bushra albustaniيمكنني القول أن من يجالس الدكتورة بشرى البستاني فكأنه جالسَ مكتبة، ويمكنني القول أن من يجالسها يشعر وكأنه أمام امرأة قوية، أو أمام امرأة جميلة ورقيقة، أو أمام فيلسوف محنك، أو حكيم صيني كبير.

هكذا هي كما عرفتها منذ أن كنت طالباً في الماجستير سنة 1996م. كنت أحضر مناقشات رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه التي كانت تترأسها، كنت أتابع أسئلتها. تعلمت منها الكثير.

كانت إحدى أعضاء لجنة مناقشة أطروحتي الصراع في مسرحيات عبد الرحمن الشرقاوي سنة 2003م. أثارت أسئلتها في نفسي الفضول أن أقترب من منجزها الإبداعي أكثر، اطلعت على دواوينها، كانت العناوين تثير في نفسي جدلاً وفضولاً يدفعني للولوج إلى أعماق النص.

جالست تلك الدواوين ما بعد الحزن» أنا والأسوار» زهر الحدائق» البحر يصطاد الضفاف» مكابدات الشجر فكنت أشعر وكأني أخوض في بحرٍ من الأحاسيس تارة، أو كأني أقرأ حكايةً تارة أخرى، أو كأني أمام بنية نصية عميقة تارة ثالثة، أو أمام نص عصيٍّ زلق……..، وهكذا تعددت عندي قراءتي لها في كل مرة. أثارت عندي الفضول، أردت أن أعرف هل هي امرأة قوية؟ أم امرأة رقيقة؟ أم فيلسوف؟ أم حكيم كبير؟

أعددت لها أسئلتي، لأدخل معها محنة النص ولأعرف منها مَن أنتج الآخر.

 

1ــ من هي بشرى البستاني؟

- إنسانة مهمومة بالظلم السائد في العالم، ومذبوحة بحضارة مادية اعتدت على روح الإنسان، وحرمته أبسط أمانيه في العيش الآمن، وفي توفير متطلبات حياته الأساسية ليتمكن من تحفيز أقصى طاقاته كي يحقق ما يبغي من منجزات قيمه الخيرة، وزادت بأن أهدرت دمه عبر حروب ظالمة لا نهاية لها.

 

2ــ هل أنت أنتجت الشِعرَ أم أن الشِعرَ أنتجك..؟

- أنا أنتجت الشعر بهبة ولدت معي وجهد وسهر لا يحدهما وصف لأسباب فنية نقدية لا مجال للحديث عنها هنا، أسباب يعرفها كل شاعر حق يجيد اللعب باللغة ومعها ويدرك مراميها، المبدع هو من ينتج الشعر، وسيلته الفاعلة في ذلك الموهبة واللغة المنحرفة والمنزاحة عن المعيار، تلك اللغة التي يبدعها خياله الموهوب وجهده المعرفي القادر على التحليل والتركيب والدمج من خلال تقانات عدة تعتمد الترميز بكل أنواعه، وفي إنجاز عملية الإبداع تتم معادلة تعتمد التوازن بين الطرفين حيث يكون الشاعر منتج الشعر والشعرُ منتج الشاعر من جديد لأنه سيقدمه للقارئ من خلال نصوصه وتأويلاتها، أما الذين يرون أن الفضل في عملية الإبداع للغة وحدها لأنها هي التي تشكل الكتابة وما المبدع إلا قناة تمر عبره اللغة الشعرية فتلك رؤية سلبية للدور الذي يقوم به المبدع في عملية الإبداع من كونه فضاءً تمر عبره الكتابة كما ادعى كلود ليفي شتراوس الذي عدَّ المبدع لا يمتلك الشعور بأنه يكتب، بل يمتلك شعورا بان الكتب تكتب من خلاله، وتلك هي المعضلة التي كمنت وراء إشكالية موت المؤلف، وهؤلاء يتناسون قضية مهمة هي أن الوعي والمشاعر الإنسانية وهما يشكلان الفنون ما هما إلا الإنسان المبدع ورؤاه ومكابداته، وأنه هو الذي يفعّل اللغة ويشكلها ويرقى بها ويهيمن على تقنية التناص فيها لتكون اللغة الأدبية ليس وسيلة حسب، بل هي غاية أهم وظائفها إنتاج الجمال مندمجا بالقيمة.

 

الطغاة لصوص العالم

3ــ وجدت الفارس يحتل مساحة واسعة في شعرك، من هو الفارس..؟

- الفارس يعيش تحولات شتى في القصيدة حسب قراءاتها وأفق التوقع لقرائها، فهو على الأغلب المخلص والخلاص، وهو الوطن وأخرى هو الملاذ، وثالثة هو الحبيب ورابعة هو الحلم الذي تفعله الإرادة ما بين الرغبة وبؤس الواقع، والإرادة تلك النار الأزلية التي تمتلك القدرة على تفعيل روح الطاقة الإنسانية ليتحول المأمول الغائب والمفتقد إلى واقع، وعليه فإن كل رمز من رموز الشعر لا يمكن إدراجه في خانة دلالية ثابتة، لأن الرمز بطبعه متحول ومشاغب ومشوش معا ما تعددت القراءات، وغموضه وتشويشه يمنح الشعر بعده الأعمق والأرقى، ولذلك كان حضوره في الشعر يعني الغنى والثراء ويمنح النص مستويات تفتح له على العالم والوجود نوافذ شتى وأبوابا ومسارات تتيح للقارئ البحث عن المعنى الذي هو مهمة الآداب والفنون الجوهرية.

 

4ــ متى تشعرين بالقهر..؟

- شعوري بالقهر دائم كلما أحسست بالقسر الذي يمارس ضد الإنسان في كل مكان، وكلما رأيت ذبح ووجع المستضعفين وحاجتهم وفقرهم ومرضهم وحرمانهم من التعليم والمعارف بينما وكلما رأيت عذاب الطفولة البريئة وهي تفتقد الأمان والسلام والكفاية، بينا الأرض تزخر بخيرات الله، لكن الطغاة سخروا قواهم الظالمة لسرقتها ونهب كنوزها، ولو كانت أجساد الأبرياء لهم طريقا لذلك الهدف الشرير.

 

5ــ هل بدد الشعر قهرك..؟

- نعم، الشعر والفنون كلها وسيلة مهمة من وسائل تبديد حجم لا بأس به من القهر والعذاب لدى الطرفين، الشاعرة من جهة والمتلقي الذي يتمكن من معايشة تجربة الإبداع، وقد قلت في جواب سابق لهذا الحوار، أن هناك قصائد لولا كتابتها لذبحني العذاب؛ لأنها تمكنت من تحويل النار الداخلية إلى كتل لغوية فيما أطلق عليه اليوت المعادل الموضوعي؛ ولذلك أعدُّ الفنون بأنواعها هبة من هبات السماء للإنسان كي تخفف عنه مكابدة الحياة وشقاء عصر منح الإنسانية الكثير من التقدم لكنه انتزعها أهم مقومات حياتها في الشعور بالطمأنينة والفرح والانتماء ..

 

6ــ متى تشعرين بالسعادة..؟

- كثيرا ما تقترن السعادة لدي بالانجاز، ولذلك أعدُّ نفسي محظوظة في كثير من اللحظات التي أرى فيها منجزي متحققا على المستويات كافة إنسانية وإبداعية ومعرفية، وأشعر بالسعادة حينما أحس بفرح من حولي ورضاهم، فالسعادة شعور بالرضى وإحساس بالاعتزاز وثقة بطاقة الروح على العطاء، ويقين بأن الزمن لا يجري في فراغ، ولذلك كان علينا أن نفكر بتخطيط مدروس كي نحول زمننا من زمن تقليدي يجري بانسيابية الليل والنهار إلى زمن إبداعي تملؤه الوقائع الخلاقة وإرادة الفعل.

 

7ــ ماذا يعني الأمل لديك..؟

- الأفق الحياتي أمامنا يتجلى بنوعين، أفق مغلق هو اليأس والسواد أو الرمادي في أحسن الأحوال، وأفق مفتوح هو الأمل الحركي المتوهج بإشراقه، الأمل طريق الفعل، والفعل منجَز الحياة ومنتِجُها معا، الأمل هو الغد بكل تفاصيله المشرقة، وأنا لا أتهيأ للنوم إلا ومعي حزمة من الآمال وحلم بأن الغد سيكون أفضل مهما كان الواقع شديد العتمة، فمادام الزمن يجري فإن الوقائع تتغير، وأظل بانتظار المستحيل الممكن، وبانتظار المفاجأة التي تنهض بالبعيد مؤمنة بقوله تعالى {إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا}…المعارج، 6 7

 

8ــ من هي الأنثى..؟

- الأنثى منجبة الحياة، ولذلك فهي مخلوقة قوية بهية بالغة الذكاء ونتيجة لقوتها النفسية وتماسكها الداخلي فهي مؤثرة مضحية تمتلك شجاعة مبهرة على العطاء والاحتواء، احتواء حتى من هم أكبر منها سنا من الرجال، فالأمومة لديها ليست بيولوجية فحسب، بل هي شعور أصيل نابع من طبيعتها الفطرية في القدرة على تشكيل الفرح للآخرين، وإذا كان الظلم التاريخي الذي مورس عليها قد حد من تمكين طاقاتها على التحقق فإنها بالعلم والمعرفة اليوم قادرة على تعويض ما فاتها، وسيرى الرجل أن عطاءها سيكون ثرا في الميادين كلها، وأنها مؤازرة له وليست منافسة ولا مصارعة، لأنهما معا من أروع الثنائيات الأساسية المؤتلفة في الحياة.

 

9ــ ما الذي يعنيه الحب بالنسبة لك..؟

- الحب بكل ألوانه وأشكاله وتمثلاته هو الخلاص من عزلة الروح وسجن الجسد، خلاص من الواحدية الخانقة ومن الانكفاء وذبول النفس في كون غامض كبير ومعقد، ووسط عصر يختنق بإيديولوجيات متناقضة ملأت الحياة بالضوضاء والفوضى وقتلت روح الإنسان. وهو انفتاح على الآخر في حوارية حميمة، الحب وحده علاج الاغتراب وانطواء الذات على ذاتها؛ كونها تعيش مع الآخر لحظة الحرية التي تقول فيها ما لا يمكن أن تقوله إلا لذاتها وقد صارت آخر محبوبا في نقاء وصفاء فريدين، الحب مصدر فرح وقوة واقتدار؛ لأنه أرقى مظاهر الإبداع في القدرة على مغادرة الذات والتحرر من أسر القيد والكيد، الحب إبداع؛ لأنه يرفض الاشتغال داخل معايير الجماعة ورتابة زمنها وقوانينها النفعية؛ فهو يتسم بمنطقه الخاص وقوانينه التي لا تنبع إلا من صميمه ومن تفتح الحرية الداخلية التي تمنح الإنسان كرامة روحه ليمتاز عن رتابة الجموع وعن السائد والمعتاد الزاحف نحو مصيره المحتوم في موت بلا أثر. إن الحياة بحب حتى لو كان متوهما لهي خير وأروع من حالة اللا حب السكونية؛ لأن الأولى فاعلة، منحازة ومنجزة بينما الثانية هامدة ومحايدة وتقليدية رتيبة.

 

دور الاسرة

10ــ هل شعرت بالإحباط يوما ما..؟

- لم أذكر أني شعرت بالإحباط ولا مرارة الفشل يوما، ليس لأني امرأة فولاذية كما يُقال فلا وجود لإنسان فولاذي ما دامت المشاعر هي المحرك لجوانب متعددة من حياته، بل لأني أدرك أن الحياة سلسلة من التجارب وعلينا أن نعي وعيا علميا وإيجابيا أنه من غير الممكن أن تكون كل التجارب ناجحة وملهمة وكما نريد وإلا كنا آلهة وليس بشرا، ولما كنا بشرا واعين فعلينا أن نفيد جيدا من التجارب التي لم تستطع أن تدرك التوفيق المطلوب، كما علينا ألا نضع كل المسؤولية في غياب نجاح ما على الآخرين مبرئين أنفسنا، لأن هذه الحالة فيها نوع من الهروب وابتعاد عن تأمل التجربة الدقيق والفاحص وتغييب لدرس التجربة وأسباب سلبيتها البالغة الأهمية في العمل على معالجتها ومقاومة أسبابها من أجل العبور للنجاح .

 

11ــ ما هي الخصال التي تحبين أن تجديها في الصديق؟

- وعي القيم وأهميتها في ترصين الحياة هو أهم الخصال التي لو توفرت بالإنسان لكفته فضيلة وصدقا وحبا ووفاء، القيم هي الصفات التي تحمل مزاياها بذاتها وليس بالمصالح والذرائع التي تنجم عنها، ولذلك كان الإيمان بها جديرا باحتواء رصانة العلاقات الإنسانية كلها..

 

12ــ من ترك في حياتك بصمته اجتماعية، ثقافية، عاطفية….؟

- لعل من الغبن للكل أن نعزو بصمة حياتنا لجزء واحد منفرد من الحياة بكل موروثها وعطاءاتها وتجاربها، فنحن نولد وحولنا كون كبير أوله الأسرة ودورها التأسيسي المهم، فالمدرسة، فالكتب والمجتمع والعالم، كون يحيط بنا ويضخ إلينا ويعلمنا بوسائل مباشرة وغير مباشرة معارف وتجارب شتى تترك فينا آثارها من الطفولة المبكرة حتى الموت. أما الحدث الأكبر الذي أعده أداة تشويه في حياتي وحياة شعبي وأمتي وحياة الإنسانية جمعاء فقد كان الحرب، الحرب هي الإكراه، إكراه من أمامك على اعتناق رؤيتك قسرا وقهرا وهي تنشب حين يفشل الحوار الذي يُديره العقل والفكر، والذي أعدّه ماء الحياة وضرورتها الإنسانية، الحرب كارثة الإنسانية الكبرى وقاهرة أحلامها. الحرب قاتلة الأبرياء ومروعة الطفولة وذابحة الجمال، الحرب هادمة البنيان والمدن ومخربة الطبيعة المعطاء ونافثة السم في الماء الزلال، ولن يكون للإنسان حياة محترمة إلا بزوال هذا الشبح الهدام ليكون احترام الحياة حقيقة تُعاش وليس كلاما سُلعيا يُقال كسبا للمواقف الذرائعية العابرة .

 

هاجس الموت

13ــ الكل يبحث عن الصدق ولكنهم في تعاملهم لا يصدقون، فهل هذه العبارة صحيحة..؟

- لا يمكن الحكم على القيمة بهذا الشكل العمومي، الأدق باعتقادي ألا ترتبط القيم بالمصالح الشخصية لأنها حال ارتباطها بالذريعة ستكون نسبية، وسيقيسها كلٌّ على مقاسه وحسب ما يجنيه من فوائد، القيم الأصيلة كما أسلفت في جواب سابق هي الناهضة بذاتها فالصدق قيمة بذاته حتى لو تعارض ومصلحتي، قد يبدو هذا الكلام مثاليا في مجتمع المصلحة ولكنه حقيقي في مقياس القيم السامية، وحينها سترتبط القيم بالجمال، بل بأسمى قيم الجمال لما فيها من رقي وسمو ورفعة وحب للإنسان والبناء والعمل من أجل حياة أفضل .

 

14ــ أينما نصل في التعلم، فإننا لا نشعر بتحقيق ذاتنا..؟

- الإنسان مفطور على القصور من أجل أن يبقى ساعيا نحو الاكتمال. فتحقيق الذات لا يكون دفعة واحدة ولن يكون كاملا أبدا وهذه سنة الحياة، وهي سنة التطور القائم على نمو الشخصية الإنسانية بالمعارف والتجارب والأحداث والوقائع على مر الزمن، والناجح الحقيقي هو وحده الذي يجد نفسه بحاجة للمعرفة كلما نهل منها أكثر، لأن الوعي يظل في جدل دائم مع المعارف يتسع بها مدركا سعة مداها، ولذلك يسعى للمزيد لعله يصل مبتغاه، والإنسان عالمٌ ما طلب العلم فإن ظن أنه علم فقد جهل؛ ولذلك كان حديث الرسول الكريم منسجما والتكليف الذي أنيط به بنو آدم في الاستخلاف على الأرض حين فتح فضاء العلم من المهد إلى اللحد ليظل الإنسان مواكبا لضرورة تطور الحياة، وكلما أدرك العالِمُ عظمة الكون وغموضه وما يحيط به من أسرار وعجائب في الخلق ازداد طلبا للعلم من أجل الكشف . ألّا نشعر بتحقيق ذواتنا يعني أننا واعون بأهمية الاستمرار في طريق المعرفة، وأننا سائرون في طريق التطور الدائم، لأننا سنتوقف حين نشعر بالرضى عن معارفنا، وذلك هو الخطر والعقم بعينه.

 

15ــ كيف تتعاملين مع آخر لديه شعور بالنقص مفروض عليك..؟

- نحن جميعا نقابل في مشوار الحياة ألوانا شتى من الأمزجة، وأناسا مختلفي الطبائع والمشاعر والفضائل والعيوب، والقاعدة النبيلة أن يتسع القلب الكبير لكل من يرى وما يرى وان يتسع العالِم للجاهل والقوي للضعيف والمتماسك شخصيةً لغير المتماسك، ولكل مقام مقال، المهم أن نكون واعين لأهمية تبادل الأدوار في الحياة، وأن نسارع للنهوض ببعضنا من حالات الضعف الإنساني الذي فُطرنا عليه، لا بل علينا احترام هذا الضعف ما دام مقدرا على البشرية وخلق الإنسان ضعيفا.. النساء، 28 وهذا الضعف لا يتركز في جانب معين، بل قد يبدو لدى كل إنسان في جانب أو جوانب مختلفة عما هو لدى الآخرين، فهو شعور بالنقص مرة، وانكفاء أخرى، وتضخم بالذات ثالثة، واغتراب رابعة وأنواع من الاكتئاب والمكابدات مرات.

 

16ــ قرأت في موقعك مقولة الشعر أولا وأولا وأولا، فأين يكمن الشعر في عملك الأكاديمي..؟

- الشعرية انزياح عن التقليد وخروج على المألوف والاعتيادي، وشعرية الأكاديمية لا تكون إلا كذلك، إنها الحركية الفاعلة التي تنتج طلبة يتساءلون وباحثين جيدين وبحوثا مبدعة، والتي تعتمد الحوارية لا التلقين والاستسلام، ولاسيما في التعامل مع التراث من جهة ومع الفكر والمناهج والنظريات الوافدة من الغرب من جهة أخرى. 17ــ لو قدر لك وتقلدت مقاليد الأمور في العراق فما هي أولويات عملك.؟

مع أني مؤمنة بأن الشرط هنا غير عامل، وأن لو هي حرف امتناع لامتناع، إلا أنه لو حصل مثل هذا الأمر المستحيل لقمت بالعمل الوحيد الذي سيحتوي كل ما سواه من خير وبناء، وهو تشريع قانون لمحو الحقد والكراهية والعمل على درء العداوات ومنع رصد الأخطاء والحث على إزاحة الشرور بكل أنواعها لإحلال الحب والتسامح وروح الإخاء والمودة ونثر الورد في الحياة والانتماء للعراق الجميل وطنا وشعبا بدل الانتماءات الطائفية والعرقية الضيقة فالمجتمعات المتقدمة هي تلك التي تقودها الكفاءات المخلصة والأمينة والخبرات الجادة وليس المحاصصات المشينة والمنهمكة بنهب وسرقة وتوزيع ثروات وطنها غنائم يندى لها الجبين، فالسياسة علم وفن واحتواء وقدرة على خلق الانسجامات ودعوة للتكيف، وفن في مغادرة الإكراهات وحل الأزمة بالأزمة، لأن معالجة الأزمة بالأزمة سيعمل على خلق أزمات جديدة، لكن ابتكار حلول الأزمة بروح التأني والمحبة والحرص على حياة الجميع سيخلق مجتمعا نبيلا مهيئا للبناء وتوفير الأمن والاستقرار وروح العدل والحرص على حقوق الإنسان.

 

18ــ هناك مقولة مفادها من منا ينام ولا يروي لنفسه حكاية. فما هي حكاياتك قبل النوم.؟

- لا حكاية لي قبل النوم غير الصفاء والدعاء والنجوى والاستعداد لرحلة مجهولة قد أنهض منها صباحا وقد لا يأتي الصباح، أما الحكايا الجادة فقد أنجزتها جميعا خلال نهار مثابر بالعمل والمتابعة.

 

19ــ هل داهمك هاجس الموت مرة؟

- هذا هو سؤال الأسئلة، نعم، فكرة الموت معي منذ طفولتي المبكرة وحتى يحين موعده، الموت معي دوما وأنا في عزّ صحتي ونشاطي وفاعليتي المعرفية والإبداعية والحمد لله، الموت كامن وراء قراءتي وكتابتي ومحاضرتي وحلي وترحالي، ولذلك تجدني رهينة البيت أسابق عملي حتى لا أترك لأفراد أسرتي عبء إكمال عمل لم أنجزه، وهذا الشعور بمداهمة الموت لا يزعجني، بل يحفزني على التواصل مع الحياة أكثر وأكثر، لكن الموت يرعبني من طرف آخر هو خوفي من الموت على من أحب، وتلك إشكالية لم أستطع تجاوزها بالرغم من مشوار الوعي والإيمان والمعرفة والخبرة، فالغياب وعذاباته واحد من أهم المعضلات التي أعيشها بأرقٍ ومعاناة ولعل لذلك أسبابا ومسببات

 

حاورها أحمد قتيبه يونس - الموصل

 

afrouprazyأفرو برازي، أديبة كردستانية معرفية، عضوة في تجمع الحب وجود والوجود معرفة، ولدت في مدينة المقاومة كوباني، غرب كردستان (سوريا)  15 نوفمبر 1990، درست الأدب العربي لكن لم تتمكن من إكمال دراستها بسبب ظروف الحرب واللجوء، وهنا توجز ذاتها في سطور قائلة :(قادمة من بيئة كردية محافظة نوعاً ما، أؤمن بمقولة ماركيز : " إنّ البشر لا يولدون دوماً يوم تلدهم أمهاتهم، وإنّما تجبرهم الحياة على ولادة أنفسهم بأنفسهم ثانيةً، ولمرّاتٍ عديدة " ولذا ولدتني أمي مرة وولدتني الحياة مرة ثم استلمتُ دفّة إنجابي بيدي فبدأتُ بولادة نفسي كما أريد  وبمخاضٍ أكثر من عسير عكس المجتمع الذي أنسب إليه تماماً)

نشرت بعض قصائدها ومقالاتها في مواقع الكترونية وصحف دورية محلية، وفي تاريخ 17- آذار - 2016 كان لنا معها هذا الحوار :

*الأديبة المعرفية أفرو برازي نرحب بك في حوارنا هذا معك، ونود أن نتحيز الوقت لحوار هادئ وعميق،

ونبدأ  من هذا السؤال:

1- ما جدوى الكتابة ولمن نكتب؟، أهي كما قالت مستغانمي ، وسيلة لدفن من نود دفنهم وذلك بالكتابة عنهم، أم أن لها وظيفة تتجاوز الرغبة بمجرد أن تكون تنفيساً عن خيبات وأوجاع؟؟

- في الواقع مصطلح (ما جدوى) لم يرقني كثيراً، إذ أنّها ربّما توحي بتصغير الكلمة التي تليها، والتي هي (الكتابة) . حقيقةً ،أنا ممّن يمتلكون عادةً أكثر من إجابة لسؤالٍ واحد، وهذا إنّما ينجم عن انطلاقي في الأمور من مبدأ النّظر إليها قدر المستطاع من زوايا متعددة بغية الوصول للحقائق المعتّقة، تلك الأكثر قرباً من الأصح . قد يوحي التضارب أحياناً في الإجابات إلى التناقض في شخصيّة المتكلّم، إلّا أنّ هذا التضارب ما هو إلّا خادم مقصود لفكرة " الضد لا يظهر جماله إلّا الضد "، فللشرّ عندي مثلاً جماليّة حين يكون الخير مزيّفاً، بينما يتهافت الأغلبية للتصفيق للخير دون المحاولة للنظر إليه من زاويةٍ أخرى، ولأدمج ماسبق مع سؤالك : لمن نكتب؟ فإنّي بدوري أسألني أيضاً (لمن نكتب، ولمَ نكتب)؟ كما تفضّلت حضرتك في أنّ مستغانمي وصفت الكتابة بوسيلة لدفن من نودّ دفنهم بالكتابة عنهم، فإنّ حادثةً لبرناردشو استفزّتني هنا حيث أنّ أحد الكتّاب المغرورين قال له : أنا أفضل منك، فإنّك تكتب بحثاً عن المال وأنا أكتب بحثاً عن الشرف، فردّ برناردشو فوراً : صدقت، كل منا يبحث عما ينقصه . من هنا نطلّ على السؤال من زاويتين عبر إجابتين . لنقل أنّ أحلام كتبت عن مقارباتها الأدبيّة حيث لكل منّا مقارباته الذاتية ورؤية مختلفة من شخص لآخر، ما أودّ الوصول إليه أن هنالك فارق معرفي وزمني بين جيلٍ وآخر، وكلٌّ يمتاز بإسلوبٍ خاص . في الكتابة باب الأسباب (لمَ نكتب) والأشخاص والأشياء (لمن نكتب) مفتوحٌ على مصراعيه على كافة الاحتمالات، نكتب خيبةً، نكتب وجعاً، فرحاً، تنفيساً، بحثاً عن نقصٍ ما، إصلاحاً، دق مسمار في عرش شيءٍ ما، دفن شيء ربما، ولادة شيء، لكن دعونا لا نغفل عن أهم ما نكتب لأجله، إذ بدونه تغدو الأوراق عقيمة، ميّتة، وهو أنّ هنالك من يريد أن يقرأ، من يريد أن يسافر في كتاب أو قصيدة، من يريد أن يعرف، من يريد أن يتعلّم، من يريد أن يحسّ بوجوده، الكتابة وجود من نوعٍ آخر .

 

2- الزواج كمؤسسة اجتماعية لها جذورها التاريخية التي تشرعن الملكية بعقد بموجبه يتم العيش، كيف يتأقلم ذلك مع نفسية الزوج المبدع، أو الزوجة المبدعة، هل ستكون مخيرة بين رعاية تلك المؤسسة ونسيان الأدب ومخلفاته من عصيان وخروج عن المألوف، لعل الزواج يكون أحد المألوف المقدس، كيف يمكن التوفيق إن صح التعبير بين مؤسسة اجتماعية وأدب يحاول أن ينوب عن كل حالة مترسخة بحكم التقاليد والأعراف؟، وأي الخيار تختارين إن وجدت المؤسسة الزوجية  تقف عائقاً أمام أفكارك الخارجة عنها؟

2- الجواب على سؤالٍ كهذا لربّما يشطرني إلى نصفين، نصف يتحدث عمّا أراه أنا، ونصف يتحدث عمّا عليّ أن أكون عليه نسبةً للمعايير الأخلاقيّة التي سنّها المجتمع . أنا أتفق مع شكسبير حين قال : " أصعب معركة في حياتك عندما يدفعك الناس إلى أن تكون شخصاً آخر " . للأسف دوماً يُلبِسنا المجتمع ثوباً ليس على قياس ما نحن عليه بالفعل، أنا لن أقول أنّ الزواج مؤسسة اجتماعيّة فاشلة، إنّما الزواج في المجتمع الشرقي هو المؤسسة الفاشلة نظراً لأساس تلك المؤسسة . لن أدخل في إطار مناقشة الزواج بكليّته ترفّعاً عن الخلاف الأزلي الكاذب المدسوس بين آدم وحواء، ما يخصّني هنا هو الأديب والأديبة المتزوجين . واحدٌ من أهمّ عناصر الكتابة هو حريّة التعبير، أنا أرى أنّه في حال وجود شريك في حياة الكاتب أو الكاتبة فإنّ عليه أن يتمتّع بحسّ التقبّل والوعي بمدارك الكتابة والحالة الخاصة لروح الكاتب/ة، على سبيل المثال نرى الأديبة المتزوجة إمّا نادرة الكتابة عن الحبّ أو متّهمة إن كتبت عنه، ناهيك عمّا يلقيه المجتمع من قوانين صارمة غير قابلة للنقاش . واقعنا ليس مثاليّاً وليس عادلاً ولذا ليس بمقدورنا إضفاء جرعات من الألوان البرّاقة لنخفي الحقيقة المخيّبة، وجه مجتمعنا قبيح وفريق من أطباء الفكر لا يقوى على تجميله . كثيراً ما أواجه الأسئلة عمّا إن كنت متزوجة أم لا وإجابتي تأتي دوماً بقولي : الزواج هو المصيبة الوحيدة التي تمكنت من النجاة منها من جملة المصائب الأخرى التي لحقت ولاتزال تلحق بي في هذا المجتمع، مجرّد التفكير في الاختيار ما بين الفكر والمؤسسة الاجتماعية المتمثلة بالزواج محال، لو كنت سأختار لكنت متزوجة منذ سنوات، لقد جسّدت هذه الحالة بتجربة واقعيّة وذلك بوقوفي في وجه بيت عمي ما يفوق الثلاث سنوات، حيث كنت أعاني من تلك الحالة المترسخة في مجتمعي والمتمثلة بتمنّع ابن العم لابنة عمّه، وصلت لأعلى حالات المعاناة، سمعت الكثير من الكلام، لم أستسلم لحظة، وما أدراكم ماذا يعني هذا ضمن أوساط المجتمع. إن حدث وقررت الزواج فإنّي سأبحث عن عريس في المصح العقلي ربّما، وحدهم المجانين تمكنوا من غسل أوساخ العرف والتقليد والعادة، رجلٌ يقف عائقاً في وجه أفكاري سأركله كائناً من كان ومهما كان ثمن ذلك . وأركّز مرّة أخرى على خروجي عن أي عادة أو عرف لكن فيما يتعلّق بالأخلاق فإنّي ملتزمة بها .

 

3- ما الرجل في فكر أفرو برازي، أهو الهرم الذي في الخيال يسكن حيث ذلك البرج الذي لم يرتقي لصعوده أحد بعد، أم إنه ذلك الإرث المتراكم من ويلات الشهقات المتعبة، حديث الشجون والعتاب في نظرك؟

- قبل الآن ذكرتُ مرّة بأنّني أتمنّى أن تنجب النساء سلالة جديدة من الرجال، رجالاً على شكل عطفٍ وحنان (أباً كان أم أخاً، حبيباً أو ابناً) فقد جفّت تربتنا، وقد يظهر رجلٌ يقول لي : وأنا أتمنّى أن يتمّ إنجاب سلالة جديدة من النساء (حسب ما يعتقد أنّه يحتاجه)، هذا يعني أنّنا بالفعل بحاجة لتحسين طبيعة الرجل والمرأة على حدٍّ سواء . في الحقيقة أرى المرأة امتداداً للرجل والرجل امتداداً للمرأة، وأنكر تماماً قصة الخلق التي لم تعمل سوى على بثّ الخلاف ما بين الجنسين منذ الأزل وإلى الآن . ليس لي أيّ مشكلة مع الرجل، مشكلتي مع المجتمع، هذا الأمر يضعنا جميعاً تحت المجهر ويحمل المرأة والرجل معاً مسؤوليّة تحسين المجتمع . الرجل قصيدة لربّما مؤلمة أو مفرحة كما أنا، الرجل رواية كما أنا، حياة كما أنا، الرجل أنا، لكن هذا الرجل الذي أتحدث عنه هو ذاك الذي استطاع غسل نفسه من أساطير المجتمع المقيتة .

 

4- في لغتك إسهاب قصصي جميل، مع شاعرية واضحة، ماالرواية التي تستحق أن يُكتب عنها برأيك في هذا الزمن، ماذا تحتاج المرأة الأديبة للكتابة عنه برأيك حسب عالمها الشرقي، وأضف إلى ذلك إحساس المرأة في زمن الحرب والمنفى؟

- ليس لي صلةٌ مع الفرح ولذا إن قلت بأنّنا في زمنٍ يعجّ بالمعاناة والفوضى نحتاج أن نكتب عن الفرح فإنّي لن أكون صادقةً معك . هنا تتُرك الإجابة لمن يُكتَب لهم، للقرّاء، في زمنٍ أُهينت فيه الإنسانيّة هل يحتاجون لمسكنّات فكرّية، كأن يقرؤوا رواية أو قصيدة ملأى بالفرح، بالخيال، بالأساطير، أم أنّ القارئ يحتاج لتعتيق آلامه في كتاب؟ أيبحث عن الغرابة؟ أيسعى خلف جماليّات اللغة وزركشتها بعيداً عن الموضوع؟ أيفتقر للحبّ فيلاحقه بين دفتي كلام؟ أما ما تحتاجه المرأة الأديبة للكتابة عنه حسب عالمها الشرقي فإنّ الحاجة أرجعها لما ذكرته في بداية جوابي وتركيزي سأوجهه لمصطلح (عالمها الشرقي)، هنا لي كلمة فاصلة غير قابلة للنقاش، وهي أنها إن لم ترمِ بكامل كيانها على الورق فلتهجره، ليس هنالك من داعٍ لإهانة الفكر، فلتكسر قبل كل شيء مصطلح (العالم الشرقي)، نحن لا نبحث عن تقدير المجتمع ولسنا بحاجة لأوسمةٍ منه، نحن نعرّي الحالات الإنسانية كما هو الإنسان . أما فيما يتعلق بإحساس المرأة في زمن الحرب والمنفى فالمعاناة تحصيل حاصل للإنسان عموماً وللمرأة خصوصاً، مرّة أخرى أجرّم المجتمع والدين، أليس هم السبب بتشريعاتهم التافهة للحادثة المتمثلة ببيع نسائنا في أسواق النخاسة في القرن الواحد والعشرين؟ في المقابل نرى أخريات يقاتلنَ بشراسة في ميادين القتال، ولا أخفي عليكم كوني أعايش المجتمع بعمق بأنّه يرقص في حلقات الدبكة احتفاءاً بالانتصارات ويصرخ في المنابر في رثاء شهيدة، لكن لدهاليز المجتمع الحقيقية كلمةٌ أخرى، هنالك آلاف التهم الأخلاقيّة الملفّقة الجاهزة بانتظار المرأة التي تقرر ترك السلاح لترجع وتعيش مدنيّة، هنالك الكثير من يعتبر الالتحاق بساحات القتال عيباً، لازال تفكيرهم في العمق محصوراً بين فخذي المرأة والناموس انحصر هناك . هنالك أخريات عشنَ اللجوء بكلّ ذلّه، وأخريات حصلنَ على حياة لم تكن لتتوفر لهنّ في أوطانهن وهذه الشريحة هي أغلبية من استطعن الوصول للقارة العجوز، قلت لك منذ البداية، هنالك زوايا عديدة نستطيع رؤية الأمور منها

 

5- أنت كردستانية وتكتبين بلغة عربية، برأيك هل للكتابة بغير الكردية منعكسات سلبية تجاه إمكانية بروز أدب كردي وبلغة كردية، ما سبب عزوف غالبية الأدباء والأديبات الكرد عن اللغة الكردية، بخاصة وأننا نشهد في الأفق السياسي بروزاً واضحاً لتحقق الكينونة الكردستانية، ماذا يقع على عاتق الأديب والمرأة الأديبة بوجه خاص، كونها حاملة راية المقاومة، وملهمة لكل جديد على كل صعيد؟

- نحن نعلم أنّ الترجمة خيانة، لكن أحياناً للخيانة جماليّة خاصة وشهيّة، فليخونوا إذاً وليترجموا أدبنا المكتوب بالعربيّة إلى الكرديّة . ما دمنا في نهاية المطاف نكتب أدباً كردياً لكن الفرق أنّ الحرف الذي نكتب به كرديتنا عربي . لربّما الظروف التي عشناها من الحرمان من مرجعٍ ندرس منه اللغة الكرديّة لها الدور الأكبر في هذا الموضوع، ولا شك أنّ في داخل كلّ منا جمرة حسرة تتّقد على الدوام في الصدور تجاه أدبنا الكردي، وليس هنالك إلى الآن ملامح للرواية الكرديّة مثلاً . أقرّ أنّي حين أقرأ نصّاً عربيّاً لكاتبٍ/ة كرديّ/ ة أحسّ بنقصٍ ما ولو كان الموضوع كرديّاً بحتاً، هنالك أشياء لا يسعنا التغيير فيها تماماً كما هو ممنوع تحريف آيةٍ من كتابٍ مقدس . في الآونة الأخيرة شهدنا نشاطاً في اللغة الكرديّة مما يعني أن أملاً ما يلوح في أفق الأدب الكرديّ المكتوب بالكرديّة . الجيل الجديد متعطش للغته الأم خصوصاً بعد التحولات السياسية التي نشهدها الآن والتي توحي بتفتق برعم اللغة الكردية سواء رجلاً كان أم امرأة

 

6- ممن تأثرت أكثر من أدباء وأديبات عصرنا الحديث، وهل سنرى لك قريبا بروزاً أكثر منهجية في أحد حقول الأجناس الأدبية؟

- إنّ الرواية الحديثة بشكلٍ عام مغرية وذلك لامتيازها باللغة الشعريّة، لربّما يصحّ أكثر إن سألتني من أحببت أكثر وليس بمن تأثرت، ويسعني القول أنّي منذ الصغر أغرمت بماركيز كما أحببت ما كتبه جبران خليل جبران، أما في أدبنا الكردي فالرواية الكرديّة هي أنا هي أنت هي هو هي هم وهن، وتلك الرواية استلم رايتها الروائي الجميل العبقري جان باپير والروائي المبدع چان دوست . إن كنت سأبرز في أحد حقول الأجناس الأدبيّة فإنّي أراني في الرواية، لقد أوشكت لإصدار ديوانٍ شعري غير أنّي أجلته لأبرز أولاً في الرواية والتي بدأت بها فعلياً .

 

7- للألم مكانة بارزة في لونك الأدبي، ماسر الألم، أكامن في الحب، أم في أطوار الطفولة الأولى حيث التشبث بالحلم أمام واقع قاس في رحلة مكتظة بالوجع، .؟

- من أين تريد أن أبدأ بزفّ عرائس الألم لك؟ من وطنٍ لم أتمكن سوى من ضمّ شواهد قبوره؟ من واقعٍ لا يتقن سوى الطعن؟ من طفولةٍ لم تَنَم سوى في أحضان الشقاء؟ من رحلةٍ لم تعرف شقّ طريقها سوى في الحرمان؟ أم من حبٍّ أسأنا إليه لأنّنا كنّا عبيداً؟ حيث الحب لا ينمو سوى في تربة الحريّة، ومآسي عشاقنا الكرد أشهر من النار على العلم كما مم وزين، كما خجه وسيابند، كما فرها وشيرين أو كما أنا ورجلٍ آخر ! لن أجيب عن سؤالك هذا سوى بأسئلة كبرى، كل منها يصرخ بألف جوابٍ وجواب .

 

8- تجمع الحب وجود والوجود معرفة كتجربة افتراضية ضمن مناخ تسوده قيم استهلاكية تحاول أن تذهب منحى التشظي والتسطح باتجاه السخف، ما تقييمك لوجوده، ودوره في إنعاش المناخ الفكري والأدبي والفني عموماً؟

- للأسف، دوماً منابر الفكر هي الأقل جمهوراً، ربّما لعدم ارتدائها فساتين النفاق والكذب التي يسير خلفها الناس عندنا، حيث التأييد الأكبر لمنابر التحزّبات والشيوخ تلك التي لم تفضِ سوى للهلاك . تجمع الحب وجود والوجود معرفة ممن يحملون راية المعرفة مسؤوليةً على عاتقهم، أتمنّى أن يتم التفاعل معها أكثر ولنتعلم قليلاً التوجه نحو منابر الحقائق أو لنجرب مجرد تجربة .

 

- أفرو برازي، الأديبة المعرفية الكردستانية، سعدنا بالحوار معك، وصلنا للختام، كلمة أخيرة تودين قولها؟

- لا أحبّ الخطابات والكلمات الأولى والأخيرة، كلّ ما أستطيع قوله أنّني سافرت في رحلةٍ ممتعة ومفيدة وغير خالية من استفزاز مكامن الألم والمعاناة في شخصي..

 

أعد الحوار: ريبر هبون

 

sadam alasadiس: كيف تصف الغربة؟

ج: لقد كتب على الشاعر العراقي ان يعيش منفيا ً في هذه الارض .. فالغربة صخرة متفجرة من ينبوع الحرمان قد عذبتني كثيراً وافدت من عذاباتي باكتشاف مئزر العري الذي ستر جرائم الجلاد فلن اتحدث عن غيبيات مشتعلة بل ارسم اشجارا ً تنمو في معطيات الروح ولعلي اضع نفسي في قفص الاتهام لأول مرة بعد عمري الخمسين واتحدث من خلال المذياع فأن اللغز الذي افترضته لنفسي هو الحرية التي طالما ناغيت بها فتمرد الكلاب .

يا ايها الذئاب تحاربون شاعراً يحب داحي الباب         قررت من طفولتي احارب الكلاب

احمد الله واشكره على ضياع اربعين عاما في زمن الجهلاء والمتبقي سوف يضيع في زحمه التناقض و الفوضى فبالأمس جلس في مكاننا من يحب الادب على الاقل او اليوم قد اختلط الحابل بالنابل وعليك ان تتابع الاعلام لترى تلك الفوضى القاسية ولكني اجد نفسي تنطلق من قول الامام (علي) ع (كن في الفتنة كالابن اللبون لا ظهر فيركب ولا وبر فيسلب ولا ثدي فيحلب)

 

س: ما جائزتك في الابداع؟

ج: الصمت عندي جائزة الابداع التي كللت عبقريته البريكان فان الزهور الشعرية التي قطفتها قسرا من ايدي الجهلة من اشجار الشعر تجعلني اسجل في دائرة الصمت واغلق باب الكتابة حتى ارى ماذا ستحل به الايام وماذا ستحلب الليالي؟

هنا سكت الصمت عن مفارقات الزمان

هنا رفع الدم ثارا الحسين الشهيد هنا سكتت القا ً كربلاء

ويبحث عن  قاتل و وغد عنيد يسمى يزيد

 

س: كيف تنظر لسوط  الجلاد؟

ج: السوط لم يوجع اثر جسدي اما روحي فقد اطلق جهة لتطير فوق سماوات البحث عن البديل وكان الشعر سبيلي فالجلاد لم يترك لي شيئا ً سلب موهبتي حريتي ضيق لساني قتل مستقبلي حرمني الدراسة وحارب ابنائي وهم اذكياء ولكن بالعصامية و الصبر وصلنا الى طموحنا فها انا من مضمد بيطري الى استاذ و اولادي كما تعلم اصبحوا اعلاما  كان اخر يوم 17:2:1987 صدور امر اعدامي لتنبؤي سقوط العراق في 18:3:2003 حسب خطبة البيان .

لحظة لحظتان .. ساروي الى الجمع سرا يكاد يضيع

لقد خط في النهج ان العراق الجريح

يسجل بالعار يوما وتنفجر القافلات

وتسقط كل التماثيل في شارع الاحتفال

فهلا رأيتم بلادا تغير اسماءها في لحظة الابتهال

فعام سيأتي يسمى ثلاثة .. الفين

فيه يغير وجه العراقي

ولكن واسفي سيحرقه الاحتلال

 

س: هل اسكتوا صوتك الشعري؟

ج4: كلهم ارادوا ان يسكت صوتي العلوي وكلهم يحسدون قدرتي وعصاميتي وسرعتي مع الارتجال وبديهتي في الخطابة بل يثنون لساني الجارح السريع فلم اجامل احدا على حساب الشعر والنقد ولو دفعت عمري ثمنا .. فشرف الاسدي ان يموت على منصة اهل البيت شاكرا دعني احمل مشنقتي واسير بتابوتي وحيدا باحثا عن مقبرتي التي كتبت عليها

                             اني قسمت العمر بين اثنين

                                               الله ربي اولا وحسين

دعني اجوب شوارع الطين دون غناء .. دعني اقطع غربتي باحثا عن فكر حتى يغير التاريخ ثوبه الممزق دعني مع الاشلاء التي بعثرها انكساري فماذا اقول ايها المغني عندما صهلت تحت ثيابي خيول الموت وبرقت تحت ضلوعي طبول الجهل و الفشل دعني في منفاي وحيدا بلا اكاديميين ولا ادباء واشكر الذين زرعوا طريقي بالقنابل فلولاهم ما وصلت الى هذا مكاني وتسلقت عرش الرماح .

 

س: هل انت فيلسوف؟

ج: لست بفيلسوف حتى اضع فلسفة وانظر تنتظراً فما زلت اسير في طريق شعري تقف جذوره على قشور لا توحي بشيء بل تفوح برائحة الصنعة وحسبي ارى الادب المعاصر مصابا بالإحباط والعقم  وسيزعل الالوف من يمارسون العملية الكتابية فما زلت في عقدي الخامس ولم اسمع بغير الاجراس ترن للسياب والبريكان ولمحمد خضير فأين ارسم .. انه نفخ في الكوى وجعجعات بلا طحين  معوق يمسح الخطى بالعصا كلنا بعيدون عن الدرب الحقيقي فأين الشاعر الذي يحيل الواقع الى لغة سهلة ويغسل اوجاع الزمن بأبيات قصيدته ومدارات قصته وافاق دراسته انها ساحة ملأئ بالفوضى والادعاءات فقد كثر الشعراء وقل الشعر وخوفي ان تكون نبوءة الدكتور زكي مبارك (يولد الشعراء في العراق ويموتون في مصر)  صحيحة ولكني قد اتفائل بالشعر البعض في صحو وسوف تمطر سماء الابداع يوما عندما تشرب شجرة الشعر ماءها ويطلق العندليب الجريح صوته حرا وعندما تتسرب القصائد الى قلوب الناس واعماقها دون وصايا فلماذا يحرق النار بقايا دمه لماذا يفجرني جسده النحيف ويقف في نقطة يأس لا حدود لها فكما قال اليوت الشعر هروب عن الانتقام وهروب اخر عن الشخصية وقال كولارج (الشعر الرائع ترجمة الواقع الى المثال) واخيرا ان كل الشعر على وجه الارض لا يرتقي لو لحظه من شخصية الحسين عليه السلام

يبقى الحسين مدى التاريخ لافتة ....  تدق في جبهة الانسان للأبد

 

س: هل تبالغ في الوصف الشعري؟

ج: ربما تقول اني ابالغ في ذلك الوصف فقد كتبت قصائد لا يصدقها السامعون وقد وجهتها الى السلطة الحاكمة آنذاك منها:

(ارفع يديك عن الحسين  محالا  ومنها .. ارى رجالا كأسماك مبعثرة من الرؤوس الى اطرافهم فسدوا)  ومنها  (.. اني اراها جميع الناس قد جلست لكنني لست القى بيهم رجلا)

وقد انهيت دراسة الماجستير في كلية التربية عام 1995 وقد عوقبت بسبب قصيدتي خيط الدخان وخرجت مكملا ً ثم نجحت وكذلك في الدكتوراه في جامعة الكوفة القيت قصائد على اهل البيت وامام الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد وفيها قلت:

كم بايعوه يزيد العصر بيعتهم   وعلقوا فوق باب الخوف اسمانا

كم صدقوا من خداع الذئب لعبته   وقاسموه يذيق  الناس الوانا

كم ارسلوها تقاريراً لمقتلنا        وقطعوها لنا الاحشاء احيانا

وسوف يأتي لنا المختار ثانية   وسوف تسمع صوت الحق اهدانا

س: هل تغالي كثيرا ً؟

كما يقول الشاعر المرحوم الدكتور الوائلي

فاليوم يحترق الجبان لأنه شرب   الهوى  وعلى يديه المنبع

اقول ان العراق غالي واني اخاف عليه من لفظ حروفه في فمي

الله الله يا خوفي على وطني على اسمه خفت من ترديده بفمي

أي شعر سيرتقي في مقالي      وبلادي اسيرة الاحتلال

أي حزب يصير ضوء ويرقى     ليصف العراق فوق المعالي

ايه ارض متى ستطلع شمس    مثل شمس الحسين بعد الزوال

ان هذا العراق مليون عام       عبر الصعاب في صعاب السجال

وسيبقى العراق للشرق صوتا   يعربيا في النائبات التقالِ

كنت كما انت يا عراق شموخا    وستبقى الرصيد للأجيال

اني ارضي بلا الحسين سراب     لا تقل في هواه اني مغالي

ليس هذا العراق طفلا يتيما   حين يبكي تثور تلك الليالي

 

س: انت هل تميل الى الانحراف في شعرك؟

ج: ليس جديد هذا الانحراف في ارض النبوة والانبياء فالأرض التي قتلت عليا في محرابه وقتلت الحسين في كربلاء ليس صعبا عليها ان تلطخ ترابه الطاهر بوباء انه لكأس حسين يضاف الى تضحيات شيعته فهنيئا للحسين بمحبيه وللعالم بمحبيه انها الشهادة وماذا بعدها من شهادة

خسئوا اذا جرحوا الحسين بكربلا

عجبا يطاول اقذر الناس العلا

مهما يزيد المجرمون تحديا

فنزور قبرك يا حسين تبجلا

لا نستطيع من الذهاب لمكة

لمصاعب و الظرف اصبح قاتلا

ولذا نرى ان الحسين محجة

نمضي لها ونحج حجا اكملا

 

س: كم مؤلفاً تركت في حياتك؟

ج: لقد تركت ثلاثة عشر ديوانا في بيتي القديم مع مجموعة المسرحيات والبحوث الادبية وبعد سقوط الجلاد انجزت الاعمال الاتية .. ديوان شعر لأهل البيت عنوانه  السيف ما قتل الحسين وديوانين اخرين الاول قبل ان ينطفئ الزمن  ثم مئزر من  الزبد تضم قصائدي من عام 2001-2003 مع مسرحيتين الاولى نفحات الغدير و مسرحية عرش الرماح اخرجها الفنان فرزدق سعدي 

 

س: ما حكايتك مع الاقواس؟

ج: الاقواس انت تعلم اني كنت مدرسا ًاعدادية المعقل و دعيت الى حفل قاعة الموانئ وعند دخولي صرخ احد الطلبة (هلا بصدام من جانه) واذا بالقاعة فتحت عاصفة تصفيق منها مما حدا بالرفيق والاداري فسب القاعة وسبني وسب الجميع فما دعاني الى ارتجال هذه القصيدة .

افتح قوس للجملة المفيدة

يكون الوطن لليكتب يخط اسمه بوريده

يكون الي يحب وحده

تحبه اهي وتريده

مو كوه العشك مو كشخه يا ناس

دسد القوس خل اقره القصيدة

 

س: انت مستمر في كتابتك للشعر الشعبي بالإضافة الى الشعر الفصيح؟

ج: الشعر الشعبي خاتمة خير بدأت بها شاعريتي عام 1959 كان اول قصيدة كتبتها من الشعر الشعبي (يامطر بلل الكذله وسيل وامشي اعله الوجن) وما زلت اكتب الشعر الشعبي وشاركت في العديد من المهرجانات منها قصيدة حكايتي مع النمل ومن اهم قصائدي (عرس حميده (التي قرأتها في عام 1971 امام رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي عزيز محمد مشاركة مع الشاعر عريان السيد خلف قرا في وقتها قصيدته قبل ليلة) .

 

لقاء اجراه الاديب عبد الجبار عبد ثابت مع الشاعر صدام فهد الاسدي سنة 1993

 

narian omarنظرتك إلى الشّعر كفن مميز؟

- سُئلت في حوار سابق أجري معي عن رأيي بالشّعر، قلت:

(الشَعر هو غذاء الرّوح، ومتنفّس القلب، وخليل الواجد)

الشّعر كان وما يزال وسيظلّ جنسا أدبيّا ثابتاً يتفرّع في جذور الأدب والفنَ والثّقافة في كلّ زمان ومكان؛ الشّعر هو فنّ مميّزٌ لأنّه التّوأم الحقيقيّ للموسيقا، كلّ منهما يهندس وجود الآخر وماهيته، فهو روح الموسيقا، والموسيقا هي أنفاسه.

الشّعر كان ولا يزال الصّديق التّوأم للقلم بالنّسبه إليّ، فهو العزاء لروحي، والنبض لقلبي وشجوني، والأنيس الذي أسرح في مرعاه في فرحي وحزني، سعادتي وتعاستي نجاحي وفشلي.

 

2- بدايتك في كتابة الشعر؟

- بدايتي مع الشّعر كانت ملازمة لبداية وعيي الأوّل على الحياة. منذ صغري كنت أميل إلى قراءة ومطالعة الكتب الأدبيّة والثَفافيّة التي كانت تملأ مكتبة بيتنا، وكان الشّعر أكثرهم ملامسة لمشاعري، وأصدق تعبيراً عن خلجات نفسي وروحي.

أوّل قصيدة كتبتها كانت في عام 1980م لحظة وفاة والدتي، وكنت في سنّ صغيرة جدّا، ومن ثمّ بدأت أثابر على مطالعة مختلف المجموعات والدواوين الشّعرية الكرديّة والعربيّة والمترجمة من اللّغات الأخرىّ،من الشّعر النّثري والموزون الكلاسيكيّ.

 

3- أهم دواوينك واعمالك،واهم الفنانين الذين كتبت لهم؟

- حتى الآن نشرت مجموعتين شعرييتين إحداهما بالكرديّة نبعنوان"perîxana min"

والآخرى بالعربيّة بعنوان"حيث الصّمت يحتضر".

يتجاوز عدد مؤلّفاتي المخطوطة الجاهزة للطّبع والنشر 15مؤلفاً:

ثلاث روايات، أربع مجموعات شعريّة "شعر نثري وموزون"، مجموعتان قصصيّتان كلّها باللّغتين الكرديّة والعربيّة ، بالإضافة إلى دراسة حول ظاهرة العنوسة والآخرى عن جرائم الشّرف، ودراسة عن تاريخ المرأة الكرديّة ماضياً وحاضراً؛ كما أحضرت مجموعتين شّعريّتين ومجموعتين قصصيّتين للأطفال والصّغار .

كنت سأبدأ بطبع ونشر العديد منها ولكنّ الظّروف التي مرّ بها شعبنا ووطننا خلال السّنوات الخمسة الماضية جعلتني أؤجّل هذا الموضوع.

الفنّانون الذين كتبت لهم هم معظم فنّاني ومغنيّي ديركا حمكو:

جمال سعدون، آزاد فقه، روني جزراوي، جوان صبري، رضوان جزيري، كمال عبدالكريم فوزي علي، مروان شرو، بهزاد قمر، شاهين شان، بالإضافة إلى الفنّان دلو دوغان، والفنّانة هيفي مراد، والفنانة أڤينا ولات التي سأنجز معها أغنية أو أكثر، وكان هناك تعاون بيني وبين الفنّان الراحل عادل حزني ولكنّ الموت حال دون ذلك، كما كان هناك مشروع تعاون غنائيّ وموسيقيّ بيني وبين الفنّان نظام الدّين آرش "فقي طيران" ولكنه لم ينجز حتّى الآن، وأول من غنّى من اشعاري هو "بربند سمي" في عام 1995م

 

4- آخر أعمالك؟

- أنجزت وأعددت الجزء الأوّل من كتابٍ بعنوان "الفنّانات الكرديّات شموع تحترق لتنير دروب الفنّ الكرديّ " يتضمن نشأة وحياة وغناء هذه الفنانات، وأحضّر الآن للجزء الثّاني من الكتاب ويتضمن الفنّانات الكرديّات الشّابات، كما أحضّر كتاباً عن الفنّانين الرّجال بعنوان "الفنّانون الكرد رحلة وفاء مع الغناء الكرديّ "

وكتاب عن الأغاني الخاصة بالعريس والعروس وحفلات الزّفاف في التّراث الكرديّ القديم والمعاصر .

 

5- رسالة منك الى ديرك واهاليها .

- ديرك هي طفلة أحلامي التي لن تكبر ولن تشيخ أبداً . ديرك هي الباعث الأول لسعادتي وفرحي ونجاحي والمسبّب الأقوى والأشرس لتعاستي وحزني وفشلي، وعلى الرّغم من ذلك تظلّ تسرح وتمرح في رياض عشقي وتفكيري ووجداني.

بالتأكيد أكنّ وأضمر كلّ هذا إلى أهل ديرك خلّان مهجتي وبهجتي، نبضي وانفاسي، واقعي وأحلامي، ولكن لا بدّ من بثّ بوح إلى أهل ديرك على أن نظلّ محافظين على طيبتنا ومحبّتنا لبعضنا وتضامننا وتسامحنا لأنّها تعدّ من أغنى وأغلى الثّروات التي نمتلكها؛ وإليك أستاذ بهجت العزيز سنابل شكرٍ وامتنان معطّرة بنسائم ديرك المزهوّة بعناق الفصول المتعاقبة لها على الدّوام .

 

حاورها: بهجت أحمد

 

mowafak sawaد. موفق ساوا فنان ومخرج واعلامي عراقي، استرالي الجنسية. قدم 20 مسرحية كتأليف واخراج قسما منها .. عرضت على مسارح العراق، بغداد، الرشيد، نادي بابل، جمعية اشور، وفي نينوى. والقسم الاخر عرضت في سيدني وكانت اخر مسرحية له بعنوان (انتبهوا... القطار قادم) عرضت على مسرح بورهاوس في كسولا بليفربول.

كما كتب ونشر اكثر من سيناريوهات تحت اسم (سيناريو صوري) لافلام قصيرة.

وكتب اطروحتين حول احقية الشعب (الكلداني السرياني الاشوري) في ريادة المسرح والسبب في نهضته في العراق من عام 1880 والى عام 200 وسبق وان طبعهما في كتاب عام 2004 في سيدني. وقد نال عليهما شاهدتي الماجستير والدكتوراه.

وها هو الان يطلق اولى تجاربه السينمائية القصيرة فيلم (Not For Sale) باللغة الانكليزية عبر بوابة مهرجان كان السينمائي متأملاً ان يسعفه عامل الوقت في وضع اللمسات المونتاجية الاخيرة قبل الموعد الذي حددته اللجنة المنظمة لأستلام المواد الفيلمية المشاركة ... لذا ارتاينا على هامش هذه التجربة ان نجري هذا الحوار مباشرة مع المؤلف والمخرج العراقي الدكتور موفق ساوا المقيم في سيدني.

 

- لتعريف القراء نود ان تقدم لنا نبذه مختصرة عن بداياتك الفنية.

* كانت بدايتي في مسرحية (بنت المختار) التي كتبتها عام 1970 في العراق، ناحية الحقلانية التابعة لمحافظة الانبار. ولم ترَ النور لعدم وجود اية حركة فنية في الناحية.

وبعد انتقالي الى العاصمة بغداد عام 1971 لغرض اكمال دراستي الجامعية اختلطت بالوسط الفني واقدمت على تكوين، فرقة مسرحية اسميناها (فرقة مسرح شيرا) عام 1993، ثم حصلت على البكالوريوس في الاخراج عام 1998م من جامعة بغداد ثم قدمت في كل عام مسرحية منذ 1994 الى عام 1998 بعدها غادرت العراق واستقريت في سيدني.

وهنا اسست (فرقة مسرح ساوا) وعرضت ثلاثة عروض في الاعوام التالية : 2003 و 2004 و 2015 كما أسسنا جريدة العراقية عام 2005.

 

-علمنا ان تجربة فيلمك الجديد هي اول تجربة فهل اي انتقالة من المسرح آلى السينما..؟!.

* اكاديمية الفنون الجميلة العراقية التي حصلت منها على شهادة البكلوريوس تعتبر من اهم الأكاديميات الفنية في الشرق الاوسط وقد درسنا مناهج الإخراج المسرحي والسينمائي (المشاهدة والتحليل) ونلت بهذا الدرس السينمائي 98% وعلى يد اساتذة كبار وظل حلم الاعمال السينمائية يراودني الى ان جاءت فرصة عملي الجديد الذي أكملنا تصوير مشاهده بانتظار إكمال مونتاجه بعد ان وظفت امكاناتي الفنية والرؤية الحديثة في عملية صناعة فيلمي الاول.

اما سؤالك عن انتقالنا من المسرح الى السينما لسبب بسيط ومعروف عراقيا في غياب المنتج والعملية الانتاجية للافلام الطويلة

ولدينا طاقات مبدعة في مجال السينما لم يحالفهم الحظ في المجال السينمائي عكس مصر ولبنان.

لهذه الاسباب جعلتني أسعى الى عمل فيلم قصير لأن تكلفته بسيطة وفرصة مشاركته بالمهرجانات أوسع، خصوصاً وان بعض المخرجين العراقيين لجأوا لهذا النوع من الانتاج لتسويق أفلامهم.

 

- كيف جاءت فكرة المشاركة بمهرجان كان.؟!

* حقيقة المهرجانات العالمية بدأت تستقطب كل التجارب البسيطة ولَم يعد امر المشاركة حكراً على نوع معين من الأفلام، الفكرة جاءت عن طريق احد اصدقائي الفنانين الذي لديه خبرة واطلاع بمهرجانات كبيرة ساعدني كثيراً بهذا الموضوع وبالفعل قدمنا الفكرة وراسلنا المهرجان فكان الرد إيجابيا عبر الرسالة التي وصلتني منهم والتي بينت لي تفاصيل المشاركة والسلم الزمني والشروط، لكن المشكلة حصلت بالتوقيت اتمنى ان نكمل تفاصيل العمل بالوقت المطلوب المحدد لتسليم المواد المشاركة واذا تعذر ذلك فسنضطر لتأجيله لدورة السنة القادمة.

 

- الفنانة اللبنانية ندى فريد سمعنا ان لها دور مهم بالعمل؟!.

- ندى فنانة تمتلك إمكانيات وحضور مهم ولها دور مهم بالعمل كشخصية رئيسية اضافة الى ثقافتها ولغتها الانگليزية وحضورها الاعلامي بدعم العمل ومتابعة التواصل من خلال عملها الاعلامي أيضاً، ولا انسى ان شخصية الفتاتين بعمر 10 و 13 هنَّ بنات ندى. اضافة الى باقي الكادر، مخلد الخميسي وأيشو التياري والمصورين امجد وراني الصابوري ومجموعة من الكومبارس.

العمل باللغة الانگليزية وجميل ان يشترك ممثلو الجاليه العراقية واللبنانية في هذا العمل.

 

- ماهي الشروط التي تضعها المهرجانات الكبيرة عادة للراغبين بالمشاركة؟؟

* من خلال الرسالة التي وصلتني من لجنة المهرجان عبر موقعهم والتي اعتبرها شرف كبير ودعوة تحريضية على الابداع لأن الفنان يجب ان يعمل حتى اخر عمره، كانت الشروط كالآتي :

 

• أن يكون قد تم إنجاز العمل خلال الأشهر الاثني عشر الأخيرة التي تسبق انعقاد مهرجان كان.

• ألا تكون قد خضعت لأي استخدام في بلد آخر غير بلد المنشأ.

• ألا يكون قد تم تقديمها في مظاهرة سينمائية دولية أخرى. في حال تم تقديم الفيلم في اختيار دولي (أكان تنافسياً أم لا) لأي

مهرجان آخر، فهو لا يعتبر مؤهلاً للمشاركة في مهرجان كان. يعتبر الاختيار دولياً في حال كان يقدم أفلاماً من جنسيات مختلفة

• لم يتم بثها على الإنترنت.

• لا يجوز أن تتخطى مدة الأفلام 15 دقيقة بما فيها الجزء الخاص بتقديم الممثلين (التايتل).

وبالنسبة لنا إن انجزنا الفيلم قبل تاريخ 4 اذار القادم سوف نرسله للمشاركة في الدورة 69 وان لم نستطع انجازه يبقى الى الدورة 70 من عام 2017.

 

- هل هناك مشاريع تلوح بالافق وهل حققت طموحك في الاعمال التي قدمتها ..؟!

- في الأفق عمل فني كلفت الشاعر احمد الياسري لتأليفة، وعندي ثلاثة افلام سينمائي طويلة

 الاول: (قوارب الموت) فيلم روائي طويل يتحدث عن مأساة قصص حقيقية للاجئين العراقين

وثانيا فيلم يحكي قصة الملكة شميرام ملكة الامبراطورية الاشورية قبل الميلا د بـ 3500 سنة.

وثالثا: فيلم طويل باسم (أكيتو) وهو رأس السنة البابلية الاشورية المقامة في بلاد بين النهرين (العراق حاليا) قبل الميلاد وكانوا يحتفلو يحتفلون بهذا العيد لمدة 12 يوما من كل سنة.

 

- ومن الذي يقف امامك لانتاج هذه الافلام المهمة بمواضيعها..؟!.

* اني ابحث عن شركات الانتاج لتقوم بتمويل مشاريعي الفنية المهمة جدا والتي لم تتطرق لها السينما العالمية ابدا..؟!.

اتمنى ان نجد فرصة إنتاجية مناسبة لتقديم هذه الاعمال .

 

 

نشر الحوار في صحيفة الديار

amir alkoubaysi- الإعلام الاجتماعي سيفوز في السباق ويتغلب على التلفزيون

- الكتابة أصبحت خبزا يوميا لي وقطعت عهدا أن أنتج في كل عام كتابا جديدا

تقول عنه الويكيبيديا انه إعلامي وباحث عراقي، متخصص في منطقة الشرق الأوسط لا سيما في العراق وسوريا ومصر وفلسطين، أعد مئات التقارير عن هذه البلدان لصالح القناة التي يعمل فيها منذ ثلاثة عشر عاما، له مؤلفات مطبوعة، ونشاط على مواقع التوصل الاجتماعي، لا سيما في قضايا الشباب، وثق الفيس بوك وتويتر حساباته بالعلامة الزرقاء باعتباره ناشطا له حضور فاعل فيهم، انه الأعلامي العراقي، عامر الكبيسي .

 

* لك مؤلفات تباع في المكتبات العربية والعراقية وتشارك في معارض الكتب حول العالم، ومنها رواية تأريخية، حدثنا عن تأليف الكتب والرسالة التي تريد ايصالها من خلالها .

-الكتابة أصبحت بالنسبة لي خبزا يوميا، ووجدت في الروايات التأريخية منهجية رائعة للبحث، رغم أن تخصصي في العمل الإخباري التلفزيوني، أغوص فيها في عمق التأريخ، لأني بت على يقين بأن التاريخ له نصيب من حركة الحياة الحالية، ولا يمكن للمثقف أن يكون عميقا في فهم الحركة الحياتية، بل وحتى الأخبار اليومية في حياتنا، من غير الغوص في التاريخ، وهذه الروايات التي ذكرتها، خلاصات لأبحاث تاريخية، تمنح المتلقي في تقديري وجبة لفهم منطقة الشرق بانسيابية القصة، عمارتها وعلومها وحروبها وأهلها، فهي سياسية وتاريخية مبثوثة بين سطور الحكايات.

رواية "سر من رأى" صدرت عام 2015 وتحكي عن المدينة المدورة بغداد، والمدينة المستطيلة سامراء، وعن بلدان كثيرة مثل أذربيجان وأنقرة وعمورية وعن البصرة كذلك، في عمارة وعلوم ومعان أسست لأن تكون تلك المدن حاكمة لربع الأرض وأكثر.

رواية "درب زبيدة" تتمحور حول طريق بديع الصنعة بين بغداد ومكة المكرمة، صحيح أنه يبدأ من بعد الكوفة التاريخية، الا ان حقيقته من بغداد، لأن الطريق موصول أصلا، وما في ذلك من معان عميقة، للربط بين مكة وبغداد، ثم كيف تمكنت سيدة أولى، من إنشاء أعقد المشاريع الهندسية المائية في التاريخ الإسلامي، قبل 1300 عام تقريبا، وبين جوانب الرواية، حكايات، وأشعار، وآداب، وعلوم، وخارطة طرق، ودبلوماسية متقدمة بين بغداد وممالك المسيحيين القديمة في أوربا.

كتاب " الشاهد والمشهود " هو متابعة يومية لاحتلال أمريكا للعراق، وخاصة بغداد، وكيف كان الأهالي في ذلك الوقت يعيشون حدثا كبيرا ونادرا، يتمحور حول سقوط بغداد، هذا الكتاب، فيه جانب قصصي ويومياتي ومعلوماتي وحوارات، نقلت بطريقة تشبه الكتابة التلفزيونية، بمقاطع لا يزيد أحدها عن مائة وأربعين حرفا، مع خمسمائة صورة تقريبا، وخمسين خارطة جغرافية، الكتاب بسيط للغاية، ويمكن للشباب خاصة أن يفهموا ما جرى، وهم الشريحة المستهدفة فيه.

أضع الآن اللمسات الأخيرة على كتابي الجديد " شباب وحياة " وهو كتاب جديد دفعته للمطبعة قبل أيام، وقمت بنشره بشكل مجاني للشباب على الإنترنت، حيث بلغت عدد التحميلات له من الصفحة أكثر من 90 ألفا، وهذه مجازفة بالنسبة لي، لكني حريص على إيصال ما اكتب، فالكتابة ليست طقسا أو برستيجا، بل هي مبادلة للعلم والمعارف بين الكاتب والجمهور، ووجدت أن الكتاب الورقي في العالم العربي ضعيف جدا، لكن الكتاب الإلكتروني ينتشر بسهولة،

قطعت على نفسي عهدا ان أنجز في كل عام كتابا جديدا، ولن أتخلى عن ذلك الشرط إن شاء الله، وقد أخذ كتاب "شباب وحياة" منحى عمليا، بعيدا عن الخيال والمبالغات التي تأتي من معظم دورات التنمية البشرية والبرمجة اللغوية ودورات القيادة، تجعل الشاب يتخيل أن القيادة والمال والنجاح يأتي بيسر وسهولة، وخلال وقت قليل، هذا وهم، حاول الكتاب التأكيد عليه، وهو يأخذك من يدك ويضعك مباشرة في الميدان العملي، استهدفت فيه شريحة الشباب بين 16 - 36 عاما، لقد انهيت هذه الفترة، وشاهدت نصف العالم فيها، وخرجت بمفاهيم لا علاقة لها بي، ولكن برؤيتي عن ماذا ينبغي أن يكون عليه الشاب، ومشروعه، وعائلته، وهويته، ودينه.

 

* أسست مع نخبة من الإعلاميين الشباب موقع "الجزيرة توك" في 6/ 6 / 2006 والذي فاز بلقب أفضل موقع شبابي في العالم، ضمن مسابقة القناة الألمانية الرسمية، لماذا برأيك اغلق الموقع ابوابه وودع كتابه ومحبيه الذين اصيبوا بصدمة لتوقفه فجأة ومن دون سابق تنويه أو إشعار؟

- بدأ الجميع في العالم يقدم فكرته للشكل الجديد للإعلام، هم في الغرب قدموا تويتر وفيس بوك ويوتيوب، كانت البدايات ملهمة حقا، لأن الشباب بدأ يأخذ زمام المبادرة في الإعلام، هذه المواقع صنعها الشباب، وأثرت على الحياة كلها اليوم، قدمنا نحن وكنا ستة أشخاص من ست دول عربية فكرة الجزيرة توك، قبل هذه المواقع، وخلاصتها تكمن في ربط الإنترنت بالميدان، بتكوين فرق ذات طابع نهضوي شبابي إعلامي، لتنقل الافكار، وهو ما اصطلحنا عليه حينها بمنهجية " التشبيك " هذا كان عام 2005، ثم تطورت لننجح في منتصف 2006 بإطلاق الجزيرة توك، وقد سبقت توتير وفيس بوك.

في الحقيقة، الجزيرة توك، موقع يعتمد على الشباب في كتابة تدويناتهم وأيامهم، وعن مدنهم، وشخصيات الدراسة، وهكذا، بينما المنتديات كانت مفتوحة على عشرات الأقسام، وخاصة السياسي منها، وكان فيها مئات الآلاف من المشاركات رغم أن الانترنت في ذلك الوقت لم يكن منتشرا بعد، وفيها 130 فريقا إعلاميا طوعيا، الكل يعمل بشكل مجاني، حصل الموقع عام 2007 على لقب الموقع الأول في العالم بمسابقة مؤسسة التلفزيون الألماني، لأنه لم يكن يرتبط بالمؤسسات بل بجهد شبابي بحت، ولأن تصميمه كان ذكيا، وعلاقته بالميدان كانت مبهرة، وحتى الخارجية الأمريكية والبريطانية عينت موظفين خاصين للردود على منتديات الجزيرة توك، لأنها اعتقدت أنه مؤثر في الطبقة الشابة العربية، ورشح الموقع لأخذ أسئلة عربية حين فاز أوباما في سباق الرئاسة بأمريكا، كما اهتمت به الخارجية البريطانية بشكل ملحوظ.

التجربة نجحت في البداية، بل نجحت جدا، وقفزت للريادة، وتفوقت في نسب المشاهدة على كل مواقع الصحف العربية، ومن ذلك الحياة والشرق الأوسط والقدس العربي، الا ان الموقع لم يستمر، والسبب هو أن البيئة الغربية توهب للمتميزين نجاحا مركبا، تحتضن النجاح بقوة، وتدفعه للأمام، هنا الأمر مختلف، لأن النجاح الإعلامي يرتب خوفا مضافا، شخصيا انسحبت من العمل مع الموقع بعد عامين على انطلاقته، لعدم تفرغي بسبب انشغالي بالعمل الاساس في غرفة الأخبار، ولأنه يقوم بالأساس، على منح الشباب الدور في الإدارة، وقد انتهى الموقع حاليا.

 

* قمت بعمل تغطيات صحفية في العديد من الدول العربية والدول الأجنبية من بينها المملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا وتركيا وإيطاليا وأمريكا، كيف تقيم رحلتك الطويلة تلك وهل انت راض عنها، أم بين بين؟

- تقسم الرحلات الإعلامية في تقديري إلى رحلتين، واحدة يومية أجوب فيها البلدان وأنا جالس في غرفة الاخبار أمام الوكالات والصور، أتحدث الآن وقد تجولت للتو بين جنيف والوفد المفاوض السوري، وبين اليمن حيث الحصار على تعز، وظهور تقرير دولي عن علي صالح وامتلاكه 50 مليون دولار، إذ أعد التقرير فريق من الخبراء وعدوه تجاوزا على القرارات، وشاهدت تسجيلا لداعش يظهر اعدام شخص في بيجي، ثم مررت بقصف روسي على بلدات سورية واستخدام غازات سامة في معظميه الشام، مع رحلة لإطلاق قمر صناعي تركي جديد، سيسرع خدمة الانترنت للضعف في البلاد.

وهكذا كل يوم هناك رحلات في البلدان، لا أقرأها مثل غيري، بل أعدها كقصص وأخبار ليراها الناس، ما يتطلب مزيدا من البحث والفهم لها، تبدأ بالأخبار ثم تتبعها الصور والفيديوهات، وخبر طريف عن ارتيريا رغم أنه غير جدي لكنه انتشر بسرعة، وخلاصته " أنها ستمنع الزوجات من أي اعتراض على ذهاب أزواجهن ليتزوجوا بثانية"، اعتقد أنها رحلة رائعة تعلمك الحياة والسياسة معا، وعلى مدار ثلاثة عشر عاما ظلت هذه الرحلة مستمرة ومتنوعة.

أما الرحلة الثانية وهي ما تعنيه في سؤالك، فهي أسفار لها علاقة بالأخبار، والمتابع للشأن الإعلامي، تكون عيونه كاشفة، فهو وإن كان يذهب لمكان ما، لرحلة أو علاج، أو زيارة عائلية، أو حتى سياحية فإن عيونه وعقله، وروح الصحفي داخله، تبقى تلاحقه، فينظر للحركات والسكنات، للبنايات والناس، حواسه تتحرك بقوة، لفهم المجتمعات، حصل ذلك في بلدان كثيرة ذهبت إليها، وكتبت عنها، ولعلي في يوم ما سأكتب عن تلك الرحلات، والفوائد المتحصلة منها، بالعموم الأمر لا يرتبط بالقبول وعدمه، بل يرتبط بتنمية القدرة على اكتساب المهارات، والفهم العميق للمجتمعات، من خلال الغوص في ثقافات الشعوب، وأحلامهم، وهمومهم، وقد كتبت وغطيت في بريطانيا وفرنسا واسبانيا وامريكا وروسيا وتركيا ودول كثيرة في الحقيقة ومعظم الدول العربية.

 

* لك محبة خاصة للخط العربي، لماذا الخط العربي يا ترى، كما لاحظنا أنك تكتب أحيانا عن الفنون، هل لك محاولات او لوحات ترسمها بيدك؟

- الخط العربي فن مظلوم، ظلمه العرب، وظلمته أمة المسلمين حاليا، والسبب أننا لا نعرف قيمته كفن رصين، يهتم في أول الأمر بالنسب والرياضيات، ثم هو متقن إلى حد عجيب، لا أظن أن فنا من فنون الدنيا مهتم بالأبعاد والنسب والمسافات كالخط العربي، ولو تغير البناء الهندسي فيه قيد أنملة، لقيل إن الخطاط ضعيف، كما أن أي كومبيوتر في الدنيا لن يكون خطاطا!! لأن القصة فن في العقل ومسافات رياضية علمية، ويعتقد البعض أن حب الخط العربي، والاهتمام به نابع فقط من قداسة كلمات القرآن الكريم التي تكتب به، هذا الأمر محترم، ومقدر، لكن الاصل، أنه فن عبقري حقا، تركه الناس، وليتهم يعودون إليه، وكيف أبدع الصانع العربي والمسلم هذا النمط وطوره، في حلة هندسية، وجمالية، ثم أعطى له عناوين، وألوانا، وأقساما، حتى صارا علما قائما بذاته.

تتلمذت في الخط على يد أستاذي عباس بغدادي، وهو تلميذ العملاق هاشم البغدادي، لا أقول أني تتلمذت باعتباري خطاطا، بل باعتباري متذوقا، ومنتبها لعمق الصنعة، وعباس بغدادي إن لم يكن أفضل خطاط في العالم الآن، فإنه ولاشك من بين أفضل الخطاطين في العالم.

أما الفنون التشكيلية، والفن التجريدي، فإن في الحياة جمالا ظاهرا، وجمالا مركبا، والمركب فيه لا يكتشف من أول وهلة، فالزهرة والوجه الحسن والبحيرة والفراشة، جمال أساس، لا تعقيد فيه، يعرفه كل الناس، لكن الفن التجريدي جمال مركب، أداته العقل، وليس العين، العقل هو الذي يكتشف نسب الجمال فيه، وأراه فنا عظيما، قد هجرناه مع الأسف، لأننا لم نفهم جمالياته المركبة، ومعانيه البالغة.

أحاول دوما أن آخذ الألوان وأرسم لوحات، من أجل اختبار الألوان وتداخلها وجمالها، لا أقصد منها إطلاقا أن أقول إني رسام، فلست كذلك، ولا يمكن أن أكون كذلك، لكن مما تعلمته، أن فهم الأشياء مفتاحه التجربة، وحتى تتعمق في الفن التجريدي عليك أن تؤديه، ولو كان على نحو ضعيف، كما أفعل

أنصح الشباب بهذه التجربة، أن يمسكوا الألوان، ويعبثوا فيها، ويفرغوا شحنات نفسية وعقلية على الورق أو اللوحات، إنها تجربة تبعث على الإبداع، هذا سيؤثر على أعمالهم، أظن أن من يعبث بالألوان وهو كاتب سينتفع، وأنصحهم بالتعمق في فهم الخط العربي، أنواعه وأبعاده وجمالياته، ليذهبوا إلى خطاط قريب عليهم، ويستمعوا منه، ويجربوا بيدهم ذلك.

 

* البث المباشر شيء جديد ظهر مع صفحتك على الفيس بوك، كل يوم تقريبا تتحدث عن شيء ما، في بعض الأحيان من بيتك أو عملك، وأحيانا من مطعم أو سوق، بل ومن داخل سيارتك الشخصية ايضا، ولهذا البث جمهور وأسئلة قد تصل الى خمسة آلاف سؤال في الساعة، بماذا تقيم التفاعل الجماهيري مع هذا النوع من صحافة المواطنة اذا جاز التعبير " حلقاتك انموذجا؟

- التواصل الاجتماعي في الإنترنت سيفوز في السباق، سباق الإعلام يقلص التلفزيون لصالح التواصل الاجتماعي، ومثلما كان التواصل "افتراضيا" وهو ما سموه سابقا " العالم الافتراضي" ثم انتهت هذه اللفظة، بعد وجود الصورة والمحادثات والتعليقات، صار الأمر أقرب للواقعية، وآخر ما وصل إليه هذا الفن، هو البث المباشر، يمكن أن أسميه أنه الحلقة الأخيرة من الصنعة، ليجعل التواصل أقرب من أي وقت مضى للواقعية

ما أن بدأ الفيس بوك فتح تجربة "البث المباشر" للصفحات الموثقة فقط، حتى كنت أول من بادر لهذا المجال، رغم ما فيه من تراكم واصطياد للهفوات وأخطاء ترتكب من قبلي شخصيا، لكنه ضرورة حياتية وتواصلية قدرتها من وقت مبكر، وسيضطر الجميع خلال الأعوام المقبلة إلى فعلها، ولقد اخترت الطريقة " الانطباعية " أي أن أكون على طبيعيتي كل الوقت، بلا تكلف، ولا تصنع، ولا حتى " اللغة الفصحى " والتي أحبها وهي أسهل عندي في الكلام، كذلك بلا استوديوهات، برغم إمكان الظهور من استوديوهات عملاقة، لكنها ليست هدفا بحد ذاتها، بل أنت يجب أن تكون كما أنت في هذه المواقع، هكذا سيكون مستقبل الإعلام كله، وأدواته، الانتقال من الإبهار إلى الانطباعية، والانطباعية ستتغلب في هذا السوق في المستقبل.

ومع الاسف تقديري إلى الآن أني لم أنجح في هذا المعترك، لأسباب تتعلق بي شخصيا من ناحية القدرة على تنظيم الوقت والمهارات الذاتية، وغياب جانب التسارع في النقل من جهة، وبسبب الجمهور من جهة ثانية، لأن العقل الجمعي للجمهور، يراقبك كسياسي أو إعلامي، وأنت تريد إخراجه إلى الجانب الطبيعي من الحياة، مثل مقهى تتحدثون فيه عن معظم الأشياء، إن المهنة والوظيفة وحتى العنوان أشياء طارئة على الإنسان، والإنسان حياة وصفات وطباع.

أعتقد أن بيني وبين الجمهور في الفيس بوك حب متبادل، كما أعتقد أن هناك الكثيرين يبغضونني جدا وعددهم كبير في الحقيقية، وهم محترمون عندي، لأن لديهم قناعات قوية في سبب البغض هذا، وتبقى الأغلبية الصامتة هي الأهم، عندما ينتهي البث يكون هناك عشرة آلاف وأحيانا عشرين ألفا قد شاهدوا الحلقة، لا أعرف منهم سوى خمسة في المائة، هؤلاء هم الأغلبية الصامتة في كل مكان، وهم القوة الخافية، وفي النهاية هذا التواصل هو محطة من محطات الحياة، أعطيها ما أستطيع من الوقت، وتعطيني ما تستطيع من الحب، والمشاكسات، والتعلم.

 

* أعددت نحو 2000 تقرير تلفزيوني تم بثها على مدى 13 عاما، اخترت 100منها ووضعتها في كتاب نادر في بابه، حدثنا عن مشروع كتابك الجديد .

- الكتاب الجديد جاهز، وينقصه العنوان فقط، لم أعثر له على عنوان بعد، وأفكر في عنوان " شيء من ذاكرتي " وقلت في نفسي أن ما ننتجه يذهب في الأثير ويترك الذاكرة، وتذكرت في علم الإدارة شيئا يسمونه " خدمات ما بعد البيع " وهي قريبة من كتابي هذا، لأنه سيأخذ 100 تقرير، ويودعها في صفحات، ثم يدع للقارئ النظر إلى النص، والصور المصاحبة، وإن شاء، فإنه وبمجرد تمرير هاتفه الجوال على المربع الذكي في صفحة الكتاب سيظهر له التقرير الذي مرر عليه هاتفه بالفيديو، وهنا أعتقد أنها سابقة، مفيدة لنا جميعا، وأعتزم أن افعلها لاحقا مع كل تقاريري إن شاء الله، لكنها تحتاج إلى وقت، ولدي بحوث تتعلق بالإعلام، من بينها رسالة الماجستير عن المؤسسات الإعلامية وأثر الإدارة فيها على العاملين، وهو مبحث عملي وفيه استبيانات، تم انجازه، ووصلت فيه إلى ملاحظات مهمة، عن صعود مستوى الأداء، إذا ما كانت الإدارة جيدة، أحاول لاحقا أن أكتب شيء أكثر تخصصا، في العمل داخل غرفة الأخبار وعلم " المصدر "

 

* لمن تحب ان تقرأ من الكتاب العرب او الأجانب، ومن هو مثلك الأعلى في عالم الصحافة الورقية أو الإلكترونية؟

- مفهومي للقراءة تراكمي، كذلك أعتقد أن الكتاب مفتاح رائع للقراءة، فإن أردت كتابة شيء ما، وخاصة في التأليف، فإنك تحتاج للمراجعات، وهناك كتاب منظور، وهو ما يجري من حولي، وكتاب مقروء، ومع أن القصة ليست بالعدد، فغالبا لا يمر أسبوع من غير قراءة كتاب جديد، كذلك الاطلاع على المكتبة الشاملة، وهي برنامج ذكي على الكومبيوترات، وفيه خاصية رائعة للبحث .

ما تسأل عنه يخص القراءة المباشرة، وفي الأدب مثلا أقرأ للرافعي وأحبه جدا، وللأستاذ محمد الراشد وأعشق شعر الجواهري وعبد الرزاق عبد الواحد، أظن الجواهري وواحد هما عمالقة القرن الماضي، وفي الرواية تأسرني، رضوى عاشور، وأنعام كجه جي وسنان أنطوان، وعبد الرحمن توفيق، واهتم جدا بما يكتب، أمين معلوف، وغيرهم الكثير، بينما في السياسة اعتمد على المقالات والابحاث، واطلع بشكل يومي تقريبا على ما يرد في صفحة الجزيرة نت " تغطيات " ففيها خلاصات للكتب، ومقالات ذات طابع علمي بحثي.

الكتب العربية في السياسية ضعيفة غالبا، وذات منهجية أكاديمية، اما للغربيين منهم فهناك، روبرت فيسك، وكتابه " الخديعة " في ثلاثة مجلدات، إنه كتاب عظيم، وفيه تتبلور عبقرية الصحفي والسياسي، وتوماس فريدمان، كاتب ثعلب، لكن لابد أن تقرأ له، وتشومسكي وكيسنجر وفوكوياما، وبعض كتب المذكرات للغربيين، أعتقد أن موضوع الكتب، تراكمي، لا ينبع من عدد، ولا من عنوان، بل هي محصلة لعقل سليم، يفهم ما يقرأ، ويتقبل آراء الناس.

 

* هل للرياضة حيز في حياتك ... واي المنتخبات او النوادي تحظى بتشجيعك عربيا، آسيويا، اوربيا؟

- أشعر بالحزن وأنا أرى الرياضة تتحول من كونها " قوة للبدن والعقل" إلى جعلها وسيلة إمتاع، لشخص يجلس امام التلفاز ويشرب البيبسي كولا، ويأكل، ويراكم الأمراض، والشد العصبي، ليقول في النهاية " أنا رياضي" أهتم بالنادي الفلاني!!

ليست هذه رياضة، هذا استهلاك للإنسان باسم الرياضة، والرياضة سلوك يفعله الإنسان، من تحريكه لجسمه، بدل ما اعتدنا عليه هذه الايام، من الأعمال المكتبية، من حق الإنسان أن يشجع، ويستمتع بأداء اللاعبين، لكن لا يحق له أن يقول إنه " رياضي " بهذا القياس .

لا أشجع أيا من الفرق، ولكن أعرف بالنتائج من خلال اطلاعي على الأخبار، وما يكتبه الناس، وكنت لاعب كرة قدم مميز جدا، أيام دراستي الابتدائية والإعدادية والجامعية، وألعب الفنون القتالية، لكنني تركت كل ذلك، بالفعل أحتاج إلى الرياضة، ولكن ابني زيد تسع سنوات وأنس ثماني سنوات، يفرضان علي أن أكون رياضيا معهما، وأن نلعب معا كل أسبوع، كرة القدم، الآن لا يعتقدون أني كنت لاعبا جيدا، لقد فقدت تلك المهارة.

 

* كلمة اخيرة للجمهور عنك وعن مستقبلك

- أخوكم عامر ليس صفحة تواصل اجتماعي، وليس الجزيرة، إنه إنسان بالمقام الأول، وأب لعائلة رائعة، هي أجمل ما أملك، ومستقبلهم العملي خاصة هو أكثر ما يهمني، ولقد أخذني العمل منهم كثيرا، لكنني حريص وبشكل يومي على التواصل الفردي مع كل شخص من العائلة، أسمع إليه، أمازحه، أعلمه، ابنان وبنتان، وزوجة رائعة.

ليست الحياة سياسة أيها الأحباب، بل السياسة طارئة عليها، وليست تواصلا اجتماعيا، ولا حالة اقتصادية، نحن لدينا نفوس أكبر من ذلك كله، لكنها تحاول مسك العصا من الوسط، بين هموم الأمة، وهموم الوطن، ومع ذلك، فإن لي قاعدة ذهبية تقول : يجب أن تستمر .. مهما حصل، مهما وقع من ظلم وأحزان، لابد أن نستمر لتحقيق شيء في الحياة، وأختم هذا الحوار بكلمات رائعة للشاعر الجواهري، التي لا أتوقع أن تقال مرة أخرى بعد موته لقوتها وجزالتها وسهلها الممتنع:

لقد أسرى بيَ الأجلُ

وطول مسيرة مللُ

وطول مسيرة من

دون غايٍ مطمحُ خَجِلُ

لذلك لابد أن تكون هناك غاية.

sadeek-sharowشرو يتحدث بأمانة في لقاء فريد لي: أين هي وزارة الثقافة؟

يموت الشاعر ولكن شعره سيظل خالداً وافتخر لبلاد (خاني وجزيري)!!

الأزمنة تتغير وتلتحف بارهاصات الاوجاع وتكثر مآسي الانسان في خضم الازمات الانسانية والاجتماعية ولكن يظل قلب الشاعر الكبير صديق شرو مزنة مطر تهطل شعراً وحباً للانسان الكوردي على مدى 4 عقود ورغم ظروفة القاسية قدرت ان التقي به ليكون اول لقاء يجرى معه بعد نكسته الصحية ويفتح قلبه لنا بأمانة وكان هذا اللقاء:

 

ـــ مالذي دفع الشاعر صديق شرو الى الكتابة في خضم التناقضات الفكرية والاجتماعية والانسانية؟

ـــ مجموعة التناقضات عند الانسان تولد لديه طريقة للخروج منها لكي يجد نفسه بعيداً عن حياة المتناقضات ولأن المتناقضات في حياة الانسان تسبب له القلق وقنوط الحياة فيبحث عن نفسه في مكان آخر،عندما يجد نفسه حراً لذاته وافكاره بعيداً عن عالم التناقص ..اذن عالم الشعر كان خلاصي من تلك الارهاصات الفكرية.

 

 

ــ كيف تصور الشاعر الذي يقبع في برجه العاجي وهو يتغنى باوجاع الفقراء؟

ــ التجربة هي اساس المعاناة والابداع ،فالذي يعيش بعيداً عن المعاناة والتجربة لايمكن لشعره ان ينبض بحرارة الحياة..!!

 

ـــ ألا تعتقد بأن الازمات هي من تخلق المثقفين الحقيقيين!!فهل خلقت ازماتنا مثقفاً حقيقياً؟

ـــ للأسف اكثر مثقفينا يكذبون على انفسهم بثبوت الموقف والادعاء بثقافة ليست قوامهم،لذلك افتقد المثقف الحقيقي في هذه البقعة من ارضنا.

 

ـــ ماهو الشعر في عٌرف الشاعر صديق شرو؟

ـــ الشعر لغة تعبر عن ذاتها لتعطي لغة اخرى تخاطب الوجدان باسلوب مؤثر ومزخرف بالابداع.

 

ـــ البعض يردد بأن الشعر يلفظ انفاسه الاخيرة ولكني اراك بانك تصارع المرض والوجع بالشعر فكيف ترى انت المقولة؟

ــ ربما يموت الشاعر او قافلة الشعراء ولكن الشعر ازلي وجزء من حديقة الحياة فلا يمكن للحقيقة ان تموت عند من يبحث عنها وقد يضعف جمهور او محبي الشعر ولكن الشعر ذاته لايمكن ان يموت فانا في صراعي مع المرض اساعد نفسي بقرائته وتأليفي لمقاطع منه ولانه يربطني بالحياة التي انا جزء منها.

 

ـــ ماهي الاسباب التي تدعو الاديب الى الاغتراب وهو في رحم الوطن؟

ـــ الغربة هي عدم انسجام الانسان مع ذاته في مكان وزمان ما!!وعدم شعوره بقيمته الحقيقية وتهميشه من قبل من يرعاه،او من تكمن حقيقته عندهم..!!

 

- هل المؤسسات الثقافية في اياد امينة في الوطن؟

ـــ اني لااجد الرجل المناسب في المكان المناسب وكذلك مؤسساتنا الثقافية عليهم علامات الاستفهام المقرونة بهذا السؤال..!!

 

ـــ هل وصل الشعر الكوردي الى العالمية وكيف نفهم العالمية؟

ـــ اتمنى ان يصل الشعر الكوردي الى العالم عن طريق الترجمة ولانه الطريق النبيل الانساني للوصول الى العالم وثقافاتهم ولانه عمل دبلوماسي لتعريف ثقافة امة ما ورجالها بالعالم الخارجي ،فما وجدناه نحن هنا القليل النادر من قبل البعض الذين خدموا الادب ورجالها عن طريق ترجمة حياتهم واعمالهم بلغات غير محلية وهنا علينا ان نكثف الجهود من اجل تشجيع المترجمين لطرق ابواب العالم وما يقوم به البعض من المترجمين يعد من جهودهم الفردية وهناك ادباء يعدون مثالا لهذه الامانة الفكرية والحصول على اللجوء الثقافي للشعراء الذين تترجم اعمالهم.!!

 

ـــ خلال متابعتي لقصائدك لاكثر من 4 عقود ،كانت المرأة حاضرة بقوة في اعمالك..!!فما سرها في اعمالك؟

ـــ المرأة ملاذ الانسان في ارهاقه والعنصر الفعال لعملية التفاعل الانساني،فالحياة من دون مرأة كغيمة من دون مطر،لذلك كنت وما ازال اجد المرأة مطراً يهطل على ارضي اليابسة ليزهر ربيعاً جميلاً.

 

ــ ماهو رايك هوية الاوطان الحقيقية الشعر ام السياسة؟

ـــ في وطني افتخر لانني عندي( خاني و الجزيري) ولا زال هناك من يسير على دربهم ،فهوية الاوطان الحقيقية تكمن بمثقفيها وادبائها وليست بالسياسة اي حيلة الحكم..روسي يفتخر ويقول كنوزنا هي بوشكين وتشيخوف ودوستوفسكي..!!

 

ـــ ماذا علمتك تجربتك القاسية مع المرض؟

ـــ علمتني صعوبة ولحظات الحياة هذه بأن المخلصين قليلون وخاصة لمن تنتهي مصالح الناس عنده،من خلال هذه التجربة القاسية التي مر بها غيري نتفق بذات الاسلوب على ان المصالح الشخصية هي فوق كل المصالح وحتى عند اقرب الناس..!!

 

ــ هل يمكن اعتبار ما يكتبه الادباء الكورد باللغات الاجنبية ادباً كوردياً؟

ـــ اذا كان تعبيرا خالصا وليست ترجمة حرفية فهي نابعة من عين كوردية ووجدان كوردي واي كتابة يتفاعل معها الكوردي يصبغها بثقافته وشيئاً من احساسه لذلك تعتبر كوردية، فقد خدم ادباء الفرس لغتهم عن طريق نقل الاعمال العربية الى الفارسية وبذلك خدموا لغتهم.

 

ــ هل انصفك المجتمع الكوردستاني وبالاحرى هل ينصف المجتمع مثقفيه؟

ـــ انا لم اجد هذا الانصاف معي واقول ذلك على الكل ولان المجتمع اصلاً مادي فهل على الاديب والمثقف ان يعطيهم المادة كي ينصفوه!!ولك هذا المثال :شاعر كبير على سرير الموت زاره رئيس بلاده في مضجعه وجلس عند قدميه في فراشه وقال للشاعر لقد خدمت المجتمع طوال حياتك فكيف بوسعي ان اخدمك فاجابه الشاعر ملامسة يدك لجسدي اكبر خدمة لهذا الجسد المتعب..!!!!

 

ـــ قرية(تسادا) كانت حاضرة في داغستان رسول حمزاتوف فهل كانت قريتك الشيخ هه سن حاضرة في اعمالك؟؟

ـــ القرية الصغيرة التي احتضنتني واطلقت فيها اول صرخة ولادتي تعد خلفية ثابته لاكثر اعمالي ،فهي القرية التي مر منها بطل التاريخ الاسكندر المقدوني بجيوشه الجرارة عبر نهر كومل وهي ايضا قلعة الشيخ هه سن الداسني الذي اغتاله بدر الدين لؤلؤة في الموصل وترك خلفه مولفات واعمال ادبية مثل كتاب( مزده ها روز).

 

ــ كيف ترى هذه الاسماء:

فريدة رجب: اخلص انسانة وملائكة آمنة

عبدالمجيد لطفي : استاذ كبير عشته في اعماله ولم اراه

صبري بوتاني: اتمنى ان ارى مدرسة باسمه

شورشفان صديق شرو: خلودي الابدي وحياتي الحاضرة

وزارة الثقافة في الاقليم: اين هي؟

 

اجرى الحوار: بدل رفو

دهوك\ كوردستان

 

radi mutrafi- جنان الصائغ: أكون مجنونه عندما اجد قلب نقي وصادق يحتوي جنوني

لا اعرف من اين ابدا مع جنان الصائغ هل من بوابة الشعر او من رواق القصة القصيرة او اذهب للبحث عن حصى مختلف في منطقة النباعي لاقدمه لها تمارس عليه جنونها وشغفها بتلوينه وتحويله الى اشكال فنية او اقف عند العملية التربوية واستفزها بسؤال احمل به المعلمين تراجع التعليم في العراق . المهم انا اعرف ان لجنان جنون فنان ورقة انثى وقلب شاعر ساتصرف على طريقة اهل (البيع بالجملة) واطرق ابوابها جميعا لأجري معها لقاء ربما خارج المالوف.

 

• يجاملك البعض ويقول: ولدت جنان وفي فمها قافية في حين يراك البعض الاخر طفلة تعبث بجديلة القصيدة .. أين انت من كلاهما؟

• لا أخفيك انا من عائله أهتمت بالادب والعلم كثيرا وفعلا نضجت على وانا استمع لوالدي وهو يتحدث الفصحى ولا يتركنا لحظه الا ونحن في ايدينا كتاب للقراءة . قطعا الشعر بالنسبة لجنان ليس عبثا وابدا مافكرت يوما ان يكون الشعر مجرد كلام اكتبه على الورق الشعر بالنسبه لي هي قلائد من الاحساس اصوغها على شكل كلمات

 

• كثيرا ما تعنونين نصوصك بـ (شخابيط) .. هل هو شك في جودة ماكتبت .. او محاكاة لهذيانات المجانين؟ او تأثرا بشخابيط ناسي عجرم؟

• هههههههه الحقيقه رغم اشاده الكثير بانني شاعرة متمكنه واطلق علي احدهم الشاعرة الواعده لكن رغم كل هذا مازلت اخشى بعض الاخطاء في النص وبمعنى ادق انني اخشى النقد الجارح لان طبعي حساس جدا وقد اترك الكتابة لمجرد ان هناك نقد يجرحني

 896-jinan

• انت معلمة في زمن تراجع التعليم .. هل انت جزء منه او محارب له وكيف؟

• للاسف ماكان في ذهني يوما ان ادخل سلك التعليم ابدا، لكن سبب تراجع التعليم ليس المعلم ابدا وانما الضغوطات التي فرضت على المعلم والحالة الماديه التي انهكته بغض النظر عن معاناة المعلم مع الطلبه واولياء الامور الذين لايفهموا معنى كلمة مع معلم

 

• هروبك من الشعر للقصة القصيرة جدا .. مواكبة للموضة السائدة او هروب من فشل؟

• لاهذا ولاذاك انا لم اهرب من الشعر ابدا وأنما وجدت نفسي قادرة على السرد وكتابه القصه القصيرة فبدأت بكتابه بعض القصص القصيرة والتي نالت اعجاب الكثير على مواقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك

 

• الفشل في الحياة الزوجية يكاد يكون نتيجة لكثير من الشاعرات .. هل السبب نرجسية الشاعرة؟ او رفض الرجل لأن تكون الزوجة شاعرة؟ او ان الشعر والزواج ضرتان لايظللهما سقف واحد؟

• فشل حياتي الزوجيه خارج نطاق الشعر تماما .

 

• في القصة القصيرة جدا تكاد اغلب نصوصك غير ناضجة .. من يقف خلف ذلك .. قلة التجربة؟او غياب الموهبة؟ او استعجال الشهرة كقاصة؟

• قد تكون غياب الخبره ربما.. وايضا اردت معرفتي قابليتي في كتابة القصه ولاتنسى شيء مهم الا وهو اعتمادي على نفسي في كل شيء

 

• قضية الحصى وولعك به حد الجنون .. هل مرده كبت طفولي؟ او صرعة للتفرد؟ او جنون مطلق تجدين نفسك فيه؟ وهل تذكرين حكاية طريفة حصلت معك؟

• لجأت للحصى اولا لسبب قد يكون مضحك في نظرك لكن تلك حقيقه ..انا اعشق الفن وتكاليف اللوحات وغيرها مكلف ففكرت بالحصى وكيف اسخره لي واجعل من تلك الحصى الجامده شيء ملفت لنظري وايضا احساسي بان هذا الحصى شيء قوي لايمكن تغيره وكان هناك تحدي لتغيير تلك الححرة الصماء....والموقف طريف حين كنت اجمع الحصى ماأنتبهت انني امام نقطه تفتيش نزلت هناك وبدأت اقتني الحصى فوجدت عسكري يترقب ماأفعل ظن منه اني ازرع عبوة والحمدالله نفذت بأعجوبه هههه

 

• اخيرا من هي جنان الصائغ؟ ومتى تكون عاقلة؟ ومتى تكون مجنونة؟

• جنان الصائغ مجموعه الوان على كم من الهذيان المجنون..اكون عاقله حين اصدم بشيء وثقت به جدا أكون مجنونه عندما اجد قلب نقي وصادق يحتوي جنوني .

 

• بعد ان تفرقت بنا مسارات الشعر والقصة القصيرة امسكنا بخيط الجنون المفضي الى (حصى) نقلته جنان من (مقالع) ومواقع شتى وضحت بوقت راحتها حتى تغسله وتخلصه من الاتربة التي علقت به ومن ثم لتضعها على منضدة التشريح المعدة لذلك بجانب علب الاصباغ ومواد اخرى لتخلق منه اشكال شتى ولوحات بمستوى جنونها هي وقبل ان اشكرها اكرمتنى بعدة (حصوات) كانت احداهن تشبه امراة اثقلت نفسها بـ(مكياج) يكفي لمئة حصوة . وبما انها تملك سلاحا من الحصى يكفي لـ(فشخ) مجموعة لذا لزمت الحذر حتى خرجت من عرين حصوها بسلام .

 

حوار: راضي المترفي

 

maymon harashميمون حِــرْش كاتب وقاص من مدينة الناظور المغربية، عضو اتحاد كتاب المغرب / فرع الناظور، كاتب عام جمعية "جسور للبحث في الثقافة والفنون ".. كُرم في ملتقيات أدبية كثيرة، ونال عدة جوائز أدبية مهمة، منها جائزة النور للإبداع العراقية عام 2014..صدر له:

" ريف الحسناء" في القصة القصيرة سنة 2012- مطبعة Rabat Net( الطبعة الاولى)، والطبعة الثانية منها سنة 2015 عن منشورات الموكب الأدبي / وجدة.

و"نَجِــيُّ لَيْلَتي" في القصة القصيرة جداً سنة 2013- مطبعة Rabat Net،

و" النظير" في القصة القصيرة 2015 مطبعة - Rabat Net،

و" ندوب" في القصة القصيرة جداً 2015- مطبعة Rabat Net..

هذا فضلا عن المشاركة مع ثلة من المبدعين العرب في مُؤلفات:

" عطر الفجر" في القصة القصيرة جداً..

"إشراقات" كِتاب رقمي في القصة القصيرة جداً..

" جُسور " في القصة القصيرة جداً ..

التقيته - أنا الصحفي عبد الملك أقلعي - وكان لي معه الحوار التالي:

• لا يمكن القول بأن مجال الإبداع مفروش بالورد فلابد أن تعترض الكاتب مشاكل وعراقيل. فما هي المشاكل والعراقيل التي واجهها ميمون حرش في بداية مساره..؟

محاولاتي الأولى كانت في سنوات الثمانين، ومع ذلك لا زلتُ في البداية أحبو، ولا أدعي ما لا أرضاه لنفسي .. ولم أحقق بعد، كتابةً، كلَّ ما أريد.. هذا أولاً.. وثانياً أعتبر الكتابة في حد ذاتها أهم مُعرقل.. فليس سهلا أبداً أن تحمل القلم، وتحضن هموم الآخرين بحيث تكتب، ترسم، وتبدع.. وكما قال همنجواي تعذبني الورقة البيضاء على مكتبي.. والإبداع كما لذة الشراء عند أحمد أمين.. تفرح لأنك تكتب، وتحزن إذا لم تكتب..الكتابة لا بد من أن تمر من عدة محطات تبتدئ بالموهبة أولا، والجهد المتمثل في التجربة الحياتية، غبر مخالطة الناس، وتكثيف القراءة ثانياً، ثم وصولا لبعض المعرفة كزوادة، أو كدولاب المحفوظات الأدبية كما يسميها تشيكوف..

ولن أتحدث عن عراقيلَ أخرى مثل النشر، والتوزيع، والطبع وما يتلو ذلك من وجع الرأس، وصرير الأسنان حين تلقى من لا يقدر المبدعين، ولا ينصر الثقافة في الوقت الذي يستسمنون فيه ذوي أورام من سماسرة الخردة..

 

• تشرفت بالحصول على مجموعة من الجوائز كما لديك العديد من المشاركات . حدثنا عن ذلك؟

- أعتبر باكورة أعمالي "ريف الحسناء" بعد صدورها فألا حسنا عليّ .. تلقّفها الأصدقاء، والقراء من تلامذتي، وتركت أصداء جميلة في نفوس الجميع .. لقد خصّها نقاد كثيرون لهم وزنهم في الناظور وخارجه بقراءاتٍ جميلة، ودراسات في المستوى .. أذكر منهم: الدكتور فريد أمعضشو- الباحث عبد الله حرش - الدكتور جميل حمداوي - الدكتور امحمد أمحور- الدكتور ميمون مسلك – القاص عبد الرحيم التدلاوي- القاص محمد كركاس، الدكتور محمد يوب - الدكتور محمد باقي محمد من سوريا- الباحث حسين أقليد، الكاتب والناقد الخضر الورياشي(هو أول من توقع لها انتشارا محموداً)، والروائي اليمني محمد الغربي عمران من اليمن، والقاص سامي الشاطبي .. والقاص والمذيع علي أزحاف..

وأعتبر يوم دعاني القاص الكبير عبد الحميد الغرباوي لحفل توقيع " ريف الحسناء" في معرض الكتاب بالدار البيضاء عام 2012، بمثابة عيد، عزفت فيه على كمان القلب طرباً.. هذه جائزة لها طعمها، تتالت بعد ذلك حفلات توقيع "ريف الحسناء" في مناسبات عدة.. و" نجي ليلتي" كذلك ستحظى بحفل توقيع باذخ بالمقهى الأدبي بدعوة من جمعية ملتقى الفن والإبداع شارك فيه الدكتور جميل حمداوي، والدكتور نور االدين الفيلالي، والناقد الخضر الورياشي ..

والحق أني كنتُ في حاجة ماسّة لمن يقول لي: "استمرّ أنت كاتب".. هذه الثقة منحها لي الأصدقاء والنقاد بعد إصداري "ريف الحسناء" .. وفي السنة نفسِها، ستنال قصةٌ لي بعنوان "النظير أو الفنان هج" الجائزة الثالثة في المسابقة التي تُشْرف عليها مجلة "العربي" الكويتية الشهيرة، بمشاركة مع إذاعة بي بي سي (BBC) العربية. كما سيفوز مقالي: "لعنة حرف الكاف" بالجائزة الأولى في موقع "مجازين" بمناسبة اليوم العالمي لعيد المُدرس... أما جائزة النور للإبداع(2014) - دورة الشاعر العراقي الكبير يحيى سماوي فسأطير لها فرحاً.. حين حاز نصي " نجمة البحر " الجائزة الثالثة في جنس القصة القصيرة... وللتذكير فإن جائزة النور للإبداع سنوية، يشارك فيها كتاب عرب من كل الأقطار..يتبارون في كل الأجناس الأدبية( قصة قصيرة- قصة قصيرة جداً- مسرح- رواية- شعر- المقال- الحوارات- الدراسات والبحوث- النقد الأدبي- أدب الطفل- الأعمال المترجمة- شعر التفعيلة- قصيدة النثر- الشعر الشعبي..)

أما تكريمي في المهرجان العربي الثاني للقصة القصيرة جدا الذي نظمته جمعية "جسور للبحث في الثقافة والفنون" بالناظور سنة 2013، فسيمدّني بكثير من الطاقة، ويملأني أملا وحماساً، ويشعرني بسعادة عارمة .. وفوق ذلك، وهذا هو الأهم، سيلقي على عاتقي الكثير من المسؤولية لأكون عند حسن ظن السرد الجميل...

• ما هي ظروف كتابة " نجي ليلتي":الدوافع والحوافز والمعوقات؟..

- الكتابة تستثيرني في كل وقت، الليل خاصة؛لمّا تحضر الفكرة، وتنكتُ في رأسي.. أجدني أنضج في أتون الكتابة دون أن أشعر ومعظم نصوص " نجي ليلتي"، على اختلافها، فرضت علي نفسها بشكل مستفز.. ثم هي قصص قصيرة تجر معها عربة" جداً"..والكتابة في هذا الجنس أملته ظروف خاصة، لعل منها المؤثرات الإعلامية، والإقبال على كل ما هو سريع في زمن باتت الساعة فيه لا تأخذ نفَسها.. وهذا لا يعني استهانة بهذا الجنس، بقدر ما أعني أن كتابتي في القصة القصيرة جدا لم تتأتَ لي إلاّ بعد أن تيقنتُ بأنها تضع قدميها على أرض صلبة رغم كل ما يقال عنها..

ثم إن الكتابة لا تعلن عن نفسها، ولا تعقد معك صفقة، أو لقاءً مسبقاً.. هي مثل حبيبة مشاغبة، إذا تجملتْ وانتظرتك، ثم تأخرتَ عن الموعد، أدارت لك الظهر معاتبة، ومحتفظة بابتسامة ماكرة، لكن لذيذة، لأنها تعرف في قرارة نفسها أنك عائد، وستطلب ودها من جديد، رغماً عنك، مرة ومرات..

و"نجي ليلتي" حبيبتي غارت من "ريف الحسناء" كثيراً..استعجلت الظهور، متملصة من جلباب القصة القصيرة..لذلك فهي مختلفة عن المجموعة الأولى باعتبارها في جنس القصة القصيرة جدا؛ تزامن صدورها مع إحيائنا في الناظور للمهرجان العربي الثاني للقصة القصيرة جداً عام 2013..ونالت توزيعأ عادلا إلى حد ما، وبعد صدورها خفتُ كثيرا من آراء القراء حولها، والحق لم أكن أريد أن يعكر علي أحد طعم " الإقبال" الذي حظيت به " ريف الحسناء".. لكن رأي الكاتب الخضر الو رياشي المعروف عنه حرصه على انتقاء الأجود سيكتب حولها ورقة فتحت كوة في داخلي، من نور.. أما الناقد الكبير الدكتور ميمون مسلك فسيكتب عنها في كتابه " غواية السرد القصير" مقالا عنونه " مجموعة " نجي ليلتي" ومؤشرات اللامعقول " تناول فيه أهم ميزة بالمجموعة.. بل ويذهب مسلك إلى أن كتاباتي في القصة القصيرة جدا لها طعم خاص بالمقارنة مع القصة القصيرة، كما سيفرد لها الدكتور جميل حمداوي مقالا خصه بالحديث عن الخاتمة / القفلة في قصص المجموعة، وكذلك سيفعل القاص محمد كركاس متناولا، في مقال جميل، نص " نجي ليلتي"، وسيكتب عنها كذلك القاص الأنيق نور الدين كرماط، وكذلك الكاتبان اليمنيان محمد الغربي عمران، وسامي الشاطبي..

هذه المتابعة تمنحني طاقة أنا في حاجة إليها كما قلت آنفاً..

 

• هل تحس أن هذا العمل أضاف إليك شيئا؟ شخصيا نفسيًا وماديًا واجتماعياً؟

- بعد " ريف الحسناء" أستطيع أن أقول بتواضع بأن " نجي ليلتي" وضعت قدميْها بوثوق على الأرض.. هي عروس خطبها عرسان كثيرون، وباطمئنان أسجل أن رجع الصدى حولها، بعد قراءتها من طرف الأصدقاء، والكتابة عنها من طرف النقاد، منحني ظلالا داخلية..وبكلمة أنا سعيد بها..

يكفي أنها عرفتني بقامات سامقة في كتابة القصة القصيرة جدا داخل المغرب وخارجه..

أما عن الربح المادي، فلا أحد يكتب كي يربح أو يخسر..هذا كلام لا يستقيم في الأدب والإبداع عموما..

الأدب يُكتب، وقيمة هذا الأدب هي التي تحدد الربح والخسارة بالنظر إلى الأصالة فيه، وعمق الطرح الصحيح للأشياء، وترويج الفكر الأصيل عبر رسائل تُكتسب عبر طرح أسئلة بعد القراءة..

 

• الإنسان صنيعة الماضي .. إلى أي مدى ساهم الماضي في تشكيلك الإبداعي؟..

- لست ماضوي التفكير، ولكن الماضي يفرض نفسه عندي كما عند غيري، وباعتباري قاصاً لا أنطلق منه دائما في بناء قصصي القصيرة، إنما من اللحظة الآنية المأزومة مستثمراً لقطات دالة، وموحية منها، ومع ذلك ظلال الماضي تترك أثرها عبر ومضات الاسترجاع شرط أن يحمل الماضي في قصصي إضافته للمستقبل...ثم إن القصة القصيرة غير الرواية، هذه حياة بأكملها، أما القصة القصيرة فهي تتناول اللحظة المأزومة كما قلتُ آنفاً، والمفروض في القاص أن يكون مهندساً يضع في الحسبان أنه يبني بيتاً لا عمارة ...الماضي يُستعاد، ولا يعاد، ليكون شاهداً على ما يقع اليوم..

قصة "ريف الحسناء" – ص43 من المجموعة مثلا فرضتها لحظة غرق الناظور في فيضانات سنة2009 ؛ هذه اللحظة الآنية، المأزومة لم تكن لتمر دون التقاطها، والتعبير عنها ؛ وفي هذه القصة، المستمدة من لحظة رهيبة عشتُها كما عاشها أهل الناظور، إشارات عبر إيماءات بأن ماضي الناظور كان أسوأ..وهكذا تجر الحظة المأزومة معها تلابيب ماضٍ انقضىى لكن له صلة لا بما يقع الآن، بل بما سيقع غداً..

 

• يحضر الليل والبيئة الريفية في إبداعاتك بشكل لافت. بالمناسبة ماذا يعني ذلك؟

- في "ريف الحسناء" تحضر الناظور بشكل لافت، والكتابة عن البيئة الريفية تروق لي، أولا لأني ريفي، وثانياً لأن من حق مدينة عشتُ فيها، أن أكتب عنها.. ولقد صدق الناقد الخضر الو رياشي حين قال عني بمناسبة حفل توقيع نجي ليلتي":" هو (ميمون حرش) .. أبـوهُ: (الريف)، وأُمُّـهُ: (الناظور)، إنه عاشق مدينة الناظور، المُخْلِصُ ؛ أرضاً وسماءً، يابسةً وبحراً، تراثاً وحداثةً، ويتعلق بأحيائها وأمواتها على السواء، ويذكر الجميع بما يستحقُّونَ ؛ فيقول للمحسنين أحسنتم، وللمسيئين أسأتم. ولا تُحرِّكُ لسانَه بالقول، وقلمَهُ بالكتابة، إلاَّ مودة، ورحمة، وغيرة .. ولعلَّ الغيرةَ هي أشدُّ ما يُحرِّكُ لسانَه، وقلمَه، وقدميه أيضاً . ويكاد لسانُ حاله يقول: لوْ لمْ أكن ناظوريّاً لودِدْتُ أن أكون ناظوريّاً !!"..

قصة " ريف الحسناء" أصور فيها مدينة الناظور بألق، أضفيتُ عليها مسحة أسطورية، أغدقتُ عليها أوصافاً جميلة بحيث كتبتُ بأنها حسناء، ورُودٌ جميلة يخطب ودها عرسان كثر(أقصد هنا رؤساء المجلس البلدي)، وفيها أتناول معاناة الناظور في فيضانات 2009، وهول الدراما التي عاشتها إثر هذه الكارثة جعلتها تتبرم من أزواجها الذين نهبوا كنز الربيع لديها، ثم تخلوا عنها جحودا، وحين سألها أحد أبنائها عن سر هذه الخيانة واتتها النكتة، وحكت مدام " ريف" حكايتها، حكاية امرأة قيل لها: " من لم تتزوج أكثر من زوج واحد لم تتذوق حلاوة الحياة"، وكذلك كان، "ريف" تزوجت بمن تحب، وبمن لم تحب، والغريب أنها جزمت بأن أحسن أزواجها من ستزف إليها غداً..

مدينتي الناظور غنية جداً، ( لكن ما أكثر الفقراء فيها!..)، تحتل المرتبة الثانية في النظام البنكي المغربي بعد الدار البيضاء، رغم أن تعداد سكانها لا يتجاوز 180 ألف نسمة مقارنة مع البيضاء التي يصل سكانها إلى حوالي3 ملايين نسمة، ورغم هذه الثروة فهي لا تتوفر على أية بنية اقتصادية، وتصنيف المدينة في الرتبة الثانية بعد العاصمة الاقتصادية للمملكة له أكثر من معنى، ولن يستغلق فهمه حتى على الولدان، هي رتبة تخول لها على الأقل أن توصف كغيرها: " مدينة" علما أنها لم يحصل لها هذا الشرف إلا مؤخراً، وبفضل حزم صاحب الجلالة محمد السادس، وهي صراحة ما كانت لتستحق هذه الصفة لولا جلالته، أما حين نعرف أن بالناظور توجد أكثر من 95 وكالة بنكية فأول سؤال يفرض نفسه هو: هذا العدد الهائل من الوكالات، وسط المدينة، وفي ضواحيها، لو لم تجد مصادرَ تضخ بها شرايينها، هل كانت ستتناسل بهذا الشكل الأخطبوطي؟ ثم أليس العدد مضحكاً في مدينة كانت إلى عهد قريب مثل أطلال لا يعيش أهلها إلا على التهريب، في الوقت الذي يفتح لصوص الإدارات أفواههم ليمتصوا عرق جبين هؤلاء لا لشيء سوى أنهم في موقع سلطة؟. هذه الثروة، من استفاد منها غير القائمين على أمورنا بفضل مشاريع تدر عليهم الزرع والضرع، يستثمرون بها أموالهم لا داخل الناظور، بل في مدن أخرى، والناظور- بالنسبة لهم- مجرد بقرة حلوب، ضرعها كشجرة، جذعها هنا، أما أغصانها، وفروعها فهي ضاربة في فاس، أو الدار البيضاء، وسواهما كثير، ونصيبها، تالياً، بعضٌ من زوادة "حنين"، كما في المثل، مجرد خفين..

الناظور مدينة عانت الكثير، قلبها قُد من رأس المأساة في زمن الرصاص، أهملها أهلها، وباعوها بثمن بخس، بل وصلت بهم الوقاحة بأن زجوا بها داخل غرفة من تحرش بها، فاسترقوا السمع على صرخاتها أثناء اغتصابها .. كانوا بذلك يوقعون على " موافقة" صك تشويه سمعتها..

ولولا حزم صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله، في تصالح العرش مع الريف في أبهى صوره لكانت الناظور مجرد مدينة كسيحة، يتكالب عاليها الخونة من أجل أن تظل جاثية حتى لا تقوم لها قائمة، ألا ساء ما يفعلون.

وبعد،

ألا تستحق الناظور من أهلها حبا قيسياً؟

ألا تستحق هذه المسكينة أن نكتب عنها؟!

مدينتي!

"أضاعوك، وأي ناظور أضاعوا

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر"

مدينتي، أه يا مدينتي، أضاعوك مرتين: الأولى حين أهملوك بعد أن نهبوا كنز الربيع لديك، والثانية حين باعوك بثمن بخس لعرسان أنذال خذلوك ونهـَبوا ما لديك وغَنموا ومرحوا ثم راحوا .نعم راحوا بعد أن قصوا جناحيك حتى إذا فرع ريشهما من جديد يهيئ أوغاد جدد، كفنيق تماماً، محرقتك، لا يفكرون سوى في شوائك.. لكن من رمادها ستبعثين صبية جميلة، أما هم فلن يتذكرهم أحد، ولن يكون مصيرهم سوى مزبلة التاريخ، وهل إلا لمثلهم وجدت أصلا.

أنت في عيوننا، فلا دَرَّ دَرُّ من يخذلك.

جراحك حتما ستندمل غدا، جراحك مثل "عود لقماري" لا يزيده الاحتراق إلاّ طيباَ وعَرفاً، كذلك جراحك ستتعرش في قلوب الأمناء ورودا ورياحين، وفي صدور الخونة سرطانات خبيثة حتى لا ينعموا بما نهبوا طويلا.

ستأتي أيام، ويصبح أهلك رحماء بك، عشاقك كثر والله،

أنت في عيونهم مشاعل،

وفي صدورهم ضفاف جداول،

وفي أيديهم قرنفلات ومعاول،

القرنفل لكل من يهبك كنز الربيع، والمعول لكل الرعاع من خفافيش الظلام.

 

• " نجي ليلتي" من أي مشتل ينبع هذا العنوان؟..

- يقول الدكتور ميمون مسلك في كتابه الرائع "غواية السرد القصير" ص 121: " العنوان ليس تسمية فقط، بل هو عمل من عوامل البناء الإبداعي، لأنه يساعد، ويكمل، ويحيل، ويدعو للتأمل...وهذه وظائف، وليست وظيفة، ومن هنا كانت خطورة العنوان"..

للعنوان عندي، من هذا المنطلق، حظوة خاصة في ما أكتب.. يعذبني اختياره، أقترح العشرات منه، وإذا حسمت أمري مع واحد تراني أبتعد في آخر لحظة.. وهذا ما حصل معي في "نجي ليلتي".. عذبني قبل أن يستقر رأيي النهائي عليه..

ومشتل عنوان " نجي ليلتي" هو من عالم الليل، يغريني سحر الليل مذ كنتُ حَدثاً، وأنا منتمٍ لليليين إن صح تعبيري .

قديما كان إنسان الصحراء- والدنيا كانت كلها صحراء- يمتطي دابته، ولا يكاد ينزل، ينتقل، كقطع الشطرنج، من مكان لآخر، له من الألفة مع الأمكنة ما يجعله منسجما مع واقع صعب لكن محتمل.. الفضاء، الليل، النجوم، السحر، الندى، الطيور.. أشياء حية يعانقها حبا وهياما، يعيشها، يتلمسها، تملأ كيانه، وتمده بطاقة هو في حاجة إليه، أكثر من ذلك كان الليل، لوحده، عالما جميلا ينثال المرء فيه كما الأرنب انثيالا، يهتدي بنجمه، ويسهر ليله، هو السكن مها طال أو قصر..واليوم الزمن غير الزمن، كل شيء فيه مقلوب، الليل مثلا ما عاد أحد يتمتع بجماله، وحضوره، ببساطة لأننا، بالكهرباء، أقصيناه، فلم نعد نعرف سوى النهار..و لعل هذا كله ساهم في اختيار " نجي ليلتي" كعتبة موازية لمجموعتي القصصية؛ والنجي من التناجي.. إذا الناس تناجوا أي تساروا، ومنها النجوى، وهم اسم من المناجاة أي السر، وهو وصف بالمصدر يستوي فيه المفرد والجمع..ويرى الدكتور ميمون مسلك في كتابه " غواية السرد القصير" متحدثاً عن هذا العنوان أن مؤشرات اللامعقول في المجموعة تبدأ من عنوان " نجي ليلتي"..وهذا أسعدني كثيراً لأني كنتُ أراهن في اختياره على تميز ٍما..

ولا شيء يؤرقني، كاختيار العنوان المناسب لنصوصي، وكلما كان العنوان شاعرياً، أنيقاً، وقابلا للتأويل، وكان أجملَ استسغته مع جرعة من الإيحاء، أحرص أن تكون مادته دسمة طمعاً في تحفيز القارئ على القراءة، وهذا بالضبط ما أبغيه..

 

• يتضح من خلال "نجي ليلتي" أنك تتكئ على مجموعة من التقنيات الأسلوبية الفنية وأهمها التناص الديني والتراثي . حدثنا عن ذلك ..

- هذا سؤال يتكرر كثيراً في جملة من الحوارات، والمقابلات التي أجريتْ معي؛الدكتوران فريد أمعضشو، والدكتور ميمون مسلك، ونقاد آخرون لهم وزنهم رصدوا هذه الظاهرة في كتاباتهم عن مجموعاتي القصصية، وأنا أرى أن النص إذا لم يراهن على أمرين هما: المتعة والمعرفة فجدير بكاتبه أن نمد له ألسنتنا..

ولجوئي للرمز، والتراث، والشعر العربي... سببه توفير أرضية لهذيْن الشرطين، هذه واحدة، الثانية أرى أن النص السهل الذي يهب نفسه دون أن يجهد القارئ بحيث يخزه كما الإبر هو نص سرعان ما تتقيأه النفس العاشقة، هذا فضلا عن أن التناص المفروض أن يترك المجال مفتوحاً حتى تتعدد القراءات .. كل ذلك من أجل استحضار ثقافة القارئ ووضع نصب عيْنيه مجموعة من الإشارات المرجعية الدالة على كثير من الإحالات المُعِينة على تفكيك النص، والكاتب الذي يضع نصوصه على منضدة التشريح، يحرمها من حيث لا يشعر العمرَ الطويل بحيث تعيش مع قراء كثيرين، كل واحد يقرأها بمقاس مختلف..هم سيقرؤون النص ذاته، لكنهم سيختلفون حوله لأن كوات كثيرة تكون قد فُتحت أمامهم ...

دراسة رصينة، ودقيقة عنونها الدكتور فريد أمعضشو ب " اللغة والأسلوب في مجموعة" ريف الحسناء":تعدد وتنوع في خدمة رهانات النص" نشرها في جريدة "أقلام الغد" - عدد 31- 2013.. من بين ما جاء فيها قوله: " ولعل أبرز ما يسم مجموعة ميمون حرش كثرة تناصاتها وانفتاحها على نصوص عدة دينية، عربية، وأجنبية، قديمة وحديثة، واستفادتها من أغانٍ وأفلام، واستحضارها شخصيات في جملة من الأسيقة، ولا شك في أن حضور النصوص الغائبة والإستشهادات وغيرها من الاقتباس الصريح، أو الضمني يقوم دليلا على غنى المخزون الثقافي للمبدع، المؤسس على إطلاع واسع على الموروث الأدبي العربي ... والحق أن هذه النقطة الأسلوبية تصلح لأن تشكل وحدها موضوع دراسة نقدية مستقلة توجه محاورها، أساساً، لتتبع شتى التناصات في قصص المجموعة، وكذا دلالتها وأبعادها المختلفة.."

وهذا بالضبط ما قام به الطالب الباحث عبد الواحد أبجطيط حين كتب مقالا أنيقاً عنونه ب " جمالية التناص، وأنماطه في "نجي ليلتي "، ونشره في مجموعة من المنابر.. وهو مقال دال حقيقة على بحث رصين من مُثقف ملم، ومطلع..

 

• كيف تعاملت مع المرأة في تجربتك القصصية؟ وماهي مساحة حضورها في " نجي ليلتي"؟

المرأة في "ريف الحسناء"، و" نجي ليلتي" حاضرة ببهاء.. تحدثت عن المرأة الحبيبة، الموظفة، المعلمة، ربة بيت، الجدة، العاملة.. الحبيبة، المُغتصبة... ويكفي أن أشير إلى أن قصة " الدرس الأول" ص20 إشارة إلى أن المرأة، بما أوتيت من عفة، وكرامة، وغيرة، قمين أن تقدس.. نحمل على ظهرها كل أثقالنا، وعلى صدرها نرتاح في النهاية.. ثم ما نكون دون امرأة؟.. إنها ملح الوجود..

ومساحة حضورها في " ريف الحسناء" كبيرة..بجد كبيرة..

 

• هل يكتب ميمون حرش لنفسه أم للمتلقي؟.

- حين أخلو لنفسي، وجها لوجه مع الورقة البيضاء، أو تلك الأفعى البيضاء كما يطلق عليها حنا مينة، اُعانق بياضها الناصع بألق العشاق، وأعتق نفسي قبلها بنص معين.. ..

وجهاً لوجه مع الورقة أكتب لنفسي، أعيش ظروف بعض الأبطال، أنفخ في نطفة وجودهم عبر حدث يمر بتشويق أحرص على تطعيمه كما التصعيد الدرامي في السينما.. ومن خلال الأحداث أبني عوالمهم على صخر لا على رمل ..وإذا استوى البناء، وكنت راضياً، وغالباً ما لا أرضى، نشرت نصوصي، وأشركتُ معي قرائي مؤمنا بأن الكاتب دون قاريء هو أعرج، أو هو، للدقة، كطفل يضيع في الزحام..

ثم ما نفع كاتب دون قارئ؟..

 

• دائما يرتبط الكاتب بعلاقة قوية مع المقهى . فما مدى ارتباطك بالمقهى..؟

- في فترات خلتْ اختُزلت مدينة الناظور في مقهى واحدة، هي باسم "مقهى الدار البيضاء" .. وللنكتة أخبرك أننا في الناظور، سنوات السبعينات، والثمانينات، لم تكن تعني سوى هذه المقهى.. وليس ناظورياً من لم يجلس فيها أو يمر بمحاذاتها على الأقل..

لقد كتبتُ عدة مقالات منشورة في صحف محلية ووطنية عن مقاهي مدينتي.. وفي " ريف الحسناء" تحدثت عن هذا الأمر؛ في نص " ولنا في المقهى مكان" ص71 مثلا أفردت الكلام عن مقهى قديمة، وأخرى جديدة، في مقارنة مقصودة مبرزاً كيف تتوالد المقاهي في الناظور كما الطحالب في غياب تام وصارخ لبنية تحتية، ومن خلال المقهى تحدثت عن معاناة الندل هنا، وهنالك...

لستُ من النوع الذي يربط علاقة عشق مع المقاهي.. أنا أخلص للأمكنة، تماما كما أخلص للأشخاص، لكني إذا لم أجلس في مقهايَ يوماً ما فلن أزيلها من حساب عمري بلغة أم كلثوم في إحدى روائعها مع تغيير في الموضوع طبعاً..وبالمقابل أردد مع مطرب العرب محمد عبده:" الأماكن كلها مشتاقة لك"..

اليوم، مدينتي في الناظور تتناسل فيها مقاهٍ من نوع آخر، أقصد المقاهي الأدبية، يسهر على الترويج لها فريق يعشق الأدب، والفن، ..وهذه مرحلة جديدة تشهدها مدينتي..

وارتباط الكاتب والإنسان عموما بالمكان الذي يرتاح له دليل إخلاص باذخ ما لم يصل الأمر به إلى حد الوسوسة.

 

• لا زال الجدل محتمداً حول القصة القصيرة جدا. ما تصورك لمستقبلها؟ وهل تلقت الاهتمام النقدي الذي يليق بها؟

- القصة القصيرة جدا تشق طريقها بثبات، والنقاد يولون اهتماماً خاصا بها.. وقد لا تفي المواكبة بكل ما يُكتب في هذا الجنس نقداً، وتنظيراً..، وسيستمر الجدل حول القصة القصيرة جدا طويلاً؛ والناس حولها فريقان:

- فريق يعتبرها مجرد حمار القصاصين، يركبه من لا موهبة لهم في الكتابة، وهؤلاء يرون أن القصة القصيرة جدا، سيكون لعمرها نصيب من اسمها (عمر قصير جدا)...

- وفريق مدافع يتوقع لها النبات، والثبات.. وهؤلاء كثر، وفي تفاؤلهم، يرون أنها تضع قدميْها بوثوق فوق الأرض..

لكن ما أخشاه من هذا التراكم اللافت في مجال كتابة القصة القصيرة جداً هو هذا الإسهال الذي لا يراعي الجودة.. القصة القصيرة جداً ليست كلاماً قليلاً فارغاً من الداخل كقصبة: لا فن، لا إبداع، لا معرفة، ولا موهبة..إنما هي اشتغال، وتعب، وجهد، ومعرفة وموهبة.

و الإبداع في القصة القصيرة جدا في تصاعد مستمر، .. وستشتي سماء القصة القصيرة جداً مطراً غزيراً.. وعلى كتاب الأنطلوجيات مواكبة هذه الكتابات، وعلى النقاد، كما عهدناهم، دراسة أعمال القصاصين، ولفتهم إلى أمور كثيرة..

 

• انتشرت مؤخراً بين بعض المبدعين ظاهرة تسويق أسمائهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ما هو رأيك في هذه الظاهرة؟..

- تقول " بعض المبدعين "!

كلمة (بعض) دالة على القلة، ثم هم مبدعون حسب سؤالك، فما المانع أن يعرفوا بأنفسهم عبر مواقع التواصل؟.

إذا كنتَ تلمح إلى أن ما يكتبه، في النت، بعضُ المبدعين وغيرهم كحبات الرمل، فاعلم، يحفظك الله، بأن القراء قضاة، يحاكموننا، والمفروض ألا نستهين بعقولهم..

قالها الجاحظ قديماً المعاني مطروحة في الطريق..، لكن الغث بين، والسمين بين.

 

• ما هو السؤال الذي انتظرت أن أطرحه ولم أفعل؟

- ركزتَ في حوارك الشائق على مجموعتي " نجي ليلتي"، وهي في جنس القصة القصيرة جداً، وكنتُ أود لو سألتني عن جمعيتنا " جسور في البحث في الثقافة والفنون" وعن مهرجان الناظور العربي للقصة القصيرة جداً في نسخته الثالثة- 2014

أنت شاركتَ معنا، وتعرفت على بعض ضيوف الناظور من الوفود العربية، وكيف أنهم باتوا يطلقون على مدينتنا عاصمة القصة القصيرة جدا..

 

• كلمة أخيرة .

- شكري لك لا يوصف، وهذا الاهتمام منك التفاتة ستتعرش في قلبي أيكة وارفة الظلال، سأسقيها بماء العرفان ما حييت..

 

حاوره الصحفي عبد الملك أقلعي

- رشحت لتأليف كتاب عن سيدنا بلال الحبشي تنوي "بارجون انترتيمنت" إطلاقه مع فيلم الأنيميشن "بلال" بلغات عدة

- في مجلس والدي "صالون الجمعة" حدث الصلح بين شاعري العراق دائمي الخصام " الرصافي والزهاوي"

 

أحمد خيري العمري، كاتبٌ عراقيٌ من مواليد بغداد عام 1970، والده مؤرخٌ وقاضٍ عراقي معروف، تخرج العمري في كلية طب الأسنان جامعة بغداد عام 1993، إلا أنه عُرف كاتباً إسلامياً تجديدياً أكثر من معرفته طبيباً، لمع نجمه بسرعة، وعدّه بعض النقاد امتداداً للمفكر الجزائري "مالك بن نبي"، شهرته وُلدت من رَحِم مؤلفاتٍ رصينة تميّزت بأسلوبٍ أدبيّ شائق، ومضمون رفيع يستهوي القرّاء ويستميلهم ليصل معهم في نهاية المطاف وعبر صفحات كتبه المتخمة بالعصف الذهني في عصر التصحر المعرفي والجدب الأخلاقي والجفاف الوجداني الى الفكرة الأساس مناط البحث التي يود "العمري" إيصال القراء إليها بعد رحلة مفعمة بجرأة الطرح ومتانة المضمون .

 

* ترى من أين أتيت بهذه المَلَكَة في الكتابة والتصنيف مع القدرة منقطعة النظير على الإقناع، من الطب؟ من مكتبة والدك العامرة؟ من مطالعاتك الشخصية؟ من صحبة المشايخ؟ مجالس العلماء؟ أم من أين تحديداً؟

- الرد على هذا السؤال دون التعليق على مقدمته صعب، أنا إذ أشكرك على ما تفضّلت به، فإني أنوّه إلى أن وصف ما أسميته بملكة الكتابة عندي ليس أمراً متفقاً عليه، فهناك على الجانب الآخر من يرى عكس ما تفضلت به تماماً، الأمر لا يقلقني ولا يزعجني، بل أراه طبيعياً تماماً.

بعد هذا التوضيح، وبالإشارة لما قلت، الملكة بالتعريف، هي شيءٌ جبليٌّ فطري، نولد بها ولا نكتسبها، لكن الملكة أو الموهبة لا تكفي أبداً للإنجاز، كما أن المواد الخام في باطن الأرض لا يمكن أن تكون ذات فائدة دون استخراج وتكرير.

صقل الموهبة، وتزويدها بالوعي، بوجود قضية وهدف، هو ما يجعل هذه الملكة تُنتج .

بالنسبة لي، الجو الثقافي العام في البيت، مكتبة والدي الضخمة، وكونه كاتباً أنتج خمسة مؤلفات - قبل مرضه الذي أقعده وهو في أوج عطائه- ،، كل هذا كان له أثر حتمي في شحن الموهبة وتحفيزها .مطالعاتي الشخصية ساهمت في ذلك أيضاً بالتأكيد.

الطب منحني حداً معيناً من المنهجية العلمية، منحني الواقعية والارتباط بالأرض.

لم يكن هناك صحبة مشايخ أو مجالس علماء على النحو التقليدي، كان والدي أقرب إلى العلمنة، ولكنها كانت علمنة معتدلةً جداً، لم تعاد الدين على الإطلاق، ولا أذكر أي موقف اتخذه والدي ضد ميولي الدينية رغم أنها كانت مبكرة جداً، وكان يمكن قمعها بسهولة لو أنه أراد ذلك.

كان لوالدي رحمه الله مجلس أدبي وثقافي كل يوم جمعة، تكون على نحو تلقائي بعد مرضه، حيث بدأ أصدقاء والدي ومعارفه يأتون للاطمئنان عليه، وبما أنه كان شخصاً نشطاً جداً على أكثر من صعيد (قضائي –فكري – اجتماعي) فقد كان معارفه يمثلون طيفاً متنوعاً داخل الطبقة الوسطى العراقية في آخر مراحلها المزدهرة في الثمانينات، مع الوقت انتقل الأمر من مجرد الاطمئنان على صحة والدي إلى مجلس ثقافي عام، شكّل متنفساً طبيعياً لهذه النخبة بعيداً عن (شعارات الحزب والثورة) التي كانت مهيمنة في تلك الفترة، في بعض الفترات، كان شارعنا يغلق تماماً بالسيارات بسبب عدد الوافدين للمجلس.

ضم ذلك المجلس أعلاماً في مجالات شتى بين القضاء والتاريخ والأدب، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر (حسين جميل، ضياء شيت، د.مؤيد العمري، صلاح بيات، نور الدين الواعظ، صاحب خميس، عدنان العلوي، حازم يونس، هديب الحاج حمود، خالص عزمي، د.إبراهيم الوهب، نجدت فتحي صفوت، بلند الحيدري، عبيد الحاج خلف، أحمد فوزي، مدحت الجادر، أكرم الوتري، فايق روفائيل بطي، فاروق العمري، غسان رؤوف، حارث يوسف غنيمة، د.علاء جاسم) مع حفظ الألقاب للجميع، ورحم الله من توفى منهم وأمد الله في عمر الأحياء، ولعل من أشهر وأهم الحاضرين، هو المفكر العراقي الأكثر تأثيراً بين كل المفكرين العراقيين، الدكتور علي الوردي.

لن أدّعي هنا أن الطفل - ومن ثم المراهق – الذي كنته كان حريصاً على الحضور في المجلس، لكني كنت دوماً هناك حول المجلس، أقوم بواجب الضيافة على الأقل، وأستمع لما يقال، وأمتصه بصمت، ولا يمكن أن يكون هذا قد مر دون تأثير.

كذلك لا يمكن لي أن أتحدث عن تأثير والدي من دون أن أتحدث عن تأثري بيومياته التي كان يكتبها منذ أوائل الخمسينات وحتى يوم مرضه، كانت هذه اليوميات هي وسيلتي للتعرف على والدي لاحقاً بعد أن عطّل المرض دوره كأب، وفي اليوميات، يكون المرء صريحاً عادة، ربما صريحاً أكثر مما يجب، ولا يأبه لأي إزعاج يمكن أن يحدث، لأنه لا يفترض أن أحداً سيقرأ ما يكتب...بعبارة أخرى [لا أسف على الإزعاج] هل يذكرك هذا بشيء؟

لا يمكن أيضاً أن يكون هناك حديث عن تأثير والدي، دون الحديث عن تأثير والدتي- أمد الله في عمرها- وهي المحامية "لميس محمود صبحي الدفتري"، التي نشأت في جو مماثل حيث كان لوالدها (الوزير في العهد الملكي) مجلساً أدبياً أكبر استمر لعقود، وهو المجلس المعروف باسم (صالون الجمعة)، وكان يستضيف فيه أهم الشخصيات الأدبية والسياسية في عراق ما قبل انقلاب 1958، وهو المجلس الذي عقد فيه الصلح (المزعوم) بين شاعري العراق الكبيرين دائمي الخصام : الرصافي والزهاوي.

والدتي اكتشفت وجود الموهبة عندي في الصف الثاني الابتدائي، عندما كتبتُ رسالة لابن خالتي الذي كان يعيش مع أهله في الإمارات آنذاك ( قتل لاحقاً في فلتان العنف الطائفي عام 2006)، من يومها ووالدتي لا تشجعني فحسب، بل تدفعني ( على الأقل لفترة ما) في درب الكتابة، بعد سنوات سافرنا لمصر حيث تلقى والدي العلاج هناك لفترة، يوم عدنا، كانت الحقائب تضم (201) عنواناً من الكتب والكتيبات التي جئت بها من مصر. كان يمكن لوالدتي أن تفاصل في شراء أي شيء لي، إلا الكتب !.

كما كان لوالدتي اهتمامات أخرى لم تكن لوالدي، مثل اهتمامها بالتاريخ القديم والمتاحف والفن عموماً، وكل هذا وسع من مداركي ومجالات اهتمامي، ولا بد أن يكون هذا قد أثر أيضاً على صقل موهبتي.

لهذا عندما أقول لك بأني لم أعرف ( مجالس العلم ) التقليدية أو صحبة العلماء، فإني أقول أيضاً أني قد ولدت تقريباً، في مجلس علم.

 

* تم اختيارك عام 2010 لتكون الشخصية الفكرية التي تكرمها "دار الفكر" في تقليدها السنوي، والذي سبق أن كُرم مفكرين لهم باعٌ طويلُ في التأليف والتصنيف أمثال: عبد الوهاب المسيري، مؤلف "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية" أحد أكبر الأعمال الموسوعية العربية في القرن العشرين، وكذلك الدكتور وهبة الزحيلي صاحب كتاب " آثار الحرب في الفقه الإسلامي، مقارنة بين المذاهب الثمانية والقانون الدولي" و جودت سعيد وكتابه "كن كابن آدم" و هاني رزق مؤلف كتاب " مُوجز تاريخ الكون من الانفجار الاعظم إلى الاستنساخ البشري" و بهذا يكون العمري هو الأصغر سناً من بين جميع المكرّمين، وهي مسؤولية و تكليف تحمله إياها دار الفكر، كما جاء في نص الرسالة التي دعتك لحضور حفل التكريم ..حدثنا عن هذا التكريم قليلا .

- دار الفكر، ممثلة في الأستاذ عدنان سالم، أمد الله في عمره، كانت من أول وأكثر من دعمني في مسيرتي، منذ أن قدمت للدار كتابي الأول، وعلاقتي بالدار وبالأستاذ عدنان تتجاوز علاقة الناشر بالكاتب إلى علاقة الأب بالابن.

لا يمكن لي أن أتخيل كيف ستكون مسيرتي لولا دعم الأستاذ عدنان!، لكني واثق أن طريقي كان سيكون أصعب بكثير.

موضوع التكريم يجب أن يوضع في سياقه، تلك السنة، كانت مخصصة لدعم جهود الشباب، لذلك كان اختياري ككاتب شاب لم يكن قد تجاوز الأربعين وقتها، وبالتأكيد كان الأمر يمثل دعماً ومسؤولية كبيرة، إذ وضع اسمي بجانب أسماء كبيرة كالتي تفضلت بذكرها وغيرها، كما صدر عني في تلك السنة كتاب ( صانع الأنفاق) الذي ضم مقالات وبحوث عن نتاجي.

تكريم دار الفكر كان مهماً جداً بالتأكيد، لكن التكريم الأهم يحصل عليه الكاتب يأتي غالباً من قارئ مجهول لم يرَ وجهه إطلاقاً، يرسل ليقول له، من دون مجاملة أو مصلحة، أن كتبه غيرت حياته.

هذا هو التكريم، الجائزة، الأهم، هذه هي نوبل الحقيقية، تتسلمها دون مراسم أو احتفالات.

 

* أنت القائل: الفرق بين " القرآن من أجل النهضة و"القرآن من أجل الختمة" كالفرق بين الصحابة.. وبيننا، حدثنا عن مدى البون الشاسع بين المطلبين، الختمة والنهضة .

- تعودنا أن نقرأ القرآن للبركة، للحصول على الأجر، لزيادة الحسنات .

لكننا لا نحاول قراءته كما لو كان كتيب الاستعمال المرفق بجهاز جديد نريد أن نتعلم تشغيله.

هذا هو ببساطة شديدة الفرق بين تعاملنا مع القرآن، وتعامل الصحابة معه.

 

* أعلنت شركة "بارجون انترتيمنت" الشركة المنتجة لفيلم الرسوم المتحركة الأضخم "بلال" بالتعاون مع الممثل الامريكي الشهير، ويل سميث، أن العمل سيعرض في دور السينما مطلع العام 2016 ، مشيرة الى، أنه " يعد أول فيلم "انيميشن" عن شخصية أول مؤذن في الإسلام، الصحابي الجليل، بلال بن رباح، استغرق انتاجه عدة سنوات لكي يظهر بشكل متميز، سيتم طرحه باللغة الإنكليزية ووضع ترجمة له في النسخ العربية، "، لافتة إلى أن "الفيلم تم تصويره بأحدث تقنيات السينما العالمية، ويسرد قصة حياة الصحابي الجليل "بلال" منذ طفولته الأولى في بلاد الحبشة، مرورا ببيعه عبداً في جزيرة العرب، وصولاً إلى تحوله إلى أحد أبرز صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن المقرر كما أكدت وسائل الإعلام العربية والأجنبية، أن يتم طرح كتاب عن سيدنا، بلال بن رباح، مصاحب لعرض الفيلم، كتبه الدكتور، أحمد خيرى العمري، حدثنا عن الملحمتين " الفيلم والكتاب " فالجمهور متشوق لكليهما معاً .

- كما تفضلت، فيلم (بلال)، الذي أنتجته شركة براجون، أول محاولة عربية لدخول السينما العالمية من هذا الباب، الفيلم ليس ضخماً ومتقناً فحسب، بل هو عمل مبدع على المستويات كافة، وقد بذل فيه المنتج والمخرج وداينمو العمل الأستاذ "أيمن جمال" جهوداً استثنائية، وأتمنى أن يحقق الفيلم ما يستحق من رواج وتأثير.

بالنسبة لمشاركتي، فإني لم أنل شرف المشاركة في السيناريو، ولكني رشحت لكتابة الكتاب الذي تنوي الشركة إطلاقه مع نزول الفيلم، وكان مجرد ترشيحي مع كاتبين آخرين مهمين جداً، شرفٌ كبيرٌ لي.

الكتاب هو رواية عن سيدنا بلال، وهو شيء مختلف عن كل ما سبق وكتبته من قبل، وعن كل ما هو متوقع مني، ومن رواية عن سيدنا بلال !

على الصعيد الشخصي تجربة كتابة "بلال" كانت من أكثر تجاربي اندماجاً وتماهياً مع العمل، وهو أمر مرهق جداً أثناء الكتابة، لكن ذكراه لاحقاً تصبح حلوة جداً.

الكتاب يترجم الآن إلى الإنجليزية، ولاحقاً إلى لغات أخرى، تمهيداً لنزوله مع الفيلم.

لا أملك الكثير لأقوله عن الكتاب، أفضل أن يتحدث الكتاب بنفسه، وقتها.

 

 

* أنت كاتب غزير ومتنوع النتاج، صدرت لك بين 2003- 2015 عشرة كتب تباينت بين البحث العلمي والروائي والأدبي، إضافة إلى عشرات المقالات في صحيفتي" العرب القطرية" و" القدس العربي " اللندنية، أين يجد العمري نفسه، في تأليف الكتب أم في كتابة المقال؟ وهل أن بعض مؤلفاتك هي جمع لعدد من مقالاتك المتناثرة في باب ما، بين دفتي كتاب لاحقاً؟

- بالتأكيد في الكتب، لا أزال أعتقد أن الكتب هي التي تملك وسيلة البقاء أكثر من أي شيء آخر..في الحقيقة، الكتب هي عشقي الكبير الثابت، ومنذ أن وعيت وهي كذلك، أحب الكتب وأغلفتها ورائحة الورق فيها، أعتقد أني كنت في الخامس الابتدائي يوم حلمت أن أكتب كتباً تملأ مكتبة كاملة !

كتبت المقالات لكي أوصل أفكاري لقراء آخرين، وكي أجذبهم إلى الكتب، وهو نفس سبب وجودي في السوشيال ميديا لاحقاً، ومؤخراً في الميديا.

لم أقم بجمع المقالات في كتب، للأسف يتطلب الأمر وقتاً للإعداد لذلك، وحياة الكاتب تكون دوماً كما لو أنه كتب (يتبع) في آخر كتاب له وعليه أن يذهب بسرعة للكتاب القادم، لا فرصة للنظر إلى الوراء.

أكثر المقالات التي أتوقع أني سأتمكن من جمعها في كتاب قريباً هي مجموعة المقالات التي كتبتها في أمريكا، إذ يجمع بينها موضوع واحد، وهذا يجعلها أقرب لروح الكتاب.

 

* أحدثَ كتابك "البوصلة القرآنية: إبحار مختلف بحثاً عن الخارطة المفقودة" عام 2003 ردود أفعال تراوحت بين الرفض والقبول، واتهمك البعض بأن هناك من كتبه لك لحداثة سنك إلا أن استمرارك في التأليف هدم تلك الفرضية لاحقاً وقوّضها .. مالذي تعنيه بالبوصلة القرآنية؟ وماهي طبيعة الخارطة المفقودة التي تشير اليها هذه البوصلة؟

- البوصلة القرآنية كتابي الأول.

عندما بدأت بالكتاب، لم أكن متأكداً من أني سأكمله، ولم أكن متأكداً أنه سينشر، ولم أكن أعلم إن كان سيتبع بكتاب آخر أو لا.

كان الأمر أشبه بفرصة قد لا تأتي مرة ثانية، لذا كتبت فيه كل ما أود كتابته كما لو أني لن أكتب مرة أخرى، لا خوف على مكانة اجتماعية أو رضى وقبول الناس أو أي شيء آخر....لا شيء لدي لأخسره ككاتب، يمكنني أن أفشل من دون خوف لأنه لا نجاح سابق لديّ لأضيعه، يمكن لي أن أتوقع النقد الشديد أو حتى الصمت اللامبالي فلا أحد يعرفني ويمكن أن أقول ببساطة أن ثمة تشابه أسماء لو شئت!

لا أذكر حقيقة أني كنت أفكر بالنتائج، وأن مسار حياتي سيتغير بعد الكتاب، كنت أكتب بشغف فحسب، وأعلم يقيناً أن لا فرصة لدي للنشر في العراق في تلك الفترة ( أنهي الكتاب في 2001)، لكني كنت أكتب دون أن افكر بالخطوة التالية وصعوباتها .

عندما قيل إني لست مؤلف الكتاب، وأن هناك شخص كبير في السن يختفي خلفي، أعتبرت أنها مزحة، ثم عرفت أن الأمر لم يكن كذلك وأنه منتشر، غضبت وحزنت يومها، لكن الصديق العزيز الأستاذ صهيب الشريف (مسؤول لجنة النشر في دار الفكر آنذاك) قال لي ما جعلني أعتبر هذا أفضل ثناء قيل في الكتاب، قال لي : ما داموا استكثروا الكتاب عليك، فهم يقرون أن الكتاب جيد جداً !

استمرت هذه المقولة، وإن بشكل متناقص، موجودة إلى ما قبل سنوات قليلة، وأذكر أني دخلت مرة في نقاش طويل مع رجل دين مقتنع تماماً بأني لست مؤلف لا البوصلة ولا الكتب التالية ! شعرت كما لو أني "أنستاسيا رومانوف" ابنة القيصر المزعومة وهي تحاول إثبات نسبها !

بمعزل عن هذه الحيثيات :يمكن اعتبار البوصلة مشروعي الأكبر، ومنه تفرعت عدة كتب :

( الفردوس وكيمياء الصلاة وإلى حد ما سيرة خليفة قادم)، البوصلة تشير إلى أن أول العلاج هو التشخيص، والتشخيص يقول أن المشكلة قديمة، وعلينا أن نكون شجعان بما فيه الكفاية لكي نواجهها، لأن الخريطة تمر في حقل ألغام تاريخية، لكنه لا بد...

 

* هناك من يأخذ عليك بأنك لم تدرس العلم الشرعي أكاديمياً، فيما ترد عليهم بأن مفكرين وكتاباً كباراً أمثال مالك بن نبي وسلسلته " مشكلات الحضارة" ومصطفى العقاد وعبقرياته لم يدرسوا العلم الشرعي أكاديمياً، هل برأيك أنّ إبداعك وابداع من ذكرت ممن تسير على خطاهم، نابع مما أطلقت عليه في كتابك " سيرة خليفة قادم " بـ( حمى الهوس بالقضية ... من أعراض الإيمان) هوس يدفع المرء لاستغلال الوقت وبذل الجهد والمال والقلم من أجل القضية على نحو أمثل يصل به الى – النيرفانا- المعرفية إذا صح التعبير و التي تجعل من صاحبها – سوبر مان - يتفوق على أقرانه في الفهم والإدراك وما يترتب عليهما من رصانة في الطرح على مستوى الأسلوب والمضمون؟

- الهوس، إن شئت، مهم لأي إنجاز. لكنه لا يكفي وحده.وهو بالتأكيد ليس سبب نجاح مالك بن نبي والعقاد، سأتحدث عنهما، وليس عن نفسي، وسأقول إن الدراسة الأكاديمية في المجال الذي أنتجا فيه كانت ستقضي على إمكاناتهما الكامنة، كانت ستضعهما في قالب محدود، يقتل إبداعهما وحريتهما الفكرية، الدراسة الأكاديمية تدخل بعض القيود والنظم في طريقة التفكير، وهذا أمر قد يكون جيداً ومفيداً للكثيرين، ويتمكنون من خلاله من الإنتاج وتقديم ما هو نافع فعلاً.

لكن الأمر يحتاج دوماً إلى تحليق مختلف، بطريقة تفكير مختلفة، دون تلك القيود، ولا ينجح فيه إلا قلائل، لكن نتاجهم يكون مختلفاً عن المألوف ولاحقاً يقوم الأكاديميون بدراسة هذا الناتج.

هذا بشكل عام.

فيما يخص القرآن تحديداً، ومأخذ عدم دراسة العلم الشرعي أكاديمياً، أرغب في القول بوضوح أن القرآن كتاب رب العالمين أنزل للناس أجمعين، وهو ليس كتاب غايتون في (علم الأمراض) لا يفهمه إلا المختصون...لذا عندما أقدم فكرة مستمدة من القرآن، وهي تخالف فكرتك، لا تقل لي ( أين درست)، فهذا كتاب الله، وليس حكراً على أحد، ولكن قدم لي تناقض ما قدمته مع نص آخر، أو مع فكرة أخرى قدمتها سابقاً.

ما أسهل شراء الشهادات في هذا العصر، وما أصعب تقديم الجديد الذي لا تناقض فيه مع نصوص أخرى، سواء كان لديك شهادة شرعية أو لا .

 

* برنامجك التلفزيوني" لا نأسف على الإزعاج" والذي بث يومياً في رمضان عبر قناتي الشارقة واقرأ كان بمثابة نقلة نوعية في مواجهة الفكر التقليدي وحظي باهتمام واسع عربياً تماماً كمؤلفاتك، إلا أنه وكما كتبت يوماً تعقيباً على اختيارك وللسنة الثانية على التوالي في قائمة العراقيين العشرة الأكثر تأثيراً مع "زها حديد" و "يونس محمود" و " كاظم الساهر":

للأسف ليس لدي أي تأثير يذكر في العراق، وتأثيري في بقية البلدان أكثر بكثير، أقول هذا بمنتهى الأسى، ولكن كلي ثقة أن في العراقيين طاقات أكبر وأهم، لكن ( ماكو بخت)" لماذا برأيك أنتم أكبر تأثيراً خارج العراق وأكثر غياباً داخله برغم بيع مؤلفاتكم فيه ووصول برامجكم اليه سواء عبر النت أو الفضائيات العابرة للحواجز والأسلاك والجدر؟

- العراقيون بشكل عام، معاييرهم عالية، وشديدو النقد، خاصة على العراقيين مثلهم، العراقي الذي يلاقى تقديراً من قبل عراقي آخر هو واحد من إثنين : عراقي ميت، أو عراقي حقق نجاحاً في الخارج .

كنت من المحظوظين الذين انتموا إلى الخانة الثانية وبالتدريج بدا الأمر ينسحب على نظرة العراقيين لي، خاصة بعد البرنامج، أصبح هناك تفاعل أكبر في صفحات التواصل الاجتماعي من العراق ومن العراقيين ( داخل وخارج العراق)، أصبح هناك طلب أوضح على الكتب من داخل العراق أيضاً.

أعتقد أيضا أن ثمة إحباط داخل العراق ( خاصة عند الشباب) من كل ما له علاقة بالفكر الديني لأسباب لا تخفى، لذا لا يتوقع أحد وجود شيء مختلف أو جديد في كتاب ديني.بالإضافة إلى أن التخندق الطائفي طال الجميع بما فيهم المثقفين، لذا فكل ما أكتب أو أقول يمكن أن يفسر طائفياً حتى لو كان الأمر لا علاقة به بأي من موضوعات الخلاف الطائفية المفضلة... وهذا كله أسهم في تعطيل تفاعل العراقيين مع كتبي.

الأمر يتغير كما قلت، بعد البرنامج تسلمت رسائل من متابعين من كافة الطوائف، هناك من يراسلني وهم غير مسلمين أصلاً ! وأنا سعيد جداً بهذا.

أما قصة ( ماكو بخت) فأنا لا أرغب في النواح، ولا في إلقاء اللوم كله على الظروف السيئة التي أحاطت بنا (في الأربعين عاما الماضية ! )، لكن العراقيين تعرضوا فعلا لظروف سيئة

(مركزة) وكان يمكن للعراقي أن ينجز أكثر بكثير لولا هذه الظروف. وهذا لا ينفي وجود مشاكل أساسية لدينا كعراقيين بمعزل عن هذه الظروف، ولكن هذا موضوع آخر.

 

* البوصلة القرآنية، ليلة سقوط بغداد، الفردوس المستعار والفردوس المستعاد، سلسلة ضوء في المجرة( أدرينالين، غريب في المجرة، كش ملك، الذين لم يولدوا بعد، تسعة من عشرة، يوم شهر سنة) أبي اسمه إبراهيم، سلسلة كيمياء الصلاة (المهمة غير المستحيلة - ملكوت الواقع- عالم جديد ممكن- فيزياء المعاني- سدرة المنتهى )، ألواح ودسر، استرداد عمر من السيرة الى المسيرة، سيرة خليفة قادم، القرآن لفجر آخر، طوفان محمد وغيرها من مؤلفاتك القيمة، ترى ما الذي يريد أن يصل إليه العمري في مجمل ما كتب وألف؟

إعادة فهم النصوص على ضوء المتغيرات الحالية المتسارعة باضطراد؟ أم إسقاطها – أي النصوص - إسقاطاً من الوحي الى العصر في حالة تسامي تتخطى عوالق الزمن وعوائقه وربما مفاهيمه أيضاً؟

- على نحو عام جداً، أريد أن يكون للدين دوراً إيجابياً في حياتنا، أريد أن أساهم في تخليص هذا الدين مما علق به من سلبيات ومغالطات وخرافات ومخلفات للعصور السابقة.

بالتفصيل، هناك الكثير مما يجب فعله وإنجازه للوصول إلى هذا الدور الإيجابي، الكثير من المواجهات الفكرية، وربما المعارك، الكثير من القضايا التي قد تبدو جانبية للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة في صلب الهدف الأول.

البعض من أعمالي الأدبية والروائية تريد أيضا أن تؤكد أنه يمكنك أن تنتج فناً وأدباً يحمل قضية وهدفاً دون أن تسقط في الآيديولوجيات والشعارات والوعظ المباشر.

على نحو شخصي وخاص جداً : أريد أن أترك أثراً ايجابيا يبقى ..

 

* ماذا يمثل لك هؤلاء سلباً او إيجاباً ببضع كلمات؟

- الكواكبي وكتابه " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد "

- جمال الدين الأفغاني

- محمد عبده

- سعيد النورسي

- محمد اقبال

- أبو الأعلى المودودي

- أبو الحسن الندوي

- شكيب أرسلان

- محمد عمارة

- زكريا بطرس

- السيد القمني

- أحمد القبانجي

من الصعب جداً تلخيص مجهود وأثر شخص بكلمتين أو ثلاث، بغض النظر عن كون هذا الأثر سلبي أو إيجابي.

لذا أفضل أن أقول صمتي وأنجو بجلدي!

 

* "أحمد العمري" يقف بالضد من الفكر - المنامي- الذي يعتمد على الأحلام والرؤى في توجيه الأمة كونه عائقاً من عوائق النهضة، وفي ذات الوقت أنت ضد أدعياء التجديد المادي، أمثال "محمد شحرور" و "جمال البنا" وجماعة القرآنيين، بمعنى أنك تقف بالضد من تخديرين فكريين للأمة، الأول بمثابة "هيرويين" فكري مثبط للهمم والعزائم، يحلق بها في عالم الفنتازيا بعيدا عن الواقع المعاش، فيما الثاني بمثابة" كوكايين " فلسفي مادي محفز للضياع، مجرد للعواطف، منسلخ عن التراث ، إلا أنّ الأثنين معا وفي نهاية المطاف بمثابة مخدر فتاك ينتهي بالعقل الجمعي إلى مصحة عقلية بلا دفع ولا نفع، ماذا تقول لهؤلاء ولهؤلاء وباختصار؟

- لا أقول شيئاً لأي من الفريقين، كلامي دوماً للمترددين بين الفريقين، لأولئك البين بين ، هؤلاء هم منطقتي وعملي، نادراً ما يغير شخص ما مؤمن بشدة بشيء إيمانه عبر نقاش أو قراءة كتب مخالفة، التغيير يكون دوماً في أشخاص لم يحسموا أمرهم لكنهم يشعرون بالحاجة إلى التغيير.

بالنسبة لي الأمر واضح، هناك تجديد حتمي يجب أن يحدث لأن الفهم التقليدي منتهي الصلاحية، في نفس الوقت ثمة ثوابت لا بد من المحافظة عليها كي لا يتحول الأمر إلى - فلتنة - باسم التجديد ( وهو ما حدث عند البعض). أرى –مثلا- أن ثمة مشكلة كبيرة في التعامل مع الحديث الشريف، ولكن حل المشكلة بنسف الحديث كله ( كما يفعل من يسمون أنفسهم بالقرآنيين)، يزيد المشكلة تعقيداً ويسيء لفكرة التجديد وسمعتها.

التجديد حتمي، وهناك ما يجب أن يهدم فعلاً في فهمنا للدين، ولكن التجديد ليس مقاولة هدم فحسب كما يقدمه البعض. الهدم حتمي، لكنه هدم برسم البناء .

 

* هل هناك كتب أو برامج جديدة في جعبتك للعام المقبل ونحن نعيش الأيام الأخيرة من العام 2015؟

- إذا شاء المولى.. ستصدر رواية عن سيدنا بلال كما أسلفت، وهناك أيضا كتاب آخر، وربما يكون هناك عمل آخر.

 

* هل غيرت سفرتك الى أميركا شيئا من أفكارك؟

- دوما أفكاري تتغير، ولكن في اتجاه واحد.

أي تجربة يمر بها أي شخص تسهم حتماً في تغيير أفكاره، ما دام حيا.

يقال أن السماع بشيء لا يغني عن مشاهدته، وهذا صحيح. لكن يبدو أن القراءة يمكن أن تغني ولو نسبياً، كنت قد قرأت عن أمريكا كثيراً قبل الذهاب إليها، وساعدني ذلك في فهمها أكثر، لم يكن هناك صدمة حضارية على الإطلاق، كنت أعرف وأتوقع أغلب ما شاهدت.

إيجابية الفرد الأمريكي هي أكثر ما لفت نظري، خاصة بالمقارنة بتذمرنا عموماً كشعوب شرقية، وقد كتبت مقالاً عن الموضوع، تحدثت فيه عن سيدة عراقية كانت في الباص من نيويورك إلى العاصمة واشنطن، ولم تكن تتوقع وجود من يفهم عليها بينما هي تتذمر طيلة الوقت من كل شيء من السائق إلى الفندق الذي كانت فيه بكل ما نيويورك (قالت عنها أنها تشبه ساحة التحرير) وصولاً إلى حيث عطست واحدة من راكبات الباص معنا، فقالت السيدة لها بكل عفوية : وجععععع!.

 

* كلمة أخيرة لمحبيك وهم كثر ولمبغضيك أيضاً أينما وجدوا !

- للمحبين : الله يجعل ما بيننا عامراً دوماً..

للمبغضين: لا بأس، لا شيء شخصي ...والشعور غير متبادل !

 

حاوره : احمد الحاج

 

وقفة مع "ريمكس فلسطين" الذي اقض مضاجع اسرائيل بنسخته الإنكليزية فحاربوه بكل ما أوتوا من قوة  

 الضامن: قال لي، سميح القاسم، حين رآني مكتئبة ذات يوم "روان نحن الفلسطينيين لانملك ترف الاكتئاب"

 

مجموعة أعمال وثائقية هادفة تجاوزت المحلية الى العالمية في فترة قياسية بكل المعايير، حصل موقع إلكتروني يضمها على جائزتي (أفضل فريق رقمي للعام الجاري) و(الابتكار الرقمي) بالتنافس مع مؤسسات إعلامية دولية لها باع طويل جدا في هذا المضمار كالغارديان، وبي بي سي، وهافنغتون بوست الدولية، والقناة الرابعة البريطانية، وفايس نيوز والتايمز اللندنية للفوز بواحدة من أهم الجوائز العالمية في حفل جوائز الإعلام الرقمي التي اقيمت في العاصمة البريطانية لندن، لتحصل صاحبة فكرة وقائدة مشروع "ريمكس فلسطين التفاعلي"،  المخرجة  روان الضامن، و بعد اشهر قليلة من التكريمين السابقين على "جائزة الإبداع الإعلامي" لعام 2015 من مؤسسة الفكر العربي ومقرها بيروت، ما يؤشر الى ان القضية الفلسطينية بإمكانها الوصول الى العالمية التقنية في حال تقديمها بطريقة مبتكرة وجديدة خارج عالم الشاشة الصغيرة والتي أنتج من أجلها أصلا، بهدف تلافي النقص الشديد في الرواية الصحيحة عن فلسطين عالميا،  وكان لابد لنا وبعد كل هذه الإنجازات الكبيرة التي تخدم القضية المركزية الأم وفي وقت قياسي ان نحاور العقل المدبر وراء المشروع الإعلامية "روان الضامن" عن هذا الإبداع الوطني الذي اقض مضاجع الكيان الصهيوني ولا اقول اسرائيل.

 

* كيف تمكن فريق صغير جدا من محترفي البرمجة والتصميم والصحافة المعلوماتية والرقمية وبالتنسيق مع مخرجي الأعمال الوثائقية الجادة، من ان يقدموا نافذة تفاعلية غير مسبوقة للعالم لموضوع سياسي وتاريخي عميق يغطي جوانب القضية الفلسطينية بصريا ومعلوماتيا، عبر مقاطع الأفلام الوثائقية والخرائط التفاعلية وغيرها؟

- بحمد الله عز وجل، تمكنا في إطار فريق صغير مخلص من إنجاز هذا الموقع الإلكتروني. الحقيقة أن العمل وراء ريمكس فلسطين ابتدأ منذ وقت طويل، وبالتحديد منذ عام 2008 حين بدأت بإعداد وإخراج سلسلة النكبة عن القضية الفلسطينية، وهي سلسلة في أربع ساعات وثائقية ترجمت إلى اليوم إلى عشر لغات متاحة على اليوتيوب، بما فيها لغة الإشارة.

حين بدأت العمل على سلسلة النكبة، وكفلسطينية مطلعة على تاريخ وواقع فلسطين، اعتقدت أنه من الصعب، خاصة مع عشرات بل مئات الافلام الوثائقية والدرامية عن فلسطين، أن أقدم جديدا على مستوى المضمون والصورة، لكني مع بدايات العمل، ومشاهدة عشرات الساعات الوثائقية والدرامية الصهيونية لمحاولة الرد عليها، وجدت أن هناك نقصا فادحا وغير مبرر في الأعمال الوثائقية الحقيقية عن القضية الفلسطينية، وأقصد ب"حقيقية" تلك القائمة على المعلومة الموثقة المدققة المبذول جهد عميق في البحث عنها مع شكل بصري جذاب ومناسب للعصر الذي نعيش مع حبكة تشويقية تجعل المشاهد لا يمل من تلقي المعلومات على لسان الراوي (إن وجد) أو الضيوف. وبعد بث سلسلة النكبة على شبكة الجزيرة ثم عرضها في العديد من المهرجانات الدولية، اكتشفت الحاجة الماسة "عالميا" وليس "فلسطينيا وعربيا" فقط لأعمال عن القضية الفلسطينية، فنحن نعتقد، والمتضامنون معنا يعتقدون، أننا نعرف الكافي والكثير، لكن الواقع أن الكثير غيّب عنا عمدا وقصدا. وهكذا وجدت انني كمخرجة فلسطينية لا يجب أن أكتفي بإخراج أعمال بنفسي عن فلسطين، لأنني وإن عملت ليلا نهارا، وهذا ما أعمله منذ 15 عاما، لن أستطيع في عام أو عامين أن أنهي عملا وثائقيا واحدا، بينما لو أشرفت على إنتاج خارجي من بعيد مع نخبة من المخرجين والمنتجين الفلسطينيين والعرب، فسأستطيع أن أنقل أفكاري وطريقتي في العمل لفرق ميدانية متعددة، وهكذا بدأت الإشراف مع فريق صغير جدا على برنامج "فلسطين تحت المجهر" والذي استطعت من خلاله خلال السنوات القليلة الماضية متابعة إنتاج عشرات الأفلام عن فلسطين من الفكرة إلى ما بعد البث، وكذلك بتعاون مع قناة الجزيرة الإنجليزية تم ترجمة هذه الأعمال من اللغة العربية إلى الإنجليزية وبثها للجمهور العالمي. أذكر عندما بدأت البحث لفلم النكبة أواخر عام 2007، كان الفيس بوك كوسيلة للتواصل الاجتماعي جديدة بين الزملاء في العمل، وكانوا يتحدثون عن الفيس بوك كاختراع جديد، لكن مع عام 2014 وثورة التواصل الاجتماعي، وجدت أن الفلم الوثائقي لا يجدر أن يبقى حبيس الشاشة التلفزيونية واليوتيوب، وأنه يجب أن ينطلق إلى مجال مختلف جديد، ولذلك بدأت البحث مبكرا عن تقنية جديدة مختلفة، وعلى مدى سنوات كنت أطلع وأبحث، إلى أن تعرفت على تقنية تتطور منذ عام 2010 تقريبا تختص بارتباط الفيديو بالنص، وراسلت مع زميلي في العمل محمد حداد، وهو منتج أول في قسم الموقع الإلكتروني للجزيرة الإنجليزية، المبرمجين الذين يعملون على هذه التقنية، وهي تقنية مفتوحة لكل الناس، وليس احتكارا، وأقنعتهم نشكل فريقا صغيرا لثلاثة شهور فقط ونطبق التقنية التي لديهم على المضمون الذي لدي، وهو أولا21  ساعة وثائقية عن فلسطين بأربعة لغات، أي 84 ساعة تلفزيونية، ولم يكن التحدي سهلا، فهذا يعتبر كما كبيرا جدا من العمل على مستوى الفيديو والنص، وكذلك على مستوى تقطيع الفيديو وتقطيع النص، كما أنني عملت أيضا مع فريق صغير لإنتاج مضامين مساندة لهذه الأفلام من خرائط تفاعلية وتسلسل زمني تفاعلي وتعريفات إضافية واختبارات، لتكون رافدا لمن يريد استخدام هذه الأفلام في إنتاج مواد بصرية عن فلسطين أو في عملية التعلم عن فلسطين.

لقد كان همي منذ عدة سنوات أن العديد من الشباب والشابات لا يشاهدون التلفزيون بالطريقة التي عرفناها نحن من مشاهدة التلفاز في العقد الماضي، وأنهم يشاهدون على اليوتيوب مقاطع بمدد قصيرة محدودة، ولذلك هدفت من ريمكس فلسطين أن يستطيع هؤلاء الشباب أن يصلوا للمضمون الوثائقي عبر الإنترنت ويشاهدوا أي مقاطع قصيرة هم يختارونها بأنفسهم ويشاركون بها على وسائل التواصل الاجتماعي.

أعتقد أن السر وراء نجاحنا بحمد الله، تقنيا ومعرفيا، أن الفريق كله آمن بالفكرة، ووجد أنه لا بد أن نقدم شيئا لفلسطين، المبرمجون الذين لم يكونوا يعرفون شيئا واحدا عن فلسطين كقضية أو كظلم واقع، احسوا سريعا بعد مشاهدة جزء من الأعمال الوثائقية أن هناك مبدئا وهدفا سيسعدهم أن يكونوا جزءا منه ويقدموا له شيئا، لذا عملنا ليلا ونهارا ثلاث أشهر كاملة لإطلاق الموقع بنسخته الأولى قبل التحسينات والإضافات على مدى العام الماضي 2015.

 

* فاز موقع "ريمكس فلسطين" التفاعلي بجائزة تكريمية من الأكاديمية الدولية للفنون والعلوم الرقمية في نيويورك "جوائز ويبي" والتي يطلق عليها "أوسكار الإنترنت" في دورتها التاسع عشرة لعام 2015، عن فئة "أفلام الفيديو على الشبكة، بمشاركة 13 ألف متقدم من 60 دولة، وتم اختيار "ريمكس فلسطين" مع ثلاثة مواقع إلكترونية أخرى عبر العالم في فئة "أفلام الفيديو على الشبكة" لـ"جودته الفائقة" كيف أمكنكم ذلك؟

- لقد اعتمدنا على تقنية تطورت عبر سنوات خمس "تقنيا" لكنها لم تطبق ولا مرة واحدة عربيا، وحاولنا تطبيقها بأعلى درجات الجودة. عربيا بالطبع كان هذا التطبيق لهذه التقنية وما زال الوحيد، فالمحتوى العربي التقني على الإنترنت ما زال ضعيفا جدا مقارنة باللغة الإنجليزية. جائزة الويبي، وكانت الجائزة الأولى التي نحصل عليها في مارس/آذار عام 2015 كانت بالتركيز على الجانب التقني، وما أعجب لجنة التحكيم في "أوسكار الإنترنت" أن الموقع يسمح للمستخدم أن يختار أي مقطع فيديو يريد من أي الـ 84 ساعة ويلصق المقاطع ببعضها بعض بسهولة عالية ويبني فيديو جديد. هذا التطبيق بهذا الشكل كان الوحيد عالميا في ذلك الوقت، لذا كنا في الريادة التقنية في هذا المجال. لكن جائزة الويبي كانت جائزة تكريمية، تبعها بحمد الله جائزتا الإعلام الرقمي في لندن، وكانتا للفريق وآلية عمله وللابتكار التقني في يونيو/حزيران 2015، ثم جائزة الإبداع الإعلامي في كانون الأول/ديسمبر 2015.

 

* اضفتم حلقات جديدة من برنامج "فلسطين تحت المجهر" على موقع ريمكس فلسطين، بعد أن ترجمت إلى لغات اخرى  وهي حلقات "حكايات من الانتفاضة الأولى- الجزء الأول والجزء الثاني"، و"فسيفساء" حول يهود المغرب، و"منسيون خارج الوطن" لماذا برأيك هذه الإضافة وهل سجلت حضورا وبالأخص انها تعرض عبر شبكة الجزيرة؟

- بعد الإطلاق الأول نهاية عام 2014، تم إضافة ساعات وثائقية جديدة للموقع، وهي ساعات في أعلى مستوى من الجودة التقنية ونمتلك حقوقها وتوثيق حقوقها لنستطيع إضافتها، لذا وصلت عدد ساعات الموقع حاليا إلى 120 ساعة وثائقية، بينما عند الانطلاق كان مجموع الساعات 84 ساعة وثائقية. إن الأفلام التي تمت إضافتها مؤخرا، وأتحدث مثلا عن "فسيفساء" تناولت قضية مسكوت عنها تماما في الإعلام العالمي وهي أن جزءا من يهود المغرب، تركوا المغرب أواخر الخمسينات وأوائل الستينات نتيجة عمل الدعاية الصهيونية والموساد المكثف، اكتشفوا بعد أن وصلوا "إسرائيل" وعاشوا فيها أنهم يريدون العودة إلى المغرب، وهنا تبدأ الحكاية، في هجرة عكسية لليهود العرب، يتحدثون بنقدية عن حرص إسرائيل على تقديم نفسها للعالم دولة أوروبية وتجاهل اليهود العرب وتهميشهم، إضافة إلى هوية اليهود العرب "العربية" التي تم قمعها وحصارها لخلق فكرة "الصهيوني الجديد" الذي هو بالضرورة يحتقر العرب وينظر إليهم بدونية!

 

* في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2014 اطلق "ريمكس فلسطين " ليسجل حضورا تفاعلياً باللغات العربية والإنجليزية والبوسنية والتركية، حدثينا عن الإرهاصات التي تبلورت في اطارها الفكرة وكيف تم تحويل الحلم الى حقيقة ملموسة؟

- فعلا، كان حلما وتحول الى حقيقة، إن الأمر كان صراعا مع التقنية بالاساس، خاصة ما يتعلق باللغة العربية، لان تحويل الصوت باللغة العربية إلى نص، خاصة حين لا يكون باللغة العربية الفصحى، بل بالدارجة أو العامية، ما زال لم يصل لمستوى متقدم، لذا كان التحدي التقني كبيرا جدا، كما أن تحدي الوقت كان عاملا إضافيا، فمع محدودية الموارد للفريق واهتمامنا أن يتم الإطلاق في يوم الأمم المتحدة العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهو ذكرى التقسيم أيضا، وضع تحد إضافي، كما أنه تحدي عمل شيء جديد، فمنذ اللحظات الأولى للتخطيط الفعلي لبدء العمل للموقع الإلكتروني صيف عام 2014 واعتماد مدير عام شبكة الجزيرة بالوكالة د. مصطفى سواق للفكرة، إلى غاية إطلاق الموقع في 29 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014 لم أكن أعرف كيف في النهاية سيكون شكل الموقع فنيا وموضوعيا وتقنيا، لأن التحدي لم يكن بسيطا على كل المستويات، لكني كمشرفة على المشروع تحريريا ولوجستيا بكل تفصيلية من تفاصيله، كنت مؤمنة أن الله سبحانه وتعالى سيوفقنا لأن نيتنا جميعا في الفريق كانت تقديم شيء للقضية الفلسطينية إعلاميا وتعليميا.

 

* كلمة "ريمكس" تعني فلمك أو قصتك التي أعدت بناءها باستخدام أفلام الموقع وأدواته المتقدمة تقنياً، ماذا يعني ذلك؟

- أطلق على الموقع اسم ريمكس فلسطين مدير موقع الجزيرة الإنجليزية الزميل عماد موسى، وهو كان من أشد الداعمين لفكرة ريمكس فلسطين، وكلمة "ريمكس" تقنيا تعني قص ولصق أجزاء مختلفة لتشكيل شيء جديد، وهي كلمة أجنبية لكنها أصبحت مستخدمة عربيا على نطاق واسع، خصوصا في مجال الأغاني. وقد كان الاسم مناسبا جدا للفكرة، ذلك أن فكرة الموقع الإلكتروني أنها تسمح للمستخدم بقص ولصق أجزاء مختلفة من الفيديوهات والأفلام المتوفرة ليبني قصة جديدة عن فلسطين ويشرك بها مباشرة أصدقاءه عبر وسائل التواصل الاجتماعي فيس بوك وتويتر وغوغل بلس وإيميل. لقد قال لي أحد الزملاء إن فلسطين نفسها هي "ريمكس" اليوم، وهذا صحيح، فمع تقطيع أوصال فلسطين إلى الضفة الغربية والداخل الفلسطيني وقطاع غزة، تم  تقطيع الضفة الغربية إلى كانتونات تحيط بها المستوطنات الإسرائيلية المسلحة التي تحتل أكثر من ستين بالمائة من مساحة الضفة الغربية، أصبحت أرض فلسطين "ريمكسا" حقيقيا بحاجة للوحدة والتحرير. ولكني رغم كل هذا التقطيع، وملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين لا يسمح لهم حتى بزيارة فلسطين، ما زلت أرى أن ما يجمع الفلسطينيين أكبر بكثير مما يفرقهم، ففقدان الوطن يجعل كل فلسطيني معه جواز سفر أمريكي أو وثيقة لبنانية أو محاصر في غزة يشعر أنه "فاقد للوطن" وأنه "محروم" من الوطن، وبالتالي تتجذر فيه المشاعر الوطنية الفلسطينية.

 

* حصلت على جائزة مؤسسة الفكر العربي في بيروت عن برنامج "ريمكس فلسطين" لماذا برأيك تم اختيارك للجائزة؟

- أعتز كثيرا بهذه الجائزة، التي سلمني إياها مؤسس مؤسسة الفكر العربي الأمير خالد الفيصل الذي قال "في ظل التناحر المهين بين القبائل والطوائف والأجناس في الوطن الحزين تنسى فلسطين".

 أنا سعيدة بهذه الجائزة ليس لأنها الجائزة العربية الأولى التي تهتم بفلسطين، فكل الجوائز السابقة كانت أمريكية وأوروبية، لكن لأنها جائزة لم تركز على الجانب التقني في المشروع، بل ركزت على الجانب الإعلامي والفكري، فجميع الأعمال الوثائقية في ريمكس فلسطين هي تقدم فلسطين بطريقة مختلفة، تقدم جوانب لا يهتم بها الإعلام التقليدي أو الإخباري، بل تركز على الجوانب الوثائقية التي تصف حياة الإنسان في التاريخ والوقت المعاصر، وتقدمها برؤية عربية وإنسانية شاملة، وهذا أحد أهداف مؤسسة الفكر العربي التي قدمت منذ تأسيسها منذ قرابة 15 عاما اهتماما بفكر عربي إنساني شامل، وحدوي لا إقصائي، يعلي من قيمة الإنسان العربي وحريته وكرامته عبر الثقافة والفكر والتواصل، وهو ما نحن في أمس الحاجة إليه اليوم مع الدم العربي النازف من ليبيا إلى سوريا، ومن اليمن إلى العراق. وهو ما حرصت في جميع أعمالي الوثائقية من سلسلة رائدات عن النساء الرائدات في الوطن العربي (عام 2007) إلى سلسلة النكبة (عام 2008) والسلام المر (عام 2009) ثم سلسلة اصحاب البلاد عن فلسطيني الداخل (عام 2010) ثم الطريق إلى 25 يناير (2011) وصولا إلى ثمن أوسلو (عام 2013) على تقديمه لمشاهد عربي أولا وعالمي ثانيا أحترمه وأقدره كثيرا.

 

* تودّد الموقع إلى الفلسطينيين والعرب عبر عبارة (مُحيت فلسطين عن خارطة العالم ..هنا نوثّق بالخرائط والصور)، ترى ماهي ردة فعل الصهاينة ازاء هذا الفعل الذي يمحو ماخططوا له ويخططون من محو مبرمج لفلسطين وتراثها من الخارطة البشرية والتاريخية هل تعرضتم الى هاكرز ..كراكرز ... هجوم اعلامي من قبلهم؟

- بالطبع، المشروع الصهيوني، والذي يرى أنه ما زال في بداياته، يحارب كل رواية تضاد روايته، ولأننا نرى أن "من يملك الرواية، يمتلك الأرض" فإن الصراع على التاريخ والرواية في صلب اهتمامي. لاحظت أن المشروع الصهيوني لا يركز على النسخة العربية من ريمكس فلسطين، ولا على النسخ البوسنية والتركية، لأن معظم البوسنيين والأتراك مناصرون للقضية الفلسطينية، لكن النسخة الإنجليزية هي التي تتعرض لمحاولات الهجوم التقني والمحاصرة من الاقتحام عبر مواقع البحث مثل غوغل  وحتى المحاربة عند الفوز بجائزة، وقد تعرضنا لكل هذا. لقد بدأ ريمكس فلسطين يستخدم كجزء من المنهج الدراسي في عدد من الجامعات في بريطانيا وهولندا وفلسطين، ومنذ الحصص الأولى بدأ المناصرون للمشروع الصهيوني من أساتذة وأكاديميين هجوما على الموقع، أحيانا بشكل علني وسافر، وأحيانا بشكل خفي ومستتر. أذكر كيف تم ترشيحنا لجائزة ووضع اسمنا على الموقع الإلكتروني ثم بعد 24 ساعة وبعد ضغوط المشروع الصهيوني تم محو اسم "ريمكس فلسطين " نهائيا وكليا من قائمة من فازوا بهذا التكريم! الواقع أن المشروع الصهيوني "مشروع" بكل معنى الكلمة أي أنه يجند الأشخاص والموارد المالية والخطط الواضحة للوصول للهدف، بينما معظم أعمالنا نحن الفلسطينيين والعرب هي جهود صغيرة محدودة تقوم على التضامن والتعاطف والتطوع لذا فإن الأفراد لا يراكمون الخبرة المطلوبة والموارد المالية التي قد تبدأ قوية تشح مع الزمن، ولذا أجد لزاما علينا أن نمأسس مشاريعنا أكثر لنكون على مستوى التحدي.

 في أحد لقاءاتي مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، رحمه الله، ذكرت له أني محبطة من محاولاتنا الاختراق على المستوى الإعلامي والتقني العالمي من أجل قضية فلسطين بالأعمال الوثائقية وفشلنا في أكثر من محاولة وقلت له أنني "مكتئبة" فرد علي مباشرة: "روان، نحن الفلسطينيين لا نملك ترف الاكتئاب".

 ومنذ ذلك اليوم، وتلك الجملة ترن في عقلي كلما واجهت عراقيل وعقبات وأعداء النجاح وأعداء فلسطين، أبقى أعمل وأقول أن العمل المتفائل وحده هو طريقنا من أجل الحرية.

 

* سؤالي الأخير، ما جديد روان الضامن في 2016؟

- أولا أهديك، أخي أحمد، ولقرائكم الكرام في العراق الحبيب أطيب الأمنيات مع عام جديد، جعله الله عام أمن وأمان على وطننا العربي الذي يسعى الجميع لتمزيقه، فما حصل ويحصل في فلسطين، حصل ويحصل الآن في أكثر من مكان في وطننا العربي لأننا سكتنا عن فلسطين، ولم يكن واضحا أن الأمر ليس مستهدفا به فلسطين وحدها، بل الأمة العربية كلها.

 سأحرص في 2016 أن يصل ريمكس فلسطين ليكون جزءا من المنهج الرسمي والنشاط اللامنهجي في أكثر من مكان في وطننا العربي وفي الخارج لأن أملي في الأجيال القادمة التي ستتسلح بالعلم والمعرفة والمبادئ والقيم لتستطيع مقارعة المؤامرات الصهيونية التي تحاك لنا.

887-khoulod(عريان .. ولكنه مازال يرتدي ثوب وطنه ونسبه العلوّي وسيبقى على قيد عراق الحسين) .. الشاعر والسياسي والإعلامي عريان سيد خلف لـ (المثقف) :

- وانا اسير في هذا الغرق ببغداد بسيارتي واسمع من احدهم ألا تكتب لي قصيدة عن هذا الفيضان؟ سأكتب عن وعيك اولا ثم سأكتب عن هذا الوضع .

- عندما فُزت كنت أتصور اني سأنفذ ما براسي من أفكار وان اخدم شعبي بشكل صحيح ولكني وجدت انها .. (احابيل للفٍ واغتصابِ .. فما شيخي وقسيس النصارى وحاخام اليهودِ، سوى ذئابِ) .

- أقول للصحفي والإعلامي .. قلمك شرفك فمن لا قلم صادق له لا شرف له .

- قصيدة (تغيرت والناس ماهي الناس .. شرّابت قواطي وخيبت ظني) تنطبق على الكثيرين ممن يخيبون الظن من لا يصدقون في الكلام، من يغدرون بالصداقات وبالأخوّة .

- اكتب بالفصحى واكتب بالشعبي المسألة سيان عندي لا يختلف هذا عن ذاك ولكني اشعر ان المفردة الشعبية هي اداتي .

 

 

حديثه بنكهة الأرض الفريدة، كلماته تلامس شغاف القلب وتحرك بداخلك الحنين حتى ولو لم تغادر بلدك .. شفافة نقية عميقة الأثر في النفوس .. تقف الكلمات امام هذا الجبل خَجِلةً وجلة .. لأنه ربان بحرها تهابه لأنه يملكها ويملك زمام امرها .. ومازال يتسلق قمم الابداع – عريان سيد خلف ..

حالة استثنائية في الشعر الشعبي لن تتكرر.. يبقى كبير وان ضاقت به السبل، يحمل حنينا فريدا ومن حنانه قد فاض على ما حوله رغم مرارة الحياة فقال له (أحن لمسامرك والكًاك شلكًاك .. شَرِي المعشر حلاوة شوك مابيك)، فأتعبه الحنين فأخبره لو(تدري شكثر تعبان ألهث والدموع يخَضّر إلها لسان) عاد وانار قمرا في ليله (رد الكمر واشتهت روحي اتنشف الدمعه ابعباته) واحب كل شيء .. (بالكيف هو الكلب لمن يحب بالكيف) حب الوطن والأرض اغلى واسمى حب له (طفح غيض الشوارب بالفناجين) .. حلو المعشر سلس الحديث وللفراق لا وجود عنده (لا تجينه ..لا تجينه .. جان كلت ابوجه الابيض غير معشركم لكينه) .

عريان السيد خلف --- في حوار مباشر خص به .. المثقف .

 887-khoulod2

عريان سيد خلف شخصية سياسية وادبية عراقية .. تعتبر من رواد الشعر الشعبي .. هل لك كتابات بالفصحى؟

- الشعر عموما لا يتجزأ بين شعر شعبي او فصيح، الشعر هو شعور وهو تعبير عن واقع معين بمدى إحساس كاتبه الذي يكتب الشعر وتختلف الأداة ولكن الشعر واحد وهناك قول لنجيب سرور يقول : الشعر مش بس الشعر ان كان مقفى وفصيح الشعر لو هز قلبي قالوا لك شعرك صحيح .. اكتب بالفصحى واكتب بالشعبي المسألة سيان عندي لا يختلف هذا عن ذاك ولكني اشعر ان المفردة الشعبية هي اداتي لان انحداري انحدار قروي ريفي جنوبي فاشعر ان المفردة الشعبية تتشظى لعدة دلالات وعدة معانِ لذلك امارس الكتابة بالشعبي .

 

بعد غياب رموز الشعر الشعبي من اقرانك أمثال زامل سعيد فتاح وكاظم إسماعيل الكاطع .. كيف ترى واقع الشعر الشعبي في الوقت الحاضر؟

- رموز الشعر الشعبي كثيرة ليس زامل او كاظم كثيرون منهم كاظم الرويعي رحمه الله كثير من الأسماء منهم عزيز السماوي وشاكر السماوي وعلي شيباني وكثير من الشعراء المبدعين الذين تميزت كتاباتهم وأصبحت لهم مساحة كبيرة في ذائقة الفرد العراقي، انا اعتقد واحد من هؤلاء لا اشترط ان تكون لي مساحة مميزة ولكني استطعت ان اصل الى الناس وهذه نعمة كبيرة بصدقي معهم، بان تكن صادق مع نفسك تكن صادقا مع الناس يجب ان لا تكذب ولا تفتعل الأشياء حتى لا تجعل حجابا بينك وبين الاخرين، كن عفويا، كن طبيعيا، تكن قريبا من قلوب الاخرين .

 

وما واقع الشعر الشعبي الان؟

- أي حركة إبداعية في كل الازمان والعصور تتعرض الى الكثير من الغث والتدمير والانهيارات ولكن هي كالموجة كما يقال او يقول المثل، حينما تنحسر الموجة على الشاطئ تترك ما علق بها وتعود صافية الى البحر، انا أتوقع بعد هذا الكم الهائل من الشعراء الذين يحاولون ان يُفسدوا الذائقة الشعبية العراقية بدليل اني اسمع وانا اسير في هذا الغرق ببغداد بسيارتي واسمع احدهم يقول لي ألا تكتب لن قصيدة عن هذا الفيضان؟ سأكتب عن وعيك اولا، ثم سأكتب عن هذا الوضع، او انا اشتري شيئا مثلا او اتسوق فيأتيك شخص فيقول لك اكتبلي قصيدة عن الرّقي وبضحكة سمجة لا تمت للذوق بشيء، فهكذا مفاهيم او هكذا نماذج شعرية أوصلت الذائقة العراقية الى ان تطلب من المبدع او الشاعر ان يكون (عرض حالجي) واخر يقول لي اكتبلي عن امي او اختي او عن حبيبتي او صديقتي .. جاءني احدهم وقال لي ألا تكتب لي عن صديقتي قصيدة؟ قلت له :طيب عرّفني بصديقتك ودعني أعيش معها فترة وسأكتب لك ما تريد كيف اكتب عن شيء لم اعايشه ولم احسه ولم اعرفه؟

 

هذا يقودنا الى امر حضرتك اوضحته حينما طلب منك احدهم الكتابة عن صديقة او حبيبه هذا يدل على ان هذا الشخص لا يشعر بها او لم يحس بأي إحساس تجاهها؟

- لا هو قد يفتقد الى الكتابة او الموهبة ولكن وعيه وعي محدود وهذا ليس ذنبه ذنب المجتمع بشكل عام ولا المجتمع انه ذنب الأنظمة التي حاولت تبسيط او منع الانسان العراقي من ان يتقدم او من ان ينتبه الى القراءة الى الثقافة الى الوعي كيف ينتبه وهو امام هذه الطواحين؟ من الخدمات او القتل من الدماء ينشغل بمن؟

 

أين الإرادة اذاً؟

- هل تستطيعين ان تقرئي كتابا بعد ان تذهبي للبيت؟ انا لم اقرأ منذ عشرة سنين أي كتاب لأني لا استطيع ان اقرأ .. لأني حينما اصل للبيت اول شيء أقوم به افتح التلفاز وابحث عن محطات وعن اخبار وعن كذا مسألة ..

 

أليست القراءة حاجة كالعطش والجوع بحاجة الى اشباع؟

- القراءة حاجة ملحة ولكن .. انت قلق كيف تكتب وانت في جحيم نار؟ كيف تكتب؟ كيف تقرأ؟ القراءة تريد استرخاء .

 

وهل الكتابة للمترفين؟

- لا اقصد الترف انما اقصد الأمان اقصد .. (اعطني خبزا ومسرحا اعطيك شعبا مثقفاً) وليس رصاص وكاتمات صوت ودماء ومآسي ونقص خدمات وتريد مني ان اكتب لك ! اكتب لك عن الدم؟؟ نعم، يعني لا يوجد بلد انشغل بالدماء والحروب وصار لديه مبدعين، خذي إسرائيل هل تسمعين هناك شاعر إسرائيلي كبير؟او مطرب إسرائيلي كبير؟ همُها ليس هذا انما همُها الدم والرصاص والقتل والاعتداء .

 

ممكن لهذا الضغط ان يُولِد مبدعين؟

- قلت اعطني فسحة من الهدوء من السكينة من عدم النقص في الخدمات ومن ان اطمأن الى ان اعود الى بيتي سالما وان اجد عائلتي سالمة ان اجد قوت يومي ..سأكتب، لان الكتابة هي شيء او حافز في داخل الروح يبعث على ان تعبر عما تحس، ولكن ليس بهذا السخط، بهذا الغضب، بهذه الأشياء التي لا تُقهَر.

 

اين الشاعر عريان سيد خلف في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق؟

- اين؟ انا في العراق، عشت بالعراق، وبقيت بالعراق، سافرت وعدت، وهكذا لم اتغير، انا ابن هذه الأرض ولن يقتلعني احد منها الاّ ان يقتلع الأرض برمتها .

 

قصيدة (القيامة) وقصيدة (كلها منك) ما وقعها على عريان سيد خلف؟

- قصيدة (القيامة) تحكي عن واقعة الانتفاضة بعد عام من سنة واحد وتسعين وحالة الناس وأين وصلت الانتفاضة والموت المجاني الذي عانينا منه، اما قصيدة (كلها منك) هي قصيدة مَرْثية او تداعيات ستينية، اقصد بها ثورة 14 تموز المجيدة التي راحت هدرا، وسمحت للقتلة والمأجورين بالنفاذ الى بنية الثورة والقيام الى 63 الفاشي .

 

مع السياسة ..هل في النية دخولك الى العمل السياسي وانت تمتلك شعبية واسعة؟

- رُشحت للبرلمان في الدورة الأولى وفُزت بالإجماع، ولكن في اليوم الثاني انسحبت .

 

بسبب؟

- السبب لأني احب ابي ولا اريد ان يُشتم، لان البرلمانيين يُشتَمون في اليوم مئات المرات، انا احب والدي واحب نفسي ولا اريد ان اُحْتَقَر امام شعبي .

 

اليس البرلمان هو صوت الشعب؟

- هذا في الكتب، لكن في التطبيق لا .

 

حُزتَ على ثقة الناس بك، بدليل فوزك بأعلى الأصوات ووصلت الى البرلمان؟

- لقد غرُّوا الناس وكذبوا عليهم .

 

وفوزك ووصولك للبرلمان؟

- عندما فُزت كنت أتصور اني سأنفذ ما برأسي من أفكار وان اخدم شعبي بشكل صحيح ولكن وجدت انها (احابيل للفٍ واغتصابِ .. فما شيخي وقسيس النصارى وحاخام اليهودِ، سوى ذئابِ) .

 

ماذا عن تجربتك في الصحافة والاعلام .. اذ عملت محررا لعدة صحف ومقدما للبرامج؟

- انا اعمل في الصحافة منذ السبعينات سواءً في الصحافة السرية او العلنية ومشرف عام، والان انا المشرف الصحفي عن (مجلة الدعم) وكذلك محرراً في (جريدة طريق الشعب الغراء) احرر (صفحة الادب الشعبي) واكتب عمودي المشهور(طك بطك) كذلك تدعوني بعض القنوات للحوار او لجلسات شعرية ثم قدمت بعض البرامج لبعض القنوات تختص الشعر الشعبي وتختص بالفلكلور والموروث الشعبي واعتقد اني نجحت في التقديم ثم وجدت ان بعض القنوات تريد ان تُسخِر من يعمل فيها الى قطاعات أي تشترط عليه ان يعمل كذا وكذا وانا لا أأتمر بأمر احد، انا لا استجيب الاّ للعقل .

 

ماذا تنصح الإعلامي المبتدأ كونك تعمل بمجال الاعلام؟

- اشترط ان يكون الإعلامي كالسيف حاداً وناعماً، اشترط ان يكون الإعلامي جريئاً كما كانت هذه الإعلامية هيلين الامريكية والتي وقفت امام رئيس أمريكا وقالت له : (انت تكذب .. you are lying) .. فالصحافة قوة وشجاعة وسلطة والصحفيين الكبار هم من يدفعون ثمن الكلمة الصادقة حتى لو كانت دماؤهم .. على الصحفي الذي يدخل هذا الكون الصحفي يجب ان يكون جريئاً وشجاعاً وباسلاً وصادقاً وان لا يزود على الحقائق .

 

ماهو المرض الذي يجب ان يبتعد عنه الصحفي او الإعلامي او ماهي الآفة؟

- الآفة التي يجب ان يبتعد عنها الصحفي او الإعلامي هي ان تحاول ان تُرضي .. تُرضي رئيسك او تحاول ان تُرضي من تقابله او تتابعه لتكشف خفاياه، يجب ان تكون بعيدا عن هذه الحالات وان تكون معتزاً بقلمك لان قلمك شرفك فمن لا قلماً صادقاً له لا شرف له.

 

التواضع .. أيرفع من الإعلامي او الصحفي ام يُذله؟

- الإعلامي هو رِفعَة، هو سلطة، الاعلام هو السلطة الرابعة ومتى ما ارتفع الانسان في داخله ارتفع في نفسه، ارتفعت المهنة ومتى ما شعر بانه ذليل وانه مُحتقر أُحتُقِرَت هذه السلطة ولن يستطيع ان يقدم للناس الحقيقة .

 

لمن تقرأ دائما وايُّ كتابٍ أَثر بك وايُّ كاتب؟

- اقرأ كثيرا ل اريوستوس واقرأ لماركيز سابقا واقرأ لكل العِظام ولكل الكتاب الكبار، اقرأ أيضا لبعض الروائيين العراقيين اقرأ شعرا لمظفر اقرأ لسعدي يوسف اقرأ لكثير من شعرائنا ويعجبني من الشعراء شعر حسين الرفاعي محمد علي الخفاجي رحمه الله وغيرهم من الشعراء الرائعين .

 

قصيدة (تغيرت والناس ماهي الناس .. شرّابت قواطي وخيبت ظني) من هم الذين خيبوا ظنك؟

- لا استطيع ان اشخص او اقول وابوح بمن، هي أشياء عامة تنطبق عليَّ وعلى غيري ..

 

وبالوقت الحالي على من تنطبق؟

- تنطبق على الكثيرين ممن يخيبون الظن من لا يصدقون في الكلام، من يغدرون بالصداقات وبالإخوّة .

 

الصيد .. انت صياد ماهر؟

- يقال .

 

اهم صيد بحياتك؟

- اهم صيد بحياتي هو الكلمة الرائعة او المفردة الرائعة .

 

كلمة أخيرة يقولها عريان سيد خلف؟

- أتمنى لكم الموفقية وأتمنى دائما ان ترتفعوا عن الأشياء التي تجافيها الروح والنفس وان ترتفعوا وتسمَون بسمو الكاتب الرائع الشجاع الذي لا يهاب شيئاً .

 

في النهاية لا يسعني الا ان اشكرك على سعة صدرك وارجو الا أكون قد اثقلت عليك ..

- شكرا لكم .

 

حاورته خلود الحسناوي

 

 

radi mutrafi- لا بأس من جعل سمك المسقوف لوحة تجذب العائلة للتمتع بها .

- الشعر والرسم يزيدان من انوثة المرأة لانهما يحتاجان الى حس عالي ومرهف .

هي امراة ذات طبيعة مختلفة تمر مثل نسمة عابرة لكنها تترك في الخيال شيئا من عبقها على شكل بسمة خجولة او جملة تكاد تكون مبتورة لكنها كافية للتعلق بأستار الذاكرة، اجمل مافيها روحها الخالية من العقد .. تربيتها .. حياؤها .. شجاعتها .. طيبتها واثقل ما فيها صرامتها كمعلمة .. اصرارها على العزلة .. خطوطها الحمراء .. ترسم بالقلم وبالفرشاة .. لوحتها قصيدة وقصيدتها لوحة من الكلمات .. تهوى الجوائز والمشاركة بالمسابقات والسفر لكنها لاتمارسه كثيرا .. لها فرح طفلة ورصانة امرأة وحياء حرة .. وصفتها وانا لست بصاحب قرب لصيق منها كزميل او صديق وليس بعيدا حد الجهل .. تكوينها الشخصي خليط من شخصية الريف الطيبة وبنت المدينة التي خبرت زحمة الحياة فتسلحت بالحذر وبموجبه حددت علاقاتها بالاخرين واولا واخيرا هي امراة توزعت بين اللوحة والقصيدة لكن هذا لايعني انها لاتجيد عمل (الدولمة) او الوقوف على التنور وانضاج الخبز المضمخ برائحة الارض الطيبة واعداد وجبات طعام اكثر جذبا من قوافيها وخطوط الوانها، حتى اسمها يخفي سرا فهو ليس بالغريب ولابالشائع ولا اعرف هل استوحى من اطلقه عليها من قول الله سبحانه في الآية المباركة (عذابهم فيها غرام) او انه استلهمه من قصيدة (الاولى في الغرام) التي شدت بها ام كلثوم؟ كل هذا وغيره ساضعه على طاولة الشاعرة والرسامة (غرام الربيعي) في دردشة لاتخلو من صراحة ومشاكسة وطرافة .

بعد شعوري بأني ارهقت الشاعرة والرسامة غرام الربيعي باسألتي التي ربما اجابة على مماثل لها في حوارات سابقة قررت لملمت اوراقي والاعتذار لها عن ما اخذته من وقتها المزدحم وربما سببت لها صداعا فأعتذرت لها ورحلت وفي سري اكتشفت ان للمرأة طاقة لاتنضب وقدرة على ادارة او اشغال عدة مجالات في وقت واحد .

 

انت من مدينة (صوفتها حمره) هل تم اختيار اسمك من القرآن او بعد سماع اغنية الاولى في الغرام؟

- لاهذا ولاذاك، كان أبي يحب أن تولد بنت للعائلة بعد سبعة من الذكور فغرامه للبنت عكس ماكان منتشراً في المجتمع القبلي في ميوله للذكور وعدم استحباب ولادة الأناث في العوائل، لذا ولدتُ انثى مكرّمة مرغوباً بولادتها، فأسماني أبي (غرام) ولازلت أحب مناداته لي (غروشة) ولاأدري ماتعني غروشة ههههه .

 

في بغداد مثل يقول: (رمانتين بفد ايد ماتنلزم) الشعر والرسم كيف تمسكين بهما؟

- لأن الرسم والشعر لاتمسكهما يد ويحتاجان وسعاً أكبر فقد مسكتهما روحي وفكري وكل حواسي، الشعر يمنحني دفء الحياة والرسم يمنحني جنة ألهو بها كيفما أشاء،كلاهما توأماي الغاليان نكون معا مثلث ممزوجاً برائحة الحياة وحوارات لاتنتهي . صحيح أن صيرورتهما من أصعب الحال وممارستهما تحتاج الكثير لكنهما عالمي الذي أحب .

 

ايهما اكثر يسرا عليك رسم لوحة او صناعة لوحة (سمك مسقوف)؟

- لاأدري مدى صحة تشابه الصورتين لديكَ، لكني عموما أتعامل بكل شيء في حياتي على انه لوحة تشكيلية أو مايتيسر من ذلك، الحياة لوحة كبيرة تفاصيلها تمثل الفراغات والألوان والأشكال في اللوحة،فلا بأس من جعل سمك المسقوف لوحة تجذب العائلة للتمتع بها كي تفعل مفعولها شعوريا بالسعادة، ولان الوجبة الغذائية مكررة فهي يسيرة جدا لكن المتعة العالية هي انك تعيش تجربة مختلفة مع كل لوحة وهنا تشعر بتجدد الزمن وتجديد النبض والاحساس الذي يوصلك بالعطاء والابداع وهنا العملية أسمى .

 

تدريس .. رسم لوحات .. نظم شعر .. تربية الاولاد .. طيب يأتي بأي مرتبة المسكين (الرجل) صاحب البيت؟

- ههههه من قال لك ان صاحب بيتي مسكين، بل قل هو محظوظ بأن له زوجة أوراعية بيت تمتلك أحاسيس شعرية وفنية ومربية لعائلته . وسأقول لك بكل صدق انه أحلى قصائدي وأقرب لوحاتي وشريكاً رائعاً فلا تحرّض على ما لاينفعك من حديث هههه أنا من يعطي كل ذي حق حقه قدر استطاعتي، أو هي موهبة أخرى .

 

اين تجد غرام نفسها .. في الشعر .. الرسم .. التعليم .. المطبخ؟ وماهو المجال الذي تمنت التخصص فيه؟

- أنا كلّي في كلّي أحب الشعر والرسم ومهنتي أما الطبخ هو موضوع آخر يمثل سد حاجة العائلة عند الضرورة وممكن الاستغناء عنه لضرورة ما ببديل آخر فهو وسيلة وليس غاية لانني مهما كنت طباخة ماهرة أو ربة بيت مميزة فممكن تجد هذه الصفة عند نساء كثيرات أما العطاء الابداعي فهو عمل سامي ومميز قد لاتجيده الا ّالقليلات فهنا المقياس ..أما الان بعد تجربة الحياة الطويلة أتمنى الان التفرغ التام والكامل لاستكمال مشروعي الابداعي في الشعر والرسم فقط .

 

بين روحية الفنان وروحية المعلم فوارق كثيرة وانفتاح الرسام على تجارب الاخرين يقابل صرامة المعلم واصراره على نمط تدريسي .. هل تزاحم هذا الاختلاف يسبب لك متاعب او يصيبك بصراع شخصيات؟.

- صحيح ماذكرته لكني أتخطى ذلك بقدرتي مؤمنة أن التدريس مهنة تأثير للوصول الى نجاح التلقي من الآخر (الطالب)، وأسلوبي بعقد علاقة الصداقة الانسانية هي منفذ لتذليل الصعوبات فحتى صرامتي يدركها الطلاب انه من وجه حق لتعليمهم، والامر الاخر هو انني أدرس مادة الفن التي هي من صميم رغبتي وقدرتي ..لذا لاأعاني كثيراً إلاّ من مسألة واحدة هي أن الفن مازال تحت طائلة الدرس الغير مهم في مدارسنا وفي عقلية الطالب فأبذل الكثير حتى أغيّر هذه النظرة القاصرة والتمس النتائج بشدة .

 

كيف تولد القصيدة؟ وهل هناك تجارب حقيقية ترجمت الى قصائد؟

- لحظة ولادة القصيدة لايمكن توصيفها بسهولة ولاتعتمد على نفس الظروف،فاللحظة الاستفزازية للتعبير تختلف في كل مرة ولامحددات لولادتها لانها مرتبطة بالحس والفكر وادوات التعبير فهي غير مصنّعة لكن بعد ولادتها أفكر في صياغتها أو اكسائها بثوب أكثر اناقة كي لاتبقى عارية . وبالتأكيد هناك تجارب حقيقية ترجمت الى قصائد لأن القصيدة أصلا هي محاكاة للواقع يشترك فيها المخيال الشخصي .

 

اين تضعين نفسك بين جيلك من الشعراء وبين رعيل الرسامين؟

- ليس من المنطق ان أضع تقييماً لنفسي، هذا مايحدده الرأي الغالب للنقاد والمتلقين أو ربما المقاييس المطروحة على الساحة، وفي كل الاحوال مامارست الشعر ولاالرسم كي أُصَنّف لمرتبة ما،أنا أعيش انسانيتي فقط وينتابني شعور خفي باني أحاول ان اكون عراقية مميزة،هذا ماأستطيع تقديمه لبلدي .ويبقى هاجسي بأني مازلت في أول الطريق لأن بجعبتي الكثير ومازلت أحب التعلم .

 

ماذا يعني لك التكريم؟ وهل يستحق العناء والسفر البعيد تكريم من جهة بعيدة عن مقر اقامتك؟

- التكريم هو رد فعل لعطائك ورمزية عالية بأنك تعيش بعالم يتفاعل مع ماتنتج،هو عمل ايجابي من باب العقاب والثواب ولايستوي العاملون والقاعدون،ويكذب من يقول انه يتجاهل فكرة السعادة لحظة التكريم . اذا كان رد السلام واجب فكيف بمن يود تكريمك،حتما يستحق التكريم الاستجابة من باب التأدب والتوثيق لعملك ورد الكرم بالأجابة والحضور وهذا طبعا ينطبق على الجهات المكرمّة ان كانت في مستوى بعيد عن السوقية والتسفيف والبتذال ومنح التكريم لمن هب ودب .وطبعا يشترط الذهاب بالاستطاعة ايضا .

 

• نص شعري علق بالذاكرة رغم تعاقب الايام؟

- نعم أول نص قرأته على منصة اتحاد الأدباء وشعرت بتفاعل الحضور معه بعد أن تجاوزت مرحلة الخوف من المنصة والألقاء وكان (أبابيلُ مرايا).

 

لوحة وجدت نفسك فيها؟

- لوحة بغداديات انجزتها بحوار ذاتي وذائقة خاصة، رغب بشرائها الكثير لكني لم أقرر بيعها لحد الان،ربما لاني احب التراثيات والبيئة الحميمية الغائبة الان .

نعم وجداً له تأثير،لان العمل يأخذ أغلب الوقت والجهد وانت محاسب رسميا على ذلك وهو مصدر معيشتك والابداع يحتاج الى وقت وجهد يعني تفرغ ومزاج لكنه ليس له مردود مادي يكفي حاجتك المشروعة ناهيك عن التداعيات على الصحة والوضع النفسي المتسبب من مشاكل العمل والتعامل مع اناس لايدركون معنى الاابداع والمواهب وسبب محبتك لممارسة ذلك .لذا صرت اتمنى التمتع بالتقاعد للتفرغ لمشروعي الثقافي .

 

لو تزاحم الرسم والشعر فيك .. لمن الغلبة؟ وايهما الحب الاول؟

- مشكلتي لاأنفك عن محبة الأثنين أحيانا اعطي الوقت للرسم واحيانا امارس الكتابة والقراءة ولكن ...الرسم يحتاج تحضيرات للمباشرة بالعمل اما الكتابة فأدواتها أسهل وممكن في اي مكان او اي لحظة ممكن تعمل ذلك، وصدقني أحياناً وأنا أغسل الصحون على المغسلة تراودني مشاهد حياتية ترتبها عبارات شعرية جميلة جداً،اغسل يدي مسرعة لتسجيل ماوثقته الذاكرة

وكلاهما الحب الاول ولو منحني الله سحراً لكتبت بيد ورسمت بأخرى .

 

من ابنائك من هو اجمل القصائد ومن هي اجمل اللوحات؟

- سؤال لاأجيد الاجابة عليه،لان لكل منهم لونه وقافيته .فلا تفضيل هنا

 

- ماهو موقف زوجك من انشغالك بالشعر والرسم؟ وهل يضايقه وجود معجبين لك في الرسم والشعر؟

اعتقد تواجده معي في محافل ذلك يعطي الأجابة فانشغالي ليس على حساب مسؤولياتي لذا انا اشعر بالتعب الشديد لاني أقتضب الوقت من استراحتي الخاصة، وهو ايضا يشعر بالغبطة حين انجز عملاً وربما هي من دواعي الحظ أنه من محبي الفن والشعر، اما وجود معجبين بالتأكيد لوكان بحدود اللياقة فهو سعيد بذلك لان معنى ذلك ان نتاجي ايجابيا ومقبولا ويستحق التضحيات أما اذا كان الاعجاب يتعدى حدود ذلك فهو شعور طبيعي بالغيرة المحبة لي وينبه على الرد اوتجاهل ذلك ولم يحصل كثيرا معي، فجميع اصدقائي يقدرون مكانتي ويمنحوني محبة نقية لاتثير حفيظة رجولته .

 

ورثت من في المجالين ومن وريثك؟

- ورثت ُ أخوتي في الفن والكتابة وحب القراءة اما الشعر هو محاولات خاصة تنامت بكثرة القراءة وحب الشعر، لي ابنة تهوى التصميم والرسم والاخرى تهوى فكرة الكتابة وربما تحب كتابة المقال والقصة ولي من افراد العائلة من الاقارب من يحاول في المجالين ويتمتعون ببعض الموهبة .

 

النقد عملية تقويم كيف تتعاملين معه؟

- لامشكلة عندي أو تحسس من عملية النقد على العكس احب سماع محاضرات النقد واقتني كتب عن ذلك واشعر بفائدة عند سماعه لاني سأنقب عن فحوى نصوصي القادمة قبل انجازها، لاافكر في النقد عندما اكتب وبعد تحرر النص من قبضتي اهتم بسماع النقد عنه كي أهذّب النص القادم وهكذا .

 

نص شعري ترينه انضج ماوصلت له تجربتك؟

- لاني احب اغلب نصوصي فلا استطيع تحديد ذلك بمقياس مشروع، لكن بالتاكيد من الضروري ان يكون كل جديد هو افضل من سابقه والا يعني الامر انني اراوح في مرحلة الكتابة ولاشيء سوى الكتابة والبوح دون وعيا بتقنيات الكتابة المتجددة مع الذائقة العامة والمخيال الجمعي المتغّير .وعموما مازلت أشعر أني لم أكتب النص الذي أتمنى .

 

اخيرا هل يأخذ الشعر والرسم من انوثة المرأة؟

- لا أعتقد .....بل على العكس أشعر انه يزيد أنوثة المرأة لانهما يحتاجان الى حس عالي ومرهف بالاشياء للتعبير عنهم بجمالية وقريبان من مكونات الجمال والتزيين ممايجعل السلوك مرادفا لذلك، واذا حدث غير ذلك فيعني هناك خللا في منطقة ما من تكوين الشخصية وسبب ممارسة هذا .

بعد شعوري بأني ارهقت الشاعرة والرسامة غرام الربيعي باسألتي التي ربما اجابة على مماثل لها في حوارات سابقة قررت لملمت اوراقي والاعتذار لها عن ما اخذته من وقتها المزدحم وربما سببت لها صداعا فأعتذرت لها ورحلت وفي سري اكتشفت ان للمرأة طاقة لاتنضب وقدرة على ادارة او اشغال عدة مجالات في وقت واحد .

 

حوار: راضي المترفي

 

ramia njimaدفع إلي الصديق الكاتب الخضر الورياشي رزمة من الأوراق قائلاً:

"اقرأ، أنت تكتب المقال، لن تعدم في هذه المقالات متعة أبداً"..

وقرأت الأوراق بشغف ..

كانت للكاتبة الصاعدة رامية نجيمة، شدني فيها الموضوع، وطريقة الطرح،تدعمها جرأة، وسلاسة في بسط الفكرة،كل ذلك في ديباجة أنيقة، تسيجها لغة سليمة ..

شجعتني المقالات لقراءة مجموعة نجيمة الأولى للمرة الثانية قضبان وأجنحة.

للقاصة رامية نصيب من اسمها،هي تجيد "الرماية" في الحكي، قارئها يضمن الصيد الوفير، فلا يخشى على نفسه - أثناء تَجواله في تضاريس نصوصها- حرمانَه القَنَص ولا القبَسَ..

أهلاً بالكاتبة رامية في "حوارات العرين"..

 

س- أنت بارعة في كتابة المقال حسب قراءتي لك، و لك لحد الآن كتابٌ منشور واحد في جنس القصة القصيرة جداً.. ألم يكن من الأجدر أن تبدأي بالمقال وليس القصة؟

ج- فعليا، لقد بدأت بكتابة المقال، كل ما هنالك أن مقالاتي قد وجدت طريقها إلى القارئ ليس من خلال كتاب بل من خلال عدد من الجرائد والمواقع الوطنية والعربية، ذلك أن الوسائط التي تعنى بنشر المقالات كثيرة جدا بالمقارنة مع الوسائط التي تسمح بنشر النصوص الأدبية؛ ومن ناحية أخرى يمكن القول إن رواد المواقع والجرائد يشكّلون، في الغالب، ذلك النوع من القراء الذي يميل إلى قراءة المقال أكثر من القصة، لذلك فكرت أني لن أحتاج، في الوقت الراهن على الأقل، إلى نشر كتاب يضم مقالاتي طالما أنني أستطيع نشرها بكل حرية ويُسر، وإيصالها إلى القارئ طازجة وِفق ما يطفو على الساحة الإنسانية من أحداث ومواقف.

 

س- قرأتُ أضمومتك " قضبان وأجنحة" أكثر من مرة،وجدتها ممهورة بموضوعات و أحداث سياسية، و إنسانية، واجتماعية، ونصوص كثيرة فانطازية مفتوحة على عوالم كثيرة.. هذا التنوع هل هو مقصود..؟

ج- قضبان وأجنحة هي مجموعتي الأولى، وقد صدرت في العام 2013 بعد أن أخذ مني إنجازها ما يزيد عن عامين، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أني أكتب القصص والمقالات قبل ذلك بكثير، فلك أن تتخيّل حجم الأفكار والمشاعر التي تزاحمت في وجداني وأنا أنجز أول كتاب لي، لذلك أعتقد أن سر التنوع في نصوص هذه الأضمومة، يعود بالدرجة الأولى إلى همّ الكتابة الكبير الذي حملته في قلبي لسنين، والذي أتيح له أن يتفجّر أول مرة، في قضبان وأجنحة.. يمكن أن تتصورّني وأنا أكتب نصوص هذه الأضمومة أشبه بـ "سيزيف" وهو يحمل على ظهره صخرته العالية ويأمل أن يضعها على الأرض بأقصى سرعة قبل أن تتدحرج منه من جديد.

 

س- " السخرية " من الواقع طاغ في نصوص المجموعة نحو :"تبادل" ص/ 30، "سلاح الدعس الشامل" ص /27، و"متخصص" ص 21، و"تغيير" ص/ 6 و"مجموعة" ص /54... وغيرها كثير، هذا النزوع اللافت ألا تخشين السقوط به في براثن النكتة .. وكيف تحيدين عنها حين "تسخرين"؟

ج- في الواقع، أنا لم أخَف _خلال كتابتي لنصوص هذه الأضمومة_ من الوقوع في براثن النكتة، وأعترف أنّي لم أفكر في ذلك أصلا، فالنكتة في رأيي عمل إبداعي من طينة خاصة، يحتاج إلى قدر كبير من الذكاء والطرافة وخفة الروح.. ولا أعتقد أني أتمتع بهذه الصفات كلِّها، ناهيك عن أني عندما اتخذت قرارا بكتابة القصة القصيرة جدا، فعلت ذلك بعد أن قرأت لمجموعة من كتاب القصة، منهم مغاربة وعرب وأجانب؛ وبعد أن شعرت أني فهمت ماهية القصة القصيرة جدا. أولئك الذين قرأت لهم رسموا لي طريقا، وقد قُمت بالسَّير فيه، معتمدة على حسي الخاص ولمساتي الشخصية.. ولا أخفيك أنّ أكثر ما يخيفني وأنا أكتب القصة القصيرة جدا أو القصة القصيرة، هو أن أقع في فخ التقليد، أقصد تحديدا تقليد أولئك القصاصين الذي سحرتني كتاباتهم.. هذا هو البرثن الذي أخشى أن يشقّ مَساري السردي، ولذلك أحاول تجنبّه ما استطعت، بل إني أحيانا، بعد أن أقرأ مجموعة قصصية ما، وأجد أني قد تأثرت بها إلى أبعد حدّ، أعمد إلى الامتناع عن الكتابة لأسابيع، حتى لا أُنتِج ما يمكن أن يكون نُسخا مطابقة لما شُغفت به من نصوص.

 

س- سخرية صاروخية أسجلها في نص "تحكم "ص/11..طبعاً أنت تقصدين لا "جهاز التحكم عن بعد" بل معنى آخر بعيداً ..حدثينا عن طريقة توصيلك لمثل هذه المعاني في نصوصك للقارئ؟

ج- القُرّاء، في رأيي، صنفان؛ صنفٌ يفهم القصص بصيغتها الحرفية، ولا يُتعب عقله في التنقيب عما يوجد وراء المعنى، إما لأنه لا يعرف أنّ هناك معانٍ خفية خلف كلّ معنى ظاهر، أو لأنه ببساطة، لا يستطيع قِراءة إلا ما يوجد أمام عينيه؛ وصنف ثانٍ يضم أولئك الذين يُغربِلون الحرف والكلمة، ولا يَهنأ بالُهم إلا بعد أن يُخضعوا كلَّ صغيرةٍ وكبيرة لميزان التأويل. بالنسبة إليّ، أنا مُستعدّة نفسياً للتعامُل مع ذلك الصنف الأوّل مِن القراء، أما الصِّنف الثاني فإنّي أحبُّهم بلا حدود، لأنهم يَخلقون عندي نوعا مِن تحدّي الذات.. خاصة عندما يأتون بتفسيراتٍ جديدة لنُصوصي، تفسيرات لم أقصدها من الأصل، ولم تخطر في بالي ! ولا أخفيك سيدي، كَم أنّه مِن الممتع والصادم في آن، أن أصادِف ذلك النوع من القُراء الذين يملكون المقدرة على قراءة نص كتبته بصيغة جديدة، هذا الأمر أشبه بولادة أخرى للنص.. لكن، على يد المتلقي. وبشكل عام فأن يخوض الواحد منا في طريق الكتابة؛ يعني أنّه يدرك مسبقا أنه يتعامل مع أنماط مختلفة مِن القراء.. الكتابة _في رأيي_ عمل تفاعلي بين الكاتب والقارئ، هذا ما أراهن عليه وأنا أكتب نصا ما؛ والعلاقة بيني وبين المتلقي يمكن اختزالها في العبارة التالية: "حَبكةُ النصّ وبدايَته ونهايتُه مِن عندي، أما التفسير والتأويل فمِن عندك !".

لا تهمني كثيرا الطريقة التي تُفهم بها نصوصي، وأعتقد أنّه لا يحق لي التدخل في ذلك مِن خلال مُحاولة تصحيح المفاهيم التي التَقَطها القارئ؛ فأن يفهم هذا الأخير نصّا أدبيا بحسب مُستواه الثقافي والاجتماعي.. هو أبسَط حقوقِه على صاحِب النص.

 

س- يبدو لي أن أطول نص في المجموعة هو " رجل حر " ص/ 17و18( فيه اثنان وعشرون سطراً )، وأقصر نص هو " الشريط "ص/ 60 ( أربعة أسطر).. ما هي وصفة النص القصير جداً برأيك؟

ج- أولا، أشكرك لأنّك درست مجموعتي بهذا القدر من العمق، ولا أبالِغ إن قلت أنك وبينما تطرح عليّ هذه الأسئلة، تُعطيني معلومات كانت غائبةً عني ؛ فأنا حين أكتب لا أفكر كثيرا، إني أومن أنّ الكتابة فعلٌ عاطفي مُنبثقٌ عن اللاشعور، ولا يتدخّل فيه العقل الواعي إلا مِن باب تَقويم بعض الاعوجاج الذي قد يَرِد، والحرص على عدَم تجاوز الخطوط الحمراء، وأقصد تلك الخطوط المتمثلّة في قيم الكاتب وقناعاته الفِكرية. طول النص أو قِصره مسألةٌ خاضعة _في رأيي_ لما يتطلبه النصّ ذاته كي يصبح مَفهوما إلى حدٍّ ما، وقادراً على تأدية الرسالة التي حمّله الكاتب إياها. لا يهمني عدد السطور، بقدر ما يهمني أن يصل المعنى، وإن كان وصول المعنى _كما ذكرت آنفا_ ليس مُيسّرا في كل الأحوال، مادام رهيناً بالمتلقي؛ بذكائه، وبمستواه الثقافي، وبخلفياته الاجتماعية والأيديولوجية..

 

س- نقف رجاءً عند الأبعاد الدلالية لعنوان المجموعة؟ لماذا اخترت كتابة " قضبان وأجنحة" باللون الأحمر متسربلا في مساحة سوداء وسط أجنحة؟

ج- وهذا سؤال عميق آخر، أشكرك عليه مِن صَميم القلب.. إنك يا سيدي، لا تعرف كم أنّي انتظرتُ طويلا أن يسألني أحدهم هذا السؤال، حتى أنّي حلمت كثيرا أني أُسأل عنه وأجيب.. أنتَ هنا تحقِّق لي حُلمي..

صحيح أني لا أحب أن أفرض على القارئ قراءتي الخاصة لما أكتبه، كما قلت في ردي على سؤال سابق، وفي نفس السياق أعتقد أنّ للمتلقي كامل الحق في أن يفسّر لوحة الغلاف والطريقة التي كُتب بها العنوان بحَسب ذوقه وإحساسه الفني والجمالي، ولكن وبما أنّك هنا، سيدي الكريم، تسألني عن سرّ اختياري الشخصي، فلا بأس أن أجيب؛ ولنقُل إني أرى في كلِّ واحد منا طائراً يحاول فرد جناحيه هربا مِن الظلام (الحَبس/الجهل) مُمثّلا في اللون الأسود، وبحثا عن النور (الحرية/الحقيقة) ممثلا في اللون الأبيض؛ ولأنه كثيرا ما تصطدم هذه الأجنحة بقضبان تكسِرها وتُسيل دماءها، فإني لَم أجد لونا أحقّ من اللون الأحمر _ لون الدماء الزكية_ لأخط به عنوان أضمومة قصصية كلُّها دعوات إلى الجهاد ضد القضبان، في سبيل العبور إلى الضفة الأخرى.. حيث تسطع الشمس فوق الحقول الشاسعة..

لا أعرف إن كان الإنسان/ الطائر سيخلُص في النهاية إلى المرور عبر القضبان، لكني أومن بأن الحقيقة كما نراها من خلال القضبان هي حقيقة مشوَّهة، وهذا ما حاولت التعبير عنه في النص الذي أخذتُ منه عنوان الأضمومة وهو بالمناسبة أحبّ النصوص إلى قلبي.

 

س- هل ستتغير الدلالة لو قلبنا العنوان وقلنا : "أجنحة وقضبان" بدل "قضبان وأجنحة؟

ج- عندما كنت أفكر في العنوان تراءت لي الصورة التالية؛ إنّنا كلنا طيور حبيسة داخل قفص ما، نحاول الخروج منه والتحليق بعيدا، ولأن الطائر لا يستطيع إطلاق جناحيه داخل القفص فإنه يتعين عليه تجاوز القضبان أولا، إذن فمواجهة القضبان سابقة من الناحية الزمنية على فِعل التحليق.. لذلك قلت "قضبان وأجنحة" عوض "أجنحة وقضبان"، لم أحب أن تكون النهاية قضبانا، إنما أردتها أجنحة قوية مُحلّقة..

لقد كنت متفائلة ساعة اخترت العنوان، وأظن أني لو كنت فعلت ذلك وأنا في حالة إحباط، لكان العنوان سيكون هو"أجنحة وقضبان"، فأنا كما قلت في معرض الجواب عن سؤال سابق، أكتب بمشاعري.

 

س- ظاهرة لفتت انتباهي في أضمومتك الجميلة، تتعلق باختيارك للطباق في عناوين بعض النصوص نحو " الأسود و الأبيض"/ص 20 و "ظلمات ونور"ص/ 26، على ماذا تراهنين في اختيارك لمثل هذه العناوين؟

ج- وهذا الطباق موجود في عنوان المجموعة أيضا.. والحقّ أنَّ لا غايةَ لي منه أكثر مِن لفتِ انتباه القارئ إلى أنَّ الحياة زاخِرة بالمتناقضات وأنَّ فهمَنا لها ولِحقيقتها مرتبط كلّ الارتباط بالزاوية التي ننظر منها إليها (إلى الحياة). لقد وددت أن أجعل القارئ، يفعل كما أفعل في كثير من الأحايين، ويسأل نفسه مِن خلال نصوص الأضمومة: أين أنا بالتحديد، خارج القفص أم داخله؟ في الجزء الأبيض أم في الجزء الأسود؟ داجل دائرة الظلمات أم في بؤرة النور؟

 

س- بعض العناوين بدتْ لي طويلة.. هل يخدم هذا الطول في العنوان الجنسَ القصير جداً؟

ج- العنوان بالنسبة إليّ عنصر مهم جدا في أي نص أكتبه؛ فهو كفيل بأن يفتح شهية القارئ للغرق في نص ما، كما يستطيع _في حالة تم اختياره بشكل سيء_ أن يؤدي به إلى الفرار منه، لذلك أوليه عناية خاصة.. بعض العناوين أجعلها طويلة لأني أرى أنّها لا يمكن أن تكون أقصر، ذلك يحول _في اعتقادي_ بينها وبين أن تؤدي الوظيفة المنوطة بها وهي إعطاء صورة جميلة مشوّقة عن النص؛ وبعض العناوين أرى أنه لا يجوز أن تتجاوز كلمة واحدة حتى لا تهتِك سرّ القصّة، ولا تُحرق ما يُمكن أن يرتشفه القارئ مِن بين الحروف.

 

س- ظاهرة أخرى توقفتُ عندها في عنوان قصة " حضن دافئ " ص /19وهي حقيقة قصة جميلة جداً برأيي..لفتتْ نظري فيها عبارةٌ مكتوبةٌ بين قوسين وهي (قصة واقعية).. هل معنى هذا أن نصوصك الأخرى غير واقعية؟ وما حدود الواقع والخيال في المجموعة؟

و ما يميز نصوص " قضبان وأجنحة" أكثر الدقة في الطرح مع الرهان على مفارقات عجيبة مدهشة شبيهة بما نجده في الشعر حين نوظف "التورية" في البلاغة،مثل ما نجده في نصك " التجربة" ص/15

دعيني أقدم لك مثالاً هنا :

في نص " اكتشاف" ص /34 تصويرٌ لسجين وراء القضبان،لكنه، بعد أن تعب في البحث عن نفسه، استقر في السجن، فأحس بالراحة بعد أن عثر على ضالته فيه.. كيف يجد النفسَ من يتألم وينتَن داخل الزنازن؟

ج- الارتياح الذي شعر به البطل في نصّ "اكتشاف"، هو فعلا كما ذكرتَ، ناتج عن تواجده داخل زنزانة.. والسرّ كلّه راجع إلى ذلك الإحساس بالراحة الذي يخلفه الاعتقاد بأنّنا نؤدي ثمن ذنوبنا وخطايانا.. الاعتراف بالذنب، ثم تلقّي العقاب المناسب، في رأيه، أشعر بطل القصة أنه قد صار نقيا مِن الداخل، نقيا إلى الحد الذي يسمح له بالغوص في ذاته.. ذلك الحد الذي يتيح له العثور على نفسه.. وبخاصة، نفسه النقية الطاهِرة.. كان على بطل هذا النص أن يجد وسيلة لتحرير ذاته ولو كلّفه ذلك أن يقبع خلف القضبان.. ذلك أن سجن العقل والروح أشدَّ وطأة وتعذيبا مِن سجن الجسد الفاني.

أما في قصة "التجربة" فالبطل مقتنع أنه عالِم صنديد، وأنّ باستطاعته أن يدرُس الحالة البشرية ويتوصّل بخصوصها إلى أجوبة علمية ومنطقية شافية؛ إنه لم يدرك إطلاقا أنه إنسان، وأنّه لا يمكن أن يبلُغ حقيقة السلوك الإنساني بشكل خاص، طالما أنه ينطلق من خلفيات تُعشِّش في عقله وذاكرته، ناهيك عن أنّ الظاهرة الإنسانية برُّمتها عصيّة على الدراسة. البطل في هذه القصة كان يحاول أن يقرأ الواقع انطلاقا من رؤيته الخاصة ويُطبِّق عليه استنتاجاته الشخصية، وقد أدَّت به أنانيته وماديتُه المفرطة إلى سَلب الحياة مِن طفل لا حَول له ولا قوّة.

 

س- نصوص مجموعة " قضبان وأجنحة " موزعة ومصدرة بشكل أنيق في أربع مجموعات/مقولات: الأولى مصدرة بقولة لـ سينيكا، والثانية لـ بيير تيلار د شاردان، و الثالثة لـ جلال الدين الرومي، والرابعة لـ أبي حامد الغزالي.. لماذا هذا الحرص على هذا التصدير، وهل هناك علاقة بين نصوصك في هذه المجموعات وهذه المقولات مثلاً؟

ج- أشكرك مرة أخرى على هذا السؤال. في الواقع تقسيم النصوص إلى مجموعات كل واحدة منها مصدَّرة بقولة/ حكمة، لَم يكن أمراً اعتباطيا، ولا أخفيكَ أنّه قد أخذ مني الكثير مِن الجهد والوقت؛ وما حدث، هو أني حين كنت أهم بترتيب نصوص الأضمومة، كنت أحرص على توزيعها بشكل يضمن بعض التنوع على مستوى الأفكار المطروحة فيها والأسلوب الذي اعتمدته في التطرق إليها؛ وخلال ذلك،لاحظت أنّ النصوص المتوفرة لديّ يُمكن تصنيفها إلى أربع مجموعات بحسب المواضيع التي تتطرق إليها، وأقول لاحظت لأني لم أقصد هذا التقسيم وأنا أكتب النصوص ولكني تنبهت إلى ذلك حين كنت أحاول ترتيبها، ولكي أُقرِّب القارئ من فكرة كل مجموعة من النصوص ارتأيتُ أن أضع لها تصديرا يُعطي لَمحةً مبدئية عن التيمة الأساسية التي تتمحوَر حولها؛ اسمح لي أن أقدِّم مثالا على ذلك:

المجموعة الأولى مُصدرّة بقولة سينيكا "كلنا كالقمر لنا جانب مظلم" وهو فيما يبدو، يعني أنّنا، مهما حاولنا أن نبدو كاملين، فإن لكلِّ واحد منا عيوبه الخفية.. وأتجاوز ذلك وأقول إنّ هذا الأمر (امتلاكُ جانبٍ مظلم) لا ينطبق فقط على البشر إنّما يُمكن أن يُطبَّق على الأفكار والأيديولوجيات والعقائد.. إلخ، وبقليلٍ مِن التأمُّل سيتوصَّل القارئ إلى أنّ مضامين نصوص المجموعة الأولى كلّها تدور في فلَك نفس الفكرة/ القولة؛ "كلنا كالقمر، لنا جانِب مظلم".

 

س- لغتك ماتعة سليمة إلا ما جاء عرضاً، بل أسجل إعجابي ببعض ماجاء فيها،على سبيل المثال لا الحصر، من بلاغة متمثلة في جناس غير تام في قولك في نص "خطوات" ص /25: "أجبر هو على أنْ يجبّر"

وفي نص "منتهى الإحساس"ص/:9" أزعجه..و أعجزه".

من أي سوق أدبية تتبضعين هذه اللغة الأنيقة؟

ج- من أي سوق أدبية أتبضّع..؟ اسمح لي أولا أن أعبِّر عن إعجابي الشديد بهذه العِبارة الساحرة؛ أما بخصوص سؤالك سيدي، فصدِّقني إن قلت إني لا أتحكم تماما في زمام اللغة التي أكتب بها، فأنا كما ذكرتُ آنفا، أكتب بقلب مَشحون وعقل شبه مُغيّب، وكلَّما كان إحساسي بما أكتُبه قويا كلَّما جاءت لُغتي غنيّةً وطافحة، وكلَّما حاولت تقمُّص حالة الكتابة قهرا كلّما جاءت لُغتي ضعيفة ومُصطنعة، الإحساس في رأيي، هو ما يتحكّم في مستوى اللغة.

 

س – هل تؤمنين ببعض مقولات أبطال نصوصك:

هل حقاً مثلاً "إن البشر يخشون الزغزغة"..وما الزغزغة هذه؟

ج- هذه المقولة: "إن البشر يخشون الزغزغة " جاءت في أحد النصوص على لسانِ صُرصور، وأنا أعتقد أنَّنا لو نفذنا إلى عقل صرصور، (أعرف أن هذه مقاربة غريبة جدا ولكن لا بأس مِن الخَوض فيها مِن أجل الحُصول على بعض الاستنارة !) لوجدناه يتصوّر أننا، نحن، معشر البشر (والنساء بشكل خاص) نخشى الزغزغة، لعلّ هذا ما سيصوِّره له عقله (إن افترضنا، جدلا، أنّ له عقل!) ما دُمنا نقذِفه بالنعال ونطارده مع أنه لا يَقرص ولا يعُضّ إنما يزغزغ فقط ! أما نحن، معشر البشر، فإننا ندرك جيدا، أنّنا لا نخشى إلا زغزغة الصراصير لما تبثّه فينا من إحساس بالقرف. الفكرة هنا تُحيل مرة أخرى على الحقيقة وطريقة نظرنا إليها بِحسب تموقعنا في الحياة وزاوية نظرنا إليها.

 

س- تقولين في ص 35 : "عاش الناس يبدعون الحكايات وعشتُ أنا في الحكايات" ما الفرق هنا..؟

ج- أومن أنّ هناك نوعان مِن البشر، نوعٌ يصنع الأحداث بِيده.. يتحرّك جاهداً ليغيِّر ما يُمكن تغييره في الحياة، وهؤلاء هم مَن قلت عنهم إنّهم "يُبدعون الحكايات"؛ ونوع آخر لا يُحرّك ساكنا، يأتي إلى هذه الدنيا ويرحَل منها بلا أثر (إيجابي أو سلبي).. هذا النوع لا يغيّر شيئاً في الحياة، الحياة هي التي تُغيّره لكن بأيدي أولئك الذي يتحكّمون في مجريات الأحداث؛ اسمح لي أن أعطي مثالا: فلننظر مثلا إلى دولِ الشمال (الدول العظمى بشكل خاص) في علاقتِها بدول الجنوب.. إنّ الأمر يبدو كما لو أنّ الأولى تُخطِّط، وتُحرّك كلَّ الخيوط، بينما تعيش الثانية باعتبارها لعبةً في يدها، تماما كعَرائس المارْيونيت. وبالطبع فإنّ ما ينطبق على الدول يُمكن أن ينطبق على المجتمعات والأفراد.. هذا ما عنيته بهذا النص؛ وطبعا الـ "أنا" في هذا النصّ لا تحيل عليّ بصفتي الشخصية.

 

س – في بحرهذه السنة 2015اختير اسمك ضمن كُتاب كثيرين شاركوا في كتاب جماعي" أقواس قصصية" عن منشورات الموكب الأدبي،ومن توقيع جمعية تكفايت..ماذا أضافت لك هذه المشاركة؟

ج- (أرجو أن تعفيني، أستاذي الكريم، من الإجابة عن هذا السؤال)

 

س- هل في الرصيد جوائزُ أدبيةٌ معنوية أو مادية؟ وما رأيك في المسابقات الأدبية وجوائزها عموماً؟

ج- حتى الساعة، ليس في رصيدي جوائز مادية؛ أما الجوائز المعنوية فهي تعني لي الكثير.. لا أستطيع مثلا، أن أصِف سعادتي عندما يُقابلني أناس لا أعرِفهم في الشارع، أو في أي مكان عام ويُبادرون إلى تحيتي، والإشادة بِما أكتُبه.. كما لا أصف مدى التأثّر الذي أغرق فيه عندما يلجأ إليّ بعض الناس، ممّن أعرف، وممّن لا أعرف، لأساعدهم في حلِّ بعض مشاكلهم الشخصية والعاطفية.. عن طريق إسداء نصيحة أو تقديم مَشورة.. الكثير مِن الناس يعتقدون أنّه لا يستطيع كتابة القصّة إلا إنسان يمتلك معرفة عميقة للحياة.. وسواء كان ذلك صحيحا أو خاطئاً فأن يُؤمِّنني الآخرون على مشاعرهِم وقلوبِهم أمرٌ أقدِّره جدا، ومثل هذه الالتفاتات البَسيطة تساوي في خاطري الكثير، ولا يمكن أن أستبدِلها بجوائز مادية (في حال تعارُضِهما طبعا) ما حييت. محبّة الناس وتقديرُهم هي أكبر جائزة في نظري.

 

س- ما الذي لا يعجبك في كتابات غيرك ممن يكتبون القصة القصيرة جداً؟

ج- في القصّة القصيرة جدا لا يُعجبني بشكل عام، شيئان اثنان؛ أولّهما الاختصار الشديد، أي؛ أن يعمد الكاتب إلى الاختزال في النص حتى يصبح هذا الأخير ناقصا، وغير قادر على إبلاغ المعنى، الشيء الذي يَجعله أشبه بجَنين تم إخراجه إلى الوجود قسراً، قبل أن يكتمل نموه في رحم أمه؛ وثانيهما الغموض الشديد. لا أخفيك أني كثيرا ما أمر بحالات غريبة لبعض القصص القصيرة جدا التي أقرأها وأعيد قراءتها حتى تتنمّل أطرافي وأصاب بالهرش في رأسي دون أن أتوصّل إلى فهم محتواها ناهيك عن المقصود منها ! مثل هذه القصص القصيرة جدا تُشعرني بالعَجز والإحباط لأنها تشكّكني في مُستوى ذكائي وقدرتي على الفَهم والاستيعاب. لا أقصد طبعا أنّ الكاتب يجب أن يبسّط القصة القصة القصيرة جدا حتى يُميّع محتواها ويجعلها شبيهة بقِصَص "جحا والباذنجان"، وفي نفس الآن، لا أعتقد أنّه يُفترض به أن يبالغ في لَبكِ خيوطِها إلى الحدّ الذي يجعلُها وفيزياء الكَمّ، على نفس الدرجة من التعقيد والالتباس !

 

س- لو قُدر لـ " قضبان وأجنحة" طبعةٌ ثانية مصححة،ومنقحة.. ما هي النصوص التي ستحذفين، أوتنقحين، أوتعدلين، ولماذا؟

ج- صدِّقني إن قلت لك، سيدي، أني لن أحذف أيّ نص؛ قد أضيف نصّين أو ثلاثة نُصوص جديدة، قد أُعدِّل بعض النصوص وأضيف إليها بعضَ اللمسات.. لكني لن أحذِف أياً مِن تلك النصوص التي وردت بالفعل في النسخة الأولى من مجموعتي، وذلك ليس لأني راضية عنها كلَّها، ولا لأني أراها خالِية من العيوب.. بل إني لا أخجل من الاعتراف بأنّ هناك نُصوصا، مِن فَرطِ كرهي لها، أتساءَل، كلَّما مررت بها: "ما هذا العبث؟ !" لكني أؤكد أنّي لن أحذِفها حتى لَو تسنّت لي الفرصة لفِعل ذلك من خلال نسخة ثانية، ذلك أنّ تلك النصوص قد خَرجت مِن ذمتي بشكل نهائي، وصارت الآن في عهدة المتلقي. كل نص كتبته ونشرته هو في عيني أشبه بكائن حي، وُهِبت له الحياة مذ خرج إلى الوجود، ولَم يعد مِن حقي أن أسلبها منه؛ الحذف في هذه الحالة أشبه بعملية إعدام أو اغتيال، لا أحبّ أن أفعل ذلك بقصصي خاصة بعد أن خرجت إلى النور وتعرّف عليها القارئ، لا أُحِّب أن أصبح قاتِلة.

 

س- لماذا تأخر كتابك الثاني؟ وهل سيكون في المقال أو القصة القصيرة؟

ج- كتابي الثاني هو تجربة في غِمار القصة القصيرة؛ أما عن سبب تأخره، فراجع بالأساس إلى هَوسي بالمُراجَعة والتنقيح، وكل الذين يعرفونني حق المعرفة يدركون أني إنسانة بطيئة بطبعي، أحب أن أعدّ خطواتي بعناية وأستفيد من أخطاء الماضي.. وكما قلت في معرض جوابي عن السؤال السابق؛ فإن هناك نصوصا أشعر أن تواجدها في أضمومتي الأولى عبثٌ في عبث، ولنقُل أني لا أريد تكرار نَفس الخطأ في إصداري الثاني؛ إني ببساطة أخشى إنجاب المزيد من القصص مشوّهة وأنا أدرك أني لن أقدر على اغتيالها بعد أن تولد.

 

س- ما رأيك في:

• الخصومات الأدبية:

• الإرهاب..

ج- أما بخصوص الخصومات الأدبية؛ فإن الناس كلهم يتخاصمون، أفراد الأسرة الواحدة، الأصدقاء، الأحبّة.. الخصومات تعيد رسم الحدود بين أطراف العلاقات بأنواعها، أهل الأدب ليسوا بمنآى عن هذه الخصومات؛ فهم كسائر الناس، يتجادلون، ويختلفون، ثم يتخاصمون.. السيئ في رأيي هو أن تدوم هذه الخصومات طويلا مُخلِّفة أحقاداً وضغائن، أمّا الأسوء، فهو ما يمكن أن تُثيره هذه الخصومات مِن تشهير، ومؤامرات، وبذاءة.. وهذا أمر لا يمكن التسامح معه حين يتعلق بمن يُفترض أنّهم يُمثِّلون الأدب والثقافة.

أما عن الإرهاب، فإني لا أجد ما أقوله بخصوصه، سوى أنّي أتحسر على كون هذه الكلمة أصبحت مرتبطة بكل ما له صِلة بالإسلام؛ يؤسفني أن ينظر العالم إليّ وإلى أمثالي من المسلمين باعتبارهم إما إرهابيين أو مشاريع إرهابية.. وكل ما أستطيع فعله في الوقت الراهن هو الامتناع عن مشاهدة كلّ وسائل الإعلام التي لم يعد لها همّ غير ترسيخ فكرة أن الإسلام هو المصدَر والمُصدِّر الرئيسي والوحيد للإرهاب، في عقول ملايين المتابعين عبر العالم.

صدقا، أتمنى أن ينتهي هذا الكابوس قبل أن أموت.

 

س- أستاذة رامية شكراً على سعة صدرك.. ونختم حوارنا الشائق بلكمة أخيرة منك ..

ج- أحبّ أن أشكرك بشدّة وأحييك، أستاذي الكريم، على قراءتك العميقة لمجموعة "قضبان وأجنحة" وعلى أسئِلتك المُنتقاة بعناية، والتي عزفت على أوتار قلبي؛ لقد أسعدني جدا أن يتناول أديب مشهود له بالإبداع والرصانة أول عمل أدبي لي، لينفُض عنه غبار النسيان ويعيده إلى الواجهة من جديد؛

لا أستطيع أن أصف سعادتي؛ وهذه، بالمناسبة، أعدّها إحدى الجوائز المعنوية التي حصلت عليها والتي تعني لي الكثير. وبالطبع لا أنسى أن أشكر أديبنا الجميل الخضر الورياشي، الذي كان حلقة الوصل بيننا، والذي أدين له بالكثير في كلّ خطوة أدبية أمشيها.

لا أقول أكثر من أني أفتَخِر بمَن حاورني، كما أفتخِر بمن سيَقرؤون..

 

sadam alasadiتحية اعصر هديرها من نهر المحبة ومن اغصان الصداقة التي امتدت بيننا خمسين عاما من الاجهاض القسري على محطات الانتظار وانني حلمت في الربيع مرارا ولم استقبل من ايامه نورسا وكم حلمت في ربيع عودة و وجدت شواطئ محبته ملائ بالصدق والشفافية والوفاء

 

س1/ ما سر هذا التدفق المعطاء؟ ما سر هذا النزيف الثر؟

- لقد كتب على العصافير ان تحلق بأجنحة للطيران وكتب على النملة ان تجني جنيها للشتاء القارص وكتب علي مرض الكتابة المتنوعة فكما لا تسأل الظمآن لماذا يشرب الماء لا تسألني عن سر وجعي ومسالك حيرتي وسر الانين والحريق في اعماقي لقد ولدت مفطوما على الكتابة وقد القت امي سري المرتبط بها في مدرسة عام 1953 فهذا بداية الوهم الاكيد والمرض الدائم وما اجمل هذا المرض .

 

س2/ لماذا لم يسلط عليك الضوء؟

- تعرف البساتين الملائ بالثمر كثيرة وكما لا يتقن أي عالم شم الرائحة بدرجة مطلقة هكذا وجدت المبدعين مغيبين عن الحقيقة دائما ولهذا خلق المبدع منتجا ً فزدني عذابا ازدك كتابة

 

س3 / كتب عنك نقاد كثيرون؟؟

- لقد رزقني الله نعمة الكتابة والحقيقة وصفني متمردا منذ طفولتي على الخطأ حيث الفت مسرحية عنوانها الحلاق وانا في الثاني الابتدائي على حلاق في القرية لا يتقن حلاقته وكبرت وهكذا معلما ومدرسا واستاذا لا تتغير منهجية درسي مع الاجيال وقد ظلمت وهمشت وبعدت فشكرا لأعدائي كثيرا واقدم لهم الامتنان لأنهم خنقوا الربيع امامي فتنفست الحرية وسدوا نوافذ الشمع فرأيت النجاح .

لذلك كتبت عن اغلب الشعراء الذين همشوني وابعدوني عن اتحاد الادباء وبإمكانك ان تقرأ قلائد نقدية وتجد خمسة منهم اول من طردني من الاتحاد يوم كان مسؤولا فأنا كالنخلة ترميها حجرا وتعطيك ثمرا ولم يكن جبار الوائلي اخر من كتبت عنه بل الشاعر حبيب السامر صديق طفولتنا معا وسوف اكتب عن اخر شاعر عراقي فالفن الشعري اهم ما اطلب اما الاسماء فلا تقف امامي حجر عثرة اعداءا ً ام احبة .

 

س4 / ما هي المشاريع ما الطموحات؟

- لو شرفتني بزيارتك صومعة بيتي ومكتبتي لرأيت بعينك منضدا من الطموحات والسؤال الادق هل يمر يوم لم تكتب فيه وهل توجد ساعة لم تقرأ فيها فأقول لك اني يومي كله قراءة ونومي كله تفكير ويقظتي تتناوب بين الغفو والصحو فمشاريع الايام كثيرة واهمها ملحمتي الشعرية الغرابيل متكونة من اربعة الاف بيت عن الامام علي عليه السلام بدأت بها عام 2002 وما زلت مستمرا اتابع فيها بيعة السقيفة حتى يومنا هذا .

 

س5 / ما مفهوم الشاعر للكلمات؟

- زهرة ذابلة – سوف ابكي عليها مطرا من الدموع لأنها ماتت وذبلت قبل اوانها .

شموع الميلاد – لن اسمح للهواء ان ينفخ عليها كي يطفئها لأني اريدها ان تبقى كما خلقت لا تحترق لأن قلبي يحترق قبلها .

فرح اليتيم – اخلع روحي له كي البسه ثوبا منها فما اقسى الزمن على ضحكة يتيم محروم فلو كان الامر بيدي لعلقت الجميع في حبل المشنقة من جعلوه يتيما لا يفرح في حياته .

السكاكين التي طعنت البريكان – جريمة العصر الكبرى التي عتم عليها الزمن فلو قتلت الف مليون لص لما قلت قتلت ولكنها ذبحت الفكر وبترت الضياء من مطلعه ِ وحرمت البصرة من شاعرها الكبير الرائد.

 

اجراه القاص والكاتب القدير ربيع عودة

 

samey alamriلقد شغلتني كتابات العامري فترة ليست بالقصيرة فكلما هممت أن أكتب عنها أتراجع عن تلك الخطوة لعلي أكتشف سمة تغلب على كتاباته أتمكن من خلالها أن أبدأ بداية صحيحة، فكان أن أوقعت نفسي في تناقضات المعرفة الشخصية السطحية للشاعر والتي رسمها لي بعض المقربين وبين ما كنت أقرأه من كتاباته، فكتابات العامري بدت لي وللوهلة ألأولى أنها لا تنتمي إليه، لأني رأيت تناقضاً واضحاً بين مخزون الذاكرة التي أحتفظ بها في مخيلتي وبين ما أقرأه من نتاجه الأدبي ,وكما شغلني هذا التناقض شغلتني حالة أخرى وجدتها تتكرر بين الفينة والفينة وهي اختفاؤه المفاجئ عن الساحة الشعرية والبعض يعزوها إلى انشغاله بأمور شخصية محضة ولكني كنت أتابع عودته بعد هذا الغياب الذي قد يمتد لأكثر من شهر تكون عودة غزيرة بالإنتاج الشعري والأدبي عميقة في معانيها تكون الفلسفة والحكمة هي السمة الغالبة على هذا الإنتاج الشعري، وهنا قررت أن أعيد قراءة سامي العامري وفق معطيات جديدة لم يكن الأساس فيها المخزون ألمعلوماتي الذي احتفظ فيه عن الشاعر بل كان جزءاً من هذا الأساس، وعندها كان اكتشافي مغايراً تماماً بل كان أكثر وضوحاً والأكثر ملائمة لما هو عليه،لقد كان أشبه الناس بالمتصوفة الذين طلقوا الدنيا ثلاثا خلا بعض العادات التي اكتسبها في شبابه فهي أصبحت جزأ منه لا يمكنه مغادرتها ولكنه روحا كان صوفياً لا يقل شأناً عن المتصوفين الذين قرأناهم تاريخاً وأدباً بل كان ينافس في مجال الحكمة والفكر الفلسفي الذي يطرحه هؤلاء المتصوفين والكلاميين فعندما أقرأ للعامري، كأنني أقرأ في رسائل إخوان الصفا.

سامي العامري شاعر عراقي هاجر في بداية شبابه الى ألمانيا لقد سرق منه الموت شقيقه وهو مازال يافعا كان له الأثر البالغ على نفسية الشاعر غادر العراق وهو محمّل بهموم كثيرة جسدها في شعره

مرحبا بك سامي بيننا في هذا الحوار

أهلاً وأهلاً

 

س1: عندما سافر الشاب العامري وهو يجتاز الحدود بم كان محملا ....وهل كانت هموم العراق آنذاك من ضمن حمولته الثقيلة؟

- مرحباً بالأديب طارق الكناني،

لم أجتز الحدود ولكني عبرتُ خطوط النار من جبهة بنجوين إلى إيران نهاية عام 1983 وأنا فتىً يافع كان على وشك التنعم بحياة هانئة في بغداد لولا الحرب والبعث ولولا التوجيه السياسي الذي كان لي بالمرصاد لأني كنت أحمل ديوان السياب وشيئاً من أشعار نازك والبياتي ! ولأني وأنا الجندي الذي عليه علامات استفهام، كنت أمام بعض المعارف أسب وأشتم أبناء صدام متذكراً ما كانوا يفعلونه هم وحماياتهم في مدينتي بغداد وكيف يقهقهون ويعربدون وشرائط الطين أو الحصى الخارجة من عجلات سياراتهم إلى أوجه الناس، وتحرشات حثالات الأمن بالنساء وغيرها بينما أنت في الجبهة الحقيرة لابس البسطال أربعاً وعشرين ساعة وتسمع السباب والإهانات من صغار الضباط والمراتب لأدنى غفوة بعد انهاك تام أو بسبب تقصير ويالويل من ينبس عن أبناء صدام ببنت شفة ! وأمور عديدة دفعتني للعبور إلى جهة إيران فقد كان شبه مستحيل الهرب والتخفي في بغداد فهي ملآى بالمخابرات والأمن والإنضباط وما يسمى بالجيش الشعبي وقد جربت الهرب والإختباء ولكني ذقتُ الأمرّين خاصة وأزلام السلطة لا يتورعون عن انتهاك حرمات البيوت.

 

س2: لو تصفحنا أوراق العامري سامي ماذا سنجد وعن ماذا ستفصح لنا هذه الأوراق؟

- ولدتُ في نيسان من عام 1960 في قرية وادعة وديعة تبعد ثمانية عشر كيلو متر عن بغداد هي قرية (أبو غريب) واليوم وكذلك في زمن النظام البائد ظلّ هذا الإسم يرمز إلى سجن أبو غريب هذا المعتقل المريع !! ولكني أنا بما أمتلك من بسالة ألم وحنين وحرية أعيد لقريتي اسمها وبهاءها وسحرها حيث الحقول والبساتين والأطيار العجيبة ألواناً وأصواتاً وتحليقاً باذخاً ولا أنسى أعمدة الضغط العالي الشاهقة وهي تمر قريباً من القرية، واللقالق البانية أعشاشها في هذا العلو وفوق برج الأذاعة ونزولها كل صباح إلى حقولنا مفتشة عن فأر هنا وضفدعة هناك !! وأنا الطفل ذو الخمس سنوات بدشداشتي أمام باب بيتنا الطيني أرقب هذا بتولُّهٍ وأرقب المعدان بجواميسهم وهم يمرون في دورب القرية إلى فرع من فروع نهر دجلة كنا نسميه الشط، فهنا أحد الألغاز وحلها في سبب اغتسال روحي بالشعر مبكراً، وفي العام 1965 انتقلنا من القرية إلى مدينة المأمون جوار العامرية واليرموك والمنصور وجامع أم الطبول وكان لنا هناك بيت واسع اهتم به أبي رحمه الله بحماس فلم يترك فاكهة إلا زرعها في حديقتين تحيطان بيتنا حتى أنه حاول غرس شجرة موز غير أنه اكتشف حزيناً أنها ليست بيئتها.

عندما تخرجت من الإعدادية عام 1979 كانت الحرب مع إيران قد بدأت وحصلتُ على معدل يؤهلني لدراسة القانون والسياسة أو الإدارة والإقتصاد أو كلية الآداب وهذا كان حلمي ولكني فوجئت بأنهم رموني في معهد إدارة في الرمادي ! فأجلتُ السنة الأولى على أمل أن تنتهي الحرب التي كانت قد بدأت منذ شهور ولكن !

 

س3: سامي العامري يمتاز بكتاباته في الحكمة والفلسفة والتصوف متى كانت البداية هل كانت في العراق أم في المهجر؟

- في الحقيقة كتبت أولى قصائدي وأنا في الثامنة عشر وأكيد أنها كانت قصائد ساذجة ومحاولة لتقليد الجواهري ونزار قباني ونشرت في مجلات خليجية كانت تصل العراق ومنها حسبما أتذكر مجلة اليقظة والظفرة ولم أنشر لدى البعث ! رغم جهلي بالسياسة آنذلك وأما عن النزعة الروحية الجمالية فأنا لا أعتبرها تصوفاً وفلسفة ولكنها ربما عبارات ومقولات وأبيات تأتي بشكل عفوي ضمن السياق مستنبطة من تجارب حياتية مباشرة ومن قراءات إنسان قلق لا يسلِّم بالمسلَّمات وإنما يحاول فحص واختبار كل ما يقرأه ومن ثم يتبناه فالتجربة خير دليل وطبعاً ليس كل الأفكار والقناعات المطروحة يمكن تجريبها ولكن حسب الإمكان ومقتضى الحال فأنا ومنذ صغري كثير التأمل، شغوف بمسائل فكرية روحية حتى بتُّ مأخوذاً مذهولاً من وجودي ووجود الكون والأشياء من حولي ووصلتُ إلى ما يمكن تسميته بالإنخطاف وكأني أرى الأشياء لأول مرة وكلها تشير إلى معجزة، معجزة الكون والإنسان والحياة التي لا يمكن تصديقها بأية حال لهذا فالإنسان المرهف يعيش نشوة غامرة وهو يعانق هذه الأشياء ويتمثل أطيافاً منها في روحه وكيانه ولكنها في ذات الوقت كانت ومازالت مصحوبة بمرارة أيضاً قريبة من المرض الجسدي على حد تعبير الأديب البولوني الحائز على نوبل ميووش حيث السؤال العميق المحزن هو وجود الشر في العالم لماذا والله هو الجمال المطلق والمحبة المطلقة ؟ وغيرها من الإشكالات الذهنية.

وأعود لأريح ذهني وخاطري ولو مؤقتاً بالمقولة الصوفية : ليس بالإمكان أحسن مما كان، أو بالبيت الذي حوّره أحد الصوفيين بروعة : وحسن ظنك بالأيام مكرمةٌ

فظنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبرِ

 

س4: كيف يقرأ النقاد شعر سامي العامري وهل منهم من أشار الى الصوفية في شعرك؟

- الواقع النقدي عندنا ومنذ ظهور النت وقبله بسنوات هو واقع فوضوي مؤسف حيث ضاعت المقاييس السابقة التي كانت تعتمد الحرص والصدق والعمق ودون التفريق بين هذا الشاعر وذاك إلا بقدر حرصها على كشف الجوانب الجمالية والفكرية الملفتة في نصوص الشاعر المطروح وكانت تلك من سمات العملية النقدية في العراق والبلدان العربية لحد ربما منتصف السبعينيات من القرن الماضي فقلق الناقد هذا القلق النبيل في البحث عن الجديد في إبداعات الشعراء ومدى تميزهم عن بعضهم البعض وأوجه التمايز وتفكيك كتابات المبدع منهجياً وحتى انطباعياً كانت في الغالب فضيلة تحسب للنقد العراقي والعربي إلا أن النقد اليوم يجري وفق المزاج الشخصي للناقد فأكثرهم إذا كتبَ فلا يكتب إلا عن أصحابه أو لمصلحة ما معنوية أو مادية ثم التطفل على النقد أو التسرع وانعدام الخبرة والتحصيل المعرفي حيث كل من يتخرج من كلية الآداب اليوم هو بالضرورة ناقد أو مشروع ناقد ! وكل حاصل على شهادة دكتوراه في الآداب أو غير الأدب هو شاعر أو ناقد ملهم ويتم هذا ضمن عملية إرهابية أغلبها مقصود ومخطط له لتخريب ما تبقى من ذوق شعري وجمالي وهذا الفعلة ليست أخلاقية بتاتاً ولا ننسى أن النشر أضحى في متناول الجميع وما يستتبع ذلك من محسوبيات وتقويلات للنصوص شعراً وأدباً ولا يفوتني ذكر هزال لغتهم العربية وادعائهم المعرفة والتعمق في فهم النصوص وتمثلها متخذين من مصطلحات النقد الحديثة وأغلبها فرنسية أو إنكليزية أداة لإسكات القارىء النقي الباحث عن الفهم والجمال والمتعة فيضطر الكثير من القراء إلى قبول ما هو مطروح من دون فهم له لكونه أعلى من مستواهم ومجساتهم الذوقية والمعرفية ! ولكنهم أي هؤلاء المتناقدين أصغر وأجهل من أن يستطيعوا استغباء أمثالنا بالطبع ورغم ذلك فمن النقاد الأكاديميين الذين تناولوا دواويني ومجموعاتي القصصية وروايتي الشاعر والناقد العالم د. عدنان الظاهر وكذلك الناقد الرصين خالد جواد شبيل وأيضاً الشاعر والناقد المرهف هاتف بشبوش وهؤلاء توسعوا في دراسة وقراءة العامري شاعراً ولفتوا الإنتباه بحذق إلى الكثير من سمات الشعر والسرد لدى العامري ويجب عليّ أن أضيف أنه كُتبت عن نصوصي مقالات كثيرة اضطلع بها مثقفون وشعراء وأدباء إضافة إلى أن شعري تُرجِم بعضه إلى العديد من اللغات الحية،

وأما عن الصوفية فأنا أقول لك بعد شكري لك بأني لست متصوفاً بالمعنى الذي قد يتبادر للذهن ولكني كثير العزلة والتأمل والعزلة كما تعرف هي في الرأس وليس الإنطواء على الذات ! فأنا حتى لو سرتُ في الشارع أو جلستُ في محطة أو ركبت قطاراً أبقى حالماً بعيداً على محيطي الذي أنا فيه وكثيراً ما أوقعني هذا الأمر في مواقف محرجة كأنْ أنسى بعض أغراضي في مكان ما وآخرها نسياني لمفتاح شقتي على الطاولة في كافتيريا ! وقد أشار الأستاذ الظاهر في دراسته الموسعة إلى بعض من تجليات الروح الحالمة في أشعاري، وأؤكد أن أغلب النقاد المطروحين منذ سنين لم يتناولوا كتاباتي مع أنهم يعرفونني جيداً وأغلبهم قرأ ويقرأ لي ولا أدري السبب بل أدريه ! فهو العناد فالكثير منهم ينتظر من العامري أن يجاملهم أو يداهنهم وحاشاي فعل ذلك فأنا أكتب للتأريخ وهو خير منصف

وقد قلتُ في قصيدة عمودية قبل سنتين عن الطارئين على النقد :

ومَهما توخيتَ الفصاحة نبرةً

فلا بد أن تلقى الحسودَ المخاتِلا

 

وكم سفَّهوا رؤياك حقداً وغيرة

وكم لقَّنوا التسفيهَ رَهطاً مماثلا

 

ولكنهم في سرهم فُتِنوا بها

وصفحاتُها قد هرّؤوها تداولا !

ــــــــــــــــــ

فتخيلْ: ناقد ويتمنى أن تكبو في الوزن مثلاً أو أن تأتي بعبارة ضعيفة أو صورة شعرية لا تهز لكي يقول عنك : ألا ترون أنه أخطأ في هذا الموضع أو في هذه الفقرة أو كان ركيكاً في الجملة فكيف تريدونني أن أكتب عنه أو أدرس شعره؟ وهو هنا يحاول التخلص من شعور قاسٍ بالذنب مبعثه تقصيره المفضوح فهو يتناسى أن العامري يكتب العمودي وشعر التفعيلة منذ خمسة وثلاثين عاماً ويتناسى من أي جرح تنطلق قصائده . ومهما كان مستوى الشاعر الذي قد لا تروق لبعضهم شاعريته فعلى الأقل يجب احترام تجربته الطويلة في هذا الإتجاه واحترام تجاربه الحياتية والمعرفية وسنوات الإغتراب ولكنهم أكثر صبيانية في مزاعمهم من أن يلتفتوا لهذا إلا القلة

وهنا أقول لك أمراً ولعلّك تستغرب وهذا ما حصل داخل ما يسمى بالوسط النقدي فهناك عدة شعراء وشاعرات ممن يكتبون الشعر والقصة وممن عرضوا عليّ دواوينهم ومجموعاتهم القصصية قبل طباعتها لكي أنقحها لهم وأراجعها لغة ونحواً ففعلتُ ذلك عن طيب خاطر بل وتحكمتُ في مسار بعض النصوص القصصية وعقدتها وخاتمتها وإذا بالنقاد يحتفون بها أيما احتفاء في حين أنهم لا يقربون من نصوصي وكتاباتي !! وسأذكر أسماء بعض النقاد وهم معروفون جداً وأذكر أسماء الدواوين والمجموعتين القصصيتين يوماً ما إذا أجاز لي أصحابها ! زين؟؟

 

س5: هناك فترات انقطاع يغيب بها العامري عن متابعيه وغالبا ما تتجاوز فترة الشهر ومن ثم يطل علينا بشعر غزير .....ما سر هذا الاعتكاف؟

- سبق وأن أشرتُ إلى حساسيتي التي تصل حد المرض ولكنه مرض صحي إن جاز التعبير فقد فشلتُ في كل الأعمال التي مارستها ففي منتصف العمل تسحبني قوى غامضة من تلابيبي وتدفعني للهرب إلى حيث الوحدة والقراءة والتفكير والتعبير وهذا سر لا أعرفه ولكني اعتدتُ عليه وهذا هو السر في انقطاعي عن التواصل مع الأصدقاء لفترات قد تطول أحياناً ولكني أقطعها بغبطة .

 

س6: أين المرأة في حياة العامري؟

- أها نعم أحدثك الآن وأنا أبتسم فقد كنت أتمنى حياة أكرسها للأدب والشعر والفن أو المعرفة عموماً وتمنيت في نفس الوقت أن أجد المرأة المناسبة التي تقدر هذه الحالة، إمرأة واحدة كشريكة حياة وحبيبة ولكني لم أوفق في هذا المسعى لهذا فقد كنت أعيش فترة مع هذه المرأة ثم لأسباب معينة نفترق وبعدها اعتكف طويلاً ثم أعيد الكرّة باحثاً عن امرأة أخرى على أمل أن تكون المرأة الحلم وهكذا تنقلت من علاقة إلى أخرى خاصة وأن تقاليد المجتمع الألماني تسمح بذلك والفرد الألماني يمارس نفس هذا الأمر مع اختلاف حاسم هو أني لم أكن أبحث عن متعة في التجديد والتنويع ! كالكثير من الألمان وإنما عن زوجة وحبيبة تفهم جنوني وبساطتي وأقدر وأحترم استقلالها وحريتها، وكنت أفعل ذلك وأنا ابتسم لهذا القدر العنيد ! وظروف العراق كانت لا تسمح بالعودة والزواج من امرأة عراقية سمحة ومتعلمة ومازال أمر الحصول على فيزا للعراقي قضية صعبة جداً ورغم أني أحمل الجنسية الألمانية فمن شروطهم الجديدة أن تجيد زوجتي العراقية أو الأجنبية المستقبلية، أن تجيد اللغة الألمانية ثم الإنتظار لمدة قد تصل عامين حتى تحصل على فيزا رغم أن مسألة الزواج غير ملحّة بالنسبة لي ولكن كما تعرف فالعراقية لا يمكن لها العيش مع رجل من دون عقد زواج وإلا فأنا أكثر من نصف ثقافتي أوروبية أو ألمانية ثم إن مثلي الأعلى في هذا المضمار ربما هو جبران خليل وميخائيل نعيمة وكلاهما لم يتزوج .

 

س7:النصوص الايروسية تعبر عن لغة الجسد هل كتبت منها شيئاً ؟

- من حيث المبدأ أنا مع الحرية الجسدية وبالطبع لا أعني الإباحية مطلقاً ولكني كرجل مثقف ومطلع أؤمن عميقاً بأن سبب تخلفنا اجتماعياً وثقافياً وعلمياً وحضارياً هو الفصل بين الجنسين والنظرة إلى الحب والممارسة الجنسية خارج مؤسسة الزواج باعتبارهما عيباً وعاراً مع أنهما أي الحب والجنس سر ديمومة الحياة فنحن بحاجة ماسة إلى ثقافة جنسية صريحة دون مفاهيم العيب والممنوع والحرام فالتثقيف في هذا المجال وتنمية الذائقة الجمالية لدى الفرد العربي والمسلم أمر لا مناص منه لكي ينهض ويتخلص من هذه الورطة التي أدخل نفسه فيها وأعني حصرَ كل خياله وتفكيره في كيفية إشباع رغباته الجسدية والعاطفية بحيث لم يتبق في هذه المخيلة وهذا الفكر متسع لملئه بالمعارف والعلوم ! وفي هذا ظلم كبير للرجل وللمرأة، للشاب والشابة وتعطيل شبه تام لقدرات الإنسان والبلد على اللحاق بالأمم المتقدمة التي تسير بثقة وبسرعة خيالية نحو مجاهل لا ولن ندرك عشرها إذا بقينا على هذه الحال وطبعاً السياسي يتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى ورجل الدين بالدرجة الثانية والجامعات وهكذا تتدرج المسؤولية حتى رب الأسرة فنحن ننادي بالتعليم ولكن أي تعليم نتبع، أية مناهج دراسية نختار؟ أقول لك مخلصاً لا منجىً لنا إلا باعتماد المناهج الغربية الحديثة والإستفادة من إمكاناتهم إلى أقصاها ومن خبراتهم واستقدام كفاءاتهم وطاقاتهم لتكوين قاعدة علمية صناعية وبلد متحرر مستقل اقتصادياً ومؤسَّس على قاعدة متينة من التماسك الإجتماعي والشعور بالمواطنة أولاً فالدين لله والوطن للجميع ومن هذه النقطة نستطيع أن نكون بلداً مكتفياً ذاتياً ولكن بالتدريج خاصة وبلدنا فيه من الكفاءات والخيرات والموقع الستراتيجي والعمق الحضاري ما يؤهله لفعل ذلك وعودة لسؤالك، ليس لدي اعتراض على النصوص مهما كانت موضوعاتها بشرط توفر الذوق الجمالي الراقي ثم إنه ليس هناك موضوع شعري وآخر غير شعري فالكون هو نفسه حالة شعرية مذهلة ورغم ذلك أنا لم أكتب مثل هذا اللون الشعري (الإيروسي) إلا مرة واحدة وفي قصيدة عمودية وكنت مع ذلك غير جريء تماماً بالمفهوم العام للجرأة فالمعيار الأهم هو شعرية النص لا موضوعه

 

س8: في الوطن الكثير ممن يهيج ويلهب مشاعر الشاعر وما يحدث من الموت المجاني كل يوم ... كيف رسم العامري بريشته هذه الصورة القاتمة عن الوطن؟

- الوطن مأزق كبير بحد ذاته! وأعني الإنتماء له فهو قدر لا فرار منه، وبهذا المعنى فلا وجود للمنفى، حقاً تفلت مني العبارة المناسبة فهي حيرة في حيرة فالوطن يتسكع في دمك بحرية ودلال شئتَ أم أبيت وحتى على المستوى الظاهر فهو القميص الذي أرتديه كل صباح ولا أرميه عني إلا بعد تعب وانهاك ولكن في الصباح التالي سأرتديه ثانية ورغم كل الآلام التي عشتها في وطني سواء في فترات هروبي من الجيش في جبهة العمارة ـ علي الغربي أو في الشعبة الخامسة في الكاظمية حيث الأمن العامة بما فيها من التوحش والضحالة والإنحطاط وإن لم أبق فيها إلا فترة قصيرة إلا أنها كانت الجحيم بعينه ورغم اعتقالي في دائرة الإنضباط في الحارثية حيث الصوندات والصمون اليابس والإختناقات داخل دهاليز فيها المئات من الهاربين والتبرز في نفس الحجرة وأمام الجميع والشتائم السوقية المقززة من الإنضباطية وكانوا أولاد شوارع بامتياز وبعدها عذابات الغربة والفقر والحرمان والتشرد في إيران ورغم تفكيري المخطيء في السابق حيث أغرتني صرخات الكاتب الكبير محمد الماغوط فحاولت الصراخ ظناً مني أنه الحل الأسلم والأنجع مستنداً إلى ثناء الكثيرين على صرخاته وعدم معرفتي بحكم صغر السن والتجربة بأن صرخاته فنية وصرخاتي غاضبة حانقة، أقول رغم كل هذا فقليلاً قليلاً اتضحت الرؤية أمام العامري فما زلتُ ذلك المغفّل أتغنى بوطن هو الحلم الجميل، وطنٍ نعناعيٍّ نساؤه متحررات باسمات ورجاله مثقفون متسامحون متحضرون وأغني لمستقبل قريب أرى فيه الأطفال يصخبون ويلعبون في الحدائق العامة بملابسهم الزاهية البراقة كما هنا في ألمانيا وأرى شعبنا يمارس الديمقراطية الحقة ويذهب إلى صناديق الإقتراع وهو واثق ممن ينتخب ألفاً بالمئة، والمحاصصة والنهب والتفخيخ واستشهاد الأبرياء والإحتلال الداعشي أو السلطوي والفساد وقد أصبح في ذمة الماضي وبات يُدّرس في المدارس لتتعظ الأجيال القادمة من ألعن حقبة عاشها الشعب العراقي عبر كل مراحل تأريخه

 

س9: سامي العامري شاعر يمتاز برصانة النص وجودة اللغة وسلامتها....أين يقف العامري من شعراء جيله؟

- أنا أعتبر نفسي من شعراء ثمانينيات القرن الماضي رغم عدم اقتناعي بعبارة الأجيال ولكنها قد تنفع اليوم للإشارة إلى زمن الشاعر غير أن تجربتي استوت، كما أرجو، في بداية التسعينيات بعد قراءات واسعة وتجارب حياتية ثرية وبعضها مفجع... أحببتُ لغة العديد من الشعراء وقرفتُ من أخرى ! والمشكلة في جيلي هو أنه شديد النرجسية وما أن يكتب ناقد عن أحد منهم مثلاً حتى يظل يغرد ويهوّل من قيمة هذه الكتابة وينشرها في كل مكان تصل إليه يده وكأنها فتح ! مشيداً بعظمة الناقد المعني ! وبالمناسبة هناك طرفة حقيقية وقد ذكرتها في معرض ردي على سؤال للأديب الجميل حمودي الكناني في حوار له معي قبل سنوات وهي أن عبارة (شيّلني وأشيلك) بات تطبيقها وممارستها حالة مألوفة عند الكثير من شعراء اليوم وأدعياء الشعر أيضاً ويمكن للمطلع أو المراقب أن يغض النظر عنها باعتبارها صارت ما يشبه الديدن ولكنْ أن تُطبَّق هذه المقولة بين شاعر وناقد ويسري مفعولها بينهما، فهذا ما لم تعهده كل ثقافات العالم حسب علمي باستثناء المثقفين العرب وأخص منهم العراقيين !! فلأول مرة أسمع أن ناقداً في العالم ينتظر أن يُكتَب عنه ! حسناً إذا الشاعر يريد أن يُكتب عنه والناقد أيضاً فمن الذي سيكتب في هذه الحالة ؟!! وهذه علة أخرى في جسد الشعر الذي أنتمي إلى جيله وطبعاً كما قلت ُهناك أصوات مرموقة من جيلي ولا أستطيع ذكر الأسماء حتى لا أجحف بحق البعض ممن لا أذكر أسماءهم.

وعلى صعيد آخر فالمؤلم حين يكون الناقد أكاديمياً ومع ذلك ينتمي إلى خلايا شعرية نقدية يمدح أعضاؤها بعضهم البعض ويناصرون بعضهم البعض إن كانوا على حق أو باطل وأتذكر مقالتي التي نشرتها في موقع النور ولاحقاً في مواقع عديدة وكانت بسبب تجاهل الناقدة والشاعرة ناهضة ستار ملاحظاتي النقدية الصائبة عن قصيدتها التي نشرتْها في نفس الموقع وكانت ملاحظاتي تتعلق بعدة سقطات وزنية في قصيدتها ولكنها لم ترد عليّ بل رفعت القصيدة ظانةً أنها ستفلت من رد فعلي فكانت مقالتي عنها وهي دفاعاً عن النفس ليس إلا ولكن أن الذي حصل بعدها أن هجم عليّ ثلة من الشعراء والنقاد لأني تناولت بالنقد زميلتهم الأكاديمية والمحرج في الأمر أنهم، وهم الأكاديميون، فزعوا ضدي فزعة عشائر مما جعلني وبقية أصدقائي نفكر : ما أضيق عقول هؤلاء وما أسهل الحصول على شهادة دكتوراه في عراق اليوم ؟ فيأتي جوابٌ من داخلي وبثقة مطَمْئناً بالقول: أتحدى هؤلاء الذين هجموا عليّ من حملة شهادة الدكتوراه أن يأتوا إلى ألمانيا ويحاولوا معادلة شهادتهم فأنا متأكد أنهم بعد إتقانهم للغة الألمانية في دراسة قد تستغرق سنتين وبعد تقديمهم لطروحاتهم فربما سيمنحونهم شهادة دبلوم ! لذا ترى الكثير منهم باقياً في العراق انطلاقاً من مقولة : الأعور في بلد العميان ملك،، فكما تعرف أن نسبة الأمية في العراق وصلت مستويات مخيفة جداً ناهيك عن الأمية الثقافية وأرجو أن لا يساء فهمي فعندي العديد من الأصدقاء الخُلّص من حملة شهادة الدكتوراه وهم ذوو أخلاق عالية ووعي نافذ ومواهب تستحق الإحترام غير أن أحد حملة شهادة الدكتوراه في عراق اليوم وهو شاب شديد الطموح ويحضر كل مهرجان وكل ندوة وكل أمسية شعرية وينظم الشعر وهو الذي نشرت أستاذته الناقدة ناهضة ستار عن واحدة من منظوماته مقالاً نقدياً يفيض مديحاً وربما هي لغة تشجيعية له غير أنها أسرفت في تقويل النص بما يوحي بأنها تعتبرها قصيدة مهمة !! بينما هي جعجعة وركيك نظم وأبياتها تدخل هذه الأذن وتخرج من الأخرى بكل ممنونية ولكن لأنها أستاذته فأحبت أن تعمل لـ (قصيدته (بُكْلَهْ) ! وهذا بدوره يطرح نفسه في صفحته على الفيس بوك كناقد ! وهو لا يعرف المدارس الشعرية أين وصلت فهو مازال يستخدم لغة داحس والغبراء ! باختصار صارت (حارة كل من أيدو إلو)

 

س10: هل كتبت شعرا بغير اللغة العربية؟

- أنا أُحسن اللغة الإنكليزية والألمانية ولغتي الألمانية على ما يبدو أفضل من الإنكليزية بحكم المعايشة اليومية لهذه اللغة منذ أكثر من ثلاثين عاماً وقد كتبتُ ديواناً بهذه اللغة تحت عنوان : قلادة من جُزُر،، وهي نصفها مترجم من شعري بالعربية (الصور الشعرية القابلة للترجمة دون إساءة كبيرة لها) ونصفها كتبته مباشرة بالألمانية غير أن الإحساس بضغط الزمن والعمر وشعوري بأني كبرتُ وكان عليّ أن أبدأ بهذا الإتجاه منذ بداية تسعينيات القرن الفائت هو الذي تسبب في مصادرة الحماس لهذا المشروع علماً أني عشتُ عدة أزمات روحية قبل التسعينيات وكنت أعتبر السنين التي بعدها فترات نقاهة لهذا لم أكن لأجهد نفسي فأكتب بلغة أجنبية تتطلب تركيزاً عالياً أو أترجم من نصوصي ما تيسر خاصة وأن لغتي العربية هي فصيحة وتقرب من لغة الأسلاف ويأتي هذا دون أي تكلف بل أنا كثيراً ما أتكلم الفصحى مع العراقيين والعرب في الشارع أو المنزل وطبعاً يحصل هذا لا شعورياً ثم سرعان ما أنتبه لنفسي فأعود للهجة العراقية، البغدادية.

اللغة الألمانية لغة صعبة وخاصة نحوها رغم أنها جميلة وثرية وربما لاحقاً سأترجم ديوانين أو ثلاثة لي وأنشرهما لا أدري فأنا بدأت منذ سنوات أشك بدور الشعر كما في السابق والذي كان مناطاً بالشعر فهو لا يستطيع المنافسة وأمامه ديناصورات إعلامية ووسائل إمتاع للناس غير قليلة.  

شكرا لك أخي سامي على سعة صدرك وتمنياتنا لك بالإبداع الدائم

بل أنا أشكرك كل الشكر أيها الأديب المائز طارق الكناني وتحية لألق روحك وأصالتك وتحية لكل الأحباء الذين تلتقي بهم.

 

أجراه الأديب الباحث طارق الكناني

 

firyal alkamisفنانة عراقية مغتربة،رغم أنها غادرت العراق قبل أكثر من تسع سنوات، إلا أن حنينها للعراق ولبغداد لا يزال يشدها أليهما. شاركت في أعمال تلفزيونية نالت أعجاب الكثيرين، دخلت الوسط الفني لأنها عشقت الفن منذ صغرها،تلك هي الفنانة فريال الخميسي، التي أجرينا معها هذا اللقاء لتحدثنا عن مشوارها الفني، قلنا لها:

 

- بداية، هناك من يقول أنك بعيدة عن الفن؟

- لا هذا غير صحيح، بدليل أنني قبل أيام قليلة أنتهيت من تصوير مشاهد من فيلم عراقي يتحدث عن الغربة وهو من إنتاج شركة أمريكية، اؤدي فيه دور البطولة. وهو من إخراج الفنان شاهين العنزي ومونتاج طارق العنزي، ومن إنتاج شركة بنيويورك، والفيلم يتحدث عن غربة العراقيين والأزمات التي تعصف بهم منذ مغادرتهم للعراق ومرورا بدور المهجر وأنتهاء بالأستقرار وكذلك شعورهم بالغربة وحنينهم للوطن.

 

- كيف تعرفين نفسك من واقع بطاقتك الشخصية؟

- فنانة عراقية من مواليد 1962 برج الميزان محافظة بغداد، بداياتي كانت مع الفن عن طريق ابن عمتي، حيث أحببت التمثيل كثيرا وقررت دخول الوسط الفني.

 

- لمن تدينين بالفضل فيما وصلت إليه؟

- لله سبحانه وتعالى، وأهلي والذين وقفوا الى جانبي وشجعوني رغم الإنتقادات، حيث قررت التحدي.

 

- أهم مشاركاتك في الأفلام والمسلسلات؟

- شاركت في العديد من الأعمال التلفزيونية مثل مسلسل "غرباء الليل، بكاء الحجر، ميليشيا الحب، الحب أولا، حكاية حب، سري للغاية، قميص من حلك الذيب".

 

- من هم المخرجون الذين تعاملت معهم؟

- تعاملت مع الكثير من المخرجين العراقيين، من بينهم " جلال كامل" في مسلسل" غرباء الليل، الحب أولا" وقميص من حلك الذيب للمخرج"علي أبو سيف" وسري للغاية وبكاء الحجر للمخرج طلال محمود، وحكاية حب للمخرج" طالب العاني، ومخرجين آخرين لا يحضرني أسمهم، لكن تعاملت مع الكثيرين وكلهم اعتز بهم.

 

- وماذا عن الأعمال المسرحية؟

- بالنسبة لأعمالي المسرحية، فأول عملت شاركت فيه هو مسرحية" سيعود السندباد" والتي قدمت في سورية، وهي من تأليف وأخراج محمد وهيب ،أما في أستراليا فشاركت في أكثر من ست مسرحيات من اخراج وتاليف الفنان المبدع عباس الحربي من بينها مسرحية" عشاء كلكامش، إمرأة ذات ثلاث وجوه، مقيدات".

 

- من الفنانات العربيات والعراقيات أعجبت بأدائهم؟

- أحب الأدوار وأداء الفنانة العربية نادية الجندي، وعراقيا أحب اداء وأدوار الفنانة الرائعة ماما سليمة "سليمة خضير" لذلك احب جبروت الفنانة نادية الجندي واحب طيبة ماما سليمة.

 

- أقرب الأعمال إلى نفسك كمسلسلات ومسرحيات؟

- اقرب مسلسل الي "بكاء الحجر" واقرب مسرحية " الخط الاحمر " والتي عرضت قبل أسابيع وهي من تاليف واخراج المبدع الفنان عباس الحربي.

 

- كيف تنظرين للدراما العراقية؟

- الدراما العراقية في وقتنا الحاضر، أشعر وكأنها خالية من الاحاسيس اما سابقا كانت الدراما بمعنى الكلمة.

 

- ماذا عن طموحاتك؟

- طموحي وامنيتي ان اكون فنانة ذات قيمة ومباديء لخدمة العراق واتمني ان اشارك في اعمال عربية وعالمية.

 

- كيف تقيميين دور نقابة الفنانين؟

- صراحة أنا أنتميت لنقابة الفنانين في سورية، وفي أستراليا أنتميت لمؤسسة آفاق للثقافة والفنون والرياضة، لذلك لم أنتمي لنقابة الفنانين العراقيين، وبالتالي لا يحق لي تقييم أداء ودور النقابة تجاه فناني العراق.

 

- تجربتك مع الفن، كيف هي؟

- تجربة جميلة ورائعة، وأستفدت الكثير خلالها وتعملت الكثير، وأن شاء الله أحقق نجاحات اخرى من خلال التواصل والأستمرار.

 

- لمن تسمعين من المطربين؟

-عراقيا أسمع للراحل رياض أحمد، وعربيا لكوكب الشرق أم كلثوم، فهناك اغاني يشدنا أليها ويذكرنا بالماضي الجميل، حيث طيبة اهلنا وبساطتهم وحلاوة العيش وراحة البال.

 

- اين انت الآن؟

- حاليا أقيم في أستراليا منذ خمس سنوات، أما مغادرتي للعراق فمضى عليها حوالي تسع سنوات.

 

- ماذا تمثل لك بغداد العاصمة؟

- بغداد جميلة ورائعة بروعة وجمال روح أهلها، وفي كل لحظة نتمنى لها الخير والأمن والأستقرار، واقول لجمهوري العراقي،سأحرص على تقديم كل ما هو جديد وجميل من اجلكم.

 

- كلمة أخيرة؟

- أتمنى للعراقيين الأمن والسلام، وأن نجد العراق يوما في مصاف الدول المتقدمة،كما أشكركم لمتابعتكم نشاطاتي.

 

حاورها: جاسم حيدر

maymon harashسمية البوغافرية قاصة مختلفة تماماً، تعشق الحكي المخملي، وتتربع على عرش مملكة "السرد" ملكةً مُتوجة، لها في الناظور، وفي المغرب مكانة؛ ولها في كل ناحية مَثل.. عشاق كُتبها السردية كثيرون ، يتهافتون على تخصيص أعمالها الجميلة لنيل شهادات عليا يشرف عليها أساتذة و دكاترة لهم حظوتهم.

ألفت في القصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً، وفي الرواية، وفي المقال، وفي أدب الطفل أيضاً، وشاركت في ملتقيات كثيرة أبانت فيها عن ثقافة رصينة، وخلق كريم ودراية، ودبلوماسية، وحوار أريحي تستمد آلياته من اللسان الريفي الأصيل..

كرمتها جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون بالناظور عام2013، وحمل المهرجان العربي للقصة القصيرة جداً اسمها في دورته الثانية..

بكلمة: معنا ومعكم شهرزاد الناظور سمية البوغافرية..

 

لالاّ سمية أهلا بك في "العرين"..

س- أولا دعيني أبارك لك الإقامة الجديدة في بلد المليون شاعر..كيف أنتِ مع " الهواء الجديد" في موريتانيا؟ أتمنى أن تستفيدي من وجودك هناك بالكتابة عن مناخاتاتها و ثقافتها..

ج - أولا، أشكرك أخي ميمون حرش على هذا التقديم الجميل والكبير في حق شخصي المتواضع وفي حق قلمي المتواضع أيضا.

وأشكرك أيضا على مباركتك الطيبة على إقامتي في هذا البلد السعيد، موريتانيا، الذي حللت به أول سبتمبر الماضي.. هو بلد آمن، ناسها طيبون يغلب عليهم الطابع البدوي الجميل المريح للنفس التي قرفت أجواء التمدن وصخبها وقيودها.. وفي ذات الوقت، لا أنكر أني أكابد بعض الجهد في الأيام الأولى من أجل التأقلم.. عموما، لي سياسة جميلة أتغلب بها على شعور الغربة في كل بلد أحل به، وهي أنني أسارع قدر المستطاع إلى خلق " مغربي" في بيتي. والحمد لله لم أتلق صعوبة كبيرة هنا. فقد ساعدني كثيرا كون المغرب حاضر بقوة في قلوب الموريتانيين وحاضر في شوارعهم وأسواقهم... فبضاعتنا المغربية موجودة بوفرة ومن كل الأنواع التي قد يحتاج إليها الإنسان في حياته..من ماء، وخضر، وفواكه وأثاث... أما عن الكتابة فلا أختار ما أكتب عنه. أنتظر الإرسال فأبدأ.. لكن الأجمل أن العين تلتقط، والذاكرة تسجل وتخزن، ولا شك سيأتي يوم وتفرغ خزانها...

 

س- لن تعدمي وسيلة في موريتانيا لنشر القصة القصيرة جداً في الأجواء إلى جانب الشعر.. أليس كذلك ههه؟

ج - المشكل ليس في الوسيلة وإنما في طبيعة سمية. سمية متقوقعة على نفسها كثيرا وتكاد، بكسلها المفرط، أو ربما بانشغالها، أن تنتهي مهمتها عند حد الكتابة وإتمام العمل وتجهيزه للنشر. بل حتى عملية النشر، تجدها مرهقة فتتنصل منها وتستعين غالبا بالأصدقاء ليتولوا القيام بها بدلا منها فجزاهم الله عني خيرا.. ولكن مع ذلك، سأضغط على نفسي وسأحاول أن أشارك في أندية القصة هنا متى أتيحت لي الفرصة، وسأحاول المشاركة أيضا في الانشطة الثقافية التي تقام في المركز الثقافي المغربي، وربما ألقيت محاضرة في معشوقتنا الققج. وقد سبق وتحدثت في الأمر مع الملحق الثقافي في سفارتنا هنا، والذي بالمناسبة هو المشرف في نفس الوقت على المركز الثقافي المغربي الذائع الصيت في هذا البلد الجميل...

 

س- أنت كاتبة، والكتابة مهنة حزينة.. وحسب قراءاتي لك أنت كاتبة الفرح لا الحزن .. هل أنا مخطيء؟

ج - لعلك توافقني، وكل من يجترح فعل الكتابة، أن الحزن والألم وعدم الرضا على الواقع المعيش وما نراه من خلل مزمن في عالمنا المربك هو قرين الكتابة عامة، ومن المحفزات والدوافع القوية التى تدفع أقلامنا للتعبير عنها وإثارتها ولفت الانتباه إليها، لمحاولة المعالجة أحيانا، وللتخفيف من حدة وطأتها على النفس أحايين كثيرة" بالنسبة إلي على الأقل".. ولعلك أيضا تتفق معي أننا، نحن الكتاب المبدعون، نختلف مع بعضنا في الأسلوب والطريقة التي يقارب بها كل واحد منا هذه المواضيع الكبرى.. فأنا من طبعي، أطعّم نصوصي، حتى القصيرة جدا منها، بنكهة المرح وأحاول قدر المستطاع أن تحفل جل نصوصي بالضوء والفرح والأمل ومواقف ساخرة تكون في الغالب سخرية سوداء.. ربما هذا ما يجعل البعض، ولست وحدك، يراني كاتبة الفرح.. وهذه الطريقة في الكتابة تعكس فيما تعكسه نظرتي إلى الكتابة الإبداعية.. فالكاتب المبدع فنان يمارس فن الكتابة، وبالتالي، في نظري، ينبغي ألا يقل طريقة عرض مادته الكتابية عن الفنان التشكيلي الذي يلجأ إلى ألوان مختلفة متناسقة وجذابة في رسم لوحته مع أن موضوعها يكون في قمة الحزن والألم... وألا يقل أيضا دوره عن فنان موسيقي الذي يعزف معزوفة موسيقية حزينة جدا لكن مع ذلك لا تخلو من جمال وعذوبة ومتعة.. والسؤال الذي يطرح نفسه والذي لا شك جوابه عند القارئ هو مدى تمثل كتاباتي لهذ النهج ولهذه النظرة التي أومن بها وأسعى قدر جهدي لتعكسها أعمالي؟؟؟ وشكرا لك على إثارة هذه الملاحظة التي يثيرها الكثير من متتبعي تجربتي المتواضعة..

 

س- عشقك للرواية طاغٍ.. من " زليخة " عام 2011 إلى "نهر الصبابا" و" قمر الريف " عام2014..وهي عناوين من مشتل الحريم.. ألهذا الاختيار مبرر ما؟

ج - أعترف لك بأن قلمي روائي بالدرجة الأولى، ومهما اجتهدت في كتابة النصوص القصيرة أو مقال ما، تتسرب إليه نكهة الرواية بل وتكون طاغية عليه ويشتمها القارئ العارف بخصائص الأجناس الأدبية من السطور الأولى. بل ولاحظت صديقة لي كنت أتحدث معها في أمور عادية بعيدة كل البعد عن مجال الأدب أن هذه النكهة الروائية تطغى حتى على كلامي معها... أما اختيار العناوين لأعمالي فإن كان من مبرر لها فالعمل نفسه. وكل العناوين التي ذكرتها تحيل إلى الشخصية البارزة في النص بشكل مباشر كما حال " زليخة" و " نهر الصبايا" أو بشكل غير مباشر كما في " قمر الريف" وعاشقة اللبن { روايتي الجديدة التي ستصدر قريبا} ولا أدري سر تأنيثها في الغالب. ويسعدني أن أضيف أن "قمر الريف"لمن لم يطلع على الروية بعد، أن المقصود به بطل الرواية وهو شاب من بيئتنا الريفية، وأن هناك أيضا رواية أخرى تحمل عنوان:" أطياف ميشيل" وبهكذا تنوع أكون قد خرجت قليلا عن " مشتل الحريم".. ولكن الذي أود التأكيد عليه أن عدا مجموعتي " رقص على الجمر" 2010 التي كتبتها خالصة للمرأة وروايتي "زليخة" 2011، تظل جل أعمالي الروائية المطبوعة منها وغير المطبوعة تتطرق لقضايا اجتماعية كبيرة تشغل بالنا جميعا، وأن قضية المرأة ليست هي القضية الوحيدة التي يخوض فيها قلمي، وليست هي القضية الوحيدة التي تستحق الاهتمام، عالمنا يغلي بمواضيع وقضايا هامة تقتضي المعالجة، بل وتفرض نفسها فرضا على أقلامنا...

 

س- أسماء الشخصيات في رواية " نهر الصبايا " عجيبة لها نصيب من اسمها: "عطوف القطوف" و" شموسة" و"شقشوقة" ..ماذا أضافت هذه الأسماء الغريبة للرواية؟

ج - أولا أحب أن أذكر القارئ أني كتبت هذه الرواية عام 2011. بالتحديد، مع اندلاع الثورة الليبية التي توعد فيها المعمر القذافي بملاحقة الثوار وإشعال ليبيا... وكلنا يعلم جنون هذا الرجل، وكم أنه قادر أن يفعل كل شيء لإرضاء غروره وجنونه. فنالني من تهديده من القلق والرعب ما جعلني أتمنى لو لم أعش لأرى نيرون جديدا يحرق بلدا عربيا عريقا لا لذنب سوى أن شعبه طالبه بالرحيل عن الكرسي الذي أوصله إليه يوما والذي لم يعد يصلح له منذ عقود. ربما هذا القلق المريب ما جعل الذات الكاتبة تقتحم فضاءات أبعد وأوسع لتهدأ، ولتسوق لنا منه بعض الحلول أو بعض الضوء الغائب من أرض الواقع.. وعليه، فهذه الرواية بأكملها تحلق في فضاء الخيال الفسيح وليست لها ساق تقف عليها في فضاء مكاني أو زماني محدد ومعروف، وبالتالي كان من الطبيعي جدا، ومن باب تمثيل الصدق الفني في هذه الرواية التي قال عنها بعض النقاد:" إنها مغامرة شرسة في أحراش الطبيعة البكر، بحثا عن الحب والحقيقة.." أن تأتي أسماء الشخوص غريبة شيئا ما لتتناسق مع الأجواء العامة للرواية خاصة ونحن نعلم أن الأسماء لها علاقة بالثقافات، وتتقادم بفعل الزمن بل وتندثر كثير منها مع الزمن.. فكم من اسم كان معروفا صار مندثرا في أيامنا.. ورغم غرابة هذه الأسماء كما تبدو من الوهلة الأولى فإني مع ذلك حاولت أن تكون متلائمة مع الشخصية والدور الذي تلعبه في الرواية وهذا ما تنبهت إليه الطالبة فاطمة محبوب، طالبة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، في بحثها المعنون ب "دراسة الشخصيات في رواية نهر الصبايا لسمية البوغافرية" والتي أفردت فصلا كاملا لتحليل هذه الأسماء.. ومن قبيل ذلك قولها:

- صحصوح: اسم يقترب من الصحو. والصحو إشارة إلى الطريق الصحيح وذالك لأنه الوحيد الذي انتبه إلى الخلل الذي يسود بيئته وسلك طريق البحث عن الحقيقة لرفع هذا الخلل وسخر حياته بأكملها لكشف الحقيقة وإظهار الحق وإزهاق الباطل.

- شموسة: اسم مشتق من الشمس التي تشير إلى الضوء والنور والوضوح والدفء وهذا ما ينطبق على شموسة داخل الرواية من حيث كونها مصدر الحب والحنان و الدفء لكل عائلتها...

- شقشوقة: من شق يشق شقا وسميت بهذا الاسم لأنها شقت أقرب طريق للوصول إلى مبتغاها وهو شق قلب صحصوح من الألم وقلب شموسة من الحزن..

- شبور: شبر يشبر من فعل شبر في المنطقة الشمالية بمعنى التمسك وهذا ما استنتجناه من الدور الذي لعبه في الرواية وذلك من خلال تمسكه بالحياة بقوة ورغبته في العيش.

- شمور: من فعل شمر أي وجد نفسه وحيدا في الحياة فشمر بمعنى تأهب ليغوص في الحياة معتمدا على نفسه وذلك وما استنتجناه من خلال الرواية. فأبوه هارب و أمه ماضية للبحت عنه فلم يجد أحدا بجانبه ليسانده فخياره الوحيد هو الاتكال على نفسه وهذا هو سبب تسميته شمور.. فتحية صادقة للطالبة على هذا الجهد المقدر والذي يتفق كثيرا مع قصدي...

 

س- تألقك في القصة القصيرة جداً وسام ليس على صدرك فقط بل على جبين " الريف" أيضاً.." كيف يمكن لمن يكتب رواياتٍ طويلة أن يختزل، ويختصر، ويبدع في النهاية نصوصاً قصيرة بألق يَبين كما صوت عتق الخيل؟

ج - كما قلت سابقا إن قلمي روائي بالدرجة الأولى. والكتابة الروائية وعالمها الفسيح غول يمتص كل وقتي وجهدي ولا يترك لي نافذة أتنفس منها هواء غير هواء الرواية.. لكن رغم ذلك، أحيانا، تضيق النفس من هذه السيطرة ويصيبها الملل من عمل يمتد لفترة طويلة، فألجأ "لتغيير الجو" إلى بيئة أخرى، بيئة القصة القصيرة أو القصة القصيرة جدا لأتنفس هواء غير هواء الرواية، فأعود إلى موطني "عالم الرواية" أكثر نشاطا وحيوية.

وأحيانا، أخرى تزدحم الأفكار في ذهني ويشتد ضغط الكتابة لأكتب في أكثر من موضوع، وفي أكثر من قضية وكلها تتسع لفضاء الرواية، لكن للطاقة حدودا. فلا يمكن لي أن أخوض في كتابة روايتين أو ثلاثة في آن واحد، أو أكتب رواية جديدة دون أخذ استراحة لمدة تصل أحيانا إلى سنة أو أكثر.. ثم ألجأ إلى إختزال عمل هو في الأصل رواية فأحوله إلى قصة قصيرة جدا أو أجزئه إلى قصص قصيرة جدا.. وأحيانا كثيرة، تولد الفكرة وتتبلور في الذهن قصص قصيرة جدا. وأغلب نصوصي القصيرة جدا كتبت بهذه الطريقة الأخيرة رغبة مني في المساهمة في تأسيس هذا الجنس الأدبي الجديد الذي عاصرت فترة تأسيسه. فأتمنى بالفعل أن تكون لي بصمة تستحق من الأجيال القادمة التوقف عندها والاستفادة منها. وأحب أن اختم هذه النقطة باستنتاج كبير أورده د. محمد أقضاض في مقاله الكبير المعنون بالماكروسرد والميكروسد في كتابات سمية البوغافرية، والذي نشره في الملحق الثقافي لجريدة العلم، قارن فيه بين روايتي " زليخة" وبين قصتين قصيرتين جدا ـ "منفضة" و " تجهم ينذر بعاصفة" من مجموعتي أقواس.. ختمه بهذه الكلمة المعبرة:" لقد كتبت سمية رواية، كنص سردي مطول يجسد المجتمع في شساعته وشموليته وتعقده وتنوع مستويات سرده واتساع أزمنته وفضاءاته وطبيعة بنيته... وتبدو المينيقصص هنا، أحيانا حين تأملها، أكثر شساعة رغم طول النص الروائي، وأكثر تعقيدا حين يضطر القارئ إلى البحث عن المدلولات وعلى شذرات النص القصصي، ليعيد ملء العبارات وملْء الفراغات. فيتجلى الإبداع على مستوى الماكروسرد كما يتجلى على مستوى الميكروسرد." فتحية إكبار لهذه القامة الريفية الكبيرة..

 

س ـ وماذا عن القصة القصيرة التي كتبت فيها سمية مجموعتين: أجنحة صغيرة عام 2009 ورقص على الجمر 2010.. ومن ذلك الحين لم نقرأ لسمية قصة قصيرة هل هجرتها إلى عالم الرواية وعالم الققج؟

ج - أما القصة القصيرة، فرغم عشقي الكبير لها، فإني بحسرة أقول إني هجرتها إضطرارا بسبب طغيان وضغط الكتابة الروائية واستنزافها لكل وقتي وطاقتي.. فهجرت معشوقتي، القصة القصيرة، وفي قلبي حسرة، وأنا التي عاشرتها ما يزيد عن عشر سنوات متواصلة. وبها عرفت في الساحة الأدبية، وبها كنت أتواصل مع القراء والأصدقاء على صحن النت..

أعترف أنها قهرتني صعوبتها وصعوبة القبض عليها، لكنها كسبت حبي وعشقي واحترامي. فلا غرو إن توجتها على قمة السرديات روعة، وعمقا، وجمالا، وإمتاعا، أو اعتبرتها، عن تجربة، أنها لب الأصناف السردية كلها. ولا غرو أيضا إن ظهر هذا العشق بارزا في فصول رواياتي التي ألبسها غالبا لبوس القصة القصيرة...

 

س- كيف ترينْ مستقبل القصة القصيرة جداً كمبدعة؟

ج - رغم ما يقوله البعض عنها إنها نزوة، أو صيحة موضة، أو إنها حمار من لا حمار له، فإني أراها جنسا أدبيا قائما بذاته، له ضوابطه وخصائصه التي تميزه عن باقي الأجناس، وأنه فرض نفسه بقوة على الساحة الأدبية. ساعدته الوسائط التكنولوجية الحديثة على الانتشار وإثبات كينونته. وطالما له عشاقه من المنتجين وأيضا من المستهلكين فلا خوف عليه، وسوف يعيش إلى جانب الأجناس الأدبية الأخرى دون أن يطغى عليها أو تكون له الهيمنة كما يذهب البعض الآخر قائلين إنه جنس المستقبل ومدعين أنه الجنس الملائم لعصر السرعة الذي نعيشه. في حين أرى إنه كان من غلبة لجنس فستكون للرواية، الطبق الدسم، لما تحمله من متعة للقارئ وأيضا لما تحظى به من اهتمام عالمي خاصة في السنوات الأخيرة...

 

س- وفي الرصيد أيضاً كتابات عن الطفل، وهذه مغامرة محسوبة..أنت أم وكاتبة ناجحة .. السعي لإمتاع الطفل كيف تراءى لك؟..

ج - في سؤالك بعض من الإجابة، القص للأطفال كان من ضمن سعيي لإسعاد أطفالي بالدرجة الأولى. فأذكر جيدا وهم صغار كانوا يطالبونني بأن أقرأ لهم قصصا قبل النوم وباللغة الفرنسية. وطبعا، في هذا نوع من التعب المضاف إلى تعب النهار.. فأضع الكتاب في حجري وأطفئ النور وأبدأ أقص لهم قصصا من خيالي، فيتفاعلون معها وأستلذها بيني وبين نفسي في ذات الوقت.. والأجمل، أنهم يطالبونني، في اليوم الموالي، بإتمام ما قطعه عليهم النوم.. هكذا كانت البداية، وندمت كثيرا أني لم أدونها ولم أهتم بها كما شأن أعمال كثيرة أخرى كنت أكتبها بيد وأقطعها بيد أخرى وألقيها في سلة القمامة إلى أن سقطت في يد عطوفة فأعطتها من العناية والرعاية ما تستحق، وهي بالمناسبة يد زوجي الذي أحمله دائما مسئولية الزج بي في مهنة العذاب... وحينما كبروا قليلا بدأوا يطالبونني بكتابتها، مع الاحتفاظ لكل واحد منهم بقصة خاصة به.. فكتبت قصة" علاء الدين والحاسوب السحري" لابني البكر صلاح الدين وهو من اقترح علي كتابتها بهذا العنوان الكبير والجميل ..ألفتها من أجله عام 2003 ولم تر النور حتى 2015 . وهناك رواية أخرى كتبتها لابني الآخر، سليم، وأهديتها له في عيد ميلاده الخامس وهي تحمل عنوان: فهد الغابة. سأسعى إلى طبعها فيما قريب إن شاء الله..

هكذا كانت البداية والانطلاقة الأولى مع قصص الآطفال، فنشرت بعضها على النت ولقيت استحسانا كبيرا من كل من قرأها، بل وتوجت في أكثر من منبر على أنها أحسن ما كتب للطفل، وكتبت فيها قراءات ودراسات من نقاد كبار أعتز بهم وبسوابقهم الأدبية المنحوتة في الوجدان خاصة في مجال أدب الطفل.. ومن هذا المنبر، أتقدم بالشكر الجزيل لوزارة الثقافة التي نشرت لي في السنتين الأخيرتين ثلاث روايات للطفل ومجموعة قصصية... ويبقى عالم الطفل جميل وساحر. وفي الكتابة له، وفيه، متعة كبيرة لا تضاهيها متعة..

 

س- أنت تراهنين على ماذا حين تكتبين للطفل؟

ج - من المتفق عليه حول قلمي وعن كتاباتي أني لا أكتب من أجل الكتابة، وأن الكتابة عندي ليس ترفا.. وهنا أحب أن أؤكد أن الأمر كذلك حتى في كتابتي للطفل.. فحين أتوجه بكتاباتي للطفل فمن أجل رسالة تربوية أو توعوية تهم عمره. فأكتب من أجل أن أعيه بما له وما عليه. أسعى من وراء كتابتي له لأخلق منه إنسانا مسئولا منذ صغره. أحب أن أضعه أمام حقيقة واقعه بلغة بسيطة وصور موحية دون أن أهول الأمور أو أخادعه. أتعامل معه في الواقع وفي كتاباتي على أنه رجل وليس طفلا صغيرا لا يفهم شيئا. نهجت هذه السياسة في تربية أطفالي وأنهجها أيضا مع الأطفال الذين أتوجه إليهم بكتاباتي..

فحين أكتب قصة للطفل فهي قصة قصيرة بضوابطها وخصائصها المعروفة. وأكتبها بذات تقنيات الكتابة للكبار. لا تختلف معها إلا في اللغة المبسطة، وفي الثيمات والمواضيع التي تجذب اهتمامه وأضمن لها بعض التفاعل معها. ومن خلالها، أسرب إليه رسائل وعبر تنمي شخصيته، وتفتح مداركه، وأراعي في هذا سنه وثقافته. لكن من حيث تقنيات الكتابة هي ذاتها التي أستعملها في الكتابة للكبار بداية من اختيار عنوان جذاب وتشويق يجعله يشده إلى العمل من العنوان حتى القفلة المفتوحة، وأحيانا استفز عقله بأسئلة يطرحها البطل لتشد انتباهه وتجعله طرفا في العمل. والهدف من نهج هذا الأسلوب معه بالإضافة إلى إمتاعه والرسالة التربوية التي ينطوي عليها العمل، هو سعيي إلى تدريبه من الصغر على تذوق فن القصة على حقيقتها، والسعي به من الصغر أيضا ليكون قاصا وروائيا.. وأنأى بكتاباتي للطفل عن شحنها بالوعظ والنصائح المباشرة التي طفح منها قلبه في البيت، وفي الشارع، وفي المدرسة، والتي بدل أن ينساق لها يتمرد عليها أكثرهم ..

 

س- "علاء الدين والحاسوب السحري"، و"الإمبراطور شمسون والزهرة العجيبة" روايتان للأطفال .. ما الفارق بين العمل الأول والثاني؟

ج - هناك فرق كبير بين الروايتين. فالأولى تمس طفل اليوم في اهتمامه وانشغاله المرضي بالحاسوب.. أي طفل يقرأ رواية الحاسوب السحري سيشعر أنه المقصود. وسيرى نفسه هو علاء الدين، بطل الرواية. فشخصية البطل مستوحية من طفل اليوم المتعلق بالحاسوب والتكنولوجيا الحديثة أكثر من تعلقه بالأكل والشراب. وأتخيل أن تفاعل الطفل مع هذا العمل سيكون كبيرا، وأن الرسالة المتوخاة منه ستصله بسهولة، والتي يمكن تلخيصها في أن الحاسوب لم يخلق فقط للعب وتزجية الوقت في ألعاب الفيديو مثلما كان علاء الدين في صغره، فوجد صعوبة كبيرة في التركيز في دروسه واستيعابها، ففشل في دراسته وكاد يطرد من مدرسته.. لكن كونه يملك حاسوبا سحريا، فقد تجاوز مشكلته وبدأ يستعمل حاسوبه للبحث في سبل إسعاد الطفل. فانطلق في مشروع كبير لتحقيق هذه السعادة، بدأه من غرفة الطفل، فمدرسته، فبيئته، فعالمه... أظن أن أهم الفوائد التي يقدمها هذا الكتاب للطفل أنه يبين له ما له وما عليه، ويرشده، بطريقة غير مباشرة، إلى أهمية الحاسوب في حياتنا إن أحسنا استعماله..

أما الرواية الثانية، فتختلف عن الحاسوب السحري في الثيمة والأجواء والفضاءات والشخوص وإن كانت تتقاطع معها في الهدف والرسالة المتوخاة منها، وهي توعية الطفل بما يدور حوله وبالمسئولية الكبيرة الملقاة على عاتقه في مستقبله. فهي تتناول موضوع إمبراطور عظيم مات وخلف لابنه تركة كبيرة وضخمة من المشاكل، على رأسها غياب الشمس عن امبراطوريته الكبيرة لسنوات، وانتشار، بسبب ذلك، أمراض أصابت الأطفال بتشوهات كبيرة، لم ينج منها غير أهل القصر والمحيطين به، حيث تم ربط القصر بقنوات شمسية تجلب إليه هذه الشمس البعيدة المتوارية وراء الغيوم الكثيفة والضباب الأسود، فتضيئ القصر وما حوله بينما تغرق أرجاء الإمبراطورية في ظلام دامس ليل نهار.. لكن الإمبراطور شمسون الشاب، يكتشف بعد رحلة بحث طويلة سبب هجر الشمس لإمبراطوريته فيردها إليها، ويكتشف أيضا علاجا لتشوهات الأطفال المقلقة.....

 

س- مبدعة وأم مثلك تعي جيداً نبض الأطفال..بعض الكتابات تقصي الأطفال من خلال الطرح الخاطئ للأشياء.. بعضهم حين يكتبون للطفل يفكرون عنه وليس معه دون أن يشعر.. كيف السبيل لتصحيح هذه الرؤية ؟..

ج ـ لعل الطرح الخاطئ الذي أشرت إليه في سؤالك ينجم عن فكرتنا الخاطئة عن الأطفال. فنحن غالبا ما ننظر إليهم على أنهم اطفال صغار لا يفهمون شيئا ولا يتقنون فعل شيء غير اللعب. فنقوم بكل شيء بدلا منهم وننسى أو نتناسى أن لا فرق بيننا وبينهم سوى في التجارب التي أكسبتنا السنين التي تفصلنا عن سنهم...

ومما يؤسف له بحق، أن ننقل مثل هذه الأخطاء التي نرتكبها في الواقع مع أبنائنا، إلى كتاباتنا للطفل فنتوجه إليهم بكتابات تقزم فكرهم، وتقتل فيه روح المواجهة، ولا تسعى إلى بناء شخصياتهم على أسس صحيحة تجعل منهم رجالا ونساء قادرين في المستقبل على تحمل المسئوليات ومواجهة التحديات ؛ إن مسئوليتنا إزاءهم تقتضي منا تهيئتهم على تحمل هذه المسئولية، وتدريبهم على الاستقلال بذواتهم والاعتماد على أنفسهم وفي المراحل الأولى من حياتهم، وأن يقتصر دورنا على المراقبة والتوجيه والتدخل بالتصحيح.. ولا أراني أبالغ إن قلت إن التدرج في تدريبهم على تحمل المسئولية وعلى الاعتماد على النفس، ينبغي أن يبدأ منذ وقت مبكر جدا، منذ تلمس الأم قدرة صغيرها على القبض على زجاجة الرضاعة، عليها أن تدعه يتعارك معها لإطعام نفسه بيده إن كنا فعلا نريد خيرا لأطفالنا، ونرجو لهم النجاح في حياتهم المستقبلية والنجاح في النهوض بالمهام الموكولة إليهم في المستقبل. وقد أبدو قاسية على الطفل بتبني هذا النهج في تعاملي معه وكتابتي له، لكن لن يكون أقسى على نفسه من أن نضعه في مواجهة المسؤولية دون تمهيد وتدريب مسئول من قبل... ولا يفوتني هنا، أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى وزارة الثقافة على دعمها، في السنتين الأخيرتين، لثلاث روايات ومجموعة قصصية كتبتها للطفل، وهو ما أعتبره دعما كبيرا لي وتشجيعا لي على أسلوب كتابتي للطفل.

 

س- حين نتحدث عن سمية البوغافرية يصر الناقد الخضر الورياشي على لقب " شهرزاد الريف"..هل أنت راضية ؟ وهل حظيتِ بألقاب أخرى؟

ج - حقيقة لا أتوقف كثيرا عند هذه الألقاب التي كانت غالبا ما تطلق علي حينما أنشر عملا جديدا على صفحات النت، والتي غالبا ما كان يراد بها امتداح العمل المنشور.. وأذكر قبل "شهرزاد الريف" سمعت شهرزاد صلاح الدين. أطلق علي حين نشرت علاء الدين والحاسوب السحري وصرحت بأنه عمل اقترحه علي ابني صلاح الدين.. أما كوني إن رضيت عن "شهرزاد الريف" فلا أنكر أني أحببت هذا اللقب وفخورة به وأتمنى أن أرقى إلى مستواه، ربما لأنه ذكر مقرونا بجانب الريف العزيز علينا جميعا ونسعى بالرقي به قدر المستطاع، وربما لأنه صدر من أخينا الورياشي الذي نعرف جميعا مدى صدقه، وأنه لا يلقي أحكامه وألقابه جزافا وإنما يطلقها متى كانت تناسب صاحبها..كل ذلك من خلال مواكبته لأعماله.. وأي وصف يخلع علي انظلاقا من أعمالي، ولا أشم فيه رائحة المجاملات، ولا يكون مبالغا فيه، فأنا أرحب به وأشكر عنه صاحبه. فشكرا لأخينا المبدع المثابر أستاذ الخضر الورياشي على هذا اللقب الجميل...

 

س- دعينا في الألقاب ..ما أكثر الكتاب الشباب، اليوم، الذين ينتقون – حين يقدمون أنفسهم- ألقاباً لهم!.. ظاهرة اختيار الكاتب لنفسه لقباً غير اسمه الحقيقي ..هل هي حالة صحية؟

ج - فالذي أعرفه أن الألقاب ندعى بها وتطلق علينا من قبل الآخرين ثناء وامتداحا لما نقدمه من أعمال.. لكن أن نطلقها على أنفسنا فهذا ما أستغربه ويثير اندهاشي حقا. وأظن أن الحالة التي أشرت إليها تنم عن نقص يشعر به صاحبه، فيحاول التغطية على هذا النقص بالألقاب الكبيرة التي يسبغها على شخصه.. أو أنه يحاول أن يجذب له الأضواء بألقاب قد لا تمت بصلة إلى حقيقته وحقيقة ما يقدمه. وأتمنى أن أكون مخطئة في حكمي القاسي هذا، ويكون اللقب الكبير الذي اختاره لنفسه يافطة تؤكد حقيقته وحقيقة قلمه التي يجهلها غيره..

 

س- المهرجان العربي للقصة القصيرة جداً كرمك واختار اسمك لدورته الثانية عام 2013، دعيني أسألك، كمتتبعة، عن النسخ التالية .. هل من ملاحظات؟

ج - ملاحظاتي أني لامست تقدما كبيرا على مستوى التنظيم، وكل سنة يتم تجاوز بعض أخطاء السنوات التي قبلها وهذا جيد وينأى به عن لبو يسعى من خلاله إلى التجديد والتطوير وينأى به في المستقبل عن كونه مجرد طقس سنوي يؤدى مثل أي طقس آخر. ومن قبيل ما أثار انتباهي، فكرة السماح في نسخته الأخيرة بالحضور لوجوه أدبية جديدة إن على المستوى الوطني أو العربي لحضور هذا المهرجان بدل تكرار حضور ذات الوجوه السنتين الأوليين. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على رغبة المهرجان في الانفتاح على تجارب جديدة في الققج، انتاجا وتنظيرا. وهذا بلا شك يضمن نجاح هذه الملتقيات ويزيد من شعبيتها واهتمام الجماهير بها خاصة وأن عدد الحضور يزداد سنة بعد أخرى.. وهذا يحسب لإدارة المهرجان.. أما مآخذي أيضا فكثيرة منها عدم تدوين الدراسات الهامة التي تلقى في الجلسات النقدية كل سنة، وذلك حتى يتسنى للآخرين الاطلاع عليها للاستفادة منها ولغرض المقارنة بينها وبين ما أنجز في السابق لنتفادى السقوط في اجترار ما قيل من قبل ولنرتقي بهذه الملتقيات الكبيرة وننأى بها عن صورة الطقس السنوي الذي نألفه في أغلب أنشطتنا.. كما أن القصص التي تقرأ في مثل هذه الملتقيات الكبيرة

ينبغي في نظري أن تكون في المستوى، وأن تخصص لجنة بفرزها وانتقاء الأجود وذلك احتراما للضيوف الكبار، وتحفيزا أيضا للمشاركين على تقديم الأجود والأفضل. وهذه ليس ملاحظتي وحدي بقدر ما سمعتها تروج في أروقة المهرجان..

 

س- أنت من رواد القصة القصيرة بالناظور.. بماذا تنصحين الشباب المبتدئ في مجال الكتابة الإبداعية؟

ج ـ أشتغلت على القصة القصيرة أزيد من عشر سنوات بشكل يومي ومتواصل، وأثمر هذا الجهد ثلاث مجاميع قصصية )اثنتان حيتان تقرآن وأخرى لا تزال تنتظر دورها في الحياة اللائقة بها ( لكن رغم ذلك، لا أدعي أبدا أني من روادها في الريف أو خارجه.. وإنما أعترف أنها قهرتني ولم أستطع قهرها، وأني استطعت بحق أن أجلب لها بعض الأضواء والشهادات الكبيرة من روادها الكبار الذين أعتز برأيهم. من قبيل تلك الشهادات أني أمتلك مقومات قاصة جيدة وأني قادمة بقوة وغير ذلك من الشهادات التي كنت أفتخر بها وتحثني على المزيد من العطاء فيها.. وأعترف أيضا أني لا زلت أتهيب من كتابتها، ويسهل علي كتابة رواية في ثلاث مائة صفحة من كتابة قصة قصيرة في صفحتين ولا أدري السبب بالضبط.. ربما لأن قلمي روائي بالدرجة الأولى وأني أقحمته في مجال غير مجاله، أو ربما لأن لي نظرة خاصة وطريقة خاصة في كتابة القصة القصيرة، ويصعب علي إخراجها بالصورة التي أرجوها لها. أما نصيحتي لكتاب هذا الجنس الأدبي ممن يروا في تجربتي القصصية المتواضعة جدا ما تستحق الثناء والتوقف عندها والاستفادة منها، فإني أنصحهم أن يقرأوا جيدا لروادها في العالم العربي والغربي معا، وأن يتدربوا جيدا على كتابتها. فأنا على يقين، أن أي كاتب قصة قصيرة جيد يستطيع أن يكون كاتبا جيدا في كل الأصناف السردية الأخرى وبيسر.. فلا زلت أعتبرها الجنس الأصعب، وأنها لب السرود كلها وبذرتها الأولى التي تتفلق منها كل الأصناف السردية الأخرى.. ومن يمتلك اللب والبذرة يمتلك الشجرة والثمرة..

 

س- ننتظر ماذا من المبدعة سمية البوغافرية في الكتابة مستقبلا

ج - روايات جميلات تختلف عن سابقاتها في الثيمات وتقنيات كتابتها، وأيضا أعمالا للطفل، هذا إن كان سؤالك يندرج تحت غطاء الموجود من الأعمال الجاهزة في يدي والتي لم أطبعها بعد. أما إذا كنت تقصد ماذا سأكتبه مستقبلا، فأعترف لك، ملأ صدقي، أنه في حكم الغيب، أنتظره مثلما ينتظره القارئ. فلا أعلم عنه شيئا، ولا أخطط لما أكتبه مستقبلا لأن غالبا كل المشاريع التي أنسجها بيني وبين نفسي تقصى ولا يظهر منها غير القليل جدا.. وفي اكتشاف هذا الجديد وانغماسي في تدوينه تكمن قمة متعتي ولذتي. أما قبله "المخاض" عذاب، وما بعده " التنقيح والنشر والتوزيع.." عذاب أكبر..

 

س- كلمة أخيرة رجاءً..

ج- أشكرك جزيل الشكر على هذه النافذة " حوارات العرين" التي تفتحها لنا لنطل منها على قرائنا وأصدقائنا المتتبعين لأعمالنا وأخبارنا. ومن هذا المنبر، أحييهم جميعا وأحيي سيادتكم على سلسلة حواراتك القيمة التي تسلط من خلالها الضوء على الأدباء والمبدعين وعلى أعمالهم، والتي لا شك هي خدمة جليلة تقدمها للأدب والأدباء والباحثين في أعمالهم، وسيحفظها لك الأدب في لوحه المحفوظ ويسجلها لك ميزان حسناتك الأدبية. وأخيرا، أتمنى لك كل النجاح الذي تأمله لسلسة حوارات العرين القيمة، وكل التألق في مسارك الإبداعي النير مع خالص التحايا لشخصكم الكريم.

nihadnajib- تتلمذت على يد سنان والهرمزي والصوت الجميل هبة الله للبشر

تقول عنه الويكيبيديا انه اعلامي عراقي متألق، أصبح مذيعا للأخبار عام 1964 في اذاعة بغداد وفي عام 1969 عمل في تلفزيون بغداد، ليتفرغ له كلية عام 1977، وفي عام 1993 قام مع مجموعة من زملائه بتأسيس جمعية المذيعين العراقيين وتم انتخابه رئيساً لدورتين متتاليتين.

شارك في قراءة نشرات أخبارية رئيسة من تلفزيون واذاعة الكويت ضمن اتفاقية تبادل المذيعين عام 1989، عمل مراسلا لحساب وكالة اسوشيتدبريس ما بين عامي 1999- 2000، قدم المئات من البرامج الاذاعية والتلفزيونية،الدينية والثقافية والتراثية والفنية، وللوقوف على ابرز محطات هذه القامة المتميزة الشامخة خلال مسيرتها الإبداعية الطويلة حاورناه وبدأنا بالسؤال الأول:

 

*ماذا تقرأ بطاقتك الشخصية؟

– اسمي، نهاد نجيب محمد علي اوجي، اعلامي شامل، مذيع، كاتب، صحفي متزوج من الدكتورة كولر البياتي، اولادي ثلاثة، بنتان وولد، اما عن العمر فأنه لا يقاس بالسنين بل بالعافية والانجازات المتميزة والاعمال الصالحة والنافعة.

 

*دخولك الى الإذاعة كان بمثابة نقطة تحول في حياتك، ماذا تسجل في ذاكرتك الايام التي قضيتها في أروقتها؟

- دخولي الي عالم الاذاعة والتلفزيون هو من معالم حياتي الاساسية، كنت عاشقا لهذه المهنة وما زلت ولم تغرني أية مهنة اخرى.

 

*الجيل الذي رافقته في العمل الاذاعي والتلفزيوني، يعد جيلا ذهبيا، من وجهة نظركم، لماذا لم يتكرر هؤلاء رغم تعدد الاذاعات والفضائيات ووجود التقنيات الحديثة؟

– الجيل الذي انتمي اليه هو جيل الكفاءات والمواهب الخلاقة حيث تم اختيارهم بدقة متناهية من قبل لجان من الاعلاميين الرواد بعيدا عن الوساطات، لأن الشعار كان آنذاك هو المذيع شانه شأن الطبيب الذي اؤتمن على ارواح البشر والمذيع يؤتمن على سلامة تذوق البشر فالتقنيات الحديثة لا علاقة لها بالمهارة الشخصية للمذيع ان لم يتمتع بالصوت وهذا من اقل الأمور، اذ ماذا تفعل له التقنيات الحديثة؟ ففاقد الشيء لا يعطيه و الصوت لا يكتسب فهو نعمة من نعم الله تعالى وكذلك الحضور القوي المتميز اما الشروط الاخرى فربما تكتسب ولذلك نفتقر اليوم الى مذيعين متميزين بسبب غياب الاختيار الصائب.

 

* ماهي مؤاخذاتكم على مذيعي الجيل الحالي وما السبيل لإعادة الصورة البهية للمذيع العراقي؟

– معظم الجيل الحالي من المذيعين لا ذنب لهم بسبب غياب اللجان المختصة وتم اختيارهم حسب مزاج المهيمنين غير المختصين على وسائل الاعلام المختلفة وفي مقدمتها الفضائيات والسبيل الى اعادة الصورة البهية للمذيع العراقي هو اعتماد اللجان المختصة التي تضم اساتذة المهنة الذين تم ابعادهم ظلما وعدوانا بحجج واهية سياسية الأبعاد كونهم عملوا في ظل انظمة سابقة وهذا هو اخطر الاساليب التي اودت الى تخلف الاعلام ووسائله المختلفة والعودة الى الوراء بألف عام.

هل يجوز ان ننتقص من قيمة ابن سينا العالم والفارابي الموسيقي وزرياب المغني بدعوى انهم عاشوا في ظل انظمة تاريخية سابقة وبناء على ذلك فأن الاعلام العراقي سيظل متخلفا مادامت الرموز الكبيرة من خبراء الاعلام على مسافة بعيدة عن الساحة.

 

*من صاحب الفضل عليك في اكتشاف موهبتك، وكيف استطعت دخول عالم الشاشة الصغيرة؟

– الذين اكتشفوا مواهبي هم اهلي وعائلتي منذ الطفولة ونمت تلك المواهب بالتشجيع والتوجيه المستمرين وتأثري بالإعلامي الاكاديمي الكبير الدكتور سنان سعيد، الذي تتلمذت على يديه في المتوسطة الغربية في كركوك عندما كان مدرسا للرسم وجعلني اشارك بصوتي ضمن مجموعة من التلاميذ في برنامج اذاعي يعنى بأنشطة المدارس من خلال اذاعة بغداد بمعنى ان صوتي انطلق عبرها وانا في الرابعة عشرة من عمري ثم تتلمذت على يد الدكتور سنان مرة اخرى وانا طالب في كلية الصحافة والاعلام وهو استاذ فيها. اما بعد دخولي الاذاعة فكان استاذي فيها والذي تأثرت بأدائه والقائه هو الاذاعي الكبير سعاد الهرمزي، الذي تعلمت منه الكثير.

 

* ماهي الشروط الواجب توفرها في المذيع ان كان في الاذاعة أو التلفزيون؟

– الشروط التي يجب توفرها في صناعة المذيع هي: الصوت الجميل وهو هبة من الله تعالى صقل هذا الصوت وتهذيبه والتمكن من قواعد اللغة العربية قوة الشخصية وجاذبيتها وعشق المهنة .

 

* كيف يتمكن المذيع من تطوير قدرته في تربية الصوت وتطوير الالقاء؟ -التواضع الذي ينمي صعود المذيع الى القمة والغرور يسقطه في الهاوية وتطوره يتم بمتابعة اداء الاذاعيين الرواد والتدريب المتواصل.

- كان سبب دخولي الى الشاشة الصغيرة هو صوتي المتميز وحضوري وثقافتي اللغوية والشكر لله سبحانه وتعالى ومنه التوفيق.

 

* ما اجمل الاصوات الاذاعية التي سجلت حضورا فاعلا في الوسط الاعلامي؟

- هناك الكثير من الاصوات المتميزة النادرة من المذيعين والمذيعات منذ تأسيس الاذاعة والتلفزيون من الصعب تكرارها في ايامنا هذه .

 

* ما الانطباع الذي تركته عند الاخرين عند ظهورك اول مرة في التلفاز؟

- الانطباع الذي تركته عند المتلقي لاول مرة هو تواضعي المستمر الذي هو جزء من شخصيتي اضافة الى صوتي والقائي وهما بصمتي التي تركتها في ذاكرة وتأريخ الاذاعة والتلفزيون..والحمد لله تعالى.

 

*خضت تجربة التمثيل هل هي مصادفة ام حب مستتر وجاء في الوقت المناسب؟

 

 

– ظهوري ممثلا لم يكن مصادفة بل لي تجربة سابقة عندما كنت طالبا في الاعدادية ومثلت الكثير من المسرحيات من بطولتي واخراجي وكنت رئيسا للجنة الخطابة والتمثيل وشاركت في مسابقة للخطابة على مستوى محافظة كركوك وكان ترتيبي الاول.

 

*الشعر شكّل محطة مضيئة في حياتك كما علمنا، اتحفنا بما حملته جعبتك من ابيات؟

– الشعر هو جزء لا ينفصل من مسيرتي الاعلامية وكان الشعر يرافقني في اعمالي الاذاعية والتلفزيونية وتميزي فيه هو القائي ولو كانت هذه مقابلة اذاعية او تلفزيونية لقرأت لكم نماذج من القصائد الشعرية.

 

* مواقف طريفة صادفتك اثناء العمل الاذاعي والتلفزيوني، تود ان تسلط الضوء عليها؟

– المواقف الطريفة والمحرجة كثيرة ولا اريد ان اكون نمطيا والخوض في الاسئلة التقليدية.

 

* لو لم تكن ماذا تتمنى ان تكون؟

- لو لم اكن اعلاميا لتمنيت ان اكون اعلاميا ايضا لا بديل لي وخلقت ان اكون اعلاميا والفضل لله سبحانه وتعالى وفي خلقه شؤون اعلاميا.

 

* كتاب لا تمل من قراءته؟

– الكتاب الذي لا أمل قراءته هو القران الكريم ومنه استمد ثقافتي ومعرفتي.

 

* لمن تقرأ؟ وما هو آخر كتاب قرأته؟

– مطالعاتي للكتب المختارة يوميا هي جزء مهم من يومياتي.

 

* كيف تقسم يومك، وما الذي يشغل بالك؟

– الذي يشغل بالي هو وطني العراق المفدى وشعبي الكريم بحاضرهما ومستقبلهما اولا ومن ثم يشغل بالي التخلف الحاصل في وسائل الاعلام المختلفة بسبب هيمنة الاميين من جهلة الاعلام على الساحة الثقافية باستثناء القلة القليلة من الكفاءات المبدعة التي اتابعهم شخصيا واتمني لهم كل الخير.

 

* حكمة تؤمن بها؟

-الحكمة التي اؤمن بها هي.. اللهم اجعلني مظلوما ولا ظالما.

 

* ماذا تشكل المرأة لديك؟

– المرأة هي عصب الحياة وزهرها العطر الفواح هي الام والاخت والزوجة والصديقة والحبيبة وباختصار هي كل شيء هي السيمفونية الرائعة التي تنساب الى قلوبنا بكل عذوبة.

 

* مطربك المفضل ومطربتك المفضلة؟

– مطربي المفضل هم ثلاثة الموسيقار محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش وعبدالحليم حافظ ومن المطربات كوكب الشرق ام كلثوم واسمهان وليقل علي من يقول انني دقة قديمة.

 

* هل تهوى الرياضة واي الفرق على المستوى المحلي والعربي والدولي؟

- لست من المتمعنين في الرياضة ولكني اتابعها عندما تتعلق انتصاراتها بسمعة بلدي.

 

*هل انصفتك الحياة؟

- نعم انصفتني الحياة في كثير من الجوانب واهمها محبة الناس من عامة الشعب العراقي الحبيب.

 

* جائزة تتمنى الحصول عليها؟ وهل حصلت على شيء تعتز به؟

- اما بالنسبة الى الجوائز فلقد حصلت عليها من خارج بلدي العراق ولم احصل عليها في وطني الا على النزر القليل وجوائزي معظمها من مهرجانات ومؤتمرات ومناسبات خارج العراق وشهادات دولية.

 

*كلمة اخيرة؟

- تحياتي لك احمد الحاج والي جمهوري الحبيب في كل مكان ورغم اقامتي خارج العراق فقلبي متعلق بوطني العراق وابناء شعبي الاصلاء .

انتهى

 

حاوره : احمد الحاج

 

sadam alasadiس1 - الشعر كالبحر لا يحدده تعريف واين تكمن الجمالية في الشعر؟

ج - الشعر جبل من الجليد لا يطفو منه الا القليل لذا لا يقربه التحديد الشعري قدر الشاعر ولا خلاص من الاقدار لمحتلمه اما الجمالية ثوب مزخرف تحيطه عواصف بلاغية تظهره بشكل جذاب

 

س2- هل تتجه القصيدة العربية الحديثة نحو اللافكر والا معنى مبتعدة عن الوظيفة الملقاة على عاتقها وطنيا ً وقوميا ً؟

ج - تتجه نحو السراب ولا توجد زرقاء اليمامة في عصرنا حتى تنظر بعيون المعجزة والشاعر يصمت ويموت ويقتله الصمت حد قطع النفس الاخير فهي عند بعض الشعراء تسير نحو المجهول وتتسيد الرمز غير المعقول اما عن الوطنية والقومية فلقد قرأنا تلك اللفظتين قراءة عابرة حتى تعبنا من القراءة .

 

س3- في معنى الصراع بين القديم والحديث هل تشعر بعدم الثقة من الشعر الحديث وهل تراه يبرأ من جراحه لتكتمل عناصر التكوني الجديدة؟

ج - اكون غائبا ً ولم اسجل الحضور في شدة الصراع على من ترسو السفينة : فمن ينقذ الشاعر من الضياع الفكري ويبقى في عزلته محروما ً ويبقى مرتاحا ً يجني حصاد الهم واللصوص تبني بيوتها من جيوب الغافلين فلا ثقة مطلقا ً بهذا الزمن العجيب وكيف يشفى من الجراح وهو لم يجد الدواء بعد فلا يبرأ الا اذا زرعت الحرية وتصبح قضية شاملة .

 

س4- هل هيمنت الانواع الادبية الاخرى كالوراية والقصة القصيرة على الشعر وهل يبقى العرب متمسكين بالشعر بوصفه هو الاهم ويزحفون بشكل خجول لهذه الانواع؟

ج- يقول الدكتور زكي مبارك يبدأ الشعر في العراق ويموت في مصر وفعلا حدث هذا الامر وهذه اخريات الزمان فلا يوجد فاصل بين المقتول وبين القاتل واختلطت الامور فبدلا ان تمد للناس يداً عليك ان تمد مخلبا ً فلا خجل عندنا حين يصبح الشاعر مسروقا ً من حقوقه التي ذكرت ولا يوجد من يحفظها فلا ريب ان تزحف كل الانواع التي ذكرت ولكن ما تنفع الانواع بكثرتها ورحم الله الوائلي حين قال:

انما نكبة المقاييس فينا     يتساوى الخرنوب بالتفاح

وكان الشاعر يعرف ببيت من الشعر ويقولون قال فلان وهذا الزمن (الانترنيتي) مفلسا ً تماما ً من الحقيقة .

 

س5- اذا كانت الاذواق اذواق الجمهور محدودة في الفهم والادراك فهل هذه دعوة للشاعر ليحتفظ على مستواه الشعري والابتعاد عن الالفاظ السوداوية الخافقة ام على الجمهور دوره في توسيع ثقافته ؟

ج- انها دعوة ونصيحة ان يترك الحبل عل غاربه فالذوق ليس له مبدع والعراء يتحملون الجزء الاكبر بذائقة الجمهور الذي ظل يقرأ لهم فليقف بعيدا ً يتابع الاحداث وعزلة البريكان اعطته شهرة كبيرة ولم يقرأ قصيدة في حياته بدلا من الاتجاه نحو اللعبات السوداوية كما اسميتها وخافقة هذا التعبير اعجبني هي خافقة حقا ً .

 

س6- اتسعت الخلافات حول الابنية المدللة قصيدة النثر وزجها بشكل خجول في ثنايا الحداثة الشعرية وهل ستعود الى مدينة الشعر المقدس والابوة الشعرية من الوزن والايقاع ؟ .

ج- انت تعترف بشكل خجول وتسميها قصيدة انها لبست ثوب القصيدة قديما ً وحديثا فهل بإمكانك ان تعطيني فحلا كالجواهري مثلا او تبدل السياب بغيره ؟ فلا داعي لآية خلافات ما دامت القصيدة تتسيد النثر وتعلو عليه .

انها مدللة حقا لأنها تلعب لعبة داخل الانسان وتسحب ذائقته نحو السراب ولا تهتم   (يا ضياء) كم من شاعر اكلته الجدران وتناسته الحضارات الا شاعر اهل البيت يبقى متألقا ً محفورا ً في ذاكرة التاريخ .

ونصيحتي للسائرين على طريق الشعر ان يضعوا افكارهم واقلامهم للحسين لينالوا شفاعته يوم المحشر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

حاوره: ضياء اسعد مغتاض