 حوارات عامة

وودي آلن Woody Allen إله الكوميديا الغامض

جواد بشارةقال أندريه جيد، ذات مرة:" أيتها العوائل كم أمقتك"، ويقول وودي ألن :" أيتها العوائل كم أحبك، وهذا ليس أمراً سهلاً، إذ أنك، أيتها العوائل، لست قبيحة أو بلهاء أو مضحكة". هذه هي لهجة وودي ألن الجادة ورؤيته الساخرة في آن، والتي نجدها في أفلامه، لا سيما في فيلمه " حنة وأخواتها" الذي شارك فيه في مهرجان كان السينمائي الدولي في دورته التاسعة والثلاثين خارج المسابقة.

وكان وودي ألن قد انتهى من عرض فيلمه "أيلول سبتمبر" وكنا قد شاهدنا له فيلماً آخر جميل، وهو كوميديا موسيقية خفيفة عنوانه" أيام الراديو" وهو كعادته يعمل بسرية تامة.

- واليوم وفي بداية سنة 2020 يستعد الفنان المبدع المخرج السينمائي الكوميدي الأمريكي الشهير وودي آلن لنشر سيرة حياته وهذه المرة بقلمه كما كتبها هو وليس كما كتبها كتاب آخرون ليكشف فيها الستار والحقائق عن التهم والاتهامات التي كيلت عليه باغتصابه لابنة طليقته ميافارو بالتبني، وما أكثر الكتب التي صدرت متحدثة عن سيرة حياته وأفلامه وعالمه السينمائي ورددت هذه التهم لتشويه سمعته. أتم وودي ألن عامه الخامس والثمانين فهو من مواليد الأول من ديسمبر سنة 1935 في حي برونكس وترعرع في بروكلين في ولاية نيويورك من عائلة يهودية هي عائلة كونيكيسبيرغ وهي عائلة مهاجرة من أصل روسي – نمساوي تتحدث  اللغة اليديشية وهي مختلفة عن العبرية  وهو ممثل ومخرج وكاتب مسرحي ومؤلف لقصص قصيرة وروائي وراوي نكات محترف وكاتب سكيتشات هزلية للتلفزيون وللمشاهير وعازف على آلة الكلارينيت  ويعشق موسيقى الجاز. أول أفلامه كمخرج عرض سنة 1966 بعنوان "ليلي المتنمرة " ومن أفلامه الأخرى خذ الأموال وأهرب (1969)، الموز أو باناناس 1970، كل ما تريد دائمًا معرفته عن الجنس دون أن تجرؤ على طرحه (كل ما تريد دائمًا معرفته عن الجنس (ولكنك كنت خائفًا في طرحه)، وودي والروبوتات (النائم)، وكذلك الحرب والحب أو(الحب والموت). ومن ثم حدثت انعطافة في عالمه الإخراجي ولغته الإخراجية في فيلم آني هال 1977 الذي حاز على أربع جوائز أوسكار – (وهي أوسكار لأفضل فيلم، وأوسكار أفضل مخرج، وأوسكار أفضل ممثلة لديان كيتون وأوسكار أفضل سيناريو) -، وهو يمثل نقطة تحول رئيسية في عمل وودي ألين.، وواصل ارتقائه في أفلام كمنهاتن 1979، حنة وأخواتها 1986، جرائم وجنح1989، ماتش بوينت  2005،  باريس في منتصف الليل 2011، الياسمينة الزرقاء 2013، وردة القاهرة الأرجوانية The Purple Rose of Cairo  وهو واحد من أفضل مائة فيلم في كل العصور وفقًا لمجلة تايمز Times وواحد من أفضل ثلاثة أفلام لوودي آلن حصب تصريحه.  وهو يخرج فيلماً في كل سنة كمعدل وسطي تقريباً حيث بدأ في بداية السبعينات بعد وصولي إلى باريس بقليل وكان يعرف بصاحب الكوميديات الأخلاقية الممزوجة بخلفية سيكولوجية وببعض من التحليل النفسي وقد لعب أغلب الأدوار الرئيسية في أفلامه إلى جانب الإخراج مجسداً شخصيات هي الأقرب إلى شخصيته الحقيقية في الواقع مع صبغة كاريكاتورية للمثقف اليهودي النيويوركي الذي دائماً ما يكون ضحية لـسخرية المجتمع و يعاني من آلام مأساوية – كوميدية، وخاصة الجنسية، والوجودية و/ أو الميتافيزيقية. ولقد حصل أربع مرات على جائزة الأوسكار كأفضل مخرج وأفضل سيناريو أصلي غير معد عن حكاية أو رواية أو كتاب .

- في سنة 1988 وبمناسبة تواجد وودي ألن في باريس لتسويق فيلمه "حنه وأخواتها" كان لنا معه لقاء نشر في مجلة البديل التي كانت تصدرها آنذاك رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديموقراطيين العراقيين المعارضين للنظام السابق في المنفى في العدد 12 لسنة 1988 تحت عنوان " وودي ألن: عندما يولد الضحك من اليأس. وفي تلك المناسبة كان لنا معه هذا اللقاء:

1385  وودي ألنحوار مع المخرج السينمائي وودي ألن

س: لقد لاقى فيلمك " حنة وأخواتها" نجاحاً تجارياً حقيقياً في الولايات المتحدة الأمريكية، هل أنت سعيد بذلك؟

ج: كان رد فعلي الأولي هو أني قلت لنفسي " لقد فعلت شيئاً ما كان يجب علي أن أفعله، ففي كل مرة يحظى فيلم من أفلامي بشعبية كبيرة تنتابني الريبة. فالأفلام الجيدة، عادة، والتي أحبها، كأفلام لوي بونويل وإنغمار بيرغمان وفردريكو فلليني، لا تجد هذا النوع من الجمهور الواسع.

س: وشخصيتك في الفيلم؟

ج: شخصيتي؟ إنها شخصية تفكر، وهذا يمثل دائماً خطورة ما، ففي الرواية، على سبيل المثال، يمكن أن تكون للشخصية أفكار داخلية على مدى عشر صفحات، ولكن ماذا يمكن أن تفعل في السينما؟ وماذا ستعرض؟ هل تعرض شخصاً يفكر أو يسير في الشارع خلال عشر دقائق؟ شخصيتي أني أعمل في التلفزيون، أترك عملي وأمشي في الشارع؟ أبحث عن الله وعن معنى الحياة؟ أدخل وأخرج من مكتبة؟

س: كلا بل من مستشفى – ضحك –

ج: أبحث عن دافع أو حافز درامي بطريقة تجعل أفكار هذا الرجل الطيب ممتعة ومثيرة للانتباه. ولم انتبه إلى أن للكثير من الناس الصفات المشتركة ذاتها مع ذلك الرجل. حتى طبيبي قال لي إن عندي " شيء"، وهو يقصد، بالطبع، (ربما مرضاً)، وأنا واثق بأنني أعاني من مرض السرطان، وهذا ما نفكر به دائماً في مثل هذه الحالات.

س: ولماذا وودي ألن شخصية موسوسه؟

ج: الشخص الذي تمتلكه الوساوس لا يفكر ولا يعتقد أنه كذلك فهو متأكد من أنه مريض فقط...

س: موضوعات – ثيمات – فيلم " حنه وأخواتها " معروفة وقريبة من النفس، كالحب، والموت، والجنس، والله، والدين، ومعنى الحياة، الخ ... وودي ألن ينبش ويبحث في كل محل، في عصابية العالم – بل وحتى داخل عصابيته الشخصية – هل أنت متفق معي في ذلك؟ ويقال أن من الأفضل، والحالة هذه، الضحك، ومع أن الضحك لا يأتي من كلمات المؤلف و لا من جمل أو إجابات نصية، بل إنه يأتي من الشخصية نفسها، من حضورها عندما تنحدر أو تغوص في حالات يائسة، أكثر فأكثر، على الصعيد العاطفي؟

ج: إن هذا متعمد تماماً. والضحك المتولد من اليأس هو الذي يهمني أكثر فأكثر. فلو أمثل دوراً في فيلم " حنه وأخواتها" لكان، لهذا الفيلم، اسلوب ولهجة أكثر جدية وصرامة، وليس بوسعي أن أفعل عكس هذا الشعور، المتولد لدى الآخرين، بمجرد رؤيتي. صدقني لا أستطيع شيئاً بهذا الخصوص، ولا أتدخل بذلك، فحضوري الفيزيائي يعلن، دائماً، عن ملاحظة فكاهية، ووجودي نفسه، بحد ذاته، يقوم بذلك، حتى وإن لم أفعل شيئاً.

س: ولكن هناك شيئاً مهماً قد تغير في مملكة وودي ألن، فلم يعد هو الشخصية المركزية أو الرئيسية، البوهيمية، النيويوركية. فللمرة الأولى يبدو وودي ألن واحداً ضمن آخرين في هذا الفيلم الذي يعتبر مقطوعة موسيقية صغيرة. أو كما يقال، صورة " بورتريه" لمجموعة. هل لهذا الإحساس أساس من الصحة؟ وهل للفيلم أصل أدبي؟

ج: بخصوص الشطر الأول من السؤال أعتقد بأن الشخصيات كلها مهمة، بما فيها شخصيتي في الفيلم. أما بالنسبة للشطر الثاني فالجواب، نعم، ولكن ليس بالضبط. كنت أقرأ " آنا كارنينا" وبدا لي أنه من الممتع عمل فيلم بالبنية نفسها، أي يمر من قصة إلى أخرى إلى ثالثة، ومن ثم يعود إلى الحكاية الأولى. أي فيلم ذي بنية روائية.

س: الإطار الذي اخترته، إذن، هو العائلة – سمفونية بثلاث وجبات طعام وحول ثلاث دجاجات أو ديك رومية تجتمع العائلة أمام وجبة طعام لا تقاوم – وجبة تقليدية في يوم راحة بلا عمل.

ج: أنا لا أحب الصيف. لذا فأنا لست من أنصار الاحتفالات الوطنية أو حفل العمل. فالجلسة العائلية شيء مريح وممتع بلا إشارات أو تفصيلات دينية أو وطنية، ولا هدايا أحزمها. إنها مناسبة طيبة للاجتماع معاً والحضور والالتقاء حيث هناك، دائماً دائماً، مباراة كرة قدم جيدة على شاشة التلفزيون وتطلب مني لماذا يعرض التلفزيون في كل عام وفي مثل هذا الوقت فيلم " كينغ كونك" ؟ وهو فيلم أحبه كثيراً... وهناك دائماً نار هادئة تشتعل في المدفأة والديك الرومي يشوي في الفرن أو على النار وقطع الخبز المحمية والكعك، أي ليس إلا الأشياء التي أحبها في مثل هذه الأجواء.

س: ووسط هذا الجو الاحتفالي العائلي توجد(حنه – ميافارو – الزوجة النموذجية والأم المثالية والبنت والأخت المثالية كذلك إنها مثال للتوازن وعين الزوبعة، وكلما حدثت مشكلة في العائلة يلجأ الجميع إلى حنه، وبالتأكيد هي تحمل إسماً ذي سمة دينية أو سمو ديني أليس كذلك؟

ج: حنه، ذو سمة دينية أو مسحة إنجيلية؟ ليس بالنسبة لي على الإطلاق. إن هذا الاسم يذكرني ببساطة بالمغنيات الزنجيات في فرق أوركسترا الجاز (هارو وهيد وحنه)..

س: كن ثلاث شقيقات في فيلم " الداخل" وثلاث شقيقات كذلك في فيلم " حنه وأخواتها" وكما يبدو إن العلاقات بين الشقيقات، بالنسبة لك، أعقد بكثير من العلاقات بين الأشقاء، فهل كنت قد تربيت وترعرعت في بيئة نسوية وعالم نسوي أو أنثوي؟

ج: نعم عندي شقيقة واحدة، ولكن كان لأمي سبع شقيقات، وجميع خالاتي متزوجات ولديهن بنات فقط. كان هناك بعض الرجال لكنهم ليسوا من المقربين، بل ينتمون إلى أطراف العائلة، من بعيد، وكانوا في العادة يدخلون الغرفة المجاورة ويبدؤون بلعب الورق والبريدج من أجل المال.. وتقوم النساء بكافة الشؤون الأخرى – الثرثرة والأكل والقراءة الخ – ونحن الأطفال كنا دائماً نقحم أنفسنا بين أرجلهن. الأطفال... سواء أكان هناك أطفال أم لا، هذه هي النقطة المضحكة حد الألم لدى ميكي في الفيلم وهي همه الكبير، وتثير فيه الألم، وبما أنه غير قادر على عمل طفل مع حنه وجب عليه أن يطلب مساعدة أفضل أصدقائه ( توني روبرتس).

س: ولكن في الحياة الخاصة ليس لدى وودي ألن أطفال؟

ج: والسؤال الذي لا أتجرأ على طرحه هو هل أنا قادر على إنجاب طفل؟ نعم يا سيدي ولكن لم يكن لدي أبداً أطفال ولم يهمني هذا الأمر كثيراً بصفة خاصة أبداً أبداً .. لقد فكرت دائماً بأني لو عشت متزوجاً أم لا، مع امرأة تريد أن تعمل طفلاً فليكن، لا مانع عندي أن أعمل معها طفلاً أو عشرة أطفال. فعندما كنت أعيش مع ديان كيتون، أو عندما كنت متزوجاً من لويز لاسر، لم يكن موضوع عمل طفل يقع ضمن اهتماماتهن ولم يشغلهن هذا الموضوع على الإطلاق، وعندما التقيت بميا فارو كان لديها، أصلاً من قبل، سبعة أطفال بعضهم ولد من زواجها الأول مع أندريه بريفان، أما البقية فينحدرون من جنسيات وأصول عرقية مختلفة وأضعهم تحت لافتة (كواليس قوس قزح) فأطفال حنه في الفيلم هم أطفال ميا فارو في الواقع.

س: ومن أين لها كل هؤلاء الأطفال؟

ج: ميا فارو تحب الأطفال كثيراً وتتبناهم ولهذا تجدها، وحدها، هي التي تتكفل بكل ما يحتاجونه وما يتعلق بهم وتوفر لهم الرعاية والحنان. فلدي منزلي الخاص ولها منزلها الخاص، على الجانب الآخر من سنترال بارك. فأنا ألعب وأمزح مع الأطفال وأتمتع بصحبتهم ثم أرجع لبيتي، أما هي فتأخذهم للمدرسة وتجلبهم منها، وتطبخ لهم وتغسل لهم ملابسهم وتقوم على تربيتهم بصورة تدعو للإعجاب والتقدير... ميا فارو، حنه، جميلة وطيبة وتشعر بالمسؤولية، وليس هناك أصعب من تجسيد هذه الشخصية سوى الوصول إلى درجة الاتقان القصوى التي بلغتها ميا فارو في هذا الفيلم... لقد نجحت في إحباط " اللعنة" التي عادة ما تحوم حول هذا النوع من الأدوار.

س هل حاولت تمثيل دور زوج حنه الذي مثله أخيراً بدلاً منك مايكل كن؟

ج: كلا. لم أحاول، لكني فكرت في ذلك وببساطة لأني لم أجد الشخص القادر على تجسيد هذا الدور، أول الأمر، غيري. لقد بحثنا كثيراً وضيعنا وقتاً كثيراً دون أن نجد من يلائم هذه الشخصية إذ لا يوجد في السينما الأمريكية، في الوقت الحاضر، من يمكنه تمثيل شخصية الرجل العادي البسيط والساذج، فلدينا " ابطال " متميزون كجاك نيكلسون وآل باتشينو وروبيرت دونيرو، لكني كنت أبحث عن رجل عادي طبيعي، رجل أعمال، خبير محاسبة، والممثل الوحيد القريب من هذا النوع من الأدوار كان داستن هوفمان لكنه كان منشغلاً بأعمال أخرى لذا قررت أن أجسد الدور بنفسي، ولكن برزت معضلة أخرى وهي من الذي سيؤدي ويجسد دوري الذي أديته أنا الآن في الفيلم وهذا ما كان مستحيلاً عملياً على أحد غيري تأديته، فأنا متطابق جداً مع شخصيتي  هذه إلى درجة التقمص القصوى، وهي شخصية الإنسان الذي لا يكف عن الصراخ والامتعاض والاحتجاج حول المسائل الكونية والعالمية.

س: إضافة إلى أن الناس لا يميزون، في العادة، بين ممثل أو ما يدور على الشاشة، وما يحدث في الحياة الحقيقية.

ج: صحيح أن هناك عناصر من الحياة (الخاصة – الشخصية، تدخل في صميم العمل المهني ولكن على شكل ومضات أو دفعات ولمسات خفيفة هنا وهناك لا أكثر). فالجميع مقتنع أن – آني هول – هو وصف دقيق ونقل أمين (أدبي) لعلاقتي بديان كيتون، في حين أنه فيلم روائي محض ومن نسيج الخيال، تماماً، كتبته بالاشتراك مع مارشال برغمان، ونصف الأشياء التي تدور على الشاشة كانت أشياء حصلت لي شخصياً، ولا علاقة لها بحياتي الخاصة. فلو كنت قد جسدت الشخصية التي مثلها مايكل كن في فيلم حنه وأخواتها، لاستنتج الآخرون بأن لي علاقة مع شقيقة ميا فارو.

س: وقد خيبت بذلك، إذن، ظن بعض المتفرجين؟

ج: لا أعتقد، ولكن مع ذلك، مثلت ميافارو الدور الرئيسي في الفيلم وصورت بعض المشاهد في بيتها نفسه ومع أطفالها الحقيقيين، ولعبت شقيقتها دوراً صغيراً ولكن ليست إحدى شقيقاتها الثلاث في الفيلم. وكذلك والدتها الممثلة مورين أوسيلفان الخالدة في ذاكرة الأجيال لأنها نطقت الجملة الشهيرة مع طرزان (جوني ويسميلر) " أنت طرزان وأنا جان".

س: وهل كان صعباً إقناعها مرة أخرى بالتمثيل؟

ج: لم تقل نعم على الفور عندما اقترحت عليها الدور، فهي لم ترتم عليه كالملهوفة، إن ابنتها ميافارو هي التي اقتلعت منها الموافقة عنوة، فهي التي حثتها على الموافقة واقنعتها بعد جهد، إذ كانت مورين أوسيلفان قد أجابتها" لكني عجوز جداً لدرجة لا أصلح أن ألعب فيها دور والدتك  فأجابتها ميا فارو " لكنك والدتي"..

س: من المعروف عنك حبك وتفضيلك للعمل في جو عائلي مع عائلة من الممثلين والتقنيين. مجموعة صغيرة من الوجوه المألوفة لديك حيث التبادل بينها بسيط وسريع ومن الصعب الاندماج فيها وداخلها؟

ج: أنا أميل لكي أكون مباشراً جداً وصريحاً جداً أثناء العمل. لست شريراً ولا صلفاً. وكل من حوالي يفعل الشيء نفسه، مثلي. ولا يزعجني أن تأتي إلي سكرتيرة في أستوديو أو غيرها من الأشخاص ويقولون لي أن ما يشاهدونه " شيء سيء جداً أو حتى مخجل من الرداءة" وهذا ما فعلته بديان كيتون فعندما كنت ألاحظ شيئاً ما لا يعجبني فيها اقول لها على الفور أنت رديئة، وإن ما تقومين به غير جيد على الإطلاق وسيء جداً، حتى إني أتصور بأنك تمثلين في مسلسل تلفزيوني رديء جداً لم اشاهد أسوء منه في حياتي. وأستخدم القسوة ذاتها بحق نفسي وأقول أمام الجميع وأسمح لهم بقول الشيء نفسه ' آه كم أنا رديء، نعم أنا أهل للرثاء). فداخل الاستوديو يقول الناس الموجودون ما يفكرون به ويعتقدونه ولا أحد يشعر بأنه مهدد أو مغبون أو مهان، والمبدأ الذي له أولوية عندنا هو شعورنا بأننا نحب بعضنا وإن مواهبنا ليست عرضة للاتهام أو التجريح أو الطعن. ويمكن أن نتحدث بصراحة ونعبر عن آرائنا دون تردد او إحراج او خوف.

س: هناك وجهان جديدان يدخلان في عائلة ممثليك هما مايكل كن وماكس فون سيدو.

ج: بالنسبة لمايكل كن فهو قد فهمني بسرعة وفهم ما أطلبه منه بالضبط، فالتففت إلي وقال:" باختصار، وفي نهاية الأمر، أت أسندت إلى الدور وتريد أن يكون بين يديك وودي ألن آخر طوله متر وثمانون سنتيمترا أليس كذلك؟".

س: أما ماكس فون سيدو، فهو ممثل معروف في أفلام بيرغمان فهل تريد، عن طريق العمل معه، أن تنتهي وإلى الأبد، من مرحلة بيرغمان الملتصقة بك والتي كرست لها فيلما بيرغمانياً هو فيلم " الداخل" الوحيد الذي لم تمثل فيه واكتفيت بإخراجه؟

ج: يربطني الناس ويقارنوني دائماً بسينمائيين آخرين وذلك منذ إثني عشر عاماً، منذ ان بدأت أصنع أفلاماً. ففي فيلم " سبتمبر" قيل عني أني متأثر بباستر كيتون وفي فيلم " باناناس" قيل أنه يشبه أفلام الأخوة ماركس، وكتب عني في أماكن أخرى إني أتبع خطوات فلليني وأعيش تحت تأثيره، والشيء نفسه فيما يتعلق ببيرغمان وبريستون ستورجيس. وهذا يعني أنه إذا كانت هناك حاجة لدى الناس أن يروا الأمور من زاوية التحليل المقارن، أو إذا كان ذلك أكثر سهولة لهم فليكن، فلا فرق عندي ولا يهمني هذا الأمر إطلاقاً، فمن الأفضل أن أقرب وأقارن بهؤلاء السينمائيين بدلاً من .......

س: كيف يعمل وودي ألن وحده في بيته؟

ج: أنطلق دائماً من فكرة ومن ثم يتبعها الشكل أو الأسلوب. وبرأيي إن أي فيلم يستند إلى ما يريد قوله، وينجح أو يفشل تبعاً لما يريد إيصاله للآخرين، فالفيلم الذي ليس لديه ما يقوله، حتى وإن عبر عن ذلك بطريقة جميلة، لا يستطيع الصمود. والخطوة الأولى هي الكتابة، وغالباً ما تكون بالقلم لأن العلاقة مع الكلمة تصبح أكثر حميمية. وأول عائق أواجهه هو الورقة البيضاء. فيجب أولاً إيجاد فكرة، وهنا تكمن الصعوبة أليس كذلك؟ ولكن عندي دائماً أفكار وفي كل وقت ادونها على الورق وأضعها جانباً لكن هناك صعوبة أخرى تكمن في اختياري الفكرة المناسبة التي يمكن تطويرها إلى فيلم وهذا عمل مؤلم ومثير للأعصاب.

س: في أفلامك، لدى الشخصيات دائماً مشكلة غير قابلة للحل. وفي هذه الحالة يذهبون للسينما عند افتقادهم للحل وهناك يجدون الحل أي في السينما من خلال الفيلم الذي يشاهدونه كما فعلت ميا فارو في فيلم وردة القاهرة الأرجوانية حيث نجد ميكي – وودي ألن وميا فارو يذهبون لمشاهدة فيلم للأخوة ماركس.

ج: إنه حل خاص بهم في الواقع. ففي اللحظة التي يتساءل فيها ميكي بأنه لا يعرف أبداً إذا كان للحياة معنى أم لا وإذا كان الجواب هو 50% نعم و50% لا فإن هذه الحياة تستحق أن تعاش أو يجرب المرء أن يخوضها ويعيشها. فلحظات الفرح الأكثر قوة التي عشتها، في حياتي، وفرتها لي السينما عبر أفلام فترة مراهقتي. فمن الصعب مشاهدة فريد استير دون أن نتساءل فيما إذا لم يكن هناك شيء ما يحدث في العوالم الدنيا والمحطات الخلفية حيث ليس كل شيء قبيحاً لأن هناك فريد استير موجود فيه وكذلك الأخوة ماركس، وأعتقد أن هناك، دائماً، وقتاً كافياً للانتحار في الغد فلنغتنم سعادة اليوم وللغد حديث آخر...

وفيما تلا من عقود على تلك المقابلة واصل وودي ألن إبداعه وإخراجه لأفلام متميزة لغاية سنة 2020.  ففيلم آني هال، على سبيل المثال، يمثل نقطة تحول رئيسية في عمل وودي ألين. حيث التفت إلى فكاهة أكثر تطورا وتناول مواضيع أقل خفة في الكوميديا الدرامية. وقد ذهب بعض النقاد إلى حد القول بأنه ربما يكون قد أعاد اختراع هذا النوع من الكوميديا أو، على الأقل، أنه وضع قواعد حديثة للنوع الكوميدي في السينما. لكن إلى جانب ذلك، يدير وودي آلن في الغالب طاقمه بطريقة شخصية بغية العثور على أسلوبه، ولمساته الشخصية. مع فيلم آني هول، تمكن المخرج من فصل نفسه عن تأثير أصنامه ومرجعياته السينمائية الشهيرة التي كان يعبدها  لفرض شخصيته، وأرفق ذلك  بعالم كامل من الأسئلة الوجودية الهوسية المستوحاة من مراجعه الثقافية التي لا تعد و لا تُحصى  والتي يتظاهر بحلها بسخرية . إنه يخلق كونًا يكون من الطبيعي فيه الاقتراب من شخص غريب، غالباً ما تكون امرأة، من خلال التحدث إليها حول سارتر واللقاء بعد ساعة للدردشة معها حول كيركيغارد في نادي الجاز حيث يمكنهما أن يكتشفا نفسيهما في أعمال كول بورتر. باختصار، يخلق عالمًا غريبًا حيث تكون جميع الشخصيات أجزاء من وودي آلن.

سوف يكون فيلم "مانهاتن" بمثابة عمل تأكيد لجمالية المخرج الخاصة وربما يمثل ذروة "نمط وودي ألين". الفيلم يعتبر على أية حال من قبل العديد من النقاد أفضل أعماله. تم تصويره بالأبيض والأسود، وهو تكريم للمدينة - مدينته - في نيويورك، التي هي "الشخصية" المركزية الحقيقية للفيلم. مرة أخرى، تمثل الأدوار الرئيسية، المثقفين المتعلمين من الطبقات الاجتماعية العليا. ومع ذلك، فإن النظرة الموضوعة أو الملقاة على هذه الفئة متناقضة للغاية، ومهمة بقدر ما هي مجزية. هذا الكراهية المحبة لمثقفي نيويورك (بشكل أساسي) هي سمة مهمة لمعظم أفلامه. مانهاتن هو تعاونه الخامس مع الممثلة ديان كيتون. كما يشجع ظهور الفنانة الممثلة المبدعة الشابة ميريل ستريب لأول مرة في فيلم لوودي ألن حيث لعبت دورا ثانويا، ولكنه مثير للغاية، في الفيلم. 

بين آني هول Annie Hall ومنهاتن Manhattan، يكتب وودي ألن ويدير التصميم الداخلي الكئيب بأسلوب المخرج السويدي Ingmar Bergman. يبشر هذا الفيلم بفترة من أعمال وودي ألين خلال الثمانينيات، التي تميزت بشكل رئيسي بتأثير المخرجين الأوروبيين مثل فلليني عليه. سيتم تميز جميع أفلامه في ذلك الوقت، بما في ذلك الأفلام الكوميدية، بلمسة مظلمة وفلسفية، مثل "سبتمبر"، و"ستاردست ميموريز" Stardust Memories".

يقول وودي ألن:" كنت دائماً أميل إلى الدراما، لكن الكوميديا كانت نقطتي القوية. فقط، عندما تفعل كوميديا، هناك وحش على كتفك، يضايقك: "كن مضحكًا! لا تزعجهم! الجدية أكثر استرخاء ".  بدا وودي ألن كأنه محكوم بعمل الأفلام الكوميدية ففي الأعوام بين 1981-1997: كانت هناك كوميديات جنسية من ليلة صيفية إلى هاري بجميع أحواله.. واتسمت فترة الثمانينات بالاجتماع مع ميا فارو، مومسه الجديدة. التي ظهرت في جميع أفلامه الروائية منذ عام 1982 مع الكوميديات الإروتيكية  Erotic Comedy من ليلة صيفية Summer Night 1992 إلى أزواج وزوجات Maris and Femmes.

كانت التسعينات عقدًا من التجارب أو المحاولات دون أي مسار حقيقي للعمل. وهكذا، مع فيلم الظلال والضباب Shadows and Fog (1991)، أشاد بالتعبويين الألمان. وفي العام التالي، جمع بين التشويق والكوميديا السوداء لصنع لغز القتل في مانهاتن. يعتبر القتل والاستعدادات بالنسبة له موضوعًا مثيرًا للاهتمام نسبيًا لتصوير الجوانب المختلفة لشخصياته، عندما علق على النحو التالي: «القتل هو موضوع رائع لأنه يتيح لنا استكشاف الضعف البشري والشعور بالذنب " على حد تعبيره.

في عام 1994، عاد إلى موضوعات أقل ظلمة مع الرصاص فوق برودواي Bullets Over Broadway، والذي حصل عليه ترشيحاً جديداً لجائزة الأوسكار لأفضل مخرج. بعد ذلك بعامين، بدا أن فيلماً كوميديا موسيقياً Tout le monde dit I Love You (الجميع يقول أنا أحبك) أصبح في متناول الجميع وحقق نجاحًا كبيرًا مع الجمهور. مرة أخرى، يجد ووي ألن نفسه مدرجاً في الترشح لجوائز Golden Globe و سيزار الفرنسية Césars. بين هذين الفيلمين الأخيرين، أدرك وودي ألن أيضًا المفاجأة، من خلال بنائه لفيلم أفروديت الملعونة، Maudite Aphrodite (Mighty Aphrodite) حيث يعبر مفكروه الأزليون في نيويورك عن طريق شخصيات أكثر بساطة (ممثلة إباحية سابقة وملاكمة منخفضة مغمورة) وكذلك أبطال المآسي اليونانية.

في عام 1997 ظهر هاري في جميع حالاته أو(تفكيك هاري)، بلا شك أكثر "تغرباً" من جميع أفلامه. هذا الفيلم الروائي يغمرنا في تاريخ معقد. يقدم ألن سيناريو تتخلله الرسومات التي تشارك في التاريخ العالمي ليؤدي إلى اجتماع مختارات من شخصيات مختلفة والذين، مجتمعين، يشكلون هاري واحد فقط. نجد هناك جميع الموضوعات الرئيسية لعمل وودي ألن. انه يوقع هنا محاكاة ساخرة لوجوده وصعوباته الخاصة مع الأصالة والفكاهة.

يأتي انفصال وودي آلن وميا فارو على خلفية من الفضيحة، بعد أن اكتشفت الممثلة أنه كان لديه صور لابنتها بالتبني سون يي بريفين عارية تمامًا. وكان قد تزوج من ميافارو في عام 1997. وفي نفس العام، طردته شركة ميراماكس بعد الإخفاقات المالية المتتالية لأفلامه ليالي الصين Nuits de Chine وأفروديت الملعونة Maudite Aphrodite والجميع يقول أحبك Tout le monde dit I Love You. يبزغ وودي ألن من جديد على الفور من خلال فيلم غرامة خط الميزات  Fine Line Features، الذي سيحقق معه سلسلة من النجاحات، لا سيما الاتفاقات والخلافات، مع المخادعين ولكن ليس كثيرًا، ونهاية هوليوود Hollywood Ending.

1998-2004: من المشاهير إلى ميليندا وميليندا:

في عام 1998 في فيلم " الشهرة Celebrity يعهد وودي ألن شخصيته إلى ممثل آخر، وهو كينيث براناغ. تم تصوير الأحداث جزئياً بالأبيض والأسود، مع ممثلين غير عاديين (ليوناردو دي كابريو، وميلاني جريفيث وغيرهم)، ترتبط الأحداث بسرعة مذهلة في قصة معقدة للغاية مرة أخرى، وتضم مجموعة من الشخصيات. فعدم قدرتهم على التواصل يمنعهم أن يبقوا في موقف المتفرجين في حياتهم. يحافظ وودي ألن في هذا الفيلم، على أسلوب "تغريبي" للغاية، قد يبدو، في بعض النواحي، مفاجئًا في أعمال الفنان.

في السنة التالية، مع فيلم حلو ومنحط أو دنيء Sweet and Lowdown، أشاد مرة أخرى بأحد عواطفه:  عشقه لموسيقى الجاز. صُمم هذا الفيلم، مثله مثل أي فيلم وثائقي عن السيرة الذاتية، لعازف الجيتار الوهمي في عالم موسيقي حقيقي للغاية، حيث نعبر ونعبر مساراتنا مع الغجري الأكثر شهرة: دانغو رينهاردت.

بين عامي 2000 و 2003، عاد وودي ألن إلى الكوميديا الخالصة كما في بداياته. وينجز فيلم (فيلم المحتالون الصغار)، و فيلم لعنة عقرب الجاد (Le Sortilège du scorpion de jade)، و فيلم هوليوود النهاية و فيلم الحياة وكل شيء آخر (Anything Else).  لم يتبعه جمهوره  كما كان يأمل، والنقاد هاجموه بعض الأحيان بطريقة شرسة. ولكن حتى فيلمه الأصيل Melinda and Melinda ميليندا وميليندا لم يفلح في أن  يعيده إلى دائرة الضوء. ويُزعم خصومه ومناوئيه ب أن أفضل سنواته باتت وراءه

2005-2013 من نقطة تلاقي  Match Point إلى الياسمينة الزرقاء Blue Jasmine :

تميز هذا العقد بتوغلات وودي آلن خارج الولايات المتحدة لتصوير أفلامه.ففي عام 2005، غادر المخرج نيويورك ليصور فيلم نقطة تلاقي  Match Point في لندن مع جوناثان ريس مايرز وسكارليت جوهانسون. كان النقد إيجابي بشكل عام، والجمهور كثير. استحق الفيلم العديد من ترشيحات أوسكار وغولدن غلوب وسيزار. سيقول وودي آلن في مقابلة مع مجلة Première أن هذا هو أفضل فيلم له. استُلهم سيناريو الفيلم من نص من تأليف جورج ستيفنز سنة 1951 بعنوان مكان تحت الشمس  A Place in the Sun، وكانت بعض المشاهد متطابقة تقريبًا.

في عام 2006 قام وودي آلن بتصوير فيلم جديد مع سكارليت جوهانسون. وهو فيلم  سكوب  Scoop، وهو فيلمه الثاني في لندن، ولقي آراء نقدية  مختلطة. ثم يخرج عملاً سينمائياً ثالثاً في لندن  سنة 2007، وهو (حلم كاساندرا)، مع كولين فاريل وإيوان ماكغريغور.

يواصل وودي آلن رحلته الأوروبية وينضم إلى إسبانيا خلال الصيف ليصور فيلم  فيكي كريستينا برشلونة Vicky Cristina Barcelona  مع سكارليت جوهانسون، وبينيلوبي كروز، وخافيير بارديم، وريبيكا هول. تم تقديم الفيلم في مهرجان كان لعام 2008 ثم تم إطلاقه تدريجياً في جميع أنحاء العالم في صيف العام نفسه.

 

شهد عام 2009 عودة وودي آلن إلى نيويورك مع فيلم أي شيء يعمل Whatever Works مع لاري ديفيد وإيفان راشيل وود كنجوم. يعود تاريخ سيناريو الفيلم إلى سبعينيات القرن العشرين، وقد كُتِب خصيصًا لـ Zero Mostel، الذي توفي في العام الذي تم فيه عرض فيلم Annie Hall. وبمناسبة عرض فيلم أي شيء يعمل Whatever Works، صرح وودي ألين خلال مقابلة أنه يعتق بأنه لم يحقق فيلماً كبيراً أو "فيلمًا رائعًا" .

كانت العودة إلى الأراضي الأمريكية قصيرة حيث قام بتصوير فيلمه التالي في لندن You Will Meet a Tall Dark Stranger" (سوف تقابل شخصاً طويل القامة غريباً أو غامقًا)، وقد تم عرضه مرة أخرى في مهرجان كان ضمن المسابقة. تم تصوير الفيلم التالي، Minuit à Paris منتصف الليل في باريس، في صيف 2010 في باريس، مع ماريون كوتيارد، وراشيل ماك آدامز، ومايكل شين، وأوين ويلسون، ولايا سيدوكس، وكاثي بيتس تم تقديم الفيلم في افتتاح مهرجان كان السينمائي عام 2011، و عرض Minuit à Paris منتصف الليل في باريس في جميع أنحاء فرنسا وفي باريس وحضره الرئيس الفرنسي الأسبق وزوجته التي أدت دوراً صغيراً في الفيلم.

. وفي عام 2012، حصل فيلم منتصف الليل في باريس على جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي. ويعد أهم نجاح في شباك التذاكر على مستوى العالم في مسيرة مخرجه. فوودي آلن يتحدث في هذا الفيلم عن باريس في مختلف الحقب والأزمان، وعن باريس الثقافية والفنية والفكرية على وجه التحديد من خلال حكاية كاتب أمريكي يأتي إلى باريس لكتابة رواية مع خطيبته الثرية وأهلها. فالعائلة الغنية تبحث في باريس عن الموضة  وآخر الصرعات والتحف الفنية القديمة والمجوهرات والعطور وآخر الصرعات  وتسكن في أفخم الفنادق الباريسية أما هو فيبحث عن باريس الثقافة والفكر والفن والحرية والإبداع، باريس سلفادور دالي وبيكاسو وارنست همنغواي ولويس بونيول والسريالية والانطباعية وأوغست رينوار، باريس السهرات الليلية والجمال والجنس والحرية، أي باريس التي عاشت في مخيلة المثقفين في العالم كله، وذلك عبر حكاية متخيلة حيث تأتي عربة قديمة تأخذ الكاتب من مكان محدد في باريس في الزمن المعاصر وتنقله إلى باريس في حقبة زمنية في الماضي حيث يتعرف فعلياً على الرسامين والكتاب والروائيين الذين كانوا يعيشون في باريس آنذاك ويجتمع به ويتناقش معهم، وفي نهاية السهرة تعيده العربة القديمة إلى الزمن الحاضر حيث يقيم مع خطيبته في الفندق الفخم وفي جولته عبر الزمن الباريسي المتغير يتعرف على امرأة فرنسية جميلة، أدت الدور الممثلة الفرنسية العالمية المبدعة والجميلة ماريون كوتيارد، والتي يقع في حبها ويأخذها معه في تنقلاته عبر الزمن لأنها تعشق الماضي ورجالاته وأجوائه وكانت عشيقة لأغلب شخصيات الإبداع في باريس والتي ستكتب في مذكراتها عن قصة الحب هذه مع الكاتب الأمريكي. تجدر الإشارة إلى أن وودي آلن أسند دوراً صغيراً كدليل سياحي لزوجة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي للمجاملة ليس إلا لأنها لم تكن جيدة في تجسيدها للدور.

فيلم إلى روما مع حبي Rome with Love، تم تصويره في روما في صيف عام 2011 وللمرة الأولى منذ عام 2006، كان  وودي ألن أيضًا بصفته ممثلًا إلى جانب كونه المخرج. تم تصوير الياسمينة الزرقاء Blue Jasmine في صيف عام 2012 في سان فرانسيسكو ونيويورك. وفي قائمة الممثلين نلحظ،  كيت بلانشيت، سالي هوكينز، وأليك بالدوين. في خريف عام 2012، شارك وودي ألن كممثل في فيلم لجون تيورتيورو Turturro في فيلم القواد أو العاهر المتدرب Apprenti Gigolo، بينما كان يساعد على تحسين نص السيناريو.

2014-2019: من السحر في ضوء القمر إلى يوم ممطر في نيويورك:

تم تصوير فيلم سحر  في ضوء القمر Magic in the Moonlight في صيف عام 2013 في جنوب فرنسا، وكانت إيما ستون وكولين فيرث هما الممثلتان الرئيسيتان. تم تصوير فيلم الرجل اللاعقلاني The Irrational Man في صيف عام 2014 في رود آيلاند، مع إيما ستون وجواكين فينيكس. تم عرض الفيلم خارج المسابقة في مهرجان كان 2015 قبل خروجه لدور السينما الأمريكية في صيف عام 2015. أما بالنسبة لفيلم جمعية المقهى Café Society أو مقهى المجتمع، فهو فيلم تدور أحداثه في ثلاثينيات القرن العشرين، وضم الممثلون باركر بوسي، بليك ليفلي، جيني برلين، جريج بينكلي، جيسي إيسنبرغ، كريستين ستيوارت، ستيف كاريل (الذي حل محل بروس ويليس، الذي يترك الفيلم بعد أن بدأ التصوير بالفعل) وكوري ستول (الذين لعب دور إرنست همنغواي في فيلم منتصف الليل في باريس) . يتم تقديم الفيلم في مهرجان كان 2016 خارج المنافسة.

في 13 يناير 2015، أعلنت أمازون أنها قد طلبت من وودي ألن موسماً كاملاً من مسلسل تلفزيوني، يتكون من ست حلقات مدة كل منها 25 دقيقة؛  ولكن بداهة لم تكن هناك متابعة. ولا تعليقعلى المشروع الذي طلبته منه آمازن فقط قال وودي ألن: "أنا لا أعرف كيف وضعت في هذا المشروع وكيف حصلت عليه. ليس لدي أي فكرة ولا أعرف من أين أبدأ. وأضاف وودي ألن معقباً:" أعتقد أن روي برايس [نائب رئيس استوديوهات أمازون] سوف يندم عليه. تدور أحداث هذه الكوميديا بعنوان "الأزمة في ستة مشاهد" في ستينيات القرن الماضي وبطلته هي مايلي سايروس. فيما تلعب أيضًا إيلين ماي وودي ألن أدورا في المسلسل وتم تحديد موعد بث المسلسل في 30 سبتمبر 2016.

في صيف عام 2016، قام وودي آلن بتصوير فيلمه الطويل الثامن والأربعين، ووندر ويل أو العجلة العجيبة Wonder Wheel، حيث تدور الأحداث في الخمسينيات في نيويورك، مع كيت وينسلت وجوستين تيمبرليك في الأدوار الرئيسية. تم عرض الفيلم في ديسمبر 2017 وكان أحد أكبر إخفاقاته التجارية. وعندما اشتعلت قضية المنتج  وينشتاين واغتصابه للممثلات، تعين على وودي ألن أن يقرر. ولكن فقط من خلال اتخاذه قرار بدعم المنتج الذي أصبح منبوذا في هوليوود، جذب وودي آلن غضب حركات MeToo و Time's up. وفي نفس العام، كررت ابنة ميافارو بالتبني، ديلان فارو، اتهاماتها، التي يرجع تاريخها إلى عام 1997، بأنها تعرضت للاغتصاب من قبله. سرعان ما أشعل الاتهام شبكات التواصل الاجتماعي وأعلن العديد من الفنانين أنهم لم يعودوا يريدون العمل معه. من بينهم جريتا جيرفيغ، ماريون كوتيارد، تيموثي تشالاميت، ناتالي بورتمان، أوين ويلسون، ستيف كاريل وجوستين تيمبرليك، من بين آخرين. ومع ذلك، فهو يحظى بدعم الممثلين بنيلوب كروز وخافيير بارديم Penélope Cruz و Javier Bardem.

تم تصوير الفيلم التالي في نيويورك في سبتمبر-أكتوبر 2017، مع تيموثي تشالاميت، سيلينا جوميز، ريبيكا هول وإيلي فانينج. تم الكشف عن العنوان في وقت مبكر جدًا (وهو أمر نادر جدًا في وودي آلن): يوم ممطر في نيويورك. في نهاية آب (أغسطس) 2018، أعلنت أمازون أنه لا يوجد حتى الآن تاريخ عرض مبرمج مخطط للمسلسل (سواء في الصالات أو القنوات التلفزيونية . وكان صيف 2018 هو الأول من نوعه منذ أكثر من ثلاثين عامًا، إذ لم يكن  لدى وودي ألن أي خطط أو تصوير مستقبلاً، حتى لو أعلن أنه على الرغم من هذه النكسة، فهو سوف يستمر في الكتابة. بعد تسعة أشهر من توقف عرض آخر أفلامه على آمازون وإدراجه في قائمة أحدث أفلامها، أعلنت استوديوهات Mars Films أنها قد تولت مسؤولية توزيع الفيلم في أوروبا.

2019: "المنفى" في أوروبا وتصوير مهرجان ريفكين

بعد الرفض والاستهجان الذي تعرض له وودي ألن في الولايات المتحدة نظرًا لاستهدافه بالاتهامات بالإيذاء والاعتداء الجنسي، لجأ وودي آلن إلى أوروبا، حيث قدم له العديد من الفنانين دعمهم، ولا سيما خافيير بارديم و وكاثرين دينوف  وليا سيدوكس  وإيزابيل هوبيرت  وفريديريك بيغبيدر  مع استمرار دعم بعض الفنانين الأمريكيين له، مثل لوكا غوادانينو Guadagnino، أليك بالدوين، ديان كيتون، جود لو.

في فبراير 2019، أُعلن أنه على وشك تصوير فيلم روائي جديد في هولندا وإسبانيا، تحت لافتة MediaPro25. سيتكون طاقم الممثلين من كريستوف والتز، جينا غيرشون، سيرجي لوبيز، والاس شون، والفرنسي لويس غاريل، وهو أحد المعجبين به بشدة. بدأ التصوير في 10 يوليو 2019 في سان سيباستيان.

 

د. جواد بشارة

........................

* فيما عدا المقدمة والمقابلة التي أجريتها بنفسي مع وودي ألن في الثمانينات  فإن أغلب المعلومات عن الفيلموغرافيا  ومحطات عمل وإبداع وودي ألن مأخوذة من ويكبيديا الفرنسية بتصرف

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4932 المصادف: 2020-03-07 01:38:48