 حوارات عامة

حوار مع شاعر الهايكو والناقد المغربي عبد الرحيم بن سعيد

1573  عبد الرحيم بن سعيدفاديا سلوملشعر الهايكو فضل كبير في تقريب الشعراء بين مشرق الوطن العربي ومغربه شاعرنا اليوم هادئ صامت.. العمل الجماعي ديدنه وحب المساعدة للآخرين هدفه يكتب الوجع قصائد تعكس روحه الطيبة . أرحب بالصديق المغربي الشاعر والباحث عبد الرحيم بن سعيد:

1- بداية أتمنى أن نعرف أكثر الأستاذ عبد الرحيم بن سعيد: الإنسان.. المهنة.. كيف تمضي أوقاتك...

- عبد الرحيم بن سعيد من مواليد سنة 1970 بمدينة صغيرة في شمال غرب المغرب تسمى سيدي قاسم نسبة لولي صالح مدفون هناك. متزوج لي 4 أبناء. مهنتي أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي تخصص لغة فرنسية. شاعر وباحث وفاعل حقوقي. كاتب عام سابق لجمعية محلية وعضو سابق في المكتب التنفيذي لجمعية المدونين المغاربة. صدر لي ديوان شعر ورقي باللغة الفرنسية سنة 2010 تحت عنوان Reflets (انعكاس). حاليا أحضر رسالة دكتوراة حول الهايكو المغربي من خلال ديوانين لشاعرين مغربيين كما شاركت في العديد من الملتقيات في المغرب وخارج المغرب.

2-  بحركة فضولية مني في صفحتك الفيسبوكية اكتشفت أن الشاعر عبد الرحيم بنسعيد مهتم بقضايا الإنسان ومدافع عن حقوق المظلومين وخاصة قضية فلسطين ,, ما مدى بعد الأديب عن قضايا مجتمعه سياسية كانت أم اجتماعية؟

- عبد الرحيم بنسعيد عضو نشيط منذ عدة سنوات في منظمة العفو الدولية فرع المغرب. فالشأن الحقوقي من اهتماماتي اليومية والحياتية. قضايا الأمة العربية وبالأخص القضية الفلسطينية ليست حكرا على ذوي الاختصاص من محللين سياسيين وحقوقيين هي همنا جميعا كل من موقعه والشاعر غير مستثنى بطبيعة الحال. فلسطين في وجداني منذ صغري ولي عشرات القصائد باللغة الفرنسية حول فلسطين. فهي قضية العرب والمسلمين الأولى بامتياز. الهايكو جسر إبداعي أيضا لجمع المبدعين على القضايا الحقوقية أيضا وعلى رأسها فلسطين الحبيبة.

3-  تحدث الكثيرون عن شعر الهايكو وكلٌ أدلى بدلوه وتشكلت لدينا الكثير من الآراء. ماذا تضيف لنا شاعرنا من خلال أبحاثك؟

- أعتقد أن الهايكو تجاوز مرحلة التقبل في بيئتنا العربية رغم قصر عمره مقارنة مع المجتمعات الغربية. الهايكو الآن نمط شعري قائم بذاته. الرهان المستقبلي أراه سينصب حول القضايا الكبرى للهايكو وأقصد بذلك البحث والنقد في هذا المجال الذي لا يزال ضعيفا مقارنة مع الإبداع ثم القواسم المشتركة بين الهايكو والفنون الأخرى. أذكر على سبيل المثال لا الحصر السينما والهايكو ففي فرنسا مثلا منذ خمس سنوات يقام مهرجان Cinéhaiku وهو مهرجان دولي. ففي عالمنا العربي، لازلنا لم نفتح الهايكو على الأصناف الإبداعية الأخرى مما يجعل قاعدته الشعبية لازالت ضعيفة. الهايكو يحتاج منا تسويقا لهذا المنتوج الفكري الجميل أيضا وتبسيطا حتى يقتحم عالم المواطن العادي والتلميذ والطالب... ولكي لا يبقى حكرا على الشعراء والأدباء. ولقد خصصت في هذا الحوار ركنا للحديث عن بعض التأملات النقدية .

4-  كنت المنسق لمسابقة وهج الهايكو على نور البرايل لعامين متتاليين ماذا تحدثنا عن ذلك؟

- مسابقة الهايكو والبرايل هي مسابقة عالمية ستكون في الشهور المقبلة في نسختها الرابعة بالفرنسية والثالثة بالعربية. المشرف على هاته المسابقة الدكتور جويل هاردي عن جمعية ثقافة الفن الفرنسية كما أن من بين محتضني هاته المسابقة وموثقي انشطتها متحف لويس برايل بمدينة كوبفراي بفرنسا. فكرة المسابقة نبيلة إنسانية تنفتح على عالم الكفيف وذلك بالمشاركة في الثنائي بين كفيف وغير كفيف يتقاسمون جميعا عبر الهايكو والشعر ذاك الإحساس الجميل بالمشاعر الصادقة والأخوة بعيدا عن الشفقة المذلة. وللمسابقة صيغ أخرى كالمشاركة المنفردة مع التركيز على تيمة الحواس عموما. في الصفحة المخصصة لهاته المسابقة حاولت في البداية استضافة العديد من الهايكيست العرب والمهتمين ثم قمت بتكوين لجنة تحكيم للإشراف على المسابقة في صيغتها العربية وذلك بالانفتاح على بعض النوادي كنادي الهايكو العربي ونادي هايكو مصر. في هذه السنة، انتقلنا إلى مرحلة التكوين وهاته سابقة رائعة حيث قدمت المبدعة فاتن أنور مشكورة دروس تكوينية لفائدة أطفال أكاديمية المكفوفين بعمان بالأردن حول الهايكو وكانت الحصيلة ديوان جميل للهايكو من إنجاز أطفال هاته المؤسسة. أملنا في تطوير هاته التجربة في السنوات المقبلة وذلك بتظافر جهود الجميع. والباب مفتوح لكل اقتراح جميل يدعم هاته المسابقة ويسمو بها.

5-  شاركت في الكثير من الصحف العالمية والعربية ...ماذا أضاف لك هذا؟

- هذه التجربة أعتبرها فارقة في مساري الأدبي لما تكتسيه من بعد إنساني أولا وإبداعي ثانيا وساهمت بشكل كبير في مد جسر التواصل بين مبدعين فرقتهم الحدود الجغرافية وألف بينهم الهايكو. المشاركة أيضا في تلك المسابقات هي مناسبة للتواصل العلمي والفني وفرصة لصقل الموهبة فالهايكو تمرين أيضا ومختبر لغوي جميل للإبداع ونثر الجمال ومواكبة الجديد في عوالم الهايكو المتنوعة والانتقال بالهايكيست من الشاعر المحلي إلى الشاعر الكوني. لكن أحيانا أرى ذلك تكليف إذ أجدني العربي الوحيد المشارك لذلك من حين لآخر أحاول اقتراح مشاركات لبعض المبدعين والمبدعات العرب وذلك من خلال إخبارهم وتحفيزهم للمشاركة أو من خلال ترجمة نصوصهم لتتوافق مع شروط المسابقة. ولعل ما يثلج الصدر هناك دوريات لمجلات عالمية مرموقة حول الهايكو أصبحت بحمد الله مألوفة حتى لدى بعض المبدعين والهايكيست العرب أذكر على سبيل المثال لا الحصر مجلة Ploc الفرنسية ومجلة The Mamba الغانية وكذا الدوريات المتعددة لجامعة الهايكو اليابانية Haïku Column.

6- حفلات إشهار الكتب هل هي ظاهرة موضة العصر؟

- الترويج للكتاب لطالما تعددت أشكاله ومن حسنات شبكات التواصل الإجتماعي أنها توفر الوقت والجهد للإعلان عن الإصدارات الجديدة وتضمن انتشارها على أوسع نطاق لا ضير مادام ذلك يحقق الغايات الإبداعية السامية المنشودة .

7-  تتشكل القصيدة من وجدان الشاعر.. كيف يتشكل وجدان الشاعر وأخيلته برأيك؟

- الشاعر حمولة مشاعر وتشكل هذه الحمولة تراكمي بامتياز منذ منشئه الأول يستقيها من وسطه ومن علاقته بالطبيعة ومن علاقاته الاجتماعية ومن اهتماماته وميولاته وحتى من آلامه وإحباطاته وكل هذا وذاك يصبه في قالب إبداعي جميل يدعى قصيدة. أما فيما يخص قصيدة الهايكو فهي بناء شعري جميل يتسم بالخفة والانسيابية والعفوية والهشاشة. ما يميزها عن الشعر القصير هي الدهشة في السطر الأخير. تلك الهشاشة التي تجعل الهايكو مرهفا فأحيانا نحمل الهايكو في العديد من النوادي ما لا يطيق فالهايكو ليس انفعاليا او بيانا سياسيا فهو يطبخ على نار هادئة. كما لا ينبغي استسهال كتابة الهايكو فرغم قصره وقلة كلماته فهو صعب المراس ويندرج في كتابات السهل الممتنع.

8- كيف تلتقط مشهدك في قصيدة الهايكو؟

- أنا لا ألتقط مشهدي في الهايكو، الهايكو حاضر في وجداني وكلما سنحت الظروف وجادت قريحة الهايكو علي أدوّن شعوري وإحساسي، سلاحي قلم وورقة. أحيانا يوقظك الهايكو في منتصف الليل لمشهد جميل إذن هو الذي يدعوك وما عليك إلا مجاهدة النفس وترك الفراش الوثير الدافئ لتكون مع الإبداع للحظة خلوة جمالية قلّ نظيرها وعطاء فني لا مثيل له. تلك اللحظة لم تخترها أنت وكلمات إن تفلتت لن تلتقطها في اليقظة. هذا وصف لحال من أحوال الهايكيست. فالهايكو خصوصا والشعر عموما هو الذي يختار الزمان والمكان والموضوع بدلا منك ويلح عليك بل يؤرقك في كثير من الأوقات حتى تكتبه. قد تصادفه في طريقك إلى العمل أو في خلوة مع ذاتك أو في حديقة أو من نافذة أو في مجمع أصدقاء. فهو دائم الحضور في وجدان الهايجن .

9- هل الكتابة لعنة يصاب بها الأديب أم هي ورطة كما يحلو للبعض أن يسميها؟

- الكتابة هي ذاكرة الإنسان منذ وجوده فوق اليابسة. هي حالة صحية وهي تعبير عن حيوية المجتمع. هي أيضا إحساس نبيل لتقاسم المشاعر مع الغير، هي انتفاضة للتعبير والتغيير عند البعض، هي كذلك متعة ذاتية وضرورة حياتية عبد البعض الآخر. الكتابة أيضا ورطة جميلة إن صح التعبير، هي حمى لذيذة من أدمنها فقط يعي ذلك ويتمنى أن يلازمه ذاك الشعور للأبد.

10-  ما رأي شاعرنا في قضية الجرأة في نصوص الهايكو (الأيروتيك)؟

- شخصيا أنا لست ضد هذا اللون الهايكوي شريطة ألا يتم التصريح بكلمات تخدش الحياء العام بحكم منظومة القيم التي ينضوي تحت لوائها الكتاب العرب. علاوة أنه من أسس كتابة الهايكو التلميح دون التصريح، والإشارة دون الخوض في التفاصيل لهذا هناك من يسمي الهايكو بفن التلميح l’art de la suggestion. لهذا إن أوغرنا في الجرأة في النصوص الإيروتيكية فلن تكون بهايكو وقد نسميه آنذاك شعر قصير.

11-  مارأيك حول ظاهرة كثرة نوادي الهايكو؟

- ظاهرة تفريخ نوادي الهايكو هي ظاهرة صحية إن توفرت في النوادي شروط التنوع والاستمرارية والإدارة الرشيدة والإبداع والابتكار. لكن للأسف هناك نوادي تفتقد لذلك. أظن أنه لا جدوى من فتح نادي دون دراسة رصينة قبلية وإشراك طاقم إداري مهم والتوافق حول آليات العمل لإنجاح المشروع، أما تأسيس نادي فقط كرد فعل لإقصاء أو عدم انسجام فهذا لن يؤدي الغرض المنشود. حسب رأيي المتواضع أظن أن النادي هو ملاذ للإبداع الجميل وفسحة للابتكار والتدريب، لهذا ينبغي أن تكون لكل نادي بصمة خاصة ولو عبر نشاط أسبوعي بقيمة مضافة وجودة عالية.

12-  بعض التأملات النقدية في عالم الهايكو:

- ليس كل ما يكتب يمكن تحويره لهايكو. انتبه واحترم الأجناس الأدبية الصغيرة. فالشذرة شذرة، والخاطرة خاطرة، والشعر القصير شعر قصير، والهايكو هايكو.

- ليس كل الهايكو يترجم. فالترجمة أحيانا قد تفقد الهايكو بريقه. شخصيا أكتب الهايكو بلغتين لكني لا أختار لغة الهايكو التي سوف اكتب بها من البداية. فالهايكو هو الذي يفرض لغة الإبداع.

- اضبط القواعد لكن لا تهتم بها أثناء كتابة الهايكو. فربما قد يصدر منك هايكو مناف لكل القواعد. اقبله.

- الإبداع يتحسن بالقراءة وبالبحث والنقد هي عوالم متكاملة وليست متناقضة.

- سافر عبر نوادي الهايكو المختلفة وخذ الأجمل، فالنحلة تعطينا عسلا صافيا بسفرها عبر أزهار مختلفة.

- اقرأ دون تبنّيك لكتابة معينة من شخص ما. ابحث عن بصمتك. فالهايكو فن محلي أيضا يتأقلم مع كل العوالم الإبداعية. فلكل كاتب بصمته، ولكل بلد حلّته. - اهتم بالدهشة في كتابتك لتنجو بالهايكو من فخاخ الشعر القصير. ما أكثرها تلك الفخاخ !

13- لم يبقَ لي إلا أن أختم هذا الحوار بما يجود به قلمك كرسالة لمن يحب أن يقرأ لك والشكر لك على رحابة صدرك . دمت بخير.

صراخ بائع

يمينا كل العيون تتفرس

بطيخة.

*

منتشيا بقطعة سكر

دبور يحاصر

قهوتي

*

رياح قوية

تستهدف جل الاتجاهات

لكمات الكفيف

*

في انتظار بائع السمك

دون تنسيق

تجتمع قطط.

*

يوم عاصف

تختبئ فوق الأرجوحة

وريقات متساقطة.

*

أواخر أيام الحجر

حول الأعناق

تستقر كمامات.

*

جلسة هايكو

أترصد اللقطات

وسط الضجيج.

*

رياح شرقية

تلهب صيف الحصادين

أكوام سنابل.

*

جواز السفر في اليد

الدموع أثقل

من الأمتعة.

*

حجر صحي

الأحياء مكتظة

بالفراغ.

*

عتبة الشباب

تتراقص أفكار وأفكار

خارج النص.

*

رياح باردة

يترقب غيوم السماء

نهر جاف.

*

صقيع

دون إشعار

ترتعد مفاصلي.

*

مصلى

خلف الإمام تصطف

حفنة لصوص.

***

وفي الأخير لا يسعني إلا أن أقدم موفور الشكر لنادي الهايكو العربي على هذه المبادرة الطيبة. بوركت جهودكم القيمة أيها الكرام. كما أرسل شكر خاص للأستاذة فاديا سلوم على أسئلتها الوجيهة وجهودها الكبيرة للدفع بهذا النادي قدما إلى الأمام.

وأنا بدوري أشكرك أستاذ عبد الرحيم حوار هام جدا ضم الكثير من الفائدة .

إلى لقاء

***

حاورته: فاديا سلوم

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك سيدتي على هذا الحوار الشيق، وشكراً للشاعر عبد الرحيم بن سعيد على اجوبته الجميلة.

ياسين الخراساني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5036 المصادف: 2020-06-19 03:52:23