 حوارات عامة

على ضفاف الأدب الجميل.. حوار مع: الشاعر كريم عبد الله

حين تبرق النجوم بريقا ملفتا يكون حرفه قد سطع..  يلبسه من زهر اللغة اثواب المجاز والبيان والسحر...يغمسه في ينابيع الدهشة ليرفعه حبات من لؤلؤ على سحاب الابجدية..

تقرأ وراء سطوره الوجدان والعبر فيهبط الفجر ساجدا لمروج آفاقه..

 كريم عبد الله مزق كل اشرعة القوالب الجامدة ..امتطى صهوة الرمزية فروضها...امتشق سيف الغموض فعربد الحرف نشوان بين انامله.

 استاذ كريم ..حضرة الشاعر المتألق شكرا لك .

 

س: يتهم الغرب بانه صدر الى ادبنا موجة الغموض.. هذا والجدل قديم العهد حول الغموض والصراحة.. استاذ كريم هل اضاف الغموض الى ادبنا ام اضعفه؟

 ج: في البدأ علينا ان نعرّف الغموض،فلقد أشارت المعاجم العربية القديمة إلى الغموض من خلال استخداماته اللغوية المختلفة، فيقول صاحب لسان العرب: «ومُغْمِضاتُ الليلِ دَياجِير ظُلَمِه وغَمُضَ يَغْمُضُ غُمُوضاً وفيه غُمُوض... والغامِضُ من الكلام خلافُ الواضح... والغامِضُ من الرجال الفاتِرُ عن الحَمْلة... ويقال للرجل الجيِّدِ الرأْي قد أَغْمَضَ النظر ابن سيده وأَغْمَضَ النظر إِذا أَحْسَنَ النظر أو جاء برأْي جيِّد وأَغْمَضَ في الرأْي أَصابَ ومسأَلة غامِضةٌ فيها نَظر ودِقّةٌ ودارٌ غامِضةٌ إِذا لم تكن على شارع... وحَسَبٌ غامِض غير مشهور ومعنىً غامِضٌ لطِيف»، فالغموض فيه لطف والمسألة الغامضة هي التي تحمل في طياتها النظر والدقة . واستنادا لما ذُكر فإن الغموض في الادب أصبح مطلوبا ومحببا لما له من تأثير في المتلقي ويشحذ ذاكرته ويطلق العنان له في التأويل والتفكير والمشاركة في النصّ . بعد الانفتاح على العالم وتلاقح الحضارات والثقافات والادب دخل الغموض في الادب الى ادبنا علما بان الغموض ليس غريبا ودخيلا على ادبنا العربي، فقد استخدمه بعض الشعراء العرب القدماء في قصائدهم ولكن ليس بهذا الكمّ الموجود الان .إنّ الامم القوية لا تخشى مما يدخل اليها سواء في الثقافات والاداب والفنون، فنحن اليوم نرى الهايكو الياباني دخل الى أغلب الاداب العالمية ونتج عن ذلك هايكو يختصّ بثقافة امة معينة رغم احتفاظه بشكله الياباني، فهذا ليس قصورا في ثقافة واداب هذه الامم . بالتاكيد الغموض اضاف الشيء الكثير الى ادبنا من الناحية الجمالية والفكرية والفنية وحتى هندسة النصّ الحديث وشكل القصيدة . فاصحبت القصيدة اليوم تحمل نَفَساً فلسفيّا وفكريّا تختلف عمّا كانت عليه سابقا وهذا يحسب لها .

 

س: قال الاستاذ جبرا ابراهيم جبرا عن الاتجاه السريالي في بعض دواوين ادونيس :" نزعة الى خلق الصور بحرية تلقائية تقارب السيريالية في اغلب الاحيان هي حرية الموقف الصوفي الذي يتخطى العقل ليمنحنا ما هو ربما اعمق واروع.. هل تتعمد في نصوصك هذا الاسلوب؟

 ج: قبل ان اكتب النصّ على الورق أكتبه في مخيلتي ومن ثمّ ارسمه على الورق، نعم اغلب نصوصي اعتمد فيها هذا الاسلوب وأجد نفسي من خلاله وكذلك أجد المتعة الكبيرة وانا ارسم النصّ القادم من اعماق الحلم الجميل . احاول في نصوصي أن تحمل مسحة من الحلم المتدفق بشفافية عذبة تجعل المتلقي يقف امامها مصدوما ويحاول تفككيها والنفاذ الى اعماقها، فبمجرد وقوف المتلقي عند نصوصي اعتبر هذا مكسبا كبيرا ومنفعة تحسب له وللنصّ، لانه سيكون مشاركا معي في النصّ .

 

س: في ظل متغيرات المحرض الجمالي للقصيدة المعاصرة . ما اهم ملامح النص الحديث وخاصة قصيدة النثر في رأيك؟ وماذا نعني بقصيدة الرؤيا حينما نصف قصيدة النثر؟

 ج: اصبحت اليوم قصيدة النثر تعتمد اعتمادا كليا على اللغة الغريبة المستفزّة والراكزة والمدهشة، لغة بلا ترهّل او زيادة . فهي تتخلى عن الوزن والقافية وكذلك التركيز والايجاز والتوهّج، فهي تعتمد على الايقاع الداخلي للنص وحركة المفردات فيه، لغة تأتي مما وراء الحلم . اليوم احاول ان اكتب ومجموعة من الشعراء القصيدة السردية التعبيرية والتي تعتمد على نقل الاحساس العميق والشعور المتدفق وتكتب بالطريقة الافقية،وهي تجربة جديدة ورائعة وتستحق الالتفات اليها بعد ان وجدت لها صدى عالميا وعربيا من خلال شعراء بدأوا يكتبون بصورة مدهشة ورائعة جدا، مما جعل الاخرين من خارج الوطن العربي يهتمون لهذه التجربة ويتابعونها عن كثب، بعد ان تمكن البعض من هؤلاء الشعراء بنشر قصائدهم (السردية التعبيرية) باللغة الانكليزية وفي مواقع عالميا معروفة . كذلك احاول ان ابعث في نصوصي ايقاعا صوريا متحركا وحسّياً متدفقا .

 أما قصيدة الرؤيا: فإنّ معنى الرؤيا تعني تغيير في نظام الاشياء، وفي طريقة النظر اليها، انه الكشف عن عالم يظلّ محتاجا الى الكشف . الشاعر يكون قلقا متمردا وشعره مركز استقطاب مشكلات كيانية يعانيها في نفسه وحضارته، وهذا سؤال ذكي ومهم ويحتاج الى حديث طويل .

 

س: تختلف الرؤى حول اهمية الشكل والمضمون . فهل هناك علاقة بين الشكل والمضمون او بين المعنى والمبنى؟ وما تحديدا المقصود بالمعنى الفني؟

 الشكل يعني الصورة الخارجية للعمل الفني، اما المضمون فهو الموضوع المعبر عنه . لهذا اختلف النقاد وعلماء الجمال حول هذا الموضوع وكثرة النزاعات فيما بينهم، ورغم مرارة الصراع القديم (الشكل / المضمون) أو (المبنى / المعنى)، إلاَ أنه يبدو أنَ " الظاهرةالثابتة الوحيدة هي التثمين العالي للشكل، والحط ولو نسبياً من الأهمية الفنية للموضوع . الموضوع ايضا متشعب ويحتاج الى حوارات كثيرة بعدما كثر الجدل حوله .

 

س: قال الشاعر اللبناني الياس بو شبكة عن الرمزية في الشعر بانها انتزعت الحس من القلب ووضعته في الدماغ والعين فأصبح مركز الشعر التصوير والتصور لا الشعور والاحساس.. بم يرد استاذنا على هذا القول؟

ج: يبقى الشعر العظيم والحقيقي ما يحقق للمتلقي المتعة والانبهار والدهشة سواءا كان يحمل نزعة حسّية تعتمل في القلب او في الدماغ، صحيح اصبح الشعر الرمزي شعرا يدغدغ فكر المتلقي ويثير لديه الكثير من التساؤلات ويضع الكثير من علامات الاستفهام كلما يتقدم في قراءة النصّ المرمّز، اعتقد ستكون هناك متعة كبيرة عند المتلقي المبدع الذي يكون مشاركا  للشاعر في نصوصه ويغوص فيها يستلهم آيات الجمال

 

حاورته الاستاذة: مهى شاغوري - لبنان

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

محاورة شيقة ورائعة , في تناولها الابداع الثقافي والادبي والفكري , وكانت الاجابات واضحة في عمق معرفتها الواسعة , وتميزت بالبساطة والتواضع في طرح الرأي . وكانت الاستاذة المحاورة ( مهى شاغور ) جديرة ومتمكنة , في طرح القضايا الملحة والحساسة في الاجناس الادبية , وبالاخص قصيدة النثر , وكانت الاسئلة عميقة في وجهات نظرها . وكانت اجابات الاديب والشاعر القدير ( كريم عبدالله ) , رائعة وجديرة بالاهتمام , وبما يملك معين ثقافي وادبي مرموق , في ناصية الابداع الحديث
شكراً لكم على هذه المتعة الثقافية والادبية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر كريم عبدالله رمز عذب من رموز الشعر الذي ينماز بالشفافية والحس المرهف والموسيقية التي تجعله قريبا من النفس وسريع القبول لدى متلقي نصه. وفقه الله

كريم صبح
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3824 المصادف: 2017-02-23 12:58:57