omaymaezadinأميمة عز الدين واحدة من الكاتبات المتألقات في سماء الأدب المصري اليوم، فهي حاصلة على ماجستير إدارة الأعمال عن جامعة قناة السويس. سردها القصصي والروائي يمس قضايا جوهرية ومصيرية والذي يتسم عموما بالاختلاف والتجريب من خلال منجزها الأدبي المتعدد الأجناس، وقد صدر لها مؤخرا مجموعة قصصية تحت عنوان "يحلم بالموت" (2016) عن دار ألف ليلة وليلة، حيث تدور أجواءها حول العشق والموت.

هنا تفتح لنا صاحبة رواية "الكاتبة" (2013)، " وقصص "طرقات المحبة" (2011)  وكتاب الأطفال "أنفي كبير" (2011) بابها مشرعا للحوار كما يلي:

 

بعيدا عن الساحة الأدبية والثقافية: من هي أميمة عز الدين؟

- أم وإنسانة مصرية مازالت تحلم.

 

أنت قاصة وروائية وكاتبة لأدب الطفل، في أي هذه التعابير الأدبية تجدين نفسك أكثر؟

- لا تستطيع الفصل بين ما تريده في مسألة الكتابة وتقسيم وتصنيف ما تكتب، الكاتب يكتب ما يشعر به وأيضا ما يحفزه للكتابة، لا يخضع للتقسيم والتصنيف وقتها، غير أن القصة القصيرة مازالت أقرب لقلبي رغم أن بدايتي روائية من خلال روايتي (الحرير المخملي) عن دار الحضارة بالقاهرة 2007 ولقد طبعتها دار الكفاح بالسعودية الطبعة الثانية سنة 2015

 

ما هي أهم القضايا المهمة في قصص أميمة عز الدين عموما؟

- الإنسان بكل تناقضاته وأحلامه، حتى العبث الذي يغلف حياتنا ويظهر لنا في صورة حروب ونزاعات يصبح شاغلا ومحركا للخيال.

 

هناك من يقول أنه لم يعد للقصة صدى لدى القارئ وهو يميل للروايات أكثر، فما تعليقك؟

- زمن الرواية، تلك المقولة التي أصبحت قالبا يستدل به على رواج الكتابة الروائية، مازالت القصة القصيرة تشغل حيزا كريما لدى القارىء لكن دور النشر هى التى تروج لما تظنه أكثر انتشارا.

 

صدر لك حديثا مجموعة قصصية تحت عنوان "يحلم بالموت"، حدثينا عن هذه التجربة المختلفة في سطور؟

- قصص تتحدث عن الموت والحياة، كما قلت سابقا لا أحد ينجو من الموت، ولا الحياة أيضا، نعيش حياة مقدرة بعمر وفى خلال هذا العمر نحلم ونحزن ونبكي ونفرح قليلا أيضا.

 

ما هي قصدية عنوان هذه القصص يا ترى؟

- العنوان لم يكن قصديا، فلقد اتفقت عليه مع الناشر وهو بالمناسبة كاتب روائي (عبد النبي فرج) في البداية كان الاختيار على عنوان آخر لكن بعد القراءة مرة بعد مرة والمناقشات وجدنا أن (يحلم بالموت) يعبر عن الحالة العامة للمجموعة وهي تيمة الفقد والعجز.

 

حدثينا عن تجربتك الروائية المختلفة في عملك الأدبي "الكاتبة" و"نصف ساعة بالممر"؟

- رواية (الكاتبة) تجربة مختلفة تماما عن (نصف ساعة بالممر)، فالشخوص والحالة الروائية مختلفة، فالأولى تتحدث عن كاتبة تعيش أواخر عمرها وحيدة تجتر ذكريات حياتها ومراحل تطورها ككاتبة، أما نصف ساعة بالممر فهي ترصد فتاة تتميز بجمال طاغ مع سذاجة غير عادية تورطها في مشاكل كبيرة.

 

روايتك الموسومة "الحرير المخملي" تحتفي بتعدد الأمكنة، فماذا عن شخوصها باختصار؟

- تتحدث عن موت الجد الذي يسيطر على البيت الكبير، الراوية عائشة فتاة صغيرة لكنها ذكية بما يكفي لملاحظة ما يدور حولها وتدوينه بل نقضه أيضا رغم تعرضها لتجربة زواج مريرة غير متكافئة.

 

لك العديد من الكتابات في أدب الطفل، فهل أنت راضية عن هذه التجربة؟ وكيف ترى أميمة عز الدين مستقبل الطفل العربي؟

- الكتابة للطفل شغف مختلف بالكتابة لكائنات صغيرة أكثر ذكاء منا وحياة، متمردة وطاغية في كل شيء. أحببت الكتابة للطفل كثيرا وهذا النوع يتطور بصورة مذهلة ورائعة فالوطن العربي يزخر بالعديد من كتاب وكاتبات أدب الطفل.

 

شاركت في العديد من المسابقات الأدبية ونلت العديد من الجوائز، فما قولك؟

- الجوائز تشجيع للكاتب، لا أحد ينكر هذا، لن ندعي ترفعنا عن الجوائز وسعادتنا بالحصول عليها.

 

هل أنصفك النقد؟

- لا، لم ينصفني النقد لابتعادي عن الوسط الثقافي.

 

كلمة ختامية للقارئ؟

- القارئ، أتمنى أن تصل كتاباتي إليه وينقدها، فالكاتب لا يشعر بسعادة حقيقية إلا حينما يشعر أن كتابته قد وصلت للقارىء الذى يتلهف لقراءة كتبه.

 

 

asmaajamalأسماء جمال كاتبة مصرية شابة، خريجة كلية العلوم قسم كيمياء من جامعة حلوان، متعددة النشاطات الأدبية والثقافية حيث عملت كمحررة في مجلة "كلمتنا" ومجلة "ندى الأيام" الإلكترونية، كما عملت كمدير لموقع البوسطجي ومعدة برامج شخصيات على راديو الساقية، وقد صدر لها حديثا كتاب "الخادمة" عن دار أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي والذي سيكون حاضرا ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي في مطلع عالم 2017، ومن هنا كان لنا معها الحوار الآتي:

أولا.. كيف تقدم أسماء جمال نفسها للقارئ؟

- هوايتي الأولى والأخيرة هي الكتابة وكوني مازلت ممسكة بقلمي فهذا  يعني أني مازلت أتنفس وأملك شيئاً في هذا العالم.

كيف راودتك فكرة خوض مجال الكتابة خصوصا أنك متخصصة في مجال الكيمياء؟

بدأت الكتابة وعمري تسع سنوات من خلال موضوعات التعبير المدرسية، ثم بدأت أكتب خواطر وأشعار وكانت بدائية تتناسب مع مشاعري الطفولية حينها .. وكان التحاقي بالكلية يتناسب مع مجموعي الدراسي ولا يتناسب مطلقاً مع هوايتي وما أحبه، وبعد تخرجي منها بحوالي ثلاث سنوات قررت أن أمارس ما أحبه وكنت خلال هذه الفترة قد انقطعت عن الكتابة أيضاً فبدأت أكتب من جديد .

 

بمن تأثرت من الأدباء في بداياتك؟

- لو بدأنا من الطفولة فأشعار نزار قباني كانت مصدر الإلهام بالنسبة لي ثم تعلقي الشديد وقتها بالشعر الجاهلي والأموي والعباسي، وكانت أول قراءاتي للكاتبين الكبيرين إحسان عبد القدوس و توفيق الحكيم .

 

لك العديد من النشاطات الأدبية والثقافية، حدثينا عن هذه التجربة المتنوعة باختصار؟

 - بدايتي الفعلية كانت من خلال مجلة كلمتنا وفي هذا المكان تعلمت الكثير وساعدني كثيراً في تطوير ما أكتبه ثم توالت مشاركاتي على صفحات مجلات أخرى وجرائد ومواقع الإنترنت.

 

أيمكننا أخذ نبذة بسيطة عن باكورتك القصصية الموسومة "قادين" ذات الحس الأنثوي؟

- (قادين) مجموعة قصصية عبارة عن 16 قصة قصيرة منها:

"لم يمضِ العمر بعد ، لن يعود ، فأحبت ، أرجوكِ لا تفقدي عقلك ، أخيراً سأرحل" .

تناقش القصص قضايا وحكايا مختلفة بطلتها امرأة عدا قصة "قادين" بطلها رجل ، تتجسد في كل حكاية قضية وما تعيشه الأنثى من ضغوط ومشاعر متناقضة وكيف تقرر في كل قصة مصيرها .

 

ما هي قصدية عنوان هذه القصص يا ترى؟

 - قادين تعني امرأة التركية فجاء العنوان مناسباَ لما يتناوله الكتاب.

 

من سيقرأ هذه المجموعة سيجد حضورا قويا للمرأة، فهل تحتاج القصص دائما لحضورها كي تقول المختلف في نظرك؟ وماذا عن دور الرجل فيها؟

- كوني أنثى فهذا يدفعني دفعاً للكتابة عن المرأة خصوصاً وأنه أول أعمالي، وفي الحقيقة  الكاتبات يواجهن في عالمنا العربي انتقاداً لاذعاً بسبب كتاباتهن عن قضاياهن بالرغم من تشدق الكتاب الرجال أنفسهم بمشاعرها وحياتها  ويولونها اهتماماً كبيرا في قصصهم وكتاباتهم .

والرجل هو المحرك الأساسي لكل القصص وقصة "قادين" بالأخص تتعمق داخل أحاسيس ومشاعر الرجل بشكل كبير .

 

 

ماذا تستشرفين في أفق القصة القصيرة حاليا في مصر والوطن العربي؟

- رغم تميز هذا النوع الأدبي وصعوبته خصوصاً إذا كتبت القصة القصيرة كما يجب أن تكون لكنها لا تنال اهتماماً كبيراً كما تستحق كما أن معظم الكتاب يعتبرون أن الرواية هي التطور الطبيعي للقصة القصيرة، فبالتالي يضعونها في مرتبة أقل من الرواية وهذا خطأ كبير لأن القصة القصيرة نوع أدبي والرواية نوع أدبي آخر ..

 

صدر لك حديثا كتاب في فن المقامة الأدبية تحت عنوان "الخادمة" عن دار أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي، حدثينا عن هذه التجربة المختلفة في سطور؟

- ترددت كثيراً في نشر هذا الكتاب لأنه مختلف عما هو متداول وما ينشر الآن حيث تطغى الرواية، ولكن التنوع الأدبي مطلوب بالتأكيد خصوصاً وأن هذا الفن اندثر منذ زمن فوجب علينا إحياؤه من جديد ..

والكتاب عبارة عن 15 مقامة أدبية تتناول كل منها موضوع مختلف وتنتهي بمثل شعبي أو حكمة وتجمع بين الفصحى والعامية.

 

 

هل من الممكن أن تخوض الكاتبة أسماء جمال تجربة الكتابة الروائية قريبا؟

- بالفعل أكتب الآن أول رواية لي .

 

ما هو مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟

- عرفت الكثير عن الجزائر من خلال قراءاتي للأدب الجزائري حيث يطغى عليه تفاصيل حياة الجزائريين وأيام الاحتلال الفرنسي والكلام الكثير عن التطرف الديني ، أحببت "طوق الياسمين" لواسيني الأعرج و"ذاكرة الجسد" ، "فوضى الحواس" لأحلام مستغانمي .

 

ما رأيك في موجة مواقع التواصل الاجتماعي، وهل تساهم في متابعة القارئ للإنتاج الأدبي؟ وماذا عن وظيفة الناقد؟

- في رأيي مفيدة جداً للقارئ والكاتب على حد سواء .. ولا يوجد ناقد أدبي بالمعنى الصحيح والكتاب الكبار لا يتابعون أعمال الشباب من الأساس .

 

حاورها: عبد القادر كعبان - الجزائر

 

majedsleemanما بين روايته "طيور العتمة" الصادرة سنة 2014 ومسرحيته الموسومة "وليمة لذئاب شرهة" التي صدرت عام 2016، للمبدع السعودي ماجد سليمان مسيرة إبداعية متميزة اختلفت أجناسها الأدبية ما بين الشعر والقصة والسيرة والمقالة والسينما وأدب الأطفال وغيرها. تبدى في إصداراته المتنوعة سمة الوعي الثقافي والسياسي والاجتماعي في شكل جديد لما هو سائد ومغاير في وطننا العربي، أين يبزغ الرمز في كتاباته بوضوح مهيمنا على أفكاره وتصوراته التي لا تخلو من الحس الإنساني، ومن هذا المنطلق فتحنا معه الحوار الآتي:

القارئ المتتبع لمسار السعودي ماجد سليمان يستوقفه حضوره المتعدد في مجال الشعر، القصة، الرواية، المسرح، أدب الطفل، السيرة، المقالة، السينما والرسم...، فما سر هذا التعدد؟ وأين تجد نفسك حاضرة بشكل كبير تحديدا؟

- الثقافة الواعية ولأكون أكثر دقة (الأديب الواعي) هو الذي يتعمق في اتجاهات الأدب بحب وشغف، طبعاً رغم كل هذا إلا أنه شاء أو أبى سيكون مكثّفاً في منطقة واضحة للجميع، ناهيك أن القالب الإبداعي هو من يفرض نفسه على كاتبه، الأدب شعراً ونثراً هو منطقة خصبة لتفكيري وتبصّري وتأمّلي رغم ميولي للنثر ولأكون أكثر دقة أيضاً (السرد) لذا أجد نفسي تتمركز غالباً في الرواية أو السيرة، قراءة وكتابة، لعل اتساعها وقدرتها على استيعاب التفجر الإبداعي أكثر مرونة من بقية الأجناس.

 

لماذا اخترت "وليمة لذئاب شرهة" عنواناً لمسرحيتك الصادرة عن مؤسسة الانتشار العربي سنة 2016م وما هو مدلول هذه التسمية عندك؟

- (المسرحية رواية استبدلت السرد بالحوار) لا أذكر صاحب هذا القول، لكنه التصق بذاكرتي لأنه مقنع جداً .. (وليمة لذئاب شرهة) جاءت بعد أعمال إبداعية مختلفة، شكّلت الكثير من مسيرتي ولعلي أؤكد أننا نعاني قصوراً في الكتابة المسرحية في عالمنا العربي تحديداً (المسرح الأدبي) وليس الشعبي.

وليمة لذئاب شرهة، هي دوائر كبيرة من استغلال المسؤول لمنصبه، وكيف يستطيع تطويع كل من هم تحت إدارته بأن يكونوا لصوصاً متى خرجت أنفسهم على حقيقتها، فالمنصب الوزاري أو أي منصب كان مكانه وزمانه، هو (وليمة) في أعين (المسؤولين اللصوص) يتسابقون اقتسامه أو اقتطاع ما استطاعوا منه.

 

لقد كتب الناقد الجزائري عبد القادر كعبان عن باكورتك الروائية "عين حمئة" قائلا: "سنجد أنفسنا كقراء أمام زحمة رؤى يرفضها الروائي ماجد سليمان كما يرفضها ديننا الحنيف بشكل آخر، لأنها تنسف القيم الإنسانية ليختلط الحلال بالحرام"، فما تعليقك؟

- المبدع الأديب الجزائري عبد القادر كعبان، قد أكرمني بأن منحني من وقته وقرأ ما قدمته للأدب العربي ولعله كان نافذاً في قلب النص بشكل دقيق وشفاف، وقاسمني ما رميت إليه من رفض كامل لأمور كثيرة مرفوضة ديناً وعرفاً وقبل كل ذلك هي مرفوضة بطبيعة الإنسان السوي، لذا جاءت روايتي (عين حمئة) كالصرخة الطويلة على ما تفعله فوضى المجتمع التي صنعتها المسؤولية المتدنّية بين أفراده.

لقد استطاع المبدع عبد القادر كعبان أن يتناغم مع "عين حمئة" تناغماً خلاقاً متوسّعاً في النقاط الكثيرة التي جاءت في متنها.

 

ترى الكاتبة اللبنانية ريماس شمعون أن روايتك الثانية "دم يترقرق بين العمائم واللحى" تحتفي بالبطولة الجماعية التي تسعى للحرية والخروج من ظلم الحاكم، فما هي خلفية ذلك النص باختصار؟

- سعدت كثيراً بما قدمته الأستاذة اللبنانية ريماس شمعون، فمن المبهج أن ترى من يكتب عن عملك وكأنه يتماهى مع حركة المشاهد في نفسك أثناء كتابتها.. خلفية النص باختصار هي تأثر بأحداث الربيع العربي آنذاك، لقد خلقت الثورات العربية شعوراً داخلياً متدفقاً ألهمني لهذا العمل الذي كتبته بحب كغيره من أعمالي.

 

من الروايات التي أثارت جدلا في الساحة العربية روايتك الموسومة "طيور العتمة" لأنها جاءت مرآة عاكسة لتشريح ظاهرة السجين العربي، فكيف جاءت فكرة هذه الرواية وما هي رسالتك للمتلقي باختصار؟

- "طيور العتمة" كانت حبيسة التنفيذ، أمضيت وقتاً وأنا في تردد من خوض هذه التجربة الغائرة في وقاعنا، "طيور العتمة" وضعتني في مكان لا أحسد عليه فأنا ما زلت في تردّد كبير في تقديم عمل روائي يضاهيها، حقيقة هي أكثر أعمالي تأثيراً، فكرتها كانت مسودّة قبل صدور روايتي الثانية (دم يترقرق) لكني لم أكن مستعداً لكتابتها بشكل جيد.

وما أن صدرت (دم يترقرق) حتى رأيت أنني في مزاج عالٍ جداً للخوض بشخصيات "طيور العتمة" إلى عالمها السردي المرعب.

ورسالتي للمتلقي هي أن الصوت يجب أن ينادي بوجود ظاهرة التوحش التي يعامل بها السجين العربي المتهم زوراً، ومدى الفرصة الكبيرة الممنوحة للسجان في تعذيب السجين بكل حرية.

 

 دخلت معبد السرد القصصي من خلال "نجم نابض في التراب" و"الصندوق"، حدثنا عن هذه التجربة باختصار؟

- "نجم نابض في التراب"، هي مجموعتي القصصية الوحيدة، فقد جمعت بين دفتيها كل تجربتي في القصة، لدرجة أنني لم أعد لكتابتها لكوني وجدت عالماً عظيم الحرية كالرواية والمسرحية والسيرة، ولعل مجموعتي هذه أراحتني بصدورها كونها وثّقت مرحلة إبداعية من مسيرتي، كي أنطلق متخففاً من الشعور بالمسؤولية تجاه فن أدبي مَثّل جزءً هاماً من حياتي.

أما (الصندوق) فهي قصة كتبتها للطفل عام 2014م حين عكفت على الاشتغال على مشروعي الخاص بالطفل العربي، والمكون من ثلاث أعمال:

الصندوق "قصة للطفل" – الآباء "مسرحية للطفل" – أجراء "قصيدة للطفل" .. ولعلي استدرك فأدب الطفل لدينا يعاني من قصور كبير، وشخصياً أحببت أن أجعل جزءً من مسيرتي مخصّصاً للطفل فالأدب ليس للكبار فقط أيضاً للأطفال نصيبهم.

 

- ماذا عن تجربتك السينمائية اليتيمة "ينتظرها"؟

(ينتظرها).. تجربة يتيمة أملاها علي ظرف مفاجئ ذات صباح شتائي، كنت أشاهد اللقطات وكأني أشاهد فيلماً سينمائياً قصيراً، وهذا ما يؤكد قناعتي بأن الإبداع الحقيقي إلهام شديد مفاجئ، وتجده هو من يرتب لك عملك الإبداعي دون شعور منك، (ينتظرها) تجربة أتمنى أن تكرر، وبصراحة السينما فن يستحق الكثير منا، فهي جزء ليس بالقليل من فنون السرد الأدبي، رغم ارتباطها المباشر مع الفنون الأدائية أو المسرحيّة.

 

ما هي مؤهلات الناقد الأدبي؟

- الناقد الحقيقي: هو الخارج من رحم التجربة الإبداعية الأدبية المحضة، والمتمرّس في نسجها شعراً ونثراً، حتى يُؤمن جانبه النقدي، فالأدب يُنتجه وينقدّه الأدباء، من لا صِلة لهم به شعراً ونثراً، وعملاً وصناعة هم المشكلة، كالمتسمّين بالنقّاد والأكاديميين والمتطفّلين على مائدة الأدب، لأنّ التنظير دون ممارسة لنفس العمل، برهانٌ على زجّ النفس في ما ليس من صنيعها.

 

ما تقييمك للمشهد الأدبي السعودي اليوم؟

- لا أقيمه ولكني أعطي انطباعي الشخصي، المشهد الأدبي السعودي لا يختلف كثيرا عن أقرانه في وطننا العربي، فالأعمال الجميلة غالباً (قليلة) والسائد هو التكرار والاجترار وأعمال صدرت إعجاباً أو تأثراً بأعمال سبقتها، ولهذا أسباب كثيرة، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، لا أزكي نفسي فأنا جزء من منظومة المشهد الأدبي العربي، وأجتهد أن أكون مستقلاً قدر المستطاع جاعلاً من التأثر متعة لا أنقلها إلى أعمالي.

 

ألا يضايقك احتكار الرواية العربية لأضواء التكريمات والجوائز والنقد مقارنة بالأجناس الأدبية الأخرى؟

- هي لا تضايقني ما دامت لا تمس حريتي الإبداعية وخصوصيتي الفنّية، انشغال التكريمات والجوائز والنقد بالرواية دون غيرها من الأجناس ضرره كبير، فالأدب ليس الرواية فقط، الأدب أيضا الشعر، والقصة، والمسرحية، والسيرة، لست ضد أي تكريم وأي جائزة وأي نقد يخدم الرواية أو ينشغل بها، وفي الوقت نفسه لست معها، لأن للأجناس الأخرى إغراء يفوق الرواية كالسيرة مثلاً.

الجوائز لها منطقة ايجابية أيضا حيث قدمت دعماً للحركة الروائية وجعلت هناك تواصلا أكثر من ذي قبل، ولكن يبدو أن كل شيء بمجرد أن يزيد عن حده تكون عاقبته غير مريحة، فالآن لم تعد الساحة الروائية مغرية بسبب المجانية التي سببتها هذه الجوائز.

إن المبدع الحقيقي جائزته (الاستمرار) وتقديم الأعمال المختلفة المتفردة، فالجوائز عموماً ليست مقياساً وليس لها أن تكون إلا داعماً ومحسّناً للمعنوية الإبداعية، باختصار هي (تكريم وتشجيع) على مسيرة عطاء أو جودة عمل، وليست تمييزاً أو تفرّداً.

ولو تأملنا لوجدنا أن أغلب من خلدهم التاريخ لم يحصدوا جوائز، وأغلب الأعمال التي ما زالت تقرأ كتبها أصحابها وغابوا عن الحياة ولم نعد نعرف عنهم أي شيء، سوى إبداعهم.

 

حاليا الكثير من الأسماء الأدبية تلهث خلف الترجمة إلى لغات أجنبية بغية الشهرة والانتشار، فما تعليقك؟ 

- الترجمة للغات الأخرى مهمة بلا شك لكن ليس بهذا الشكل، وليس كل ما يترجم يلقى حظّاً وافراً، وليس كل مترجم جدير أو رفيع،أما الركض بغية الشهرة والانتشار فهي مشكلة، لأن الكاتب سيضحي بأعماله الأدبية لقاء الحصول على موافقة للترجمة، غالباً تكون مدفوعة الثمن، هذه الحالة اعتبرها متأثرة من فوبيا الفشل، الكاتب الواثق المرتاح لعمله لن يلهث خلف ترجمة أي كان شكلها، لأن الإنصاف يُوجبه التاريخ للمبدع، فهناك أعمال خالدة تقرأ في كل وقت ومع ذلك لم تترجم.

الكاتب الجاد لا تشغله الترجمة أو غيرها بقدر ما تشغله جودة إعماله، وهذا لا يعني رفضه للترجمة، ولا يعني عدم سعيه فيها ما دام يجد في أعماله ما يستحق الترجمة.

لا نجد لك تواجد على مواقع التواصل الاجتماعي: تويتر/ سناب شات /انستغرام / فيس بوك .. هل لك وجهة نظر تجاهها؟

قال أحدهم يوماً: " إن وسائل التواصل أتاحت لجحافل الأغبياء أن يتحدثوا وكأنهم علماء .."

مواقع التواصل هي أماكن قائمة على الضجيج، والصراخ، والتنظير الممل وتفريغ الغضب الاجتماعي، والنقد الغير معني أصلا، والاحترام يكاد يكون مفقوداً، أنا متأكد أن جُل من يحضر في هذه المواقع هم أشخاص يتحدثون في أمور لا علاقة لهم فيها، ومن يتحرك فيها بشغف وحماس هم أنفسهم الذين كانوا يكتبون على الجدران، وبمجرد أن وجدت هذه المواقع جعلوها بديلاً، فاستراحت الجدران منهم.

هي أتاحت الفرصة للجميع بأن يعبروا كيف شاءوا، لكن من هم الجميع؟ وهل لآرائهم قيمة؟ . هذه المواقع قائمة على الشعارات والشعارات مطية المغلوب، فأنا ككاتب ما دمت أحترم نفسي قبل فني وقلمي، لن اسمح لمثل هذه المواقع أن تسلبني ثانية من وقتي، هذا خلاف تأثيرها السلبي: صحياً، نفسياً، ثقافياً، إلخ،  ناهيك عن وقعها السيء على الثقافة العربية، فقد رفعت الفوضى عالياً، وقاتلت الجودة بسلاح الرداءة.

 

ما هي القضية الرئيسة للمبدع ماجد سليمان؟ وإلى ماذا تطمح كتاباتك الأدبية مستقبلا؟

- قضيتي الرئيسة هي (الإنسان) الإنسان في كل حالاته وتقلباته وتطلّعاته وتأمّلاته وتوجّساته، من حاضره وقادمه. تغريني الكتابة عن القضايا الكبرى للبشر، القضايا التي تهدد بقاء الإنسان، وتسحق يقينه، وتلوّث عيشه وتبعثر أمله، الكتابة عنها أشبه باستشفاء وضماد إلى حين.

أما المستقبل فهو غيب لا يد لي فيه، لست أضمنه ولا أتوقعه، كل ما علي فعله هو الإكثار من جرعات الأمل والعمل، والاستعداد بما تجود به الليالي التي أجلسها قارئاً وكاتباً، المهم أن استمر في زراعة الحياة بما هو جميل.

 

لمن يقرأ ماجد سليمان من جيل الشباب في وطننا العربي؟

- أعمار المبدعين لم تكن شاغلتي يوماً لأنه ليس من العدل تقسيم الإبداع حسب الأعمار فقد يكون شاباً ويتجاوز بعمله من يكبرونه بأعوام، لذا يكون العمل هو الفيصل، حقيقة أقرأ لمبدعين كثر ولعلي أستحضر من  قرأت لهم مؤخراً، ولا أدري إن كانوا شباباً أم لا لكني أظنهم شباب القلوب، وهم: ربيع جابر، عماد الورداني، سلطان العميمي، فريد هدى، خليل خشلاف، علي بدر، وآخرين.

 

ما هو جديدك؟

- انتهيت قبل أسابيع من عمل جديد لا هو بالرواية ولا بالقصة هي حكاية تتوسطهما، وتنتمي إلى أدب الحرب، بطلها شخصية متخبّطة بين حياة الحرب والحب، ويشرفني ويسعدني أن تكون النسخة الأولى بين أيديكم.

 

كلمة ختامية للقارئ الجزائري والعربي عموما؟

- بكل محبة ومودة واحترام، للشعب الجزائري العريق، والقارئ الجزائري الفذ، وشعبنا العربي كافة، آمل أن أكون عند حسن ظنكم الجميل.

 

karima nooresawiالسلام عليكم أستاذي، طرقت باب الحروف استجدي حرفا، فوجدتها هربت إلى دياركم.

قد تعجز الكلمات عن مجاراة الحروف للانطلاق في جلسة شاعرية مع قامة باسقة كالشاعر الكبير أديب كمال الدين، وأمام عجزي لم يكن لي من خيار سوى الهروب نحو سؤال تقليدي ألج من خلاله هذا العالم الرحب والممتع.

 

د. كريمة نور عيساوي: أستاذي الفاضل أبدأ بسؤال تقليدي، من هو أديب كمال الدين، تاريخ ومكان الميلاد، التخصص، ما هي البدايات الأولى؟  وما هي أول تجربة خضتموها في مجال الكتابة؟

adibkhamaladinالشاعر أديب كمال الدين: وُلِدت في محافظة بابل- العراق عام 1953 في أسرة علم ودين. والدي رحمه الله كان يؤكد على الدراسة والتعلّم. وقد شجّعني على ذلك مثلما شجّع إخوتي وأخواتي جميعاً على هذه المسألة المهمة، كما كان يشجّع، باستمرار وبجدّية، على التفوق والحصول على أعلى الدرجات. وهكذا فقد كان هناك أكثر من درجة دكتوراه في العائلة. وقد كنتُ بطبعتي ميالاً للقراءة منذ الصغر. وساعد وجود مكتبة عامرة في البيت على أن أقرأ منذ وقت مبكر جداً في حياتي مختلف الكتب، وفي مقدمتها قصص ألف ليلة وليلة، وروايات جورجي زيدان وقصص تشيكوف. وفي مرحلة لاحقة قرأت روايات نيكوس كازنتزاكي. وقد ألهبت هذه الكتب خيالي بشكل عميق جداً سهّل عليّ، بالطبع، الدخول إلى مملكة الشعر الغامضة. وفي مطلع السبعينيات التحقت بكلية الإدارة والاقتصاد – فرع الاقتصاد بجامعة بغداد. وأثناء دراستي عملت في الصحافة محرراً في القسم الثقافي، أولا عملت في جريدة الراصد ثمّ في مجلة ألف باء. وبدأت أنشر قصائدي في الصحف، والمجلات حتى طبعت- ولله الحمد- مجموعتي الأولى "تفاصيل" عام 1976.

 

د. كريمة نور عيساوي: ماذا تمثل بالنسبة إليكم تجربة '' تفاصيل '' في مسار كم الشعري العام؟

الشاعر أديب كمال الدين: كان صدور "تفاصيل" حدثاً رائعاً وسعيداً بكلّ معنى الكلمة في حياتي وكان عمري حينذاك 22 عاماً. فقد  كانت مجموعتي الأولى، وأولى خطواتي في عالم الشعر. وقد طبعتها على نفقني الخاصة في مدينة النجف الأشرف، بعد أن رفضت وزارة الثقافة والإعلام طباعتها لأنّها (جاءت خالية من ذكر منجزات الثورة والتغنّي بها!). احتفت مجموعتي "تفاصيل" بصدق عميق بجذور الحياة مطلقةً أولى أسئلة الروح عن الحياة ومغزاها وسرّها الأزليّ، احتفت ببراءة عذبة ب"جسد الرؤيا" للرحلة التي تبدأ بالصرخة وتنتهي بها، أعني صرخة الولادة ثمَّ صرخة الموت. هكذا  صار على الشاعر،  لكي يكون شاهداً حقيقياً، أن يفسّر لنفسه وللكون كيف أنّ الصرخة الأولى كانت مبهجة والثانية مرعبة أو العكس بالعكس. صار على الشاعر أن يؤسس فنيّاً لحرف الصرخة التي ستتحوّل إلى حب وعشق وفراق وعذاب ونفي وجوع وعطش وحرمان وأرق ومعاناة، الصرخة التي ستطلقها الروح وهي تصارع أبد الدهر الرعبَ والخوف والفجيعة والظلمة والظلام. احتفت "تفاصيل" ببراءة عذبة ب"جسد الرؤيا" بعيداً عن أكاذيب الأيدولوجيا، وصراعها اللعين من أجل المال والجاه، وما توفّره لأصحابها من متع زائفة ومباهج تافهة، الأكاذيب التي امتلكت صوتاً صاخباً في سبعينيات القرن الماضي، وما تلاها لدرجة أنّه كاد يصيب المتلقّي بالصمم، وأفسدت كثيراً من المنجز الإبداعي العراقي، وأبعدته، بعنف شديد، عن دور الشعر الأوّل الحقيقي. ذكرتُ ذلك بوضوح في المقطع الأوّل من إحدى قصائد المجموعة، وهي قصيدة (قصائد صغيرة):

-  لا تذهبْ أكثر

- من مائدةِ الأطفالْ:

- من مائدةِ الفرحِ الباسق،

- من مائدةِ النخلِ الباسق

- وغناءِ البَطِّ، تماثيلِ الطينِ، الأعشابْ.

- لا تذهبْ أكثر من صحراء الغيرةِ والنومِ الأزرق،

- صحراءِ الكلسِ الأبيضِ والكلْماتِ الشعثاءْ.

- لا تذهبْ أكثر من جسدِ الرؤيا!

- هذه هي الوصيّة الشعريّة الأولى التي ألزمتُ بها نفْسي فالتزمتْ بها طوال المجاميع الكثيرة التي كتبتها بعد "تفاصيل" ولله الحمد، هذه هي بوصلة طريقي الشعري المضيئة بالتأمّل، والزهد، والحبّ بمعناه الواسع الكبير. وهي الوصيّة التي همّشتْ منجزي  الشعري إعلامياً زمناً طويلاً حين كنت في العراق، لكنّها، دون شك، عمّقته فنياً. ففي زمن الطغيان يُراد من الشاعر أن يلمّع الأكاذيب، ويبيّض الأسود ويسوّد الأبيض فقط. يُراد منه، بعبارة أخرى، أن يضرب على الطبل لا أن يعزف على الكمان. وفي القصيدة ذاتها، أعني (قصائد صغيرة)، طلبتُ من الشعْر أن يعين الجسد المحروم والروح الملتاعة على السير في مواجهة تيّار الزمن المتناثر أياماً تتكرّر ساعاتها وتتكسّر شموسها، أردتُ منه – ولا أدري هل كنتُ على صوابٍ أم لا – أن يأخذ بيدي:

-  ما نفعُ الأشعار

- إنْ لم تأخذ بيدي؟

- لقد تساءلت: إن كنتُ على صوابٍ حين طلبتُ من الشعر أن يأخذ بيدي، إذ ما من جواب حاسم حتّى بعد مرور أكثر من أربعين عاماً على هذا السؤال الغريب كغرابة الحياة نفْسها والمدهش كدهشة الشعر نفْسه! لكنّ المؤكّد أنّ قصيدتي لم تزل تطلق ذات الأسئلة التي أطلقتها في مطلع حياتي الشعريّة، وتصف حبّي الذي بدا أبيض الروح والنبض ولم يزل، وتتنبّأـ منذ زمن موغل في البُعد- بالغربة التي أعيشها الآن:

- حُبّي ورقٌ تذروه الريحُ وتسكنهُ البهجة.

- حُبّي ورقٌ لشوارع يسكنُها الغرباءْ

- وشوارع ضاعتْ كالغربة.

- حُبّي ورقٌ من طينٍ أسْوَد:

- ورقٌ يأبى ويهاجرُ، يزرعُ أو ينسى،

- ورقٌ للماضي والرغبة،

- ورقٌ للغيرةِ والفتنة،

- ورقٌ أبيض.

- وبعد "تفاصيل" توالت مجاميعي بالصدور، ولله الحمد، حيث صدرت مجموعتي "ديوان عربي"1981 ثم "جيم" 1989 ثم "نون" 1993 ثم "أخبار المعنى" 1996 ثم "النقطة" 1999 ثم "حاء" 2002 ثم "ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة وصولاً إلى مجموعتي الأخيرة "في مرآة الحرف" 2016، ليصل عدد مجاميعي  باللغتين العربية والإنجليزية إلى  18 مجموعة، إضافة إلى المجلّدين الأول والثاني لأعمالي الشعرية الكاملة ومجاميعي الأخرى التي المترجمةً إلى العديد من اللغات.

 

د. كريمة نور عيساوي: وما هو الصدى الذي خلفته هذه المجموعة عند المتلقي في تلك الفترة؟

الشاعر أديب كمال الدين:  حين صدرت " تفاصيل" كتب عنها الشاعر فوزي كريم مقالة طيّبة في مجلة ألف باء، أمّا الشاعر عيسى حسن الياسري فقد كتب عنها، في جريدة التآخي، مقالة احتفاء رائعة قرأتها بسعادة غامرة وقتئذ مرّات ومرّات. وظهرت مقالات أخرى عنها غابت، للأسف، عن الذاكرة. وأجرى الشاعر فاضل عباس الكعبي حواراً معي لمجلة (وعي العمال)، وكذلك فعل القاص محمد الرديني لجريدة (الراصد).  كما أقيمت أمسية احتفاء بالمجموعة في مديتني بابل قرأت فيها قصائدي وسط محبة الجمهور.

 

د. كريمة نور عيساوي: هل يمكن أن نتوقف قليلا عند كل مجموعة من مجاميعك على حدة لنتعرف عليها عن كثب؟

الشاعر أديب كمال الدين: كان الحرف ولم يزل سبباً في خصوصيتي الأسلوبية الشعرية. بيد أن الوصول إليه لم يكن سهلاً البتة. لكن تيار الألم  الملهِم الذي واجهني في حياتي منذ طفولتي حتى الآن دفعني إليه، دفعني إلى الحرف وطلسمه العجيب فتماهيت معه حد أنني عشقته فسهّل العشق عليّ الوصول ثم القبول ثم المثول في حضرته. هكذا تعرّفت إلى أسراره فكانت (النون) بهجة المحبّ وحليب العصفور وهلال العيد والحلم والنوم والجمال المهلك والهالك والحرمان والارتباك والدوران والقمع والإحاطة والسيطرة، كانت النون رمزاً لمحبة كلّ شيء قريب وفي متناول اليد كما القمر في متناول المجنون وهو يرى صورته منعكسة فوق سطح الماء! وقبلها – أي قبل مجموعة (نون) كنت قد كتبت (الجيم) إشارة الجنون والجثة والجحيم والجند والحرب والدم. لكن (النقطة) كانت هي الكينونة دون شك. ففيها السرّ الأعظم، وفيها الطلسم الذي لا يفكّ رموزه أحد وإن ادّعاه الجميع لقداسته وعمقه ولطفه الذي لا يعرفه سوى الخواص وخواص الخواص. وستكون (الحاء) حاء الحبّ والحرية والحنان دون شك، لكنها حاء الحرب والحريق قبل ذلك وبعده، وهي حاء الحلم الجبار الذي يكاد أن يختصر الشعر كله ومعناه كله وغموضه الذي لا حدود له.  بعدها أصدرت (شجرة الحروف) فكان الثمر غريباً، والرحلة التي قطعها الغريب أكثر غرابة. وكدتُ أسمّيها "شجرة اليأس" لولا إخلاصي الذي لا حدود له للحرف، ولولا محبتي التي لا يساورها الشك لشجرة الأمل وإن بدت صغيرة جداً وشاحبة جداً ومتعبة جداً لشدة العاصفة التي تحيط بها وبي. وكان عليّ أن أوثّق لما جرى لي بلغة الاعتراف الجميل الذي سيراه بعضهم لذيذاً والآخر مليئاً بالغموض والثالث عذباً والرابع…أو بلغة الفاصلة الجسدية والزمكانية التي تغني القصيدة وتزيد، ربما، من سعة آفاقها لتحتوي الحياة كلها في لحظة نادرة. الرحلة لا تنتهي بالموت ذلك عجب الدنيا العجاب، لأنّ الحرف لا ينتهي وتأويله شعراً لن ينتهي، وفي هذا بعض العزاء لي بأن سكني في لحاء الحرف قد أنار لي ظلمةَ وداعي وأعانني على الوصول إلى شيء ما وإن كان سرّ هذا الشيء مجهولاً للطفه العميق. لقد عالجتُ كوارث الدنيا وظلامها الكثيف بالحرف وداويتها به. وكان العلاج شافياً للوهلة الأولى لكن الظلام كان مزمناً، فصار عليّ - أنا المنسيّ المنفيّ في جسده قبل وطنه وفي وطنه قبل جسده- أن أعيد العلاج المرّة تلو الأخرى. ولذا أبدلتُ الحرف من (الجيم) إلى (النون (إلى (الحاء) إلى (النقطة) إلى (ما بعد الحرف.. ما بعد النقطة) وإلى (شجرة الحروف)، ثم حاورت النقطة والحرف وجعلتهما يتحاوران في كلّ شيء ويتناغيان ويتساءلان ويكتشفان بعضهما بعضاً وينصهران إلى حد التلاشي والذوبان ثم جعلتُ النقطة تعترف وترقص وتبكي وتغني وتعشق وتهيم وتجنّ وتشطح وتشرق أبداً في البر والبحر والنهرً. كنتُ صادقاً فكان حرفي صادقاً هو الآخر، ولسانه كان رطباً أبداً بالدعاء والغناء والهذيان، وكانت النقطة طيبة كدمعة طفل يتيم. لذا لا عجب أن رأيتِ البحرَ والطفل والساحر يهبطون من الحرف ليأخذوا بيدي أنا المتأمل المهووس بالجسد والنار والموت لأسير خطواتي المرتبكة وسط القساة والأجلاف والقَتَلة. بعد ذلك أصدرت (أربعون قصيدة عن الحرف) ثمّ (أقول الحرف وأعني أصابعي)، واستمرت المجاميع تتوالى - ويصل عددها إلى (18) مجموعة ولله الحمد- وصولاً إلى آخر مجاميعي وعنوانها (في مرآة الحرف)، لتوثّق مسيرتي ومسيرة الحرف في تناغم اسمه الأمل وسرّه الألم.

 

د. كريمة نور عيساوي: من أين يستمد شاعرنا الكبير تأملاته الفلسفية؟ وما هو دور الإعجاز القرآني في ذلك؟

- الشاعر أديب كمال الدين: عتمدت أسلوبتي الشعرية على الحرف كما ذكرت، وحروفيتي في أصلها قرآنية. فالحرف حمل معجزة القرآن المجيد ولا بدّ لحامل المعجزة من سرّ له،  كما أن الله سبحانه وتعالى أقسم بالحرف في بداية العديد من السور الكريمة، وكان في ذلك ضمن ما يعني وجود سرّ اضافي يُضاف الى سرّ القرآن المجيد نفسه. فمِن القرآن الكريم نهلت معارفي في مختلف الأصعدة. فالقرآن الكريم بحر عظيم وفيه علم ما كان وسيكون، أي علم الأسئلة الكبرى التي واجهت البشرية منذ خلق آدم إلى يومنا هذا عبر أخبار الأنبياء والمرسلين، وتفاصيل عذاباتهم ومعاناتهم وصبرهم وغربتهم وأحزانهم وهم يبلّغون في مختلف الأزمنة والأمكنة رسالةَ التوحيد والمحبة والسلام واحترام الآخر وعدم تحقيره أو الاعتداء عليه بأيّ شكل كان وبأيّة صورة كانت. وهو لكلّ كاتب وشاعر وأديب كنز لا يفنى من المعارف اللغوية والروحية والفكرية، والأسرار الإلهية، والقصص المعتبرة، والمواقف الأخلاقية ذات المضامين العميقة، والحوارات الفلسفية واليومية ما بين الخالق ورسله وما بين رسله وأناسهم. ومن التصوّف تعلّمت معنى التأمل في ملكوت ملك الملوك، ذاك الذي يقول للشيء كنْ فيكون. وتعلّمتُ عظمةَ الزهد، وأسرار الروح الكبرى، ومعنى سياحة الروح عاريةً إلا من رحمة ربي في زمن يعبد الناس فيه دنانيرهم ودولاراتهم حدّ الجنون.

 

د. كريمة نور عيساوي: سمعتكم مرّة تتحدثون عن مستويات الحرف هل يمكن أن تقربنا أكثر من ذلك؟

الشاعر أديب كمال الدين: حين تأملت في الحرف العربي خلال رحلة شعرية امتدت أكثر من أربعة عقود ولم تزل متواصلة بحمد الله، وجدت أن للحرف العربي ما يمكن تسميته ب(المستويات) فهناك المستوى التشكيلي، القناعي، الدلالي، الترميزي، التراثي، الأسطوري، الروحي، الخارقي، السحري، الطلسمي، الإيقاعي، الطفولي. هكذا وعبر كتابة المئات من القصائد الحروفية التي اتخذت الحرف قناعاً وكاشفاً للقناع، وأداةً وكاشفةً للأداة، ولغةً خاصةً ذات رموز ودلالات وإشارات تبزغ بنفسها وتبزغ باللغة ذاتها، عبر هذا كلّه أخلصتُ للحرف عبر عقود من السنين حتي أصبح قَدَري الذي لازمني وسيلازمني للنهاية.

 

د. كريمة نور عيساوي: كيف ينظر شاعرنا للمرأة؟ وما مدى حضورها في شعركم، وما هي نوعية هذا الحضور؟ 

الشاعر أديب كمال الدين: المرأة: الأنثى هي خلاصة الذكر/ الرجل/ الشاعر وجدواه ومسرّته وفرحه وعذابه وقلقه ولاجدواه. الأنثى هي ماضيه ومستقبله. وهي بالتأكيد حاضره الذي ينتج في فضائه ما يُقّدر له من نصوص. وعلى هذا تكون هيمنة الأنثى في النص منطقية جداً وضرورية جداً. تصوّري معي عالماً ليس فيه إلاّ الرجال. أيّ عالم ممل هذا يا إلهي! المرأة وحدها هي التي تستطيع أن تكسر حاجز الملل، لكنها عند الشاعر تستطيع أيضاً أن تكسر حاجز الصوت أيضاً! وهي تستطيع أن تصبّ في روحه الفرحَ صبّاً مثلما تستطيع أن تكسر له زجاج روحه ليبقى ملتاعاً حتى النفس الأخير. هذه هي الأنثى: جسد ورماد، قصور وخرائب، حياة وفناء. أما عن الانسجام بيني وبين الأنثى، فأنا آخر مَن يحق له الحديث عن هذا الانسجام! لأنه انسجام لا وجود له من قريب ولا من بعيد! ربما يكون الحديث عن علاقة الارتباك مع الأنثى أو التضاد هو الأدق. وقصائدي تكافح من أجل أن يسود بيني وبين الأنثى، بأشكالها المعقدة وبأسمائها المختلفة، نوع من السلام حتى وإن كان سلاماً بالاسم فقط. من سوء حظ الرجل أو من حسن حظه أن الجمال كله كان ولم يزل في جسد المرأة وليس في أيّ شيء آخر في العالم، ومن سوء حظ الرجل أو من حسن حظه أنه لا يستطيع التخلص أو الفكاك أبداً من أثر هذا الجمال السحري الذي يحمله هذا الكائن اللطيف جداً، واللامبالي جداً، والمغلق على نفسه، والمفكر بطريقة مختلفة عن الرجل، وعصيّة على استيعابه!

 

- د. كريمة نور عيساوي: ونحن نقرأ بمتعة كبيرة بعض أعمالكم الشعرية، تطالعنا نسمات من النفحة الصوفية، هل الأستاذ أديب كمال الدين متأثر بالفكر الصوفي؟

- الشاعر أديب كمال الدين: بالتأكيد أنا متصوّف، ومتصوّف ملتزم. ولذا بعد أن كتبت العديد من القصائد الصوفية مثل: إشارات التوحيدي، الرجل، أنين حرفي وتوسّل نقطتي، الحاء والألف، محاولة في البهجة، وغيرها،  فقد أكرمني الذي يقول للشيء كن فيكون بكتابة مجموعتي الصوفية الحروفية (مواقف الألف) - منشورات الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت2011 - وهو ما تمنيت كتابته منذ زمن طويل. كتبتها ب 55 موقفا صوفياً شعرياً تحاول كلها التقرّب الى البارئ عزّ وجل، وتطلب رحمته، وترجو عفوه، وتتضرع إلى سرّه ونوره ومحبته، وتحلم بحنانه وكرمه ورزقه ولطفه، ولا عجب في هذا فهو الرحيم الكريم الغفور الرزاق البديع اللطيف. تبدأ هذه المواقف بموقف الألف وتنتهي بموقف الجنّة. وما بين الموقفين تمر مروراً ليس عابراً بأسئلة الحياة والموت، واليقين والضياع، والخوف والطمأنينة، والمعنى واللامعنى، والظلام والنور، والشيء ونقيضه. هكذا تبدأ بموقف الخطأ والغربة والوحشة والحيرة والماء والنهر والغرق والمهد والرحيل والحرف والشوق والدائرة لتعرج إلى مواقف الأنبياء والأولياء: نوح وإبراهيم ويعقوب وعيسى والمصطفى (ص) وعلي وكربلاء، وتصل إلى مواقف العزة والدمعة والكتابة والسجن والبيت والسجدة والسلام والحمد. وقد كان سروري بإنجاز هذه المجموعة عظيماً لا يشبه سروري المتحقق حين كتب مجاميع السابقات. فتلك المجاميع تنتمي الى عالم الشعر والإبداع، وهذه تنتمي الى عالم الشعر والإبداع والله. والفرق كبير كما ترين. كان فرحي بها، دون مبالغة، كفرح صيّاد اصطادَ سمكةً في بطنِها ليرة ذهب! ثمّ كتبت بعدها مجموعتي الصوفية (إشارات الألف) التي صدرت عن منشورات ضفاف، بيروت 2014  واحتوت على مائة إشارة، بل مناجاة مع الحي القيوم، مثل: إشارة الفجر، الأخضر، كن فيكون، الكلام، التفاحة، الحرب، الخيط، المرآة، رقصة الوحوش، البحر .  وفي إشارة البحر، قلت:

إلهي،

ماذا فعلتُ

كي أنفقَ العمرَ كلّه مع البحر؟

وكيفَ أنجو منه

وهو الذي يحيطُ بي

كما تحيطُ جدرانُ السجنِ بالسجين؟

كيفَ أنجو منه

وهو الذي يتعرّى أمامي

بألوانه الباذخة

وأمواجِه الغامضة

فأذهبُ إليه كالمسحورِ حيناً،

وكالضائعِ حيناً،

وكالمجنونِ أحياناً أخرى؟

كيفَ أنجو منه

وهو الذي غرقَ فيَّ

قبل أنْ أغرقَ فيه؟

غرقَ في أعماقي السحيقة

حتّى صرتُ كلّ ليلة

أموتُ غريقاً

فأحملُ جُثّتي على خشبتي الطافية

هائماً دون أنْ يراني أحد،

هائماً

إلى الأبد.

 

د. كريمة نور عيساوي: أنجِزَت العديد من الدراسات الأكاديمية حول أعمالكم الشعرية في عدد من الدول العربية والإسلامية، وأُصدِرَت العديد من المؤلفات حول تجربتكم الشعرية، ما هو رأيك بما أُنْجِز ؟

- الشاعر أديب كمال الدين: نعم كُتب الكثير من النقد عن تجربتي الشعرية ولله الحمد وصدرت العديد من الكتب النقدية والدراسات والبحوث والمقالات التي كتبها نقاد من العراق وسورية وتونس والمغرب والجزائر واليمن والسعودية ومصر ولبنان والكويت وإيران وأستراليا وإيطاليا، مثلما ناقشت العديد من جامعات تلك البلدان أعمالي في رسائل الماجستير والدكتوراه. والنقاد الذين تناولوا تجربتي كانوا بثلاثة أنواع: الأول الذي وصل إلى أعماق النص الشعري، والثاني الذي لمس قشرة النص فقط، والثالث الذي كان قوله تكرارا لما قيل من قبل عن تجربتي. وعموماً فأنا أشكرهم جميعا وبخاصة نقاد النوع الأول، ذلك أن النقد عملية إبداعية صعبة تسلتزم في مَن يزاولها مهارات دقيقة فكريا وفلسفيا وروحيا وشعريا ولغويا. وهذه لا تجتمع بسهولة عند فرد واحد على الإطلاق.

 

- د. كريمة نور عيساوي: لقد تُرجمت أعمالكم إلى عدد من اللغات، هل تحقق الهدف الذي كنتم ترمون إليه؟

- الشاعر أديب كمال الدين: من الضروري أن يطلع القارئ على تجربة الشاعر ويتعرف على تفاصيلها خاصة عندما تكون التجربة تتناول مشاكل الإنسان الكبرى كالموت والحب والوحدة والحرب. وشعري يتناول بقوة هذه المشكلات ليلقي الضوء على أعماقها السحيقة وتفاصيلها التي لا تُحدّ. وقد سرّني كثيرا أن شعري الذي ترجمته إلى الإنكليزية قد نال محبة الناقد والقارئ الأستراليين فاختيرتْ أعمالي ضمن أفضل القصائد الأسترالية المنشورة عامي 2007 و2012 ونُشرت في أنطلوجيات بأفضل الأعمال الأسترالية. كذلك فقد كُتبت العديد من المقالات النقدية في الباكستان تمتدح قصائدي التي ترجمها إلى اللغة الأوردية المترجم البارع اقتدار جاويد وصدرت تحت عنوان (تناص مع الموت). وكذا الحال مع قصائدي المترجمة إلى اللغتين الفارسية والإيطالية.

 

- د. كريمة نور عيساوي: أستاذي متى تتلفت القصيدة؟ مِن أي باب دخلت الشعر؟ ومَن علّمكَ كتابةَ الشعر؟

- الشاعر أديب كمال الدين: - سأجيبك شعرا على سؤالك الشاعري هذا، فإعجابك الجميل بقصيدتي الجديدة: (تلك هي روحي) جعلك تستلّين بلطفٍ أسئلتك العذبة منها، وإليك الأجوبة:

سألني سائلٌ: متى تَتَلفّت القصيدة؟

قلتُ: حينَ تبحثُ عن حرفٍ

ينقذُها ممّا هي فيه.

***

 قالَت: مِن أيّ بابٍ دخلتَ إلى الشِّعْر؟

قلتُ: من بابِ الاضطرار.

قالَت: هذا بابٌ هائلٌ، صفْهُ لي أرجوك.

قلتُ: هو مِن هَوْله لا يُوصَفُ أبداً.

***

قالَت: مَن علّمكَ كتابةَ الشِّعْر؟

قلتُ : الموت.

قالتَ: لكنّكَ حيّ!

قلتُ: نعم، أنا الميّت الحيّ.

 

د. كريمة نور عيساوي: أستاذي لو عُدنا للوراء، وبالضبط تاريخ صدور تفاصيل 1976 وخُيرت بين الشعر أو أي فن آخر هل كنتم ستدخلون التجربة الشعرية من جديد؟

- الشاعر أديب كمال الدين: لا أظن الإجابة تنفع بشيء . فخيارات الإنسان في صياغة مستقبله اعتمادا على نفسه فقط هي خيارات محدودة  فكيف بخيارات الماضي الذي صار نسيا منسيا؟

 

- د. كريمة نور عيساوي: لا يسعني أستاذي الفاضل في نهاية هذا اللقاء إلا أن أشكركم على سعة صدركم ورحابة أفقكم لأنكم اقتطعتم حيزا ثمينا من وقتكم الضيق لتحلقوا بنا بعيدا في فضائكم الشعري الساحر حيث تشدو الحروف بأنغام السلم والسلام والأمن والأمان والتعايش والتسامح والحب والمودة. وأترك القارئ الكريم يتجول حرا طليقا في ردهات السيرة العلمية الحافلة بالمنجزات الأدبية والفنية لأمير الحروف الشاعر الكبير أديب كمال الدين.

 

أديب كمال الدين في سطور

 أديب كمال الدين شاعر ومترجم وصحفي من العراق مقيم حالياً في أستراليا. ولد عام 1953 في محافظة بابل. تخرّج من كلية الإدارة والاقتصاد- جامعة بغداد 1976. كما حصل على بكالوريوس أدب انكليزي من كلية اللغات- جامعة بغداد 1999، وعلى دبلوم الترجمة الفوريّة من المعهد التقني لولاية جنوب أستراليا 2005. أصدر 18 مجموعة شعريّة بالعربيّة والإنكليزيّة، كما تُرجمتْ أعماله إلى العديد من اللغات كالإيطالية والفارسية والأوردية والإسبانية. نال جائزة الشعر الكبرى عام 1999 في العراق. واخْتِيرَتْ قصائده ضمن أفضل القصائد الأستراليّة المكتوبة بالإنكليزيّة عاميّ 2007 و 2012 على التوالي.

صدرت تسعة كتب نقديّة عن تجربته الشعريّة، مع عدد كبير من الدراسات النقدية والمقالات، كما نُوقشت العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه التي تناولت أعماله الشعريّة وأسلوبيته الحروفيّة الصوفيّة في العراق والجزائر وإيران وتونس.

 

صدرت له المجاميع الشعرية الآتية:

- تفاصيل، مطبعة الغري الحديثة، النجف، العراق 1976 .

- ديوان عربيّ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، العراق 1981 .

- جيم، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، العراق 1989.

- نون، دار الجاحظ، بغداد، العراق 1993.

- أخبار المعنى، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، العراق 1996.

- النقطة (الطبعة الأولى)، مكتب د. أحمد الشيخ، باب المعظّم، بغداد، العراق 1999.

- النقطة (الطبعة الثانية)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان 2001.

- حاء،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،  بيروت، لبنان 2002.

- ما قبل الحرف .. ما بعد النقطة، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن 2006.

- شجرة الحروف، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان،الأردن 2007.

- أبوّة Fatherhood، (بالإنكليزية) دار سيفيو، أديلايد، أستراليا 2009.

- أربعون قصيدة عن الحرف، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن 2009

- أربعون قصيدة عن الحرف، Quaranta poesie sulla lettera  (بالإيطالية: ترجمة: د. أسماء غريب)، منشورات نووفا إيبسا إيديتوره، إيطاليا 2011.

- أقول الحرف وأعني أصابعي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان 2011.

- مواقف الألف، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان 2012.

- ثمّة خطأ Something Wrong، (بالإنكليزية) دار ومطبعة Salmat، أديلايد،أستراليا 2012.

- الحرف والغراب، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان 2013.

- تناص مع الموت: متن در متن موت (بالأورديّة: ترجمة: اقتدار جاويد)، دار كلاسيك، لاهور، باكستان 2013.

- إشارات الألف، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2014

- الأعمال الشعرية الكاملة: المجلّد الأوّل، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2015

- رقصة الحرف الأخيرة، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2015

- في مرآة الحرف، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2016.

- الأعمال الشعرية الكاملة: المجلّد الثاني، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2016

موقعه الشخصي:      www.adeebk.com

 

hushamshabanهشام شعبان كاتب شاب من مصر الشقيقة من مواليد محافظة أسيوط، متخرج من كلية الإعلام جامعة القاهرة سنة 2013، بدأ مشروعه السردي بمجموعة قصصية بعنوان "رجل العباءة" (2014)، وتبعها برواية تحت عنوان "الإفطار الأخير" (2015)، وقد صدر له مؤخرا عمل روائي جديد "سجن العقرب" (2016)، عن دار شمس للنشر والإعلام التي قد سبق وطبعت أعماله الأولى. لا تقتصر إسهامات هشام شعبان فقط في الأدب بمختلف أجناسه بل تمتد إلى دوره الرائد والمميز في العمل الصحفي، ونذكر على سبيل المثال إسهاماته الرائعة في جريدة التحرير المصرية، جريدة الأهم، شبكة الإعلام العربية، جورنال مصر، مركز صحفيون متحدون وغيرها.  حول آخر إصداراته ومشواره الصحفي والأدبي بشكل عام كان لنا معه هذا اللقاء:

 هشام شعبان

أولا حدثنا عن هشام شعبان الصعيدي، وبداياته في عالم الكتابة...

- بداية أحب أوجه تحية لكل الشعب الجزائري الشقيق، هذا الشعب الجميل الذي نرتبط معه بموروث ثقافي واجتماعي بل وسياسي أيضا..

بالنسة إلي أنا عشت في محافظة أسيوط بصعيد مصر حتى سنة الـ17 وغادرت أسيوط إلى قاهرة المعز فور التحاقي بكلية الإعلام جامعة القاهرة وبانتقالي للقاهرة بدأت حياة جديدة تماما.. أكثر نضجا وأكثر معرفة.. ورغم ذلك عند إقدامي على الخوض فى عالم الكتابة الأدبية وجدتني مشدود لعالم القرية والريف المصري ومتأثر به في بيئة القصة والرواية.. البداية كانت من خلال كتابة قصص قصيرة متفرقة بموقع "حريتنا" ومن ثم وبتشجيع جاد من دار شمس للنشر والإعلام وجدتني أصدر أول مجموعة قصصية مطبوعة وهي المجموعة القصصية "رجل العباءة".

 

لك تجربة صحفية فريدة في كتابة المقالة، فما هي خصائصها وآلياتها من وجهة نظرك كأكاديمي؟ حدثنا عن مساهماتك الثرية في العديد من المنابر الإعلامية؟

- على الرغم من تخرجي عام 2013، إلا انني بدأت العمل الصحفي من السنة الثانية لي كطالب في كلية الإعلام.. سأحكي لك قصة سريعة مهدت لعملي الصحفي.. في أولى سنواتى بالقاهرة عملت إلى جانب الدراسة في وظيفة "رجل أمن" في شركة خاصة وكان ذلك فى المكتبة المركزية لجامعة القاهرة يوميا لمدة 12 ساعة ليلًا، وقد أتاحت لي تلك الوظيفة أن أجد نفسي وسط كنز من الكتب المتنوعة في كل المجالات وتلك كانت بدايتي الحقيقية في إثراء ملكة القراءة.. قرأت في الأدب والسياسة والجغرافيا السياسية والتاريخ والأديان..

أعود للصحافة، بدأت في موقع حريتنا وتدرجت فيه من محرر تحت التدريب حتى أصبحت رئيسا للتحرير وكانت هوية الموقع شبابية تؤمن بأن المستقبل للشباب وبالشباب، بعدها انتقلت لعدد من الصحف والمواقع الإخبارية كجريدة التحرير والجريدة الكويتية وشبكة الإعلام العربية.. آمنت دوما بأن المصداقية والمهنية مقدسات كالمقدسات الدينية لا يمكن المساس بهما أثناء العمل الصحفي، وتركزت مقالاتي حول الشأن السياسي سواء المحلي أو الإقليمي، اعتمدت في ذلك على جمع المعلومة من أكثر من مصدر وتوثيقها بالأدلة وإحداث التوازن بين الآراء المعروضة ووجهات النظر المختلفة تجاه القضية محل النقاش بالمقال.. أعتقد أنني ساهمت بقدر معقول في تقديم صحافة حرة صادقة حتى لو كان ذلك في مناخ سياسي يناهض الحريات.

 

في مجال الأدب، أي شيء دفعك أولا لخوض تجربة كتابة قصص "رجل العباءة"؟ما هو مضمونها باختصار؟

- بعد كتابة عدد من قصص المجموعة القصصية "رجل العباءة" ونشرها إلكترونيا وجدت أنه من الضروري جمع هذه القصص في عمل واحد متكامل يظل متاحا للجميع لسنوات وسنوات..

أما بخصوص مضمون المجموعة فإنها حكايات واقعية من قلب الشارع والمجتمع، وأخرى من خيالي،امتزجت جميعها عبر أسلوب سهل وبسيط كي يناسب مستويات ثقافية متمايزة..

أنا أعتبر "رجل العباءة" مجموعة قصصية متنوعة استمدت أفكارها من المناخ الاجتماعي المحيط والذي ظهر خلاله على السطح رجال الدين بقوة بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وقد حاولت في جل قصص المجموعة إبراز الجانب الآخر الخفي لرجال الدين والتعمق أكثر داخل مسببات أحكامهم وفتاويهم التي أعتبرها نوعا من"المتاجرة" و"المرض النفسي".

 

لماذا اخترت "الإفطار الأخير" عنوانا لروايتك الأولى الصادرة عن دار شمس للنشر والإعلام سنة 2015، وما هو مدلول هذه التسمية عندك؟

- رواية الإفطار الأخير تدور أحداثها في شهر رمضان الذي ورغم مكانته الدينية والروحية في قلوب المسلمين لكن أبطال الرواية بدوا كأنهم شياطين غير مكبلة تمارس الفساد الأخلاقي والديني والسياسي بلا وازع أو خجل وعليه تكون النهاية الحتمية هي تسممهم في إفطارهم الجماعي الأخير داخل أحد المساجد.

 

 

كم كانت ذاتك حاضرة فيها أثناء عملية الكتابة؟ حدثنا عن شخوصها بإيجاز؟

أعتقد أنني كنت حاضر بكل وجداني لأن الرواية خليط ما بين الواقع الذي عايشته وبين الخيال لذي يخدم فكرة الرواية.. الكثير من شخوصها وأحداثها مستمدة من الواقع.. تجد رجل الأعمال محمود البياض الساعي لعضوية البرلمان مهما كلفه الأمر والشيخ عيسوي إمام المسجد الذي يمارس الزنا مع إحدى سيدات القرية، وحسن الشاب الذي يمارس الخيانة ثم يتعرض لها، والشيف عبده الطباخ المحتال الذي يقدم لزبائنه لحوم عفنة، والفتاة داليا التي تقتل بدم بارد من نجل رجل الأعمال أثناء محاولة إجهاض جنينها، وغيرهم من الشخصيات الثانوية الأخرى التي تكتمل معها صورة المدينة الفاسدة.

عنوان روايتك الأخيرة "سجن العقرب" يستفز القارئ ليعيده إلى أدب السجون، فكيف تم اختياره ولماذا؟

اختيارالعنوان كان سهلا.. مباشرا.. يعكس الفكرة الأساسية للرواية وهي ما يحدث داخل سجن العقرب شديد الحراسة فى مصر من أهوال وتعذيب وامتهان للسجناء السياسيين وحقوقهم..

 

تدور أحداث "سجن العقرب" عموما حول قصة الشاب "محمد مظلوم" الذي تلقي به الظروف في أشد حصون التعذيب شهرة لمجرد سقوطه في كمين أمني وهو يرتدي "تي شريت" مطبوع عليه عبارة "وطن بلا تعذيب"، فكيف جاءت فكرة هذه الرواية وما هي رسالتك للمتلقي باختصار؟

- الفكرة جاءتني من قضية "معتقل التيشيرت" وهو الطفل الذي تعرض للحبس عامين في السجون المصرية لأنه كان يرتدي تيشيرت مدون عليه عبارة "وطن بلا تعذيب"..

رسالتي أن الحرية هي أغلى قيمة عند الإنسان وأن مناخ سلب وقمع الحريات لا يمكن له إلا وأن ينتج أشخاص لا يؤمنون بفكرة الأوطان أو الانتماء وأنهم مهما طال الظلم والظلام لن يتخلوا عن حريتهم حتى لو كانت تلك الحرية هي الموت الذي تتحرر فيه أرواحهم من أجسادهم..

 

أين يلتقي هشام شعبان الصحفي مع المبدع عموما؟

- أعتقد أنهما لا يفترقان من الأساس فالصحافة والأدب وجهان لعملة واحدة.

 

ما هي أهم الركائز الأساسية لنجاح القصة و الرواية من منطلق تجربتك الخاصة؟

- الفكرة الجديدة والعرض المختلف لهذه الفكرة، وإبراز عنصر التشويق والحبكة المحكمة وعدم الإطالة في السرد بما لا يخدم فكرة القصة أو الرواية إلى جانب التميز فى وصف الأفكار والصراعات داخل نفوس شخصيات العمل الأدبي.

 

ما رأيك في النشر الورقي حاليا في مصر مع موجة النشر الالكتروني؟ ولماذا وقع اختيارك على دار شمس للنشر والإعلام تحديدا؟

- هناك تراجع كبير للنشر الورقي والبعض خصوصا الكتاب الشباب يلجأون للنشر الإلكتروني لأن طريقه أسهل في الوصول للجمهور بلا تكاليف باهظة..

دار شمس واحدة من أكثر دور النشر تميزا فى مصر من حيث الالتزام الأدبي والنشر والتوزيع، إلى جانب أنها دار عريقة تعاون معها الكثير من كبار الكتاب والأدباء المصريين والعرب وأعتقد أنه شرف لي التعاون معها وأتمنى استمرار هذا التعاون في المستقبل.

 

ما هو مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟

- أنا قريب إلى حد ما ومن المعجبين بشدة بالكتاب واسيني الأعرج وأحلام مستغماني وكذلك أبو الأدب عبد الحميد بن هدوقة، ورأيي أن الأدب الجزائري كان شاهدا على تاريخ المغرب العربي وانقسم لمرحلتين، مرحلة الاستعمار الفرنسي ومرحلة التحرير، كما أنه اهتم بالتنوع العرقي والأقليات والكتابات الأمازيغية حاضرة وشاهدة في هذا الإطار.

 

ما هي مشاريعك المستقبلية؟

- أجهز حاليا لكتاب اسمه "100 مشهد سينما"، حيث أبتعد قليلا عن القصة والرواية لتوثيق أهم 100 مشهد سينما من حيث السيناريو والحوار في رأيي. فانا أعتقد أن تاريخ وتراث السينما المصرية يستحق أن يكون هناك عملا جامعا على تلك الشاكلة..

 

كلمة ختامية للقارئ؟

- نصيحتي للجميع بالقراءة، ثم القراءة، ثم القراءة في جميع المجالات ودون كلل أو ملل.. ومن يرى في نفسه موهبة الكتابة فليبادر ويكتب، ومن لديه رسالة أو علم لا يحتفظ به لنفسه.. إذا كنا متأخرين في عالمنا العربي فانظروا للفارق بيننا وبين الغرب في معدل القراءة وستعرفون السبب.

 

حاوره: عبد القادر كعبان/الجزائر

 

maymon harashمحمد يويو شاب أنيق،من مواليد مدينة الناظور  المغربية/ 1987، آمن بقوة الكلمة، وأثرها في النفس ،وفي التغيير ؛ يحب الشعر، ويعشق الشعراء  ، ينظم مثلهم  شعراً،ويلقيه بطريقة فيلمية جميلة؛ فوق الخشبة يتلبسه " شيطانه"،يقترب من الميكروفون حتى لتظن أنه سيلتهمه، لكنه كالنسمة يصير وهو يقرأ ..

حاصل على شهادة الإجازة في الأدب العربي،ونال جوائز عدة أشرفت عليها جهات مختصة داخل المغرب وخارجه، منها جائزة الديوان الأول ، والمرتبة الأولى لدار التكوين للنشر والترجمة بسوريا  في دورتها الثانية عام 2016 عن ديوانه الجميل "الأسود الذي لا ترينه"، ومن جوائزه الجميلة أيضاً  هي حين فاجأنا الناقد والقاص الخضر الورياشي، والذي وقف وهتف أما جمهور غفير كان يتابع محمد يويو وهو يقرأ شعره ،ثم صرخ وقال : "أشهد أنك شاعر فيلسوف".

ونشهد  مع الشاهدين أنه شاعــر ..نعم إنه الشاعـر محمد يويو..

مرحباً بك في "العرين"سي محمد ..

 

س- من هو محمد يويو؟

ج- نسق من الصور التي يتحدد اتساقها، في سيرورة التضارب الحتمي بين ثنائيات: الضوء والعتمة٬ الحياة والموت٬ الاخضرار واليباس٬ في رفض مستمر للركود والوثوقية، وبحث سرمدي عن فكرة الشعر.

 

س-  أنت شاعر شاب، ونجمك في تصاعد مستمر ..كيف أصبحت شاعــراً، وبهذا الوهج؟

ج- أحببت الشعر مذ كنت أنصب الفخاخ للعصافير٬ أعواداً صمغية بين العاقول، عساني أظفر بواحد، قد يتوسلها متّكأ. وقتها كانت هوايتي تستيف الألفاظ الموزونة المقفاة على ورقة، ليست أقلّ بياضاً من أوراقي الحالية، وتضمينها آخر السطر الشعري، لأبني عليها ما اعتقدت أنه شعر.

تجربتي الشعرية تبقى في مرحلة جنينية؛ باعتبارها محاولات ترنو إلى اِلتماس الجمالي، والاِنفلات من الخيال، واغتراف الهذيان، واِستجداء اللحظة الخاطفة، بعيداً عن أي محدّدات مسبقة. في بعد إنساني متساوق مع الوجود، تلافياً للقيود التي قد تمارسها الخلفيات الأيديولوجية أو المذهبية.

نلتَ شهادة الإجازة في الأدب العربي في موضوع " شعر الهايكو" بإشراف الدكتور البهي فريد أمعضشو..

 

- ما قصة هذا النوع من الشعر؟، وما هي  الخلاصات التي توصلتَ إليها في شأن شعر "الهايكو" في بحثك ؟

ج- في الحقيقة، بِدْءُ “قصة” الهايكو معي،كان بتتبعي لنتاجات شاعرنا الغزير سامح درويش،إلى جانب إبداعات شعراء عرب آخرين في هذا اللون، فبعد القراءة تلو  القراءة، سواء من جهة الإبداع أو النقد أو الترجمة، تمخضت فكرة اتخاذه موضوعاً لبحثي؛ استشرت الشاعر سامح درويش فاعتبره سبقاً، كما جالست الدكتور فريد أمعضشو؛ المشرف على بحثي٬ فأمدّني بعديد الاقتراحات، للشكل الذي سيكون عليه العمل، ليستقرّ الحال على خطة تتبيّن الخطوط العريضة لهذا الشكل الشعري، المنتقل إلى الثقافة العربية، إثْر الاحتكاك الثقافي، والتلاقي المعرفي بالأدب الياباني.

وبتعريف كلاسيكي: تتحدد قصيدة الهايكو في بيت واحد، مؤلّف من سبعة عشر مقطعاً صوتياً، تتوزع على ثلاثة أسطر (5-7-5)، مع الإشارة إلى فصل أو سيماء من منظر طبيعي، بعبارة أو كلمة تسمى »كيغو«، ومع تعذر نقل أو الاحتفاظ بعدد المقاطع، نظراً لخصوصيات كلّ لغة. دون أن نغفل التغييرات الجذرية التي دخلت عليها،شكلا ومضموناً،من قبل من حملوا على عاتقهم هاجس التجديد.

وعموما؛ فشعر الهايكو الياباني؛ يظل لوناً أدبياً صاعداً باطراد في المشهد الثقافي العربي المعاصر، غير أنه لم يتمكّن بعدُ من الخروج  من موقع الانكفاء إلى موقع تفاعلية أنضج وأكثر تجذراً، ممّا يؤشّر على ميلاد رؤى جديدة، وتحولات قد تطاله، فهو ما يزال مادة دسمة للمبدعين والدارسين على حدّ سواء.

 

س-  في بحر هذه السنة 2016  شاركتَ بوجدة في الموكب الأدبي في نسخته الثالثة ،والذي احتفى بشعر الهايكو،صف لنا هذه التجربة؟ ومن هم الشعراء الذين تعرفتهم في وجدة،وهل جمعكم لقاءٌ وحوار حول هموم مشتركة..؟

ج- الحق؛ أنّ الموكب الأدبي لهذا العام٬ كما أسلفتَ الذكر، أخذ منحى آخر، بانخراطه في المسعى التوثيقي لشعر الهايكو العربي، وتعميق الرؤى في موضوعه؛ إن كان نقداً أو إبداعاً،ومد جسور التلاقح والتفاعل، إذ الشرط الثقافي، من هذا المنظور، يعني بالضرورة الانفتاح على البيئات المختلفة، والتّعرض لها، ومساءلتها واستكناه الحساسيات الفنية والجمالية المتعددة، والبحث في الروابط التعالقية المشتركة بين الآداب العالمية.

هي تجربة نوعية في المشهد العربي، تحسب للموكب الأدبي الذي صهر ثلة من مبدعي ونقاد ومترجمي الهايكو، من شتى أقطار العالم٬ في بوتقة السحر والجمال.

وقد كان لي حظ تقاسم بعض لحظات الموكب مع العديد منهم: أذكر، لا على سبيل الحصر: الشاعر سامح درويش ،والكاتب والشاعر عبد القادر الجموسي، والشاعرة التونسية هدى حاجي، والشاعر الجزائري معاشو قرور، والناقد الجميل مراد الخطيبي، والمترجمة القديرة رجاء مرجاني، بالإضافة إلى المحتفى بتجربته في ندوة الهايكو؛ الشاعر الياباني المعاصر بانيا ناتسو يشي، إلى جانب رفيقة دربه الشاعرة سايومي كاماكورا؛ التي أهدتني تذكاراً جميلا حملته معها. واللحظة التي ستبقى راسخة في ذهني؛ جلوسي بين يدي الشاعر العراقي الكبير عبد الكريم كاصد ومشاركتي إياه وجبة الغداء، حيث تجاذبنا أطراف الحوار حول الهايكو وبعض ملامحه ومتغيراته، وحال الشعر في الوسط العربي، كما حدّثني عن الصورة الراهنة للشعر الإنجليزي لكونه مقيماً بلندن منذ أزيد من20 سنة. وبعدها أهداني؛ بالمناسبة، النسخة الوحيدة من ديوانه "الحقائب" الـذي صاحبه في سفره، كما ذكر.

 

س- في مسابقات شعرية عديدة نلتَ جوائز أدبية مهمة، آخرها جائزة الديوان الأول ، والمرتبة الأولى لدار التكوين للنشر والترجمة بسوريا  في دورتها الثانية عام 2016 عن ديوانك الذي أسميته "الأسود الذي لا ترينه" ..وللعلم لقد بلغ عدد المجوعات الشعرية المشاركة 117،موزعة على النحو التالي :سوريا: 37، العراق: 22، مصر: 11، المغرب: 14،الجزائر: 13، تونس: 7: فلسطين: 7، ولبنان: 6 مجموعات... ونيلك للرتبة الأولى ضمن هذه الكوكبة الشعرية المهمة  شرف لك ووسام لمدينتك الناظور..

حدثنا عن هذا الاستحقاق..؟

ج-  "جائزة الديوان الأول الشعرية" من دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر بدمشق للشعراء الذين يكتبون بالعربية، جائزة تقوم برصد النبض المبدع، واكتشاف الأسماء الجديدة في الخريطة الشعرية. أول ما وردني خبر مائها، لم أتردد كثيراً في المشاركة، فأخذت أسعى في تهذيب ما قد يحتمل تهذيبا من قصائدي وتثقيفها، ورياضة أخرى، والنظر فيما أقصده وما لا أقصده. لأرسل ديواني الذي أسميته "الأسود الذي لا ترينه" عبر إيميل الجائزة. وهكذا بعد مضي أشهر، أتاني الشاعر ومدير دار التكوين سامي أحمد ببشارة نيلي للجائزة مناصفة مع الشاعرة السورية رامة عرفات.

 

س-  دعني أنقل للقراء الكرام تقرير اللجنة حول مسوغات منحك للجائزة ثم أسألك بعد ذلك :

"ما يميز هذا الشاعـر اعتناؤه بالقصيدة، فهي تتحرك بترسَّل، وتنمو على مهل، بين تلك البدايات الغامضة، حتى النهايات القابلة للتأويل المتعدد، وبذلك تتفادى قصيدتُهُ اللهاثَ والتداعي، في اختزال داخلي وأناقة مبسطة في البناء، وتتناغم فيها الفكرة مع الصورة بانسياب أليفٍ، وإذا تبدو عبارته مسترخية، وصُورُهُ ملتقطة بتأنٍ، فإنها متوترة من الداخل بذلك "الأسى الشفيف"بفعل صورة غير مبهجة عن العالم، يعتكف إزاءها صوت الشاعـر نحو الداخل ويستغرق في التأمل، واستلال حيرة الأعماق، ليقدم لنا تجربة أليفة لقصيدة المونولوج، لكنه ليس المونولوج أحادي النبرة تماماً، حيث الفرد والآخرون بلا صخب ظاهر يتسللون في ذلك الظلام الداخلي. وحيث البحث في "الأسود" الذي يبدو فضاء الرؤيا الخاصة غير المتاحة للجميع. وهكذا تلتبس، أو بالأحرى تنقلب، الأنا بالأنت في تشيؤ للذات بمواجهة مأزق الخارج..."

 

س-  أنت تستحق هذا الكلام الرائع في حقك سي محمد،هنيئاً..  التقرير يصف شعرك : اعتناء- أناقة- تجربة أليفة لقصيدة المونولوج - استغراق في التأمل ...هل تراهن فعلاً ، في قصيدتك، على هذه الأشياء؟

ج- القصائد كما المصائر هي مكتوبة علينا. قد نختار منها ونعدّل، فيما نعتقد أننا نملكه. غير أنها تتملّكنا.

 

س- تعتني كثيراً بقصيدة المونولوج ، وهذا المونولوج ليس أحادي النبرة حيث يندغم فيه الفرد والآخرون معاً ..فما دور المونولوج في شعرك،وما يضيف لقصائدك ..؟

ج- في داخلي أصوات تتغورّ في بؤرة مركزية الحضور،حضور يؤنَس عبر لاوعي الشاعر، هو حضور موجب للوحدة، ومثقل بتجليات إنسانية منهكة، وبعلائق وجودية مرئية ولا مرئية، يهمش المركزية ويعطي الكلمة للهوامش، هو العالم بعد إحالته فضاءً جوانيّا..كما يقول ريلكه، يحابي المعقول دون أن يكون ممكن الإثبات، يقود إلى الهذيان دون أن يبلغ تخومه، يحاول أن يُسمِع دون أن ينتهي السامع إلى نهاية مؤكدة، حينذاك يبقى الحضور نبوءة، تبقى القصيدة نبوءة، حيّة النبض في إيقاع لا نهائي، جرساً معلّقاً في عنق جثة حديثة التحلل.

 

س- هل صحيح أنك تزهد بالقضايا " الكبرى" في شعرك كما ورد في تقرير اللجنة ؟

ج- في الشعر قد نضطر أحياناً، إلى الاستغناء عن القضايا الجاهزة مع الاحتفاظ بعلة كينونتها، في وجودها، إذا كنا ننشد الخروج، من ضيق المحلية إلى كونية أرحب، نستغني عن الحب، ونُبقي على علّة وجوده، نستغني عن الوطن، ونبقي على علة وجوده، وكذا مع الحرية والهوية وغيرها. ونُبقي على الموت لأنّه علّة وجود. فهذه هموم مشتركة قد نغيّبها لكنها لا تسقط ولا تتقادم، حضورها يتبدّى في تباين طرائق تشكيلها، وفي حقيقتها الصلبة والقائمة، إذ ذاك بمقدورنا أن نقول؛ هي حاضرة دائماً بنسب متفاوتة، نستعيض عنها بأثرها، بكشف رؤيوي، ولازمة.

 

س- تنحاز في شعرك لقضية الإنسان الوجودية في حيرته ومتاهته. هلا مثلتَ لنا ببعض شعرك مما يؤكد هذا الطرح؟

ج- النفاذ إلى دخيلاء العالم والأشياء، وتعرية جوهرها، يكشف التوتر الرافض لكل تصنيف أو تجزيء، ويعكس الكيان المهيمن الذي يؤالف بين عناصره، التي تنبثق منه وتنغرس فيه.  هو الكيان الإنساني وامتداده الكياني، أي وهاجس المصير. القلق الذي يصاحبه حيث تختل توازناته، لتنتفض الروح المبدعة وتؤسّس مسارها، فيبقى الأثر الأدبي بعيدا عن أية انفعالية آنية، أو حماسة زائلة، شأن شعلة تنطفئ بهمسة في أذن الريح.

[أولئك الذين...

يغسلون أيديهم..

قبل الموت بالشمع المذاب

يهملون نظافة أسنانهم

ولا يتنازلون عن فكرة

الخبطات النحاسية بعد منتصف الليل

أحدهم سيتمكّن

من ملاحقة سرّ الحدبة على الباب

سيتأخّر بخطوتين

تاركًا أزرارا ملوّنة على الطريق الرّخامية]

 

س- في أشعارك كثير من " التأمل".. لماذا هذا المنحى الفلسفي؟

ج- ثمة شيء لابد من إيضاحه. ففي مرحلة صباي، كنت شخصية انطوائية بشكل مرهق، كتوماً، أفضل أن أبقى بمفردي معظم الوقت، في علاقاتي؛ أكتفي بصديق أو صديقين،أكثر من النظر في التفاصيل، خجولا، يلزمني وقت قبل الاستجابة لأي عامل خارجي أو مثير، أتضايق عندما أكون محط أنظار الناس، لا أجد الراحة إلاّ بانعزالي في غرفتي. ولا أنكر أنّ بعضاً من هذه السّمات ما تزال فيّ، ولا يعني ذلك كما يظن كثير من الناس، بأنها شيء سلبي. سلبي؛ نعم، إن كانت عائقاً في التطور، وتحصيل وتحسين مهارات التواصل والعلاقات الاجتماعية.

وعليه، فالبيئة المعيشة أذكت ذلك الحس التأملي حسبما أعتقد. وكذا فتوارد الأفكار وتوالدها في العملية الكتابية، نابع من مخازن الذاكرة، من خلال تعاقب القراءات وتواليها، وتسخير القديم جنب الحديث، استناداً إلى الخبرة القرائية المتراكمة، بمعنى أنّ "نوعية القراءة" تندرج ضمن محددات المسار الكتابي للمبدع. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، ليس للشعر سوى أن يكون ميتافيزيقياً.

 

س- كثير من الشعراء الشباب في مثل سنك ينساقون ،بطبيعة عمرهم، نحو موضوعات الحب والغرام ،و الحديث عن فتاة الأحلام ..أنت مختلف تماماً ،تغرق في التأمل،والبصيرة الداخلية، وتتحدث عن الموت ،وقلق الإنسان في صراعه مع الحياة،وفي حيرته ومتاهته،و في فنائه ومصيره .. وهذه موضوعات كبرى تتخطى عمرك "ربما"فهل هذا اختيار مقصود أم تميز أم ماذا بالضبط ؟

ج- على الأقل الموت لن يخذلنا. والموت كانشغال هو انعتاق للقصيدة، وتخليص لها من كهف أفلاطون.

 

س- " الأسود الذي ترينه" هو عنوان ديوانك الفائـز في جائزة التكوين الأول بسوريا ..كيف اهتديتَ إلى هذا العنوان؟ وهل له علاقة برواية أحلام مستغانمي :"الأسود يليق بك "؟

ج- غالباً ما تقترن عنونة الدواوين لدى الشعراء بشيئين:أن يكون هذا العنوان لقصيدة داخل الديوان، أو دالاّ،مشيراً إلى فحواه. ف "الأسود الذي لا ترينه" يحمل تحته قصيدة، وحادثة أليمة وقعت لأختي، جعلتني أشدّ كثيراً إليه، وأردّده وأردّد أسطر القصيدة، لأتخذه بعدها عنوانا للديوان. ولا ارتباط له برواية أحلام مستغانمي.

 

س- تتناول قضية الموت في بعض قصائدك الجميلة، تقول :

[لماذا لا نأخذ حقائبنا

ونحن ذاهبون إلى القبور؟

ألا يعدّ الموت سفرًا؟

بتحريف طفيف في نص خاتمة الموضوع

لنثق في النجار ونلق له بعض الدنانير

الخشبية

ونلق خطابا يليق بمسافر

كي يحسن غلق الباب وراءنا

لا بأس بسرقة بعض النار من القنديل

وبعض من الأزهار البريّة

وبعض الماء من كوز جارتنا النحيفة

فلا أمان..

لن نحتاج لمناديل ورقية أبدا

ولا لعصفور بوكوفسكي

فلا يزال أسيرا رغم كلّ ما جرى

ويجري

.. وبعدها..

لنقبّل حربة الآشوري المتجهم

فنحن لن نخاف الموت حتمًا

فلسنا في القرن السابع قبل الميلاد]

أعتبر هذه القصيدة الجميلة دعوة للتصالح مع عالم آخر مليء بالأسرار،وإني أراك- حتى وأنت تتحدث عن موضوع شائك وحزين مثل الموت- تتحرر وجدانياً، وتزرع الأمل في نفوس لا المسافر/ الميت فحسب كما ورد في قصيدتك، بل في منْ يبقى وراءه ،وما يخلفه من ذكريات وحياة،وأصدقاء... هل توافقني شاعري في هذا الطرح؟

ج- قراءتك جميلة، أمّا عن تيمة الموت في الشعر فليست حديثة، وقد تناولتها نازك الملائكة قضية من قضايا الشعر المعاصر عن شعر عدد من المبدعين، وذكرت بأن الحياة العميقة الكاملة، لا تصل قمتها من الإدراك والوعي، حتى تندغم بالموت، وتفهمه فهماً جمالياً خالصاً. وسبق أن ألمحنا إلى ما تمثلّه تيمة الموت للقصيدة.

 

س - أحيتْ مدينة الناظور مهرجانَها الدولي للشعر في بحر هذه السنة2016،وشاعر متمكن وأثير بحجمك،وفوق ذلك ابن هذه المدينة ،لماذا لم تُستدعَ إلى هذا العرس الشعري ..هل هذا إقصاء مقصود، أم عدم اعتراف، أم تقصير من أهلك من الناظور؟.. أم هو تكريس للمثل الذي يقول بأن فنان الحي لا يطرب؟

 

ج-  كانت لي مشاركة قيصرية في ذات المهرجان العام الماضي، وحقيقة؛ رابطة المبدعين المغاربة بالريف تقوم بعمل يحمد لها، ولا ينكره لبيب، في التعريف بمدينتنا العزيزة وإضفاء الطابع الدولي عليها.

 

س- شاركت ببركان،بحر هذه السنة 2016، في ملتقى أدب الشباب، وكنت لافتاً كعادتك..ماذا في زوادتك من أخبار جديدة عن هذه التجربة؟.

ج- ملتقى أبركان لأدب الشباب، محطة غنية يحلم بإضافتها كل شاب لمسيرته الأدبية، عطاءاتهم شهدت لهم بالتميز، أحبّونا وأحببناهم.

 

س- لأدائك في قراءة الشعر سحر خاص، هل تعي فعلاً حضورك البهي حين تقرأ شعرك،هل تتقصد هذا الأداء أم يأتي عفوياً؟

ج- أؤمن دائماً أنّ التذوق الفني ملازم لإنشاد الشعر، والاقتدار والتمكن من الإلقاء يكسب الشاعر هيبة، وهو يأتي سليقة يقتضي مع ذلك الدربة والمران؛ فمن طقوس إلقاء الشعر لدي، أني قبل أيّة مشاركة أدبية، أعيد مراراً إلقاء قصائدي أمام المرآة وأراقب حركاتي. غير أنّ الأمر يختلف إذا جدّ الجدّ؛ أدخل في حالة سكر ولا وعي، لا أخرج منها إلاّ مع تنبيه الحضور.

 

س- لمن تقول دع الشعر جانباً، فهو " الأسود الزاهي الذي لا تراه" وابحث عن شيء آخر ؟

ج- يحضرني قول الشاعر الهندي ألطاف حسين حالي؛ يقول: "لا يسلك طريق الشعر إلا الرجل الذي أودعت في فطرته هذه الملكة وإلا ذهبت جميع محاولاته وجهوده سدى".ولا يجب أن نقطع الطريق على أحد، فالزمن كفيل بأن يحفظ للشاعر الحقّ حقّه.

 

س-  أحيت جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون بالناظور الملتقى الأول للقراءة والأدب في 25 يناير 2016، تحت شعار " اقرأ"..ولقد شرفتَ المركب الثقافي بحضورك، وقرأت شعرك الجميل ،واحتدت الأكفُ لك بالتصفيق كما العادة.. ما تقييمك لهذا الملتقى الذي حضره شعراء كثيرون من مدنٍ مغربية مختلفة؟

ج- ما قلته عن رابطة المبدعين المغاربة بالريف، أقوله عن جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون؛ فهما تقومان بعمل كبير رغم الإمكانيات المحدودة والموارد الضئيلة، في سبيل النهوض بالواقع الثقافي، والمساهمة في تحقيق فاعلية أكبر للذات المبدعة. وفعلا؛ سعدت بحضوري ومشاركتي في ملتقى "اقرأ" الذي كان ناجحاً من حيث الثقل الأدبي، غير أنّني ألوم قليلا على "جسور" تقصيرها في الجانب الدعائي لهذا النشاط الجميل.

 

س- كيف تجد الحركة الشعرية بمدينة الناظور، ومن هم شعراء مدينتك الذين يصيبون هوىً في نفسك؟

ج- سأردد ما قاله شاعرنا الكبير الحسين القمري حينما سئل عن الساحة الأدبية بالناضور فقال: "نامت" وأَتبَعَها بضحكة. ولا أنكر الحراك "المناسباتي" إن شئنا تسميته، الذي يتسم بعدم الانتظام واللا ديمومة. أمّا عن الشق الثاني من السؤال؛ فقد قرأت للشاعر الحسين القمري، عمله "هديل الروح" عن منشورات اتحاد كتاب المغرب، ولا أجد ما أقول، بعدما قال عنه البياتي حينما أتى يُسمعه بعض أبياته: "أعدها عليّ كي أدوّنها". ومؤخراً فقط؛ قمت بزيارة له، لكن كما أُخبرت؛ نظراً لحالته الصحية، قلّما تجده هناك.

 

س- ؟ ماذا في الأفق؟وماهي مشاريعك الأدبية في المستقبل؟

ج- كل الخير، إن شاء الله.

 

س- رأيك في : قصيدة النثر- القصة القصيرة جداً..

ج- قصيدة النثر؛ أحبها. والقصة القصيرة جدّاً في الناضور تحديداً؛ تطول هامتها.

 

س-  شكراً لك ،وكلمة أخيرة سي محمد ..

ج- أشكرك أستاذي الغالي ميمون حرش، على الاستضافة الكريمة في "حوارات العرين"، ورجائي أنّي كنت ضيفاً خفيف الظل.

 

abdulkadir kabanلا يحتاج القارئ العربي  إلى أن نقدم له المبدع نضال كرم، لأنه اليوم أحد الأسماء الشعرية العربية البارزة في المشهد الأدبي بعد صدور العديد من مجموعاته الشعرية ومنها "أعيش بك وبالحب"، "لهمس تعتق من حبر الغياب"، "حلم في ارتباك الروح"، "تمطرني حبا.. أسرف في الموت"، كما كتب في المقال السياسي و القصة والرواية. في هذا الحوار نقترب من بعض اهتماماته الأدبية عموما والروائية بشكل خاص لنكتشف القضية الرئيسة لهذا المبدع السوري وطموحاته في عالم الأدب والثقافة مستقبلا.

 

أولا من هو نضال كرم الإنسان؟

- الرجل الطفل، البسيط حد التعقيد، والحر حتى آخر قيد صدئ في زنزانة الحياة التي أرادها الإنسان الوحشي، المتواضع حد الغرور، والعميق في حزنه حتى آخر نبض له، المحب المنغلق على معنى الحب حتى تجاوز الكون والمنفتح في منح الحب حد البكاء ، وضع الكون في زجاجة واحتفظ بها في يده ولم تتأتى له الشجاعة لكي يرميها في بحر الجنون

الحالم بفوز روحه وانعتاقها من ترهات كثيرة أهمها الحياة، المتصالح مع نفسه حد التناقض والمزاجي الودود من دون إيذاء لروح، الثائر على التخاذل والرافض للكذب حتى الموت

المتعقل حد الجنون، والثابت على سخريته من بشاعة أزهقت الإنسانية أو تكاد.

 

كيف يرسم نضال كرم الشاعر بداياته؟

- تشكَّلَ عالمي الخاص بحساسية كبيرة غير مقصودة، لكن بالمقابل بذلتُ ما في وسعي من عناية فائقة لتفاصيل ربما تكون غير ذات أهمية لكثيرين في هذا العالم.

من دون تعقيد وببساطة طفل، جعلتُ الحروف أصدقاء لي، فكنتُ وفياً لها وسرعان ما انجذبتْ إليَّ بطواعية ومرونة، وكالشجرة التي تواجه تعاقب الفصول نَمَتْ في داخلي الرؤى فاهتممتُ بها، ورعيتُ الأفكار التي تبني الإنسان قبل المدن، مبتعداً عن الفذلكة في صوغ ما أسطّره، فكان السطر صراطاً والحرف نجاة .. لروحي.

 

- ماذا تعني لك كلمة "قصيدة" بمفهومها الأدبي؟

القصيدة كائن يكتمل تكوينه في لحظة الانتهاء من خلقه، فيُدْهَشُ ذاك الذي أسلم روحه لها،يسألها : من أنت ؟! ما هكذا أردتُ أن تكوني .

القصيدة كائنٌ جسده الحروف و روحه الفكرة، أي معنى و مبنى،وعملية التجانس في الخلق بالنسبة للغة الإبداع الشعري تتماهى روح الجمال فيها مع الشعور الخاص، وفق نظام لغة ينتصر عليه من أراد للقصيدة أن تحيا، فيحقق فيما يترك فرادة تعنيه وحده .الشعر فضاء مفتوح على خلق نوعي يتجاوز معنى الخلق الاعتيادي، لأنه حر منفلت الشعور.

والقصيدة تستمد وجودها من روح صادقة، ومن يدَّعي أو يستسهل هنا إنما يترك في حقيقة الأمر مسخاً بليداً أو وليداً مشوَّهاً .

 

لك العديد من المجموعات الشعرية فحدثنا عن هذه التجربة باختصار؟ وكيف كانت تجربتك الأولى مع النشر الورقي؟

- لكل كتاب شعري خاصية معينة، والانتباه إلى تطور التجربة الشعرية يتم لجهة الأسلوب والطريقة والمضمون، أما الروح الشعرية فواحدة .

أما النشر .. فقد كان في مرحلة متقدمة وبعد قطع عدة أشواط تخلَّلتها فترات كمون، واختزان، كانت الكتابة تقطعها لتترك أثراً .

 

كيف يرى نضال كرم المشهد الشعري العربي اليوم؟ وهل من تطور وتجريب في الكتابة الشعرية خصوصا مع موجة النشر عبر العالم الافتراضي؟

- كل ما في الحياة تغير، وقد أصاب الشعر ما أصاب الحياة، ولكن هل طرأ تغيُّر على جملة الأسئلة التي تواكب كل مرحلة بتطور تجربة الإنسان في الحياة ؟ إذن لابد أن ثمة تطور يحدث أو تقهقر يقع، كل ما يتعلق بالإنسان يشبهه، والشعر لصيق بحياة الناس لا يمكن التصوُّر أن تخلو الحياة منه، وليس ثمة من ينكر اختلاف المزاج العام عن السابق، وانعكاس ذلك على جميع مناحي الحياة ومنها الأدب والشعر بشكل خاص، ثمة من يقوم بفعل تخريبي ظاناً أن فعله تجريبي، والاستخفاف بات كنقل النقطة في هذه الكلمة من مكان لآخر، حتى يغير المعنى تغييراً جذرياً وكارثياً في أحيان كثيرة، وقد ساهم في ذلك غياب دور المؤسسات الثقافية عن تحمُّل مسؤولياتها، وهذا ما يجعل الأمر صعباً في قدرة المرء على تقبُّل موجات الادعاء والاستسهال والنفاق والتردي الصاعق الذي يقع عموماً ، ولكن هل سيستمر هذا الأمر ؟ لا أتوقع، إذ لابد من صحوة وتصحيح في المسار وفرز عميق ودقيق .

لاشك أن النشر الإلكتروني عبر مواقع التواصل الاجتماعي ساهم في كل ما تقدم، ولكن حتى هذا النشر الفوضوي كان قد ترافق بالشكل المبالغ فيه مع هزات سياسية أصابت المنطقة، ونرجو ألا يطول الحال على ما هو عليه .

 

نشرت كتابا بعنوان "ثقب في جدار الصمت" يعكس جملة من مقالاتك السياسية، فلماذا وقع اختيارك على هذا الباب أي المجال السياسي؟

- اخترتُ، قاصداً، مجموعة من المقالات السياسية التي يمكن أن تُقرَأ وإنِ امتدَّ الزمان، الواقع العربي في العموم مأزوم، والسياسات متشابهة، وما قيل أو كُتِبَ في الأمس يمكن أن نُسقطه على أحداث اليوم فنرى تشابهاً في الظروف، وفي المعالجة أيضاً، وما أمكنني قوله في فترة سابقة نراه اليوم يحدث، لأن العرب عموماً لا يستفيدون من تجاربهم، ولا يقرؤون، لذا سعيتُ إلى ترك هذه المجموعة من المقالات في المكتبة العربية علَّها تُقرأ وتفيد .. و لكي تكون شاهداً .

 

أين يلتقي نضال كرم الصحافي مع المبدع عموما؟

- الصحافة مهنة أحببتُها ومارستُها بدافع الحب، ولم أكن مُتفرّغاً للعمل الصحافي، كما أنا الآن لستُ مُتفرّغاً للأدب، وطالما اعتبرتُ أن الإبداع شرط من شروط أي عمل مُؤدّى، فلم أكتب يوماً  للتكسُّب، وما ميَّز تجربتي أن اقتربتُ من الناس وهمومهم فعبَّرت عن شرائح واسعة منهم، ولم أكن لأختص في مجال محدد بكتابتي الصحافية، وكل فترة كنتُ أسمع ممن ألتقي بهم من القراء أو الاختصاصيين في الوسط تصنيفهم لما أكتبه في مجال معين يرونني فيه، فهناك من اعتبرني كاتب اقتصادي، ومنهم من اعتبرني كاتب سياسي وهكذا ..

عندما تولي اهتمامك شؤون الناس وتعبّر عنهم بصدق فأنت تترك أثراً وانطباعاً إيجابياً مهما اختلف التصنيف، فالعبرة لما تكتب، خاصة عندما تشهد اهتمام الدوريات بتواجدك معها وبما تكتبه، وتنشر المواقع الإلكترونية مقالاتك نقلاً عن مصدر أنت اخترت أن تكون فيه  .

 

نضال كرم: كيف كان حضورك كصحافي وسط الإعصار السوري؟ وكيف ترى سوريا مستقبلا؟

- الأدب سرقني من الصحافة، وأجده خيراً فعل في التوقيت المناسب، إذ إن الواقع الذي نشهد أحداثه منذ بَدْءِ ما سُمّي -  بُهتاناً -  بالربيع العربي، لم يعد يحتمل التقوُّل والتكهُّن أو القراءة الذاتية للأحداث، العالم بأسره بات مجنوناً، فهل ثمة فائدة من الكلام مع عالم مجنون؟! لقد اكتفيتُ بما كتبته صحافياً، حتى اللحظة على الأقل، و بتُّ أعبّر عما أريد قوله من خلال الأدب .

أما سورية .. فدروس التاريخ حاضرة، التاريخ النقي البعيد عن الزيف والمغالاة والتزوير الذي يخص غيرها من الأوطان، سورية وطن لن يموت، والحياة فيها مستمرة وستبقى، ما يجب أن يتم التركيز عليه هو بناء الإنسان، وحماية القيم الإنسانية والأخلاقية والتقليل قدر الإمكان من سطوة الحرب ومآسيها داخل نسيج المجتمع، أما ما دون ذلك فهو إلى زوال وأقصد هنا الإرهاب بالتأكيد، سورية ستتعافى، ثمة إيمان مطلق في ذلك .

 

ما تعليقك عن موضة الكتابة الثورية بعد الحراك في سوريا الشقيقة؟

- عندما يكون ما حدث ثورة حقيقية، فالكتابة لن تكون موضة، وكل ما كُتب .. هذراً وصفاقة وتنكُّر لوطن عزيز .

 

من الروايات التي أثارت جدلا في الساحة العربية روايتك الموسومة "ستريتش" لأنها جاءت مرآة عاكسة لتشريح ظاهرة المثلية الجنسية، فما خلفية القصة يا ترى؟

- لا يمكن أن يكون المجتمع بريئاً في وجود أية ظاهرة، وعندما تتفاقم الأمور و يصرُّ المجتمع في محاولة الاختباء أو المراوغة أو الانسحاب من مسؤولياته تجاه أفراده فإنه يقع في المحظور ويستتبع ذلك كوارث تطال جميع شرائحه أو أغلبها، إذن لابد من مواجهة الحقيقة، وعدم الاختباء وراء الأصبع، وإن لم يحدث ذلك، فعلى المجتمع أن يصمت، ويتقبَّل ما جرى، لأنه إما شارك أو تسبَّب في ذلك، الأمر إذن بحاجة إلى مواجهة فاعلة، وكما كتبتُ في إهداء الرواية " الغضب وحده لا يكفي ".

 

لماذا اخترت "ستريتش" عنوانا لروايتك الأولى الصادرة عن دار ليليت للنشر والتوزيع في العام 2014، وما هو مدلول هذه التسمية عندك؟

- العنوان بوابة ويجب أن يعكس المضمون ويعبّر عنه، وأن يكون دالاً بعمق عن الحالة، بتصوّري، عبَّر عنوان الرواية عن الحالة كتوصيف وتصوير لواقع الشريحة المقصودة، ومن البديهي أن يكون لدي قبولاً مبدئياً في وجود بعض الحالات منها، قبول مبدئي إنساني بالطبع، وليس بمن كان فظاً في التعبير عن ذاته ولكن يبدو واضحاً أن المجتمع على شفير الهاوية،وانهيار الأسس التي تقوم عليها منظومة الأخلاق جعلتْ من تفشّي هذه الظاهرة أمراً واقعاً، فكانت الرواية صرخة في وجه مجتمع عفن يدّعي الطهر والنقاء .

 

هل يمكن أن نقول أن "ستريتش" رواية اجتماعية تعالج المسكوت عنه في وطننا العربي كرواية "الخبز الحافي" التي تناولت موضوع المثلية بشقيه الذكري والأنثوي  للمبدع المغربي محمد شكري؟

- ستريتش أكثر جرأة من غيرها من دون إسفاف، تعرية لواقع مأزوم، ومواجهة كما أسلفت لمجتمع فاسد، رغم أن الكثيرين تمنَّوا عليّ لو كنتُ أكثر جرأة في تناول الموضوع، وهم بالتأكيد من أصحاب العقول المنفتحة الذين يمتلكون القدرة مبدئياً على محاورة وقبول المختلف عنهم، ولكن من كان مُصاباً في روحه و مدَّعياً لحالةِ رفضٍ ظاهرٍ سخيف، أو .. مُستنكِراً لوجود هذه الفئة، وفي حقيقة الأمر كان مُلوَّثاً، فقد حكم على نفسه، وليس على الرواية، و هو في الحقيقة ممن تناولته الرواية، حكم بالإقصاء والجهل والاختباء وراء أصبعه المزّرق .   

 

كيف استقبل القراء والنقاد رواية "ستريتش"؟

- موضوع الرواية إشكالي ولا يمكن الاتفاق عليه، ولكن ما لاحظته من خلال متابعتي، وكنت حريصاً على ذلك، أن الانطباعات في أغلبها إيجابية، والنقد الأدبي الذي تناول الرواية كان مُنصِفاً، وأتوقع للرواية المزيد من تناولها نقدياً، ولن تكون محددة بسنوات رواج .

 

كم كانت ذاتك حاضرة فيها أثناء عملية الكتابة؟ وهل هي مستوحاة من قصة واقعية؟

- من الضرورة بمكان أن يتقن الروائي استخدام أدواته في مواضع وتفاصيل كثيرة لكي يكون ناجحاً فيما يكتب، ويتحقق التميز في الكتابة الروائية عندما لا يعرف القارئ شخصية محددة يمكن أن يستدلَّ من خلالها على شخصية الروائي، فتجده في غير شخصية حتى لو كانت جماداً أو كائناً ليس بشرياً، والملفت أن يتمكن من إقناعك بحالة التماهي تلك، فتنجذب لما يقدمه لك .

أدّعي أنني حققت ذلك في الرواية، يُضاف إلى ذلك، كوني أنظمُ الشعر، وقد انطلقتُ منه قبل ولوجي عالم الرواية، ومن المعروف أن الشاعر لا يتقصَّد أو يفتعل حالة ما، بل يتفاعل مع الحالة شعورياً لدرجة عميقة، ومن دون ذلك لا يصل إلى حد التأثير في ذات المتلقي و روحه، ومن تسنى له قراءة رواية " اسبرانزا " يدرك تماماً ما أقصد، فقد غُصتُ في شخصيات كثيرة على اختلافها وتنوعها وتناقضها، و سبرتُ أغوار النفوس لأكون صادقاً فيما أكتب، وكذا الحال بالنسبة لستريتش، فبقدر ما كانت أحداثها وشخصياتها من صلب الواقع، إلا أن الواقع وحده لا يكفي لصنع شرارة التأثير في المتلقي ولتفعل الرواية فعلها بمدى التأثير في المتلقي، وخير دليل على ذلك .. تفاعل شخصيات نسائية كثيرة مع ستريتش، وأكثرهن طالبنني بقول المزيد في هذا الجانب، وهذا ما شجعني أكثر على تناول الموضوع مجدداً في روايتي الثالثة التي أعكف حالياً على متابعة الكتابة فيها بعد توقف لظروف خاصة خارجة عن إرادتي، وهي الجزء الثاني من " ستريتش " بعنوان آخر طبعاً، لدي هدف من وراء ذلك وأضعه نصب عينيّ وأسعى إليه بكل ما أوتيت .

 

ما الذي يغريك في الكتابة القصصية عموما؟ ولماذا اكتفيت بنشر مجموعة واحدة فقط؟ وماذا عن مضمون هذه الأخيرة باختصار؟

- تنطلق الكتابة القصصية من فكرة، ولا تحتمل أكثر من ذلك، ولا أستطيع أن أعتبر ابتعادي عن فن القص عزوفاً أو اكتفاء بمجموعة واحدة، ربما كان ذلك لتزاحم الأفكار لدي والإلحاح عليَّ منها في إفراغها بشكل سردي أطول عبر الرواية، على الرغم من مطالبة الكثيرين لي بأن أكتب القصة مجدداً خاصة بعد النجاح الذي حققته مجموعة " لم أكن يوماً أنا " التي كتبت قصصها خلال فترة الشباب الأولى لكني تأخرت في نشرها وقد كنت وفياً لما كتبت فنشرتها من دون أي تعديل عليها، الكتابة الأولى هي الكتابة النهائية بالنسبة لي، وتتنوع قصص المجموعة الأولى في مواضيعها لكن في المجمل تهتم بالإنسان أولاً وآخراً فتغوص في عوالمه الداخلية بقدر ما تهتم بما يؤثر في هذه العوالم وتتأثر به .

 

والقراءات النقدية، هل أنصفتك؟

- بالمجمل ثمة ندرة في النقد الأدبي، وقد بتنا بحاجة أكبر إلى تواجد النقاد، خاصة لما نجده من غزارة في طباعة الكتب وادعاء الكثيرين ولهاثهم المحموم وراء الألقاب ونشر الكتب، أبارك بمن يتناول ما أكتب نقداً بناء، سواء على صعيد الرواية أم الشعر، وأهتم كل الاهتمام بأي كلمة تقال أو تكتب في هذا الجانب، لكن الآن أعتبر أن الإنصاف يتحقق بالتفات النقاد لممارسة مهامهم في النقد أو الخروج من دائرة الادعاء بأنهم نقاداً، إذ لم يعد من المقبول فراغ الساحة الثقافية منهم، ولا أستطيع اعتبار ذلك إلا عدم مقدرة على تطبيق دراساتهم الأكاديمية على ما يُنشر، أو انشغالهم بالمجاملات الكاذبة لمعارفهم فقط واكتفائهم بذلك أو تحوُّلهم إلى أشغال أخرى يكسبون منها أكثر .

 

ما هي القضية الرئيسة للمبدع نضال كرم؟ وإلى ماذا تطمح كتاباتك الأدبية مستقبلا؟

- عندما أجد أن الإنسان في القاع، أو في واد سحيق، لجهة الاهتمام بإنسانيته، يكون، وسيبقى، مادتي الأولى وهدفي الأسمى وقضيتي الرئيسة، ولكن، لكي أكون صادقاً، فأنا أكتب لنفسي أولاً خاصة في الشعر، أما في الرواية، فأكتب لأن لدي مشروعي الخاص، الذي ستتوضح معالمه عبر ما سيأتي لاحقاً ولا أود الآن ادعاء شيء لم أقدم فيه سوى كتابين .

 

لمن يقرأ نضال كرم من جيل الشباب في وطننا العربي؟

- ثمة أقلام تلفتني، أحرص على قراءتها عندما يتسنى لي ذلك، ولكني بالمجمل مُقلٌّ في قراءاتي لهم، ليس استعلاء بالمطلق، ولكن لضيق الوقت، و جُلّ ما أتمناه أن يأتي يوم وأجد نفسي مُتفرّغاً للكتابة والقراءة فقط من دون أن أشغل وقتي وتفكيري بتأمين لقمة العيش.

 

ما هو جديدك؟

- صدرت لي الرواية الثانية " اسبرانزا " عن دار ليليت منذ بداية عام 2016 ولدي مجموعة شعرية سوف تصدر قريباً بعنوان " الروح يا العابرين " عن ليليت أيضاً وقد تأخرتْ في ذلك للأسف، و لدي أيضاً مجموعة شعرية بعنوان " لا أريدك بريئاً مني " لم أتفق بعد مع أي دار نشر على طباعتها، كما لدي الكتاب الأول في المسرح يتضمن نصَّان مسرحيان، وأفكر، إن تسنى لي، أن أنحو باتجاه الدراما التلفزيونية فلدي الكثير لأقوله في هذا المجال من الفن .

 

كلمة ختامية للقارئ العربي؟

- ترفَّع عن الإسفاف بالبحث عن الجيد فيما تقرأ، العقل زينة، وأحترم ذكاءك .

 

ayman sulaymanأيمن سليمان عبد الملاك مبدع شاب من صعيد مصر الشقيقة، يدخل الساحة الأدبية بباكورته الروائية "ألم النبي" بخطوات ثابتة، تعلن عن ولادة روائي له صوته الخاص يبحث عن أفق أوسع للتعبير عن أفكاره بحرية مطلقة. حول تجربته في عالم الكتابة الروائية وتشابكها مع يومياته كان لنا معه هذا الحوار:

 

أولا من هو أيمن سليمان الإنسان؟

- أيمن سليمان، من مواليد عام 1992، ولدت في مدينة أبوتيج بمحافظة أسيوط بجمهورية مصر العربية، كانت المرحلة الابتدائية في تعليمي في مدرسة الراهبات الفرنسيسكان، وهي مدرسة جيدة جداً من حيث التربية. وبعد الفصل الخامس الابتدائي دخلت ما يدعى بالمدارس الحكومية في المرحلتين الإعدادية والثانوية. وبعدهم التحقت بالمعهد الفني الصحي الذي وفر لي وظيفة حكومية بعد التخرج كأخصائي تحاليل طبية.

 

بمن تأثرت في بداياتك الأدبية محليا وعالميا؟

- كنت في عائلة مسيحية، ولكن قراءتي هذه لم تكن شيء طبيعي، حيث أني في عمر السابعة عشر تقريباً كنت على دراية كبيرة بسفر المزامير وأيوب وبعض الأسفار الشعرية القديرة جداً لغوياً وبلاغياً، ومن هنا كانت البداية ثم بعد ذلك الموضوع اختلف عندما قرأت في الثانية والعشرين من عمري بعض الروايات من باب المتعة ولكن كانت هذه الروايات بالصدفة البحتة هي "عزازيل، ومنافي الرب، والفيل الأزرق، ولا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" ولم أكن أعلم وقتها ما هي "البوكر" الأمر كان محض صدفة بحتة.

 

ما سر اختيارك لكتابة الرواية في بداية مشوارك دون غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى؟

- الحقيقة أن رضاعتي وفطامي الأدبي كان على الرواية وحكاية القصص، والأمر جاء لي ليس في البداية أبداً لأني في بداياتي كنت أكتب شعراً، بل وشعراً حلواً، ولكني كنت على الدوام أتخلص منه لأني لم أجد أي أحد مهتم بأي كلمة مما أكتبها فكنت أكتب الشعر كنوع من فض المشاعر ومن ثم أتخلص من المشاعر والشعر معاً في سلة المهملات، ثم بعدما بدأت قراءة الروايات فطنت لكوني أمتلك الملكة للكتابة ولكني في الحقيقة لم أكن اعلم أني أستطيع أو لدي موهبة لكتابة القصص وحتى الآن أنا مصدوم من كوني قاص وروائي.

 

لماذا اخترت "ألم النبي" عنوانا لروايتك الأولى الصادرة عن دار المصري للنشر والتوزيع في العام 2015، وما هو مدلول هذه التسمية عندك؟

- في الحقيقة "ألم النبي" لم أستطع أن أجد اسم له مدلول أكثر من ذلك للرواية وخصوصاً أن الرواية ذهبت بي درباً نحو النبوة الإنسانية البعيدة تماماً عن نبوة الدين والعقائد، بمعنى أبسط وأوضح أن الكل إنسان ولكن ليس الكل له نفس الدين، الكل يتشابه في الصفات البشرية ولكن ليس الكل يتشابه في العقيدة ولذلك النبوة الإنسانية تختلف في نوعها عن النبوة الإلهية الرسولية، وهذا هو لب الرواية.

 

هل يمكن أن نقول أن "ألم النبي" رواية دينية كرواية "ألم ذلك الحسين عليه السلام" للمبدع العراقي كمال السيد؟

- الشق الإنساني هو المقصد والشق الديني هو الوسيلة.

 

كم كانت ذاتك حاضرة فيها أثناء عملية الكتابة؟

- سؤال رائع، لا أنكر أن مقصدي الأساسي من كتابة الروايات جزء منه أن أعبر عن ذاتي، وفي هذه الرواية كانت شخصية "رحيم" هي أقرب شخصية لم تتعبني لأني ببساطة قلت ما أفكر أنا فيه، أما الباقين فكان التقمص هو مشكلتي ولذلك وجدت صعوبة كبيرة جداً في الأمر نفسياً ولم أكن أعلم أن الموضوع بهذه الصعوبة.

 

كيف استقبل القراء والنقاد رواية "ألم النبي"؟

- الانطباع العام جيد جداً من القراء، ولم يصلني رأي نقاد بصورة مباشرة ولكن في المجمل ما يهمني هو رأي القراء وليس رأي أحد آخر.

 

ماذا عن حالة الكتابة عند أيمن سليمان بشكل عام؟

- سؤال صعب، لأن حالتي صعبة بالفعل في أيام ترتيب الحبكة وتوليف الخيال بالواقع بالقصة نفسها، أصير شبه مريض نفسي، والكوابيس لا تفارقني وغالباً ألعن الكتابة وألعن نفسي، الموضوع صعب وكئيب جداً ولا أحبه على المستوى الشخصي. بالطبع أحب أراء القراء والحوارات الصحفية وحفلات التوقيع ولكن عندما يأتي وقت كتابة رواية فعقلي يتقمص الرواية جداً وهذا غالباً يظهر في الكتابة لمن قرأوا لي.

 

كونك صعيدي، هل لهذا المكان أثر كبير على تحفيز مخيلتك للكتابة؟ وهل سنقرأ لك قريبا رواية عن الحياة في صعيد مصر؟

- بالطبع نعم الحياة هنا في الصعيد تعتمد فيها تماماً على نفسك من الصغر ليس هنا حُلم وطموح المدينة، ليس هنا الدعم أبداً، ولذلك أنا كبرت على أن أحقق كل شيء بنفسي لا أعتمد على أحد، وربما ذلك صعب في البداية حيث تكره الوضع أن لا أحد يفهمك ولا يفهم طموحك سواء أهل أو مجتمع محيط، ولكنه أفضل على المدى الطويل حيث أني صرت ناقداً ومعلماً وداعماً ومحفزاً وقارئاً وكاتباً بذاتي. ولذلك حينما أرسلت ملف الرواية لم أتوقع أبداً أن الرواية ستقبل وفيما بعد عندما سافرت لأمضي العقد لم أكن أعرف شيء عن المجتمع الثقافي وأن هناك كتاب كثر، ولكن مدير النشر ومحرر الدار قالوا لي أني جيد بالنسبة لمن هم في عمري من أبناء المدينة. وربما يرجع ذلك لبنياني الشخصي الثقيل الناتج من صعوبة الصعيد ولذلك قبلوا المجازفة مع عمل أول لكاتب صغير في السن ومجرد شاب.

 

ما هي القضية الرئيسة للمبدع أيمن سليمان؟ وإلى ماذا تطمح كتاباتك مستقبلا؟

- "اللي يخاف من العفريت يطلعله" هذا مثل مصري مشهور، دوماً في كتابتي أبحث عن الموت لا هو من يبحث عني وربما في ذاتي بهذه الطريقة أقول له ها أنا ذا، وبالتالي لن يخرج لي لأني لا أخافه.

ما هي نظرتك إلى الأجناس الأدبية الأخرى كالقصة والشعر والمسرح؟ وهل لك تجارب معينة لم تصدر ورقيا أو الكترونيا بعد؟

الشعر هو بداياتي وعشقي، وحتى الآن إلهامي عادة يكون من شعر الكاتب الفرنسي "شارل بودلير"، كلما شعرت أني نضبت وأشعر بفقدان الفكرة من عقلي أذهب لبودلير أفتح أي قصيدة بالصدفة وحتى الأن لم يخذلني أبداً في إلهامي. أما القصة القصيرة فهي أدب سهل جداً وممتع لأبعد حد، ولا أتفق لمن يهولون من تعب القصة القصيرة لأن لي تجربة جيدة جداً معها اسمها "الكلاب لا تموت" ستنشر في معرض القاهرة الدولي عام 2017 عن دار أكتب. ولأني كتبت الرواية والقصة القصيرة أقول وأنا مغمض العينين أن فن القصة القصيرة مثل تصميم الأزياء في متعته وعرضه، أما الرواية فهي مثل بناء برج خليفة في الإمارات من حيث الدقة والجمال والمجهود والتكلفة. بالنسبة لي، لا أمتلك أعمال في الدرج، الكل تعاقدت عليه مع دور نشر كبيرة، وهذا شيء عظيم جداً لمن هو في عمري ولا أخجل من أن أشهر امتناني بهذا.

  

كيف تنظر إلى حركة السرد في مصر اليوم؟

- حركة السرد في مصر لها ثقل الآن في حيز مصر ولكن للأسف الظروف الاقتصادية، جعلت الناس تهمل القراءة الأدبية، الكل يهتم بالقراءة السياسية والاقتصادية وللأسف من مصادر واهية وليست مصادر موثوقة. ولكن من حيث الأدباء المصريين، فأرى أن هناك منافسة ضروس وليست فقط شرسة، وخصوصاً بين شباب وكبار الأدباء، حيث في الأدب السن يتنحى جانباً والإبداع يحكم.

 

ما هو جديدك؟

- بإذن الله في يناير مع بدء فاعليات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2017 سيتم نشر رواية لي باسم

 "إنها أنثى ولا تقتل" عن دار إبداع للنشر.

 وأيضاً مجموعة قصصية باسم

"الكلاب لا تموت" عن دار أكتب للنشر.

 

ما هي رسالتك لكل روائي شاب لا يزال في خطواته الأولى في عالم الإبداع؟

- الحقيقة لا أعلم كيف أجيب على هذا السؤال، لأني أشعر أني أنا هذا الروائي الشاب الذي يزال في خطواته الأولى. فكلما كتبت تطورت وكلما تطورت فهمت أن أمامي الكثير حتى أصل للجودة المطلقة، التطور الذي أجتاز به يجعلني أشعر أني أصغر وأن أمامي أكثر كي أتعلم، فكما تعلم في كثرة المعرفة الإنسان يفهم أنه أصغر من كل المعرفة أكثر وأكثر.

 

كلمة ختامية للقارئ؟

- إن كنت تحب الجنون فأهلاً بك في كتاباتي، أوعدك ستجن أكثر وهذا جيد لك، أنا أعلم ذلك، وشكرا لك أستاذ عبد القادر كعبان على إتاحة هذه الفرصة الرائعة للتواصل مع القارئ الجزائري والعربي عموما.

 

حاوره: عبد القادر كعبان/الجزائر

 

farid imadshoالحوار مع الناقد فريد أمعضشو يتطلب أكثر من حلقة، فهذا الأديب الذي خبر كتابة الشعر ودروب الأدب، قبل أن يلتحف بصرامة الأكاديمي في إنتاج نصوص وطروحاته النقدية، التي أغنت الكثير داخل المكتبة المغربية،

فريد أمعضشو ناقد متمرس، وهو إلى ذلك أحد من يتملكون أدواتهم المنهجية ويطورونها باستمرار، لهذا تجد أن المتتبعين والمهتمين بإصداراته تتسع رقعتهم يوما بعد أخر.

في هذا الحوار يطلعنا صاحب (دراسات في أدب الغرب الإسلامي) و(مسائلة النص الإبداعي العربي) على جانب مهم من اشتغاله، كما يفرد لنا أرائه عن واقع الساحة الثقافية المغربية، ورؤيته هو كناقد لجملة من القضايا والطروحات الأدبية الهامة.

 

كفاتحة لهذا الحوار، خبِّرنا عن بداياتك مع الكتابة؟

- بادئ ذي بدء، لا بد من أتوجه إليك بأجزل الشكر وأخْلَصِه على هذه الدردشة، التي نأمل أن تكون خفيفة، على القارئ الكريم، ومفيدة كذلك. بداياتي مع الكتابة يمكن أن أعود بها إلى أوائل الألفية الجارية.. أقصد البداية الفعلية الحقيقية، أما الكتابة دون الالتزام بضوابط أكاديمية منهجية دقيقة؛ أي الكتابة على سبيل الهواية، وتزجية وقت الفراغ، فتعود، بالتأكيد، إلى ما قبل ذلك. لقد كان نَشْري لدراسة عن المنهج السيميائي في مجلة “ضفاف” (2003)، التي توقفت منذ سنوات، والتي كان يديرها أستاذنا الشاعر والناقد د. عبد الرحمن بوعلي، نقطة بداية تجربتي في الكتابة حقا، وبعدها – في غضون سنوات – راكمْتُ مجموعة من الأبحاث والدراسات في مجالات النقد الأدبي، وعلوم التربية، والمجال القانوني، والفكر والترجمة… علاوة على محاولات في الكتابة الإبداعية.. في الشعر والقصة خاصة، نال بعضها استحسان قرائها؛ فتوّجت بجوائز داخل المغرب وخارجه كذلك. وبطبيعة الحال، فأمْرُ البدايات دائما يكون محفوفا بالزلاّت والهنات، وقد صدق أحدهم حين قال قديما: “البداية مزَلّة”، ولكنْ يتجاوز المرء تلك النقائص، ويطوّر أداءه، ويُجوّد كتابته، بالإنصات إلى الملاحظات النقدية البنّاءة، والعمل بها .. أما غير ذلك، فلا يزيد الكاتب إلا تقهقرا، وعيشا في الأوهام، وتماديا في الرداءة، التي تنتعش بوجود أصوات “نقدية” تُجامل و”تنافق” في إبداء رأيها، دون أن تقرأ المكتوب حتى، في بعض الأحايين!…

 

هل لك طقوس خاصة في الكتابة؟

- مسألة الطقوسية في الكتابة ليست بالموضوع الجديد علينا؛ فقد وصلتنا من التراث الأدبي حكايات عديدة عن طقوس مجموعة من الكتاب والمبدعين، يتسم بعضُها بغير قليل من الغرابة والطرافة؛ فتجد أن منهم من كان يدخل محرابه ليُبدِع وقتَ السحر؛ وقتَ يعمّ السكون والهدوء التام المكانَ، ومنهم من كان يقصد الخلوات معتزلا الناس، ومنهم من كان يأتي بسلوكات غريبة جدا؛ كأن يتمرغ في التراب، أو يُلقي بنفسه من مكان عال… وكانوا يعتقدون – كما تروي الميثولوجيا – بـ”شياطين الشعر”، وبأنّ وراء كل مبدع جنّيّاً يُلْهمه قول الشعر على البديهة والسجيّة… وغير ذلك من الطقوس، التي تحضر في ثقافات أخرى كذلك طبعا.

وأعتقد أن لكل كاتب طقوسَه الخاصة في الكتابة. وبالنسبة إليّ، فأنا أحتاج، عادة، لدى إرادة كتابة شيء، إلى أن أكون مستعدا له، فكريا ونفسيا؛ بحيث يلزم أن يقرأ الكاتب كثيرا ليكتب قليلا، وينبغي الاطلاع على كمّ مهمّ مما ألِّف في الموضوع لأخذ فكرة وافية، قبل العَمْد إلى الكتابة فيه؛ تفاديا لإهدار جهدٍ مُضْنٍ في قضايا أثير فيها نقاش مستفيض، وخلَصَ الدارسون فيها إلى خلاصات ذات قيمة تجعلها أحقّ بالاعتماد. كما ذلك الاطلاع يجعل الباحث/ الكاتب على بيّنة من مختلف الأقوال والآراء التي قيلت في الموضوع ليرى ما إذا كان سيُجاري رأيا سبق في مسألة ما، أو يعارضه، أو يتخذ موقفا آخر منها… ثم إني أحتاج، غالبا، إلى الهدوء، وإلى أن يكون أمامي مشروب ساخن، علاوة على موسيقى هادئة – أحيانا كذلك - ؛ ولذا أفضل، حين أعتزم الكتابة، أن آوي إلى مكتبتي ليلا، بعد أن يخلد الجميع للنوم؛ لأن ذلك يتيح التركيز، والتعمق في التناول، وعدم وجود ما يقطع عليك ذلك الانغماس الكلي في الذي أنت بصدده… وهذا يقتضي، بالضرورة، أن تُريح ذاتك نهارا بالقدر الكافي… لذا، يشبّهني بعض الأحبّة والمقرّبين، أحيانا، بـ”الكائن الليلي”، الذي يَسْلك في حياته مسلكا مخالفا لِمَا عليه الطبيعة الإنسانية! ولكنها الحقيقة .. وقليلا ما أكتب شيئا في النهار، اللهم إذا كانت كتابة لا تحتاج تركيزا كبيرا…

 

عندما تكتب نصا جديدا، هل تضع للقارئ اعتبارا؟.. أقصد: هل تمارس نوعا من الرقابة الذاتية على كتابتك تلك؟

- لعل الرأسمال الحقيقي لكل كاتب هو القارئ؛ لذا يلزمه الحرص على عدم تضييعه؛ وذلك بأنْ يقدّم له ما يفيد ويمتع، ويرْأف به من الرداءة المُسْتَشْرية في كتابات اليوم، ويحترم ذكاءه، ويراعي مشاعره، ويتجنب صَدْم أفق انتظاره، مع الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يزعزع ثقته في الثوابت التي عليها الإجماع. ومما يُؤسَف له حقا أن تجد كاتبا يكتب اليومَ شيئا يخدش به شعورا أو غيره، بتهوّر أو دون أن يحْسب له حسابه جيّدا، وتراه غداً يكتب خطابا يتبرّأ فيه ممّا كتب في الوقت الفلاني، أو يعبّر عن أسفه وندمه ممّا خطت يداه في مرحلة المراهقة ونزقية الشباب… وفي هكذا مقام، أقول إن الكاتب يجب أن يكتب بمسؤولية، وأن يتفادى نشر أي مادة لم يقتنع بها تمامَ الاقتناع، وأن يعرف جيدا أنه يكتب للقارئ، الذي قد يحاسبه ويعاقبه بأن يعزف بالمَرّة عن قراءة أي نص ينشره في حال فقْده الثقةَ في ما يكتبه.

أنا شخصيا أكتب مستحضرا على الدوام طَرَفَ المتلقي، بوصف فاعلية التلقي مما لا يكتمل الفعل الكتابي إلا به؛ فأحرص، ما أمكن، على أن أقدّم كتابةً تنطوي على أقصى ما أستطيع من الجِدّة والعمق والنفع .. كتابةً تراعي المتلقي، وتحترم ذكاءه ومؤهلاته القرائية، ولا تتهجم على أحد، بقدر ما تناقش الأفكار والتصورات، في منأىً عن أي شخصنة بعيدة عن العِلْمية والموضوعية.. كل هذا يستوجب من الكاتب أن يمارس ضرورةً، وباستمرار، رقابة على ما يكتبه، قبل أن ينشره ويتيح قراءته لعموم الناس، بدءا بضبط نصوصه فكريا ومعرفيا، وانتهاء بتنقيحها لغويا وإملائيا… وبذلك فقط يكسب الكاتب ثقة القارئ، ويضمن استمرار حبل التواصل بينهما… أما الذي يحلو له نشر أي شيء، ولو كان باديَ الرداءة والتسطيح والاجترار، وأحيانا السرقة والسطو من غيره، فهذا – بلا ريب – سَرْعان ما يَفقد ثقة القراء، ويُنَمَّط إنتاجُه، وهذا أقسى ما يمكن أن يتعرض إليه الكاتب؛ فتجد القارئ بمجرد ما يُبْصر أنّ العمل لفلان لنْ يُكلّف نفسه ولو عناء فتْحِه، فما بالك بقراءته ومحاورته!…

 

ما هي وظيفة الناقد اليوم؟

- لا يختلف اثنان في أن تطور الإبداع، والكتابة عامة، متوقف على العملية النقدية؛ فبها يُوجَّه الكاتب، ويرى طريقه لاحبة واضحةً، ويقف على مواطن القوة والضعف في كتاباته… لهذا، فإن وظيفة الناقد – ولاسيما في وقتنا الراهن، الذي تراجع فيه النقد بعض الخُطوات إلى الوراء، ولم يستطع بعْدُ مواكبة الكتابات المنشورة، أو الاقتراب من ذلك على الأقل – تبدو مهمة جدّا وواجبة أكثر من أي وقت مضى.

إن الناقد الحقّ مطالَبٌ اليوم بمتابعة ما يُنشر، وتقويم مسيرة الكاتب، ومرافقته باستمرار؛ لتوجيهه إلى ما هو أسلم وأصوب، وإنارة السبيل له ليبدع ويكتب عن بصيرة، متفاديا الهفوات والاختلالات التي اعتاد الوقوع فيها. مثلما أنه مطالب بالتمييز بين الجيد والرديء، السمين والغثّ، في الكتابات المنشورة؛ على غرار ما كان يفعله أسلافه في القرون الأولى مثلا (ابن سلام الجمحي، الآمـدي، حمّاد الراوية، القاضي الجُرْجاني، الأصمعي…).

ولكنّ الذي يُؤسَف له أن هذا الناقد تخلّف كثيرا عن المبدع والكاتب، فغاب معه – أو بالأحرى: ضعُف وتراجَع – دوره الحاسم في التوجيه والإرشاد والتصويب والتجويد؛ لذا كثر، على أيامنا خصوصاً، الغثّ والرّديء فيما يُنشر، إلى حدّ لا يُتصوّر، شجّعَ على ذلك النقد المجامَلاتي، وسيادة الإخوانيات في الكتابة النقدية؛ الأمرُ الذي كرّس منطق “عين الرضا عن كل عيب كليلة” (كما قال الشاعر قديما).. فإذا بك تقرأ نصوصا منشورة تحت يافطة الشعر، ولكنها بعيدة عن الشعر بُعْدَ الشمس عن الأرض، وإذا بك تقرأ ما يُنشر على أنه قصة، ولكنه لا علاقة له بهذا الفن من قريب ولا من بعيد، وهكذا… وهذا كله يُفقد الثقة في المنشورات، ويَجعل الكثيرين يضعون علامات استفهام كبيرة كثيرة على مدى عافية الأدب العربي عموما .. طبعا، فهذا الكلام لا يجب أنْ يحجب عنّا أنّ من الكتابات المنشورة ما هو راقٍ وناضج ومميّزٌ، لأسماء من شتى الأجيال والحَسَاسِيّات الإبداعية…

 

أنتَ من النقاد غزيري الملاحقة لجديد الساحة الثقافية؟ كيف تجدها اليوم؟ وهل تجد أن الحركة النقدية حققت وعدها الذي انبثقت لتحقيقه؟

- أشرتُ، قبل قليل، إلى أن ملاحقة جديد الساحة الثقافية من الأدوار الأساسية التي ينبغي أن يضطلع بها نقادنا اليوم؛ فمن خلال ذلك يستطيع هؤلاء معرفة ما يروج داخل الساحة الأدبية والإبداعية، وما يستجدّ فيها من أعمال وكُتاب واتجاهات ومواقف وإكراهات وغيرها. وبناءً على ذلك، يَقيسون درجة ذلك جودة ورداءة، جِدّة واجتراراً، ويقفون على مدى إتيانها بالجديد المبتكر، وبالإضافة النوعية، على صعيد الكتابات الواصفة والتحليلية خصوصا.

ومن خلال تجربتي المتواضعة في ممارسة الفعل النقدي الأدبي، أجد أن أدبنا المعاصر يشهد تراكما متزايدا في النصوص المنشورة، ورقيا وإلكترونيا، دون أن يعني ذلك انطباق صفة “الكتابة الأدبية”، ذات الخواصّ والشروط المعروفة لدى المهتمّين بالمجال، على كثير منها، مع تسجيل تخلّفٍ واضح للنقد على المواكبة والمتابَعة، ومع تسجيل أن كثيرا من المنشور على أنه نقد يُسِمه طابع المجاملة، والبعد عن العمق التحليلي، وعدم ملامسته جوهر المقروءات، وعدم اهتدائه إلى كشف جوانبها الجمالية والفنية والتعبيرية الكثيرة.. هذا أول ملمح يمكن لأيٍّ منا تسجيله. والأمر الآخَرُ أن الحركة النقدية المتحققة تبرز أن الساحة الأدبية عندنا يختلط فيها الأصيل بغير الأصيل، والجيد بغير الجيد، والناضج بغير الناضج… ويقتحم أسوارَها “الواطئة” كل من هبّ ودبّ، في غياب أي رقابة على الساحة الأدبية، وفي غياب أي استعداد لممارسة الفعل النقدي الحقيقيّ؛ من حيثُ التمكن من آلياته وأدواته، والتمرس الكافي بمجال الأدب، والاطلاع على أكبر ما يمكن من أفانينه، ومن أضْرُب الكتابة…

وبناء على ما تقدم ذكره، أرى أن الحركة النقدية عندنا لم تصل بَعْدُ إلى تحقيق رهاناتها وأهدافها الكبرى، ولم توفَّق بَعْدُ إلى بلوغ مطمح تطهير الساحة الثقافية من المتطفلين والمُدّعين… وبالتالي، فالحاجة ماسّة، وبإلحاحٍ، إلى أن تُضاعِف هذه الحركة جهودها، وتكثف مساعيها، وتُعِدّ فاعلين حقيقيين في النقد الأدبي، مؤهّلين للقيام بهذه المهمّة باقتدار وفاعلية. كما أنها مطالَبَة بأنْ تملك الجرأة الكافية لتقول لكاتب، وإن كان اسما مكرَّسا، إن كتابتك ضعيفة إذا كانت كذلك، وتقول لآخر مبتدئ، إذا أصاب في ما كتبه، إن كتابتك موفقة ناضجة؛ لأن الإبداع والكتابة الأدبية لم يكونا يوما حكرا على فئة دون أخرى، ولم يكن معيار الزمن والسبق فيصلا موضوعيا في مجال النقد الأدبي… وبهذا وحده يمكن للحركة النقدية أن تفيَ بما قامت لأجله منذ القدم…

 

كيف تنظر إلى القصة القصيرة جدا اليوم؟.. هل حققت رهانَها؟ وما تريد توضيحه لكُتّابها من الجيل الجديد؟

- القصة القصيرة جدا لون سردي جديد على أدبنا المعاصر، تأثرنا فيه – على الأرجح – بالآخَرين، وإنْ كان بعضهم يُتعب نفسه في تلمُّس جذور له في تراث العربية الحكائي الزاخر؛ ليُثبت، في المآل، أن له أصولا في ذاكرة أدب العرب، على غرار ما يفعله باحثون يجتهدون في إرجاع كل ما يستجدّ داخل الساحة الأدبية العالمية من فنون وألوان إبداعية إلى التراث العربي، وكأن هذا الأخير ينطوي على كل أنواع الكلام والتعبير الرمزي، وكأن الأغيار لا جديد أتوْا به في الأدب على الإطلاق! وهذا – في الحقيقة – “مرض” أصيب به بعضهم، وتُعْجبني عبارة وصفهم بها أحد الكتاب المعاصرين، هي “سبقناهم”؛ بمعنى أن أولئك يدافعون عن فكرة أن كل فنّ أدبي مستحدث، برز في الغرب خصوصا، ذو جذور في تراثنا العربي الإسلامي؛ فتجدهم يلتمسون جذور الرواية في حكايا “ألف ليلة وليلة” و”كليلة ودمنة”، وفي مؤلّف “حي بن يقظان”… ويلتمسون جذور القصة القصيرة في تراث المقامات، وجذور قصيدة النثر في كتابات تعود إلى عهد أحدث؛ مثل كتابات جُبران خليل جبران، وجذور المسرح في مجموعة من الأشكال الفرجوية القديمة… وبخصوص الق الق جدا يحلو لبعضهم أن يرجع بأصولها إلى تراث الخبر والأمثولة والنكتة والطُّرْفة!… وقد سجّل المشارقة، في سوريا والعراق، سبقا إلى كتابة هذا اللون القصصي، قبل أن يعرفه المغرب العربي، ويتألق فيه المغاربة، على وجه الخصوص، إبداعا ونقدا وتنظيرا.

إن الق الق جدا، في نظري، نوع سردي حديث، لا يرقى لأنْ يُوصَف بَعْدُ بلفظ “الجنس”؛ لأن ذلك يحتاج إلى تراكم أكبر، وإلى زمن أوفر، وإلى نضج أكثر، وإلى فرض الذات في ساحة التدافع الأدبي، لاسيما وأنه – كما نعرف – ما زال يُواجَه بمعارضة شديدة من قبل كثير من الفاعلين في الساحة النقدية العربية، الذين يَرَوْن فيه “سحابة صيف” سَرْعان ما تنقشع! والواقع أن هذا الرأي الذي أتبنّاه عن اقتناع، وبعد تأمل ودراسة للمتحقق من تلك القصة، سُبقتُ إليه بآخرين، وفي مقدمتهم دة. سعاد مسكين، في كتابها عن القصة القصيرة جدا بالمغرب (تصورات ومقاربات)، على أنّ من باحِثِينا مَنْ يدافع بشدّةٍ عنْ أنّ الق الق جدا جنس أدبي قائم الذات والصفات، وفي طليعتهم أستاذي د. جميل حمداوي. وتشترط كتابة هذه القصة حضور مجموعة من الميزات والمقوّمات، التي أفاض نقادها في تبيانها وتفصيل القول فيها، وهي شروط يتعيّن على القاص في هذا المجال ضبطها واستيعابها وتمثلها قبل الانتقال إلى إبداع نصوص في الق الق جدا، وهذه دعوتي إلى كل من يودّ الكتابة، في هذا الإطار، من مبدعي الجيل الجديد.. لا مناصَ من إدراك ماهية هذه القصة، وتبيّن الحدود الفارقة بينها وبين مجموعة من الأشكال التعبيرية القريبة منها (قصيدة النثر، الهايكو، الخبر، الأمثولة…)، والتعمق في شروطها وخصوصياتها وتقنياتها. ولكن - للأسف الشديد – حين نتابع ما يُنتج في هذا اللون الإبداعي نقف على كثرة الغثّ فيه، وعلى عدم ضبط قاصّين كثيرين آليات القص القصير جدا ومقوماته، بل إننا نستطيع التحدث عن حالة من “الإسهال” و”الاستسهال” في مجال كتابة هذا القصّ الوجيز.. وهذا – بلا شكّ – ممّا يسيء إليه، ويُعيقه عن السير قدُماً نحو فرض الذات في الساحة الأدبية العربية المعاصرة، ونحو تحقيق رهانه الذي من أجله يبدع المبدعون فيه…

 

كناقدٍ ما هي العوائق البنيوية التي تقوم حجر عثرة في وجه إشعاع فعلي للثقافة المغربية؟ وكيف يمكن تجاوزها؟

- أوافقك الرأيَ على حاجة الثقافة المغربية إلى عمل إضافي، وإلى تضافر مجهودات جميع الفاعلين في المجال الثقافي، على الصعيدين الرسمي وغير الرسمي؛ لضمان مزيد من الإشعاع لها إقليميا وقارّيا ودَوليا، ولتبويئها المكانة اللائقة التي تستحقها فعلا، لاسيما وأنها ثقافة راسخة متجذرة وغنية جدا، ولتقوية حظوظها في الحضور والتتويج في الملتقيات والفعاليات والمباريات المرموقة عربيا وعالميا. فهذه الثقافة تحتاج إلى تشجيع وإلى دعم أكبر، ماديا ومعنويا؛ لأن ما تخصصه وزارة الثقافة المغربية لها يظل غير كاف؛ كما لا يخفى على أحدٍ منا. كما أن النسبة العامة التي تُخصّص للبحث العلمي، من ضمن الناتج الداخلي الإجمالي، في بلدنا، تبقى ضعيفة جدا، لا تؤشّر على اهتمام جدّي بذلك القطاع الحيوي. وحين نقارنه بما لدى جيراننا الشماليين لا نجد، في الحقيقة، أي مجال للمقارنة للهُوّة السحيقة الملحوظة بينهما من حيث الاحتفالُ بالشأن الثقافي بمُختلِف تجلّياته. وينضاف إلى ذلك الإكراه المادي الذي يقف حجر عثرة في طريق كثير من الكتاب الذي يمتلكون مسوّدات ومشاريع كتب وإبداعات، ولكنهم لا يقدرون على توفير مصاريف نشرها، على نفقتهم الخاصة، أمام عدم ترحيب بعض الدور – لسبب أو لآخر – بنشر أصناف من الأدب. وكلنا يعرف أن كثيرا من الأبحاث الجامعية التي تُناقَش، وتنال رضا اللجان المناقِشة؛ فتوصي بطبعها على نفقة الكلية التي سُجلت فيها، ولكن ذلك لا يُفعَّل إلا لماما، والبقية من الدراسات الأكاديمية تبقى حبيسة رفوف مكتبات الكليات والمعاهد إلى أن يتجاوز أفكارَها وتصوراتِها الزمن؛ فتصير من العلم المتجاوَز إذا كانت مرتهنة بعامل الزمن طبعا! ونضيف كذلك مشكل التوزيع، وضعف المقروئية عندنا، وانتشار الأمية بين الكبار والصغار بنسب صادمة في بعض الجهات، مع أننا نعيش في القرن الواحد والعشرين الذي حسمت فيها كثير من الدول هذا الأمر، وصارت تتحدث عن تجاوز الأمية التكنولوجية، بخلافنا نحن الذين ما زلنا نرمي، بمخططاتنا الإستراتيجية، إلى تجاوز أمية الكتابة والقراءة!…

 

 

fatimtalzahra alrighawiالنصوص الجريئة تحقق شهرة مرحلية ما وهي شهرة لا تعنيني

فاطمة الزهراء الرغيوي قاصة متميزة، بأسلوبها وأدوات سردها الحكائي، الذي يعري عن تفاصيل كثيرة، ويخترق مواضيع اجتماعية وإنسانية، في شفافية واشتغال لا يلتفت للسائد والمتواضع عليه في الساحة الثقافية، ما يجعلها إحدى المبدعات اللواتي جُدْن على المكتبة العربية بأعمال وازنة ونفيسة.

صاحبة “جلباب للجميع” و”خمس رقصات في اليوم” تفتح لنا النوافذ مشرعة، في هذا الحوار في مكاشفة واضحة المعالم، حول وضعية المرأة الكاتبة، وضعف التلقي، في إضاءة لبعض الجوانب الهامة في سياق مشروعها الكتابي.

 

• كبداية لهذا الحوار، ما فاتحة النص الذي ورطك في عالم الكتابة؟ خبرينا قليلا عن البدايات؟

- يبدو الأمر بعيدا. ما أذكره تحديدا هو أنني أتيت إلى الكتابة لأنني أحببت الكتب. أحببتها كثيرا إلى درجة أن اصطفيتها رفيقة لعب وأنا صغيرة. كان ذلك قبل أن أتعلم القراءة والكتابة. ثم عندما تعلمت وضع الأسئلة، وقد كانت كثيرة وشائكة ولم تكن لي الجرأة لأطرحها على المحيطين بي تارة، ولم تكن لهم الجرأة لإجابتي تارة أخرى، بدأت أكتب. كان أول الكتابة قلقا صافيا، ويبدو أن جزءا كبيرا من هذا القلق ما يزال حاضرا فيما أكتبه. لنقل إذن إن ما ورطني في الكتابة، وربما هي ورطة جميلة على كل حال، هو القلق. أليس العالم، هذا العالم، مصدرا كبيرا للقلق؟

 

 لديك رغبة عارمة في الكتابة، ما يوضحه غزارة إنتاجك؟ ماذا عن طقوسك الكتابية؟

- ربما لا يمكنني نفي رغبتي التي تسميها عارمة، بالكتابة. إنها أقرب إلى الحاجة الملحة والضرورية أحيانا للبقاء قيد هذه الحياة البئيسة. لكنني لا أعتبر نفسي غزيرة الإنتاج. أكتب نصوصي القصصية ببطء شديد. ستصدر لي قريبا مجموعة قصصية ثالثة (بعنوان: أضع سري بين يديك) بعد خمس سنوات من صدور مجموعتي الثانية، خمس رقصات في اليوم. ولم أنجح بعد في إتمام أي من مشاريعي الروائية.

إذا كنت تقصد بالغزارة تلك النصوص الفايسبوكية شبه اليومية، فأنا لا أسميها كتابة حقا. لا أعرف كيف أسميها. إنها كتابة قلقة أيضا، وملحة، ولكنها لا تشبع رغبتي في الكتابة، وإنما تزيد الظمأ.

لا ألجأ إلى طقوس محددة لأكتب. كثيرا ما أفوت فكرة جيدة لأنني أشعر بالكسل، أو لأن الوقت غير مناسب للكتابة، أو لأن هناك أولويات أخرى. أن تكون لديك طقوس خاصة بالكتابة تفترض أحد أمرين: إما أنك تمارس الكتابة كرفاهية تمتلك إمكانياتها (المادية خاصة)، أو أنك قادر أن تتحلى بما يكفي من الأنانية لتجعلها تسبق كل شيء آخر… في حالتي قد يكون الكسل هو المسؤول حقا عن عدم تحلي بالأنانية الضرورية لخلق هذه الطقوس (الرفاهية هي أمر مستبعد في حالتي). الكسل الناجم عن اليأس؛ لماذا أكتب، ولمن أكتب، وبماذا تفيدني الكتابة؟ لذا أحيانا كثيرة أكتفي بالكتابة لنفسي. أقصد أنني أكتب في مخيلتي نصا كاملا وأنا أمشي أو أنتظر شيئا ما أو أدعي أني نائمة، ثم أمحوه.

 

كل عطاء فني مصدر استلهام فمن أي الينابيع تستلهم فاطمة الزهراء الرغيوي، كتابة القصة؟

- إذا نظرت إلى عالمنا اليوم، فستكون أمامك قصص كثيرة. إن نشرات الأخبار، وصفحات الانترنت، ونميمة الجيران، ووجهك صباحا الذي يقاوم انتكاسة جديدة… كلها أفكار ممكنة لتحويلها إلى نصوص أدبية. هناك تحولات درامية وتراجيدية وكوميدية، يكفي أن تفتح عينيك جيدا لتلتقطها. أحاول أن أفعل ذلك عادة. أنظر جيدا ثم أكتب. لكن الكتابة هي قبل كل شيء القراءة. إذا لم تكن قارئا جيدا فلا يمكنك أن تكتب.

 

كيف ترين القصة القصيرة التي تكتب في المغرب، ما لها وما عليها؟ وما هو حالها بين الرواية والشعر ..؟

- إنها بخير. تحتاج قراءً أكثر منه إلى كُتاب. القراء الحقيقيون يخلقون نقاشا حول الأعمال الأدبية ويفسحون لها المجال لتحيا، أو يتركونها لتموت. نحن لا نناقش ما يكتب. أصبح الكاتب/ة خطيبا يقول كلمته ويمشي، لا يَلتفِتُ إلى أحد ولا يُلتفتُ إليه. إنه حال القصة وحال الرواية وحال الشعر في المغرب. لا أجد فرقا كبيرا في تلقي كل الأنواع الأدبية من القراء المغاربة. يعاني أدبنا من لا مبالاة قاتلة، لا تكفي مجاملات النقد من انتشاله منها.

 

الكاتبة تكون في الواجهة وأكثر عرضة للنقد، فكيف تقبل القاصة فاطمة الزهراء الرغيوي النقد (خاصة أنك من الكاتبات غير المهادنات) وإلى أي مدى تتأثرين بالنقد سواء كان  سلبي أو إيجابي؟

- إذا كنت تقصد النقد (وحتى القراءات) الذي كتب حول نصوصي، فإنها لا تتجاوز عدد أصابع اليد. وقد كان كله جميلا ومشجعا على المواصلة. وإذا كنت تقصد الشفهي منه، فأحيانا يصلني النقد الذي يطال المرأة التي تكتب وليس الكاتبة. وهو نقد لا أهتم له، إنه نقد بائس وعاجز عن خلق حوار مع النصوص ومع الأفكار ومناقشتها… عندما يتعلق الأمر بنقد أدوات الكاتبة والكتابة والمواضيع والأسلوب وغيرها فإنني أستمع بانتباه. إنني أتعلم الكتابة كل يوم، وأحب أن أعرف مكامن قوتي وضعفي، وأن أبني تجربتي في الكتابة انطلاقا من هذا النقد أيضا.

 

نلاحظ وجود صور جريئة في عالم قصصك برأيك، هل هي عامل للنجاح ومصداقية الواقع، أم للفت أنظار القراء والتشجيع للقراءة والشهرة .

- أنا لا ألاحظها. لا أجد أي جرأة فيما أكتبه. إنها ما ألاحظه وما أفكر به. لا أجد أي بطولة فيما أكتبه، ولا أفتعل بالتأكيد أي شيء. أفاجأ عندما يقال لي إنني كاتبة جريئة وغير مهادنة. الكتابة هي دائما لعب بالحدود وحولها. محاولة لدفعها بعيدا أو اختراقها. ولكنني لم أخترق أي حدود، بالكاد أشير أحيانا إلى بعضها. لو استمعتُ إلى فاطمة الزهراء، لحملت مطرقة وكسرت كل تلك الحدود. إنها تقيدنا وتجعلنا منافقون أو يائسون وخاضعون.

إنني أحاول أن أكون كاتبة جيدة، ولكنني لم أنجح بعد في ذلك. ما زلت أحاول. وهناك رقيب، أراه بوضوح أحيانا ينظر من خلف رأسي. ينظر إلى ما أكتب، وأحيانا يمد يده ويشطب جملا وفقرات ونصوص حتى بينما أقف عاجزة أمامه. هذا الرقيب يلبس كل أنواع الأقنعة. ورغم كوني أعتقد أنني حرة تماما إلا أني أعرف أنني لست كذلك. لا يمكنني أن أكون حرة وسط مجتمع غير حر حقا.

هل النصوص “الجريئة” تشجع على القراءة فعلا؟ ربما تحقق شهرة مرحلية ما، وهي شهرة لا تعنيني. قد يعنيني أكثر العائد المالي من الكتابة، لكن أن يتعرف إليك قارئ ويحاول التشبه بك، كم هو أمر ممل. أنا ضد التشابه دائما ودائما… إن القارئ الذي يحتاج إلى ذاك القدر من “الجرأة” لكي يقرأ هو قارئ غير ناضج، لا يسعى إلى خلق حوار مع ما يقرأه. إنه متلق سلبي. وهل الكاتب في حاجة إلى هذا القارئ حقا؟

 

حاورها عبد الواحد مفتاح

 

 

narian omarأتابع الكاتبة والشَّاعرة نارين عمر منذ فترة عبر الشَّبكة العنكبوتيّة، وأعجبتني كتاباتها وإهتمامها بثقافة وأدب السَّلام. اقترحت عليها  إجراء حوار معها حول السَّلام العالمي، فاستجابت برحابة صدر لاقتراحي فولد هذا الحوار:

 

1. ما هي برأيكِ أهم أسباب تراجع السّلام العالمي بين البشر؟

- أسباب التّراجع تكمن في الأساس غير المتين الذي بني عليه السّلام منذ بدايته، والَّذي اختصّ به بناة مهرة تفنّنوا في هندسته طبقاً لمقاسهم ومقاس دولهم ومصالح شعوبهم وخداع الآخرين من شعوب المناطق والبلدان الفقيرة بها رسماً هيكليّاً فقط، يلتهون بزركشتها، يتغنّون بها دون فهمٍ لمضمونها.

 

2. لماذا إبتعد الإنسان عن السَّلام والوئام بين بني جنسه، سائراً نحو حقول الألغام الَّتي تنسف حيثيَّات السَّلام من جذوره؟

- الإنسان ومنذ أن فهم لفظة السّلام، وابتدعها، سارع إلى التّفكير بمفردة مرادفة لها، فكانت حقول الألغام خير مبتكر لفكرهم الخلّاق والذي جعلهم ينسفون بها حيثيّات السّلام متى ما أرادوا، ومن ثمّ الإسراع إلى تشييد بناء السّلام من جديد طبقاً لرغبات البنّائين المهرة الذي ما يزالون يتحكّمون بمصير البشر وسلامهم.

 

3. ما هي أسباب انكفاء الحسّ الأخلاقي والمعايير الرَّاقية عند الكثير من البشر في الوقت الرَّاهن؟

- لا أعتقد أنّ هذا الانكفاء هو وليد الوقت الرّاهن، بل هو نتيجة حتميّة لإرهاصات الماضي التي زادتها مخاضاً وألماً إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه، ولكن البشر يلامون في عدم تكيّفهم مع الإنجازات التي يبتدعها فكرهم وحسّهم، ويسيرون بها نحو الأفضل والأحسن لهم من القيم والخُلق، فلو فعلوا ذلك لعاش الجميع من دون استثناء بسلام وأمان.

 

4. يركّز الإنسان على العلاقات المادّيّة، وغالباً ما تكون على حساب إنسانيّة الإنسان، لماذا يتراجع الإنسان نحو الأسوأ في علاقاته مع بني جنسه: البشر؟!

- لأنّ جميع البشر لم يجتمعوا، ولم يتفقوا على وضع أسس متينة تبنى عليها القيم والمبادئ التي تسيّرهم نحو الحياة التي ينشدونها، والعالم الذي يرسمونه في مخيّلتهم وخريطة أحلامهم، وهؤلاء القلّة من البشر الذين يتحكّمون بمصير البشر هم الذين أوهموهم بتغليب كفة العلاقات الماديّة على كلّ العلاقات الأخرى، ولأنّ معظم البشر لا يحبّذون إرهاق فكرهم وتفكيرهم بالخلق والإبداع والبحث والتّنقيب عن المبتكر والجديد، فإنّهم يسيرون وفق مشيئة القلّة سير ومسير القطعان.

 

5. هناك تطوُّر كبير في تقنيات وتكنولوجيا العصر، يسير عصرنا نحو فتوحات كبرى في عالم التّقانة والتَّحديث، لكنَّه فقد الكثير من الحميميّات، كيف ممكن إعادة العلاقات الحميمة الرَّاقية بين البشر؟!

- مع الأسف، كلّ هذه الفتوحات والثّورات في عالم التّقانة والتّحديث لم تحدث ثورات وفتوحات في عقل وحسّ البشر نحو الأفضل والأحسن لأنّهم لا يريدون ذلك، ليس لديهم استعداد لتقبّلها، ربّما لأنّهم خائفون من أن يفشل عقلهم وحسّهم في برمجتها بشكل صحيح، أو أنّ تفكير القلّة الآخرين عوضاً عنهم قد راق لهم، أو أنّ فكرة السّير على منوال الأسلاف والأقدمين تهدهدهم.

إعادة العلاقات الحميميّة أسهل ممّا نتصوَّر، فما علينا إلا فتح ذهننا، ومكامن وعينا وحسّنا لها برويّة وطيب خاطر، بل والتّصميم على المشاركة فيها وقيادتها بأمانة وصدق وإخلاص، حينها سننتج علاقات بشريّة، إنسانيّة تسعدنا، وتسعد الأجيال التي تلينا إلى ما لا نهاية.

 

6. لا يتمُّ تأسيس الكثير من الدُّول الشَّرقيّة/ العربيّة وما يجاورها على أسسٍ ديمقراطيّة، غالباً ما تجنح نحو الحروب والدَّمار، متى ستتعلَّمُ هذه الدُّول أنَّ بناء الدَّولة يقوم على بناء المؤسَّسات الدِّيمقراطيّة وتطبِّق هكذا مؤسَّسات؟

- شعوب هذه الدّول اعتادت على هذا النّمط من العيش والمعيشة، وليس عندها استعداد لتغييرهما، لأنّهم بالأصل يفتقدون روح التّضحيّة، يفتقرون إلى ثقافة التّغيير والتّطوير والتّحديث، لذلك يساهمون بنسبة كبيرة في الإبقاء على حالة الدّمار والخراب والحروب، فنجد الحاكم والمحكوم في غالب الأحيان على سويّة واحدة من التّفكير؛ وخير مثال على ذلك ما تشهده مناطق الشّرق والعالم العربيّ من أحداثٍ كبيرة وهائلة لو تمكّنوا من استغلالها لوصلوا إلى قمّة الحضارة وسدّة الدّيمقراطيّة، ولكنَّنا وجدنا العكس تماماً؛ فالمحكوم الذي ثار ضدّ الحاكم باسم المعارضة أو الضدّ أو الرّافض حين أحسّ بلذّة القيادة والمنصب، فعل مثل الحاكم  تماماً، بل غلبه في السّوء والفساد أكثر ممّا ينبغي، وترك الرّعيّة يتوهون في مجاهيل الدّم والقتل والتّشرّد والاغتراب وغيرها من الآفات والمصائب.

إذاً لا بدّ من إعادة بناء إنسان هذه المناطق والبلاد بناء سليماً، قويماً ومستقيماً ليكون قادراً على بناء الوطن والشّعب والمجتمع بشكل سليم وقويم.

 

7. جاءت الأديان كلّ الأديان، لتقويم سلوك وأخلاق البشر، ولإرساء أسس العدالة والمساواة بين البشر، لكن واقع الحال نجدُ انشراخاً عميقاً بين المذاهب عبر الدِّين الواحد، وصراعات مميتة بين الأديان، إلى متى سيبقى هذا الصِّراع والتَّناحر مفتوحاً بين المذاهب والأديان؟

- نعم، صراعات مميتة كانت، وستظلّ إن لم يتسلّم أمر هذه الأديان أشخاص مؤهّلون دينيّاً وأخلاقيّاً وتربويّاً وثقافيّاً وإنسانيّاً، يتسمون بالتّسامح والطّيبة والإيمان الصّادق، والتّقرّب القويم إلى الله والنّاس.

المشكلة ليست في تعاليم وشرائع ومضامين الأديان بقدر ما هي في الأشخاص الذين يتحكّمون بها منذ سالف الأزمان وحتّى عصرنا هذا ومروراً بقادم العصور والأزمان الذين يخضعونها لمصالحهم ومصالح ورؤى المستفيدين منهم مثلهم، والأسوأ إخضاعها لمشيئة السّلطات التي تمارس من خلالها ومن خلال هؤلاء الرّجال الحكم المطلق على الرّعيّة والمجتمع؛ ولتكون الأديان ربيبة القوانين والدّساتير والنّظم التي تحكم البشر بعدل ومساواة وإنسانيّة، يجب أن يوكل أمرها إلى مَنْ يستطيع إدارتها وفهمها وتسخيرها لخدمة البشريّة والإنسانيّة، وعدم إخضاعهم لشرائع وقوانين دينهم للسّلطات والمتنفِّذين فيها، لأنّ إخضاع الدّين لسلطة الدّولة والحكم يعني إضعافه والإساءة إليه وإلى البشر جميعهم. 

 

8. سمِّي القرن التّاسع عشر بعصر القوميّات، نحن في بداية القرن الحادي والعشرين، وما نزال نتخبّطُ بالحقوق القوميّة وحقوق الأقلِّيات، إلى متى سنظلُّ نتصارع كأنَّنا في غابة متوحِّشة، لماذا لا نركَّزُ على بناء الإنسان وتأمين حقوق المواطن القوميّة والمذهبيّة والدِّينيّة بعيداً عن لغةِ العنف والعنف المضادّ؟!

- لأنّنا نحن البشر نرضع مع حليب أمّنا مفردات العنف والانتقام وعدم التّسامح وغيرها، فتنمو، وتكبر معنا حتّى تتلاحم مع كلّيتنا وكينونتنا، وطبعاً لا نملك ذرّة استعداد لتغيير ما اكتسبناه من عادات سيئة وسلبيّة، ونظلّ نمجّد بطولات أجدادنا وأسلافنا في الانتقام والعنف والكره، ونتغنّى ببطولاتنا، ونورّثها لأولادنا وأحفادنا بثقة وأمانة.

لا يمكن تأمين هذه الحقوق وغيرها إلا إذا اتفقنا نحن البشر على تقبّل بعضنا البعض بأريحيّة ومودّة وعقلانيّة، إلا إذا اعترف كلّ منّا بوجوب العيش المشترك المبنيّ على المساواة في الحقوق والواجبات، والتعايش الحميميّ القائم على التّسامح وقبول الآخر والاستغناء عن فكرة التّعالي أو الاستعلاء الدّينيّ والقوميّ والمذهبيّ.

 

9. تحاول الدُّول العظمى أن تنشبَ حروباً في الدُّول النَّامية كي تصنعَ حروباً، فتعيشُ الدُّول المتقدِّمة على حساب المزيد من التّعاسة في الدُّول النَّامية، إلى متى ستبقى هذه المعادلة المخرومة قائمة في أبجديات سياسات بعض الدُّول الكبرى؟

- ستبقى هذه المعادلة قائمة إلى أن تتوحّد شعوب هذه المناطق والدّول على وجوب إنهاء هذه التّبعيّة والعبوديّة لهم، وهنا أقصد الدّولة وكلّ ما يخصّها والشّعب بكلّ مكوّناته وأطيافه، فإن تمكنّوا من التّوصّل إلى صيغة توافقيّة بينهم، فإنّهم سيرسمون الخطوات الأولى في السّير نحو سبيل التّحرّر والانفلات من قبضهتم.

ليس بالضّرورة أن تنطلق، وتنتفض هذه الدّول والشّعوب مجتمعة أو معاً، بل بإمكان كلّ دولة مع شعبها القيام بذلك شرط أن تساند كلّها بعضها البعض في ثورتها وانتفاضتها؛ لأنّ هذه الشّعوب إن لم تفعل ذلك فإنّها ستظلّ تساهم في استمرار غطرسة وجبروت حكاّمها عليها، وهي مع حكّامها ستساهم في ازدياد غطرسة وجبروت الدّول الكبرى بها وعليها وعليهم معاً.

 

10. الإنسان هو المهم، هو جوهر الحياة، وهو العقل المدبّر لقيادة الكون، مع هذا لا أراه مهمَّاً في برامج الكثير من دول العالم، لماذا لا يتمُّ التَّركيز على بناء إنسان خيِّر وحكيم ومحب للسلام والعدالة وبناء الأوطان؟

- لأنّ مثل هذه الدّول بنيت على جماجم البشر، وارتوت بدمهم، أو أنّ حكّامها تولّوا أمرها وأمر شعوبها بالدّم والنّار والقتل والخراب، فكيف لهذه الدّول ولهؤلاء الحكّام أن يبنوا الإنسان الخيّر والحكيم، بل إنّهم يسعون إلى اغتيال الخيّر والحكيم أو المحبّ للسّلام والبنّاء للوطن، أو اغتيال هذه القيم والمبادئ في نفسه وقلبه ووجدانه وفكره، خوفاً وفزعاً منه وممّا يتمتّع به من صفات وخصال، بالإضافة إلى الدّور السّلبيّ لبعض الدّول المتحكّمة بحكّام هذه الدّول التي تُحْكم بالحديد والنّار، ومحاولتها الإبقاء عليها ذليلة، ضعيفة، مستضعفة.

 

11. عجباً أرى، كيف لا يفهم المتصارعون والمتحاربون أنْ لا منتصر، في الحروب، حتَّى المنتصر هو منتصر على حساب جماجم الآخرين؟ نحن بحاجة أن ننصر قيم الخير والعدالة ونحقِّق الدِّيمقراطيّة والمساواة للجميع من دون هدر الدِّماء!

- نعم، يجب أن يتمّ ذلك، وننصر هذه القيم والمبادئ، وأمر تحقيقها سهل، سلس لا صعوبة فيه، فقط برغبة حقيقيّة منّا كشعوب نستطيع تحويل المستحيلات إلى الممكنات، والخطوة الأولى تبدأ بأن ينطلق كلّ منّا من ذاته ونفسه، يقوّمها، يصوّب أخطاءها وأغلاطها، ومن ثمّ الانطلاق من الأسرة كنوّاة أولى للمجتمع، وبالتَالي سيستقيم المجتمع، وإن تمّ ذلك، ستتحقّق كلّ هذه القيم والمبادئ أتوماتيكيّاً وبأريحيّة تامّة.

 

12. أبحثُ عن إنسان حكيم، عاقل، جانح نحو السَّلام، خيّر يقود البلاد إلى دفءِ الوئامِ، متى سنرى قائداً بهذه الحيثيّات، يقود البلاد إلى أبهى واحاتِ الأمان والسَّلام؟!

- نستطيع أن نرى مثل هذا القائد إذا حقّقنا الخطوات التي ذكرتها في الإجابة السّابقة، بالإضافة إلى أن يتحلّى كلّ منّا بنوع أو أنواع من ثقافة القيم والخلق والتّعامل الإنسانيّ الرّاقيّ وغرس بذور المحبّة والألفة والتّسامح في القلب والضّمير بدل بذور الكره والشّر والحقد والانتقام، وبذلك سيصبح كلّ منّا هذا القائد الرّمز والحكيم المثاليّ والمثل، ونقود أنفسنا وبلادنا إلى واحات السّلام والأمن والأمان.

 

13. الحيوان المفترس يفترس الكائنات والحيوانات الضَّعيفة من بني غير جنسه، من أجل البقاء، بينما الإنسان، هذا الكائن (السَّامي)، يفترس بني جنسه ليس من أجل البقاء، بل بسبب البطر والنُّزوع الحيواني، كأنّه ينافس الحيوان المفترس افتراساً، إلى متى سيفترس الإنسان بني جنسه؟!

- سيظلّ يفترس طالما يفتقر إلى قيم ومبادئ التّسامح والتّعايش السّلميّ وتقبّل الآخر والألفة والمودّة وغيرها، وغيرها، ومتى تمكنّ من استيعابها، سيتمكّن من تحقيق ماهيّته القائمة على الدّيمقراطيّة والعدالة والسّلم والسّلام، وإذا حقّق كلّ هذا سوف يتفهّم وجوب وحتميّة احترام الإنسان للإنسان، والحفاظ عليه كما يحافظ على حياته هو.

يجب أن يخضع الإنسان نفسه وفكره وخلقه لرقابة الضّمير ومرصد الوجدان، فهما القادران على تهدئة وإضعاف الأنا الشّرّيرة والهادمة والظّالمة فينا وصولاً إلى إزالتها، وتغليب كفّة الأنا الخيّرة والبنّاءة والرّحيمة في نفسنا وقلبنا وفكرنا، وبذلك نستحقّ مسمّى الكائن العاقل والسّامي والواعي.

 

14. الإنسان حيوان اجتماعي بالطَّبع، أنا لا أرى فيه هذه الرّوح الاجتماعيّة، بل أرى فيه جنوحاً نحو البوهيميّة والغرائزيّة، كيف ممكن أن ننقِّي هذا النُّزوع البوهيمي وننمِّي فيه إنسانيّة الإنسان؟!

-عندما يبدأ كلّ منّا بتحرير ذاته من هذا النّزوع الخطير، ويتمكّن من التّغلّب على سلبيّات ذاته، وشوائب تفكيره النّتنة، وتطهيرها بشكل شبه تامّ، حينها سنتمكّن من تنقية بشرنا من هذا النّزوع وتنمية روح الإنسانيّة في كينونته كلّها.

 

15. كيف تنسجين خيوط بحوثكِ، وتترجمين أفكاركِ الإبداعيّة وأنتِ غائصة في لجَّة الأحزان المتفاقمة في هذا الزَّمن المفخَّخ بالتَّوهان عن الهدف، أم أنّكِ تزدادينَ ألقاً وعمقاً في صياغة أفكاركِ رغم إنشراخات هذا الزّمان؟!

- خيوط بحوثي أنسجها على نول عواطفي بمشاعرها وأحاسيسها بمواءمة ومجالسة فكري الذي يرفدني بأفكار مستوحاة من ذاكرة تعقّلي وجنوني معاً، وبعد أن تنهي العاطفة مع الفكر غزَلَهما وغزْلهما يتشاوران مع العقل والخاطر لصكّ مهره وختمه عليها، لذلك تعجز الأحزان والأشجان من بتر عرى الألفة والمودّة بيني وبينهم.

ولأنّ الإرادة بورودها، والصبر بزهوره دائمة العطر والنّضارة هماالخلّان الوفيّان لي فإنّ الزّمن بتوهانه المفخّخ، والزّمان بضبابته المثيرة للجدل لا يستطيعان النّيل منّي ومن قلمي الصّديق الصّدوق لي، وهذه أيضاً هبة أهدتها إليّ الحياة مع ربيبيها الكون والدّنيا منذ استضافتهما لي.

 

16. لا أرى أهدافاً عظيمة ممَّا يهدف إليها إنسان اليوم، غالباً ما تكون أهدافاً عقيمة من حيث فائدتها للمجتمع البشري، إلى متى سيغوصُ في ترّهات الحياة، تاركاً أسمى الأهداف بعيداً عن نصبِ عينيه؟!

- سيظلّ إنسان اليوم وإنسان الغد يتخبّط في عقم أهدافه إلى أن يحقّق ذاته كإنسان مجبول من المشاعر والأحاسيس، والقلب النّابض بالحياة، ويتأكّد من امتلاكه للعقل الذي يميّزه من باقي الكائنات الحيّة الأخرى، وتخصّصه بالضّمير والوجدان، فكلّ هذه مجتمعة أو معظمها ستجعله يسعى إلى أهدافه العظيمة، يحقّقها، وينعم بدفء معانيها هو والمجتمع البشريّ عامّة، ويقفز إلى الصّفوف الأولى في استمراريّة وديمومة البشريّة والإنسانيّة.

 

17. ما هو دوركِ مبدعةً، مثقّفةً، عندما ترين الإنسان يقتل بني جنسه بقلب بارد، من دون أن يرمشَ له جفن؟

- قبل كلّ شيء كإنسان أنتمي إلى المنظومة الإنسانيّة والبشريّة، وعندما أقلّب صفحات التّاريخ، وأسمع ما فعله النّاس ببعضهم البعض، والجرائم والمآسي التي أوقع بعضهم البعض فيها، أحتار في أمرهم، وأكاد لا أصدّق ما أقرأ عنه وأسمع، ولكن تلفّني الحيرة، وتزنّرني الدَهشة ممّا يفعله إنساننا بإنساننا الآخر في هذا الزّمان الموسوم بالإنجازات والاختراعات التي يبدعها، ويتفنّن في خلقها  والتي تدلّ على النّعم والفضائل التي يختصّ بها عن الكائنات الأخرى، بينما يسارع إلى مجاراة الجانب المظلم من عقله فيتفنّن في خلق أساليب ومخترعات تدمّره، وتهينه، وتنهيه.

منذ ولوجي إلى عالم الأدب والكتابة آثرتُ الجانب الإنسانيّ والوجدانيّ على الجوانب الأخرى، وأحاول أن أخطّ بعينيّ حسّي وبصيرة فكري كلّ ما يدعو إلى التّعايش السّلميّ والتّسامح الإنسانيّ والسّلم والسّلام.

 

18. كيف ممكن أن ننقذ فقراء وأطفال هذا العالم من الخراب والفقر والقحط الَّذي بدأ يستفحل في الكثير من دول العالم؟!

- الأخطاء الجسيمة والأغلاط الكبيرة التي تقع فيها الدّول والمنظّمات والمؤسّسات التي تمنح المعونات والمساعدات للفقراء والمحتاجين في العالم هي أنّهم يجمعونها، ويتباهون بها، ويعلنون عنها أمام وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئيّة  ويسلّمونها إلى الحكومات والأنظمة التي تسبّبت، وتتسبّب في تجويع وفقر وإذلال هؤلاء الأشخاص والعائلات، وهؤلاء بدورهم يجمعون ما شاء لهم من وسائل الإعلام والإعلاميّين الممجّدين لبطولاتهم وإنجازاتهم، ويجمعون بعض هؤلاء المساكين، ويوزَعون عليهم جزءاً بسيطاً منها، ثمّ يودعون الكميّات الكبيرة في سراديب جشعهم ونهمهم من دون وازع ضمير أو إنسانيّ.

بصراحة أحياناً أجزم أنّ هذه الجهات المانحة تفعل ذلك عن قصد وتعمّد؛ وهذا ما يحدث معنا خلال السّنوات الأخيرة من عمر الأحداث الجارية في الشّرق الأوسط والعالم العربيّ وفي الصّومال والسّودان والدّول الأخرى؛ فلو كانت هذه الجهات والدّول المانحة جادة في مسعاها، وصادقة في مبتغاها لشكّلت لجان محايدة من أشخاص معروفين بصدقهم وإنسانيّتهم وشبعهم الرّوحيّ والمعنويّ والغريزيّ ليوزّعوا المنح الماديّة والمعنويّة على الجميع من دون استثناء، وبذلك نتغلّب خلال أعوام قليلة على الفقر والعوز والقحط!        

                                                                                    

19. ما هي أفضل الطُّرق والأسس الَّتي تقودنا إلى تحقيق السَّلام العالمي بين البشر كلَّ البشر؟

- أفضل الطّرق برأيي تكمن في تكاتف وتعاضد كلّ الشّعوب المظلومة والمضطهدة ضدّ أنظمتها وحكّامها ولكن ليس بالقوّة والعنف، بل بالمطالبة السّلميّة، بالعقل والتّفكير والتّدبير، وأولى الخطوات تكمن في التّوافق والتّواؤم بينهم في الرّؤى والتّطلّعات والخطوات، وقبل كلَ شيء أن يوصلوا صوتهم إلى الرّأي العام العالميّ وإلى كلّ أنحاء المعمورة، وهذا لن يتطلّب منهم الكثير ونحن نعيش عصر التّقانة والابتكار والإبداع، ففيها أشخاص ومنظّمات وجهات قادرة على فعل الكثير لأجلها، وتقديم الكثير من الخبرة والعون والمساعدة لهم وإليهم.

 

20. لو قام كلُّ إنسان بأعمال الخير والسَّلام والمحبّة لتحقَّق السَّلام كتحصيل حاصل، ما هو دوركِ في تحقيق هذه الفكرة؟

- أرى أن يقوم كلّ منّا بهذه الأعمال ضمن إمكانيّاته الماديّة والمعنويّة، وضمن اختصاصاته ومؤهّلاته المختلفة، خلال مسيرتي في سلك التّعليم والتّربيّة لثلاثين عامّاً كمعلّمة ومدرّسة حاولتُ أن أخدم بصدق وإخلاص، وأزرع في نفوس التّلاميذ والطّلاب روح المحبّة والسّلام والتّسامح مع وجود بعض الهفوات هنا أو هناك نتيجة ضغط العمل، وفي مجال الكتابة أحاول أن أجعل قلمي في خدمة الكلمة المعبّرة والحسّ الصّادق، فليس مانح المال هو وحده مَنْ يقوم بأفعال الخير والسّلام؛ بل كلّ من موقعه يستطيع فعل ذلك، وأيّاً كان اختصاصه ومهنته وحرفته، فالأهمّ هو القيام بأفعال وأعمال تخدم البشر والبشريّة.

 

21. كيف ممكن أن نسخّر أقلام مفكِّري ومبدعي ومبدعات هذا العالم من أجل تحقيق السَّلام والكرامة الإنسانيّة؟

- أرى أنّ المفكّرين والمبدعين الحقيقيّين في مجال الثّقافة والأدب والفنّ والكتابة والمجالات الأخرى يسخّرون أقلامهم لتحقيق السّلام والكرامة الإنسانيّة، وتأثير هذه الأقلام في الكثير من الأحيان يفوق تأثير كلّ الوسائط والأدوات الأخرى، لأنّ القلم ينبض بالحسّ والوجدان، ويتغذّى من الفكر والنّفس، ويترجم أفعال الضّمير بعد أن يراقبها، ويحاسبها، ولكن إن تلقّى هؤلاء الدّعم والمساندة من الجهات المختصّة والرّسميّة ماديّاً ومعنويّاً فإنّهم قادرون على الكثير، ودفع الإنسانيّة والبشريّة نحو مرابع الأمان والسّكينة والسّلام.

 

22. ما رأيكِ بتأسيس تيَّار وفكر إنساني على مستوى العالم، لإرساء قواعد السَّلام وتحقيق إنسانيّة الإنسان، بإشراف هيئات ومنظَّمات دوليّة تمثِّل كل دول العالم، كي يكون لكلِّ دولة من دول العالم دورٌ في تحقيق السَّلام؟

- هذا حلم طالما حلمنا بتحقيقه في منامنا ويقظتنا، وأمنية سنظلّ نتمسّك بها، ونسعى إلى تحقيقها مهما طال بنا الأمد، وهذا ما أدعو إليه منذ ولوجي إلى عالم الأدب والكتابة، وناقشتُ الأمر مع الآخرين وفي مناسبات عدّة، ودعوت إليه في العديد من الأشعار والنّصوص المختلفة، وما يزال الأمل يحثّني على وجوب تحقيق ذلك عاجلاً أم في الأجل القريب.

 

23. ما هي أفضل الطُّرق لخلق رؤى تنويريّة، ديمقراطيّة، تقدميّة في العالم العربي والدُّول النَّامية في العالم، لتحقيق السَّلام والاستقرار، بعيداً عن لغة الحروب المميتة الَّتي دمَّرتْ وتدمِّر كلَّ الأطراف المتصارعة؟

- أعود ثانية وثالثة ورابعة إلى الشّعوب، نعم شعوب هذه المناطق يجب أن تخلع رداء المذلّة والمسكنة، تتفق، وتتوافق على وجوب تحريرها وتحرّرها، كلّ ضمن اختصاصه وإمكانيّاته، ورؤاه ومقترحاته، دون أن يتجاوز أحد اختصاص الآخر، وبالتّعاون مع شعوب العالم المتحضّر والدّيمقراطيّ، والتّناسق مع شعوب ومجتمعات الدّول المتقدّمة، وبكلّ تأكيد أنّها ستفلح في مسعاها، وتصل إلى مبتغاها في تحقيق السّلام والاستقرار، وتلتحق بالتّالي، وتلحق بالعالم المتحضّر فكريّاً وثقافيّاً وسياسيّاً وأمنيّاً وعلميّاً وفي مختلف الأطر والمجالات الأخرى.

 

24. ما رأيكِ بإلغاء وإغلاق معامل السِّلاح في العالم، والوقوف ضد صنَّاع الحروب والفكر القائم على الصِّراعات، ومعاقبة كل مَنْ يقف ضد السَّلام لتحقيق السَّلام بقوّة القانون العالمي، وذلك بمحاسبة الجّانحين نحو الحروب ودمار الأوطان؟!

- هو حلم لا أظنّه سيتحقّق لأنّ الدّول الكبرى والعظمى هي التي تتسابق في إنشاء معامل ومختبرات السّلاح محقّقة بذلك أقصى وأعلى المكتسبات الماديّة والماليّة والاقتصاديّة أوّلاً، ولتخويف بعضها بعضاً، وإخافة الدّول والأقاليم الأخرى الضّعيفة والنّامية والمتخلّفة، والإبقاء على ضعفها وتخلّفها، للتمكّن من السّيطرة عليها واستنزاف قواها لتكون مستعمرات لها على الدّوام.  وكيف يمكننا إغلاق معامل ومصانع السّلاح والذَخيرة بقوّة القانون العالمي وهذا القانون من صنعهم وتحت إشرافهم، فهم وضعوا أسسه وأهدافه، ويسيّرونه وفق مشيئتهم ومصالح شعوبهم وبلادهم؟! إذا أردنا القيام بذلك، علينا إقناع تلك الدّول أوّلاً، بالتّوجّه نحو شعوبها والتّأثير فيها وكسب واكتساب دعمها وتأييدها.

 

25. ألا ترينَ أنّه آن الأوان لتأسيس جبهة سلام عالميّة من خلال تواصل المبدعين والمفكِّرين من شتّى الاختصاصات، والدَّعوة لتأسيس دستور عالمي عبر مؤسَّسات وهيئات عالميّة جديدة، لتطبيق السَّلام عبر هذه التَّطلُّعات على أرض الواقع؟

- منذ زمن بعيد كان يجب أن يحضّر لتأسيس هذه الجبهة أو تشكيلها، ولكنّنا الآن بحاجة ماسة إليها، ومعك وتأييداً لك أدعو إلى التّحضير لها، وسوف أكون أوّل الدّاعمين لها والمساهمين فيها وضمن الإمكانيات المتاحة لي، فتحقيق السّلام العالميّ هو السّبيل الأوّل إن لم نقل الوحيد لإنقاذ إنسانيّتنا وبشريّتنا من المزيد من المآسي والويلات والنّكبات، وإن كان بتعاضد وتعاون المبدعين والمفكّرين والكتّاب سيكون ناجحاً ومتميّزاً، فكلّ واحد من هؤلاء يدعو إلى تحقيق ذلك والسّعي إليه.

الأستاذ والكاتب والفنّان المتميّز صبري يوسف، لك أكاليل الشّكر والامتنان على سعيك المتواصل للتّواصل مع الجميع، وورود التّقدير والاحترام على سعيك النّبيل لتحقيق السّلام العالميّ للبشر أجمعين.

 

أجرى الحوار صبري يوسف

 

-  موصلية أذهلت العالم بلوحاتها المزاوجة بين المعالم والخرائط والآيات القرآنية

-  منحها الآمدي والمصري إجازة الخط بعمر 10 اعوام ويوسف ذنون بعمر الخمسين

خطاطة موصلية شقت طريقها بإرادة لا تلين وواصلت الليل بالنهار لتخرج من بين أناملها لوحات مذهلة ليست كبقية اللوحات أدهشت المختصين وعشاق الخط العربي في أرجاء المعمورة، تصدر وسمها عن مدينتها الجريحة، ام الربيعين،، بمنارتها الحدباء وخارطتها المطرزة بدعاء النبي يونس عليه السلام " لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين "، مواقع التواصل الاجتماعي منذ بداية الأحداث الأليمة هناك، خطاطة حظيت أعمالها بإعجاب المختصين وكبار الخطاطين والتشكيليين فضلا عن المتابعين، تميزت جنة بالخط على الخرائط الجغرافية ومعالم العراق ما شكل علامة فارقة في مسيرتها الواثقة فمن تكون :

 1103-jant

* حصلت الشقيقتان الموهوبتان (فرح عزت وجنة عزت) على شهادة في الخط العربي من الخطاط التركي الكبير، حامد الأمدي، في إسطنبول أعقبه حصولهما على شهادة مماثلة من عميد الخط العربي، سيد إبراهيم المصري، ولما يتجاوز عمر فرح 13 عاما وجنة 10 اعوام، متى بدأت هذه الموهبة لديك وكيف تم صقلها لتنال إعجاب ورعاية عمالقة الخط في الوطن العربي؟

-  والدي رحمه الله كان مولعا بالخط العربي وكان بيتنا يضم لوحات لعمالقة الخط أمثال حامد الامدي، كنت صغيرة لا أجيد الكتابة والقراءة الا انني ملت اليها وأحببتها الى درجة انني كنت أمسك الورقة والقلم واقلدها كأي لوحة رسم، لاحظ والدي عشقنا للخط فقرر ان يوجهنا التوجيه السليم واخذنا الطريق الى الاستاذ الموصلي" يوسف ذنون " حفظه الله، فكانت الانطلاقة من هناك، اضافة الى سفرات سنوية الى تركيا نتدرب خلالها على يد الخطاط حامد الامدي، وعندما بلغت العاشرة من العمر تأهلنا لنيل الاجازة من الامدي وسيد ابراهيم في مصر.

 

*انت القائلة " لولا استاذي الكبير الموصلي، يوسف ذنون عبد الله، في بداية مشواري لما وصلت الى ما وصلت اليه الان، لأن التعليم الصحيح منذ البداية هو الأساس "، حدثينا قليلا عن تلكم المحطة المضيئة والتقدير العالي الذي منحه إياك كبير الخطاطين العراقيين بما لم يحظ به أحد سواك .

– فعلا كانت محطة مضيئة فلولا اضاءتها تلك الفترة لما ازداد بريق اعمالي اليوم، اعتبر نفسي محظوظة لأني عاصرت حقبة العم يوسف ذنون الموصلي . وكل من تتلمذ على يديه اعده محظوظا لأن العم يوسف عندما يعلم الخط فانه يعلمه بكل أمانة وحرص وتفان وبعد مرور سنوات وفراق طويل معه بسبب الغربة، عاود ذاك الضوء لينير من جديد بحصولي على أعلى تقدير في تأريخ الخط العربي من العم يوسف، حيث لم يحظ بهذا التقدير العالي سوى العم يوسف والمرحوم هاشم الخطاط البغدادي من أمير الخط العربي حامد الامدي ومن ثم انا والحمد لله وبهذا اكون قد حصلت على ثلاث شهادات في الخط من عمالقة، وبعد ان منحني العم يوسف هذا التقدير العالي وانا في الخمسين الان،  وشاع الخبر، قال لي ان بعض الخطاطين طلبوا منه ان ينالوا هذه المرتبة وان يمنحهم ما منحني اياه، فقال لهم لن امنحها لأي أحد والذي يرغب بالحصول عليها فليأخذها من جنة!

 

* جنة الموصلية وفي سابقة من نوعها إتخذت من احدى الجوائز التي حصلت عليها قلادة لا تفارق جيدها أينما حلت وارتحلت، ما السر في ذلك؟

– هي ميدالية وليست قلادة ومن شدة تعلقي بها وبالخط الذي يحتويها بخط ذنون الموصلي والتي حصلت عليها منذ طفولتي احببتها جدا وعز علي رؤيتها وهي في محفوظة في صندوقها الى جانب ميداليات أخرى، فقمت بثقبها وحولتها الى قلادة ترافقني على الدوام .

* الأبعاد اللونية تشكل قاعدة اساس في لوحاتك المبتكرة، برأيك هل في المزج بين اللون والتشكيل والتعبير يكمن السر في حجم الإبهار الذي يشع من لوحاتك فيخلب الألباب أينما عرضت؟

– بصورة عامة انا اركز على الحرف وقوته اكثر مما أركز على ممازجة الالوان،، فتعبيري الوحيد هو قوة الحرف وكيفية صياغته لكي اعبر عنه كما فعلت في معظم لوحات الخرائط، ونظرتي الى أعمالي لا تكمن في بهرجة الألوان بل ببهرجة قوة الحرف وقوة تركيبه داخل الشكل المطلوب.

*اكثر ما يشد الانتباه الى أعمالك تلك الممازجة الرائعة بين الآيات القرآنية والخرائط الجغرافية حتى اصبحت مدرسة بحق ولعل من اشهر لوحاتك في هذا المجال، خارطة الوطن العربي التي خطت داخلها الآية القرآنية الكريمة " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا "، اضافة الى خارطة العراق التي يتوسطها دعاء ايوب عليه السلام، هل هذه مدرسة جديدة تفردت بها، ام انها حلقة وصل في سلسلة ابداعية سبقك اليها آخرون وسيواصل تقليدها لاحقون؟

– هذه مدرسة خاصة لجنة عدنان لم يسبقن احد الى فكرتها واعدها أيقونتي وهويتي عبرت عنها بهذا الاسلوب لكي اطرح فكرا فنيا واسلوبا متجددا له بعد آخر غير تقليدي ليكون انطلاقة يتتلمذ عليها الخطاطون، فالخرائط بحد ذاتها عبارة عن كراسة لخط (جلي الثلث) حيث تتوفر فيها كل انواع ربط الحروف وانواع التراكيب والجرأة في تركيبة الحرف ليقعد في محله داخل أشكال غير هندسية.

*أهم الجوائز التي حصلت عليها الخطاطة، جنة عدنان، في المحافل العراقية والعربية والدولية وأقربها بعد القلادة الى قلبها النابض؟

– اهمها كردانة من الذهب الخالص قدمت لي قبل عام 2003 عن طريق السفارة العراقية خلال اقامتي تلك الفترة في دولة الامارات العربية المتحدة وهي معي حتى الان واعتز بها جدا (اذا ردي فيه تحسس بسبب الاوضاع السياسة الحالية فهذا ليس ذنبي) انتم سألتموني وانا ارد بكل مصداقية.

* الخطوط العربية انواع فهناك الخط الكوفي، خط النسخ، الخط الديواني، خط الرُّقعة، خط الثُلث، الخط الأندلسي، الخط الفارسي، ترى في اي من هذه المدارس أوالخطوط تجد جنة الموصلية نفسها؟

– اجد نفسي في اصعب انواع الخطوط وهو (جلي الثلث) و(الطغراء) فمنذ صغري تأقلمت أناملي وعيني على هذا النوع الصعب والجميل جدا جدا، في ذات الوقت الذي ارى فيه خط (جلي الثلث) واحدا من اجمل الخطوط العربية .

* ماذا عن الخطوط السبعة الأخرى التي تندرج ضمن مدارس الخط العربي كخط الإجازة، المغربي؟

– اخترت منها خط (الطغراء) كونه خطا تربطه علاقة وطيدة بخط جلي الثلث فكل مخطوطاتي بالطغراء حروفها جلي ثلث اصلية .

* أي الأحبار والأوراق تفضلين في أعمالك؟ واي الأقلام تستخدمين، البلاستيكية، ام أقلام البوص المصري او الصيني؟

– الورق الابيض الصقيل هو المفضل عندي وفي بعض الاحيان أضيف إليه بعض المواد او الالوان من باب التجميل والتغيير،  فأما ان اطليه بالقهوة او بألوان بلاستيكية خفيفة او بالحبر المخفف، اما القصب فأنا عادة ما استخدم القصب البني والاصفر ولا أستخدم الاقلام .

* ماذا يمثل لك هؤلاء ببضع كلمات " ابن مقلة، ابن البواب، هاشم البغدادي، محمد صالح الموصلي، صادق الدوري، روضان بهية، عبد الكريم الرمضان، جاسم النجفي "؟

ج – نجوم ساطعة في سماء فن الخط العربي. رحم الله من رحل، وحفظ الباقين.

* مشاريعك المستقبلية؟

– قيد التفكير.

*كلمة اخيرة

كلماتي لجمهوري في العراق والوطن العربي جسدتها في الخرائط وهي رسالة لهم جميعا اكثر مما هي كلمة،

اما كلمتي او نصيحتي للخطاطين فأقول لهم، الخط العربي أمانة في أعناقكم وليس لعبة في ايديكم.

 

تجدر الإشارة الى ان الفنانة الموصلية خصت كل بلد عربي بخارطته التي تتوسطها آية كريمة تحاكي واقعه، بدأتها في نيسان 2014 وانتهت منها في نيسان 2016، خارطة العراق (رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين)، لبنان (كأنها كوكب دري)، فلسطين (ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)، عمان (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا)، السودان (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ..)، جزر القمر (الله لا إله إلا هو)، الكويت (و نزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين)، جيبوتي (جزاؤهم عند ربهم جنات عدن)، موريتانيا (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، اليمن (لقد كان لكم في سبأ آية ..)، الجزائر (وأشرقت الأرض بنور ربها..)، الصومال، (يسقون من رحيق مختوم)، البحرين (يخرج منها اللؤلؤ والمرجان)، تونس (و زيتونا ونخلا ..)، الأردن، (ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا)، المغرب (رب المشرق والمغرب وما بينهما ...)، مصر (و أوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا)، الإمارات (سورة الفاتحة)، ليبيا (و لا يؤوده حفظهما)، سوريا (و جزاهم بما صبروا جنة وحريرا)، السعودية (وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود).

 

 

jamil hamdaouiتوطئـــة: منذ فترة بدأ الدكتور جميل حمداوي  ينشر مؤلفاته المثمرة، والكثيرة، والمتنوعة والموزعة بين الأدب، والفلسفة، والتربية، والتكنولوجيا، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والفن، ومقارنة الأديان؛ ويتركها رهن إشارة القارئ في الفضاء الأزرق حيث  تتقاطر، وتنساب مطراً خفيفاً، تخصب تربة المهتمين والسائلين والباحثين، يهديها لأصدقائه، وأحبابه، دون أن ينسى أحداً أبداً.. وأصبحت تتقاطر عليه، كلما نشر مؤلفاً جديداً، تعليقاتٌ كحبات الرمل شاكرة، ومنوهة، ومعبرة عن دهشة، أظهرها الكثيرون بكثير من الإكبار، ويخفيها الآخرون لسبب ما، وهم كثر أيضاً..

الدكتور جميل حمداوي عندما يرسم على وجهه ابتسامة وهو يتصفح كتاباً.. وعندما يقرأ عنوان كتاب ما، ويغرق في فك شفرته،...وعندما يقرأ المتن، ويحس أن جسده يتنمل كما الحشرات تخزه بسبب ما يقرأ،... وعندما يقف عند معارف الكتاب يسجلها، ويعلق عليها،وعندما يحس براحة رطبة تُستثار داخله بفعل وقع الكلام الجذاب الأنيق الشاعري على نفسيته وهو يقرأ... عندئذ يصبح الدكتور جميل حمداوي شخصاً آخر، يكبر أمام الكتاب، يصبح كما هو الآن كبيراً في مجال التأليف..

الرجل يرتاح حين يرى كتاباً، قد ينام ملء جفونه عن بعض ضرورات الحياة، لكن الكتاب، وحروفه، وكلماته تجعله في منتهى الصحو..

كتب عنه الأستاذ حسن الطويل معلقاً:

"الأستاذ الجميل، عطاؤك المتواصل هذا يثير فينا دهشة جميلة، دهشة الإكبار والإجلال. ألتمس منك أن تكتب عن تجربتك مع الكتابة؛ تعاملك مع الوقت، خطتك في الإعداد للموضوع، تعاملك مع التخصصات... أنت حقا لست كاتباً عادياً. تقديري"

مرحباً بك دكتور جميل  في حوارت " العرين " وفي لقاء خاص حول تجربتك في التـأليف..

 

س- تنشر مؤخراً كتبك بأريحية منقطعة النظير.. هذا الجود يعجز القارئ عن أن يفيك الشكر الذي يليق بك...

- صحيح أنني نشرت مجموعة كثيرة من الكتب الإلكترونية التي نشرت ورقيا. وهناك كتب تنتظر لحظة الطبع والنشر الورقي. والهدف من ذلك كله هو خدمة وطني وأمتي والإنسانية جمعاء. فهدف الإنسان العالم، في هذه الأرض، ليس هو احتكار المعرفة وتخزينها، بل لابد أن يشرك الآخرين في بنائها ومعرفتها والانفتاح عليها بغية توطيد الحوار الهادف، وتحقيق التواصل الحميم البناء، والسعي  الجاد إلى خلق نوع من التفاعل المباشر .

ومن هنا، فقد قدمت كل ما لدي إلى القارىء، بمختلف مستوياته ودرجاته العلمية، لكي يستفيد منه لتقوية مستواه المعرفي والمعلوماتي والفكري والمنهجي، دون تقتير، أو بخل، أو ضن، أو شح. وهذا كله في سبيل الله تكفيرا عن أخطائي وذنوبي وسيئاتي.

 

س- ما قصتك مع التأليف بهذا الزخم المتواصل في الآونة الأخيرة؟

- سؤال مهم. قد يفهم الكثير أن ذلك من أجل إثبات الذات، أو من أجل تحقيق الشهرة، أو من أجل الظهور، أو لميل نرجسي أو سادي أو مازوشي، أو  لهدف تنافسي، أو لإثارة الغير  من أجل الانتباه إلى هذا الباحث المسكين. فالدواعي والأسباب كثيرة كما يراها الآخرون. يمكن أن تكون تلك الدواعي صحيحة بحال من الأحوال، مادمنا ذواتا بشرية ضعيفة، قد ينخرها الإعجاب بالذات، أو تنساق وراء الغرور والتكبر والخيلاء، ونعوذ بالله من هذا كله...

بيد أن هدفي هو إخراج مجموعة من الكتب القديمة ونشرها بسبب قلة الإمكانيات لطبعها ورقيا. والهدف الثاني هو تقريب كتبي ورسائلي ودراساتي وأبحاثي من التلاميذ والطلبة والباحثين والمدرسين بأبسط الوسائل الممكنة.لذا، اخترت النشر الإلكتروني  وسيلة ناجعة لتعريف القراء بإنتاجي المتواضع. ويعد الفايسبوك - اليوم- أداة تواصلية فعالة لخلق نوع من التفاعل المباشر وغير المباشر مع الراصد المتقبل لتبادل الأفكار والمعارف والبيانات. وأكتب كذلك طمعا في صدقة جارية تنفعني بعد موتي، إذا رضي الله - فعلا - عن ذلك العمل.

 

س- أتخيلك كما لو كنت في حرب ضروس مع " الكتاب"، بين يوم وأخر كتابٌ جديد..هل هو حب، أم عناد، أم انتقام.. أم ماذا بالضبط؟

- لا يمكن للكاتب، أو الناقد، أو الباحث،  أن يثبت نفسه في زمن يتميز بشدة التنافس في جميع المجالات، بما فيها السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية، إلا بفرض وجوده علميا وفكريا كما وكيفا. ويعني هذا أن التطور الذهني والمعرفي، وجودة الإنتاج، وتحسين المردودية، يتحقق ذلك كله بالكم والكيف معا.

وأكثر من هذا فقد كان علماؤنا القدامى، في العصر الوسيط، أكثر إنتاجا من حيث التراكم الكمي والكيفي. ومن ثم، لابد أن يكون الناقد، أو الباحث، أو الدارس،  دائم الوجود في المواقع والفضاءات والحقول التي يتواجد فيها القراء والمتصفحون والفايسبوكيون من أجل خلق نوع من التواصل والتفاعل والتبادل الهادف والبناء

 

س- عطاؤك، فعلاً، يثير فينا دهشة جميلة، هل تقصد أن تستثير القارئ بهذا العطاء المتواصل؟

ج-  يمكن أن يكون ذلك صحيحا. يقول المثل الشكسبيري: كن أو لا تكن، فذلك هو السؤال(To be or not to be.That is the question).

كلنا نتصارع ونتبادل ونتواصل من أجل إثبات ذواتنا. وهذا حق مشروع في زمن التنافسية والتغير والتبدل. ويمكن القول: إن الهدف من ذلك هو تجاوز مرحلة التنكير نحو مرحلة التعريف. وربما يكون الهدف كذلك هو خدمة الآخرين، كما وعدت الله بذلك في أدعيتي المتكررة والمتواصلة والمستمرة، والله شاهد على ذلك.

 

س- هل كتبك مقروءة دكتور جميل؟ وهل لهذا التأليف  المتنوع والمتواصل رجع صدى لدى القارئ، وما هي تجلياته؟

نعم كتبي مقروءة بكثرة. والدليل على ذلك إحصائيات موقع الألوكة الإلكتروني الذي يبين، مثلا، عبر مؤشر الكم،  ومؤشر التعليقات، مدى إقبال القراء على تلقي تلك المقالات والكتب. فعدد قراء كتابي (ميادين علم الاجتماع ) هو( 20.810). أما مقالي (المفاهيم السوسيولوجية عند بيير بورديو)، فعدد قرائه هو (39.992). وعدد قراء مقالي (أصول الإنسان الأمازيغي) هو (153.788).

وتتجاوز كتبي الورقية- كما أتثبت إحصائيات مكتبة سلمى بتطوان- ستمائة (600) نسخة في المغرب. وقد أخبرني صاحب مطبعة أفريقيا الشرق برواج كتبي النوعية، وتدفق القراء الخليجيين على شرائها في كل معرض تقيمه دولة من الدول العربية. أما مقالاتي الأضعف قراءة، فتتجاوز الألف مع مرور الوقت.

وتعني هذه الأرقام الصريحة أن ثمة إقبالا كبيرا من قبل القراء العرب. والدليل على ذلك أن هناك من يهاتفني ويراسلني ويدلي بإعجابه بإحدى مقالاتي أو كتبي.  ولذلك، تطبع كتبي في مصر، والجزائر، والأردن، ولبنان، والسعودية، والكويت، والإمارات العربية المتحدة، والعراق...وقد ترجمت مقالاتي إلى الكردية والفرنسية.

أضف إلى ذلك أن مقالاتي وأبحاثي ودراساتي أصبحت مراجع ومصادر مهمة، يعتمد عليها كثير من الباحثين في المعاهد والمؤسسات والكليات والجامعات المغربية والعربية على حد سواء.

 

س- كتبٌ كحبات الرمل تنشرها، وبل وتتكرم وتهديها للقارئ... وبالنظر إلى تنوع الموضوعات التي تكتب عنها،حدثنا عن تجـربتك في الكتابة، وكيف تنظم وقتك مع هذا التنوع، ألا تختلط عليك الأوراق حين تكتب وفي تخصصات مختلفة؟

أولا أشكر الله كثيرا على ما أمدني به من نعم ومواهب وقدرات وكفايات وملكات، وأحمده على ذلك بجزيل الامتنان والتبجيل والتعظيم.

وعليه، فقد بدأت تجربة الكتابة منذ 1996م. بل منذ أن كنت تلميذا في الإعدادي ؛ إذ نظمت مجموعة من القصائد الشعرية العمودية وفق الإيقاع الخليلي. وكتبت كتبا في فقه اللغة والنحو العربي .وبعد ذلك، انطلقت في التأليف في أثناء إعدادي للدراسات العليا، وتحضير الماجستير والدكتوراه.

ولكن أحسن فترة انطلقت فيها بسرعة هي تلك الفترة التي تمتد من 2007 إلى يومنا هذا. ولقد استفدت كثيرا من أخطائي الكثيرة والعديدة في مجال الكتابة ؛ لأن الذي يكتب كثيرا يخطىء كثيرا. وقد بدأت  حياتي الثقافية الحقيقية بمقال أعجب به الكثيرون، وقد نشرته في مجلة عالم الفكر سنة 1997م بعنوان (سيميوطيقا العنوان). وأنذاك، كنت شابا في أربع وثلاثين سنة.

وتأسيسا على ما سبق، أكتب معظم أبحاثي وكتبي ودراساتي في الصباح الباكر. في حين، أخص المساء بالتثقيف والقراءة والراحة والجلوس في المقهى مع أصدقائي الأعزاء في مدينتي الناظور وتطوان، أمثال: ميمون حرش، وجمال الدين الخضيري، وفريد أمعضشو، وعلي صديقي، وعيسى الدودي، وأحمد الكبداني، وأحمد أمحور، وعلي أزحاف، وأحمد المخلوفي، ومحمد حمداوي، ومحمد الفهري، ويوسف الفهري، وخالد البقالي القاسمي، ومحمد بنعياد، وغيرهم من الأصدقاء الأعزاء الأوفياء الذين غمروني بحبهم، وفضلهم، ونبلهم، وكرمهم.

ولا أنسى الأخ العزيز على قلبي عبد الهادي بنيسف وحرمه اللذين أسديا إلي معروفا كبيرا لن أنساه طوال حياتي.

وعندما أبدأ في التأليف، أستعمل الحاسوب مباشرة في الكتابة، وأخطط لكتابي، أو مقالي، وفق منهجية واضحة، تبدأ بالمقدمة، وتنتهي بالخاتمة وثبت المصادر والمراجع والملاحق، مع المرور - طبعا- بمجموعة من الأبواب، والفصول، والمباحث، والمطالب، والفروع. وأتبع منهجية أكاديمية منطقية واضحة وواحدة سهلة وميسرة. وبالتالي، أكتب بلغة سليمة معروفة ومألوفة لدى الناس، وبأسلوب بيداغوجي واضح وبسيط وسهل، كأنني أكتب لتلميذ في الابتدائي، أو الإعدادي، أو الثانوي، أو لطالب جامعي مبتدىء.

ولا أنزل جملة في كتابي، أو مقالي،  حتى أتبين من وضوحها وبساطتها وسهولتها، ومدى قدرة القارىء على استيعابها. لذلك، يفهم القراء كتاباتي بكل يسر وسهولة حتى في دراساتي المتخصصة في اللسانيات، والسيميوطيقا، والمناهج النقدية. ويجد الطلاب كذلك راحتهم الكبيرة في أبحاثي، فيستشهدون بها في بحوثهم وعروضهم ودراساتهم الجامعية ؛ لأنها ميسرة، ومركزة،  ومقتضبة، ومختصرة، وشاملة، تبدأ دائما بتعريف المفهوم لغة واصطلاحا.ثم، تشرع في التأريخ والتحقيب والتوثيق، وسرد الخصائص الموضوعية والفنية، واستعراض النظريات الغربية والعربية. وبعد ذلك، تنتقل إلى التطبيق والتجريب والاستنتاج .وهكذا دواليك.

وكثير من المتخصصين المتفيهقين يفهمون هذا الوضوح  على أساس أنه سطحية وبساطة وسذاجة في التفكير. في حين، أتعمد تلك الكتابة البيداغوجية من أجل التبليغ والتوصيل وتنوير المتلقي بأيسر الطرائق والسبل،  كما فعل ذلك علماؤنا وشيوخنا الأفذاذ  كمحمد عابد الجابري، وعباس الجراري، ومصطفى رمضاني، وغيرهم كثير...

وقد قال المبدع الفرنسي ستندال: إن الكتاب العباقرة هم فقط الذين يكتبون بأسلوب بسيط. ويقول الأسلوبي الفرنسي بوفون الكاتب هو الأسلوب نفسه. والحمد لله لدي بصمتي في الكتابة. وبالتالي، فكتاباتي معروفة بطريقتها المنهجية الواضحة والبسيطة التي تبتعد عن التعقيد، والغموض، والإبهام، والتجريد...

 

س- أقصد ألا تكرر نفسك .. هل تضبط، وأنت تكتب، المادة المُعالجة في مؤلفاتك؟ ما هي خطتك في الكتابة العجيبة هذه؟

يلاحظ - فعلا- نوع من التكرار في الكتابة التي أميل إليها. ولكن أرتاح إليها  بشكل جيد، مادامت تنطلق من توجهات بيداغوجية وتعليمية وديدكتيكية؛ لأني أوجه كتاباتي إلى تلاميذ وطلبة وباحثين مبتدئين. وتتوجه حتى إلى المتخصصين بهذه السهولة " النزارية"، أو "المطرية"، أو " الدنقلية". والتكرار- كما يقول المثل- يفيد الآخرين، ويقوي ذاكرتهم الذهنية والمعرفية .

وعندما أكتب أصحح كتبي ودراساتي ومقالاتي وأبحاثي مرات عدة. وعلى الرغم من ذلك، أسقط في الأخطاء مرات ومرات عندما أنشر ما كتبته، وألوم نفسي على ذلك وأتحسر. ويعني هذا أن الإنسان ناقص وقاصر عن الإحاطة بكل شيء.كما تؤثر أشعة الحاسوب كثيرا في قدرات العينين؛ مما يجعلها تسهو أو تغض الطرف عن أخطاء صغيرة أو كبيرة. وهذا شيء طبيعي لمن يكتب كثيرا. فالذي لايخطىء في الكتابة هو الذي لايكتب  إطلاقا.

بعد أن كتبت ماهو مألوف ومجتر من المواضيع عندما كنت مبتدئا في الكتابة، وكنت أعتمد على استشهادات الباحثين المغاربة والعرب، وبعد أن تتلمذت على كثير من الأساتذة والباحثين والدكاترة المتميزين، انتقلت توا إلى خوض تجربة الحداثة وما بعد الحداثة، بالاعتماد على المراجع الأجنبية، ولاسيما الفرنسية والإنجليزية والإسبانية منها. وقلما أعود فيها إلى الباحثين العرب إلا في حالة الضرورة القصوى.

وتعتمد فلسفتي في الكتابة على الكم والكيف معا، فبهما يتحقق التطور الجدلي، وتتحسن كتاباتي، وتتقوى ذاكرتي، وتعجبني مغامرة التجريب والتأسيس والتأصيل.

 

س- هل يمكن الحديث عن طقوس معينة للدكتور جميل في التأليف؟

- في البداية، كنت أكتب في الليل والفجر. وبعد كبري في السن، خصصت الصباح للكتابة. أما المساء، فخصصته للاختلاء بأصدقائي كما قلت ذلك من قبل. أدخل إلى مكتبي العامر بالكتب والمؤلفات النفيسة في شتى الميادين والمجالات المعرفية . أسمع الموسيقا وأنا أكتب، أو آكل وأنا أكتب، أو أشرب الشاي أو العصير وأنا أكتب. وأصحح مقالاتي وأضبطها وفق الأغاني السوسية، أو الأغاني العربية الكلاسيكية، أو أغاني الراي والركادة والواي واي . وبعد ذلك، أنشر ما كتبته رقميا وورقيا.

 

س-  ما هي الردود التي تثيرك حين تنشر كتبك إن إيجاباً أو سلباً..؟

- هناك ردود إيجابية وسلبية. ما يثيرني كثيرا هو وقوعي في الأخطاء المشينة كرفع خبر كان، أو نصب خبر إن، أو نسيان حرف جر مرتبط بفعل معين، أو نسيان عبارة، أو وضع علامة ترقيم في غير محلها. تثيرني - فعلا- هذه الأخطاء كثيرا . وتستفزني ألما  وحرقة ونصبا، وخاصة أني أكتب مقالا في عشرين صفحة أو أكثر، وكتابا في خمسين صفحة إلى خمسمائة صفحة. كما أكتب بسرعة كبيرة، وأكتب كثيرا، ولم أعد - الآن- قويا كما كنت في شبابي. ومن ثم، فإني أحس بالعجز عن تطويق الأخطاء من جميع جوانبها حتى أتفاجأ بخطئي، أو يفاجئني القراء أو الأصدقاء بذلك.

أما الردود المتعلقة بكثرة الكم، والموسوعية، وعدم التخصص في موضوع معين، أو الانسياق وراء النشر الإلكتروني بشكل لافت للانتباه، أو السرقة في بعض الأحيان كما يتهمني بذلك البعض، فهذا لايثيرني في شيء، بل أرد على أصحابها بأسلوب لبق شرحا وتوضيحا وتفسيرا.

لكن هناك من يهاجمني انتقاما عن سبق الإصرار والترصد ليفرغ علي حقده وحسده وبغضه. ولا يكون هذا الفعل المشين الشخصي إلا من الأقربين إلي في المكان والهوية. ولكني سامحتهم في الدنيا والآخرة.

 

س- لا أحد يشبهك في التأليف، أنت لا نظير لك في تعاملك مع "الكتاب"..من أين تأتي بهذه القدرة العجيبة، وبهذه الفصاحة كلها في الوقت الذي يتوه التعبير على فم الكثيرين؟

- هذا من فضل الله  سبحانه وتعالى. وأشكر الله الذي وهبني هذه النعمة بعد أن دعوت الله كثيرا فاستجاب لي.

بعد أن قال لي أستاذي الدكتور محمد الشامي ذات يوم، وأنا بصدد تحضير بحث في الإجازة في الشعر الأمازيغي، " أنت لاتعرف اللغة العربية كما يبدو لي من خلال بحثك".

وقد أحسست ذلك اليوم بشعور غريب وموحش، ينم عن ذلتي ومهانتي ونقصي وحقارتي. وقد كنت، في ذلك الوقت، أستاذا للغة العربية في السلك الإعدادي. وقد بذلت نوعا من الجهد في ذلك، لكني لم أستفد إلا من مؤطر كفء هو  أستاذي العظيم الدكتور مصطفى رمضاني الذي علمني آليات الكتابة من جهة، وعرفني بضوابط اللغة العربية من جهة أخرى. ومن ثم، سرت أحتاط كثيرا في كتابتي، وأتخوف من ذلك كثيرا، لا أكتب جملة حتى أفكر فيها مرات عدة، وأعود إلى مقالاتي مرات ومرات حتى أصححها وأجودها وأنقحها كما فعل زهير بن أبي سلمى من قبل. ولايعني هذا أنني، الآن،  لا أخطىء، بل مازلت أخطىء إلى يومنا هذا، ولكن ليس بالشكل الفادح كما كان في السابق.

 

س- هل هناك كاتب مثلك في الوطن العربي، في مثل امتلاك هذه " العصا" السحرية في التأليف، وفي ميدان مختلفة، وبهذه الغزارة اللافتة؟

- نعم هناك الكثير من الباحثين من يمتلك هذه الأداة. فهناك المفكر الكبير عباس الجراري، والعلامة محمد عابد الجابري، وعبد الفتاح كليطو، ومصطفى رمضاني، وجابر عصفور، وطه حسين، ومحمد مندور، وعزالدين إسماعيل، وإحسان عباس، وغيرهم كثير...

ويعد المصريون من أكثر كتاب العرب موسوعية، وأكثرهم خوضا في مجالات متعددة كما وكيفا، كأنيس منصور، وطه حسين، والعقاد، وغيرهم...

 

س- التأليف في ميادين كثيرة، ومتنوعة، وتخصصات متفرعة،كما هو الشأن معك،هذا الأمر هل يعينك على الغوص في امتلاك ناصية الجديد أم عامل على السقوط في الضحالة؟

- ساعدتني الموسوعية كثيرا على التميز من جهة أولى، والخوض في المواضيع التي كنت أجهلها من جهة ثانية، والتسلح بآليات جديدة لتطوير النقد الأدبي من جهة ثالثة. فقد ساعدتني العلوم الإنسانية والفلسفية والعلوم التجريبية في مناقشة مسائل معقدة ومتميزة، كالخوض في العوالم الممكنة، وتوظيف المنطق في الأدب، ودراسة الأنساق المتعددة، والتعمق في البيداغوجيا وفق مقاربات متعددة التخصصات. ومن ثم، لايمكن للباحث أن يمارس النقد الأدبي في غياب الفلسفة والمنطق واللسانيات والعلوم الإنسانية والتجريبية.

 

س- أنت صديق طفولتي، وأشهد أن أول كتاب ألفته، وأنت لا تزال تلميذاً، كان عام 1985، وفي فقه اللغة؟ ..أريد : كنتَ مرشحاً لما أنت عليه من الشهرة في التأليف؟   حدث قراءَك عن أول كتاب ألفته؟

- أول كتاب ألفته كان ذلك في السنة الأولى من الثانوي مع صديقي القاضي عبد الله سنة 1980م بعنوان (تاريخ الأدب العربي)، كنا نقلد فيه  حنا الفاخوري. وإن كنت قد نظمت قصائد شعرية قبل ذلك في السنة الثالثة إعدادي وفق العروض الخليلي، فقد أبدعت قصيدة شعرية وفق البحر المتقارب . وبعد ذلك، نظمت قصائد متعددة، ففازت قصيدة منها بجائزة الإبداع بمدينة الناظور، بالتباري مع مجموعة من المدرسين المصريين .

وبعد ذلك، ألفت كتابين في الجامعة: كتابا في فقه اللغة، وكتابا في النحو  الذي أثار إعجاب أستاذ المادة وأساتذة اللسانيات بكلية الآداب بوجدة في 1985م؛ لأني طبقت منهج القرائن لتمام حسان، أو ما يسمى أيضا بالبنيوية الوصفية، على درس الفاعل في اللغة العربية. وبعد ذلك، حولت تفاصيل الكتاب إلى بحث تربوي نشر سنة 1987م بالمجلة التربوية في الكويت بعنوان (تدريس النحو العربي في ضوء منهج القرائن).

وفي الجامعة بوجدة وتطوان، قدمت مجموعة من العروض في الرواية، والنحو، والنفس الإنسانية، والمناهج النقدية، والرواية اللغوية، والشعر الجاهلي...

 

س- التأليف مثل لذة الشراء كما يقول أحمد أمين، نحزن إذا اشترينا، ونحزن إذا لم نشترِ..هل يحصل معك هذا؟ هل أنت راض عما تكتبه؟

- لست راضيا على كتاباتي السابقة، وإن كانت كتابات تأسيسية وتمهيدية وتجريبية علمتني الكثير من الأشياء. ولا أريد عرضها في المواقع الإلكترونية؛ لأني أخجل من نشرها لكثرة أخطائها. لكني أرضى على بعض الكتابات، ولا أرضى على الأخرى. ويعني هذا أن ثمة مستويات مختلفة من حيث الجودة والجدة والتميز. بتعبير آخر، أكون مقلدا في بعض دراساتي، وأكون مجددا في دراسات أخرى.

 

س- ألم يحدث مثلا أن استيقظت يوماً، ونظرت في المرآة، ومدتْ لك صورتُك لسانَها قائلة : " ألم يئن لهذا الفارس أن يترجل؟ ويكف عن هذا الهراء/ أقصد التأليف؟

- فعلا، قررت مرات متعددة أن أتوقف عن الكتابة، فقد اعتبرتها مضعية للوقت والطاقة والجهد؛ لأنها دفعتني إلى الانشغال بأمور الناس والوطن والأمة على حساب أسرتي الصغيرة والكبيرة.

وأكثر من هذا أنني لم أستفد شيئا من هذه الكتابة ماديا ومعنويا. ولكن عندما أتذكر فضل الله ونعمه علي، أبعد عني كل الوساوس الشيطانية، ثم أتجلد لأنطلق مجددا كبروميثيوس، أو يوبا الثاني، لأخوض تجربة الكتابة والنشر والتأليف إلى أن تنشب المنية أظافرها في روحي.

وقد سعدت، الآن، بأجواء عالم الكتابة، وأحس بالسعادة المطلقة، وأستشعر النشوة الممتعة. ولا أستطيع التخلي عنها حتى أموت في رحمة الله وحبه وملكوته.

 

س- إذا كان الروائي السوري الكبير حنا مينة يعتبر الكتابة " مهنة حزينة"، فالدكتور جميل حمداوي، بسبب غزارة إنتاجه، يعتبر الكتابة مهنة تَسُر الكاتب والقارئ معاً... هل أنا مصيب في هذا؟

- الكتابة هي التي تعطي الحياة للمبدع، أو المثقف، أو الباحث. ويعني هذا أن الكتابة هي إكسير الحياة، وسر الوجود والأنس والحرية والاستقرار والسعادة والفضيلة والكمال. فهل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون. ولم يقل الله جل شأنه: هل يستوي الذين يملكون والذين لايملكون.

ويعني هذا أن الإنسان يتميز عن البهيمة الحيوانية  بالمعرفة والعلم والثقافة، بشرط أن يعطي منها للآخرين، ويسعدهم بذلك أيما سعادة. وفي المقابل، لاينبغي أن يكون الباحث،  أو المبدع، بخيلا أو شحيحا ينشر من أجل حفنة من الدراهم والدنانير، بل لابد من التضحية والإيثار والغيرة على الوطن والأمة والإنسانية جمعاء. فلابد أن يتسلح المبدع، أو الباحث، أو المثقف، بفلسفة الجود والعطاء والكرم، ويتمثل رؤية كونية متسامحة ومتعايشة وخيرية .

 

س- ما هو معيار الكاتب الناجح برأيك؟ وهل هناك معيار أصلا؟

الكاتب الناجح هو الذي يأتي بالجديد، ويكتب بأسلوب بسيط وواضح وسهل كما وكيفا، وينفع الآخرين بعلمه حسب طاقته وإمكانياته . ويبحث عن أسلوب يخصصه ويفرده ويميزه عن الآخرين،  أو يبحث عن صوته التعبيري الخاص به حتى يعرفه الناس بذلك الأسلوب. وعليه أن يجمع بين الأصيل والمعاصر في بوتقة فنية وجمالية واحدة.

 

س- كان حنا مينة يرفع شعاراً أحببته كثيراً منه وهو " اقتلوا العادية" في التأليف، والحياة بشكل عام ..هل تقتل أنت " العادية" فيما تكتب دكتور جميل؟

- ىبعد أن كنت كاتبا عاديا أجتر السائد والكائن، انتقلت، بعد ذلك، إلى التجريب والإبداع والبحث عن الجديد في كل شيء. فقد قدمت تصورات جديدة تتعلق بالمسرح والنقد والقصة القصيرة جدا. ثم قدمت نظريات في مجال التربية والتعليم والكتابة الشذرية .ومازلت أقدم الجديد في النقد الأدبي بصفة خاصة، باستلهام آليات العلوم الإنسانية والتجريبية لإغناء الكتابة النقدية والأدبية والبحثية.

 

س- مرات عديدة ألومك لأنك لا تملك سيارة، وطبعاً لا تعدم وسيلة في امتلاك أحسن الموديلات، لكنك  في جوابك  تدهشني وتقول : حسبي ولدي وصديقي وكتابي؟ أإلى هذا الحد تعشق الكتب؟ وهل تحتفظ بهذا الرأي رغم انحسار الكتاب، وعزوف الناس عن القراءة؟

- ما يهمني هو الاحتكاك بالناس قاطبة، والطمع في صداقتهم، والرغبة في التواصل معهم حتى أستفيد منهم، وأنغمس في مشاكلهم حتى تتعمق رؤيتي وتتضح أكثر فأكثر. فتجدني دائما أتتبع أخبار المجتمعات، وأهتم كثيرا بالسياسة والحروب والاقتصاد.

ومن باب العلم يعجبني الاقتصاد كثيرا نظرا لعلاقته الوطيدة بالسياسة، ضمن ما يسمى بالاقتصاد السياسي. لذا، أعطي الأولوية للكتاب والآخرين، ولاتهمني حياتي الشخصية إلا إذا كانت ستفيد الآخرين .

 

- تحية إجلال وإكبار دكتور جميل، كلمة أخيرة رجاء ..

ج-  أشكر المبدع القدير ميمون حرش الذي مازال يرافقني في حياتي العادية والثقافية، ويعرف سري وعلني، ويقف بجانبي في السراء والضراء. فميمون حرش نعم الرجل الإنساني، ونعم المثقف المتمكن، ونعم المبدع المتميز .

 

حاوره: ميمون حـِـرش

سلسلة حوارات العـرين

 

ezzeddine  anayaمنذ أن دشن الراحل محمد أركون مشروع نقد العقل الإسلامي في سبعينات القرن العشرين وهو يؤكد ويردد بأن الأمر يتعلق بمشروع كبير يحتاج إلى فتح عدة أوراش من أجل مباشرة عمليات الحفر والتنقيب في تلك الطبقات المتراكمة عبر عصور طويلة من تاريخ العرب والمسلمين. ورغم إدراكه لصعوبة المشروع فقد كان مقتنعا بأنه سيأتي الوقت الذي سينهض المثقفون العرب والمسلمون للقيام بهذه المهمة، فذلك هو السبيل الوحيد للخروج من مرحلة الانسداد التاريخي التي تعيشها الشعوب العربية الإسلامية في العصور الحالية.

وبالفعل ظهر جيل من الباحثين والمفكرين أخذوا على عاتقهم حمل المشعل والمضي في الطريق من أجل تحقيق الهدف. الأمر يتعلق بمجموعة من الباحثين تخرجوا من جامعة الزيتونة وعزموا على التخصص في الفلسفة و التاريخ وسوسيولوجيا الأديان من بينهم الأساتذة: عدنان المقراني وحسن سعيد جالو وعامر الحافي ومحسن العوني وعز الدين عناية، لكنهم وجدوا أنفسهم محاصرين ومحرومين –كما توقع ذلك أركون- من الدعم الكافي لممارسة عملهم بل أكثر من ذلك حرموا من الحصول على وظيفة تمكنهم من الإستمرار في العيش فكان أن غادروا البلد ولجأوا إلى بلدان مختلفة .

وهذا الحوار سنخصصه لباحث من هؤلاء  هاجر إلى الديار الإيطالية وحصل على الجنسية الإيطالية وأصبح مدرسا في جامعة روما لاسابيينسا. ألا وهو الدكتور عز الدين عناية.

كرس عزالدين عناية حياته العلمية لدراسة الظاهرة الدينية من خلال ترجمة بعض الأعمال وتأليف مصنفات أخرى تصب كلها في تيار نقد الفكر الديني نقدا علميا موضوعيا. حيث ترجم كتاب "علم الأديان: مساهمة في التأسيس" للعالم الأنتروبولجي الفرنسي "ميشال مسلان" (المركز الثقافي العربي2009). وكان هدفه من هذا العمل هو ملء حالة الفراغ العلمي في مجال الدراسات الدينية حيث يغيب علم الاجتماع الديني والأنتروبلوجيا الدينية وتاريخ الأديان وعلم النفس الديني وعلم الأديان المقارن، لتحل محلها العلوم الشرعية والفقهية التي تجعل من العقل غارقا بين أمواج  الملل فتستمر الانقسامات ذات الطابع المذهبي بين الفرق والمذاهب وليس بين الآراء والأفكار. إن هذه العلوم الجديدة  التي أصبحت اليوم ضرورية لفهم مجتمعاتنا التي يلعب فيها المقدس دورا كبيرا في حياة الناس ورغم أن الكتاب المترجم  يعتبر من كلاسيكيات هذه البحوث فإنه ساهم بشكل كبير في بلورة المنهج الشامل لعلم الأديان الذي يتطلع للإحاطة بالتجربة الدينية للإنسان.

في كتاب "الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري" (دار الجمل 2006) يحلل عزالدين عناية الإنتاج الفكري العربي الحديث عن اليهود واليهودية ويطلق عليه نعت "الاستهواد" مبينا بأن العلاقة الوطيدة بين النص القرآني والنص التوراتي في مجالات العقيدة والتشريع، بالإضافة إلى علاقة المسلمين واليهود في الجزيرة العربية، شكلت مصدرا غنيا للفكر الإسلامي الكلاسيكي والفكر الغربي الحديث في معالجة الظاهرة اليهودية. كما اهتم الفكر العربي الحديث باليهودية بعد قيام الدولة العبرية في فلسطين وهي الدولة التي تستلهم وجودها من النص التوراتي حيث اختلط البعد الإيديولوجي بالعلمي والبعد الديني بالسياسي . بعد جرده للدراسات العربية حول اليهود منذ كتابات عباس محمود العقاد إلى أبحاث السيد محمود القمني قام المؤلف بقراءة تحليلية لهذه الإنتاجات من منظور نقدي مصححا في نفس الوقت بعض التصورات والمغالطات التي نشأت من التعامل غير الموضوعي وغير العلمي مع التراث العبري اليهودي متطرقا كذلك للشخصية اليهودية محاولا النظر إليها نظرة جديدة فهي ليست شخصية جامدة أو ثابتة على مدار التاريخ، ولذا ينبغي التعامل معها ضمن التبدلات الاجتماعية ومتغيراتها مع ملاحظة التراث اليهودي وأثره في تركيب الشخصية اليهودية وتوجيهها.

أما  كتاب "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم" (دار توبقال 2010) فهو عبارة عن إعادة قراءة المسيحية في تجلياتها المعاصرة وماتمثله من تحد للفكر العربي المعاصر، فالمسيحية لايمكن اختزالها في رسالة روحية ينقصها الجانب الدنيوي في غفلة عن التطورات الحاصلة في المجتمع كما هو شائع في أذهان عامة الناس وبعض المثقفين ، بل هي ديانة حية ونشيطة وحاضرة بشكل قوي في الخيارات المجتمعية والسياسية لكثير من البلدان.

وعموما فإن هذين الكتابين حول اليهودية والمسيحية وموقف الفكر العربي الحديث منهما يدخلان في إطار الدعوة إلى انفتاح الباحثين العرب على البحث العلمي الجاد النقدي والهادئ لمقاربة الظاهرة الدينية بصفة عامة من خلال هذين النموذجين وتنبيه العقل العربي والإسلامي إلى ضرورة التسلح بالمناهج الجديدة والفتوحات المعرفية الجديدة  التي من شأنها أن تفتح الباب أمام فهم جدي للدور الذي يلعبه الدين في الحياة الاجتماعية بعيدا عن التجييش الأصولي وعن التناول البسيط للظاهرة الدينية في الثقافة العربية المعاصرة.

وفي كتاب آخر بعنوان: "العقل الإسلامي: عوائق التحرر وتحديات الانبعاث" (دار الطليعة 2011) جدد عزالدين عناية الدعوة إلى تأسيس سوسيولوجيا لفهم الديني في المجتمعات العربية الإسلامية حيث يتصارع قطبان متضادان على احتكار الدين وتوظيفه لخدمة مصالحه وإيديولوجيته وهما : الإسلام السلطوي والإسلام الأصولي. حيث يلتقيان في رفضهما أية تأويلية مغايرة لرؤية كل منهما، وتحمى معركة احتكار ثروة المخيال الديني والروحي للجماهير باسم الشرعية والتمثيل الرسمي. فيبدو الإسلام الشعبي الجماهيري يتيما بين الإسلام السلطوي المدعوم بقوة السلطة وجهازها القمعي، والإسلام الأصولي المختزن لهياج متفجر، كل يريد أن يركب حصان الجماهير، وتوجيهها حسب مبتغاه، لما تستبطنه من طاقة ومشروعية. ولذلك يراهن الإسلام الأصولي على الفاكرة الشعبية المسكونة بالأحلام والطوباويات المتشكلة مع الإسلام التأسيسي، ويراود تلك المخيلة عله يسندها، ويتحاشى أن يعرض نفسه على الانتلجنسيا التي تمحص الأشياء معرفيا، لما يحمله في فكره من تناقضات. فتجده يتوجه إلى كتل العامة، التي بالكاد تخطت عتبة الأمية، وما امتلكت رؤى نظرية وفكرية تسمح لها بتمحيص المفاهيم، وحتى إن توجه إلى الجماعات المتعلمة تعليما راقيا، فغالبا مايجنح إلى تلك المنحدرة من التخصصات العلمية الصحيحة، الهندسية والطبية، التي يعرضها بكونها الكوادر المثقفة، وهي بالحقيقة كوادر مهنية لاثقافية.

 

•المهدي مستقيم: كيف تقدم نفسك للقارئ العربي؟

•عز الدين عناية: لعلّه ينطبق عليّ قول كارل غوستاف يونغ "أفكاري تدور حول الله كما تدور الكواكب حول الشمس"، فأنا "كائن متدين" متحرر من الباراديغمات، أجد في نفسي قدرة هائلة للتعايش مع كافة أشكال الإيمان واللاإيمان، فضلا عما لديّ من شغف بقضايا التديّن واللاتدين، أسعى من ورائها لاكتشاف سُنن الدين وتبدلاته، وإن بدا الأمر خارج الضبط. وأحمد الله على أني ابن ثقافتين إسلامية ومسيحية خلّفتا لدي قدرة على رؤية الظواهر والوقائع بمنظورين مختلفين قلّ أن يُتاحا للمرء.

 

•المهدي مستقيم: أين وصل مشروع نقد العقل الإسلامي الذي اعلن عنه الراحل محمد أركون؟

•عز الدين عناية: أيّ منشغل بقضايا الدين بحقّ هو في ورشة مشرعة على الزمان والمكان، ليس فيها بداية ولا نهاية، فقدرُ العقل الديني التاريخي أن يبني كيانه ثم يفككه، ثم يعيد بناءه في حركة لا تعرف التوقف. ومن وجهة نظري ليس ثمة مشروع لنقد العقل الديني بل ثمة مسعى لترسيخ العقلانية وهو مسار لا ينتهي. فاهتمامي بالعقل الإسلامي هو من ناحية النظر للأديان الأخرى، وهذا متأتّ من تخصصي في دراسات الأديان سواء في مرحلة الدراسة الزيتونية الأولى أو في جامعتي القديس توما الأكويني والغريغورية في روما لاحقا.

صحيح أن الراحل محمد أركون من أبرز المشتغلين في عصرنا على ما يُعرف بنقد العقل الإسلامي، ولكن بيني وبينه مسافة، فهو ابن السربون وأنا سليل الزيتونة، هو من أنصار التنوير العلماني وأنا من أنصار التنوير الإيماني، هو فرنكفوني الهوى وأنا مغاربي المشاغل، وإن كان بيتي على مرمى حجر من المسرح الروماني.

لا شك أن أركون عقل فذّ، مثل القديس أوغسطين، ولكن كلاهما نسي أصله الإفريقي، فالسابق تماهى مع "الرومانية" وتنكر للدوناتيين الأفارقة الذين قالوا نحن أفارقة أولا ثم مسيحيين ثانيا، واللاحق تماهى مع "الفرنكفونية" حتى بات علما من أعلامها وفارسا من فرسانها، فقد كان أوغسطين تجليا لعقل قرطاج المروْمن وأركون تجليا للعقل المغاربي المفرْنس.

 

•المهدي مستقيم: كيف جاءتك فكرة الانخراط في هذا المشروع الضخم؟

•عز الدين عناية: كان لدي شغف بالتوراة والإنجيل والقرآن منذ عهد الصبى، حين كنت أصغي إلى والدي وهو يرتل القرآن بُعيد صلاة العصر كل مساء تقريبا، وقد زاد ذلك الشغف مع تعرضي المبكر لتهمة سياسية دينية، وأنا في سنّ السادسة عشر، بالتشيّع لآل البيت وموالاة نظام الثورة الإسلامية في إيران، بقيت تبعاتها عقودا تلاحقني، صودر لأجلها جواز سفري ومُنعت من الشغل في بلدي وكنتُ عرضة للمتابعة الأمنية الدائمة وتفتيش محل سكناي، إنها إحدى عجائب الزمن العربي البوليسي والكل مبني على شبهة. ولذلك ما كان اختياري الهجرة رغبة بل بعد أن انسدت أمامي كافة السبل. لكن يبقى ذلك من جملة عوامل دفعتني للميل للمسائل الدينية. وهو ما تطوّر لاحقا إلى وعي علمي ومعالجة رصينة، إيمانا بأن ثمة حاجات ملحة في الثقافة العربية، ومن هذا الأمر بتُّ أحدّد مساري. وبصفة تكويني الديني المزدوج اللاهوتي والعلمي، والمتنوع، الإسلامي والمسيحي واليهودي، وجدت نفسي في خضمّ قضايا التراث الإبراهيمي. فكما تشغلني مسائل الإسلام تشغلني مسائل المسيحية أيضا، لذلك أجدني أحيانا مغرقا في قضايا المسيحية العربية أكثر ممن يدينون بهذا الدين، ربما لأن اهتمامي بالظاهرة الدينية ليس من زاوية الاعتقاد، بل بوصفها تجربة بشرية أسعى جاهدا للتملي فيها.

وبرغم أن دين الإسلام هو نابع من عمق التراث الإبراهيمي، أرى تفريطا في الاشتغال العلمي على تفرعات هذا التراث، لا سيما ركنيه المسيحي واليهودي، لذلك أسلّط اهتماما مكثفا على هذين المجالين، أسعى فيه لنقل الخطاب العربي السطحي والساذج بالمسيحية إلى خطاب علمي نقدي. لأن هناك خطابا كارثيا، مشبعا بالنحيب عن مصائر هذه الدين، يقابله خطاب فخري مداهن لا يذهب بعيدا في قراءة الوقائع. كما أن ثمة انحرافا منهجيا رهيبا في قراءة اليهودية في الثقافة العربية الحديثة حذّرتُ من تداعياته في كتابي "الاستهواد العربي".

 

•المهدي مستقيم: ما هي أهم الصعوبات والعراقيل التي تعترض مشروع جاد كهذا؟

•عز الدين عناية:  توجد عراقيل جمة تعترض مراجعة العقل الديني أو إعادة تفكيكه بوجه عام، منها افتقاد العاملين من داخل الحاضنة العربية إلى الأدوات، فما عادت قدرات العقل التقليدي -في المجال الإسلامي- كافية أو قادرة لتناول هذه المسألة وإدراكها. لعل جامعاتنا الدينية في البلاد العربية هي الأفقر في الإلمام بأدوات قراءة الدين اليوم، مع ذلك تصرّ على احتكار مشروعية النطق باسمه. لكن الخطورة الكبرى التي تتهدد مشروع نقد العقل الديني في الراهن العربي وهي الاصطفاف الإيديولوجي المتفشي بين المثقفين، والمثقف العربي لم يتحرر بعد ماديا حتى يتحرر فكريا في النظر إلى الظواهر وإعمال العقل بكل مصداقية.

لكن فضلا عن الافتقار للأدوات التي أشرت إليها توجد إشكالية عويصة تحاصر الدارس العربي، ألا وهي وقوعه رهن السياسة، فليس لدينا بحثٌ حرٌّ، هناك بحث مسيَّسٌ ومغشوش محكوم بالرهبة من السلطة وبالعداء الإيديولوجي المرضي بين العائلات الفكرية، وأقدِّر أنه عائد للأمر التالي: لدينا مكوَّن علماني، أو لا إيماني، أو إلحادي -سمِّه ما شئت- في مقاربة الدين في الثقافة العربية، لا زلنا نتعامل معه بالطمس والتغييب والمراوغة، والحال أننا ينبغي أن نصارح أنفسنا ونخرج من دائرة النفاق. أستحضر عناوين ثلاثة أعمال صادرة في إيطاليا تعبر عن ذلك الحوار العميق بين العقل العلماني والعقل الإيماني: الأول بعنوان "في ما يعتقد من لا يعتقد؟" يجمع بين أومبرتو إيكو والكردينال كارلو ماريا مارتيني؛ والثاني تلك المحاورة الشهيرة بعنوان "حوار العقل والإيمان" التي جمعت بين البابا راتسينغر والفيلسوف هابرماس؛ والثالث بعنوان "الكردينال والفيلسوف" جمع بين المفكر الفرنسي لوك فيري والكردينال رافازي. نحن ما زلنا خارج هذا الضرب من الحوار، بين العقل الإيماني والعقل العلماني، وجزء من مصائبنا جراء غياب هذا التعاطي المتكامل مع المسألة الدينية، فنحن أبناء وطن واحد وثقافة واحدة ينبغي أن نجلس جنبا إلى جنب ونبني طريقنا وإلا سقط السقف على الجميع، وهو ما بدأ يحدث بالفعل في جملة من البلاد العربية.

أضف إلى ذلك، وجود أمراض شائعة بين المشتغلين بالفكر في الساحة العربية، ولا سيما منهم الجامعيين، أنهم حوّلوا الجامعة إلى محل لصنع الثروة والوجاهة الزائفة بدل المعرفة والتنوير. في جامعة روما لاسبيينسا، وهي أكبر جامعة أوروبية على الإطلاق، عميد كلية الدراسات الشرقية يأتي إلى عمله على دراجة نارية، وأعرف أساتذة يأتون على دراجة هوائية، ولعل ذلك يمثّل فضيحة في الأوساط الجامعية العربية التي باتت تولي المظهر اهتماما يتخطى الجوهر.

 

•المهدي مستقيم: هل يمكن أن تحدثنا عن بدايات أبحاثك التي خصت "نقد العقل الإسلامي"؟

•عز الدين عناية: ما أتطرق إليه عامة هو تطوير التصور الإسلامي في النظر إلى العالم، لإيماني بأننا ما لم نغير مناهجنا فلن نعي العالم. كانت دراستي الجامعية الأولى في الزيتونة، وقد قضيت هناك زهاء العقد طالبا وباحثا، تقلبت الجامعةُ أثناءه بين مناخات فكرية متنوعة سلطوية وإسلاموية وصراعية، لذلك أقول: لا يعرف العشق إلا من يكابده ولا يعرف علل العقل الديني إلا من عاش داخل أحضانه. والخلاصة التي تراءت لي أن العقل الزيتوني قد غدا في عداد الأموات، فقد تلوثت المعرفة الدينية بالاغتراب وبالتحزب السياسي الانتهازي. لكن دراستي الثانية في وسط لاهوتي كاثوليكي  في روما بينت لي، ومن باب المقارنة، مدى حيوية الآخر في تناول قضايا الدين، فأجد نفسي مدفوعا دفعا لتنبيه العقل الإسلامي بما حصل لدى الآخر من تطور، وما لديه من ورشات مفتوحة مشرعة على شتى المجالات.

كان كتابي الأول الصادر بالعربية بعنوان "الاستهواد العربي"، أي علم اليهودية، هو في الواقع رصد لما كتبه العرب خلال النصف الثاني من القرن الماضي حول الدين اليهودي، والتمعن في تلك الأدبيات من ناحية نقدية وتحليلية. رصدتُ وَهَنًا علميا كبيرا في ما كتبه العرب تجاه هذا الدين، أنتجنا خلاله سبابا وليس معرفة، شيدنا حول عقلنا سياجا ونحن لا ندري، لذلك كان تأثير العرب في الدراسات اليهودية العالمية لا يُعتدّ به وخارج التاريخ. في كتابي المذكور دعوت إلى مراجعة منهجية صريحة في التعاطي مع الدين اليهودي، فمن العيب أن يبقى التلمود خارج اللسان العربي، أي في الآرامية إلى العام 2012، مع أنه تراث نشأ في حضن حضارتنا بين بابل وأورشليم، حتى رعى ترجمته زيتوني فلسطيني الدكتور عامر الحافي والفريق العامل معه، وهو كتاب ضخم في عشرين مجلدا صدر في الأردن، والحال أن كثيرا من رؤانا الفقهية والتفسيرية مستوحاة من هذا السفر. بينتُ أن هناك حاجة ماسة للخروج من سجن الصراع العربي الإسرائيلي إن أردنا أن نبني علما ومعرفة صائبين، فلا يمكن أن نذود عن مقدساتنا وتراثنا في فلسطين بالتعاطي اللاعلمي مع التراث اليهودي والتناول الإيديولوجي.

عنصر آخر من جوانب الاهتمام بالعقل الديني شغلني، ذلك المعني بالمسيحية، وقد كان لي الاشتغال على المسألة في ثلاثة مؤلفات صدرت لي: الأول "نحن والمسيحية" والثاني "الأديان الإبراهيمية: قضايا الراهن" والثالث "رسالة إلى أخي المسيحي"، فضلا عن ترجمات مثل "الفكر المسيحي المعاصر" صدرت في سورية، ذكّرت فيها أن البلاد العربية، بمفهومنا الجغرافي اليوم، هي الأصل في المسيحية ولكن تلك المسيحية قد صودرت من ذاكرتنا ومن عينا ومن أوطاننا، وهي كفلسطين خُطفت منا في غفلة من أعيننا. فهل لدى المغاربيين دراية بالقديس أوغسطين ابن مثلث سوق أهراس وعنابة وقرطاج، وقد كان الأحرى أن يدرَّس في الزيتونة والقرويين. فمن هذه الانجراحات الغائرة في الذاكرة الدينية أكتب عن المسيحية.

 

•المهدي مستقيم: من المسؤول عن الانغلاق والجمود الذي يطبع العقل الإسلامي؟

•عز الدين عناية: لدينا صناعة أكاديمية متطورة في الانغلاق والجمود، وقد تنبهتُ لهذا الأمر حين رحلت من تونس نحو إيطاليا. نظرة مقارنة بسيطة عن الأبحاث الجامعية التي تُنجَز في كليات الشريعة في البلاد العربية ونظيرتها التي تُنجز في الجامعات اللاهوتية الغربية، في الغرب ثمة التصاق بالأرض، بقضايا الواقع والراهن، ولدينا تعلق بقضايا السماء والغيب والماضي واللامعقول مفزع، ولا أدلّ على ذلك من عودة قضايا التسنّن والتشيّع ضمن وعي مقلوب رهيب يجتاح مجتمعاتنا الرخوة.

لذلك أقول كلنا مسؤولون عن الانغلاق والجمود، أو بلسان الراهن العربي، "الإسلامي" و"العلماني" على حد سواء، لأننا وقعنا في ضيق تصوري للدين لم نقدر على الخروج منه، وما لم يتعاضد الجميع فسيستمر هذا الانغلاق المولِّد للتطاحن والمؤدي للاندثار -لا سمح الله-. ولكن في ظلّ هذه الأزمة الحقيقية تتحمل الجامعات الدينية الوزر الأكبر، فمناهج التدريس فيها مدعوة إلى مراجعة جذرية والاستعانة بأناس علميين من خارج الوسط الإيماني ومن خارج المجال اللاهوتي الضيق. فدراسة الظواهر الدينية والكائن المتدين ليست حكرا على "كلية الشريعة"، بل هي من مشمولات أقسام الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والآداب والأنثروبولوجيا والاقتصاد، بهذا الشكل نُحدِث تحولا في دراسة الدين ووعيه. فانغلاق العقل الإسلامي هو نتاج انغلاق بنية تصورية وقع في أسرها العرب وليس ثمة سبيل للفكاك منها سوى بتضافر جهود الجميع.

 

•المهدي مستقيم: كيف تفسر بدايات هذا الجمود والتكلس؟ متى حصل؟

•عز الدين عناية: في اللحظة التي يغدو فيها التعاطي مع الظاهرة الدينية خارج نطاق العقل والمنطق يُطلّ التكلس. وفي الثقافة العربية ثمة تعامل لاهوتي مع الدين لم يتطور إلى تعاط علمي، اُنظرْ إلى حديثنا في التليفزيونات والصحافة والمساجد عن رمضان وعن الحج، هل هناك بصيص لوعي سوسيولوجي أو اقتصادي لهاتين الشعيرتين، في حين يقوم اقتصاد بأكمله يدور حول هاتين الشعيرتين ولكن المسألة غائبة عن الاقتصادي العربي وعن تحليله ورصده. من المستحيل أن تُترك الأمور على الغارب هكذا في الغرب فكل شيء خاضع للدرس والتحليل والمتابعة.

وبناءً على ذلك أقول لدينا دراسات جامعية وهْمية تصنع خريجين مضلَّلين، سواء في العلوم الدينية أو في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وكثير من جامعات البلاد العربية هي جزء من صناعة التخلف وإعادة تدويره، وبالتالي من الطبيعي أن يأكل الأجداد الحصرم والأبناء يضرسون. فيوم دخل الإسبان جامع الزيتونة (القرن السادس عشر) وحولوه إلى إسطبل لخيولهم كنا نتلهى بفنطازيا الغيبيات، ولا زلنا، ولذلك ترى ما يسمون بالدواعش يخترقون أمة من شرقها إلى غربها لهشاشة عقلها وعوز قدراتها. فعصرنا هو عصر انهيار سقف المعرفة الدينية التقليدية على أهله النيام. يسألني زملاء أوروبيون متضلعون في شؤون العالم العربي، أي شيء يعتمل داخل الوعي الديني لديكم حتى تحوَّلَ التديّن إلى مشكلة وأوصلكم إلى هذا الحد من التآكل الذاتي وأنتم في سكرة مما تكابدون؟ وعلى مَا تتقاتلون؟ فأُصاب بالدوار من هذا الهول الذي يجتاح العراق وسوريا وليبيا واليمن.

 

•المهدي مستقيم: هل يمكن القول إن رؤساء المذاهب الكبرى التي عرفها تاريخ الإسلام وأقصد مالك ابن أنس، الشافعي، ابن حنبل، أبي حنيفة هم المسؤولون عن هذا الإنغلاق والجمود؟

•عز الدين عناية: لا أبدًا، المسؤول الرئيس هم الأتباع الذين فقدوا تعاطيهم العقلاني مع فتاوى هؤلاء الأئمة وأقوالهم وآراءهم. إذ يحمّل كثيرون اليوم ابن حنبل والفكر الحنبلي الوزر الأكبر مما يجري في بلاد العرب، وهل البلدان التي تمذهبت بمذهب أبي حنيفة أو مالك حالها أفضل؟ هناك لامعقول في النظر العربي لتفسير الوقائع يشبه تفسير ذلك الرجل الذي علّل أسباب انهيار الدولة الأموية بقوله "ذهبتِ الدولة بِبوْلة"، نظرا لمقتل أحد قادة الجيش غيلة حين كان يتبوّل، والحال أن المسألة بنيوية معرفية وليست فردية.

أرتئي أنه لا بد من صُنع وعي سوسيولوجي وأنثروبولوجي بعلومنا الدينية (علوم القرآن والحديث والفقه وأصوله وعلم الكلام وغيرها) حتى نتنبه إلى بنية التصورات والباراديغمات، ولنتحرر منها ونصوغ معرفتنا المواكبة لعصرنا، ولكن من أين لنا بعلماء اجتماع لهم إلمام بالعلوم الدينية ومن أين لنا بفقهاء لهم إلمام بعلوم العصر، تلك هي المشكلة؟

 

•المهدي مستقيم: كان الهدف من وراء ترجمتك لكتاب "علم الأديان: مساهمة في التأسيس" للعالم الأنتروبولجي الفرنسي "ميشال مسلان" هو الإسهام في تأسيس وعي يقوم على ضرورة التقابل بين الإسلام والأديان الأخرى. هل لا زال العقل الإسلامي يفتقد إلى هذا النوع من التقابل والتواجه؟

•عز الدين عناية: ترجمت الكتاب المذكور حين كنت طالبا في تونس وأهديت الترجمة عمدا إلى الزيتونة والقرويين والنجف والأزهر أملا في لفت انتباه المدرسين والدارسين إلى وجود مقاربات أخرى للظاهرة الدينية صارت هي المهيمنة اليوم، وما لم يطّلع عليها الدارس فإن إلمامه بالعلوم الدينية يبقى منقوصا. وترجمت كتاب "علم الاجتماع الديني" لإنزو باتشي وسابينو أكوافيفا للغرض نفسه، أملا في خلق تعاط علمي مع الظواهر الدينية، لأن جامعاتنا الدينية تعيش داخل باراديغمات قروسطية مفصولة عن العصر، فهي جامعات تعيش على رأسمال كبير من الوهْم، لذلك يبقى إيماني أن جزءا كبيرا من أزمتنا الدينية عائد إلى الأفق المعرفي الضيق الذي نتحرك فيه.

يدور كتابا "علم الأديان" و"علم الاجتماع" المذكوران حول المناهج العلمية الحديثة في تناول الكائن المتدين وظواهر المقدس، وهما حصيلة الأدوات الخارجية التي ينبغي أن يتملكها الناظر في الدين اليوم، وحبذا لو يجمع المرء بينها وبين الأدوات الداخلية التي تندرج ضمن علم اللاهوت أو العلوم الشرعية.

الغرب تقدّمَ على مستوى المعالجة العلمية للظواهر الدينية، وعلى مستوى توظيف المناهج في دراستها، لكننا نحن توقفنا عند تناطح فعلي بين الإسلاميين والعلمانيين في النظر للمسألة، داخل نظرة سياسوية مقيتة، ولم نقلّب النظر بعيدا عن ذلك، لذلك أعمل بإمكانياتي المتواضعة على تحرير الوعي بالدين من براثن الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء في البلاد العربية.

 

•المهدي مستقيم: ما هو إسهامك الشخصي الذي قدمته لإضاءة هذا الوعي؟

•عز الدين عناية: أنا بيدٍ أترجم وبأخرى أكتب عن قضايا الفكر الديني العربي والعالمي، لعلي أزحزح جامدا أو أنير سبيلا. فلدي إلحاح في ما أسطره سواء عبر البحث أو المقالة على أن المرء في وسعه أن يكون ربانيا وأن يكون علميا في الآن، فالأمران لا يتصادمان كما توهّمنا أو كما أراد كثيرون أن يوهمونا، كما أني أحذر دائما من الانخراط في التحزبات الضيقة لأنها قاتلة ومدمرة للمعرفة الدينية.

ولا أزعم أن مجال الدراسات العلمية للأديان يلقى حظوة في البلاد العربية، فما هو رائج هو بروباغندا "حوار الأديان" وهو في الحقيقة مفهوم مفخّخ، فحتى معمر القذافي في سابق عهده دعا إلى حوار الأديان في مؤتمره الشهير للحوار الاسلامي المسيحي سنة 1976.

وفي الواقع ثمة فروع ثلاثة رئيسة لعلم الأديان أحاول التركيز فيها بالترجمة والكتابة، ألا وهي علم الاجتماع الديني والأنثروبولوجيا الدينية ومقارنة الأديان، ولإدراكي ما عليه الدراسات الدينية العربية من فراغ ووهن وخلط، سواء في الأوساط الجامعية أو في الساحة الثقافية، أجدني منكبا على الإسهام في تطوير هذا المجال.

 

•المهدي مستقيم:كيف يساهم علماء الدين في تكريس الانغلاق اللاهوتي؟

•عز الدين عناية: صعبٌ أن نطلق "علماء دين" على صنّاع الانغلاق الديني، بل صُنّاع ذلك هم دراويش الدين أو ممن يُخيَّل إليهم أنهم علماءه. فالانغلاق الديني هو بمثابة الفيروس كلّما تمكن من عقل المرء كلما ضاقت رؤيته للوجود. والقائمون على الدين في بلاد العرب دعاةً ومدرسين وطلابًا اطلاعهم على الآخر الديني ضئيل، ولعل ذلك أحد أسباب الانغلاق. فعالم الدين بالمفهوم التقليدي قد تجاوزته التحولات في فهم الدين وفي الإلمام بقضاياه، وما عادت له سلطة معرفية، لكنه ما زال مقتدرا على تجييش عامة الناس بفعل رهان أنظمة سياسية على مقوله ومنحه منصّات دعائية لذلك، وإن كان تاريخيا انتهى دوره.

فلا سبيل للفكاك من أسر الانغلاق اللاهوتي دون إدخال تحوير في مقاربتنا للظواهر الدينية ويبدو هذا المجال غير مطروق في جامعاتنا التي يُفترض أن تكون السباقة في ذلك. أين علم الأديان وتفرعاته المتنوعة في جامعاتنا الدينية ونظيرتها المدرّسة للعلوم الإنسانية والاجتماعية؟ فنحن سجناء منظورات وأطر لاهوتية، العالم تغير في تعاطيه مع الظواهر الدينية إلا نحن. توبنغن أو الغريغورية أو اللاتيراني أو لوفان، كبريات جامعات الغرب اللاهوتية، لم تبق سجينة أوغسطين وتوما الأكويني، بل بات كبار فلاسفة الغرب وعلماءه يُدرَّسون فيها وانفتحت على كافة معتقدات العالم وحتى على التقاليد الدينية، فأين الزيتونة والقرويون من ذلك؟

سبق أن شاركت في مؤتمر للفقه الإسلامي تناول الآخر من خلال "رؤية العالم والعيش فيه: المذاهب الفقهية و التجارب المعاصرة" وقد حضره حشد كبير من فقهائنا، كان فيه تمجيد وحنين لمؤسسة أهل الذمة وتوق لبعثها. وكانت مداخلتي على نقيض تام مع ذلك، كونها مؤسسة تاريخية ولّدتها الحاجة والأوضاع التاريخية السائدة عصرئذ، وأما اليوم فلا خيار لنا إلا بالاندماج في هذا العالم على الطريقة اليابانية وليس مجابهته، لأننا لا حول لنا ولا قوة معرفيا أو ماديا. استشاط الفقيه الراحل وهبة الزحيلي غضبا من مقاربتي، ثم لما التقينا على هامش المؤتمر قلت له يا شيخ أنا أعيش في دولة كاثوليكية، والكنيسة قد عارضت موضوع حقوق الإنسان، منذ صدور إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي 1789 وإلى النصف الأول من القرن العشرين، ولكن في أعقاب ذلك رضخت إلى الأمر الواقع وسعت للاندماج في حركة العالم فلنكن عقلاء في التعاطي مع العالم ومع أنفسنا ولا نروّج وهمًا بين شعوبنا.

 

•المهدي مستقيم: ماذا يمكن أن تقول عن ذلك النظام الفكري العميق واللامرئي إذا تحدثنا بلغة ميشيل فوكو الذي يتحكم في الخطاب القرآني؟

•عز الدين عناية: الخطاب القرآني هو رأسمال رمزي هائل. ثمة أطر نظرية ورمزية وتصورية ذات طابع ديني تسجن المؤمن اليوم، لا بد أن نهشم تلك السياجات الدغمائية لنبني المؤمن الحر، فلدينا مؤمن سجين لمواقف فقهية وتصورات دينية، أو بلغة الإمام علي الكتاب وأهله طريدان منفيان.

ثمة رؤية مؤسطَرة تلفّ فهمنا للقرآن الكريم مع أنه كتاب مسطور بين دفّتين لا ينطق وإنما ينطق به رجال، كما يقال، فما إن يدنو المرء من النص المقدس حتى يفقد صوابه ويدخل في عالم غرائبي مؤسطَر يظن أنه يزيده قربا من الله. وتبعًا لهذا الوضع الآسر ينبغي أن نقرأ القرآن وكأنه يتنزّل علينا حتى نتجاوز ذلك الانفصام بين التاريخ والنص المقدس، وحتى نردم تلك الهوة الدلالية بيننا وبين الخطاب القرآني. ولا يمكن للمؤمن أن يملك تلك الرؤية المتحررة من الوعي الأسطوري ما لم يمتلك ثقافة عقلانية وأقدّر أن ذلك هو التحرير والتنوير الأكبر الذي نحتاجه.

فالنظام الفكري العميق واللامرئي، على ما ذكرتم، هو عبارة عن بنية تصورية تتحكم بمشاعر المؤمنين ورؤاهم وهي بنية متقادمة في كثير من مكوناتها، يقتضي الأمر أن نعمل على خلق بنية بديلة لها تستجيب لمتطلبات عصرنا. وهو تقريبا ما تنبّه إليه اللاهوتي هانس كونغ في ثلاثيته المتعلقة باليهودية والمسيحية والإسلام، وما سماه بالباراديغمات التي تتحكم بالأديان الثلاثة والتي يبدو الإسلام الأكثر معاناة بينها من باراديغم القرون الوسطى الذي يأبى التواري.

 

•ماذا تعني لك عملية "تأويل النصوص الدينية" في بلداننا العربية الإسلامية؟

•عز الدين عناية: بعبارة موجزة، تأويل النصوص الدينية هو استنطاق جديد للنص وفق حاجة العصر ووفق المطالب المطروحة، وهو ما يعني إعطاء النص حياة ثانية. ويتأتى "تأويل النصوص الدينية" جراء عوامل ثلاثة: شجاعة وجودية وإلمام علمي وشعور بالمسؤولية الحضارية، وهو التأويل المستند إلى شخصية كاريزمية فردية؛ لكن ذلك التأويل يبدو أنه غربت شمسه في الديانات الإبراهيمية الثلاث، فالعصر ما عاد يسمح بذلك، وبقي التأويل الجماعي المؤسساتي وهو على شاكلة ما حدث في الكاثوليكية مع مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) باجتراح رؤى جديدة مع الذات ومع الآخر.

لذلك أقول إن التأويل اليوم ينبغي أن تتضافر له جهود متنوعة تشتغل بشكل جماعي حتى لا تُهدر طاقاتنا.

 

•المهدي مستقيم: كيف تفسر ظاهرة تكاثر الفتاوى التي بات يشهدها العالم العربي الإسلامي مؤخرا؟

•عز الدين عناية: تدلّ كثرة الفتاوى على أننا ما زلنا أمة أمّية على مستوى ديني، لم يحقق فيها المؤمن استقلالية معرفية واكتفاء فقيها ذاتيا، أي ما يسميه الفقهاء المعلوم من الدين بالضرورة. ما زال المرء يعوّل على الإمام والشيخ والقطب وليس على الذات في التعاطي مع إشكاليات دينية بسيطة. أعرف الكثير  ممن يعيشون في الغرب بقوا في انتظار فتوى الشيخ الفلاني وقطب الطريقة الفلانية حتى يشتري الواحد منهم بيتا بقرض، أو يدخل في مشروع استثماري فيه شبهة الربا، أو يأكل ذلك المأكل أو لا يأكله، أو يقدّم مطلب الجنسية، وهلم جرا من المسائل، ثمة طهرية ساذجة عابرة للبحار تجتاح عقل المسلم يعجز المرء أن يتدبر فيها حاله.

لكن عموما لم تبق مؤسسة الإفتاء في البلاد العربية خارج التجاذبات السياسية، بل هي جاهزة عند الطلب ما جعل للناس حساسية من فتاوى فقهاء السلطة جراء تزعزع الثقة بين الطرفين.

 

• ما الدور الذي يلعبه هؤلاء الفقهاء الذين أعطوا لأنفسهم حق النطق بلسان "الله"؟

•عز الدين عناية: نحن نعيش وضعا شبيها بأوضاع تفجر البروتستانتية في أوروبا وما خلفته من حروب دينية ضارية، ومن أصوليات مدمرة من الجانبين الكاثوليكي والبروتستانتي، أبرزها ما يُعرف بحرب الثلاثين سنة (1618-1648م). ففي سياق تلك الصراعات لم يحصل الإقرار بالتعددية الدينية كنضج داخل اللاهوت الديني، ولكن كواقع خارجي أملته الدولة بوصفها الحاضنة لجميع الطوائف والمذاهب. وبالتالي ليست التعددية الدينية السائدة في الغرب اليوم متأتية جراء لاهوت ديني منفتح، وإنما هي نتاج لتطورات سياسية.

وأما عن الفقهاء الذين أعطوا أنفسهم حق النطق بلسان "الله" فهم في المجمل امتداد لهيمنة سلطوية توجههم حيث شاءت، ولذلك ترى فقيه هذه الدولة يتصادم مع فقيه  تلك، رغم أن الفقيهين من مدرسة واحدة، وربما كانا في خندق واحد قبل الاصطفاف السياسي.

 

•المهدي مستقيم: ما هو السبيل المؤدي إلى الإطاحة بالأسلاك الدوغمائية الشائكة والصلدة التي تكبل العقل الإسلامي؟

•عز الدين عناية: السبيل إلى ذلك إعادة الدين إلى الناس بعد أن صودر منهم، تارة باسم السماء وأخرى باسم الأرض، وهي أشكال من الوصاية على ضمائر الناس وأرواحهم. ولن تتأتى الإطاحة بالأسلاك الدوغمائية إلا بحلّ المونوبولات الدينية المهيمنة على المقدس في بلاد العرب. لذلك أدعو إلى تحرير السوق الدينية من الاحتكار حتى يغدو الدين مشاعا بين الناس. لدينا الدين لم يتحرر بعدُ من هيمنة السلطة مع تنوعات ودرجات في القبض والبسط، وحتى في تونس التي شهدت تحولا معتبرا لا يزال الدين رهن السلطة، والحال أن الدولة الديمقراطية تتوارى فيها وزارة الشؤون الدينية ويحال وكلاء الدين على العطالة، باعتبار الأمر شأنا أهليا لأن الدين المدني يرعاه المجتمع المدني ولا دخل للدولة فيه.

 

•المهدي مستقيم: كيف تفسر هذا التفشي الخطير للسلفية في البلدان العربية الإسلامية المعاصرة؟

•عز الدين عناية: انتشار السلفية هو ترجمة أمينة لعجزنا عن التعاطي المتوازن والعقلاني مع الواقع الديني، فنحن إما مغرقون في طمس الدين وقهر المتدينين أو مغالون في موالاة الدين والمتدينين. ومجمل البلدان العربية افتقرت إلى رؤية رشيدة في المسألة. فنادرا ما نجد معالجة عقلانية للمسألة الدينية في الثقافة العربية فالسائد هو تعامل إيماني خال من العقل أو تعامل علماني نافر من الدين ولكن المطلوب هو التعامل الرصين. إذ كلما غاب العقل من التعاطي مع المسألة الدينية إلا وحل محله الفكر الدوغمائي.

والخطورة أن ضيق الأفق في التصورات السلفية والتمركز حول الذات مؤداه إلى إنتاج نوع من العنف المقدس، يتفجر كلما اشتد ضغط البنية الاجتماعية عليه. كان عالم الاجتماع الإيطالي إنزو باتشي قد قسمه إلى نوعين: تضحية بالآخرين وتضحية بالذات، أي القضاء المبرم على من لا ينتمي للتنظيم الديني، أو كذلك إماتة من ينتمي للتنظيم. وفي الحالة الأولى نحن أمام مختلف أنواع الأصوليات الدينية العنيفة، التي تقترف العنف لفرض مبدأ ديني بالقوة، تقدّر أنه مهدّد من عدوّ خارجي؛ وفي الحالة الثانية ندنو من حالة التحمّس للاسشهاد الفردي والجماعي، وهو بمثابة شكل لاختبار عمق الإيمان والانتماء. وليس اقتراف العنف نحو الآخرين أو نحو الذات عملًا عفويًا، بل يتطلّب انقلابا دينيا عميقا ومكثّفا، ينضُجُ في أعقابه اختيار طوعي للقيام بعملية القتل.

 

حاوره: المهدي مستقيم

 

malik alouالكاتبة المعرفية الكردستانية ملك علو، مواليد عفرين 2 شباط 1967م، كردستان الغربية (سوريا)، عضوة في تجمع المعرفيين الأحرار (الحب وجود والوجود معرفة)، درست الأدب الانكليزي في جامعة دمشق، شاعرة وإعلامية، صدر لها ديوان شعري سنة 2000 بعنوان (زفرات امرأة)

شاركت في العديد من الأمسيات والمهرجات الشعرية والندوات التربوية في دمشق وعفرين

كتبت ثلاث مسرحيات تتناول الهم النسوي الشرقي

وعملت كمحررة في قناة الجزيرة الانكليزية

 

وبتاريخ 18- 7- 2016م كان لنا معها هذا الحوار:

ملك علو، أهلاً بك ويسرنا أن نخوض حواراً ضارياً بإثارته، وحافلاً بمعانيه وأبدأ معك من هذا التساؤل، الذي يدور حول التشاؤم، ماسر التحافك به في مجمل نصوصك الشعرية، هل يعود ذلك أننا بطبيعتنا نستسيغ الكتابة التشاؤمية كونها باتت محور علاقة الإنسان بالوجود، هل التقنع بمفهوم الحل يتلخص في رغبتنا بالخلاص، أم الهروب؟، مالسعي، مالنتيجة ؟ لو تبادر لذهننا أن الكتابة الشعرية بمثابة تحايل على الواقع لا رصداً واقعياً له، بعكس رؤية الحالمين للانتفاضة بمعناها الفردي؟

- فيما يتعلق بالتحافي بالتشاؤم: مرد ذلك لمقومات واقعنا القاتم ذاك الذي عشنا فيه متحايلين عليه كما ذكرتم تارة بخلق فسحة للأمل للتخلص من ضيق العيش وجعل الوهم واحة نفسية إبان تصحر الحياة، إذا" قد نلجأ لاصطناع وهم جميل ولو في خيالنا لنستمد منه طاقة الاستمرارية . حيث إن واقع مجتمعاتنا الشرق أوسطية والاسلاموية يفرز معادلة تتحكم بكنه وجودنا الثقافة والوعي = تطلق نتاج كيمياءنفسية تتسم بالسوداوية والتشاؤم وكأنهما مرادفات لبعضها-(الواقعية والسوداوية) .

إنما حلاوة الروح التي زرعت في فطرتنا تمنحنا طاقة للمقاومةأحيانا" نجهل مصدرها،ولا تفسير لها سوى أنها من الآليات الدفاعيةالنفسية المستدعاة تحت الضغوط الحياتية.إنما إذ أن نفس الأديب المرهفة تتمكن من استثمار حتى تلك الطاقة السلبية وتحويلها لطاقة ابداعية من خلال الفعل الخلاق: (رسم –شعر-موسيقى الخ....).

أما مفهوم الحل فبتصوري ليس مطلوب منا كأصحاب مشاريع إبداعية؛ بل مطلوب منا فقط نقل تجربتنا للآخرين بمنتهى المصداقية من خلال التأمل في كوامن أنفسنا، فأسمى صور المصداقية تكون الصدق البالغ والبليغ مع ذواتنا؛ أما الرغبة في الخلاص من واقع يجهض فينا أرواحنا التي هي أثمن ما في الوجود فهي حق مكتسب بحكم مواثيق دولية (حق الحياة) إلى جانب وجود هذه الرغبة كنزعة فطرية بحكم غريزة البقاء وذلك من خلال الشكوى ؛الأمر الذي تعكسه كتاباتي من خلال إيغال عميق في ذاتي التي تغنيني في كثير من الأحيان عن التواصل مع العالم الخارجي، في حال استعصى علي التواصل والانسجام مع محيطي؛ وأعتقد أن هذه هي الحال مع معظم من يحملون هواجسا" إبداعية في وجدانهم . الهروب من الواقع بقناعتي جبن وتخاذل وضعف في إمكانيات الذهن والنفس على التكيف والتأقلم- فكما عرف هيجل الذكاء بقوله: هو القدرة على التأقلم، يتنج العقل البشري عامة والمبدع خاصة مخارجا" من حصار الواقع المطبق بسلبياته والنتيجة ستكون انبلاج الفجر من كوة نور مهما ادلهمت ظلمة الواقع، إنما لا يخفى على أحد أن ذلك يحتاج لمقومات نفسية وذهنية عالية قد نقضي العمر في سبيل تحصيلها، وتختلف نسب هذا المحصول من نفس لأخرى وذهن لآخر حسب درجة الوعي والثقافة وعوامل أخرى تساهم في التكوين الذاتي للفرد

 

ما لفتني في نصوصك الشعرية استحضارك للفلسفة ورصدك للاغتراب بمعناه النفسي، وذلك لعدم قدرة غالبية الكتاب الشرق أوسطيين والعرب على الايغال في جدلية الموت، الحياة، الانسلاخ عن المكان، ماذا يحتاج الشاعر الشاب في عصر الحب المؤتمت والكره المفرمت وفق تعبيرك، هل أضحى الضحية الخمولة لسطوة الرقميات والتقنيات وأسير الشاشة الافتراضية، أم إنه يمتهن العشق ويستخرج الكلمة من رحم الذاكرة، ذاكرة قراءته لبعض ما كان في ذروة صفاءه؟

- فيما يتعلق باستحضاري للفلسفة ورصد الاغتراب بالمعنى النفسي فإن ذلك بديهي؛ لأن المرء عندما يجوع المرء يلجأ لثلاجته، وبالمعنى الكلاسيكي: يفتح جعبته ليخرج ما يستحوذ عليه من ذخيرة إمدادا" لرفد جوع جسده ؛ كذلك هو الأمر حين يتعلق الأمر بتلبية الجوع الفكري فإن المرجعية تكون للمخزون الفكري صغر رصيده أم كبر، وقد أخبرتكم بأن رصيدي المعرفي تشكل بناء" على مطالعاتي في الفلسفة وسواها تلك المادة المعرفية التي هي بقناعتي أم العلوم ورأس الحكمة . وعلى الشاعر أن يستجمع العلم والمعرفة من مختلف مشاربها ومناهلها ؛ لأن الشعر هو أكثر الفنون شمولية وبالتالي أبعاده بانورامية الأفق تحتوي على: الصورة، الموسيقى والإيقاع، زركشة الخيال والكلام، والقدرة على استنباط مواطن الجمال في اللغة وقبل كل تلك العناصر الفكر الخلاق ولكي تكون القاعدة الفكرية في أي نص شعري متينة ينبغي الاستناد للفلسفة والمنطق التي هي بمثابة حجر الأساس في الفكر السليم. وبتصوري أن الفكر في الشرق الأوسط عموما" مصادر أو مهيمن عليه، إذ أن معظم المثقفين أو أصحاب المشاريع الإبداعية يتناولون وصفات فكرية،وقوالب مسبقة الصنع إما من قبل أرباب الشريعة الإسلامية المترعة بالمسلمات، أو من طرف الطغم الحاكمة في بلداننا ؛ من هنا يغدو طرح أي مفهوم من مفاهيم الفكر أوأركانه (الموت – الحياة – الدين - السياسة) بمثابة تطاول على سلم التابوهات اللامتناهي في شرقنا الموبوء بجرائم وموبقات بحق النفس والروح والفكر البشري . لهذا يكون السعي نحو التحايل والالتفاف على الهم المؤرق لفكرهم كما ذكرتم، علهم يبثون نتاج تفاعل الفكر المخنوق والروح المجهضة، بتلك الطريقة.وبتصوري عدم القدرة على الخوض في جدلية الموت والحياة لم تنبع من الا من الارتكاس الروحاني والذهني؛ فالانشغال أو الإشغال المفروض على الكائن البشري في شرقنا منذ تفتق الوعي والارهاصات الناتجة عن استنزافه؛ تجعله يشعر أن مفهومي الحياة والموت لديه وجهان لعملة واحدة؛ وسعيه وهو لاه بين دفتي البداية والنهاية أو المنطلق والمرجع هو ما يرصد وتلك هي أطروحته التي تعكس تلك الجدلية بين الموت والحياة .

نعم لقد بات الشاعر المحدث أسير الأتمتة بكل خمولها، وإتلافها للنهم المعرفي عبر ملامسة الورق وتصفح الكتاب، فجيل الشعراء المحدثين المنبثقين من سطوة الرقميات كما تفضلت محروم من نشوة استنشاق رائحة الورق، والغفوة وهم يغطون وجههم بدفتي كتابهم المفضل . وهذا الانجراف نحو التكنولوجية ناتج عن كوننا لم نساهم بتفعيلها، بل نحن منفعلين بها وننشدها بكل ما يقدم لنا دون قدرة على الاختيار، فنحن جيل الوجبات الجاهزة أو كما يطلق عليه جيل ال expresso - fast food. من هنا ولكي يبدع الشاعر المحدث فهناك حالتين لا ثالث لها:

 إما أن يكون ذو ذخيرة ثقافية جمة، أو منغمس في حالة عشق جارف تحرك عليه كل لواعجه .

وكلنا يعلم أنه اذا كان للألم والمعاناة إيجابية فهي تكمن في كونهم يشكلون جذوة الإبداع... ولدى الشاعر المحدث المحكوم بلسعة عصر السرعة المحموم لا متسع من الوقت لكلا الاحتمالين . من هنا يحرض رحم ذاكرته عساه يلد له فكرة جديدة أو وكنتيجة لغمامات الفكر المنبعثة من غموض الظواهر الحياتية لديه فإنه يلجأ لطلسمة الكتابة تحت مظلة الرمزية .

من هنا فإن قارئه يلف ويدور في حلقات مفرغة وفارغة إن حاول الإمساك بالمعاني الهلامية المطروحة.

 

التساؤل في صميم الذات المدركة المبدعة، وهو الواقي لنكبات وكبوات المبدع في الزمن، إلاما ترمز القصيدة الحية أمام الماضي بإطلالته الحادة على ذاكرة المرأة الشاعرة، هل الكتابة تعبير عن تواشج عنيف من الحنين بين المرأة والماضي، أم أشبه بمحاولة وأد لتعثر تحقيق الحلم الياسميني؟

- أما التساؤل لدى ذات المرأة المبدعة في زمن الانفتاح على الآخر والانغلاق على الذات،فهوبمثابة استشراق للمستقبل الزاهي الذي هو مادة حلمها ووأد لماضي سحيق سحق كل أمنياتها وأحلامها وجعلها حالة أو ديمة معلقة بين عطش تراب الحاضر وجدب الماضي واخضرار المستقبل بتوسم الأمل الفار مما تملص من بنان سنينها. المرأة بوصف تسميتها مانحة الحياة( خاصة باللغة الكردية:Jin jîyanê didê xwezayê) ) بمعنى: المرأة هي مانحة الحياة للطبيعة فهي الكائن البشري الأكثر حاجة للأمل والحلم،لتبلسم جراحها من ناحية ، ولتخضر القشيب من خريف مناها. أهمية الأمل بالنسبة لها ملحة لدرجة تجعل من ثرثراتها تويجات ياسمين على تربة حياة الأسرة. كيف لا ومن سواها يعكس الجمال والرقة والعطرعند تبلد ساعات العمر!!!....

 

يقول الكاتب الروسي دوستوفسكي:

(إن المرأة التي تقرأ، لا تستطيع أن تحب بسهولة، إنها فقط تبحث عن نظيرها الروحي الذي يشبه تفاصيلها الصغيرة)."

جدلية القراءة والحب، التي أصر الكاتب على بيانها إلى أي حد مهمة في عصرنا هذا والذي نشهد أمية الحرب التي تسطو على المرأة الشرق أوسطية حيث الحروب والتنافس الايديولوجي وطغيان المفاهيم الحزبية الاستهلاكية، ماذا تحتاج المرأة الشابة حتى تعي جوهر العشق عبر القراءة والتأمل والبحث ؟

في ظل هيمنة القمع الناعم إن صح التعبير في واقع مليئ بالإرهاصات ما بين البقاء في أتون الوطن الخراب والمنفى البارد ؟

- فيما يتعلق بمقولة ديستويفسكي تبنيتها بكل معنى الكلمة لمسار زمني تعدى القرون الثلاث لكنني ادركت أنها ضرب من الرومانسية وتكاد تصبح غطاءا" طوباويا" للفشل النسوي في التعاطي مع كافة الخامات النفسية لدى معشر الرجال .

علما" أن فقدانها لذلك القادر على رسم نمنماتها سيشقيها،لكن التغاضي عن هذا المطلب أرحم من قسوة الوحدة ؛ وبالتالي يجعلها تتمتع بقدر من البراغماتية يخولها لتسيير شؤون حياتها عسى أن تترافق وجهة رياحها مع رغبات قائد دفة سفينتها ذات إبحار.

في عصرنا الراهن الطاحن لكل شيء جميل ولكل رموز الحياة، العصرالمثخن بجراح أبشع الحروب ؛لعل المهمة الأكثر إجلالا" التي ينبغي على المرأة القيام بها القدرة على زرع القيم النبيلة في نفوس جيل قادم مترع باللا انتماء لأي من سلالم القيم الأخلاقية، جيل بلا جذور.

إذ ما من أحد من جيل المغترب متمسك بلغته تلك التي هي المرس الأمتن الذي يشده لجذوره. هو بالتالي بلا فروع لأنه ما من شجرة تتوازن كل مراحل وجودها اذا لم تتجذر مع ترابها بعلائق جدية و سليمة.

أما ماذا تحتاج المرأة الشرق أوسطية حتى تعي جوهر العشق،فمن وجهة نظري عشق المرأة للجنس الآخرضمن ظروف السطوة الذكورية الراهنة تكريس لفكرة الاستعباد وما الزواج والارتباط باعتباره التحصيل الحاصل للعشق سوى توثيق لصك العبودية تلك.من هنا أجد أن المرأة كي تتحول الى كائن مبدع حري بها أن توجه ذاك العشق لذاتها فبذلك تصبح معطاءة وغنية من الداخل عوضا" عن الشعور بالتقص والدونية، وكل تلك المفاهيم السلبية التي حاول الدين وبناء" عليه العادات والأعراف والتقاليد غرسها في شخصية المرأة هذاإن وجدت بالأصل. إذ غير مأذون لها أن تدعيها أوتمارسها. فبكاؤها وعري قدميها مباح لأن الله يرزق من يشاء إنما ضحكتها المنتزعة بشق الأنفس، وتنفس رأسها دون حجاب محرم ومكروه ، وجرم تعاقب عليه.

أما خيارها في ظل هيمنة القمع الناعم: فهو الوجه الآخر المظلم لقمر الحضارة وتختلف الأساليب في نقله ورسمه من متبني لآخر؛ إنما بالنهاية لطالما هو ناعم يبقى إيقاعه في النفس النسوية مقبولا" فكلنا يعلم أن الكلام الجميل نقطة ضعف المرأة، والغزل بالتالي هو عطرها. وربما من تصاريف قدرها وطبيعتها الجبارة هو قدرتها على التكيف مع أعقد الظروف حتى حينما يكون الخيار بتارا" حادا" تعلم بحدسها الواعي أن عليهاأن تختار بين أمرين حتى وإن كان خيرهما أمر.

فإما البقاء في الوطن الخراب مع انعدام أسباب البقاء من مأكل ومأوى ومشرب وإنارة وبالتالي لا عمل ولا مصدر للرزق،وفوق كل ذاك انعدام الحياة حيث يتربص الموت بك بين الفينة والأخرى، والخيار الآخر يكمن في لسعة قر المنفى الذي يجعلك تشعر وكأنك كتلة من وجود متحجر، لا أنت قادر على اقتحام مجتمع يطالبك بإعادة بناء نفسك وفق مقوماته ولا أنت قادر على استحضار طقوسك التي كونتك بعجائن الشرق بغثها وثمينها.

فحياتنا الراهنة نحن النساء والذكور على السواء في بلاد المغترب نقضيها بين ألم فكي كماشة فناء الوطن و جليد المنفى. المعضلة تكمن في أننا كنّا وما زلنا .نتوهم أننا في سعي لخلق حضن لأوطاننا علما" أننا ننتمي لوطن بلا حضن وإلا لما لفظناأصلا" .

فمعظمنا كان منفيا" ضمن وطنه، خاصة وأن لا ناقة لنا في إدارته ولا جمل. وتبقى تحكمنا هذه الجدلية التالية: أنناكلما اقتربنا من أوطاننا كلما ابتعدت هي عنا وكلما ابتعدنا عنها اقتربت هي أكثر لدرجة أنها تسكننا، والشطر الأول من معادلة هذه الجدلية ينطبق على إنسانا الشرقي فقط وقد يشمل الشطر الثاني حكمه يقع على إنسان الغرب والشرق على السواء. فعلاقة الوطن مع المواطن في شرقنا مثيرة لجدل عقيم لكونها بين طرفين متناقضين، في الوقت الذي هي في الغرب علاقة جدلية ومتبادلة التأثير وقائمة بين أطراف تسعى للتكامل فالمعادلة هنا كاملة العناصر،ما من طرف مغيب فيها.

أما موضوع كسر الطوق؛ فهي فعل تطورمعرفي شمولي وبانورامي يستدعي تكريس كل الفعاليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في شتى مفاصل الهيكل البنيوي للمجتمع وهو فعل تراكمي يأتي عبر مسار زمني قد يطول أو يقصر حسب الشروط الموضوعية لكل مجتمع ؛فكلنا نرغب في كسر هذا الطوق إنما ذلك ليس باليسير ؛ هنا تلجأ المرأة للتحايل والمكر المشروع. للانفلات والانعتاق من هذا الطوق وأعتقد أن مقولة (إن كيدهن عظيم) ينبغي أن تجير لخدمتنا؛ إذ هي بطبيعة الحال مقرونة ولصيقة بسلوكيات المرأة الشرقية فلم لا تكون لصالحنا؟! وهذا ما قمت به بالفعل لأعبر عن إستقلالية كياني الفكري والمعرفي من خلال عملي في الإعلام والأدب على السواء فضلا" عن استثمار ما لدي من ملكات وإمكانيات ووثائق في التحصيل العلمي والمعرفي . أما أن أن يكون وجود الرجل كتعويض جزئي لهن عن الحلم؟! فبتصوري لا عزاء للنساء إلا في أنفسهن ووجود الرجل في حياتهن ما هو سوى لخلق التوازن النفسي وفق قانون صراع ووحدة وتصالح الأضداد في الفلسفة المادية الديالكتيكية.

 

هل يتوقف التفكير برجل الحلم لدى المرأة المبدعة برأيك ؟، وهل تجدين أنك كامرأة شاعرة وإعلامية نجحت في كسر الطوق المفروض من جملة تقاليد وعادات شرقية تعود لمخلفات السلطة الأبوية ؟، وأخيراً هل يصلح وجود الرجل كعزاء حقيقي للمرأة ومواكباً لحياتها بصورة تنصف ما تحلم به المرأة لو جزئياً ؟؟؟

- التفكير بالنصف الآخر المتصف بملامح الفارس أو عروس الحلم بتلك الصورة التي نشغل بهاأنفسنا ونشعل بها رغباتنا، ونلهب خيالنا،لا يتوقف ذلك التفكير لسبب بسيط: لاستحالة التطابق بين الحلم والواقع ؛ حتى وإن افترضنا جدلا" أن التطابق حصل فإننا بحاجة دائمة لخلق متجدد لمادة حلمنا إذ يشكل ذلك دافعا" ولو وهميا"لاستمرارية الحياة . والأمرذاته ينطبق على كلا" من الرجل والمرأة على السواء.

 

الوحدة إحدى تداعيات الإحساس بالموت، الحقيقة التي أرقت أدونيس، ومحمود درويش والمعري وعروة ابن الورد، وغيرهم الكثير فيما توحي لك،؟، أهي تعني تشبثنا بالبقاء كإبداع وأثر.؟، ما تجسيدها في ذاتك كشاعرة؟

- الوحدة والعزلة بالمعنى النفسي: هي ذلك الهم الكبير والجميل؛ تعني لي التأمل والتماهي مع نفسي والاعتناء وإعادة بناء الذات والاغتناء بالذات. أجيدها وأجسدها في نفسي كعلاقة محورية تدور حولها كتاباتي وأي فعل إبداعي(إن جاز التعبير) أنوي القيام به. هي الوئام السيكولوجي الذي أخفق في تحقيقه مع الآخرين الا ما نذر. وتشكل العزلة الارضيّة الخصبة لدراسة النفس البشرية التي هي منبع الإبداع منطلقا" ومرجعا".

 

ما سبب انكفاءك شعرياً، هل يعود ذلك لانشغالك بالإعلام والتحرير والمجالات الموسيقية، أم لحال المجتمع الاستهلاكي النفعي والتي أقصت منظومته الحاكمة الاهتمام بالقراءة والفكر الحر؟

- أما سبب الانكفاء الشعري الأساسي لدي فهو إحساسي أنه لا يغني ولا يسمن من جوع وفق منظومة المجتمع الاستهلاكي المادي فهو البضاعة الكاسدة في مستودعات زمن الجهل الروحاني والهيمنة التكنولوجية والماديةعلى القلب والعقل والروح على السواء.

ثم أن فظاعة الانتهاكات السافرة لقيمة الإنسان والروح الإنسانية، وقيمة حق الحياة كأسمى القيم الإنسانية ؛ تجعل الشعر مهما كان خارقا" وعبقريا" تجعله يبدو أخرقا" ومقزما" في وصف هول مجريات الحياة المعاصرة. نعم تبقى ! تبقى هناك بعض المحاولات التي هي كما أسميتها محاولات التشبث بالبقاء، فالشعر بالنهاية حاجة ونتاج يصدر عن تفاعلنا الضمني مع ذاتنا أومع ما حولنا. وإقصاء القراءة والفكر الحر يبقى مجرد خدش يجريه شوك وردة أمالنا في أناملنا، أمام الجرائم السافرة والفتاكة بحق النفس والروح البشرية التي تحيط بِنَا من كل حدب وصوب تحت مرأى ومسمع أبصار وآذان متفرجين مكتوفي الأيدي ليس لعجزهم بل لتعاجز لا يغتفر.

 

ماذا قدمت لك عفرين، المدينة التي خرجت منها في سن مبكرة، هل لها حضور شعري وفكري في ذاتك، لا سيما وإن هذا السؤال يحيلني لجملة أسئلة أقوم بتكثيفها بتساؤل وهو قضية المظلومية التاريخية للشعب الكردستاني الذي تنتمين إليه، كيف تتجلى لك القضية على ضوء تجربتك كإعلامية وشاعرة، أين وجدت موقع القضية من حيز اهتماماتك الابداعية ؟

- عفرين كمدينة ماذا قدمت لي؟: فقد منحتني للمرة الأولى في حياتي الشعور بالانتماء للمكان إذ أن إبتعادي المطول عنها في العاصمة دمشق ورغم ما ينيف على العقود الأربعة، فقدت هذا الشعوربالوصال بيني وبين المكان الذي أعيش فيه. في عفرين شعرت أني أعتاش بها ولا أعيش فيها فحسب. لأول مرة أشعر أن قدمي تمشي على أرض تخصني وكما يقال بالدارجة لا فضل لأحد فيها علي ولا منية أو ضربة لازمة .

هذا الشعور لازمني إبان إقامتي في دمشق منذ تفتق بذور وعيي هناك.

عفرين جعلتني أتذوق حلاوة العيش بالقرب من منبت الجذور، وجمال عبق تراب يخصني .فيها اكتشفت كم هو طيب شعبنا وكم هو راضٍ بأبسط ما تجود به الدولة من خدمات مرفقية فنحن شعب لا نجيد التذمر إلا فيما بين بَعضنا الآخر، يساعد في ذلك حالة الفراغ والترقب التي يعيشها المواطن العفريني في انتظارموسم الزيتون فحسب. الأمر ذاته الذي يفعله الكردي في كوباني والجزيرة بانتظار قطنه وقمحه. دواليك.....

القضية الكردية هي الهم الحاضر الغائب في وجداننا مهما نأينا بأنفسنا عنها لأنها هاجس إنساني وحق مشروع قبل أن تكون قضية سياسية وهنا أودّ الاستئناس برأي أحد المتاجرين بالسياسة في سوق السياسة السورية ذو المشهد الظلامي الشديد التعقيد المتخم بالنفايات البشرية؛ إذ يقول أن القضية الكردية قضية عادلة إنما محاموها ضعفاء وفاشلين وهنا لا أودّ إضفاء السوداوية على المسرح السياسي الكردي إذ لا إضاءات فيه أصلا" ومنعا" للغلو أقول إلا ما ندر من بقع ضوء هنا وهناك.

فموقع قضيتنا في صميم وجداننا شأني شأن كل وطني مخلص وشريف، إنما المشكلة هي أن نتساءل عن موقعها في حيّز اهتمامات نخبنا السياسية الذين المفروض هم متبنيها في محافل السياسة الدولية؟!.

 

الأديبة ملك علو، كل الشكر لك وصلنا لختام حوارنا معك، كلمة أخيرة تودين توجيهها، للقارئ؟

- كلمة أخيرة أدعو نساء الكرد والواعيات منهن بشكل خاص أن يتوقفن عن تسول شخصياتهن ممن هم حولهم، وأن يلتفتن بشكل جدي لدراسة وتبني خصائص شخصية المرأة الكردية بعناية وتركيز وشفافية عالية وبفكر نقدي بناء وتلافي التقمص والتبعية العمياء والنقد الهدام.

كما أشكر إتاحة الفرصة لفتح نافذة نيرة على نفسي وفكري، آملة المنفعة لي ولكم. مع تقديري لجهدكم البليغ في السبر. بالتوفيق والى لقاء آخر.

 

maymon harashمحمد العتروس فنان، حكايته مع الثقافة نهر ينساب بدعة وأمان، يعرفه الشيوخ والولدان، وبفخر يُشار إليه بالبَنان، هنا، وهناك وفي كل مكان ..

أديب مغربي شهير، يحار المرء في وصفه، يكشف، في كل مرة، عن قدرة عجيبة في نصرة الثقافة، وتشجيع المبدعين.. في " الثقافة"هو ألوان لا لون واحد، و كقوس قزح يهب " كنز الربيع" ولا يسأل مقابلا . هو "عراب" العمل الجمعوي في بركان، و يحق لهذه المدينة المنسية أن تفخر به، وأن تقر عينها بابنٍ بار آل على نفسه أن ينتشلها من الخمول إلى جِنان الفكر عبر إلحافها بالعمل الثقافي الهادف تنويراً، ومعرفة..

محمد العتروس كاتب " يلوك الكلام"، فيصوغه ديباجة أنيقة في قصص شائقة، ترجمت أعماله إلى الفرنسية والإسبانية والإنجليزية..

له من الإصدرارت ":

" هذا القادم "1944، "رائحة رجل يحترق" 1998، "هلوسات" 2002، "عناقيد الحزن" 2002، "قطط تلوك الكلام" 2009، "ذاك الوجه" 2010، "أوراق الرماد" 2010، "ماروكان" 2012، "غالبا ًما" 2015، "وامرأة تقرع باب الله" 2015 .

أهلا بك أبا بهاء سي محمد في العرين ..

 

س- ورقة تعريفية عنك من فضلك تضيف فيها بعضَ ما تود أن يتعرفه القراء الكرام عنك؟

ج- النصوص دائماً تعرف كيف تقدم أصحابها لقرائها، وأتمنى أن تقدمني نصوصي كما يليق بها.

 

س- تُعتبر من الأدباء الشباب الأوائل الذين " لاكوا الكلام" حسب تعبيرك في إحدى قصصك الجميلة..حدثنا عن مرحلة البدايات؟

ج- البدايات دائما جميلة. رغم المعاناة والحاجة إلى دعم وتوجيه ورغم التهميش والإعاقة الجغرافية (الانتماء لجغرافية المغرب غير النافع) إلا أنه يمكنني أن أقول إن بداياتي كانت جميلة.. ربما هي نوستالجيا وحنين لفترة من فترات حياتي مرت وانقضت، وربما كانت حقيقة كذلك بما حملته من أحلام كبيرة وفورة شباب وأفكار وطموحات سابقة لأوانها ومبادئ وأخلاق مفتقدها اليوم. أتذكر ذاك الطفل والشاب الذي كنته يجري بين أزقة المدينة الصغيرة، وينطلق بحرية في الحقول، ويبحث في المكتبات على قلتها عن كتاب يشفي غليله ويجيب عن بعض الأسئلة الوجودية والعاطفية والفلسفية والروحية. أتذكره يقرفص في حلقات السوق ليستمع للحلايقي يقص حكاية سيدنا علي وما فعله بالأعداء، ويلازم جدته لتحكي له حكاية وينام في حضن أمه وهي تغني له بالأمازيغية التي لم يتقنها يوما ولكنه يعشقها أبداً. أتذكره يكتب قصصاً ويرسلها للمنابر الأدبية ويقتطع من مصروف جيبه أو مما يوفره من بيع النخالة ليشتري المجلة والجريدة أو ليقتني تذكرة سينما. أتذكره ينشر نصه الأول فيطير فرحاً ويدخل عالم الكبار والمشاهير في وسطه الضيق ثم في مدينته... أتذكر أمه تدس في جيبه قيمة طبع كتابه الأول ثم تقبله حين تذيع إذاعة الجزائر قصصه بين الحين والحين وتقدم مسرحيته للأطفال في التلفزيون... أتذكره... ويبدو أنني بدأت أشيخ لأنه لا يتحدث الشباب عادة عما يتذكرون بقدر ما يتحدثون عما سيفعلون.

 

س- قبل السؤال عن نصوصك دعني أتوقف معك عند الفعل الثقافي في الجمعيات، أنت بشهادة الجميع "عراب نُصرة الثقافة " في بركان خاصة، واسمك علامة فارقة في العمل الجمعوي، أسديتَ خدمات جلى للعمل الثقافي، تشتغل بصبر أيوب، وبدأب النمل..من أين تأتي بهذه القدرة العجيبة على العمل المستمر.. وماذا عن الرهانات والتحديات؟

ج- بداية أنا لبنة من لبنات هذا العمل، إنجازي فيه هو إضافة لإنجاز إخوة وأدباء ومثقفين سبقوني. ربما الفرق بيني وبين من سبقوني هو أنني وجدتهم قبلي، وتتلمذت على بعضهم واستفدت من خبراتهم، وأضفت إليها بعض خبراتي على الرغم من أن ظروف عمل ثقافي وجمعوي حقيقي وجاد غير متوفرة إلى اليوم، باعتبار ما تشهده الساحة الثقافية والجمعوية الحالية من تعويم. هذه القدرة العجيبة على العمل المستمر كما تقول أتيت بها بالعمل المستمر، لأنني ولدت في عائلة جمعوية وتربيت في أحضانها وانتميت لجمعيات منذ طفولتي وهذا ما ساعد على الاستمرارية الفاعلة والمنتجة.

أما رهانات العمل الجمعوي والثقافي وطموحاته فهي رهانات ذاتية وموضوعية ورهانات ضخمة وخطيرة وطموحاته أخطر. وأولها تنظيف الساحة من الطحالب.

 

س- معك فريق عمل، وجنود خفاء، كيف يتم التنسيق بينكم داخل الجمعية؟

ج- إذا كان من مزية لعملنا، فهي العمل الجماعي المتكامل المؤسس على الكفاءة والمصداقية والجدة والفاعلية والتشاركية. كنا في نهاية 2008 قد أسسنا جمعية "أبركان للثقافة والتراث" ورأينا أننا يجب جمع شمل مثقفي وجمعويي مدينة أبركان بدون إقصاء أي طرف، فكان في مكتبها اليمين واليسار والوسط والأعلى والأدنى، وكنا نعتقد أنه باستهدافنا للنخبة فقد تجاوزنا عقبات الانتماءات والولاءات على اعتبار أن الميثاق الذي يربطنا هو ميثاق مصلحة المدينة والثقافة والمثقفين. لكن لم تفهم رسالتنا وفشل المشروع.

في المقابل استفدنا من الدرس. المشكل كان في أننا لم نستطع أن نخلق جيلا لا يحمل معيقات الأجيال السابقة ويستفيد من إنجازاته. لهذا أسسنا إطاراً جديداً سميناه "جمعية الشرق للتنمية والتواصل" و"منتدى إبداع أبركان"، وركزنا في البداية على الورشات التكوينية في العمل الجمعوي والثقافي وفي الإبداع والقراءة وانفتحنا على الشباب. وقد أتى أكله على ما أظن.

 

س- أعراس ثقافية في ملتقيات عدة أبَنتم فيها عن تنظيم جيد، وقدرة على احتضان الضيوف، وتقديمهم، وكذا تكريمهم..ولعل ملتقى أبركان للسرد في نسخه الثلاثة خير مثال على كل هذا..دعني أسألك عن "الدعم" المادي.. هل أنتم راضون، وما هي المشاكل التي تعترضكم؟

ج- أكيد أنني غير راض بالمطلق على الدعم المادي لأنشطتنا ولا لجمعيتنا لأنها أنشطة وازنة ولأن للجمعية رؤية استراتيجية رائدة في المجال الثقافي المحلي والجهوي والوطني. وليس هناك تمويل حقيق مقدم لها في حين نجد جهاتٍ أخرى تحظى بكرم حاتمي، والأسباب واضحة طبعاً.

وأهم مشكل بالنسبة لنا هو انعدام البنيات التحتية في إقليم أبركان، وغياب بنية إدارية ثقافية يمكن محاورتها، وتعويم الساحة الثقافية بملتقيات ومهرجانات أشباح تأكل جهد وأموال المواطنين بالباطل. ونطالب بترشيد النفقات بالنسبة للجهات الداعمة مع توزيع عادل لها، ننشد الانعتاق من المركزية إلى الجهوية، والانعتاق من المركزية الجهوية ذاتها. بحيث لا نستقل على المركز الوطني من أجل مركز جهوي يستفرد بكل شيء.

 

س- حضور الشباب إلى جانبكم لافت، وتجربتكم في احتضانهم ناجحة تماماً.. كيف السبيل لحمل الشباب على الانخراط في العمل الثقافي، وبماذا تنصحون الجمعيات الأخرى في هذا المجال تحديداً؟

ج- السبيل إلى حمل الشباب على الانخراط في العمل الثقافي هو بالعمل معهم وإلى جانبهم بصدق. والتواصل معهم بلغتهم والإنصات لهم ودفعهم إلى أن يكونوا فاعلين بإعطاء النموذج بمعنى أن نكون نحن فاعلين. النصيحة الوحيدة التي يمكن أن أقدمها للجمعيات الأخرى، مع أني لسب في موقع من يعطي النصائح، هو الانفتاح على الشباب، والاشتغال على البساطة وبالبساطة.

 

س- مجموعتك القصصية "ماروكان"(Marocain) بديعة، واللافت فيها هو إلحاف نصوصها بإطلالة " مغربية" ساخرة حد الوجع..توقفتَ عند ماروكان11.هل للسلسلة تتمة؟

ثم لماذا يكشف هذا "الماروكان" فقط عن " القبح" بكل صوره؟ أو ليست في حياته كوى تُجمل بعض هذه الصور القبيحة؟

ج- طبعا للسلسلة تتمة فكل نصوصي تعنون بماروكان إلى ما لا نهاية، ولكن العنونة في مجموعة "ماروكان" بهذا الشكل كان اختياراً فنياً من بين عدد من الاختيارات الأخرى وأظن أنها أدت وظيفتها الجمالية والدلالية.

أما لماذا يكشف هذا الماروكان فقط عن "القبح" بكل صوره فلست أجد لهذا تفسيراً الآن ولكن أظن أن القبح الذي كان يجب أن يكشفه هذا الماروكان أكبر وأفضع مما كشف عنه، لهذا أظن أن ما تضمره النصوص أكبر مما تصرح به، والتفسير الوحيد الذي أقدمه لك اليوم هو أن المسألة شبيهة بما يحدث لنا حين ننظر إلى وجوهنا في المرآة، فنحن لا نكتشف مناطق الكمال بالأساس بل مناطق النقص لنملأها من أجل الاكتمال، ونسكت عن مناطق أخرى لا يدرك نقائصها إلا نحن و.. الله. لكن الله يرانا في المرآة كما يقول عبد الوهاب البياتي. وأريد أن نرى أنفسنا كما يرانا الله.. في المرآة.

 

س- أحببتُ منك، في بعض نصوصك، نزوعك لبسط قضايا الإنسان، والحديث عن ألمه باستخفاف مذهل .. وهذه طريقة معروفة عند مجموعة من الروائيين الكبار.. "ماروكان" مثلا ممهورة بهذا النزوع.. كيف تعلق على هذه الملاحظة؟

ج- يسعدني رأيك هذا. أنا مرتبط بشكل لا يمكنني تفسيره بقضايا الإنسان ولدي قناعة بأن الصدق والبساطة أحسن أسلوب يمكن أن يوصل إحساسك وقناعاتك ورؤاك إلى الناس، وإذا كان غلف كل هذا في قالب من السخرية "المذهلة" كما أشرت إلى ذلك فهذا أقصى ما يطلبه الكاتب.

 

س- الطابع الغرائبي أيضاً لافت في كتاباتك، البطل في كتاباتك إما حشرة، أو قط، أو ذبابة..بدايته تتَشكل بهذا المسخ، ثم شيئاً فشيئاً "يتحول" وفق مسار الأحداث، وصولاً إلى نتيجة معينة ومقصودة تماماً لذاتها .. هذا النزوع كيف يُعينك على أن تقول ما تحب، ألا يشوش على رسائلك للقارئ مثلا؟

ج- اليوم ليس هناك طابوهات، كل الطابوهات سقطت. تستطيع أن تقول أي شيء لكن أن تقوله بشكل جميل؟ هذا هو التحدي. الغرائبية وسيلة جمالية وبنائية ودلالية لقول ما أحب أن أقوله بشكل جميل محبب وقريب إلى القارئ.

 

س- تناولتَ "أزمة التعليم" في قصة" العفريت بين تلابيب الجدة" من خلال طفل يهرب من المدرسة .. كيف قاربت هذا الأمر؟

ج- بالشكل الذي وعيته حين ذهبت إلى المدرسة أول مرة..

المدرسة غول كنا نخاف منها للأسلوب القمعي الفوقي المتعالي الذي يسيطر عليها، اليوم نخاف منها وعليها من القائمين على تسطير سياساتها القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى. نخاف على أبنائنا.

 

س- علاقة أبطال نصوصك بالمقهى وطيدة.. في نصوص كثيرة هناك حديث دائم عن المقهى، والقهوة السوداء.. لماذا هذه العروة الوثقى بين البطل والمقهى في قصصك؟

ج- في بداية التسعينات كانت تشغلني وما زالت لحد الساعة مسألة حضور المقهى الطاغي في القصة المغربية بحيث يحضر المقهى في أغلب النصوص القصصية المغربية. اكتشفت مع الأيام أن حياة المغاربة والأدباء فقيرة إلى الدرجة التي يتلخص يومهم في المقهى العمل والبيت. وبين كل هذا فراغ مهول لا قراءات مهمة، لا أسفار، لا فرح حقيقي، لا حزن حقيقي، لا مشاكل حياتية معقدة حقيقة. حتى مشاكلنا بسيطة بساطة المقهى؛ مقاعد وطاولة وسيجارة ومنفضة ونظرة إلى الخارج لرمق امرأة تمر، دون أن يمتلك شيئاً لا السيجارة التي تستحيل إلى دخان، ولا المرأة التي تذهب إلى حال سبيلها، ولا القهوة التي تبرد أكثر من اللازم...

 

س- مجموعة " امرأة تقرع باب الله" فريدة، ومختلفة تماماً عن أضموماتك السابقة..

ممهورة بالتشكيل، والرسم، والفلسفة و بعوالم مستقاة من حياة رسامين عالميين..

كيف استطعت أن تجمع كل هذا الكوكتيل كما لو كنا أمام لوحة فنية سوريالية تماماً؟

ج- هي فعلا مختلفة عما سبقها من مجموعات قصصية لكنها امتداد بشكل أو بآخر لها جميعاً. استفادت من التراكمات السابقة بل قد تتفاجأ بأن فكرة الاشتغال على اللوحة باعتبارها تيمة كانت حاضرة لدي منذ زمن بعيد، وبعض نصوصي السابقة إرهاص لهذا الاشتغال. المسألة أنني في كل مرحلة من مراحل كتابتي أشتغل على شيء ما، حالة معينة أو تيمة معينة أو صيغ جمالية معينة. في مجموعة "امرأة تقرع باب الله" اشتغلت على اللوحة والفلسفة واشتغلت بهما.

 

س- تتصدر نصوصَ " امرأة تقرع باب الله" رسوماتٌ لفنانين مشاهير.. لماذا هذا الحرص؟ وما القصد منه؟

ج- تتصدر الرسومات النصوص لأن اللوحة كانت سبباً أساسياً في ولادة النص. لولا اللوحة لما كان النص. طبعاً النص ليس ترجمة أو توصيف للوحة ولكنها محاولة قراءة ما بين اللون والحجم والعمق والشكل في اللوحة. أنا أحاول أن أقول في القصة ما غفل الرسام عن قوله في اللوحة.

 

س- يحرص غيرك من القصاصين على أن تتصدر أعمالَهم تقديماتٌ من نقاد معروفين..يبدو أنك استثناء في هذا الأمر.. ما قولك؟

ج- بالنسبة لي رأيت منذ البداية أن نصوصي يمكن أن تكون جواز سفر للوصول إلى جزيرة القارئ دون أن تحتاج إلى تأشيرة.

 

س- اللغة منسابة في كل نصوصك، وفي مجموعة " امرأة تقرع باب الله" تبدو لي مثل لوحة فنية زاهية، إطارها كلمات مورقة، وأساليب أخاذة.. من أي مشتل تنتقي لغتك هذه سي محمد؟

ج- من عدد من المشاتل قد لا أعيها الآن أو أحيط بها في هذا الحوار. لكن المطالعة والتواصل مع نصوص مؤسسة في الأدب القديم والحديث هو ما ساعدني على اكتساب بعض طراوة هذه اللغات بصيغة الجمع. دون نسيان أهم مصدرين وهما القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.

 

س- ورد على لسان أبطالك بعض الأحكام أبسُطها هنا على شكل سؤال :

- هل صحيح مثلا أن كثرة الأسئلة تورث القلب؟، وهل صحيح أيضاً أن "الكمين" هو أن تكتب قصة قصيرة جداً بهذه السهولة المبتسرة؟

ج- أكيد الأسئلة تورث القلب وأكثر من القلب.

أكبر كمين هو أن أكتب قصة قصيرة جداً بسهولة مبتسرة لأنني آنئذ سأكف عن أن أكون كاتباً بالمرة.

 

س- تكتب أيضاً القصة القصيرة جداً، هل كتابتها " كمين" حسب قولك؟ وهل أنت ممن يتوقع لها مسقبلا وردياً؟

ج- بالسهولة التي أرى أنها تكتب بها نعم هي كمين. ولكن بالمسؤولية والإبداع يمكن للقصة القصيرة جداً أن تكتسب مكانتها الطبيعية ضمن الكتابة القصصية الجميل. النص الجميل يبقى نصاً جميلا سواء كتب قصيراً أو قصيراً جداً. كل نص يحتمل فقط الشكل الذي يليق به كما أننا لا يمكن أن نلبس الرجل الطويل سروال الرجل القصير أو الرجل القصير سروال الرجل الطويل، فكذلك هناك نصوص لا تكتب إلا قصيرة جداً وأخرى لا تكتب إلا قصيرة وهلم جراً.

 

س- أعمالك مغرية، ومرشحة لأعمال نقدية.. هل أنت راض عما كتب حول إبداعك من نقد؟ ثم ألا ترى معي بأن " الزبونية" باتت تجتاح الأعمال الإبداعية لدرجة أن هوى بعض النقاد موجه نحو أسماء محددة دون غيرها؟

ج- المسألة أعمق ربما مما قد نتصور، طبعاً هناك أسماء معينة استأثرت بقراءات نقاد معينين، وهناك زبونية وهناك إجحاف مقصود من طرف عدد آخر وهناك... ولكن في المقابل ليس لدينا نقد مغربي يسائل النصوص المغربية، والكتاب المغربي لا يصل إلى العديد من المكتبات، ودور الجامعات المغربية انحسر بشكل كبير رغم جهود العديد من الأساتذة للانفتاح على النصوص المغربية...

 

س- أنت كاتب مرموق، أعمالك مقروءة، ومترجمة إلى أكثر من لغة ما شاء الله.. ما نصيبك من الجوائز الأدبية، وما هو أثر هذه الجوائز على المبدع عموماً؟

ج- أنا لا أشارك في الجوائز عادة، ليس موقفاً وإنما كسلا مني، فكلما أنوي أن أبعث بنصوصي أؤجل ذلك إلى الغد ويمر الغد دون أن أتذكره فيفوتني الموعد ولا أشارك. نلت جائزة وزارة الثقافة في ملتقى فاس في بداية التسعينات ومن حينها لم أعاود الكرة. ربما أن تأثير الجائزة على شاب مبدع تأتي أهم من تأثيرها على مبدع حقق ذاته وكتابته إلى حد ما. أما الكبار فأقترح أن يتم تكريمهم والاحتفاء بهم وبإبداعهم بنشر أعمالهم الكاملة ودعم مشاريعهم الأدبية لا الإساءة إليهم بمنحهم دروعا وزنها أكبر من قيمتها.

 

س- ما تقول في : بهاء الصغير- ملتقى أبركان للسرد- باريس..

ج- بهاء هو نور العين وبهاء القلب وأتمناه امتدادي الجميل.

وأتمنى أن يصبح ملتقى أبركان للسرد منارة من منارات القصة الجميلة.

باريس لي فيها جزء مني، ولها في قلبي جزء منها.

 

س- تشرفنا بك أبا بهاء .. كلمة أخيرة رجاءً

ج- أشكرك أولا أخي ميمون على هذا الحوار الشائق والعميق في ملامسته والغور في أعماق نصوصي القصصية، وأشكر "العرين" الذي فتح لي بابه واستضافني صاحبه دون أن يلتهمني الأسد الذي هو أنت عزيزي ميمون.

 

حاوره: ميمون حـرش

 

qusay askarلا يمكن أن تذكر أدب المهجر دون أن تتذكر اسم الشاعر والروائي العراقي قصي الشيخ عسكر. فلو نظرنا إلى قائمة أعماله التي تربو على 30 عملا موزعة على الشعر والقصة والرواية والنقد الأدبي تجد أنه بدأ النشر في دمشق عام 1990. وهذا يعني أنه من جيل المنفى بموجته الثانية. التي عانى أفرادها من مرارة الاغتراب والتشرد في وقت مبكر.

ناهيك أن عام 1990 هو تاريخ مؤثر.

فقد شهد حرب الخليج الثانية، ومهد للفوضى التي خربت الشرق الأوسط ووضعته أمام خيار لا ثاني له وهو إعادة التفكير بالواقع السياسي الناجم عن اتفاقيات سايكس بيكو المعقودة بين فرنسا وإنكلترا.

لقد حملت أعمال الشيخ عسكر هذه الأوجاع ولا توجد لديه رواية تخلو من موضوعين: الماضي المؤسف بما ينطوي عليه من استبداد وعذاب وحرمان. والحاضر الذي يعني بالنسبه له الرحيل دون توقف من عاصمة إلى غيرها بحثا عن الاستقرار والأمان.

قصي الشيخ عسكر من مواليد البصرة عام 1951. يحمل الجنسية الدانماركية. ويقيم حاليا في إنكلترا حيث يعمل ويكتب. نشرت قصائده وقصصه في مجلة العربي (الكويت)، الثقافة (دمشق)، الشرق الأوسط (لندن)، وغيرها.

ومن أهم رواياته المكتب، نهر جاسم، المقصف الملكي. وصدرت له من أسابيع رواية (رسالة) في سيدني عن مؤسسة المثقف العربي بالتعاون مع دار العارف في بيروت. هذا بالإضافة إلى كتابه (أساطير العرب قبل الإسلام وعلاقتها بالديانات القديمة). وهو يحمل شهادة الماجستير في الأدب العربي من جامعة دمشق. وشهادة الدكتوراة بنفس الاختصاص من لندن.

لتوضيح الخطوط العريضة لخلاصة أرائه في فن الرواية أجريت معه هذا اللقاء بواسطة الفايبير والبريد الإلكتروني.

 

س- ما هي أهم الروايات التي تأثرت بها؟.

ج- في بدايتي سحرتني الواقعية الروسية ولا سيما رواية (الأم) لغوركي. و(آنا كارنينا) لتولستوي. لذلك ستجد أن أول ثلاث روايات كتبتها وهي (المكتب) و(المعبر) و(المختار) تندرج في الأساليب الواقعية.

 

س- لاحظت أنك تعتمد على سيرتك الذاتية في أعمالك الأخيرة. وأفكر بجنان جاسم حلاوي. فهو يستفيد أيضا من سيرة حياته المقسومة بين الوطن والمنفى. ألا توجد علاقة بينكما؟.

ج- جنان صديق. وقرأت له (يا كوكتي). لكن لا أكتمك سرا لست مرتاحا للرواية الحالية في العراق. وأخبرته أن الرواية العراقية تشهد نكسة ملحوظة وهي ضعيفة. وصارحته أن أعمالنا في المشهد العام حاليا تعاني من التراجع.

 

س- أنت تتكلم هنا بشكل عام. أنا يهمني شكل السيرة تحديدا. تطرقت مع صديقي الناقد الأدبي المعروف الدكتور حمزة عليوي لرواية (يا كوكتي)، واتفقنا أنها عمل متميز ويستحق التنويه. لكن كنت في الواقع أشير بسؤالي إلى عمل آخر هو (ليل البلاد) لحلاوي نفسه. يعتمد هذا الروائي مثلك على تجاربه الشخصية ويعيد صياغتها. وهذا واضح أيضا في مجموعة قصص صدرت له في دمشق عن وزارة الثقافة بعنوان (ظلال الطيور الهاربة). وقد تركت في نفسي أثرا طيبا. إنما لا زلت أتهيب من (أهل النخيل) بسبب حجمها والشهرة التي رافقتها. هل ترى أن خصوصيات رواياتك هي نفس خصوصيات جنان حلاوي. بتعبير آخر: هل تعتقد أن هناك شيئا مشتركا بينكما غير أنه يعيش في السويد وأنت بجواره في الدانمارك ثم إنكلترا؟.

ج- لا توجد علاقة ملحوظة. أصدر جنان قصصا قصيرة جميلة جدا خلال حكومة البكر أو صدام لست متأكدا. وتبنتها وزارة الثقافة في بغداد. ولكن لا أذكر أنه أضاف شيئا بعد ذلك، فأنا لم أقرأ له الكثير بعدها. باختصار إنه يكتب القصص بأناقة ولا يمكننا أن ننكر ذلك. أما رواياته ففكرتي عنها محدودة.

 

س- لست في موضع الكلام عن كاتب أنت أقرب لتجربته. لكن (يا كوكتي) تشبه برأيي ما فعله يحيى يخلف في (نشيد الحياة) و(تفاح المجانين). يختلط الواقع بالخيال دون أن يفصل بينهما. أعتقد أن جنان موهوب وقادر على التعبير عن المخاض الفني للرواية العربية بلغة خاصة وموشورية. بمعنى أنه يحلل ألوان الطيف ويكتب في العمل الواحد بعدة مستويات.  إنما هناك اختلاف في لغته بين عمل وآخر. وهذا مفهوم بضوء التطورات الراهنة. حتى الأدب الفلسطيني تغير. قارن يخلف مع ربعي المدهون. الأول يقاوم ويقاتل بلا تردد. والثاني يتكلم بلغة الخلاص من خلال الألم والمعاناة والصبر الطويل. وشتان ما بين الاستراتيجيتين.

ج- يحتاج الموضوع لتأمل ودراسات أعمق. ولا أود أن أثير مزيدا من الحساسيات.

 

س- بلا حياء. من هو الكاتب الأقرب إلى قلبك؟.

ج- أجدني قريبا من فؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان. وأجد أن بعض ملامح بثينة الناصري ولطفية الدليمي تسعدني. هؤلاء الأربعة أرتاح لهم: رجلان وامرأتان.

أما من بلدكم الجميل سورية فلا أخفيك سرا أن شخصيات العجيلي تستحق التفاعل معها. بينما حنا مينة لم يمتلك كل قلبي. وباستثناء (الياطر) هو واضح وبسيط.

 

س- أنا في الحقيقة أفضل (بقايا صور) و(الثلج يأتي من النافذة). ومن أعماله المهاجرة (حمامة زرقاء في السحب) وهي عن رحلة علاج لابنته في لندن. إنها عمل جديد ورقيق ومحزن. وتفقّد به نفسه وماضيه. أما (الياطر) فهي نتاج وعي لغوي يكاد يلغي فكرة الرواية ويتحول إلى تصوير حالة عزلة نفسية وانسحاب من المجتمع إلى برج عاجي. لقد فتح حنا مينة نافذة لفكرة الفداء المسيحي عن طريق العذاب والصليب. وهذا يرفع السياسة إلى مصاف الإيمان الذي نحتاج إليه كشعوب مكبوتة وغير متطورة.

ج- في الواقع ما يستهويني بلا تردد هو الواقعية الروسية. ثم امتنعت عنها وانتقلت للروايات الرومنسية مثل (البؤساء) و(بائعة الخبز). وأرى أنها أثرت في كل الأعمال الكلاسيكية المعروفة في العراق وسورية.

وأضيف فوق ذلك الآن (ساحرات سالم) لآرثر ميلر. فلغتها الأخاذة لا تغيب عن بالي. وأحب أن أنوه بدور المرحوم غسان كنفاني. فقد كان يعرف كيف يعرب عن ألم المأساة وضرورة اختيار أن تكون فدائيا تدافع عن أرضك.

 

س- كنفاني هو الشيء وضده. لقد كتب عن الأدب الصهيوني وسبق غيره لكسر هذا التابو. وعالج الموضوع بانفتاح وجرأة ومسؤولية أحسده عليها في وقته. ولم يهادن الشكل الفني في سبيل المعنى. وكتب بتيار اللاشعور في وقت كان هذا الأسلوب مطاردا ومشكوكا به، بل متهما بمعادراة العربية، بنفس درجة الخطورة التي يتهم بها أوروبي غيره ويصفه بمعاداة السامية. ولكن لا يوجد لميلر عمل باسم (ساحرات سالم). وإنما كتب عن عرافات سالم مسرحية بعنوان (المحرقة).

ج- هي نفسها. وتركت أثرا عميقا في نفسي. وستجد هذه المعاناة في روايتي الواقعية (المختار) والتي صدرت لي في وقت مبكر.

 

س- وماذا عن المؤثرات الواقعية؟ ظروف حياتك في الغربة.

ج- أدين لها بأشياء عديدة. ورواياتي المهجرية استفادت من خبراتي العملية في الحياة. كل مدينة عشت فيها كتبت عنها رواية أغنت من حصيلة كتاباتي. لي رواية عن بيروت، وأخرى عن كوبنهاغن. ورواية عن الرباط. ورواية عن دمشق.

 

س- ألم تترك لديك هذه التجارب إحساسا مختلفا بثقافات متنوعة؟.

ج- هذه المسألة أقرب للنقد الأدبي. وأنا أنأى عنه بنفسي. أحيانا أكتب انطباعا بشكل خاطرة عن نص قرأته وحرك أشجاني. ولكن أركز على الرواية والقصة في معظم الأوقات. لي دراسة عن الأسطورة قبل الإسلام. ومعجم تعليمي بعدة لغات. لكن أجد نفسي في الرواية.

 

س- المعاج تحتاج لثقافة موسوعية ووقت ودأب. ما هي مصادرك وأنت كثير التنقل ومثقل بأعباء الحياة؟.

ج- الأسطورة هي نتيجة الماجستير في جامعة دمشق. وتلقيت فيها علومي على يد الأستاذ العلامة أسعد علي والدكتور عبدالكريم اليافي الباحث في التراث العربي من كل جوانبه. وأضيف تأثير الدكتور المستنير حسام الخطيب الذي كان يقرأ لي مخطوطاتي أحيانا ويرشدني بنصائحه وتعليقاته.

 

س- هذا قوس واسع من المؤثرات المتناقضة. فأسعد علي مؤسسة مستقلة. بينما اليافي يعمل ضمن دائرة التراث العربي الرسمية. أما حسام الخطيب فهو كتلة شائكة من الشد والجذب: بين الوجودية بصيغ الفكر القومي، ومشكلة فلسطين، وعلاقته بالأدب المقارن والحداثة.

ج- أنا معك. استفدت منهم جميعا وبنيت على مراجعي السابقة في العراق مثل جواد طاهر وغيره من مؤسسي الفكر الوطني الذي فتح له الباب الزعيم عبدالكريم قاسم. لكن خسارتنا له والانقلابات الدموية التالية وليل البعث الطويل هيمن على الساحة وكمم الأفواه. ولم يعد أمامنا مجال للتسامح. ودخلنا في مشكلة مزمنة مع الفساد الذي يلهب ظهورنا بسياطه حتى الآن. وأنا شخصيا خسرت والدي في المعتقل واضطررت لأن أنجو بجلدي بالفرار.

 

س- ما هو العمل الذي تصور فيه هذه المعاناة أكثر من غيره؟.

ج- المعاناة نوعان. عبرت عن نفسي في الداخل برواية ( نهر جاسم) وهي مهداة لمسقط رأسي وكيف تطور مع الزمن وظروف الحياة الصعبة التي نعيشها في مجتمع الندرة والقيود. أما المعاناة في المهجر فقد رسمت صورتها في رواية (وأقبل الخريف مبكرا).

 

س- أمضيت في نوتنغهام أكثر من 15 عاما. وهي مدينة مؤنثة عشت فيها شخصيا لثلاث سنوات. وأذكر أنها تحرك قلب الحجر. ولكنك لم تكتب عنها. لماذا؟.

ج- من قال لم أكتب عنها. لدي قصة طويلة منشورة وكلها عن نوتنعهام. وفي روايتي (الحبل والنار التي تسري) توجد عدة إشارات واضحة.

 

س- كنت أعني رواية أساسية بحجم (البصرة: قصة عائلة) التي سجلت فيها سيرة حياة الدكتور هادي نهر صديق فترة من أيام الشباب والصبا. خذ على سبيل المثال دي إتش لورنس أو ألان سيليتو. لورنس رحالة ولم ينس نوتنغهام وخصها بأهم رواياته مثل (نساء عاشقات) و(قوس قزح). وسيليتو مع أنه موزع في حياته بين آسيا خلال الخدمة في الجيش وبين لندن خلال عمله الحصفي لكنه كتب عن مسقط رأسه (الباب المفتوح) وهو أهم أعمال السيرة الأدبية التي أنفقت ساعات بقراءتها وتخيل شوارع وأزقة ميدنة لا تذهب من الذاكرة. هل لديك مخطط لرواية من هذا النوع. أو حتى رواية مغامرات تاريخية عن القلعة وروبن هود؟.

ج- منذ أول أسبوع وصلت إلى نوتنغهام تحركت الأفكار في رأسي وكتبت (الحبل والنار التي تسري). نعم العلاقة طفيفة وبعيدة، لكنها من وحي نوتنغهام. ولا يزال في الذهن أفكار تتحرك، هي مخاض لرواية أفكر بها، لكن لا زلت أتأنى بتنفيذها. الفكرة بسيطة: هي عن واحد من معارفي المغاربة الذي يسرق الحشيش. سأربطه بروبن هود. وفي نيتي أن تلقي الشرطة القبض عليه متلبسا وهو يسرق أشياء طفيفة في ولكنسون. لكن لا زلت مشوشا، وأحتاج لمزيد من الوقت.

أيلول 2016

 

* أديب من سورية/ حلب.

 

basma alshawaliبسمة الشوالي: قاصة خاضت تجربة الكتابة بقلب انثوي محب للحياة والجمال، عشقت الحروف فدخلت عالم الكتابة، حملت على عاتقها مسؤولية ان تكون انسانة تحمل هم الانسانية ولهذا فهي لا تكتب سوى ما تقتنع بأنه يحرر الانسان من اغلاله.

تواصل القاصة بسمة الشوالي تقديم أعمالها من القصة القصيرة، التى دائما ما تثير الجدل، لكشفها عن المسكوت عنه فى مجتمعاتنا، والخروج على آليات السرد المتعارف عليه، وتسجل وجهة نظرها عن العالم، وتمرر الحقائق عبر ما تكتبه، تكتب قصصا واقعية، رغم انتمائها إلى عالم الخيال أكثر من الواقع، وقد صدر لها العديد من الأعمال الأدبية التى لاقت استحسانا كبيرا منها "مزالق الحنين" الصادر عن دار الاطلسية للنشر والتوزيع عام 2008 و"قناديل المطر" الصادر عن دار التونسية للكتاب عام 2013. وبعد مسيرة حافلة نريد أن نعرف من هي بسمة الشوالي؟

 

 *من تكون بسمة الشوالي؟

- بسمة الشوالي كاتبة تونسيّة. أعمل مدرّسة للمرحلة الابتدائيّة. أمّ لرجل جميل في الثامنة عشر من عمره وفراشة في الثانية عشر. أقطن بمدينة صغيرة ترتاح على كتف أكبر أودية البلاد: وادي مجردة، هي مدينة "بوسالم" شمال غربيّ البلاد التونسيّة.

 

*من هو قدوتك؟

- ليس لي قدوة بعينها. أقتدي دائما بالجميل والنافع أنّى يوجد وعن أيٍّ يصدر.

 

*أين تشعرين بالحنان؟

- أشعر بالحنان أنّى تكون أمّي.

 

*أين تكمن سعادتك؟

- تكمن سعادتي في ابتسامة رضا وطمأنينة على وجه ولديّ طارق وتقى.

 

*متى تحزنين؟

- لا وقت للحزن. الحزن هو الوقت عينه. فاتحة الزّمن الأرضيّ كانت لحظة

حزينة: لحظة الغضب الإلهيّ على البشريّ وما استتبعه من عتاب ثم قرار بالطّرد من حياض القدس. ولد الحزن في الجنّة لذلك ظلّ مؤسّسا لكل ما هو خالد كالحب، كالفنّ، كالإبداع..

 

*ماذا تعني لك أمّك؟

- أمّي هي أوّل ورشة لكتابة القصّة تعلّمت عنها فنّ الحكي. كانت تصنع لنا الدّمى من فضلات الأقمشة والصوف والأعواد بينما تحكي لنا الخرافات أو تسرد علينا فصولا مدهشة من حياة الناس فترة الاستعمار وبعيد الاستقلال في أسلوب شيّق مُثرى بالأساطير والأمثال الشّعبيّة والحكم التراثيّة، يشدنا شدّا إلى قصصها بحبل الفضول المتين. لم أنتم إلى نادي للقصّة ولا حضرت ندوة عنها إلى بعد أن نجحتْ مجموعتي القصصية الأولى "مزالق الحنين" في جلب الانتباه إليها. كنت ولا أزال أقلّد والدتي في كتابة قصصي.

 

*ما هي الحكمة التي تؤمنين بها؟

- مثل تونسيّ شعبيّ مفاده: حديثك مع من لا يفهمك ينقص من عمرك.

 

*ما هو العدل؟

- العدل: جنّة مفقودة.

 

*ما هو السلام؟

- أن يكون كلّ إنسان مهما كانت ديانته أو طائفته أو عرقه أو لونه على أخيه الإنسان حراما دمه وماله وعرضه.

 

*أيّ لون يعجبك؟

- الأحمر في كلّ شيء تقريبا والأخضر في العشب اليانع.

 

*متى تشعرين بالراحة؟

- عندما ينقشع عن سماء النّفس القلق.

 

*ما هو الضّمير؟

- الضّمير محاسب محترف لدى مؤسّسة الإنسانيّة في الإنسان يجب أن يُدفع له من عملة المبادئ ليكون محاسبا أمينا.

 

*ماذا يعني لك الوطن؟

- الوطن هو المكان الذي نكون في "نحن" لا سوانا.

 

*أوّل حبّ في حياتك؟

- أوّل الحبّ هو أجمله دائما. إنّه الوردة الأولى التي تبشّر بالحديقة في المناطق المخصبة من العمر. وأجمل أجملِه فشل يتمخّض حزنا فيلد حياة جديدة أكثر نضوجا وأعمق فهما لسلالات الورود في الحدائق القادمة. هذا النّمط من الفشل هو أحد الأسباب الكبرى التي جعلت منّي كاتبة.

 

*خطأ ما ندمت عليه؟

- أنّي لم أجتهد بما يكفي لأواصل دراستي بعد التخرّج مدرّسة. لكن في هذه الحالة لم يكن من المؤكّد أنّي سأكون كاتبة. وجدت الكتابة دائما كدرب جانبيّة تتفرّع عن الطّرق الرّئيسية المستحيلة في حياتي.

 

*هل أنت ناجحة في عملك وحياتك؟

- أنا لم أُنْه بعد عملي، وحياتي ما تزال حتى هذه اللحظة مستمرّة، لذلك لا يمكن الجزم بنجاحي فيهما من عدمه. ويظلّ بالتالي النّجاح غاية أسعى نحوها باستمرار وكلّما تحقّق بعض منه طمحت إلى المزيد.

 

*ما الفشل؟    

- الفشل عندي هو أن لا أستطيع إنهاء نصّ قصصيّ بما يرضيني.

متى تلومين نفسك؟

- عندما أفوّت فرصة جميلة كانت ممكنة.

 

*ما هي الحلقة الضائعة بحياتك؟

- الطّفولة هي الحلقة الضائعة بحياتي. عند الثانية عشر من عمري تعرّضت إلى حادث مرور سقطت فيه على قفاي فنجم عنه فقدان لنسبة كبيرة من ذاكرتي البعيدة. بعد ذلك الحادث صرت كثيرة النسيان.

 

*ماذا يعني لك الظلام؟

- الظلام هو الليل والليل للكتابة والمطالعة. الليل جنّة للعزلة.

 

*ماذا يعني لك النور؟

- النور للحياة النّشيطة، للعمل، لتعبيد طرقات المستقبل.

 

*ما هي الحريّة؟

- الحريّة عندي أن أحبّ لغيري كلَّ ما أحبّه لنفسي وأرضاه لي. فإن كنت مثلا أتمسّك بحقّي في الاختلاف وبواجب الآخر في احترامي فيه، فعليّ بالمقابل أن أعترف له بحقّه في ذلك وبواجبي نحوه باحترامه في اختلافه عنّي.

 

*متى تشعرني بالذّنب؟

- عندما أظلم أحدا.

 

*متى تلتزمين الصّمت؟

- حين لا جدوى من الكلام. وحين يجب أن ينكفئ اللّسان في حجرته ليتقدّم الفعل بلا عراقيل لَغَويّة. (نسبة إلى اللّغْو)

 

 *ما هو هدفك؟

- أن أنجح في عملي وحياتي ومسيرتي الإبداعيّة.

 

*متى تحتاجين إلى البكاء؟

- لأسباب لا يمكن حصرها وأحيانا بلا أيّ سبب موضوعيّ.

  

*ما الذي لا تودّين أن تخسريه؟

- إحساسي العميق واليقيني بأنّ الله يحبّني.

 

ahmad alhiliالرواية الحقّة لا تُكتب بقصديَّة مسبّقة ولا يمكننا التحكم بعملية الخلق..

من يستقريء الساحة الثقافية العراقية وحركتها، سيجد أن هناك العديد من الأسماء التي تظهر وتتوهج في وقت قياسي ثم تختفي أو يتلاشى حضورها وتخفت فاعليتها لأسباب مختلفة لسنا بصدد البحث فيها هنا، إلا أن هناك اسماء قليلة وقليلة جداً استطاعت أن تثبت جدارتها وتؤكد ذواتها من خلال العطاء الحقيقي الذي تقدمه بصبر وجلد ومثابرة قل نظيرها، يبرز لنا من بين هذه الأسماء اسم الروائي العراقي محمد حياوي، الذي اتحف المكتبة العراقية والعربية مؤخراً بروايته الجديدة اللافتة (خان الشابندر)، والتي نحسب أنها نجحت في استيفاء العناصر الضرورية في هذا الفن الصعب ونعني به فن كتابة الرواية . ونود أن ننوه هنا إلى أن هذه الرواية  كتب عنها لحد الآن أكثر من أربعين مقالة ودراسة كما رشحتها دار الآداب للمنافسة على البوكر المقبل وأصدر محمد جبير كتاباً عنها.. كما يتم الاستعداد لجمع أهم المقالات عنها في كتاب جديد يتضمن أسماء نقاد مهمين من العراق والدول العربية من أمثال د. صلاح فضل ود. جابر عصفور ود. محسن املوسوي وعبد الرحمن مجيد الربيعي وغيرهم ...

أتيح لي أن ألتقي الروائي عبر فضاء النت، فكانت هذه المحاورة ؛

 

س/1 ما سر اهتمامك بالشخصيات النسائية المستلبة أو المقهورة؟

- طالما ألهمتني النساء وتأثرت بعوالمهن الغامضة والآسرة في الحقيقة، فالمرأة من وجهة نظري الكائن الأكثر رقّة وهشاشة في هذا العالم، وهي في الوقت نفسه عالم من الأسرار والعواطف والكنوز المخبوءة التي لا تكشف عن نفسها إلّا في حالات نادرة جدّاً، والمرأة المستلبة أو المقهورة أو المقموعة لا تفقد انسانيتها بسهولة على العكس من الرجل، وهي على الرغم من رقّتها وهشاشتها تمتلك قوّة غامضة أكثر من الرجل بكثير. حتّى تلك التي تنحرف بطريقة أو بأخرى، أو يجبرها المجتمع على ممارسة الرذيلة نجدها تنزع لإنسانيتها بطريقة فطرية وتغدق عواطفها حتّى على الحجر، إن لم تجد من تغدقها عليه. وطالما ارتبطت الانوثة بالأمومة وبالتالي بالرحمة. فالمرأة كائن رحيم خُلق ليعطي الحنان والعاطفة، وإذا لم يجد ما يعطف عليه يبقى يفيض حناناً متسرباً. بطريقة أخرى لا نستطيع ان نطلب من الوردة الكفّ عن اطلاق العطر أو الشمعة عن إطلاق النور، تلك الكائنات فُطرت على هذه الأشياء، وثدي الأم مالم يجد فم الرضيع يبقى يدرّ حليباً حتّى يسربلها، هكذا هو قانون الطبيعة، وبالتالي فالمرأة محور عملي كله، بها أبتدئ وإليها انتهي وبواسطة غموضها العصي على الفهم أبني عوالمي في الحقيقة..

 

س/2 ما مدى ارتباط السيرة الشخصية الذاتية بعالم الرواية المتخيّل لديك؟

- من وجهة نظري تجربة الكاتب في الحياة وغناها هي ما يوفر له خزيناً ثرّاً لا ينضب، يقول راي برادبيري "إذا أردت ان تنجح أكتب عما تعرفه"، وأنا أصدّقه جدّاً في الحقيقة، لا يستطيع أي كاتب الكتابة عن أشياء لم يختبرها من قبل أو لم يعشها، وهذه قضية مهمة للغاية، ولا يمكنني ان اتخيل كاتباً يكتب عن المرأة وعوالمها وأسرارها من دون ان يختبر تلك العوالم في حياته الواقعية، كما لا يمكننا ان نكتب عن الحرب بطريقة صادقة وحقيقية ما لم نعشها ونخوض غمارها ونكتوي بنارها، هكذا هو الأمر ببساطة، أما ما يلي ذلك فهو اشتغال المخيّلة وطرقها الغامضة بالمزج بين صور الماضي والواقع المراد تخيّله، وبقدر تعلّق الأمر بي فان أيّة صورة خاطفة أو ومضة ما كافية لأن تلهب مخيلتي وتجعل الصور الارتدادية تنهال في الكتابة. على سبيل المثال شابّة متسوّلة تُظهر عيناً واحدة من فتحة في العباءة اخترقت المتنبي فألهمتني باختلاق شخصية "إخلاص" أو "لوصة" في روايتي "خان الشّابندر"، ممكن ان يراها المئات أو الآلاف يومياً، لكن نظرتي الخاطفة لها وتمكني من رصد خيط الحسن في نظرتها العميقة اختلف عن الآخرين، هكذا هي عين الكاتب الحقّ الراصدة وهكذا هي آلية عمل مخيلته في تخزين الصور، وهي في المحصلة مَلَكة خاصّة جدّاً.. 

 

س/3 هل هناك آلية فنية تتبعها لتخليق أبطال رواياتك؟

- تحدثت في جوابي السابق عن الومضة أو الصورة الخاطفة التي التقطها بطريقة خاصّة وسرّية جداً واخزنها في مخيَّلتي، هذه قضية مهمة للغاية بالنسبة لي، أنا لا أستخدم الكاميرا مثلاً، الصورة الخاطفة تبقى ناقصة ما لم اخزنها في مخيَّلتي، فهناك تنضج وتكتمل وتأخذ ملامحها بالتجسد، الكاميرا تقتل هذه الخاصّية وتجعل من الصورة الخاطفة جماداً، الفوتوغراف يعمل ضد المخيَّلة، بينما عمل المخيلة غامض ولا أحد يعرف آلياته أو كنهه. وما ان أبدأ بالكتابة حتى تبدأ المخيَّلة باستدعاء تلك الصور المخزّنة بطريقة لا واعية وعفوية وغير مخطط لها، المخيَّلة تعرف بالضبط متى وأين تستدعي الصورة المحدّدة دون غيرها، وهذا الأمر لا يقتصر على شخصيات رواياتي وحسب، بل يتجاوزه للأمكنة أيضاً، فصورة مكان ما تعلق بمخيَّلتي وتتمازج مع صور أمكنة رأيتها في الماضي. غالباً ما أقع في غرام بطلاتي من النساء، في الواقع ما لم أقع في غرامهن لا أستطيع تجسيدهن بطريقة صادقة، ثمَّة علاقة وجدانية غامضة تنشأ بيني وبين بطلاتي وما يتبقى هو نحت وصقل لتلك الشخصيات سواء بواسطة الحوار أو الوصف، والأمر نفسه ينطبق على أبطالي من الذكور، ما لم أحبهم أو أكرههم لا يمكن أن ان أجسد شخصياتهم بطريقة مقنعة وصادقة، خذ شخصيتي "هند" و"مجر" في رواية "خان الشّابندر" على سبيل المثال، فالأولى عشقتها بعمق واثرت في وجداني وتلاعبت بعواطفي وتركت في نفسي أثراً كبيراً كما لو كانت حيّة تعيش في مخيَّلتي وتوجعني، ولا أعتقد انّها ستفارقني ما حييت، ولا بدّ ان تظهر ثانية بطريقة أو بأخرى في رواية لاحقة، أما شخصية "مجر" فقد أحببتها واعجبت بغموضه وعمقه ونظرته للحياة وفلسفته وحكمته وزهده وأسطوريته وهو الآخر أثر فيّ كثيراً، وهكذا..

 

س/4 هل يمكن أن نعدّ روايتك هذه بمثابة مرثية لبغداد وما حل بها بعد العام 2003؟

- قد تتفاجأ لو قلت لك انّني لست معنياً برثاء بغداد أو تدوين مناحة ما على واقعها المرير الذي تعيشه هذه الأيام، وكل ما يعنيني هو انتاج قطعة فنيّة تترك أثراً عميقاً في نفس القارئ. الأدب، من وجهة نظري، لا يحتمل توجيه الرسائل مهما كان نوعها، وليس من شأنه توجيه المراثي أو قصائد المديح، لأنّك في اللحظة التي تقرر بها كتابة رواية ما عن موضوع محدّد اخترته سلفاً تكون قد أجهضت الرواية وصادرت عفويتها. الرواية الحقّة لا تُكتب بقصديَّة مسبّقة أو لأهداف معينة، لكنّها في الوقت نفسه هي انعكاس للواقع ومرآة موازية له، أعني ليس بطريقة الفوتوغراف، بل بطريقة عين الراصد وقراءتها المختلفة كليّاً عن الآخرين. لا يمكننا التحكم بعملية الخلق، ولو نظرنا إلى الحياة كيف تنبثق في الرحم لادركنا مدى عفويتها وعشوائيتها، فنحن لا نستطيع التحكم بجنس الجنين ولا بحجمة أو جماله أو درجة ذكائة، انّها عملية غامضة ومبدعة وتبعث على الدهشة، وإذا ما تدخل الانسان في تغييرها أو التأثير عليها أو توجيهها وجهة معينة غالباً ما يكون الجنين مشوهاً أو ناقصاً أو يعاني من خلل ما، هكذا هي الرواية أيضاَ والتخطيط المسبق لها أو تحديد هدف ما قبل الشروع بالكتابة يعد تدخلاً أو تغييراً في الخلق.

 

س/5 كيف تقيّم موجة الأعمال الروائية التي ظهرت ما بعد سقوط النظام؟

- في الواقع الناس من فرط المآسي والمعاناة التي عاشوها في حقبة النظام السابق واحساسهم بفضاء الحريّة الجديد أصبح لديهم رغبة في تدوين اختلاجاتهم والكتابة عن معاناتهم أو ما يعتمل في صدورهم، وهي حاجة وضرورة انسانية وليس بالضرورة فناً من نوع ما. الكتابة الروائية يلزمها اشتراطات قاسية في الحقيقة لا يمكن ان تتوفر لهذا العدد الكبير من الناس الذين كتبوا تلك الاختلاجات، لكنّنا من جانب آخر لا يمكن ان نمنع كل من لديه الرغبة في الكتابة عن فعل ذلك، لأنّها حاجة انسانية كما ذكرت. البعض يتحدّث عن مئات الروايات التي صدرت بعد العام 2003، لكن نتيجة لانفلات المعايير النقدية عندنا في العراق الجديد واستسهال النشر وتساهل دور النشر مقابل المال، هو ما ساعد على تبلور تلك الظاهرة، ولا توجد أمة في العالم يمكنها ان تنتج كل هذا العدد الهائل من الروايات في حقبة زمنية محدودة، وبالتالي حتّى النقد قد يعجز عن ملاحقة التجارب الجيّدة وسط هذا الركام كله، وهي ظاهرة هزال وليس دليل ازدهار كما يعتقد البعض، وفي المحصلة لم تعلق بذهني سوى بعض أعمال لا تتجاوز العشرين أو الخمسة والعشرين عملاً، وهذا لا يعني ان الكم الهائل الآخر ليس ذا نفع، بالعكس، فكما قلت لك، ثمة الكثير من التفصيلات التي تعتمل في صدور الناس ولا بدّ من التنفيس عنها أو تدوينها بطريقة أو بأخرى لتوثيقها، لكن ليس بالضرورة بطريقة فنية أو روائية..

 

س/6 قيل إن الروائي الناجح هو الذي يستطيع تكييف الواقع وصولاً إلى أسطرته، إلى أي حد يصدق هذا القول؟

- نعم، إلى حد ما، فكما تعرف الأساليب الروائية متعدّدة ومتفاوتة، وبعضها يعتمد الواقعية المباشرة وسبر أغوار المجتمع وطبقاته بعمق كما هو الحال في روايات نجيب محفوظ، بينما ينحو البعض الآخر نحو الخيال المجنّح أو المطلق، وهكذا، لكن ثمَّة تجارب مبهرة تبلورت نهاية القرن المنصرم تعتمد ما أسميته أسطرة الواقع واضفاء صفة السحرية المشوّقة عليه، وهو أسلوب فني صعب ويتطلب خيالاً خلّاقاً بحقّ أجترحه بعض أدباء أميركا اللاتينية نتيجة للواقع المتداخل في مجتمعاتهم، فحاول البعض تقليدهم بطريقة مباشرة وفشلوا لأنه أسلوب يعتمد بالدرجة الأساس على طبيعة المجتمع وحجم المتناقضات داخلة وينطلق من محلية خالصة، لهذا اعدّ الأمر صعباً للغاية في ان تضفي طابعاً أسطورياً على الواقع ما لم تكن ممتلكاً لأدواتك، كالمخيلة الخصبة واللغة الثرّة والأسلوب الشّيق، وبقدر تعلّق الأمر بي فقد حاولت أن أختط نهجاً مقارباً ومختلفاً في آن، مقارب كاجتهاد للوصول إلى تفرد في التجربة وعدم تكرار التجارب السابقة، ومختلف لجهة خصوصية المجتمع العراقي ومفرداته ومشكلاته، وهذا ما حاولت تجسيده في "خان الشّابندر" وروايتي الأخرى تحت الطبع "لا عذارى في حلب" وحتّى في روايتي المنشغل الآن بكتابتها "بيت السودان"، ويبقى الحكم على مدى نجاحي بذلك متروكاً للقارئ بالدرجة الأساس ومن ثمَّ للنقد لاحقاً.

 

س/7من الواضح من خلال مجريات أحداث الرواية أنك معنيٌّ بالحفريات المعرفية المتعلقة بسيرة المكان، هل لك أن تحدثنا عن ذلك؟

- المكان يلعب عندي دوراً محورياً مهماً، إن لم يكن المحور الأهم في الحقيقة، وغالباً ما تستفز الأمكنة مخيلتي وتستدعي الصور المخزنة منذ أشهر وسنوات، وعلى سبيل المثال، كانت زيارتي لخان الشّابندر المتروك والآيل للسقوط سبباً حقيقياً في إلهامي لكتابة الرواية. أقصد المكان كمناخ وحاضنة تصلح لتوالي الأحداث وانثيالها، يعتقد غاستو باشلار ان البيت هو عبارة عن قبو وعلية وما بينهما، لكن السؤال هنا أيّ بيت وأيّة علية أو قبو؟، العلاقة المتداخلة بين مكونات البيت أو مسرح الأحداث هي التي تفرض على الكاتب طريقة تصوره للأحداث وتحدد قدرته على الوصف، وكلما كان شكل المكان وتاريخه متجسداً في مخيَّلة الكاتب قبل الشروع بعملية الكتابة كلما كان دوره أكبر وتأثيره أعمق في الأحداث، لقد أجريت دراسة تفصيلية للخان تناولت التاريخ والوظيفة والأسطورة والمعمار، لهذا كان حضوره طاغياً في أحداث الرواية، كذلك هو الأمر مع أعمالي الأخرى في الحقيقة، فقد عشت في مرحلة من المراحل في شقة معزولة في حي صلاح الدين المسيحي في أطراف مدينة حلب هيأتني لاتخاذها مخيَّلاتياً كمسرح لأحداث روايتي "لا عذارى في حلب" وهكذا.

 

س/8 هل ينبغي للروائي أن يمر بتجربة كتابة القصة القصيرة؟

- ليس بالضرورة، ثمَّة كتّاب ولدوا ليكونوا روائيين، كما ان تكنيك القصة القصيرة مختلف كليّاً عن التكنيك الروائي، وغالباً ما يحول دون انفتاح الكاتب روائياً إذا كان معتاداً على التكثيف، لكن من جانب آخر ثمَّة الكثير من الكتاب من يجيد الفنين في آن واحد، شخصياً كانت بدايتي مع الرواية عندما أصدرت أولى رواياتي، وهي في الوقت نفسه أولى كتبي "ثغور الماء"، لكنّني بعد ذلك كتبت مجموعة كبيرة من القصص القصيرة التي اعتمدت من خلالها اللغة والأفكار المكثفّة، وهي في غالبها تصلح منطلقاً لروايات، أقصد لو كنت آنذاك بوعيي الحالي، أو نَفسي الروائي الذي أكتب به الآن، وفي المجمل يبقى فن القصة القصيرة فنّاً جميلاً ومستقلاً عن الفن الروائي، لكنّه ليس شرطاً ينبغي للروائي المرور من خلاله بالضرورة وصولاً إلى الفن الروائي لأن الفنين مختلفان كليّاً، ناهيك عن ما بات يطلقه البعض على عصرنا كعصر للرواية بامتياز.

 

س/9 لاحظنا أنه من بين الشخصيات الأكثر مفارقة في روايتك شخصية مجر، هل هو شخصية متخيّلة بالكامل أم له امتداد على أرض الواقع؟

- نعم لقد تحدثت في إجابة سابقة عن تلك الشخصية المحورية في الرواية، وهي شخصية متخيّلة بالكامل في الحقيقة، سوى أنّني وفي حومة دراستي عن خان الشّابندر والمناطق التي تحيط به التقيت بشخصية شبه أسطورية تشبهه إلى حد ما، كان رجلاً عجوزاً يبيع العتيق في سوق الهرج يتخذ من دكّانة صغيرة ومنزوية مكاناً لعرض بضاعته من الصور واللوحات القديمة والسيوف الصدئة وبعض التحف المتضررة، وكان يعصب رأسه بعصابة حمراء وله شارب كثّ أصفرّ من كثرة التدخين، فخزّنت صورته بمخيّلتي ورحت أستعيدها بين الحين والأخر وأسبغ عليها بعض الصفات المُضافة، لا سيما البعد المعتقداتي المتعلق بالديانة المندائية التي أكتشفت أن أغلب العاملين في الخان من المشتغلين بتجارة الفضَّة يدينون بها، وهكذا خرجت شخصية "مجر" ضمن الواقع الأسطوري المتخيَّل في الرواية، ومجر من الأسماء المندائية القديمة التي كانت شائعة في العراق مطلع القرن الماضي. 

 

س/10بقي في جعبتنا سؤال أخير، ورد في صدر روايتك مقطع وجداني مؤثر نوّهتَ أنه لشاعرة أفغانية اسمها؛ رحيلة موسكا، هل هذه الشاعرة  حقيقية أو متخيلة لمقتضيات الرواية؟

- في البنية التحتية لـ(خان الشّابندر) أفروز قادري (1973 - 2003) هي شاعرة أفغانية شابّة عُرفت باسمها الفني المُستعار (رحيلة موسكا)،  ويعني الابتسامة العابرة، عندما كانت تقرأ قصائدها على الهواء في برنامج قصائد مُحلّقة الذي كان يُبث من إذاعة سرية خوفاً من اكتشاف شخصيتها الحقيقية.. عُرفت بقصائدها الجريئة التي تنتقد طالبان والعنف ضد المرأة والحرب عموماً، حتى اخبرت عنها سرّاً زوجة أخيها بسبب الحسد القاتل، فاعتُقلت واغتصبت ثم قُتلت بطريقة بشعة..

رحيلة موسكا لروايتي (خان الشّابندر) التي افتتحتها بمقطع شعري لها يقول؛

جسدي مثل أوراق الحنّاء.. أخضر من الخارج لكنّه لحم نيء من الداخل .

 

سيرة أدبية مقتضبة للروائي العراقي محمد حياوي؛

* ولد في مدينة الناصرية جنوب العراق .

* اكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها .

* تخرج من معهد الإدارة ـ إدارة عامّة في العام 1984

* عمل في مجال الصحافة الثقافية كمحرر في القسم الثقافي لجريدة الجمهورية، ثم سكرتيراً للتحرير .

* بدأ بنشر كتاباته في القِصَّة القصيرة في العام 1983 في مجلة الطليعة الأدبية ومجلة الأقلام وجريدة الجمهورية .

* نشر العديد من القصص القصيرة في المجلات والصحف العراقية والعربية .

* فازت قِصَّته "الكائن الغريب" بجائزة القِصَّة القصيرة للعام 1983.

* شارك في أعمال مؤتمر القِصَّة الأوّل في العام 1985 في أربيل وقدّم بحثاً عن تأثير الحرب العراقية الإيرانية على مضامين وأساليب القِصَّة القصيرة في العراق .

* غادر العراق في العام 1992 وأقام في الأردن للفترة من 1992 حتى 1995 وعمل في المجال الصحفي ...

* غادر الأردن إلى هولندا كلاجئ سياسي في العام 1996 ودرس اللغة الهولندية وتخصص فيها .

* درس التصميم الطباعي والغرافيك ونال الدبلوم العالي والماجستير في البنية المعمارية للحرف اللاتيني .

* حضر أعمال مؤتمر القصة العراقية الثاني في لندن في العام 1997 وقدّم بحثاً عن الوسيط الحكائي والبديل الخيالي في ألف ليلة وليلة .

 * عمل مصمماً ومحرراً للسينما في جريدة De Telegraaf الهولندية من العام 2000 حتى العام 2010 .

* أختير عضواً في لجان التحكيم في مهرجان الفيلم الإيراني في أمستردام ومهرجان الفيلم العربي في روتردام

* رأس تحرير مجلة "سينما عالمية" الصادرة باللغتين الهولندية والعربية حتَّى العام 2010

* أسس بالتعاون مع جريدة طريق الشعب جريدة "الطريق الثقافي" وأدار تحريرها حتَّى العام 2014 .

 *عضو اتحاد الكتّاب الهولنديين .

* يعمل أستاذاً لمادّة الغرافيك والصحافة الجديدة في معهد غرافيك ليزيوم أمسترادم منذ العام 2010 حتى الآن، ومدرباً للتصميم والصحافة الجديدة "الكروس ميديا" في الأكاديمية الألمانية للتطوير الإعلامي.

 

الأعمال الأدبية

* نُشرت روايته الأولى "ثغور الماء" في العام 1983 عن دار الشؤون الثقافية ببغداد. وهي محاولة لرصد العلاقات الانسانية في ريف الجنوب العرقي ومنطقة الأهوار في أوقات المحنة والفيضان، حيث تتجسد معاني العشق الفطري المتمرّد على الاعراف والتقاليد الريفية الصارمة.

* فازت روايته "فاطمة الخضراء" كأفضل رواية عراقية في العام 1985 ومنعت من النشر لإدانتها الحرب. وتحكي قصة حب عاصف بين فتاة بدوية هاربة من بيت دعارة تديره أمها في الصحراء الغربية إلى مدينة البصرة حيث تتعرف إلى جندي صغير السن من أصول ريفية لا يعرف لماذا يحارب ومن أجل مَن.

* نُشرت مجموعته القصصية الأولى "غرفة مُضاءة لفاطمة" في العام 1986 عن دار آفاق عربية ببغداد، وتضمنت عشر قِصّص قصيرة كُتبت في الأعوام بين 1983 و 1986 تدور أحدثها في مدينة الناصرية جنوب العراق وتمثل دهشة الطفولة واكتشافاتها الأولى ازاء المرأة والجنس والحب العذري والعجز أمام موبقات البالغين.

* فازت روايته "طواف مُتَّصِل" بجائزة الرواية العراقية ونشرت في العام 1988 عن دار الشؤون الثقافية ببغداد. وهي رواية ترصد محنة الجنود الشبّان الذين داهمتهم الحرب في أعالي الجبال تحت رحمة الطبيعة القاسية والعزلة وموت الرفاق المتوالي والضياع في المجهول، حيث لا وطن يبدي امتنانه ولا حبيبة تنتظر.

* صدرت له سلسلة ألف ليلة وليلة للأطفال في العام 1990 عن دار أور للنشر والتوزيع في بغداد. وهي محاولة لتقطيع الحكايات وتخليصها من التكرار والاسفاف والعبارات الخادشة للحياء، مكتوبة بلغة بسيطة ومناسبة لليافعين، بواقع قِصّة واحدة لكل ليلة من الليالي.

 * تُرجمت مجموعته القصصية "غرفة مُضاءة لفاطمة" a Lightened Room for Fatimah  إلى الأنجليزية في العام 1996 ونشرت في أسبانيا

* صدرت له مجموعة "شكراً يا أُيّها الفيل"  Dank je wel Olifant للأطفال باللغة الهولندية في العام 2010 عن دار نشر Sillat في أمستردام. وهي مجموعة حكايات للأطفال بروح شرقية حاولت تقديم الحكمة بطرق بسيطة ومشوّقة للأطفال الهولنديين من الفئة العمرية بين 7 و10 سنوات.

* صدرت روايته الثالثة "خان الشّابندر" في العام 2015 عن دار الآداب للنشر والتوزيع في بيروت، وهي محاولة لاعادة اكتشاف الذات العراقية التي تبدّدت ملامحها بعد الحرب وسقوط الديكتاتورية. وتستند ثيمة الرواية إلى الفجيعة والانسحاق المجتمعي بين ممارسات الديكتاتورية وبشاعة الارهاب وانفلات الأمن في البلاد وانتهاك انسانية المرأة الهاربة من قسوة المجتمع والمفاهيم المُعابة لتقع ضحية للارهاب والعنف.

* انجز روايته الرابعة تحت عنوان "لا عذارى في حلب"، وهي محاولة لرصد مأساة جيل المثقفين العرب المنسحق تحت آلة الحرب المستعرة في سوريا، وتحديداً في حلب، حيث تُنتهك تطلعاته وتتبدّد أحلامه ويفقد هويته وذاكرته. وتحكي الرواية أيضاً قِصّة البسطاء من العرب، هؤلاء الذين أضاعوا بوصلتهم ووقعوا في لحظات نادرة من التاريخ في براثن الخديعة والعنف والرذيلة، من دون ان يفقدوا أرواحهم تماماً.

 

ألح  المؤلف الروائي  مصطفي الكيلاني على ضرورة تبني اديولوجية الفلسفة والتي تمثل عصب  المستقبل العلمي العربي وعلينا   نتخطى  ونتحرر من الطابو السياسوي والديني لمواكبة الفلسفة الغربية والرقي بالفلسفة العربية.

 

*من خلال مشاركتكم في عديد الفعاليات والملتقيات السابقة التي نظمتها الجمعيات العربية  والجزائرية للدراسات الفلسفية هل ترى أنها وفت الفلسفة حقها ؟

مصطفى الكيلاني:  أولا وقبل كل شيء أشكركم على الالتفاتة التي تبين اهتمامكم بواقع الفلسفة العربية وسبق لي أن شاركت في ملتقى الفلسفة الذي نظمته  الجمعية الجزائرية  وخاصة وانه أقيم ببلدي الثاني الجزائر وما هذا إلا دليل علي اهتمام الجزائر بازدهار ثقافة ومجتمعنا العربي الذي ننتمي إليه، ويمكن أنه بالرغم من عديد الملتقيات   لم نتمكن من إيجاد حلول واضحة غير أننا تمكننا من اكتشاف مواطن الخلل الذي تحكمه السياسة والوازع الديني حاليا وهذا بالطبع كفيل بقتل الفلسفة العربية ومن هذا المنبر نحن نحاول إعادة إحياءها من خلال هاته الملتقيات.

 

  * هل ترى كمؤلف لعدة روايات وأديب بان الفلسفة حاليا نلتمسها علي شاكلة الرواية المعاصرة؟

مصطفى لكيلاني:بطبيعة الحال الرواية هي الصنف الأدبي المتفوق حاليا مقارنة بالشعر العربي وتمثل لغة العصر بطابعها المتميز ، ومن هنا فان طرح إشكالية علاقة الرواية بالرؤية الفلسفية جد مترابطة ، وارجع العلاقة إلي إمكانية الأديب وهو فرد من دولة ما كسر الطابوهات السياسية والاجتماعية عن طريق الكتابة لتصوراته.والرواية الحداثية كما يتفق جميع الأدباء والنقاد العرب وبالأخص تلك القائمة   علي التفلسف أو ما يدعى بالفكر الفلسفي الذي يطرح لنا آليات وأفكار يتبناها المواطن للتاريخ لمستقبل أحسن.

 

 * قلتم أن التفلسف الروائي هو أساس التاريخ للتغير هل بإمكانكم ذكر بعض النقاط المهمة المساعدة علي ذلك؟

مصطفى الكيلاني: هناك الكثير من النقاط الفعالة والتي تبين احتوائية العلاقة المتبادلة ومن أهمها اذكر عنصر اللغة السردية الحكائية والتي توجه للنخبة المثقفة ، وهي تمثل فلسفة لأفكار من المجتمع تحاول تغيير الواقع لبناء غذ أفضل. من خلال العديد من روايات المعاصرة والحديثة المتخذة لنزعة إبداعية محاكية لمواقف عقلانية تمكنها من الوصول للهدف بصورة انطولوجية.

 

  *إذا تحدثنا عن مستقبل الفلسفة العربية ألا ينبغي أن نتخلص من هاجس الماضي لنتمكن من التغيير؟

مصطفي الكيلاني: كما يعلم الجميع أن نستورد فلسفة الغرب الأرسطية والأفلاطونية- السياسوية لكننا لم نصل لحد الساعة إلي تطبيقها علي ارض الواقع، ولسنا مجبرين علي تطبيقها باعتبار عاداتنا وثقافتنا المغاربية المحايدة للغرب طبعا .ما يمكن أن أصرح بكون الفلسفة الغربية والعربية علي اختلاف مقايسها من زمن لزمن آخر، وعليه وجوب تغيير المفاهيم العقلانية والفلسفية لمجتمعاتنا وخلاصة القول بعدم إمكانية التخلص من الماضوية بل علينا أن نعيد مفاهيمنا بما يتناسب والركب الزمني للمستقبل .

 

 *هل تعتبر الوازع الديني هو احد عناصر تخلف الفلسفة العربية وكيف تبرر ذلك؟

مصطفى الكيلاني: إن تحدثنا عن فلسفة الغرب نجد أنهم تجاوزوا الماضوية وتحولوا بالمفاهيم إلي المستقبل دونما قطع العلاقة الزمنية، ونحن كعرب ومفكرين مثقفين نجد دائما مسالة الدين والسياسة عائق يمنعنا من الحديث وقد تولد لدينا نوعا من التخوف الفكري جعلنا لا نريد التفكير في التغيير .

آو محاولة بناء فلسفتنا الثقافية الفكرية وما علينا فعله هو غرس فكرة الاستثمار في الفلس

فة لدى أجيالنا وقرائنا لتقبل فكرة التغيير باعتبار تكونها من عقل وتعقل ونقد وحرية مطلقة.

 * ختاما كروائي ومفكر عربي ما وصيتكم لشباب اليوم ؟

: مصطفى الكيلاني: أخر ما أقوله لكم أن العلم والثقافة تزدهر علي أسس فلسفية كما هي في المعطيات السياسية وواجبنا مع شباب  اليوم أن نستثمر في مفاهيمنا لمستقبل أفضل وناجح لنتمكن من قراءة  واستنباط اديولوجيات تساعدنا لرفع المستويات سياسية ثقافية مجتمعية-عربية  وعلمية راقية.

 

حاورته: لمياء صغير