 حوارات عامة

شمس الدين العوني: بعد 8 سنوات على رحيله: حديث نادر مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش

1060-auni- على العرب أن يفكروا بشكل أعمق في أزمتهم....

- القضية الفلسطينية هي مهمة شعرية بالدرجة الأولى..

- ادوارد سعيد ليس معروفا لدى الكثيرين من العرب بماهيته الحقيقية..

- المتنبي أسس بالشعر سلطة أدبية معادلة أو متجاوزة للسلطة السياسية..                                                        

- سقوط بغداد كان مشهدا جميلا في عيون الذين فقدوا ضمائرهم..

- الحاضر العربي لا يسمح لنا برؤية امكانية امل قريب على المستوى المرئي..

نحن نستهلك التلفزيون والكمبيوتر ولكننا لا نساهم في الانتاج، اي انسان لا يساهم في الانتاج سيبقى مستهلكا

كان الحدث الثقافي في تونس خلال مهرجان قرطاج الدولي لصائفة (2005)، حضور الشاعر محمود درويش لاقامة أمسية شعرية بفضاء الأكروبوليوم الذي تخيرته ادارة المهرجان للشعر، هذه الأمسية الشعرية حضرها جمهور الشعر في تونس يتقدمه الفنان مرسال خليفة ورؤوف بن عمر مدير المهرجان آنذاك ووزير الثقافة والمحافظة على التراث محمد العزيز بن عاشور... الأمسية ازدادت أهميتها بصدور كتاب دراسي حول تجربة درويش أراده التونسيون هدية الى ضيفهم الذي فرح بها.... بعد هذه الأمسية الحاشدة أخذنا شاعرنا في رحلة من الأسئلة ضمن هذا الحوار الذي ننفرد باعادة نشره..

مرة أخر تعود  لتونس لتقرأ شعرك.. كيف تقبلت هذا الحضور الاستثنائي من قبل جمهور الشعر؟

ـ أهم شيء أحدثته الزيارة هو تعميق احساسي بأن الشعر ـ بالفعل ـ لم يصبح هامشيا، قراء الشعر في تونس يمثلون قاعدة عريضة وهذا شيء مفاجئ حقيقة، فالاقبال على الشعر والتفاعل مع الحساسية الفردية والجمعية (معا) يدلان على انه غير صحيح، هذا الزعم بأن الشعر العربي يعيش في عزلة كما يدعي بعضهم او كما يخشى الكثير من النقاد والشعراء، فهو موجود في نسيج التكوين الاجتماعي للمجتمع التونسي وهذا فعلا شجعني على ان اجدد ايماني بجدوى العملية الشعرية وبامكانية تطويرها لقد اعادوا هنا تشكيل الوعي بمسؤولية الشاعر تجاه شعره وقراءة شعره ايضا فأستطيع أن أقول انني فوجئت بأن الشعر والشاعر مازالا حيين على مستوى المجموع، طبعا هناك افراد ونخبة محبة للشعر ولكن القاعدة  كانت عريضة والنخبة واسعة وليست ضيقة انا مدين للشعب التونسي بتجديد ثقتي بشعري وبنفسي وبالشعر بشكل عام.

 

 الرحلة  الطويلة.. ومحمود درويش.. كيف تنظر الى ذلك من خلال نصف استدارة الى الخلف؟

ـ أنظر بكثير من القلق، فأنا لست مطمئنا الى صواب هذه المسيرة  بالمعنى الجمالي وواثق من صوابها بمعنى التزامها بقضية الحرية والانسان ـ بالمعنى الواسع لكلمة الالتزام ـ واستجابتها لمتطلبات لحظات تاريخية شديدة التأثير، بهذا المعنى ربطت شعري منذ البداية بالتعبير عن ذاتي الخاصة وعن ذات جماعية ولكن المراجعة تتم على المستوى الجمالي اكثر من المستوى الفكري.

المستوى الجمالي يستحق التطوير والنقد والانقلاب على اسلوبية كانت تبدو لي ملائمة ولكن هذه الاسلوبية محتاجة الى تغيير لان الحساسية الشعرية في تغيير دائم وسرعة ايقاع العصر لا تترك الشاعر ينجو منها بسهولة ويجب الانتباه الى تغير الاذواق وتغير الشاعر نفسه فانا لم اجلس واقرر الاستجابة للتغيرات، انا بنفسي تغيرت، وعيي الشعري تغير وليس بمعنى الارتداد على النفس بل اني اتطور ولي حرص قوي على تخليص شعري مما هو  ليس بالشعر اي عدم ربطه بما هو احداث الراهن على الشاعر ان يكون ماكرا اكثر  في رؤيته للتطورات التاريخية وللزمن وان يعرف كيف يسكن القصيدة امكانية حياة في ظرف تاريخي اخر كما ان للقراءة تاريخيتها وامكانية ان تؤول بطريقة مختلفة في لحظة تاريخية مختلفة كذلك النص الشعري يجب ان يكون حريصا  كل الحرص على ان يحمل في ذاته تجاوزا لزمن الكتابة الى زمن قراءة مختلف اي ان يحمل حياة اخرى للنص الشعري بمعنى ان يكون يملك ذكاء الاستقلال النسبي عن  شرط كتابته انا شديد الانتباه لهذه المسألة والى الالتفات الى صوت الذات صوت الانا وليس بمعنى الانا الضيقة فالانا تحتوي في داخلها اكثر من انا فهي تتشظى وتصبح كاتبة للتاريخ، بهذا المعنى على الشعر ان ينطلق في اصغاء دقيق للانا في تفاعلها مع الانوات الاخرى وهنا يكمن حرصي على الانتباه الى الجوانب  الانسانية في الحياة الفلسطينية وليس فقط لجانب القضية، علينا ان نعلن ان الفلسطيني ليس مهنة، اولا هو كائن بشري وهوية وطنية وقومية وهو صاحب مشروع في التحرر والحرية ولكن اولا واخيرا هو انسان واهداف اي حركة او ثورة هي مساعدة الانسان في ان يتغلب على ظروف قاسية تحرمه من التعبير عن انسانيته لما فيها من انتباه لما يحمل الانسان من هموم صغيرة وجودية واحيانا ميتافيزيقية وعاطفية.

 القضية الفلسطينية هي مهمة شعرية بالدرجة الاولى ويجب ان تخفف من النظرة الى الفلسطيني كحالة نمطية مطالبة بكتابة شيء محدد سلفا مطارد بالموت وبالاستشهاد الدائم يجب الانتباه الى ان له حياة اخرى فهو يفرح بتفتح الزهور الاولى في الربيع المبكر يفرح بالحب وبجماليات الحياة وهذا يعني ان الاحتلال لم ينجح في كسر روحه الانسانية المتفتحة على روح الحياة هذا شاغلي الكبير وهذا الذي يجعل الشعر منطقة تقاطع بين كل الهويات ويتجاوز اطاره الوطني الى اطار انساني اوسع والشعر ليس وطنيا الا عند التعبير عن جغرافيا معينة او قضية محددة لكن الشعر اوسع في مجمله فهو صوت وايقاع الاسئلة الاولى في الحياة وللانسان حول وجوده وكيانه وهو  رحلة متشابكة من الثقافات والحضارات ومن هنا يتحول الى ما نسميه بالشعر الانساني هذا الشعر هو مجموع تجارب لشعوب مختلفة ويجب أن نكون شركاء  في التعبير عن الجانب الانساني من ادبنا وليس فقط ان نكون محاصرين بنمطية كتابية واحدة.

 

 ادوارد سعيد.. الفكرة.. القضية والعلاقة؟

تعرفت على ادوارد سعيد في تشرين الثاني (نوفمبر) 1974 عندما ذهبت مع المرحوم ياسر عرفات ليلقي خطابه الشهير في الامم المتحدة، هناك قيل لي بوجود نابغة فلسطيني وتعرفت عليه لنصبح منذ ذلك الوقت اصدقاء.

لم تنقطع علاقتنا منذ 1974 حتى وفاة ادوارد سعيد ودون تردد فهو  من مفاخر الامتياز الفلسطيني على المستوى العالمي، هو ليس كما صوره بعض العرب بانه نتاج ثقافة عربية استطاعت ان تجد ندية في حوارها مع الثقافة العالمية، لا ادوارد سعيد هو نتاج الثقافة الغربية واحد كبار نقادها في نفس الوقت وارتباطه بالقضية العربية والفلسطينية هو ارتباط حر بحكم موقعه كمثقف يشعر بالمسؤولية تجاه الضحية لقد كان صوت الضحية الفلسطينية بهذا المعنى، ليس لانه من اصل فلسطيني فلو لم يكن فلسطينيا لاتخذ نفس الموقف بحكم وعيه بدور المثقف النقدي والمثقف الذي لا يرضى بالمركزية الثقافية والهيمنة السياسية الدولية.

ادوارد سعيد ليس معروفا لدى الكثيرين من العرب بماهيته الحقيقية وهو مفكر ادبي كبير وليس معروفا فقط بمقالاته السياسية ودوره في النقد الثقافي وفي تطوير النظرية الادبية الغربية، اساسي ولا يمكن ان تنجو اية كتابة دون ان يكون فيها ا دوارد سعيد احد المراجع في النقد الثقافي بدرجة كبيرة نفخر به لانه يدافع بشكل انتمائي حر ولاختياراته الثقافية الحرة المعبرة عن توتر وانتباه الضمير المثقف لديه وليس لانه من اصل فلسطيني فحسب.

وبهذا كان ادوارد سعيد محاربا على جبهة  صعبة جدا، خصومه كثيرون  ولكنه انتصر بسلاح الفكر لثقافته الموسوعية والتزامه بقضايا العالم الثالث في التحرر وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

 

 يبدو ان العرب قد تموقعوا بين حالتين.. حالة شعرية واخرى تنبئ بالهامش.. رأيك؟

الحاضر العربي لا يسمح لنا برؤية امكانية امل قريب على المستوى المرئي واذا نظرنا  الى المستوى القريب والمستقبل من منظور  الحاضر والملموس فالصورة سوداء وبخاصة اننا منذ وعي جيلنا بالحياة وبالعالم نعتقد بهذه الاحوال السيئة ولكن هذا السوء يتطور باستمرار ونجد حالنا فيه ومن المؤكد في تاريخ جيلنا ا ن كل امس كان افضل من اليوم، فمنذ نكبة 1948 وغيرها الى تدمير واحتلال العراق واعادة احتلال فلسطين عدة مرات وتشتت الوعي العربي وعدم وجود مصطلح واحد يجمع العرب في مفهوم واحد، نجد هذا الوضع الصعب فنحن ننقسم بين عبادة الماضي وتيار آخر وهو عبادة امريكا اي ان من لا يعبد الامريكان لا مكان له على المنصة، طبعا التاريخ لا يتجمد ولا يصل الى اية نهاية، لا نهاية للتاريخ، بل الأمر يتوقف على مدى وعي العرب بمشكلاتهم ومتى حصل وعي العرب بهزيمتهم وانتبهوا الى قدراتهم الكامنة والتي لم يستعملوها واهم شيء كيف يقاربون الحداثة اي كيف نخرج من النظر الى الحلول في الاجابة عن الاسئلة الحالية والقادمة على انها موجودة في النصوص القديمة، ونذهب للبحث عن نصوص جديدة وكيف ننظر الى المستقبل من خلال ان نكون منتجين في الحضارة والثقافة  الانسانيتين وليس فقط ان نكون مستهلكين، اي ان نأخذ المنتج الغربي ونتخلى عن منظومة الفكر التي انتجت هذا المنتج يعني ان الحضارة الغربية لم تتطور الا من خلال منظومة افكار وقيم محددة انتجت هذا التفوق الحضاري نحن نستهلك التلفزيون والكمبيوتر ولكننا لا نساهم في الانتاج، اي انسان لا يساهم في الانتاج سيبقى مستهلكا لذلك على العرب ان يفكروا بشكل اعمق في ازمتهم دون ان يكون الماضي هو المرجع فنسبة المتعلمين والنخبة بدأت تتوسع في العالم العربي والعولمة كشفت عوراتنا فلم يعد النظام العربي يستطيع ان  يمارس ما كان يمارسه في الخفاء فنحن نستفيد ولن ينجو احد من العولمة وشتمها لا يحل المشكلة فيجب ان نشارك في الانتاج الى حد ما نستطيع واعتقد اننا لن ننجو من اثر ما يحدث في العالم فنحن لسنا  مشاركين فيه ولكننا معاصرون له، الهوة صعبة ولا يمكن للارادة ان تبقى الى هذا الحد مهانة، العرب محتاجون الى وعي وارادة جديدين ولكن في اللحظة الحالية لا نجد وصفا لهذا الوضع فكل واحد يعمل على تعميق اقليميته والحل الوحيد عنده هو ارضاء امريكا ولا طريق لارضائها الا بالعبور عبر بلاده، فهذا اصبح المقدس السياسي العربي الرسمي الحالي.

الشاعر لن  يبقى متفرجا مهما كانت اداة القمع القوية لدى السلطة هناك تغييرات ستحدث رغم الادعاء الامريكي بالديمقراطية وغيرها حتى وان كانت كذبة، هناك اشياء سوف تحدث لانهم سيتورطون في امتحان صدقية لعبتهم.

 

 كيف احسست لحظة سقوط بغداد؟

سقوط بغداد كان مشهدا جميلا في عيون الذين فقدوا ضمائرهم، هناك العديد من المثقفين الذين صفقوا لذلك ليس هناك اي وصف لهذا الامر اخلاقيا كما لا يمكن ان ننسى ان بغداد لم تسقط فقط بالعدوان الامريكي الذي لا مبرر له اصلا والذي فيه بعد اسرائيلي حيث ان القضاء على القوة الكامنة في العراق قد تهدد في شيء في نظر  الامريكان والاسرائيليين الاسترخاء والهيمنة  الاسرائيليين في المنطقة ومن هذا المنظور كان هناك بعد اسرائيلي في الحرب على العراق.

ولكن النظام السياسي في بغداد ايضا ساهم في اسقاط القلعة من الدخل، فالديكتاتورية لا يمكن ان تكون جوابا على تحدي العدوان الامريكي بهذه القوة، لا نريد ان نحاكم الاشياء اي تلمس صادق قد يوقعنا في تهمة مع بوش ام مع صدام.. مع اني لا مع بوش ولا مع صدام.. ولكن محصلة سقوط بغداد طرحت اشكالا من قدرة الهزيمة العربية على التناسل، وهذا حدث مؤلم تاريخيا وان كان بعض المثقفين قد صفقوا لهذا وصدقوا ان الامريكيين قادمون لكي ينشروا الحرية والديمقراطية على الدبابات، هناك تصديق لهذه المسألة.. لكن لا الامريكان انتصروا حتى الآن ولا العراق، القوة الكامنة هزمت.. هناك الكثير من الضحايا والمقاومة بعضها حقيقي ولكن تدخل فيها اختراقات، فتعريف المقاومة في الدفاع عن نفسها، مسألة تخص المقاومة العراقية، فهنا تختلط، وفي هذه المسألة ـ الجريمة المنظمة والمافيات والمقاومة الصادقة ولكن المقاومة حق مشروع للعراقيين ضد الاحتلال للعراق

 

كتّاب تونسيون  اشتغلوا على تجربتك منهم اليوسفي وبكار وصمود والمزعني والمنصف الوهايبي ورؤوف  الخنيسي ..و العوني و آمال موسى .. و أنت.. كان الكتاب هدية تونس اليك  كيف تقبلت الأمر؟

 

- بصراحة حين دعوني الى تونس قالوا ان  هناك مفاجأة (يضحك) ولم اكن اتصور ان المفاجأة كانت جميلة الى هذا الحد، يعني احسن تحية وهدية تقدم الى الشاعر هي ان يدرس شعره، ان ينقد ... فرحت كثيرا خاصة ان هذا العمل شارك فيه تقريبا معظم الشعراء والكتاب في تونس وكانوا كرماء واعطوني اكثر مما استحق من تشجيع ولا شيء يفرح الشاعر  اكثر من ان يجد اهتماما ما سواء كان ايجابيا ام سلبيا ويحس ان كلامه ليس صرخة في واد بل يجد استقبالا له واهتماما به.

اعتبر هذا الكتاب تكريما يفيض عن حاجتي وهو تكريم من اخوة الى شخص اصبحوا يعتبرونه واحدا منهم.

 

المتنبي.. هذا الزمن.. وسر الفتنة والافتتان الدرويشي معه وبه؟

- اعتقد ان اي قارئ للشعر العربي يصاب بالافتتان الذي اصبت به لقوته  الشعرية وقدرته على ان يكون عابرا للزمن فنحن نريد ان نجد وصفا لحالتنا في كل لحظة، ولا نجد اصدق من المتنبي في وصف حالتنا الراهنة، قدرته في انه يحمل تعبيرا عن المستقبل وان تسبق وتخترق اللغة عنده حاضرها وتأتي هذا الحاضر من المستقبل هذه عظمة لا يتمتع بها كثير من الشعراء.

المتنبي اسس بالشعر سلطة ادبية معادلة او متجاوزة للسلطة السياسية  في الزمن الذي عاشه، نحن لا تعنينا كثيرا اخبار بني حمدان ولكن الشيء الذي يثير دهشتنا هو لماذا لم يكتف المتنبي بهذه السلطة الادبية ولماذا كان مسكونا بهاجس الحصول على اي سلطة خارج هذه السلطة وهي سلطة سياسية ومدح الكثيرين بشكل مذل لماء الوجه طبعا نحن ننسى الان الجانب المذل وننظر الى الجانب المضيء والمشرق في هذا الشعر. اذن يبدو ان الشعراء تغفر لهم خطاياهم اذا كان شعرهم  جميلا فأحيانا نجد  تناقضا بين الاخلاق والجمال فكيف تكون جمالية هذا الشعر سببا في مغفرة تجاه سلوك المتنبي ومدحه.

اذن ربما كان الممدوحون كلهم عبارة عن ذريعة لدى المتنبي الذي كان مسكونا بارادة الحصول على سلطتين السلطة السياسية والسلطة الشعرية وقبل هذا وذاك فانك تقرأ في شعر المتنبي تلخيصا لتاريخ الشعر العربي.

فأنا مفتون به.. مثلي مثل كل القراء.. اي قارئ حقيقي للشعر العربي لا يستطيع القفز على ذلك.. على فكرة فكلما كثرت قدرات ومكانات المتنبي الشعرية، كلما ازداد اعداؤه، يقال ان الفا من الشعراء قد هجوه ولكن لا نعرف اين هم.. كان حوتا مثل سمك القرش يبتلع كل الحيتان.

 

 النقد العربي والشعر هل حظيت الحالة الشعرية الدرويشية بما يكفيها نقديا؟

- للاسف، انا قرأت العشرات من الدراسات الجامعية وكنت أشعر بالحرج لان فيها شرحا لمعاني الكلمات وتبويبا للاغراض الشعرية وهي دراسات لا تقترب من جوهر الشعر ولا تشكل مقاربة له او لجماليته او للغير مرئي من الشعر هناك كيمياء للشعر ارى ان النقد مطالب بالبحث فيها ولكن النقد العربي للاسف مع بعض الاستثناءات مازال نقدا شارحا، يشرح المعني ويعرب الالفاظ والمعاني ولا يقترب من روح وسر  العملية الشعرية، طبعا هناك بعض النقاد الجادين الذين يشكلون مقاربات مفيدة ليس مطلوبا من الناقد ان يشرح او يهجو او يمجد الشعر بل عليه ان يكون قادرا على ان يعلم الشاعر او ان يرى فيه جوانب لم يرها قبل ان يضيء له الناقد ذلك الجانب لكن ليس لي حق الشكوى والامر في اوروبا مختلف لان الشعر عندهم جزء من الحركة الثقافية الكبرى والفكر والفلسفة متقدمان بينما نحن لدينا وضع آخر، ليس لدينا فلسفة او فكر ادبي كبير. العمل الادبي دائما يسبق الحركة النقدية ومن رأيي فانّ  الابداع الادبي متقدم على الحركة النقدية في الثقافة العربية هناك تقصير قد ننسبه للجامعات وللمثقفين انفسهم او الى غياب استخدام مجمل المناهج النقدية في النقد العربي نقدنا مدرسي وليس بمتشرب من النظريات النقدية عند قدماء العرب، هو نقد انطباعي او تجريح او  مديح كما قلت. ونحن نتعرض الى عمليات تجريح كبير تصدر عن بعض الكتب وهي فظيعة وتقول انني لست شاعرا بل اكذوبة.

 

الوجدان الفلسطيني ودرويش وآراء الاخرين؟

- انا متهم بالتخلي عن القضية الفلسطينية ومتهم الى حد ما بخيانة جلدي عند بعض الناس، اما القراء فهم ابرياء. فلسطين ليست وظيفة وهي ليست شيئا.

 

أين ريتا.. او بالاحرى حدثنا عن الحب عند درويش؟

- لا وجود لقصة او مغامرة، اولا انا لست مجنون ليلى ولا اراغون الزا، ليست هناك امرأة تشكل لي مرجعية عاطفية او مرجعية ذكريات ليس هناك شعر الحب، انا ازور الحب (يضحك)، الحب لا يحتلني، بل تحتلني حاجتي اليه وليست هناك امرأة محددة هي ليلاي او لبناي او عزتي لا املك اسطورة حب بل اتذكر الحب بما هو حالة متنقلة ومترحلة ولا وجود لامرأة ابدية.. هي ذريعة.

 

 وأخيرا، نذهب مع حديثك الذي نعرف بعضه عن قصيدة النثر؟

- كنت اتصور او اتمنى ان ينتهي هذا البحث بخصوص قصيدة النثر وشرعيتها وصراعها مع ما ليس بقصيدة نثر. قصيدة النثر هي احد انجازات الشعر العربي في العقود الاخيرة وهي قد اصبحت الجزء العضوي من حركة الشعر العربي وفيها مبدعون كبار وعدة شعراء استمتع بالكثير منهم وارى انهم يقدمون شعرية جديدة بقصيدة النثر.

هناك التباس، كأن بيني وبينها مشكلة وخلافا، انا خلافي مع ادعاءاتها النظرية فالكثيرون يولدون وقد اكتملت نظريتهم الادبية عن الشعر بمعنى انه لا يكون موزونا وان يخلو من العواطف وان لا يأتي الايقاع الشعري على خارج النثر وان الحداثة لا يمكن ان تعرف الا عبر قصيدة النثر وبها هذه الادعاءات النظرية لا استطيع ان اقبلها، قصيدة النثر شرعيتها في مدى ما قدمت من شعرية جديدة وذائقة مختلفة وبالتالي ليس من حقها ان تنفي غيرها.

ربما كانت حاجتها للدفاع عن نفسها وعن شرعيتها قد منحت شعراءها هذا النفس العدواني باقصاء الاخرين اي بمنطق من ليس منا فهو خصمنا. عليهم ان يرتاحوا فقد انشؤوا دولتهم المستقلة ويجب ان يبحثوا عن مسألة المركز والضواحي والاطراف، عليهم ان يرتاحوا ويعملوا اكثر على تطوير تجربتهم الشعرية وعلى تقديم مبرر جمالي اكبر لاختيار هذا الشعر وان يعترفوا بنا اننا معاصرون لهم ومن حقنا ان نكتب بطريقة مختلفة. عليهم ان يكفوا عن احساسهم بالاضطهاد وان لا يتحولوا الى (مضطهدين، لنقم بمصالحة في هذا الزمن يضحك).

انا لا مشكلة لي معها بل مشكلتي الوحيدة انني لا اكتبها، اعرف شعريتها العالية.. النثر عمل راق وجنس ادبي نبيل اكتبه ولا اسميه شعرا، ولا ننسى ان القرآن نثر ويعجبني قول ابي حيان التوحيدي في تعريفه للشعر حين قال: احسن الكلام ما قامت صورته على نظم كأنه نثر وعلى نثر كأنه نظم، والوزن ايضا لا يحمي اللاشعر فهناك الكثير من الكلام الموزون وهو عبارة عن نظم ـ ما احبه في الشعر هو ذاك الصراع مع الصعوبة ومهارة التغلب على صعوبة النظم جزء من العملية الشعرية مثل النحات الذي يتغلب على صعوبة الحجر اذن البحث عن السهولة ليس بالعمل الشعري، ولا بالفن فاذا ازلنا عقبة اسمها قافية وبقيت العقبات ماذا تقول؟ هل قلنا كلاما لا يقال الا بهذه الطريقة؟

هذا هو امتحان قصيدة النثر، هل تقول بتحررها من كل هذه الاعباء، قولا لا يقال الا هكذا؟ بعضها نعم ولكن كثيرا منها لا، كما ان الكثير من الشعر الموزون ليس بالشعر، يجب ان لا نعبد التغلب على قيود الكتابة هي بالعكس شكل من اشكال تجليات جدارتنا بالحرية...

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3637 المصادف: 2016-08-20 13:51:23