّل أطرافي وأصاب بالهرش في رأسي دون أن أتوصّل إلى فهم محتواها ناهيك عن المقصود منها ! مثل هذه القصص القصيرة جدا تُشعرني بالعَجز والإحباط لأنها تشكّكني في مُستوى ذكائي وقدرتي على الفَهم والاستيعاب. لا أقصد طبعا أنّ الكاتب يجب أن يبسّط القصة القصة القصيرة جدا حتى يُميّع محتواها ويجعلها شبيهة بقِصَص "جحا والباذنجان"، وفي نفس الآن، لا أعتقد أنّه يُفترض به أن يبالغ في لَبكِ خيوطِها إلى الحدّ الذي يجعلُها وفيزياء الكَمّ، على نفس الدرجة من التعقيد والالتباس !

 

س- لو قُدر لـ " قضبان وأجنحة" طبعةٌ ثانية مصححة،ومنقحة.. ما هي النصوص التي ستحذفين، أوتنقحين، أوتعدلين، ولماذا؟

ج- صدِّقني إن قلت لك، سيدي، أني لن أحذف أيّ نص؛ قد أضيف نصّين أو ثلاثة نُصوص جديدة، قد أُعدِّل بعض النصوص وأضيف إليها بعضَ اللمسات.. لكني لن أحذِف أياً مِن تلك النصوص التي وردت بالفعل في النسخة الأولى من مجموعتي، وذلك ليس لأني راضية عنها كلَّها، ولا لأني أراها خالِية من العيوب.. بل إني لا أخجل من الاعتراف بأنّ هناك نُصوصا، مِن فَرطِ كرهي لها، أتساءَل، كلَّما مررت بها: "ما هذا العبث؟ !" لكني أؤكد أنّي لن أحذِفها حتى لَو تسنّت لي الفرصة لفِعل ذلك من خلال نسخة ثانية، ذلك أنّ تلك النصوص قد خَرجت مِن ذمتي بشكل نهائي، وصارت الآن في عهدة المتلقي. كل نص كتبته ونشرته هو في عيني أشبه بكائن حي، وُهِبت له الحياة مذ خرج إلى الوجود، ولَم يعد مِن حقي أن أسلبها منه؛ الحذف في هذه الحالة أشبه بعملية إعدام أو اغتيال، لا أحبّ أن أفعل ذلك بقصصي خاصة بعد أن خرجت إلى النور وتعرّف عليها القارئ، لا أُحِّب أن أصبح قاتِلة.

 

س- لماذا تأخر كتابك الثاني؟ وهل سيكون في المقال أو القصة القصيرة؟

ج- كتابي الثاني هو تجربة في غِمار القصة القصيرة؛ أما عن سبب تأخره، فراجع بالأساس إلى هَوسي بالمُراجَعة والتنقيح، وكل الذين يعرفونني حق المعرفة يدركون أني إنسانة بطيئة بطبعي، أحب أن أعدّ خطواتي بعناية وأستفيد من أخطاء الماضي.. وكما قلت في معرض جوابي عن السؤال السابق؛ فإن هناك نصوصا أشعر أن تواجدها في أضمومتي الأولى عبثٌ في عبث، ولنقُل أني لا أريد تكرار نَفس الخطأ في إصداري الثاني؛ إني ببساطة أخشى إنجاب المزيد من القصص مشوّهة وأنا أدرك أني لن أقدر على اغتيالها بعد أن تولد.

 

س- ما رأيك في:

• الخصومات الأدبية:

• الإرهاب..

ج- أما بخصوص الخصومات الأدبية؛ فإن الناس كلهم يتخاصمون، أفراد الأسرة الواحدة، الأصدقاء، الأحبّة.. الخصومات تعيد رسم الحدود بين أطراف العلاقات بأنواعها، أهل الأدب ليسوا بمنآى عن هذه الخصومات؛ فهم كسائر الناس، يتجادلون، ويختلفون، ثم يتخاصمون.. السيئ في رأيي هو أن تدوم هذه الخصومات طويلا مُخلِّفة أحقاداً وضغائن، أمّا الأسوء، فهو ما يمكن أن تُثيره هذه الخصومات مِن تشهير، ومؤامرات، وبذاءة.. وهذا أمر لا يمكن التسامح معه حين يتعلق بمن يُفترض أنّهم يُمثِّلون الأدب والثقافة.

أما عن الإرهاب، فإني لا أجد ما أقوله بخصوصه، سوى أنّي أتحسر على كون هذه الكلمة أصبحت مرتبطة بكل ما له صِلة بالإسلام؛ يؤسفني أن ينظر العالم إليّ وإلى أمثالي من المسلمين باعتبارهم إما إرهابيين أو مشاريع إرهابية.. وكل ما أستطيع فعله في الوقت الراهن هو الامتناع عن مشاهدة كلّ وسائل الإعلام التي لم يعد لها همّ غير ترسيخ فكرة أن الإسلام هو المصدَر والمُصدِّر الرئيسي والوحيد للإرهاب، في عقول ملايين المتابعين عبر العالم.

صدقا، أتمنى أن ينتهي هذا الكابوس قبل أن أموت.

 

س- أستاذة رامية شكراً على سعة صدرك.. ونختم حوارنا الشائق بلكمة أخيرة منك ..

ج- أحبّ أن أشكرك بشدّة وأحييك، أستاذي الكريم، على قراءتك العميقة لمجموعة "قضبان وأجنحة" وعلى أسئِلتك المُنتقاة بعناية، والتي عزفت على أوتار قلبي؛ لقد أسعدني جدا أن يتناول أديب مشهود له بالإبداع والرصانة أول عمل أدبي لي، لينفُض عنه غبار النسيان ويعيده إلى الواجهة من جديد؛

لا أستطيع أن أصف سعادتي؛ وهذه، بالمناسبة، أعدّها إحدى الجوائز المعنوية التي حصلت عليها والتي تعني لي الكثير. وبالطبع لا أنسى أن أشكر أديبنا الجميل الخضر الورياشي، الذي كان حلقة الوصل بيننا، والذي أدين له بالكثير في كلّ خطوة أدبية أمشيها.

لا أقول أكثر من أني أفتَخِر بمَن حاورني، كما أفتخِر بمن سيَقرؤون..

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3390 المصادف: 2015-12-17 13:01:15