 حوارات عامة

سعدية بن سالم تحاور الأستاذ حسن عجمي حول السوبر مستقبلية

حسن عجميالمفكّر حسن عجمي: السوبر مستقبلية في مواجهة السوبر تخلّف

حسن عجمي، أكاديمي لبناني وفيلسوف مجدّد، وشاعر ينظم عالمه الخاص من خيال وواقع، جمع في رؤيته الكونيّة بين الفلسفة والفيزياء، بحث في الوعي الإنساني وإشكالاته والمخاطر التي تهدّده. انتصر للمعرفة والفلسفة ودعا إلى نقد الماضي والإيمان بالمستقبل ولذلك اتّسمت كتابات صاحب "مقام الراحلين" و"السّوبر حداثة"، بالمستقبل وبما بعد "ما بعد الحداثة".

في هذا الحوار، يكشف حسن عجمي عن مفهومه للفلسفة وعلاقتها بالعلم والمعرفة والحريّة وعن علاقة العربي بالديمقراطية وجملة أخرى من المواضيع.

- يهتم الأستاذ حسن عجمي بالسوبر حداثة فما هي أهمّ ملامح هذا التوجّه الفكري؟

- السوبر حداثة مذهب فلسفي مختلف عن الحداثة وما بعد الحداثة. فالحداثة تقول إنَّ الكون مُحدَّد ولذا من الممكن معرفته بينما ما بعد الحداثة تعتبر أنَّ الكون غير مُحدَّد ولذلك من غير الممكن معرفته. لكن السوبر حداثة تؤكِّد على أنَّ الكون غير مُحدَّد ورغم ذلك من الممكن معرفته من خلال لا مُحدَّديته. وبذلك تجمع السوبر حداثة بين مبدأ لامُحدَّدية العالَم ومبدأ إمكانية الحصول على المعرفة ولذا تختلف عن الحداثة التي تقول بمُحدَّدية العالَم كما تختلف عن ما بعد الحداثة التي تقول باستحالة معرفة الكون كما هو. للسوبر حداثة تطبيقات عديدة أوضحتُها في كتابيْن أساسيين هما كتاب "السوبر حداثة" وكتاب "السوبر حداثة في مواجهة السوبر تخلّف". فمثلاً بالنسبة إلى السوبر حداثة، من غير المُحدَّد ما هو الكون ومما يتكوّن ولذلك تنجح النظريات العلمية المتنوّعة في وصف الكون وتفسيره رغم اختلافها وتعارضها كنجاح نظرية النسبية لأينشتاين القائلة بأنَّ قوانين الطبيعة حتمية ونجاح نظرية ميكانيكا الكمّ القائلة بأنَّ قوانين الطبيعة احتمالية. هكذا تتمكّن السوبر حداثة من تفسير نجاح النظريات العلمية (رغم اختلاف هذه النظريات) وذلك على ضوء لامُحدَّدية الكون فتُوحِّد بين إمكانية المعرفة ولامُحدَّدية العالَم. فالسوبر حداثة تمكّننا من الحصول على المعرفة كمعرفة لماذا تنجح النظريات العلمية رغم اختلافها. المبدأ الأساسي في السوبر حداثة هو أنَّ اللامُحدَّد يحكم العالَم والوجود وإمكانية المعرفة. بالنسبة إلى السوبر حداثة أيضاً، النظام السياسي والاقتصادي الأفضل هو النظام غير المُحدَّد بعقيدة سياسية أو اقتصادية أو دينية معيّنة ما يُحرِّرنا من سجون أية أيديولوجيا مُحدَّدة سلفاً. فاللامُحدَّد يُحرِّرنا من أية معتقدات مُحدَّدة في الماضي ما يجعله يضمن تحقيق إنسانيتنا.

- تهتمّ بالفيزياء وعلاقتها بالوعي، أيّ علاقة تراها؟

- الكون والوعي يُشكِّلان حقلاً وجودياً واحداً لا يتجزأ. فالفيزيائي الكبير جون ويلر يؤكِّد على الدور الأساسي للوعي الإنساني في صياغة الواقع. وهو بذلك يعبِّر عن اتجاه سائد في العلوم الفيزيائية المعاصرة. فنظرية ميكانيكا الكمّ العلمية تقول بأنَّ قوانين الطبيعة احتمالية وليست حتمية على نقيض من نظرية النسبية لأينشتاين. ولذلك بالنسبة إلى نظرية ميكانيكا الكمّ، تتساوى كلّ الاحتمالات الممكنة فيكون الجُسيم كالإلكترون جُسيماً وموجة في آن رغم أنَّ الجُسيم نقيض الموجة. من المنطلق نفسه، تعتبر ميكانيكا الكمّ أنَّ قطة شرودنغر حية وميتة في الوقت عينه لأنَّ احتمال أنها حية (من جراء عدم تعرضها لإشعاع قاتل) يساوي احتمال أنها ميتة (من جراء تعرضها لإشعاع قاتل). وفي النموذج العلمي لميكانيكا الكمّ تصبح هذه القطة إما حية وإما ميتة فقط حين ننظر إليها ونعيها تماماً كما يقول الفيزيائي جون ويلر. هكذا الوعي يصوغ الواقع. بكلامٍ آخر، الوعي يُحدِّد الكون غير المُحدَّد. ولذلك الوعي ضروري الوجود لكي يتحدّد الكون. فالعالَم غير مُحدَّد لكننا نحن مَن نُحدِّده من خلال وعينا. من هنا الوجود الإنساني الواعي ضرورة وجودية لكي يصبح الكون غير المُحدَّد مُحدَّداً. فالإنسان مُحدِّد اللامُحدَّد وبذلك الإنسان بوعيه يبني الكون والواقع. لا كونٌ بلا إنسان ولا إنسانٌ بلا وعي يُنتِج الوقائع الواقعية والممكنة معاً. وعلى ضوء ميكانيكا الكمّ ومبدأ لامُحدَّدية العالَم ما دون الذري تنشأ فلسفة السوبر حداثة وتطبيقها لمبدأ اللامُحدَّد على العالَم ما فوق الذري أيضاً واعتبارها أنَّ المعرفة ممكنة رغم لامُحدَّدية الكون. فاللامُحدَّد الفلسفي يُحرِّرنا بلامُحدَّدية الكون وحقائقه ما يستلزم وجود الدور الفعّال للإنسان في بناء الكون وصياغته.

1532  الفلفسة الانسانوية- كتبتم سابقا "من الخطأ تعريف الكون والعقل والحياة على أنّها مجرّد معلومات فبرامج "كومبيوتريّة" بل الأصدق أن نحلّل المعلومات من خلال مفاهيم الكون والعقل والحياة". لو فسّرت هذه النّقطة أكثر ونحن في زمن الرّبوتيّة؟

- يسيطر اليوم نموذج علمي وفلسفي مفاده أنَّ الكون والحياة والعقل مجرّد كومبيوترات متطوّرة. فمثلاً، يقول الفيزيائي سيث لويد إنَّ كلّ نظام فيزيائي هو عبارة عن عملية حساب للمعلومات تماماً كالكومبيوتر وبذلك الكون كومبيوتر متطوّر يقوم بحساب معلوماته بالذات. أما النقد الفكري الذي قدّمته ضدّ هذا النموذج فهو أنه من الخطأ اعتبار مفهوم المعلومة مفهوماً أولياً لا يحتاج إلى تعريف وبذلك من الخطأ استخدام مفهوم المعلومة لتحليل الكون والحياة والعقل بينما هو مفهوم غامض يحتاج إلى تحليل يُوضِّحه من خلال الكون والحياة والعقل. فإن عرَّفنا الكون والحياة والعقل من خلال أنها معلومات وقعنا حينئذٍ في مشكلة كيفية تحليل المعلومات لأنَّ السبيل الوحيد لتحليل المعلومات كامن في الإشارة إلى الكون وأحداثه فتتغير المعلومات بتغيّر الأحداث. وبذلك يقع النموذج العلمي والفلسفي السابق في الدور المرفوض منطقياً ألا وهو في هذا السياق تعريف الكون من خلال المعلومات ومن ثمّ تعريف المعلومات من خلال الكون. من هنا المنهج الأفضل لتحليل الكون والحياة والعقل هو اعتبارها غير مُحدَّدة تماماً كما تقول السوبر حداثة. فمن غير المُحدَّد ما هو الكون ولذلك ينجح العلماء في وصفه وتفسيره من خلال نماذج علمية متنوّعة ومختلفة كوصفه على أنه كومبيوتر متطوّر أو سمفونية موسيقية (كما في نظرية الأوتار العلمية) أو أنه مجرّد وهم (كما يقول الفيزيائي ليونارد سسكيند). هكذا نجاح النظريات العلمية في وصف الكون وتفسيره رغم اختلافها وتعارضها دلالة على أنَّ الكون غير مُحدَّد ما هو تماماً كما تؤكِّد السوبر حداثة.

- قلتم: "نحن سوبر متخلّفون لأنّنا نرفض العلم والمنطق ونستخدم العلوم من أجل التجهيل". هل خرجنا من العقل المستقيل عند الجابري إلى العقل المجهّل عند عجمي؟

- هذا توصيف دقيق إلى حدّ ما لأنَّ العقل الحاضر عقل سوبر متخلّف بمعنى أنه يُطوِّر التخلّف ولا ينتجه فقط. فنحن افتتحنا عصراً جديداً ألا وهو عصر السوبر تخلّف. ثمة فرق كبير بين التخلّف والسوبر تخلّف. فالشعب المتخلّف لا يُقدِّم شيئاً مهماً للإنسان والحضارة فلا يطوِّر شيئاً ولا يتطوّر بينما الشعب السوبر متخلّف يُطوِّر التخلّف من خلال تقديم العِلم على أنه جهل وتقديم الجهل على أنه عِلم. وبذلك الشعوب السوبر متخلّفة مُنتِجة على نقيض من الشعوب المتخلّفة لكنها مُنتِجة لأدوات تطوير التخلّف من خلال نشر الجهل والتجهيل. ومن آليات سوبر تخلّف مجتمعاتنا آلية استخدام التكنولوجيا لنشر الجهل والفِتَن والحروب. فكلّما يزداد رفض العِلم والتفكير العلمي وتزداد استخدامات التكنولوجيا يزداد تطوّر التخلّف. فالشعوب السوبر متخلّفة تستخدم المنجزات الحضارية لإعلاء رايات الجهل والعنصرية والتعصب. لذا نستغل ما أنجزه الغرب لكي نعزِّز سيادة تخلّفنا الكامن مثلاً في تقديس الماضي وأسياده ما حَتَّم سيطرة الأنظمة الديكتاتورية على مجتمعاتنا وعقولنا وسلوكياتنا أيضاً. ولا نستطيع الانتصار على السوبر تخلّف سوى من خلال السوبر مستقبلية التي تؤكِّد على أنَّ التاريخ يبدأ من المستقبل والسوبر حداثة التي تقول بأنَّ اللامُحدَّد يحكم العالَم ما يتضمن التحرّر من أية معتقدات وعقائد مُحدَّدة سلفاً.

- في مجتمع عربيّ يعاني جزء كبير منه أميّة عميقة، هل يعتقد الأستاذ حسن عجمي أنّ مجتمعا بهذه الصّفة يمكن أن يعِيَ بوجوده، وأن ينجح في الخيار الديمقراطي؟

- الديمقراطية هي حُكم الحقوق الإنسانية كحق كلّ فرد في أن يكون حُرّاً فيما يعتقد ويتصرّف. لكن معظم العرب يعتقدون بأنَّ الديمقراطية هي مجرّد انتخاب لممثلي الشعب. وهذه دلالة على سوبر تخلّفنا فمن الممكن للشعب انتخاب طغاة تماماً كما حَدَثَ في التاريخ ويحدث في معظم الدول العربية. من هنا يستحيل تحقيق الديمقراطية الحقيقية في العالَم العربي بسيادة السوبر تخلّف المتجسّد بتطوير الأميّة والتخلف كاستغلال التكنولوجيا لنشر الجهل والتجهيل. فأميّة المثقف أكثر خطورة من أميّة الجاهل. بكلامٍ آخر، نحن لا نعاني فقط من الأميّة بل نعاني أيضاً مما هو أخطر ألا وهو السوبر أميّة وهي أميّة المثقف الكامنة مثلاً في سوء فهم المفاهيم الحضارية الأساسية كسوء فهم معنى الديمقراطية ودلالتها. والخطوة الأولى للخلاص من عصور السوبر ظلام في عالَمنا العربي تكمن في محاربة السوبر تخلّف والسوبر أميّة من خلال فلسفة السوبر حداثة والسوبر مستقبلية التي تحرّرنا من مُحدَّدية المعتقدات والعقائد كما تحرِّرنا من أكاذيب الماضي وخداعه.

- قلتم إنّ النّظام الدكتاتوري مجموع يقينيات قامعة بالضّرورة لليقينيات الأخرى، فهل نحن أمام دكتاتوريات يخفي أحدها الآخر لا غير؟ وكيف يمكن تجاوز النظم الدكتاتوريّة؟

- بالفعل نحيا بل نموت باستمرار في ظل أنظمة ديكتاتورية سياسية وثقافية وفكرية. فالعديد من الأنظمة التي تدّعي أنها ديمقراطية هي بالفعل أنظمة ديكتاتورية خفية. ومثل ذلك لبنان. فالنظام اللبناني ديكتاتوري بطائفيته. فطغاة الطوائف هم الذين يحكمون في لبنان. لكلّ طائفة دينية طغاة يحكمون طوائفهم ويختزلونها في أنفسهم ويوزّعون الوظائف والمكاسب على أتباعهم فقط ما حوَّل لبنان إلى نظام ديكتاتوري يقمع مواطنيه ويختزلهم إلى مجرّد أعداد في طوائفهم. كما أنَّ أميركا نفسها تختزل فقراءها إلى مجرّد أعداد للتصويت في الانتخابات وبذلك تمارس العبوديّة الجديدة كما يقول الفيلسوف "نعوم تشومسكي" وتمارس الديكتاتورية الخفية. أما الخلاص من الأنظمة الديكتاتورية فيكمن في جعل الحقوق الإنسانية هي الحاكمة للنظام بدلاً من حُكم فرد أو أفراد أو أحزاب. ويتمّ ذلك من خلال ولاية المواطن حيث تتحِّد كل السلطات في أيدي المواطنين كالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ما يمكّن كلّ مواطن من مراقبة ومحاسبة أجهزة الدولة وسلطاتها ومحاكمة الحاكم والمسؤولين في الدولة. فالديمقراطية الحقيقية قائمة على حُكم المواطن واعتباره السلطة العُليا. ثنائية الدولة والشعب ثنائية الطغاة التي تقمع الشعوب بأكاذيبها. من هنا إن زالت هذه الثنائية المخادعة سادت الحريّة الحقيقيّة.

- يهتمّ الأستاذ حسن عجمي بالإنسان ووجوده فما هي أبعاد الوجود الإنساني؟

- الفلسفة الإنسانوية التي دافعتُ عنها في كتابي الأخير "الفلسفة الإنسانوية : العلمنالوجيا والعقلنالوجيا" تقول بوحدة البشر والحضارات والأديان والمذاهب الفكرية والمعرفية. فالفلسفة الإنسانوية تؤكِّد على وحدة البشر بمعنى أنَّ كلّ البشر يشكّلون إنساناً واحداً لا يتجزأ تماماً كما أنَّ كل الثقافات والحضارات تشكّل حضارة واحدة لا تنفصل وكلّ الأديان والمذاهب الفكرية كالمثالية والمادية واحدة في جوهرها. هذه هي أبعاد الوجود الإنساني التي بها يتمكّن الإنسان من أن يرتقي ويتطوّر. فمن خلال وحدة البشر والثقافات والأديان ننجح في تحقيق السّلام الأساسي من أجل تحقيق أية عدالة. فلا حرية ولا مساواة بلا سلام لأنه في زمن الحروب والفِتَن لا تُحترَم الحقوق الإنسانية كحقنا في الحرية والمساواة. وبذلك السلام الذي تدعو إليه الفلسفة الإنسانوية هو الأساس في تحقيق العدالة. فالعدالة الإنسانوية هي تلك التي تتكوّن من السلام والحرية والمساواة. من هنا أيضاً ترفض الفلسفة الإنسانوية الثنائيات كثنائية الأنا والآخر وثنائية المؤمن والكافر لأنَّ هذه الثنائيات مصادر الفِتَن والحروب. أما العلمنالوجيا والعقلنالوجيا فأدوات أساسية من أدوات الإنسانوية الفلسفية. فالعلمنالوجيا أي علم العلمنة تهدف إلى علمنة كل الظواهر من خلال فصلها عن ماهياتها الماضوية ما يضمن تحرّر الإنسان من الماضي من خلال اعتبار الظواهر والحقائق قرارات إنسانوية مستقبلية بينما العقلنالوجيا أيعلم العقلنة فتهدف إلى عقلنة الظواهر من خلال اعتبارها قرارات عقلانية ما يضمن الدور الفعّال للإنسان في إنتاجها. هكذا الفلسفة الإنسانوية ضمانة حرية الإنسان ودوره الفعّال.

- تعتبرون العلم عمليّة تصحيح مستمرّة، فهل ينطبق هذا المبدأ على الأدب والإبداع إجمالا. وهل يمكن الحديث عن نظريّة نقديّة بهذا المعنى؟

- العلوم والفنون والفلسفة والآداب تُشكِّل حقلاً وجودياً وإبداعياً واحداً لا يتجزأ ألا وهو حقل الوجود الإنساني. فالآداب والفنون المختلفة تُعبِّر عن فلسفات وعلوم عصرها والعكس صحيح. والعِلم عمليّة تصحيح مستمرة لأنَّ النظريات العلمية تُستبدَل بشكل دائم بنظريات علمية أخرى كاستبدال نظرية النسبية لأينشتاين بنظرية نيوتن العلمية. فبينما كنا نعتقد مع نيوتن بأنَّ الزمن مطلق وليس نسبياً أمسينا اليوم مقتنعين بقول نظرية أينشتاين بأنَّ الزمن نسبي فيتسارع أو يتباطأ بتسارع أو تباطؤ الأجسام والظواهر المادية. هكذا العِلم يُحرِّرنا من اليقينيات المطلقة فلا يقينيات في العِلم ما يضمن تطوّرنا المستمر. المبدأ نفسه صادق في ميادين الأدب والإبداع الفني. فالآداب والفنون عمليات تصحيح مستمرة ولذلك تتطوّر. فكلّ عمل فني أو شِعري أو نثري عظيم بإبداعه هو بمثابة تصحيح لِما جاء قبله ولذلك يرتقي عما سادَ في الماضي. وهذا التحليل يُشكِّل بالفعل نظرية نقدية تهدف إلى الإرتقاء عن معايير الإبداع الماضوية.

- أيّ دور للفلسفة في نشر المعرفة الإنسانيّة؟

- الفلسفة تُحرِّرنا من اليقينيات غير القابلة للشك والاستبدال. فكلّ قضية في الفلسفة موضع نقاش ونقد ما يضمن لنا أن نتحرّر من مُسلّماتنا الكاذبة. هكذا للفلسفة الدور الأساس في بناء المعرفة الإنسانية ونشرها لأنها عامل جوهري في إنتاج الحرية. فلا معرفة بلا حرية تماماً كما لا حرية بلا معرفة. فالفلسفة تُقدِّم لنا الحقيقة ألا وهي أنه لا توجد حقيقة مطلقة مُحدَّدة ويقينية ما يستلزم التفكير الدائم واستمرارية الأبحاث العلمية والمعرفية وفي هذا فضيلة كبرى. كما تُقدِّم الفلسفة الأسس المعرفية للحقول العلمية والإبداعية كافة لأنها تهدف إلى تعريف المفاهيم الأساسية كمفاهيم العقل واللّغة والمعرفة فالعلماء الكبار كأينشتاين و"ستيفن هوكنغ" هم أيضاً فلاسفة كبار والعكس صحيح. فمثلاً يقول أينشتاين بأنَّ الله لا يلعب بالنرد والمقصود أنَّ قوانين الطبيعة حتميّة فالكون حتمي بينما يقول "ستيفن هوكنغ" بأنَّ الله يلعب بالنرد والمقصود أنَّ قوانين الطبيعة احتمالية وليست حتمية. وهذا الخلاف خلاف علمي وفلسفي في آن. فالفلاسفة والعلماء مختلفون حيال إن كان الكون حتمياً أم لا. أما السّوبر حداثة فتؤكِّد على أنه من غير المُحدَّد إن كان الله يلعب بالنرد أم لا ولذلك الكون حتمي واحتمالي في آن فقوانينه الطبيعية حتمية في عالَم ما فوق الذرة واحتمالية في عالَم ما دون الذرة. هكذا الجدل العلميّ جدل فلسفي أيضاً. العِلم والفلسفة حقل معرفي واحد وهو أساس قيام أية حضارة. فلا حضارة بلا فلسفة وعلوم. وقياس تطوّر الحضارة هو قياس نمو فلسفاتها وتطوّر علومها. الشعوب التي لا تخوض في الفلسفة والعلوم شعوب بائدة.

- هل يعتقد الأستاذ حسن عجمي أنّ المجتمعات العربيّة قد أدركت المعرفة الإنسانوية؟

- المجتمعات العربية مسجونة بالسوبر ماضوية التي تُحتِّم سيادة الانغلاق ورفض الآخر وحُكم الأنظمة الديكتاتورية وحُكم الجهل والتجهيل. المجتمعات العربية سوبر ماضوية بامتياز لأنها تعتمد فكرة أنَّ التاريخ يبدأ من الماضي ويتجه نحو الماضي وينتهي فيه وأنَّ المستقبل ليس سوى وجوه مشوّهة لماضٍ ذهبي مُقدَّس لا يتكرّر. لذا تسجننا المجتمعات العربية بعقائدها وسلوكياتها الماضوية فيغيب المستقبل كلياً عن الحضور وتغتال عقولنا ومشاعرنا من جراء سيادة الماضي وتقديسه. على ضوء هذه الاعتبارات، المجتمعات العربية لم تدرك المعرفة الإنسانوية القائمة على التحرّر وسيادة المستقبل بل هي قاتلة للمستقبل ولإنسانيتنا من خلال قمعنا بيقينيات الماضي وقدسية هوياتنا الماضوية. المعرفة الإنسانوية تُحرِّرنا فتحقق إنسانيتنا لكونها خالية من اليقينيات المخادعة التي تؤدي لا محالة إلى التعصب والفِتَن. لكن مجتمعاتنا العربية مبنية على اليقينيات الكاذبة كيقين أنَّ الماضي أرقى حضارياً من أي مستقبل جديد وممكن من جراء تقديس الماضي ورموزه. المعرفة الإنسانوية هي التي تُؤسِّس للسلام من خلال تأكيدها على أنَّ فقط المعتقدات التي تبني السلام هي التي تشكِّل معرفة حقيقية كالاعتقاد بأنَّ كلّ البشر يشكّلون إنساناً واحداً لا يتجزأ. فالمعرفة قرار إنسانوي يُتخَذ على ضوء القِيَم الإنسانية كقِيَم الحرية والسلام والمساواة. أما المجتمع العربي فيُقدِّس المعارف الماضوية التي تميِّز بين الأنا والآخر ما جعله مجتمعاً رافضاً للإنسانوية ومعارفها.

- يذكر الأستاذ حسن عجمي في "السّوبر مستقبليّة" أنّ التاريخ يبدأ من المستقبل. لو تفضلتم بتوضيح هذه الفكرة.

- بالنسبة إلى السوبر مستقبلية، التاريخ يبدأ من المستقبل وبذلك تُعرِّف الفلسفة السوبر مستقبلية المفاهيم والظواهر من خلال المستقبل. من هنا تعتبر السوبر مستقبلية أنَّ الحقيقة قرار علمي في المستقبل بينما المعنى قرار اجتماعي في المستقبل. وبذلك تُعرِّف الحقائق والمعاني من خلال مفهوم المستقبل ما يجعلها ظواهر مستقبلية لا تتحقق سوى في المستقبل على ضوء قراراتنا العقلانية والعلمية والإنسانوية. للفلسفة السوبر مستقبلية فضائل معرفية عديدة منها أنها تضمن حريتنا فتضمن بذلك تحقيق إنسانيتنا. فبما أنَّ الحقائق والمعاني قرارات عقلانية في المستقبل، إذن الحقائق والمعاني ليست متحققة في الماضي ما يضمن التحرّر من الماضي وسجونه. والمقصود بأنَّ التاريخ يبدأ من المستقبل هو تحليل الظواهر والحقائق كافة من خلال المستقبل فتحويلها إلى ظواهر مستقبلية قادرة على تحريرنا وتحقيق إنسانيتنا الكامنة في الحرية. بالإضافة إلى ذلك تملك السوبر مستقبلية فضائل معرفية أخرى كفضيلة ضمان استمرارية البحث المعرفي والعلمي بفضل اعتبار أنَّ الظواهر كافة ومن ضمنها الحقائق والمعارف ليست سوى ظواهر مستقبلية لا تتحقق سوى في المستقبل ما يستلزم استمرارية البحث عنها.

- تشهد البلاد العربيّة حراكا شعبيا ملفتا (لبنان، الجزائر، العراق..)، ما قراءة المفكّر حسن عجمي لما يحدث؟

- المُحرِّك الأساسي للتاريخ هو العدالة المُعرَّفة بالقِيَم الإنسانية كقِيَم الحرية والسلام والمساواة. لذلك تهدف كلّ المجتمعات ويهدف كلّ إنسان إلى تحقيق العدالة الأقصى والعُليا. فلا تتحقق إنسانية الإنسان بلا تحقيق العدالة من خلال احترام الحقوق الإنسانية كحق كلّ فرد بالتمتع بالحرية والسلام والمساواة. فغاية الإنسان تحقيق إنسانيته. وبذلك غايته تحقيق العدالة لأنَّ من دونها يفقد الإنسان إنسانيته. من هنا الثورات العربية متوقعة وطبيعيّة لكونها تسعى إلى إحلال العدالة الحقة وتحقيق إنسانية الإنسان العربي. وهي بذلك ثورات على ضوء المُحرِّك الأساسي للتاريخ ألا وهو السّعي نحو تحقيق العدالة وتطويرها. مجتمعاتنا تقتل إنسانية الإنسان لأنَّ العدالة فيها غائبة. ولذا من الطبيعي أن تنشأ الثورات ويولد الحراك الشعبي في عالَمنا العربي من أجل استعادة إنسانيتنا الحقة والحقيقية من خلال بناء دول ومجتمعات مبنية على ضوء مبادىء العدالة كمبدأ الحرية ومبدأ المساواة أمام القانون ومبدأ المساواة الاجتماعية والاقتصادية. ومن المستحيل أن تنجح هذه الثورات في الانتقال بنا من حُكم الطغاة إلى أنظمة ديمقراطية سوى من خلال قبول العِلم والتفكير العلمي والمشاركة في إنتاج العلوم لأنَّ العِلم خالٍ من اليقينيات التي لا تقبل الشك والمراجعة والاستبدال والتي بدورها تسجننا وتؤدي بنا إلى رفض الآخرين ما يناقض أي نظام اجتماعي ديمقراطي. بالعِلم ننتصر وبالعِلم نحيا.

 

حاورته: سعدية بن سالم

 (أكاديمية وأديبة وصحافية تونسيّة)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5014 المصادف: 2020-05-28 13:05:13