soltan hashim1- ان الشخصية العراقية المفاوضة، لابد ان تكون برتبة أدنى من قائد أركان الجيش، أي مساوية لرئيس الوفد الأمريكي الجنرال شوارسكوف قائد القوات الأمريكية في المنطقة وليس رئيس الأركان .

2- كنت متواجداً في البصرة، ومن ثم قريباً من المكان المحدد للتفاوض .

كان وقف إطلاق النار قد أعلن من قبل وزراء الخارجية السوفيتية والأمريكية والعراقية، لذا كانت المهمة تقتصر على أمرين:

1- تثبيت وقف أطلاق النار ميدانياً

2- الإيعاز بتبادل الاسرى

كذلك تسليم الخرائط والتنسيق اليومي حول مشكلات الإنسحاب .

في اليوم المحدد رافقني وفد مكون من ستة ضباط أذكر منهم:

- الفريق صلاح عبود

- العميد بحري لؤي كرم

- اللواء الركن خالد حسين مدير التخطيط

- اللواء ركن محمد عبد العزيز

- اللواء ركن طه المشهداني

كانت هناك خيمة وضع داخلها طاولة على مصطبة، وكان بانتظارنا شوارسكوف وخالد بن سلطان بن عبد العزيز، ومترجمان

كان على الداخل الى مكان الإجتماع أن يتعرض للتفتيش، وقد طلب مني شوارسكوف أن أدخل قبله، لكني رفضت خشية أن يكون التفتيش مقتصراً عليّ فقط، لذا طلبت منه أن يدخل أولاً كي يفتش، وفعلاً لم يعارض وتقدم قبلي ليخضع للإجراءات تبعه خالد بن سلطان ثم دخلت أنا وتبعني صلاح عبود، وكل منا تعرض للتفتيش ذاته، جلست مقابل شوارسكوف فيما جلس صلاح عبود مقابل خالد بن سلطان .

 

علي السعدي: عجرفة المنتصر مقابل كبرياء المهزوم، هل لاحظت في تصرف شوارسكوف مايشير الى ذلك؟

سلطان هاشم: أتعرف، لم ألحظ في تصرفه أيما شعور بالتفوق، وبصراحة (يقولها مبتسماً) لو كنت مكانه، لطلبت منه أن يدخل الخيمة ويتعرض للتفتيش دون أن افعل مثله بالمقابل، لكنه تصرف بلباقة، كذلك لم تجر عملية استسلام ولم يتم التوقيع على أية وثيقة من أي طرف، تبادلنا الخرائط واتفقنا على تسليم الأسرى ومعالجة أية خروقات، وقد اكد لي إثناء الحديث بأن أمريكا لا تطمع بشبر واحد من الأرض العراقية، أما خالد بن سلطان، فقد سأل عن الأسرى السعوديين والكويتيين، لكني لم أرد عليه، بل توجهت بالرد لشوارسكوف بأن الأسرى السعوديين قد تم تسليمهم .

لم يستغرق اللقاء طويلاً، وحين خرجنا، طلبت نسخة من التسجيل الصوتي للقاء وكان الرد بالقبول، لكنه طلب أن ننتظر لحين الإنتهاء من النسخ، ثم خرجنا من الخيمة فرأينا شاشة عملاقة تظهر فيها مشاهد المعركة كاملة بما فيها خريطة العراق تفصيلياً، فقلت لصلاح عبود: أنظر بأية وسائل يقاتلوننا، وكيف نقاتلهم .

 

علي السعدي: ما كان شعورك وأنت تتجه الى هناك؟ فأيا تكن الطريقة التي تم فيها الإجتماع، والأسلوب الذي تعامل به الجنرال الأمريكي، الإ ان ذلك لايخفي الحقيقة .

سلطان هاشم: سأذكر لك حادثة، عام 1989- على ما أذكر-

ذهبت على رأس وفد بدعوة من الإمارات العربية، وجاء المكان المخصص لي، الى جانب مكان شوارسكوف، لكني طوال فترة المناسبة، لم أبادله كلمة واحدة، وقيل بانه سئل لاحقاًعن سلطان هاشم فاجاب: أليس هو من جلسنا الى جانب بعضنا فلم ينتبه إلي؟

من الطبيعي انها لم تكن لحظات مريحة بالنسبة لي، ويمكن قول الكثير عن تلك الأوقات الصعبة، لكني حاولت أن أفعل كل ما أستطيعه .

 

 علي السعدي: لنخرج من تلك المرحلة، كي ندخل في المرحلة الأهم التي ماتزال مستمرة، أي الغزو الأمريكي للعراق وإسقاط النظام – بداية متى تسلمت مهمة وزير الدفاع؟ ولماذا تم اختيارك؟

سلطان هاشم: كنت عام 1995، في منصب رئاسة الأركان، وكنت منهمكاً في إعادة هيكلة وبناء الجيش العراقي بعد الكارثة التي شهدها، ولم يكن لدينا أي شيء، منع علينا حتى طلقات البنادق، فكنا نعتمد على أنفسنا في إصلاح ماتوفر لنا من دبابات ومصفحات وآليات، كانت أصعب السنوات في تاريخنا العسكري، أبلغني صابر الدوري أن الرئيس يطلبك، وحين حضرت أمام الرئيس وكان ذلك في تموز من العام المذكور، أبلغني برغبته في تعييني وزيراً للدفاع .

لم أكن راغباً بذلك المنصب، لأنه منصب سياسي أكثر من كونه عسكرياً، ورئاسة الأركان أكثر قرباً من روحية العسكري وأكثر أهمية كما رأيتها، لذا كنت ارغب في بقائي رئيس اركان الجيش، لأن صلاحياته أكثر من الوزير كما في النظام الداخلي، لكن القرار قد صدر وتسلمت ذلك المنصب لثمان سنوات متتالية، أي حتى التاسع من نيسان 2003 .

 

علي السعدي: هل كنت شخصياً تتوقع أن يدخل العراق حرباً جديدة؟

سلطان هاشم: بل كنا نطمح أن يعود الجيش قوياً معافى كما كان، لكن الواقع لم يكن كذلك، لقد عانينا نقصاً في كل شيء، وفوق ذلك عزلت وزارة الدفاع عملياً عن الإشراف على الجيش وأصبحت مهماتها تقتصر على التعداد العام والشؤون الإدراية، ولم يكن من صلاحياتي كوزير للدفاع تحريك أية قطعات أو نقلها، لقد قسم العراق الى 4 جبهات رئيسة تشكلت على الشكل التالي:

- قائد الجبهة الجنوبية - علي حسن المجيد

- قائد الجبهة الوسطى - الفريق الأول عزة إبراهيم

- قائد الجبهة الشمالية - قصي صدام حسين

- أما الجبهة الغربية، فكانت بقيادة مزبان خضر هادي

وهكذا، لم يبق لوزراة الدفاع ماتفعله، حيث ربطت الصلاحيات كل ضمن جبهته والقوات التابعة له .

 

علي السعدي: ذكر إنك توقعت إن العراق سيهزم في أيام قليلة – بل أعلنت ذلك فعلاً؟

سلطان هاشم: نعم توقعت إن الأمريكان سيدخلون بغداد في خلال أسبوع، لم أكن أحمل أوهاماً، كنت أعرف إن قدراتنا متواضعة بحيث لا يمكن الحديث عن صمود طويل، وقد أبلغت رأيي للرئيس، فقال بإمكان التصريح بذلك، وربما كان تقديره إن ذلك سيرفع من التحدي ويوضح المخاطر أمام العراقيين .

لكن ذلك لم يمنع من تقديم مقترحات في خطة لحماية بغداد تتكون من ثلاثة أنساق، وقد زرت المطار قبل ذلك ورأيت كيف إن الدفاعات لم تكن جيدة، وكنت قد توقعت إن المطار سيكون الهدف الحيوي الأول، كما قد اقترحت عليه تدمير بعض الجسوركجزء من الخطة الدفاعية عن بغداد، فكان رده: كيف ندمر مابنيناه.

 

علي السعدي: كيف تقيم زملاءك من القادة العسكريين؟ ولنأخذ ممن عرفتهم جيداً أو خدمت معهم – عدا من ذكرتهم أعلاه:

-1- سعدي طعمة

2- اياد فتيح الراوي

2- وفيق السامرائي

سلطان هاشم: هؤلاء جميعاً مازلت أحفظ لهم الكثير من التقدير والإحترام، فكل منهم يتمتع بما يستحق ذلك، فسعدي طعمة قائد مهني متدين، يتمتع بنظافة ضمير وأخلاق عالية، وهذا الوصف ينطبق كذلك عن أياد فتيح الراوي بمهنيته العسكرية وكفاءته .

أما وفيق السامرائي، فكان ضابط استخبارات جيد ومتميز في هذا الجانب، وفي معارك الفاو كان يخدم بالفيلق السابع، بصفة ضابط أركان، فيما كانت إدارة المخابرات بقيادة محمود شكرشاهين، وقد أعيد وفيق بعدها الى المخابرات، وبقي فيها حتى عام 2000حينما شعر بأنه بات مستهدفاً فخرج من العراق، هذا ما أعرفه عنه .

 

علي السعدي: قابلت الكثير من الضباط الذين خدم بعضهم تحت أمرتك – خاصة في حرب الثمان سنوات، وقد اجمعوا على إنك من أكثر القادة إحتراماً لجنوده ورأفة بهم، لكنهم ذكروا إن ماهر رشيد هو الأقسى بين القادة .

سلطان هاشم: يبتسم وعلائم الرضا والإرتياح بادية عليه .

 

علي السعدي: هل فكرت يوماً بالانقلاب على النظام لتخليص شعبك مما كان يعانيه؟

سلطان هاشم: هذا أمر لم أفكر به يوماً، ولم يخطر ببالي أن أقدم عليه، فلا أحب خيانة ما أقسمت عليه .

 

علي السعدي: هل كانت لك اتصالات بالأمريكان؟ هل وعدوك بشيء معين؟

سلطان هاشم: بعد أن سقطت بغداد، انسحبت الى الموصل، وبقيت مختفياً هناك، وحين صدر إسمي مع قائمة ال55 – قام الأمريكان بتكليف أحد شيوخ العشائر(تحفظ عن ذكر إسمه) بالوساطة معي كي أقوم بتسليم نفسي لهم طوعاً، مع وعد بضمان سلامتي وعدم تعرضي لأي أذى، وهكذا كان، لكني ندمت على ذلك، فليتني لم أسلم نفسي، إذ لم يصدقوا بما وعدوني به.

 علي السعدي: بعد مايقرب من أربعين عاماً في مراتب عسكرية مختلفة وصولاً الى وزير دفاع، ومما كان معروفاً إن صدام حسين يصرف بسخاء على المخلصين له، فما مقدار ثروتك بعد هذا كله؟

 

maymon harashطه حسين، قبل أن يصبح عميدَ الأدب العربي، شق طريقه كأي شاب مبتدئ، كان يدفعه طموحه، ويسوق أحلام مراهقته بالكتابة والقـراءة إلى أن حقق الهدف، لم يخلق وهو" كبير" في الأدب، وكذلك الشأن بالنسبة لنجيب محفوظ، ودستويفسكي، ومحمد شكري، والطاهر وطار، ومي زيادة، وبنت الشاطئ، وأحلام مستغانمي، ومكسيم جوركي، وجوته، وحنا مينة، وعبدالرحمان منيف، وبوشكين، وليرمنتوتف، وشارل ديكنيز، وستاندال، وعلاء الأسواني، ويوسف زيدان، وفلوبير، وجيمس جويس، وفراز كافكا، وإميل حبيبي، وعباس محمود العقاد، وحيدر حيدر، ويوسف ادريس، وعبد الكريم غلاب، و(...)، من هؤلاء من كان محظوظاً حين وجد إلى جانبه من أخذ بيده، ومنحه الرؤية وأنار له الدرب، ومنهم من تخرج من جامعة " الطريق" فعلمتهم الحياة، فكانوا عصاميين، وحققوا شهرة، وخلدوا أسماءهم في عالم الأدب..مرحلة الشباب مر بها كل الأدباء، ولم يخلقوا مشاهير أبداً منذ البداية..

 من شبابنا، اليوم، من يشق طريقه بالوهج نفسه، البداية صعبة، لكنها مرحلة ضرورية، منهم من يعشق كرة القدم، وربما ينتصر للبارصا، أو مدريد أو لأيِّ رياضة أخرى، لكن منهم من ينتصرون أيضاً للأدب قراءةً وكتابةً..

محمد حمو، شاب مغربي، عمره اثنتان وعشرون سنة، طالب جامعي، عاشق للأدب، يكتب القصة القصيرة، شارك في أربع مجموعات صدرت على الصعيد المحلي وهي "شتلات زعـرور"، ثم" سنابل تريفة"، وعلى صعيد الجهة ّموكب "الهزارات"، وعلى الصعيد الوطني " تقاسيم"، حاز في الصويرة، في بحر هذه السنة، جائزة "مليكة مستظرف" في مسابقة للقصة القصيرة ضمن فعليات المهرجان العربي للقصة القصيرة، التي نظمتها " جمعية التواصل للثقافة، والإبداع" لفائدة طلبة العاهد العليا، والكليات..

أهلا بك سي محمد، أرحب بك في "العرين"..

 

س- قدم نفسك للقراء بما تُحب ..

ج- شكراً لكم بداية على الاستضافة في العرين، محمد حمو22 سنة من مواليد مدينة أبركان، طالب جامعي، سلك الإجازة تخصص القانون الخاص، أعشق إلى جانب القراءة والكتابة كل ما يتعلق بجديد التكنولوجيا والفوتوغرافيا، إلى جانب القليل من الرياضة طبعاً..

 

س- غيرك، في مثل عمرك، مهووس بكرة القدم، أو بأي رياضة أخرى، وأنت تنتصر للكلمة والكتابة، وتعشق الأدب، هذه الرغبة في الكتابة متى اقتحمتْ عالمَك الصغير؟

ج- قبل سنتين ونصف أعتقد، كانت أول تجربة لي في اعتناق بحر الكتابة لا لشيء إلا لرغبة في اكتشاف عالم يمكن الآخر من الغوص بعالمك.

 

س- في المدرسة مثلا هل لاحظ أستاذتك هذه الموهبة؟..هل سمعت من أحد بأنك منذور للكتابة الأدبية؟

ج- في المرحلة الثانوية كنا مجرد عاشقين للإبداع فأسسنا هناك نادي للقراءة وكان الفضل لأستاذ رأى فينا شعلة أمل دفعنا للاحتكاك بأسماء وطنية، أعتقد أن النبوءة ستتحقق لشبابنا بأن نكون شعلة مستقبل للأدب.

 

س- من كان يقرأ، في البداية، ما تكتبه؟

ج- غالبا الأصدقاء، نظرا للخجل ربما وكذلك لسماع رأي صريح منهم.

 

س- طيب لماذا كتابة القصة القصيرة تحديداً؟

ج- القصة القصيرة رغم التفاصيل التي تحمل إلا أنها تظل مختزلة كفاية لإعطاء القارئ فضاء إبحار تكون بدايته القصة ونهايته أفكاره الخاصة واستنتاجاته .

 

س- لمن تقرأ من الرواد في هذا الجنس؟

ج- اللائحة طويلة، طبعا بداية بسندباد القصة القصيرة الأستاذ أحمد بوزفور، محمد العتروس، محمد مباركي، محمد الشايب وأسماء أخرى..

 

س- مدينة بركان حيث تعيش تحتضن تظاهراتٍ في الشعر والقصة تشجيعاً للشباب، واكتشافاً لمواهبهم تُشرف عليها جمعياتٌ لها حضورها في المشهد الثقافي الوطني والمحلي، ويشرف عليها أدباء كبار من أمثال الأديب محمد العتروس، وغيره ..ماذا تضيف لكم، كشباب، هذه التظاهرات الثقافية؟

ج- هذه التظاهرات تضيف لنا كشباب الكثير خاصة وأنها تكسبنا الشجاعة لتقديم ما لدينا وأخد نصائح من أصحاب الاختصاص ورواد هذا الجنس، حيث نعتبرها سبيلاً لتطوير الذات.

 

س- لابد وأنك شاركت في ملتقى أبركان لأدب الشباب تحت شعار"الشباب.. حرية وإبداع" في غشت من عام 2015، ولقد تخللت هذه التظاهرةَ الثقافية ورشاتٌ تكوينية أطرها الأساتذة الأفاضل: حسن بنمونة، وأحمد اعليلو، وميمون حرش..ما هي أهم القضايا الخاصة بالقصة القصيرة التي طرحت في الورشة التي حضرتها؟

 ج- طرحت الكثير من النقط والقضايا في الورشة التي حضرتها لكن النقطة التي أسالت حبراً كثيراً هي مسألة الكتابة بحرية، وهل يجوز في الإبداع التخلص من أي رقابة كانت والكتابة بقلم حر أو العكس أي وجب أن نجعل الإبداع في حدود معينة لا نتجاوزها.

 

س- نلت جائزة "مليكة مستظرف" في مسابقة للقصة القصيرة ضمن فعليات المهرجان العربي للقصة القصيرة، التي نظمتها " جمعية التواصل للثقافة، والإبداع" لفائدة طلبة المعاهد العليا، والكليات..قصتك الفائزة بعنوان " القاتلة".. هل هي الجائزة الأولى لك، وما هو شعورك وأنت تُتوج في الصويرة؟

ج- هي أول مشاركة لي وأول جائزة، صراحة كانت تجربة رائعة بمدينة النوارس خاصة بحضور الأصدقاء وأيضا بشهادة من كتاب من طينة محمد الشايب، شعور جميل ينذر بأنك اتخذت أول خطوة في شق طريق الإبداع..

أعيد نشر قصتك الفائزة بالجائزة هنا في العرين لقيمتها، ثم أواصل معك حوارنا:

القاتلة

 أمام الساقي جلست . تداعب حافة كأسها، تمرر أناملها فوقها في شكل دائري لا نهاية له.وبين الدائرة والأخرى ترتشف بعد أن تحرك الكأس مؤججة الثلج داخله . رشفتان متتاليتان وضحكة خجولة مع الكأس . لا تهتم لأحد في الحانة الفاخرة، فهي الشقراء بينهم بقوام ممشوق وعينين سوداويْن وشفاه تلمع كلما انعكس النور الخافت عليها. تداعب الكأس مراقصة ذهنها على إيقاع عازف البيانو . الساقي يراقبها وينتظر أن يسكب لها كأساً آخرى... هي تعشق ما يدور حولها، تعشق زحف الثلج لشفاهها، أعينهم التي لا تنفك تطاردها رغم وجود غيرها من بني جنسها في الحانة. آخر رشفة.. بسرعة أنهتها وابتسمت للنادل آذنة له بالسقي، بابتسامته المعهودة نحوها اقترب وأخد يسكب ويتأمل أحمر الشفاه في جنبات الكأس ولسان حاله يتمنى لو نال قبلة أو اثنين بدل الكريستال بيدها..سكب نصف الكأس مرة أخرى . وضعت الكأس ذا الساق الطويلة بين أصابعها وقد لفت خنصرها حوله كما تلتف الحية بالضحية . وقفت ذات الكعب العالي وانتقلت نحو عازف البيانو بخطوات مثقلة وسمفونية كعب أنست ذكور الحانة أنغام العازف، فالفرق لم يتغير بين النقرة والأخرى مؤلفاً مزيجاً موسيقياً جديداً بين آلة البيانو وآلة هي الأبرع في استخدامها، الكعب العالي. في طاولة قريبة منها يجلس الرجل الغريب، يطل من الزجاج أحياناً، يتأمل مطر الربيع وغالب الوقت يحدق فيها ويحاول فك طلاسمها ككل نهاية أسبوع. يرتدي بذلة رسمية، ربطة عنق كلاسيكية عنبية اللون وحذاء. يحرك عينيه يراقب خطواتها نحو العازف يتأمل تضاريس جسمها تعابير وجهها وابتسامتها، لكنه في بحثه لا يجد جواباً عن ماهية شعورها . يتساءل، هل تراه هي أيضاَ؟ يجيب نفسه بالنفي دون أن يكمل ماراً لسؤال آخر، ما سر سعادتها؟ في الحانة خدعت الجميع، تلك الابتسامة التي من ورائها جرح لم يصله أحد، الكل يراقبها إناثاً وذكوراً.اليوم يرتشف من بقايا كأسه شجاعةً، ويتقدم نحوها، سيسألها أن تراقصه في محاولة الاقتراب منها لعله يفوز بها الليلة . ارتشف، وقف، تقدم نحوها وعينه لا تفارقها . لم يحادثها بل اكتفى بمد راحة يده نحوها فقط، ابتسمت، في خجل وضعت الكأس على أقرب طاولة..أمسكت يده وبدأت بالرقص، تمايل الجميع بتمايل خصرها لكنه لم يحرك ساكناً، يمسكها من ظهرها وهي تتراقص ثارة ويطلقها حرة تارة أخرى مكتفياً بثوبها. وفي خضم الرقصة يسألها : - ما اسمك؟

 اقتربت هامسة في أذنه: " لندع الأسماء جانباً فلنا وقتها بعد انجلاء الليل "، . ابتسم رغم أنه لم يفهم من كلامها شيئاً وهو من اتخد السؤال فقط لمعرفة الطريق نحو إنارة ماضيها . الماضي الذي سيقتله. دقائق رقص انتهت لترافقه نحو الطاولة. تجلس دون مساعدة منه، يرفع يده مشيراً للنادل . تسأله كأساً كالتي اعتادتها دائما، وقبل أن يسأل رفيقها تقاطعه "سنشرب من ذات الكأس " في ذهنه يتساءل لم نفس الكأس؟لكنه لا يجيب بل يستمر باحثاً عن آثار شفتيها ليشرب من نفس المكان كما يفعل العشاق، رغم أن مرتبة العشق بعيدة عن موعدهما الحالي إلا أنه يقترب بصورة أسرع فقد كان منها أن بادرت الشرب من نفس الكأس وهو عليه اقتفاء آثارها . أدار الكأس ببطء، تأمل جيداً الآثار على الحافة، كم هي متجلية وواضحة تنير طريقه وتشجعه للآت. أنهيا الكأس سوياً . ولم يتحدثا أبداً بل اكتفيا بالنظر لبعضهما، وهو يراقبها، فتحت حقيبتها، قصاصة ورق وقلم، كتبت عليها شيئاً ما. ثنت الورقة ومدته إياها ثم غادرت . نادى على النادل قصد الدفع. فتح القصاصة لعله يجد عنوانها لكنه كتبت له " لا شيء شخصي، قد يعيد الماضي نفسه لكن الحية أبداً لن تموت بسمها.." لم يفهم شيئاً، أعاد الورقة لجيبه، هم بالمغادرة على أمل رقصة أخرى الأسبوع المقبل.

هي تقف أمام نافذة غرفتها المقابلة للحانة تراقب خروجه. على بعد خطوات من الحانة وتحت زخات المطر سقط جسده الفارغ من الروح دون أن يراقصها مرة أخرى. أغلقت ستائرة النافدة.. اتجهت نحو السرير وهي تردد " لا شيء شخصي.."

............................

 

س- القصة بوليسية، أنيقة حقاً، وتستحق الفوز، وعنوانها" القاتلة" يحيل على الجريمة، فهل الفعل من القوة بحيث يُبرر للبطلة جريمة القتل تلك؟

ج- لا شيء يبرر جريمة قتل مهما كانت الدوافع، بل جريمة القتل تلك عبارة عن ضعف لم تستطع البطلة الهروب منه إلا عن طريق ارتكابها لفعلها، هروباً من ضعفها بداية، ومن شيء لم تستطع التخلي عنه، أو ربما عن عقدة نفسية تدفعها لذلك.

 

س- ألمس تأثرك بالروائية البوليسية الشهيرة أجاثا كريستي .. هل تقرأ لها؟

ج- أولى الروايات التي اطلعت عليها كانت لأغاثا كريستي، وأيضاً في نفس المجال سلسلة رجل المستحيل لنبيل فاروق، لا زلت أقرأ لها أحياناً.

 

س- في قصتك الفائزة لازمة جميلة تتكرر " لا شيء شخصي"..وكنتُ أود لو كان العنوان هوذاك، لأن "القاتلة" إحالة على مضمون القصة، وكلما وضعنا النص على منضدة التشريح يفقد ألقه، على عكس لو تركنا القارئ يجهد فكره، ويكتشف بنفسه أشياء نريده أن يصل إليها بعد أن يتعب، أنت بعنوان "القاتلة"تكشف عن جريمة ستقع .. ما رأيك؟

ج- صراحة، اقترح علي بعض الأصدقاء نفس العنوان، الذي أجده صراحة جميلاً. لا أعتقد ذلك، القاتلة أجده عنواناً يجذب انتباه المتلقي، أما سير أحداث القصة فهو غالباً رومانسي درامي إلى حد ما، يقولون :"ومن الحب ما قتل"، القارئ لن يدرك ما نوع القتل الذي تورطت فيه 'داليا' إلى أن يصل آخر سطور القصة، لدرجة أنه قد ينسى العنوان في مرحلة ما اعتقاداً منه أنه بعيد نسبياً عن الأحداث.

 

س- من هو شيخك في القصة القصيرة جداً؟

ج- يصعب التحديد، فلكل أسلوبه ومميزاته في هذا الجنس.

 

س- ما هي آخر رواية قرأتها؟ ولمن تقرأ من القصاصين في الجهة الشرقية؟

ج- آخر رواية كانت "جميلة" للكاتب الروسي جنكيز ايتماتوف، ترجمة هافال يوسف ..

صراحة أقرأ للكثير بداية بالأصدقاء وصولاً إلى القصاصين مثل محمد العتروس، محمد مباركي، بديعة بنمراح، محمد عزوز، ميمون حرش واللائحة لا تحصر.

 

س- في الملتقيات، يصفق " الكبار" للشباب دون أن يقرؤوا لهم بدعوى، ربما، أن أعمالهم لا ترقى لأن يخصصوا بعض وقتهم الثمين للقراءة لهم..ما رأيك في هذه الملاحظة؟

ج- إن الذي يؤمن بفكرة سيدافع عنها وعن متبنيها سواء كان 'كبيرا' أو شاباً، والدفاع عن هذه الفكرة هنا لا يكون إلا بالقراءة لهم وإرشادهم لسبيل الإبداع، الوقت الثمين غالبا ما يخصص للدفاع عن الأفكار التي يتبناها الشخص.

 

 

س- ما هي مشاريعك المستقبلية؟

ج- مشروع مجموعة قصصية كأول إصدار لي، تحمل عنوان "لا شيء شخصي.." والتي ستصدر طبعاً في مدينة بركان ضمن فعاليات ملتقى أبركان لأدب الشباب في نسخته الثالثة والذي تنظمه جمعية الشرق للتنمية والتواصل ونادي القراءة والإبداع وأيضا منتدى إبداع أبركان، وأيضاً العمل على كتابة رواية بدايتها كانت "القاتلة"..

 

س - الله المُعين أيها الأديب الصغير، سعيد لأني استضفتك، وأرجو أن تحقق كل ما ترجوه إن شاء الله، كلمة أخيرة من فضلك؟

ج- شكراً على الاستضافة، حقاً كانت جميلة وممتعة، وشكراً على زيارة عريني وكذلك الالتفات للمبدعين الشباب.

 

حاوره الأديب ميمون حِــْرش..

 

ali saediفي زيارة أخرى، كان هناك مقترح بتجميع الضباط من عدة أماكن بشكل تطوعي للقيام بمهام خاصّة محددة، وفعلاً تطوع عدد من الضباط وضباط الصف لتلك المهمة، وقد سألني الرئيس عن رأيي في أمر كهذا، فقلت أن هذا يحدث شرخاً بين الضباط المتطوعين وبين زملائهم، فالذين لم يتطوعوا سيشعرون بالتقصير، والذين تطوعوا سيشعرون بالتميز، وهذا قد ينعكس سلباً على نفسياتهم، فقال: وماذا تقترح؟

قلت: أقترح أن يتم تكريم هؤلاء ثم يوزعون على التشكيلات أو إعادتهم الى وحداتهم من دون جعلهم وحدة خاصة، وفعلاً تم الأخذ بالمقترح – وكنت حينها قائد فيلق.

أما في مناسبة أخرى وقعت عام 1986، فحدثت عندما كنت قائد الفيلق السادس، وكان الرئيس قد استدعاني بعد أن تخلى عن قراره بتغييري، يوماً طلب مني الذهاب بإجازة ((روح إجازة لأن الوقت عيد اقضيه عند عائلتك) ثم أمسكني من يدي قائلاً: محتاج شي)) وكنت قد سمعت من بعض القادة انه يحب أن نطلب منه، لكني قلت: سيدي (إذا أحتاج شي اكَلك سيدي) ثم سألني: ((شلون أمور الحرس الجمهوري اللي يمك؟)) أجبته: هناك نوعان، القديم المنضبط والفاعل بقيادة (ابراهيم عبد الستار) والآخر غير الفاعل بقيادة (فوزي لطيف) فقال ((وين الخلل برأيك؟)) فقلت: الثاني ليس مدرباً جيداً وتنقصه الكثير من مستلزمات التهيئة والتدريب وأقترح أن يحولوا الى مدرسة قتال للتدريب، وفعلاً تم الأخذ بالمقترح .

 

علي السعدي: هل كانت أوقات اللقاء صعبة عليك؟هل كنت تخشى أن تخطىء بكلمة ما مثلاً؟

سلطان هاشم: كنت أشعر بالقلق ازاء صدام حسين في المقابلات، وذلك للحفاظ على نفسي وعلى سمعتي الاجتماعية والعسكرية وممكن أن أصف شعوري بأني كنت حذراً جداً.

 

علي السعدي: لننتقل الى حرب أخرى أكثر كارثية، حرب الخليج الثانية، أو حرب الكويت، ماذا جرى قبل حدوث غزو الكويت؟ هل كانت هناك خطط تناقش؟وتحضيرات تجري؟؟

سلطان هاشم (مبتسماً): هل تصدق لو قلت لك إني سمعت بها من الإذاعة كأي مواطن؟؟ كنت يومها معاوناً لرئيس الأركان، وكنت مجازاً في الموصل، فاتصل بي رئيس الأركان وقال لي هل رأيت الأخبار؟؟ لقد دخلنا الى الكويت، ثم طلب أن أقطع إجازتي والتحق.

 

علي السعدي: سمعت ما يشبه ذلك من الفريق ركن رعد الحمداني، فرغم انه كان قائداً لقوات الحرس الجمهوري التي دخلت الكويت، الا إنه أمر بالتحرك نحو الحدود من دون أن يبلغ بطبيعة المهمة حسب قوله .

سلطان هاشم: من قام بدخول الكويت هو الحرس الجمهوري فقط ولم يكن للجيش دور يذكرعند حصول المعركة، كما إن القرار كان مفاجئاً لنا كقادة عسكريين .

 

علي السعدي: هل كنتم تتوقعون النجاح بضم الكويت؟

سلطان هاشم: بل شخصياً كنت أتوقع إننا مقبلون على كارثة، خاصة بعد التحشدات الأمريكية ضدنا، لكننا مع ذلك أصبحنا كبعيرالبيت (جمل المحامل) نتصور إننا يمكننا تحميله كل شيء، ونبقى نفعل ذلك حتى ينهار .

لقد فعلنا في معركة الكويت كل مانستطيعه وكل ما تتطلبه العلوم العسكرية ولم نقصر بأي شيء، لكن ذلك لم يكن ليجدي في منع حصول الكارثةحيث تعرضت قواتنا للتعرية من دون غطاء جوي كما عانينا من نقص خطير في المعدات، لكن نفذنا الأوامر بحرفيتها لكن ذلك لم يكن مجدياً في ظل تفوق أمريكي كبير.

 

علي السعدي: من كان وزير الدفاع يومها؟ وماذا فعلتم بالضبط؟

سلطان هاشم: كان وزير الدفاع (سعدي طعمة) وقد سألني((اشكَد نحتاج من وقت لسحب الجيش)) فقلت: من عشرة الى خمس عشر يوما، فطلب وضع الخطة لعرضها على الرئيس .

وقد وضعنا خطة للإنسحاب في مدة أقصاها 8 أيام ، وقدمناها الى القيادة، لكن الرد ّ لم يأتنا سوى بعد عشرة أيام من تاريخ تقديم الخطة، وكان الأوان قد فات، فالوقت لم يكن يقدر بثمن وقواتنا تحت القصف.

 

علي السعدي: هل تعتقد إن الهدف الأمريكي كان تدمير الجيش العراقي أيا تكن المبررات؟

سلطان هاشم: كنت أعتقد إن الغاية الأمريكية تتركز في طرد الجيش العراقي من الكويت أولاً، لكن حينما إجتمعت مع القائد الامر الأمريكي شوارسكوف في خيمة سفوان، سألته لماذا قصفوا الجيش العراقي المتمركز داخل الأراضي العراقية وعلى بعد 40 كم من الحدود، وذلك بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار؟

أجابني قائلاً: لو بقينا نناقش ذلك أشهراً، فلن نتوصل الى نتيجة، لذا دع ذلك السؤال للتاريخ .

 

علي السعدي: لكن الأ تراه غريباً أن الأمريكان ساندوا صدام حسين في قمع انتفاضة المناطق الجنوبية بعد الهزيمة في الكويت؟

سلطان هاشم: المناطق الجنوبية كانت قد حدثت فيها حركات احتجاج واسعة، وفي الحقيقة لم يبق للحكومة سوى مناطق محدودة بعد أن خرجت عن سيطرتها معظم المناطق العراقية، لكن القوات المنسحبة من الكويت كانت قد تجمعت في البصرة وجوارها، كما إن هناك قوات لم تدخل الكويت أصلاً وبقيت في مواضعها، لذا سهل استعادة السيطرة على تلك المناطق، أما لماذا وافقت أمريكا على ذلك، فلا أعلم الأسباب بالضبط .

 

علي السعدي: كنت أنت في موقع نائب رئيس الأركان في ذلك الوقت، فلماذا أنتدبت الى خيمة سفوان دون غيرك من القادة؟

سلطان هاشم: لا اعرف بالضبط لماذا اخترت لذلك تحديداً، لقد بلغني صابر الدوري إن الرئيس صدام حسين اختارك لترأس وفد العراق، وأعتقد ان ذلك تم لسببين: 

 

soltan hashimكانت تلك مفاجأة مفرحة، فأصدرت أمراً بجمعهم في بناية نادي السليمانية العسكري، وتم أبلاغهم بقرار العفو، ثم منحت لكل منهم إجازة لمدة 10 أيام، على أن يتعهدوا بالعودة الى وحداتهم فور الانتهاء من الإجازة، وفعلاً عادوا جميعا ً دون أن يتخلف منهم أحد.

 

 علي السعدي: لقد تعدينا هنا تسلسل الأحداث، فما رأيك لو عدنا الى بدايتها، هل كان الجيش مستعداً للدخول في حرب كهذه؟ هل كنتم تتوقعون حصولها؟ وأنت شخصياً ماذا كنت تشغل يومها؟

سلطان هاشم: عام 1979- تسلمت آمرية الفوج الخامس مشاة جبلي، وبقيت فيه الى 1980، قبيل اندلاع المعارك، حدثت اشتباكات عنيفة في النقاط الممتدة من العمارة الى خانقين، شملت القصف المتبادل بالمدفعية، ثم أجريتْ مناورات مفتوحة للجيش العراقي على الحدود، لكن لم تكن هناك تهيئة نفسية مسبقة لإمكانية حصول الحرب، لذا جاءت مفاجئة.

كان سبب الحرب في البداية، عدم تنفيذ إيران لاتفاقية الجزائر، التي تنصّ على استعادة أراض عراقية لم تنسحب منها إيران طبقاً لبنود الإتفاقية المذكورة، ومنها (زين القوس) و(سيف سعد).

 

علي السعدي: ثمان سنوات من الحرب المتواصلة لابد انها شهدت الكثير من المعارك البارزة التي تركت صداها في نفسك أكثر من غيرها، فماهي تلك المعارك؟سواء من حيث عنفها وشدتها أو في نتائجها؟

سلطان هاشم: قبل أن أجيبك، سألخص المراحل التي مرت بها سنوات الحرب، في بداية الحرب التي ابتدأت فعلياً في أيلول 1980 كما هو معروف، كانت قواتنا في موقع الهجوم، وقد اخترقت الدفاعات الإيرانية ومن ثم توغلت في العمق الإيراني، لكن ومع نهاية العام المذكور وتحديداً 1981، جمع الإيرانيون قواتهم وبدأوا بشن هجوم مضاد، ورغم ان القوة الإيرانية اعتمدت بشكل رئيس على المتطوعين من (الحرس) الثوري، وهم قوات غير نظامية، الإ انهم كانوا مقاتلين يمتلكون روحاً معنوية عالية ربما بسبب عقيدتهم الدينية .

المرحلة الثانية بدأت مع معركة شرق البصرة في تموز 1982، كذلك معارك كَيلان غرب التابعة الى منطقة كرمنشاه، وهذه المرحلة جعلت الحرب تشهد نوعاً من التوازن، وصولاً حتى معركة الفاو التي احتلها الإيرانيون بخطة جيدة وحركة مباغتة استخدموا فيها المناورة حيث حشدوا با تجاه قوات الفيلق السادس في جبهة ميسان، ليموهوا على استهداف الفاو، ثم قاموا بمهاجمة أقصى الجنوب أي شبه جزيرة الفاو، وحين احتلوها، أقاموا فيها تحصينات قوية وأغرقوا طرق الوصول اليها بالمياه، لذا استمر احتلالها لمدة سنتين قبل التمكن من استرجاعها .

أما المرحلة الثالثة، فقد بدأت مع معركة استرجاع الفاو، وكانت الفترة الزمنية الموضوعة لإنجازها، مقدرة بشهرين، رغم ان المعركة كانت معقدة جدا، لكن الخطة كانت محكمة كذلك وجرى تدريب القوات المشاركة في ميدان تم أعداده خصيصاً لهذه الغاية، بما فيه كيفية تجاوز الأرض الرخوة المحيطة بأرض الفاو، وبعد الإستعداد التام، بدأ تنفيذ الخطة في 16-17/4/1988، وبعد نجاحنا في استعادة الفاو، شنت قواتنا هجوماً كبيراً في الشمال لاسترجاع كافة الأراضي التي احتلتها القوالت الإيرانية، وصولاً إلى توقف الحرب وفيها استعدنا زمام المبادرة، أما أهم معارك التحرير في تلك المرحلة فهي:

1- الفاو

2- الشلامجة

3- مجنون

4- العمارة / زيدان

5- محور خانقين

6- محمد رسول الله

أما أكثر المعارك دموية، فكانت نهر جاسم والشلامجة، فلم تكن تلك معارك، بل مطحنة لم تشهد لها الحروب مثيلاً، تصور جيشان ضخمان يزجان بأعداد كبيرة من المقاتلين وتستخدم فيها كافة أنواع الأسلحة في بضع كيلومترات مربعة .

 

 علي السعدي: طبعا هذه أحداث باتت معروفة، لكن مانود معرفته، أين سلطان هاشم في تلك المعارك؟مادوره فيها؟

سلطان هاشم: في العام 1983كنت قائد الفرقة الخامسة في البصرة، التي شاركت في (معركة الشيب) وهي من المعارك الكبيرة ذات النتائج الجيدة وقد استمرت حوالي شهر، كذلك معارك شرق البصرة في شباط 1984، بعدها أصبحت قائد فيلق، وقد تسلمت أكثر من فيلق منها الفيلق السادس والفيلق الأول، وفيه وقعت معركة الأنفال الأولى عام 1988م.

 

علي السعدي: ماهي الأنفال بالضبط؟ ولماذا أخذت كل تلك الشهرة؟ أعتقد أنك حكمتَ بالإعدام بسببها؟

سلطان هاشم: الأنفال منطقة تقع شمال شرق السليمانية وتحديداً بين السليمانية ودوكان، وكانت منطقة (موت) أي لايوجد فيها أية قرى أو تجمعات مدنية، فقد كان المدنيون قد هجروا قبل ذلك بسنوات أي 1979، لذا حينما حصلت المعركة كان البيشمركة هم من يتواجدون في تلك المنطقة، وكانوا متعاونين مع القوات الإيرانية .

 

علي السعدي: وهل أصدرت أمراً باستخدام الأسلحة الكيماوية ضدهم؟

سلطان هاشم: لم أصدر أمراً باستخدام أي سلاح غير تقليدي لأن السلاح الكيمياوي لم يكن بعهدتي ولا تحت أمرتي، كان بيد القيادة العليا والتصنيع العسكري حصراً .

كان الهدف هو إلحاق الهزيمة بالبيشمركة لتعاونهم مع القوات الإيرانية، لكن بالنسبة لاستخدام الكيمياوي لا أستطيع اثباته، كما لا أستطيع نفيه .

كنت أقود الفيلق السادس إضافة الى منطقة الأنفال المبينة أعلاه، وهي منطقة محدودة في الشمال، وكانت مهمتي تقتضي تحرير كل المناطق المحتلة من قبل إيران، من سدّ دربندخان جنوباً، الى قلعة دزة شمالا- تلك المعارك أطلق عليها (محمد رسول الله) وقد بدأت في شهر أيار 1988 واستمرت الى نهاية الحرب.

 

علي السعدي: ماذا عن حلبجة؟ ما الذي حصل هناك بالضبط؟

سلطان هاشم: أشير هنا أن برئت من موضوع حلبجة، فلم تكن في المنطقة التي تقع تحت أمرتي، كانت متمركزة هناك الفرقة 44 تحت قيادة (كامل ساجت عزيز) فتعرضت لهجوم من قبل البيشمركة والقوات الإيرانية، فسقطت بأيدي المهاجمين الذين توغلوا بعمق حوالي 30 كم، وهددوا بالوصول الى (سيد صادق) أما استخدام الكيمياوي في تلك المنطقة، فقد سمعته من خلال الإتصالات بين الكرد، ولم ابلغ رسمياً بذلك، كما لم أطلّع على أية وثيقة حول المصدر الكيمياوي والجهة التي أمرت باستخدامه.

 

علي السعدي: هل من علاقة خاصة ربطتك بالدائرة المقربة من صدام حسين؟ كولديه عدي وقصي، وحسين كامل حسن، وعلي حسن المجيد؟

سلطان هاشم: ليس هناك من علاقات خاصة أو معرفة مقربة ربطتني بأي منهم، ولم اجتمع معهم بشكل خاص، فقط كانت الإجتماعات معهم تتم بصفة رسمية ضمن إجتماعات اعتيادية .

 

علي السعدي: هم كانوا في الصف الأول والتقرب منهم لاشك له فوائده .

سلطان هاشم: كنت أعتقد وما أزال، إن العسكري دائماً ضحية السياسي، لكن الكلام في ذلك على المستوى الخاص، لابد إنه يشكل خطراً وقتذاك.

 

علي السعدي: مما هو متداول أن هناك الكثير من الدول ساعدتكم في حرب الثمان سنوات، هل كان هناك مستشارون عسكريون من دول أجنبية؟

سلطان هاشم: شخصياً لم أر أي خبراء أو مستشارين عرباً أو أجانب من أية دولة كانت، خاصة في جبهات القتال، أما دول الخليج، فكانت هي الممول الرئيس في الأموال لشراء الأسلحة والمعدات، وكان السلاح الذي بحوزتنا مصدره روسي فقط .

 

علي السعدي: هل من دور لعبته(مجاهدي خلق) في المعارك؟

سلطان هاشم: كنّا نبلّغ بتسهيل مهماتهم بالدخول الى العمق الإيراني، فكنا نفتح لهم ممرات في حقول الألغام ونتركهم يمرون، وحين ينفذون مهمتهم ويعودون جالبين أسرى أحياناً، نقوم بغلق الممرات مرة أخرى .

 

علي السعدي: ماذا عن الجيش الشعبي؟هل لعب دوراً في الحرب؟ ومن كان يقيم مفارز الإعدام للهاربين؟

سلطان هاشم: الجيش الشعبي لم يلعب دوراً بارزاً في المعارك، ولم يتم استخدامه بشكل فاعل، وكان معظمه من كبار السن، أما المفارز الخلفية لمطادرة الهاربين، فكانت تتشكل من الحزبيين، ولم يحدث ضمن قاطعي أن وقعت حالة إعدام واحدة بيد مفارز التفتيش .

 

 علي السعدي: بعد خوض كل هذه المعارك منذ بدء حياتك العسكرية، هل أصبت بجراح؟؟

سلطان هاشم: نعم أصبت خمس مرات (رفع قميص بيجامته ليريني شقاً طويلاً في الجانب الأيسرمن بطنه) إثنان منها بالرصاص، وذلك في معارك الشمال وكنت يومها آمر سرية، أما الثلاث الباقية فكانت بشظايا مدفعية على جبهة ميسان .

 

علي السعدي: كيف تصف طبيعة علاقتك مع صدام حسين؟ هل لك ذكريات خاصة معه؟ هل كان يستمع الى مقترحاتك وآرائك كقائد عسكري؟؟

سلطان هاشم: كانت علاقة رئيس بمرؤوس بطبيعة الحال، لكن حدث أكثر من مرّة أن ألتقيه بمفرده وبناء على استدعاء منه، كان إنطباعي عنه من الناحية العسكرية باعتباره قائداً أعلى، إنه يراقب ويتابع كل ما يحصل، ويستمع جيداً للإجابة عما يسأل عنه، لكن إذا أراد شيئاً فهو صاحب قرار لا نقاش فيه، أذكر إن هناك أمراً صدر بإخلاء لواء مدرع وإحالته الى المشاة، وفعلا تم تنفيذ الأمر، وحين اللقاء شرحت له أن تحويل لواء مدرع بكل ضباطه ومنتسبيه وبكل ما اكتسبه من خبرة وتدريب على سلاح الدروع، لا يخدم الجيش تحويله الى مشاة، وشرحت له الأسباب واقترحت أن يتم جمعه مجدداً واعادته كلواء مدرع، وفعلاً أخذ الرئيس بالمقترح وتم تحويل اللواء المذكور الى لواء 17 حرس جمهوري مدرع.

وفي مثال آخر على استماع صدام حسين للقادة: 

 

ali saediأخي الدكتورعلي السعدي

كنت مسروراً بلقائك هذا اليوم 28/ شباط 2016 في سجن الناصرية المركزي، وكان الحديث الذي جرى بخصوص مواضيع مختلفة في الجوانب العسكرية وفي مراحل مختلفة والحروب التي خاضها الجيش العراقي طيلة هذه الفترة بايجابياتها وسلبياتها وكان الحوار جيدا وكانت تعليقاتك اللطيفة التي كان لها تأثير جيد على سير الحوار بيننا وكنت مرتاحا جدا لأني تحدثت بكل صراحة عن أرائي بهذا الخصوص، اتمنى لك التوفيق في مسعاك في ايصال الحقائق التاريخية وتثبيتها بكل امانة وإخلاص واتمنى للعراق العزيز المجد ولشعبه الرفاه والأمان وادعو العلي القدير ان يحفظ العراق وشعبه الأصيل .

 

سلطان هاشم احمد

28/شباط/2016

............................

سلطان هاشم: الأفضل أن يكون أصل الحوار هو كتاب بعنوان سلطان هاشم، هكذا بدأ لقاؤنا بطلبه بعد قراءته مقتطفات مما كتبته عنه شخصياً وكما ورد أعلاه .

 

علي السعدي: سيكون لسلطان هاشم نصيب كبير في الكتاب الذي أنوي تأليفه عن الجيش العراقي في العقود الثلاثة الأخيرة التي سبقت انهيار نظام صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 بفعل التدخل الأمريكي، وهي العقود التي شهدت أطول حرب عرفتها المنطقة عبر تاريخها، أي حرب الثمان سنوات بين العراق وإيران وماتبعها ونتج عنها، فمن ترشح أن يشاركك الكتاب؟؟

سلطان هاشم: هناك قادة كبار كان لي شرف معرفتهم والعمل معهم مثل الفرقاء (صلاح عبود) و(محمد عبد القادرالداغستاني) و(عبد الواحد شنان) و(أياد خليل زكي) و(نزار الخزرجي) وغيرهم .

لكن ما أود قوله إني سوف أجيب عن الأسئلة التي تخصّ ماعشته وشهدته وكنت جزءا منه، أما حول مالا أعرفه شخصياً، فسوف اذكر عمن رواه ، لذلك سنركز اللقاء فيما يعرفه (سلطان).

 

علي السعدي: نعم وهذا ما نريده تحديداً، إذ نريد أن نستفهم من سلطان هاشم شخصياً عمّا جرى، لكننا أولاً بحاجة الى معرفة من هو سلطان هاشم؟وعلى لسانه، فهل تسرد لنا عن حياتك، المدنية أو العسكرية؟

سلطان هاشم أحمد: من مواليد الموصل عام 1945 كما هو مذكور في السجلات الرسمية، أما في الحقيقة فمواليدي هي 1944 .

أنا من عائلة بسيطة تعتاش على تربية الجمال ورعيها، وحين عرف أبي عن نيتي التطوع في الجيش لأكون ضابطاً، نصحني بأن لا أفعل وأبقى مدنياً، وكأنه كان يشعر بأن العسكرية ستكون عبئاً كبيراً وإن نهايتها لن تكون جيدة .

 

علي السعدي: ومن كان يستطيع مقاومة إغراء أن يكون ضابطاً في الجيش، حيث الهيبة والموقع المتميز والمكانة الإجتماعية البارزة ومحبة البنات؟

سلطان هاشم: ربما، لأني في كل حال، لم أكن بوارد الإستماع الى نصيحة الوالد، لذا ما أن حصلت على الشهادة الإعدادية، من الإعدادية المركزية في الموصل ، حتى تقدمت بطلب الإنتساب الى الكلية العسكرية، فقبلت في الدورة (43) عام 1963 ثم تخرجت منها برتبة ملازم عام -1966 م.

 

علي السعدي: وماذا عن ذكريات الشباب وزهوه خاصة بعد أن أصبحت ضابطاً؟؟

سلطان هاشم: لقد تزوجت من ابنة عمي في العام 1970 بشكل عائلي، فنحن من قبيلة طي كما هو معروف، وقد أنجبت منها عشرة أبناء – إبنتان وثمانية ذكور- أكبرهم أحمد مواليد 1975، وأصغرهم هاشم مواليد 1995، وهم الآن يعملون في مهن مدنية مع أعمامهم ولم يدخل أي منهم السلك العسكري أو الوظيفة الحكومية رغم أن خمسة منهم اكملو الدراسة الجامعية، أحدهم ماجستير بايلوجي.

 

علي السعدي: ربما بعد أن شهدوا مصير والدهم، لم يرغبوا بتكرار التجربة، لكن لنتابع معاً سيرتك العسكرية، التي لاشك إنها حافلة مليئة بالتفاصيل .

سلطان هاشم: تدرجت في الجيش من آمر فصيل، ثم آمر سرية ثم مساعد آمر فوج، وفي سنة 1995 دخلت كلية الاركان وكنت برتبة رائد وتخرجت منها بعد سنتين عام 1977 .

حين تخرجي من كلية الأركان، عينت آمرفوج تابع للواء الخامس/ الفرقة الرابعة، بعدها تسلمت آمرية لواء، ثم قائد فرقة، حيث قدمت كل من الفرق التالية: 18 - 15 - 5 - 4 والفرقة 8 .

بعد قيادة الفرق، تم تعييني رئيساً لأركان فيلق عام 1985، ولم يطل الأمر لأتسلم بعدها قيادة فيلق لأبقى في هذا المنصب لمدة خمس سنوات أما الفيالق التي قدتها، فكانت على التوالي الفيلق السادس ثم الفيلق الأول، نقلت بعدها الى معاون شؤون الميرة، ثم مناقلة أخرى كرئيس شؤون العمليات، بعدها تسلمت منصب رئيس أركان الجيش ثم وزيراً للدفاع من 1995إلى 2003 .

قبل تعييني وزيراً للدفاع، أرسل الرئيس صدام حسين بطلبي، وقد كان وحده باستثناء مرافقه الدائم عبد حمود، وحين أخبرني بقراره، رجوته أن أبقى كرئيس للأركان، لكن الأمر قد صدر، وليس هناك من إمكانية لتغييره .

 

علي السعدي: دعني أستفسر حول هذه النقطة، أليس وزير الدفاع أعلى منصباً من رئيس الأركان؟؟ ألا يعد ذلك بمثابة تكريم لك؟

سلطانم هاشم: رئاسة الأركان هي الأقرب الى ما يحصل في الجيش والأكثر قدرة على تقدير الموقف وتحريك القطعات وسواها من القضايا التي تخصّ القوات المسلحة، في رئاسة الأركان كنت أرى الرئيس مرة كل بضعة أشهر، أما حين أصبحت وزيراً للدفاع، فكنا نجتمع معه أسبوعياً كمجلس وزراء .

 

علي السعدي: هل كانت رؤية الرئيس تثير في نفسك الخوف؟

سلطان هاشم: ليس خوفاً بل حذراً، كنت حذراً على سمعتي الشخصية والعكسرية أن تمسّ من خلال اتهامي بالخيانة أو ماشابه .

 

علي السعدي: هل كانت لك هوايات معينة؟

سلطان هاشم: نعم، كنت رياضياً بارزاً في مسابقات الركض، أما الجيش، فلم يكن حرفتي وحسب، بل هوايتي الكبرى كذلك .

 

علي السعدي: كيف كانت علاقتك برجالات الحزب أو بالشخصيات المقربة من صدام حسين كعدي وقصي وقيادات الحزب؟

سلطان هاشم: قد تستغرب إذا قلت لك أن معرفتي بالسياسيين تكاد أن تكون معدومة، فليس هناك ما يمكن وصفه عن علاقتي برجال السياسة، بمقدار علاقاتي بالقادة العسكريين التي تكاد تقتصر عليهم .

 

علي السعدي: على هذا يمكن القول إنك لابد تأثرت ببعض أولئك القادة من العسكريين؟ هل يمكن ذكرأمثالهم عمن ترك منهم أثراً في حياتك العسكرية؟

سلطان هاشم: هناك كثيرون مازلت أحمل لهم الإعجاب واعتبرهم بمثابة معلمين ومربين، يأتي في مقدمهم شخصية (سعيد حمو) فقد كان قائداً يعيش حياة العسكري المحترف بمناقبية عالية وكان مربياً بحقّ، كذلك عبد الجبار شنشل الذي يمثل ضابطاً نموذجياً، وأذكر كذلك عبد الجواد ذنون وهو جميل في التعامل والسلوك وكان أعلى مني رتبة، أما نزار الخزرجي، فكان مثلي الأعلى، وعن الذين عملت معهم، هناك أياد خليل زكي - حسين رشيد - عبد الستار المعين، أحمد ابراهيم عماش - أياد فتيح الراوي - سعدي طعمة فياض،

وكان وزيراً للدفاع.

 

علي السعدي: من كل هؤلاء أو غيرهم، هل كان لك أصدقاء مقربين؟ بمعنى أن تبوحوا لبعضكم بعض معاناتكم؟ خاصة في سنوات الحرب الطويلة مع إيران مثلاً أو ما تبعها من وقائع؟

سلطان هاشم (مبتسماً): إلا هذا، لم يكن من الوارد أن يبدي أحد منا تذمره أو انتقاده أمام أي ّ كان، تلك حالات لم تكن مأمونة، لذا كان الحذر وارداً في كل حال .

 

علي السعدي: ذكرت ان علاقتك بالسياسيين لم تكن وثيقة، ألم يكن لك دور في حزب البعث؟

سلطان هاشم: هل تصدق بأني لم أكن أميل للحياة الحزبية؟ لذا بقيت حتى عام 1975، قبل أن أنتمي للحزب وبتأثير شخصي وإلحاح من عدنان خير الله طلفاح، كذلك لم أنل العضوية في حزب البعث العربي الاشتراكي إلا عام 1982، وبعد حصولي على أنواط شجاعة، جاءت ترقيتي الى عضو قيادة فرقة 1989، من دون المرور بالترشح كما هو معتاد، ثم في 1996-1997 أصبحت عضو شعبة بعد أن عينت وزيراً للدفاع، لأني أساسا لم أكن أميل أن أكون حزبياً، كانت ميولي تتمحور حول الجيش والعمل العسكري وحسب، وكان طموحي أقصى طموحي أن أنجح في الجانب العسكري ولولا الحياء من عدنان خير الله طلفاح، فربما لم أصبح عضواً حزبياً.

 

علي السعدي: هل تعتبر إن انتماءك كان خطأ؟ أو هل كانت لديك أخطاء ندمت عليها وتمنيت لو أنها لم تحصل؟

سلطان هاشم: ليس هناك من إنسان دون أخطاء، لكن معظمها كانت أخطاء ميدانية، ربما كان خطأي الأبرز إني لم أستمع الى نصيحة والدي الذي لم يكن راغباً في دخولي العسكرية، وإلا لما كنت تعرضت الى ما أنا فيه الآن .

 

علي السعدي: لكن لا تنس إنك كذلك عشت أيام عزّ ومجد ونفوذ، ألم يكن ذلك كافياً كي لاتندم عليه؟

سلطان هاشم: لم تكن حياتي العسكرية دونما فائدة للآخرين، أذكر إني في سنوات الحرب العراقية/ الإيرانية، تمكنت من انقاذ حياة العشرات من الإعدام، يومها نُقلت من قيادة الفيلق السادس الى قيادة الفيلق الأول وكان ذلك في منتصف العام 1988 م، أي قبل أشهر قليلة من انتهاء الحرب، فوجدت أمامي أضابير لمايقرب من (60) عسكريا برتب مختلفة بين ملازم أول وملازم وضباط صف، سجل عليهم الهروب من الجيش فأحيلوا الى المحاكم وحكم عليهم بالإعدام، ثم جاء الأمر بتنفيذ الحكم .

أرسلت آمر لواء ومشاور قانوني اسمه (علي) لدراسة أوضاعهم، وكانو معتقلين بقاعة تابعة للفيلق، فقدم لي تقريراً إن أكثرهم لديه شهيد أومعاق من ذويه، يومها كنا نخوض معركة بنجوين وكانت النتائج جيدة بالنسبة لقواتنا، لذا اتصلت بعدنان خير الله طلفاح بشكل خاص، ورجوته التدخل مع الرئيس لايقاف التنفيذ أو اصدار عفو بعد أن شرحت له أحوالهم، وبعد ساعتين تقريباً، جاء الرد بأن العفو قد تم.

967-ali

soltan hashim- سلطان هاشم يضع تصوره لخطة تحرير الموصل

- مشاركة الحشد ضرورية –على أن يستخدم بطرق خاصة

- قلت للرئيس: قد تتطلب الحرب أن نهدم مابنيناه

- وضع صدام يده في يدي قائلاً: هل تطلب شيئاً؟

- تقسيم العراق سينعكس سلباً على تركيا والسعودية

- دولتان من الجوار هما الأخطر

- التدخل العسكري السعودي في العراق سيتعرض للهزيمة

- ماحدث في سفوان كان إجتماعاً تقنياً

- رافقني الى خيمة سفوان ستة ضباط برتب عالية هم كل من:

- المقاتل الإيراني كان يتمتع بمعنويات جيدة .

- لم يكن في الأنفال مدنيون

- لا أنفي استخدام الكيمياوي، ولا أؤكده كذلك

- ماحدث في نهر جاسم والفاو كان مطحنة وليس معركة

- عدنان خير الله هو من نسبني لحزب البعث

- نصحني ميلوسوفيتش: إكسبوا جواركم

- شوارزكوف يرد على سؤالي: اتركها للتاريخ

- ندمت لأني سلمت نفسي للأمريكان

- لم يف الأمريكان بوعودهم لي

- ليتني سمعت كلام أبي مربي الجِمال

- صدام حسين كان يحب أن نطلب منه، وأخذ برأيي مرات عديدة

- أنقذت 60 ضابطاً من الإعدام

- طلبت من الرئيس ابقائي رئيساً للأركان بدل تعييني وزيراً للدفاع

- وضعت خطة للإنسحاب من الكويت في 8 أيام

- لم تكن وزارة الدفاع تمتلك قراراً بتحريك القطعات

- ابلغتُ بقرار تنفيذ الإعدام، ولم أبلّغ بتأجيله .

- بدء غزو الكويت سمعته من الراديو

- أخبرت الرئيس صدام بأن الأمريكان سيكونون في بغداد خلال أسبوع .

- أعجبت بشخصية سعيد حمو .

- منزلي في بغداد أكملته بعد 8 سنوات .

 

قصتي مع سلطان هاشم

بدأ اهتمامي بقضية الفريق أول ركن سلطان هاشم احمد الطائي، في مقال كنت قد نشرته على موقع صحيفة (المثقف) العراقية بتاريخ 12/ 6/ 2011، مشتقّ من دراسة عن الجيش العراقي ودوره في الدولة العراقية الحديثة مثبتة في كتابي (العراق الجديد – قلق التاريخ وعقدة القوة) ص184، وقد ذكرت فيه قضية وزير الدفاع الأسبق بعد الحكم عليه بالإعدام وما إثارته من لبس .

ومما جاء في بعض فقرات المقال مايأتي:

((من الفصول النادرة في تاريخ العراق الحديث، الذي يكاد يجمع فيه العراقيون ـ أقله في مكونهم العربي بشقيه الشيعي والسّني ـ على إظهار تعاطف بهذه التلقائية مع شخصية عسكرية، إذ ان قصّة العراقيين مع عسكرهم، لا تسودها في الغالب صفحات ودّ كثيرة، نظراً لما في سجل ذلك العسكر من دماء ومجازر، لكن الجنرال سلطان هاشم وزير الدفاع في عهد "صدام" إخترق الذاكرة العراقية ليصل الوجدان، والأغرب انه الوحيد الذي شذّ عن قاعدة العداء لقادة نظام البعث الذي يحملها أغلب العراقيين))

وكان تفسير ذلك التعاطف برأيي، ربما يعود في بعض وجوهه إلى إنه (واحد ممن نالوا رتبتهم بكفاءته الشخصية وبإستحقاق تراتبيته العسكرية)

وقد ذكر المقال ان الجنرال المذكور ونظراً لما (عُرف عنه من الهدوء والإتزان، وكان نادر الكلمات، يميل الى الصمت والإختصار، وفيما كان القادة الآخرون يكيلون المديح لصدام ويعدونه بالنصر، أدلى الجنرال سلطان هاشم برأي أكد فيه استحالة الصمود، وقد صحتّ تقديرات الرجل التي حسب فيها أن العراق سيهزم في بضعة أسابيع وان زمن صدام قد انتهى لامحالة)

(لقد تبيّن ان الجنرال هاشم عسكري محترف، يجيد قراءة الوقائع، كما انه صادق الكلمة قد يضطر للصمت في المواقف الحرجة، لكنه لا يلجأ إلى المراوغة والخداع، أما التحول الأكثر وضوحاً، فتمثّل بما ذُكر عن موقف المرجع السيد علي السيستاني الذي كان قد نصح الحكومة بإيجاد مخرج قانوني لقضية سلطان هاشم، يمكنها من تخفيف حكم الإعدام بحقه))

وقد خلص المقال إلى نتيجة مفادها إن الرجل إذا صحّ فيه العفو، فيمكن الإستعانة بخبرته العسكرية لإعادة بناء وتأهيل الجيش العراقي الجديد، آخذاً بنظر الإعتبار مقياساً لما كان يتداول عن نسبة (الضباط) غير الكفوئين ممن أفرزتهم الأحزاب والقوى السياسية من محازبيها، دونما أي إعداد وتهيئة كافيين لما تتطلبه المهمة الصعبة للعمل بصفة ضابط، كذلك مفصلية المرحلة التي كان يمرّ بها العراق.

بعد نشر المقال، تعرضت لانتقادات شديدة تخللتها اتهامات وطعونات قاسية، لكن ذلك ما كان ليوقفني عن عزمي في تأليف كتاب عن الجيش العراقي في مرحلة هي الأصعب والأكثر دموية في تاريخ العراق، خاصة تلك الممتدة منذ عام 1970 – ولغاية 2003- وقد وضعت في اعتباري أن أقابل القادة من الضباط الكبارالذين لعبوا دوراً محوريا في معارك مصيرية فاصلة، ومن ثم فعلى رأسهم سلطان هاشم الضابط الأكثر شهرة وألمعية من بينهم – أقله فيما ارتسم عنه في أذهان الكثير من العراقيين والعرب - .

لكن الطريق الى لقائه لم تكن ميسرة، فالرجل سجين مهم ومحكوم بالإعدام، لذا فمقابلة من هذا النوع لإجراء حوار شامل معه، هي سابقة لم تحدث من قبل، لافي العراق، ولافي بلد آخر .

لكن قيض لي أن أجد من يتعاطف مع طلبي، بل ويشجعني عليه، فبصرف النظر عن الموقف من النظام السابق وما ارتكبه بحقّ العراقيين، إلا ان ما حدث أصبح جزءاً من تاريخ ما زال ينعكس بكل ثقله على العراق وشعبه، لذا فمن حقّ أجيال العراق أن تعرف ماحدث، وهكذا بدأ المشوار الطويل لترتيبات اللقاء مع سلطان هاشم.

وكان أول المستجيبين النائب الدكتور ابراهيم بحر العلوم، الذي تحدث شخصياً مع وزير العدل حيدر الزاملي، ثم تقدم بكتاب رسمي يطلب فيه من الوزير المعني، مساعدتي في إجراء الحوار مع سلطان هاشم بكوني باحثاً يكتب عن تاريخ الجيش العراقي السابق .

استجاب وزير العدل للطلب وفق الضوابط والاجراءات المتبعة، وكانت تتضمن الحصول على موافقة النزيل كشرط مسبق، فضلا عن شروط محددة منها عدم استخدام أية وسيلة لتسجيل اللقاء سواء بالصوت والصورة أو بالصوت وحده، ومن ثم كان الشرط أن أدخل وحدي على أن تنتدب لي ادارة السجن من يتولى تدوين اللقاء .

ولأن الموضوع أمانة تاريخية ينبغي أن تذكر فيها الحقيقة وحدها، وكي لايفسح المجال لأيما تشكيك في ما ذكره الفريق أول سلطان هاشم حرفياً، لذا حاولت أن يكون اللقاء بالصوت والصورة كي تبقى وثيقة قاطعة في صدقيتها، ومن أجل ذلك، قمت بزيارة خاصة لوزير الخارجية الدكتور إبراهيم الجعفري الذي رحب بالفكرة واتصل مباشرة مع وزير العدل حيدر الزاملي في محاولة لاقناعة باللقاء المصور لسلطان هاشم وصابر الدوري محافظ كربلاء السابق، وقد ذكر له مثلاً بأن وفداً من كربلاء جاء لمقابلته حينما كان رئيساً للوزراء، وذلك كي يتوسط بتخفيف الحكم عن محافظهم السابق صابر الدوري الذي يحفظون له الكثير من المواقف الطيبة لصالحهم.

لكن وزير العدل أصرّ على الإلتزام بالإجراءات المتبعة، وهكذا كان.

بعد المخاطبات الرسمية بين الدوائر المختصة، جاء اليوم الموعود في 28/2/2016 – التاسعة صباحاً .

خصص لنا المكتب الخاص لمعاون مدير السجن، وحين دخلت، كان الفريق أول ركن ووزير الدفاع الأسبق، يجلس بانتظاري وهو يرتدي بيجامة بنية اللون، مورد الوجه مبتسم، وقد بدا عليه الانشراح في معرفته بأني جئت لأجري معه حواراً شاملاً، لذا رحب بي أكثر بعد أن اهديت له كتابي (العراق – غمد السيف أم درب المعبد) الصادر في بيروت عام 2012 وأريته ما كتبته عنه .

وما أن قرأ قليلاً عن ذلك، حتى قال مبتسماً: عليك أن تكتب عني كتاباً بإسم سلطان هاشم، فأخبرته بأني فعلاً أنوي تأليف كتاب عن الجيش العراقي، سيكون له فصل كامل إضافة الى بقية القادة – وذكرت له بعضهم مثل صلاح عمر العلي والفريق رعد الحمداني .

قرأت عليه محاور اللقاء والأسئلة الموضوعة لكل محور، كي يستعيد ترتيب ذاكرته كما قال، ثم بدأنا رحلتنا التي تواصلت دون انقطاع، من العاشرة الإ ربع صباحاً، حتى الساعة الثانية بعد الظهر، أي أكثر من 4 ساعات، وقد تركته يتحدث كما يشاء، ولم أتدخل سوى في عنونة وترتيب المحاور كي يأتي اللقاء وفق التسلسل الزمني للأحداث .

وفي نهاية اللقاء، طلبت منه أن يكتب أذا شاء، إنطباعه عن هذا اللقاء، فاستجاب مشكوراً وكتب ما يأتي: 

 

عدسة أجادت إقتناص الظل والضوء واللحظة فأنجبت إبداعا عراقيا حلق في سماء العالمية

يقول الناقد الأدبي الروسي الشهير، فيساريون بلنسكي " الإبداع ليس لهواً، والمؤلف الفني ليس ثمرة وقت فراغ أو نزوة، إنه يكلف الفنان عناءً وجهداً، والفنان نفسه لا يعرف كيف استقر جنين المؤلف الجديد، إنه يحمل بذرة الفكرة الإبداعية، كما تحمل الأم صغيرها في أحشائها " وانطلاقا من رؤية بلنسكي للإبداع فقد حفلت الساحة العراقية الولادة بمئات الأسماء اللامعة التي حفرت في صخر الواقع بعد ولادتها من رحم المعاناة أعمالا خلدتها الذائقة الفنية والتشكيلية والشعرية العربية والعالمية، ولعل المصور الشاب، او فنان الظل والضوء، حسين كولي، واحدا من هؤلاء المتميزين ممن ينتظرهم مستقبل واعد ليضع اسمه وإبداعاته في سجل طويل بين القامات العراقية السابقة واللاحقة.

 

*حصل الفنان الشاب، حسين كولي، على جائزة أفضل مصور في مهرجان الأفلام القصيرة الذي أقامته وزارة الشباب والرياضة وهذه ليست الجائزة الأولى التي تحصل عليها في مشوارك الإبداعي، هل لك ان تجمل لنا حصيلة الجوائز التي حصدتها داخل العراق وخارجه؟

-  ما يخص الجوائز فلدي جوائز طلابية وأخرى محلية وواحدة عالمية، اما الطلابية فعلى مدار خمس سنين وانا احصل على الجائزة الاولى في معهد الفنون الجميلة لحين تخرجي من المعهد في المرحلة الخامسة وبعد دخولي الى كلية الفنون الجميلة ومشاركتي بالمعرض السنوي الفوتوغرافي حصلت على الجائزة الاولى بالفوتوغراف ولمدة ثلاث سنين ولكن وللأسف قد منعت من المشاركة في السنة الرابعة من دون سبب يذكر " ربما خشية الفوز بها للمرة الرابعة على حساب الآخرين " اما ما يتعلق بالأفلام فقد حصلت على جائزة السيناريو لفيلم من تأليفي بعنوان (الكلاب) وحصلت على افضل عمل متكامل لفيلم (وتصرخ حواء ) وهو بمثابة اطروحة تخرج في معهد الفنون الجميلة .

اما في كلية الفنون الجميلة فلدي مشاركات كثيرة في السينما اذ حصلت على ثلاث جوائز، جائزة افضل تصوير وجائزة افضل عمل متكامل، وصورت 25 فيلما قصيرا على مدار 4 سنوات، حصلت 20 منها على جوائز.

 

*هل هناك انجازات خارج المؤسسات الأكاديمية والنشاطات الطلابية؟.

-  نعم هناك نشاطات اخرى بعيدة عن الطلابية تتعلق بالفوتوغراف تحديدا، وكانت اول مشاركة لي في الجمعية العراقية للتصوير في المعرض السنوي الذي ضم مصوري العراق كافة في الداخل والخارج عام 2011 وكنت يومها اصغر المصورين المشاركين سنا وحصلت على الجائزة البرونزية وبعدها في العام الذي يليه حصلت على الجائزة الاولى التقديرية وبعدها حصلت على الجائزة الثانية الفضية بالرغم من ان الصورة الحاصلة على المركز الأول كانت مسروقة لمصور من الناصرية وبعد علم اللجنة تم حجب الجائزة الاولى .

 وفي عام 2014 حصلت على 6 جوائز من بين كانون الثاني -  حزيران وكانت جميعها في المركز الاول، في مسابقات نظمتها الجمعية العراقية للتصوير واخرى مراكز متخصصة بالفوتوغراف، تم اختياري بعدها ضمن لجنة التحكيم في الجمعية العراقية للتصوير وفي هذه الاختيار اكون اصغر مصور في لجنة تحكيم الجمعية منذ عام 1972 حتى 2016 وكنت قد توفقت في هذا المجال كوني معاصر لجيلين.

لدي معرض شخصي في بغداد بعنوان " محاكاة " عام 2009 وبعدها معرض شخصي بأشراف الـ UN اقيم في النرويج وأستراليا.

أما فيما يخص الجائزة العالمية فكانت كأفضل مدير تصوير في مهرجان عالمي يقام سنويا في العديد من الدول الأوربية والشرق الاوسط تحت شعار " العنف ضد المرأة" الفيلم الذي فاز بالجائزة كان بعنوان "زهرة " ودخل في منافسة حامية الوطيس مع افلام اوربية وايرانية .

حصلت على جائزة افضل تصوير لفيلم " حالة رقم " في مهرجان بغداد السينمائي الدولي عام 2013، وجائزة افضل تصوير في مهرجان وزارة الشباب في العراق لذات الفيلم، كما حصل الفيلم على جائزة افضل فيلم متكامل في مهرجان كلكامش للأفلام القصيرة، وجائزة افضل تصوير في مهرجان ستوكهولم للفيلم العراقي، كما شارك في مهرجان " فجر" الإيراني مع انهم استعاروا الفيلم من دون علمي ولا إذني من مهرجان بغداد السينمائي وقد ابلغوني قبل العرض ولذلك فلم اذهب لحضور المهرجان .

 

* أشرت في احدى لقاءاتك الى ان التصوير (السلوت) يعد واحدا من اصعب أنواع التصوير بالنسبة للمصور المحترف، ما ذا تعني بالسلوت وما هي مكامن الصعوبة التي يشكلها بالنسبة للمحترفين؟

 -  صعوبة السلوت تتبلور في ان المصور يجب ان يدرك الماهية الجمالية التي تظهر في الشيء المراد تصويره وعليه ان يمتلك ثقافة عامة وخاصة وأعني بالثقافة الخاصة هنا هو ذلك التمكن من الادوات التي يستخدمها للتصوير اما العامة فعليه ان يكون على دراية بالرسالة والرؤية والهدف التي يظهرها للمتلقي والمختص على سواء.

"السلوت " هو احد محاور الفوتوغراف تكون فيه اشعة الشمس او الضوء امام العدسة ما يحدد او يضلل الاشياء التي تقبع بين الضوء والعدسة ولهو جمالية وموضوعية مع ان هناك وللأسف الشديد من يظن واهما أن تصوير الغروب يعد احد محاور " السلوت" وهو ليس كذلك .

 

* حصلت على جائزة افضل تصوير عن فيلم (بقايا) ضمن فعاليات مهرجان السماوة السينمائي الثاني للأفلام القصيرة، حدثنا عن الفيلم وعن أي شيء يتحدث؟ .

-  فيلم بقايا هو مشروعي الذي حصل على ثاني افضل عمل متكامل في كلية الفنون الجميلة وحصل على جائزة التصوير في مهرجان السماوة وبصراحة ولكوني اعده فيلما طلابيا لذا فأنا لم اشارك به في مهرجان آخر غير السماوة .

فكرة الفيلم تدور حول شخص يفقد حياته بدون سبب ليرى في العالم الافتراضي ارواحا من مختلف الازمنة في العراق وهي معلقة ومنها اربع حقب مر بها العراق اصبحت مؤثرة في حياة الأجيال الحالية نحو حقبة الحرب الايرانية العراقية احداث الطائفية عام 2006، فيضان بغداد عام 1952، ومنها غير معاشة نحو مجاعة الموصل قديما وماشابه .

 

* الضوء والظل يشكلان ثيمة تفرد بها حسين كولي في مجمل أعماله الفوتوغرافية حتى ان الجمعية العراقية للتصوير في معرضها السنوي بدورته الأربعين منحتك الجائزة الفضية عن صورتك “الضوء والظل” بمشاركة نحو 600 مصور من داخل العراق وخارجه في المعرض الذي ضم أكثر من 1900 صورة، ما سر الضوء والظل الذي ابدعت عدستك اقتناصهما؟

- الموضوع المثير بالنسبة لي كون الفوتوغراف يصنف كفن فردي وشخصي تابع للانطباعات والبيئة التي يعيش فيها المصور وبناء على ذلك فقد كان لطفولتي دور فيها، تلك الطفولة التي عانيت فيها من مرض مزمن اقعدني لفترة من الزمن، وبت ارى جميع الاشياء منذ ذلك الحين سوداء معتمة لا جمال فيها ووظفت ذلكم الانطباع السائد على صوري وكنت مميزا به .

وعلى هذا الاساس فأن اغلب المصورين باتوا متأثرين بي وبالأسلوب الذي اتناوله مع ان الظل والضوء وقراءته ليست بالأمر الهين وعلى المصور ان يهتم بالموضوع والمضمون والشكل فيما اغلب المصورين غير مهتمين بالرسالة لهذا المحور، نعم انا لا اقلل من اهمية الجمال في الصورة إلا ان الموضوع والمضمون شيء مهم جدا فالمتلقي يبحث عن شيء لما تراه العين المجردة .

 962-ahmad

*سبق ان نوهت ولأكثر من مرة الى إن إقبال الشباب على تعلم الفوتوغراف ناتج عن التطور التقني إلا ان ما يؤسف عليه حقا هو تلاشي رواد الصنعة من الفوتوغرافيين المحترفين أمام التطور التقني، مقابل دخول عدد هائل من الشباب الى هذا الفن، لماذا برأيك مرد هذا الإحجام من قبل الرواد، عدم القناعة بالتصوير الديجتال خارج السياقات التي تربوا عليها مثلا ام الفجوة التقنية بين الأجيال؟ .

- لدينا انانية في هذا الفن والمصور غالبا ما يتصور نفسه بأنه هو الافضل واخص الرواد منهم، مع ان التقنية شيء مهم يساعد المصور على التمكن من اظهار النتيجة الافضل وانا قد صورت في الكاميرا الفيلم لسنين، نحن الان نعيش فوضى فوتوغرافية فالشاب اليوم يبحث عن شيء يوصله الى النجومية ليكون شيئا وليس رقما في هذا العالم والفوتوغراف يمكنه من تحقيق ما يصبو اليه ليكون لهم متابعين واصدقاء كثر وعلى هذا الاساس كان الاقبال على الفوتوغراف من قبل الشباب.

اما بالنسبة للرواد فلو اطلعنا على CV الكثير منهم لم نشاهد مصورين لديهم شهادات تصوير فوتوغرافي بمعنى ان معظمهم ليسوا اكاديميين ومن لديه شهادة منهم فهي من خارج العراق وهم منزعجون من الشباب ليس بسبب الديجتال وانما حتى في المعالجة ودقة الصورة والتقنيات المتوفرة.

 

* بماذا تنصح المصورين الفوتوغرافيين الشباب وانت مدرب ومشرف على عدد من الدورات التي اقيمت لهذا الغرض .

 - انصح المصور بأن يهتم بالبيئة التي يعيش فيها فهو الوحيد الذي يعبر عنها وهو الوحيد الذي يظهرها للعالم، وعليه الاهتمام بالقراءة ودراسة كتب علم النفس لأن علم النفس هي طريقك الى إثارة العاطفة لدى المتلقي وعلى الجمعيات المختصة ان تعزز مؤسساتها بدماء شابة لأنهم على دراية بالتقنية والدروس الحديثة.

 

* اي من انواع الكاميرات تفضلها وهل الكاميرا هي التي تصنع الإبداع أم من يقف خلفها؟ .

-  أفضل كاميرا بالنسبة لي هي NIKON بالرغم ان الكاميرا مجرد آلة وانت الذي تصنع جمالها من خلالها، وعدسة النيكون هي العين الثالثة بالنسبة لي.

 

* كتاب لا تمل قراءته؟

-  كتب دكتور ابراهيم الفقي جميعها.

 

*صورة أفرحتك كثيرا وأخرى أحزنتك .

-  جميع الصور التي التقطها اثارت بي العاطفة واحزنتني والصور التي تفرحني هي التي تتغلب على اقرانها وتفوز بجائزة.

 

gorge coten1 - بعد دخول الثورة السورية عامها السادس، كيف يمكن قراءة الحدث السوري بتكثيف؟

- الثورة الشعبية السورية كأي ثورة في العالم ظاهرة اجتماعية متطورة لا تحتفظ بشكل واحد، فقد مرت خلال الخمس سنوات بمراحل عدة اولها مرحلة ثورة الشعب السلمية، تلاها مرحلة حمل السلاح كرد على بربرية النظام في مواجهة المتظاهرين السلميين حيث استمر الشعب المنتفض بلعب الدور الرئيسي من خلال التنسيقيات والمجالس المحلية كمؤسسات قيادية ابتكرها. المرحلة الثالثة بدأت مع تسرب الجهاديين للعمل المسلح من خلال الفجوات التي تركها انحسار سلطة النظام، وخاصة تنظيم "الدولة الاسلامية" المعادي للثورة، الهادف مع النصرة وكتائب اسلامية من اسقاط النظام اقامة دولة دينية. اصحاب الثورة الاصليين في مناطق النظام قمعوا بشدة قتلا وتشريدا واعتقالا وتعذيبا ونهبا وتدميرا. اما في المناطق التي خرجت عن سلطة النظام فمسلحو التنظيمات الاسلامية تكفلوا بقمع اي حراك شعبي، بحيث وقع الشعب المنتفض بين مطرقة النظام وسندان امراء الحرب الاسلاميين، ولم يبق من مؤسسات الثورة سوى جيوب للجيش الحر والمعارضة في الخارج.

في المرحلة الرابعة تحول الصراع مع النظام لشبه حرب اهلية تتخذ طابعا طائفيا بعد استقدام النظام لميليشيات شيعية من بلدان عدة. رغم ذلك فقد اختل التوازن لصالح المسلحين المعارضين رغم عدم قدرة اي من الطرفين على حسمه لصالحه. اما المرحلة الخامسة فبدأت مع تدخل التحالف الاميركي ضد داعش، حتى التدخل العسكري الروسي.

الوضع السوري حاليا دخل في مرحلة جديدة هي النجاح النسبي لوقف القتال رغم الخروقات، وهي هدنة نتجت عن توافق اميركي روسي جزئي لم يصل الى حد التوافق على طبيعة النظام السياسي للمرحلة الانتقالية، وهي مسالة خاضعة للتفاوض بين وفدي النظام والمعارضة في جنيف ولن تصل لنتيجة بدون التوافق الروسي الاميركي حولها.

تطور التدخل الخارجي في الصراع لدرجة ان القوى المسلحة للطرفين لم تعد تملك قرارها المستقل ولا تستطيع ان ترفض توجيهات الدولتين الكبريين اللتين تضعان مصالحهما في سوريا والشرق الاوسط فوق مصلحة السوريين، وهي بحد ذاتها مصالح متضاربة وليس من السهل وصولها لتوافقات مشتركة تفرضها مخاطر انتشار الارهاب في العالم، وازمة المنطقة واوروبا مع تدفق ملايين اللاجئين، اضافة لتبادل مصالح بين الدولتين قد تكون فيها سوريا جائزة لطرف مقابل تأمين مصالح الطرف الآخر في منطقة اخرى من العالم.

وقد عاد الحراك الشعبي من جديد بعد الهدنة في مظاهرات المناطق الخارجة عن النظام، دون التمكن من استئناف الانتفاضة الشعبية في مناطق سيطرة النظام، فهل يكون ذلك بداية لمرحلة جديدة تعود فيها الثورة الى احضان الشعب الذي بدأها؟ لا احد يستطيع الجزم.

                  

2 - هل كان سيتحقق لمسار الثورة السورية إطار أفضل لو توفرت شروط معينة، وماهي هذه المناخات؟

- لا اظن ان هذا ممكنا فاندلاع الثورة كان عفويا لا يمكن لاحد ان يتحكم بالظروف الموضوعية التي احاطت بمسارها .. ال "لو" غير واردة في هذا المجال، ف"لو" تدخلت اميركا والغرب لدعم الثورة كما فعلت في ليبيا لربما امكن اسقاط النظام مبكرا، و"لو" ان التنسيقيات والمجالس المحلية تحولت الى سلطة جديدة موازية للنظام تخضع لها كافة النشاطات بما فيها العمل العسكري، لما تعملق امراء الحرب السلفيين وعطلوا الحراك الشعبي وحرفوا الثورة نحو اهدافهم الخاصة ، و"لو" ان المعارضين للنظام لم يحملوا السلاح اصلا ضده رغم فتكه بالمتظاهرين، لربما انتهت الثورة لتندلع من جديد في ظروف افضل، فمسار الصراع تحكمه ظروفه الخاصة التي من المستحيل تغييرها بارادات ذاتية. 

 

3 – ألا يمكن القول أن المعارضة السورية لم تكن بمستوى تضحيات السوريين، ولم تستطع أن تلاقي عظمة هذه التضحيات؟

- نعم يمكن قول ذلك، ولكن برأيي جرى تضخيم الحديث عن فساد مزعوم للمعارضين السياسيين وخاصة في الخارج، ولم يتحقق بشكل كاف، توحيد المعارضين في تكتل واسع يتجمع حول اهداف مشتركة ويترك الخلافات حول مسائل اخرى لما بعد التغيير لتحسمها صناديق الاقتراع. الائتلاف الوطني نجح اكثر مما سبقه، ولكن ما زال ينقصه الكثير ليصبح قيادة سياسية تقود الثورة نحو الانتصار.  

 

4 - سوريا صارت اليوم ملعباً لتصفية الحسابات الدولية بين اميركا وروسيا وايران وتركيا، من المسؤول عن هذه الفوضى؟ وكيف يمكن الخروج من هذا المأزق الكبير؟

- في عالم اليوم لم يعد من الممكن ان تعزل قضية اي بلد عن بلدانه الاخرى، فتدخل الدول الكبرى كاميركا وروسيا والاتحاد الاوروبي، والدول الاقليمية كدول الخليج تركيا وايران، امر لا يمكن تجنبه، فمصالح دول المنطقة والعالم متشابكة وتتعدى حدود بلدانها. ولكن الشكل الواسع الذي وصل اليه التدخل الخارجي في الصراع السوري يكاد يكون غير مسبوق ويتحمل مسؤوليته الاساسية النظام الذي منعا لانهياره، استقدم قوى مسلحة من دول متعددة، بل اطلق نظرية ان "سوريا ليست لسكانها بل لمن يدافع عنها مهما كانت جنسيته"، مما يفسر جوانب من استراتيجية النظام لتغيير التركيب الديمغرافي السوري. ولا يمكن ان يكون مبرر ذلك الرد على مجيء الجهاديين لدعم الثورة السورية اذ انهم تسللوا كافراد رغم اجراءات منعهم من قبل دول الجوار.

لا يمكن الخروج من المأزق، بدون توافق اميركي روسي حول حل سياسي يفرض على طرفي الصراع لتنفيذه. وهو توافق لم يحصل بعد رغم كثافة الحراك الدولي الدبلوماسي، لكنه ليس مستحيلا في المدى القريب، فلا تزال السياسة الروسية والاميركية تتجنب صراع مباشر، رغم سياسة بوتين لمحاولة استرجاع دور الدولة العظمى المفقود بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. في ظل هذا المناخ جاء الانسحاب الجزئي الروسي، ليوقف فقط الغارات على المعارضة المسلحة المعتدلة، لتتحول روسيا لضرب اهداف ادعت انها جائت من اجلها، ويظهر ذلك في مشاركتها الكثيفة في معركة تدمر ضد داعش.

ايقاف عملياتها ضد المعارضة المعتدلة بعد اعادة التوازن المختل، تهيئة لامكانية تسوية سياسية من خلال التفاوض بين النظام والائتلاف في ظل تفاهم محتمل على اسس الحل بين اميركا وروسيا. ليست روسيا على درجة من الغباء لتظن مثل النظام بانه يمكن الحسم عسكريا. فرغم تقدم النظام الاخير شمال حلب، روسيا تدرك ان داعمي المعارضة السورية اقليميا ودوليا لن يتركوها تنهزم نهائيا، ويمكنهم دعمها مما سيطيل الصراع، في مثل هكذا وضع محتمل، روسيا تعرف من تجربتها انها ستقع في مستنقع، لا تتحمله اوضاعها الاقتصادية المأزومة بسبب المقاطعة الغربية وازمة اسعار النفط.      

 

5 – كتبت مقالات عديدة تنتقد النظام الايراني، هل من أجل تدخله المباشر في الشأن السوري؟ أم أن للمشروع الايراني خطورة على المجتمع الدولي؟

- انتقادي للنظام الايراني لم يبدأ مع التدخل المباشر في الشأن السوري، بل يعود لما يزيد عن عقدين عند بدئي بكتابة مقالات سياسية، بل اني اصدرت كتابا بعنوان "خيارات ايران المعاصرة، تغريب،اسلمة،ديمقراطية"- 2002- الذي عكس اهتماما بالثورة الشعبية الايرانية ضد الشاه التي تحمسنا لها قبل ان يركب رجال الدين موجتها ليقيموا الحكم الديني للولي الفقيه كبديل لنظام ديمقراطي يلبي طموح الشعب الايراني. كما عكس الاهتمام في ذلك الوقت، رغبة في متابعة نموذج لثورة قد يصلح لدول عربية كانت شعوبها تتوق للتحرر من ربقة انظمتها المستبدة. ولتشابه نسبي في انه تلا اسقاط حكم ديكتاتوري استيلاء التيار الاسلامي على السلطة وهو ما يتكرر حاليا في بلدان عربية. الكتاب صدر في فترة كان فيها الاصلاحي خاتمي رئيسا يسعى لاصلاحات تلبي طموح الشباب والنساء في التحرر.

ولكن بعد تبين فشل التيار الاصلاحي لاصطدامه بالحكم المطلق للمرشد، انعكس ذلك في مقالات لاحقة للكتاب عندما اصبح الامل في انتفاضة شعبية للتغيير، تحققت في الثورة المليونية الخضراء 2009 والتي رغم فشلها فقد كانت تدريب عام لقطاعات واسعة من الشعب لانتفاضات قادمة تسقط حكم المرشد الذي اطلق عليه المتظاهرون اسم "الشيطان الاكبر".

         

6 - تيارات سياسية فلسطينية للآن مع النظام، وباعتبارك كاتباً فلسطينياً- سورياً، كيف تقرأ الوجود الفلسطيني في اللوحة السورية؟

- التياران الاساسيان السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بالاضافة لفتح ومنظمات اخرى، وسلطة حماس في قطاع غزة. الاخيرة وقفت مع الثورة السورية يحكم انتمائها للاخوان المسلمين المشاركين في الثورة السورية. في الجانب الآخر فان السلطة الفلسطينية تتبع مصالحها وتبقي على علاقة مع النظام السوري ولكنها لم تشارك في اي نشاط حسب علمي مؤيد للنظام. منظمات اليسار الفلسطيني هي الاكثر تحمسا للدفاع عن نظام تصدق انه "ممانع ومقاوم"، كجزء من يسار محلي وعالمي لا زال يؤمن بخرافة معاداته "التاريخية" لما يسميه "الامبريالية"، ترويجا لمفاهيم الحرب الباردة المنتهية الصلاحية.

فيما عدا ذلك فهناك منظمات مثل جبهة جبريل والصاعقة وغيرها منبوذة فلسطينيا بصفتها واجهات للاجهزة الامنية للنظام. لم تفترق عنه طوال مسيرتها فقد ايدت التدخل السوري ضد المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية في السبعينات. كما قاتلت الى جانب النظام في حرب المخيمات اللبنانية التي انتهت بطرد المنظمة الفلسطينية من لبنان، كما وقفت مع حزب الله في مواجهة انتفاضة الارز ضد الاحتلال السوري عام 2005 وما بعدها. فموقفها ليس جديدا في تأييد نطام هي عميلة له.  

 

7 – أوساط من المعارضة والنظام عارضت إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي فيدرالية جغرافية لا قومية. لماذا؟ ما التخوف من هذا الإعلان؟

- من الطبيعي ان ترفض كافة اوساط المعارضة اعلان الحزب الاوجلاني لفيدرالية على الاراضي التي سيطر عليها بقوة السلاح وبتسهيل وتسليم من النظام الذي يتعاون معه. ولكن بعيدا عن المظاهر الاعلامية فالاعلان يكاد يكون "زوبعة في فنجان" لم يغير شيئا على ارض الواقع فالاساس هيمنة ميليشيات الحزب المطلقة على كل ما يتعلق بالشان العام في مناطقه. وسبق ان اعلن "الادارة الذاتية" للفت النظر عند انعقاد جنيف 2 دون دعوته، كما اعلن عن "مجلس قوات سوريا الديمقراطية" عندما لم يدع لمؤتمر الرياض، لتأتي الزوبعة الاخيرة "الفيدرالية" لتجاهل دعوته لمؤتمر جنيف3. هو مجرد اعلان لم يغير شيء من هيمنة الحزب في مناطق تواجده، سوى تسميات وتشكيلات وتجمعات وهيئات واحزاب اتقن الحزب لعبة تشكيلها وابرازها كدمى تتحرك باوامره. لذلك لا داع للتحوف من الاعلان، فالفيدرالية كشكل من اشكال الحكم الذاتي اللامركزي ليست مرفوضة مبدئيا من قبل المعارضة، بل متروكة لمشروع الدستور الجديد الانتقالي او الدائم الذي يقر باستفتاء عام. فيما ان اي حزب جاد من حقه ان يدعو للفيدرالية في سوريا المستقبل، ولكن ليس من حقه فرضها بقوة السلاح دون استفتاء الشعب المرجع الوحيد. اما النظام فلن يقبل على الاطلاق بفيدرالية حقيقية بحكم انه نظام استبدادي مركزي كل السلطات فيه محصورة بيد الحاكم المطلق، وما تصريحه الخجول عن رفض اعلان الحزب سوى مناورة، لا تغير شيئا من التعاون الراهن القائم مع الحزب.

 

حاوره: عمر كوجري

 

lahayabdulhousanضمن محاولة لمعرفة ونشر انجازات وافكار علماء واساتذة العراق، تم اجراء اول حوار مع الاستاذة الكتورة لاهاي عبد الحسين في قسم الاجتماع- كلية الاداب- جامعة بغداد.

 

* الاسم الثلاثي والدرجة العلمية  

أ. دة. لاهاي عبد الحسين الدعمي  

 

* المؤلفات المنشورة والتي ستنشرمستقبلا.

كتابان منهجيان: 1. مقدمة في علم الأجتماع (2006)؛ 2. نصوص ومصطلحات إجتماعية باللغتين العربية والأنكليزية (2006).

كتاب المرأة والتنمية (2006) صادر عن دار الشؤون الثقافية، العراق وكتاب ملامح إجتماعية في أعمال عدد من الفلاسفة العرب المسلمين: الكندي، الفارابي، إبن باجة، إبن طفيل وإبن رشد

عدد من البحوث العلمية المنشورة في مجلات علمية محكمة مثل مجلة شؤون إجتماعية (الأمارات العربية المتحدة) ؛ مجلة إضافات (الجامعة الأمريكية، بيروت) ؛ مجلة نقد وتطوير (الكويت)، إبتداءاً من 1996 وحتى اليوم.

كتابان مترجمان: القومية والعرقية: وجهة نظر أنثروبولوجية (عالم المعرفة، الكويت، 2012)؛ تاريخ النظرية الأنثروبولوجية (منشورات ضفاف، 2013)؛

تحرير كتاب: علي الوردي: منظورات متنوعة بالأشتراك مع د. محمود عبد الواحد القيسي (2016)

وهناك أعمال أخرى في الطريق

 

* الجوائز الحاصلة عيها.

جائزة الفلبرايت للعمل كأستاذ مقيم في كلية دكنسون الأمريكية، ولاية بنسلفانيا، 2007

جائزة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مجال العلوم الأجتماعية، 2015

 

الحوار

* كيف بدأت رحلتك مع علم الاجتماع؟

أعجبت مثل كثير من العراقيين بكتابات علي الوردي منذ سن مبكرة فكان أنْ سعيت لدراسة علم الأجتماع رغم رغبتي بالعمل الصحفي

حصلت على البكالوريوس في علم الأجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1977

حصلت على الماجستير في علم الأجتماع من جامعة ولاية يوتا الأمريكية، 1985

حصلت على الدكتوراه في علم الأجتماع من جامعة يوتا الأمريكية، 1991

 

* هل لدراستك خارج الوطن دور كبير في تنمية امكانياتك وقابلياتك؟ ام العكس كان من الممكن ان تكوني كما انت عليه الان بدون دراستك خارج البلد.

- بالتأكيد كان للدراسة بالخارج دوراً مهماً وحاسماً إبتداءً من تعلم اللغة الأنكليزية بطلاقة ومروراً بالعيش في مجتمع مختلف والدراسة في مؤسسة أكاديمية ذات مقاييس علمية عالية وراسخة.

 

* كيف تقسمي مراحل حياتك العلمية؟ واي المراحل تعديها ناضجة وناجحة؟

- مرحلة الشباب بعد التخرج من قسم علم الأجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد والعمل صحفية في صحيفة رئيسية يومية

مرحلة الدراسة بالولايات المتحدة في الثمانينات

مرحلة العودة والعمل في قسم علم الأجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد منذ عام 1992 تخللها العمل في كلية الآداب والعلوم بالمرج التابعة لجامعة قاريونس الليبية للفترة من 1998 الى

2001

كان لكل مرحلة أهميتها ومتعتها وصعوباتها.

 

* المهام المؤكلة لك كتدريسية في قسم الاجتماع.

- تدريسية ومشرفة على مستوى الدراسات الأولية والعليا في علم الأجتماع

 

* هل من حق الاستاذ الجامعي ان يرفع صوته عاليا ضد العنف والفساد والظلم؟ ام ان دوره ينحصر في التدريس والحياة الاكاديمية؟

- ليس من حقه فقط وإنّما من واجبه لأنّه يفترض أنْ يكون مهتماً بالشأن العام ومشاركاً فيه

 

* لو اعطيت زمام الامور في منهجة وتعديل الاختصاصات فأين سيكون موقع علم الاجتماع من ذلك؟

- أضع علم الأجتماع في مقدمة العلوم الأنسانية مع التأكيد على الأهتمام بدعم الدراسات الميدانية والتشديد في فرض المقاييس العلمية المهنية المتعارف عليها.

 

* ما هو رأي حضرتك بالاحتجاجات المتواصلة للتيار المدني وألية الظهور والاختفاء للتيار الصدري وجمهوره في التظاهرات الحالية؟

- أقف موقفاً حيادياً وأراقب المشهد راجية أنْ تلقى الأحتجاجات الشعبية آذاناً صاغية لأنّها تطالب بالمشروع

 

* ما مقدار التفاؤل الذي تحمليه عن مستوى الطالب الجامعي وطموحاته المستقبلية؟

- أعتقد أنّ المشكلة ليست في الطالب وإنّما بمستوى تأهيل الملاكات التدريسية والمؤسسة الأكاديمية التي يفترض أن تحافظ على مهنيتها وإستقلاليتها عن المؤسسة السياسية والدينية

 

* كيف تقضي وقت الفراغ؟ وهل انت مع التخطيط لكل شيء ؟

- أقضي وقتي بالكتابة في مشروعاتي العلمية الى جانب تأدية واجباتي العلمية الأخرى على صعيد الأشراف والتقويم الفردي والمؤسسي

 

* هل هناك شخص اثر ايجابا في مسيرتك الشخصية والعلمية؟

- (Lee L. Bean) أبي رحمه الله وأستاذي لمرحلة الدكتوراه

وزوجي الراحل السيد عبد الحميد الصافي.

 

حواروترجمة: فوزية موسى غانم

................................

 

الحوار باللغة الانكليزية

 

A Professor and Society

Written and translated by Fawziya Mousa Ghanim

 In an attempt to know and spread the accomplishments and ideas of Iraqi scientists and professors. The first dialogue has been done with Prof. Dr، Lahay Abd Al- Hussein Al- Damai

* Full Name: Dr. Lahay Abd Al- Hussein Al- Damai

 

* The published and unpublished works:

 

1- Two curriculum books Introduction to Sociology (2006)

2- Social Texts and Terms in Arabic and English language (2006)

Woman and Development (2016)

Social Characteristics in the Works of Many Arabic Islamic Philosophers : Al- Kandai، Al- Farabi، Ibin Baja، Ibin Rashid.

Some of published Scientific Researches in firmed scientific magazines as the Magazine of Social Affairs(AUE)، the Magazine of Adhafat (American University- Beirut ) ، Magazine of Criticism and Development(Kuwait) ، beginning from 1996 till now.

  Two translated books; Ethnicity and Nationalism: Anthropological Perspectives (2012)، and the History of Anthropological Theory (2013)

Editing book: Ali Al- Wardi : Various Perspectives ، sharing with Dr. Mahmoud Abdul Wahad Al- Qassyi(2016)

 

* The Awards:

The award of Fulbright as a resident professor in the College of Dickinson at Pennsylvania ، 2007.

The award of The Ministry of Higher Education and Scientific Research in the field of social sciences 2015.

 

* How did you start your journey with sociology?

 

 As most of Iraqi people I admired the works of Ali Al- Wardi since early time ،so as I chose to study sociology in spite of my wish to work in journalism field.

 Got the B.A. sociology ، College of Arts (1977)

 M.A. Sociology ، the University of Utah(1985)

Ph.D. sociology ، the University of Utah (1991)

 

 

* Did the study abroad become the source of developing your abilities and capabilities ?or you could be as you now without going abroad?

 

 Definitely، the study abroad had a crucial role ، beginning with learning English language ، lived in a different society and studied in a highly stander college.

 

* How do you divide the stage of your scientific life? and which of these is the mature and successful one?

 

- The stage of youth after the graduation from the department of sociology، college of Arts ، Baghdad university ،and worked as a journalist in a daily journal.

- The stage of study at the United State of America in the eighties.

- The stage of return to home and working at the college of Arts ، department of sociology since 1992. Each stage had its importance، pleasant and difficulties.

 

  * What are the responsibilities that you have in the department of sociology?.

 

A Teacher and supervisor  of the undergraduate students، and the students in higher education.

* Does  a professor or a teacher have the right to high his/her voice against corruption and oppression ? or she/he should concern with the academic life only?

 

  It doesn’t a right only but a duty ، because the teacher should be interested in the public affairs.

 

* If you have a chance to articulate the educational curriculum and fields of study، where will you put the sociology and why?

 

  I will put it in the beginning of the human sciences with focusing on and supporting the field studies and adapting the scientific standers .

 

* What is your opinion about the protest and demonstrations of Civil Movement and the technique of appearing and disappearing Al- Sadr Movement and his followers?

 

  I am neutral towards the scene and hoping that the popular protests can achieve their goals.

 

* What is the rate of hope that you have towards the level of student ' s university and his/her future ambitions?

 

 I think the problem isn't the student's problem ،but it is the problem of the qualification level of our teaching staffs and academic institutions. I think they should be independent from the religious and political institutions.

* How do you spend the free time ? and are you with planning for everything ?

 

  I spend my time in writing my scientific projects and my other duties in supervising and evaluating.

 

* Is there a person who has a positive effect on your personal and scientific life ?

My father mercy be upon his soul، my teacher in PhD stage Lee L. Bean، and my dead husband Abd Al- Hameed Al- Safaa.

 

bushra albustaniيمكنني القول أن من يجالس الدكتورة بشرى البستاني فكأنه جالسَ مكتبة، ويمكنني القول أن من يجالسها يشعر وكأنه أمام امرأة قوية، أو أمام امرأة جميلة ورقيقة، أو أمام فيلسوف محنك، أو حكيم صيني كبير.

هكذا هي كما عرفتها منذ أن كنت طالباً في الماجستير سنة 1996م. كنت أحضر مناقشات رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه التي كانت تترأسها، كنت أتابع أسئلتها. تعلمت منها الكثير.

كانت إحدى أعضاء لجنة مناقشة أطروحتي الصراع في مسرحيات عبد الرحمن الشرقاوي سنة 2003م. أثارت أسئلتها في نفسي الفضول أن أقترب من منجزها الإبداعي أكثر، اطلعت على دواوينها، كانت العناوين تثير في نفسي جدلاً وفضولاً يدفعني للولوج إلى أعماق النص.

جالست تلك الدواوين ما بعد الحزن» أنا والأسوار» زهر الحدائق» البحر يصطاد الضفاف» مكابدات الشجر فكنت أشعر وكأني أخوض في بحرٍ من الأحاسيس تارة، أو كأني أقرأ حكايةً تارة أخرى، أو كأني أمام بنية نصية عميقة تارة ثالثة، أو أمام نص عصيٍّ زلق……..، وهكذا تعددت عندي قراءتي لها في كل مرة. أثارت عندي الفضول، أردت أن أعرف هل هي امرأة قوية؟ أم امرأة رقيقة؟ أم فيلسوف؟ أم حكيم كبير؟

أعددت لها أسئلتي، لأدخل معها محنة النص ولأعرف منها مَن أنتج الآخر.

 

1ــ من هي بشرى البستاني؟

- إنسانة مهمومة بالظلم السائد في العالم، ومذبوحة بحضارة مادية اعتدت على روح الإنسان، وحرمته أبسط أمانيه في العيش الآمن، وفي توفير متطلبات حياته الأساسية ليتمكن من تحفيز أقصى طاقاته كي يحقق ما يبغي من منجزات قيمه الخيرة، وزادت بأن أهدرت دمه عبر حروب ظالمة لا نهاية لها.

 

2ــ هل أنت أنتجت الشِعرَ أم أن الشِعرَ أنتجك..؟

- أنا أنتجت الشعر بهبة ولدت معي وجهد وسهر لا يحدهما وصف لأسباب فنية نقدية لا مجال للحديث عنها هنا، أسباب يعرفها كل شاعر حق يجيد اللعب باللغة ومعها ويدرك مراميها، المبدع هو من ينتج الشعر، وسيلته الفاعلة في ذلك الموهبة واللغة المنحرفة والمنزاحة عن المعيار، تلك اللغة التي يبدعها خياله الموهوب وجهده المعرفي القادر على التحليل والتركيب والدمج من خلال تقانات عدة تعتمد الترميز بكل أنواعه، وفي إنجاز عملية الإبداع تتم معادلة تعتمد التوازن بين الطرفين حيث يكون الشاعر منتج الشعر والشعرُ منتج الشاعر من جديد لأنه سيقدمه للقارئ من خلال نصوصه وتأويلاتها، أما الذين يرون أن الفضل في عملية الإبداع للغة وحدها لأنها هي التي تشكل الكتابة وما المبدع إلا قناة تمر عبره اللغة الشعرية فتلك رؤية سلبية للدور الذي يقوم به المبدع في عملية الإبداع من كونه فضاءً تمر عبره الكتابة كما ادعى كلود ليفي شتراوس الذي عدَّ المبدع لا يمتلك الشعور بأنه يكتب، بل يمتلك شعورا بان الكتب تكتب من خلاله، وتلك هي المعضلة التي كمنت وراء إشكالية موت المؤلف، وهؤلاء يتناسون قضية مهمة هي أن الوعي والمشاعر الإنسانية وهما يشكلان الفنون ما هما إلا الإنسان المبدع ورؤاه ومكابداته، وأنه هو الذي يفعّل اللغة ويشكلها ويرقى بها ويهيمن على تقنية التناص فيها لتكون اللغة الأدبية ليس وسيلة حسب، بل هي غاية أهم وظائفها إنتاج الجمال مندمجا بالقيمة.

 

الطغاة لصوص العالم

3ــ وجدت الفارس يحتل مساحة واسعة في شعرك، من هو الفارس..؟

- الفارس يعيش تحولات شتى في القصيدة حسب قراءاتها وأفق التوقع لقرائها، فهو على الأغلب المخلص والخلاص، وهو الوطن وأخرى هو الملاذ، وثالثة هو الحبيب ورابعة هو الحلم الذي تفعله الإرادة ما بين الرغبة وبؤس الواقع، والإرادة تلك النار الأزلية التي تمتلك القدرة على تفعيل روح الطاقة الإنسانية ليتحول المأمول الغائب والمفتقد إلى واقع، وعليه فإن كل رمز من رموز الشعر لا يمكن إدراجه في خانة دلالية ثابتة، لأن الرمز بطبعه متحول ومشاغب ومشوش معا ما تعددت القراءات، وغموضه وتشويشه يمنح الشعر بعده الأعمق والأرقى، ولذلك كان حضوره في الشعر يعني الغنى والثراء ويمنح النص مستويات تفتح له على العالم والوجود نوافذ شتى وأبوابا ومسارات تتيح للقارئ البحث عن المعنى الذي هو مهمة الآداب والفنون الجوهرية.

 

4ــ متى تشعرين بالقهر..؟

- شعوري بالقهر دائم كلما أحسست بالقسر الذي يمارس ضد الإنسان في كل مكان، وكلما رأيت ذبح ووجع المستضعفين وحاجتهم وفقرهم ومرضهم وحرمانهم من التعليم والمعارف بينما وكلما رأيت عذاب الطفولة البريئة وهي تفتقد الأمان والسلام والكفاية، بينا الأرض تزخر بخيرات الله، لكن الطغاة سخروا قواهم الظالمة لسرقتها ونهب كنوزها، ولو كانت أجساد الأبرياء لهم طريقا لذلك الهدف الشرير.

 

5ــ هل بدد الشعر قهرك..؟

- نعم، الشعر والفنون كلها وسيلة مهمة من وسائل تبديد حجم لا بأس به من القهر والعذاب لدى الطرفين، الشاعرة من جهة والمتلقي الذي يتمكن من معايشة تجربة الإبداع، وقد قلت في جواب سابق لهذا الحوار، أن هناك قصائد لولا كتابتها لذبحني العذاب؛ لأنها تمكنت من تحويل النار الداخلية إلى كتل لغوية فيما أطلق عليه اليوت المعادل الموضوعي؛ ولذلك أعدُّ الفنون بأنواعها هبة من هبات السماء للإنسان كي تخفف عنه مكابدة الحياة وشقاء عصر منح الإنسانية الكثير من التقدم لكنه انتزعها أهم مقومات حياتها في الشعور بالطمأنينة والفرح والانتماء ..

 

6ــ متى تشعرين بالسعادة..؟

- كثيرا ما تقترن السعادة لدي بالانجاز، ولذلك أعدُّ نفسي محظوظة في كثير من اللحظات التي أرى فيها منجزي متحققا على المستويات كافة إنسانية وإبداعية ومعرفية، وأشعر بالسعادة حينما أحس بفرح من حولي ورضاهم، فالسعادة شعور بالرضى وإحساس بالاعتزاز وثقة بطاقة الروح على العطاء، ويقين بأن الزمن لا يجري في فراغ، ولذلك كان علينا أن نفكر بتخطيط مدروس كي نحول زمننا من زمن تقليدي يجري بانسيابية الليل والنهار إلى زمن إبداعي تملؤه الوقائع الخلاقة وإرادة الفعل.

 

7ــ ماذا يعني الأمل لديك..؟

- الأفق الحياتي أمامنا يتجلى بنوعين، أفق مغلق هو اليأس والسواد أو الرمادي في أحسن الأحوال، وأفق مفتوح هو الأمل الحركي المتوهج بإشراقه، الأمل طريق الفعل، والفعل منجَز الحياة ومنتِجُها معا، الأمل هو الغد بكل تفاصيله المشرقة، وأنا لا أتهيأ للنوم إلا ومعي حزمة من الآمال وحلم بأن الغد سيكون أفضل مهما كان الواقع شديد العتمة، فمادام الزمن يجري فإن الوقائع تتغير، وأظل بانتظار المستحيل الممكن، وبانتظار المفاجأة التي تنهض بالبعيد مؤمنة بقوله تعالى {إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا}…المعارج، 6 7

 

8ــ من هي الأنثى..؟

- الأنثى منجبة الحياة، ولذلك فهي مخلوقة قوية بهية بالغة الذكاء ونتيجة لقوتها النفسية وتماسكها الداخلي فهي مؤثرة مضحية تمتلك شجاعة مبهرة على العطاء والاحتواء، احتواء حتى من هم أكبر منها سنا من الرجال، فالأمومة لديها ليست بيولوجية فحسب، بل هي شعور أصيل نابع من طبيعتها الفطرية في القدرة على تشكيل الفرح للآخرين، وإذا كان الظلم التاريخي الذي مورس عليها قد حد من تمكين طاقاتها على التحقق فإنها بالعلم والمعرفة اليوم قادرة على تعويض ما فاتها، وسيرى الرجل أن عطاءها سيكون ثرا في الميادين كلها، وأنها مؤازرة له وليست منافسة ولا مصارعة، لأنهما معا من أروع الثنائيات الأساسية المؤتلفة في الحياة.

 

9ــ ما الذي يعنيه الحب بالنسبة لك..؟

- الحب بكل ألوانه وأشكاله وتمثلاته هو الخلاص من عزلة الروح وسجن الجسد، خلاص من الواحدية الخانقة ومن الانكفاء وذبول النفس في كون غامض كبير ومعقد، ووسط عصر يختنق بإيديولوجيات متناقضة ملأت الحياة بالضوضاء والفوضى وقتلت روح الإنسان. وهو انفتاح على الآخر في حوارية حميمة، الحب وحده علاج الاغتراب وانطواء الذات على ذاتها؛ كونها تعيش مع الآخر لحظة الحرية التي تقول فيها ما لا يمكن أن تقوله إلا لذاتها وقد صارت آخر محبوبا في نقاء وصفاء فريدين، الحب مصدر فرح وقوة واقتدار؛ لأنه أرقى مظاهر الإبداع في القدرة على مغادرة الذات والتحرر من أسر القيد والكيد، الحب إبداع؛ لأنه يرفض الاشتغال داخل معايير الجماعة ورتابة زمنها وقوانينها النفعية؛ فهو يتسم بمنطقه الخاص وقوانينه التي لا تنبع إلا من صميمه ومن تفتح الحرية الداخلية التي تمنح الإنسان كرامة روحه ليمتاز عن رتابة الجموع وعن السائد والمعتاد الزاحف نحو مصيره المحتوم في موت بلا أثر. إن الحياة بحب حتى لو كان متوهما لهي خير وأروع من حالة اللا حب السكونية؛ لأن الأولى فاعلة، منحازة ومنجزة بينما الثانية هامدة ومحايدة وتقليدية رتيبة.

 

دور الاسرة

10ــ هل شعرت بالإحباط يوما ما..؟

- لم أذكر أني شعرت بالإحباط ولا مرارة الفشل يوما، ليس لأني امرأة فولاذية كما يُقال فلا وجود لإنسان فولاذي ما دامت المشاعر هي المحرك لجوانب متعددة من حياته، بل لأني أدرك أن الحياة سلسلة من التجارب وعلينا أن نعي وعيا علميا وإيجابيا أنه من غير الممكن أن تكون كل التجارب ناجحة وملهمة وكما نريد وإلا كنا آلهة وليس بشرا، ولما كنا بشرا واعين فعلينا أن نفيد جيدا من التجارب التي لم تستطع أن تدرك التوفيق المطلوب، كما علينا ألا نضع كل المسؤولية في غياب نجاح ما على الآخرين مبرئين أنفسنا، لأن هذه الحالة فيها نوع من الهروب وابتعاد عن تأمل التجربة الدقيق والفاحص وتغييب لدرس التجربة وأسباب سلبيتها البالغة الأهمية في العمل على معالجتها ومقاومة أسبابها من أجل العبور للنجاح .

 

11ــ ما هي الخصال التي تحبين أن تجديها في الصديق؟

- وعي القيم وأهميتها في ترصين الحياة هو أهم الخصال التي لو توفرت بالإنسان لكفته فضيلة وصدقا وحبا ووفاء، القيم هي الصفات التي تحمل مزاياها بذاتها وليس بالمصالح والذرائع التي تنجم عنها، ولذلك كان الإيمان بها جديرا باحتواء رصانة العلاقات الإنسانية كلها..

 

12ــ من ترك في حياتك بصمته اجتماعية، ثقافية، عاطفية….؟

- لعل من الغبن للكل أن نعزو بصمة حياتنا لجزء واحد منفرد من الحياة بكل موروثها وعطاءاتها وتجاربها، فنحن نولد وحولنا كون كبير أوله الأسرة ودورها التأسيسي المهم، فالمدرسة، فالكتب والمجتمع والعالم، كون يحيط بنا ويضخ إلينا ويعلمنا بوسائل مباشرة وغير مباشرة معارف وتجارب شتى تترك فينا آثارها من الطفولة المبكرة حتى الموت. أما الحدث الأكبر الذي أعده أداة تشويه في حياتي وحياة شعبي وأمتي وحياة الإنسانية جمعاء فقد كان الحرب، الحرب هي الإكراه، إكراه من أمامك على اعتناق رؤيتك قسرا وقهرا وهي تنشب حين يفشل الحوار الذي يُديره العقل والفكر، والذي أعدّه ماء الحياة وضرورتها الإنسانية، الحرب كارثة الإنسانية الكبرى وقاهرة أحلامها. الحرب قاتلة الأبرياء ومروعة الطفولة وذابحة الجمال، الحرب هادمة البنيان والمدن ومخربة الطبيعة المعطاء ونافثة السم في الماء الزلال، ولن يكون للإنسان حياة محترمة إلا بزوال هذا الشبح الهدام ليكون احترام الحياة حقيقة تُعاش وليس كلاما سُلعيا يُقال كسبا للمواقف الذرائعية العابرة .

 

هاجس الموت

13ــ الكل يبحث عن الصدق ولكنهم في تعاملهم لا يصدقون، فهل هذه العبارة صحيحة..؟

- لا يمكن الحكم على القيمة بهذا الشكل العمومي، الأدق باعتقادي ألا ترتبط القيم بالمصالح الشخصية لأنها حال ارتباطها بالذريعة ستكون نسبية، وسيقيسها كلٌّ على مقاسه وحسب ما يجنيه من فوائد، القيم الأصيلة كما أسلفت في جواب سابق هي الناهضة بذاتها فالصدق قيمة بذاته حتى لو تعارض ومصلحتي، قد يبدو هذا الكلام مثاليا في مجتمع المصلحة ولكنه حقيقي في مقياس القيم السامية، وحينها سترتبط القيم بالجمال، بل بأسمى قيم الجمال لما فيها من رقي وسمو ورفعة وحب للإنسان والبناء والعمل من أجل حياة أفضل .

 

14ــ أينما نصل في التعلم، فإننا لا نشعر بتحقيق ذاتنا..؟

- الإنسان مفطور على القصور من أجل أن يبقى ساعيا نحو الاكتمال. فتحقيق الذات لا يكون دفعة واحدة ولن يكون كاملا أبدا وهذه سنة الحياة، وهي سنة التطور القائم على نمو الشخصية الإنسانية بالمعارف والتجارب والأحداث والوقائع على مر الزمن، والناجح الحقيقي هو وحده الذي يجد نفسه بحاجة للمعرفة كلما نهل منها أكثر، لأن الوعي يظل في جدل دائم مع المعارف يتسع بها مدركا سعة مداها، ولذلك يسعى للمزيد لعله يصل مبتغاه، والإنسان عالمٌ ما طلب العلم فإن ظن أنه علم فقد جهل؛ ولذلك كان حديث الرسول الكريم منسجما والتكليف الذي أنيط به بنو آدم في الاستخلاف على الأرض حين فتح فضاء العلم من المهد إلى اللحد ليظل الإنسان مواكبا لضرورة تطور الحياة، وكلما أدرك العالِمُ عظمة الكون وغموضه وما يحيط به من أسرار وعجائب في الخلق ازداد طلبا للعلم من أجل الكشف . ألّا نشعر بتحقيق ذواتنا يعني أننا واعون بأهمية الاستمرار في طريق المعرفة، وأننا سائرون في طريق التطور الدائم، لأننا سنتوقف حين نشعر بالرضى عن معارفنا، وذلك هو الخطر والعقم بعينه.

 

15ــ كيف تتعاملين مع آخر لديه شعور بالنقص مفروض عليك..؟

- نحن جميعا نقابل في مشوار الحياة ألوانا شتى من الأمزجة، وأناسا مختلفي الطبائع والمشاعر والفضائل والعيوب، والقاعدة النبيلة أن يتسع القلب الكبير لكل من يرى وما يرى وان يتسع العالِم للجاهل والقوي للضعيف والمتماسك شخصيةً لغير المتماسك، ولكل مقام مقال، المهم أن نكون واعين لأهمية تبادل الأدوار في الحياة، وأن نسارع للنهوض ببعضنا من حالات الضعف الإنساني الذي فُطرنا عليه، لا بل علينا احترام هذا الضعف ما دام مقدرا على البشرية وخلق الإنسان ضعيفا.. النساء، 28 وهذا الضعف لا يتركز في جانب معين، بل قد يبدو لدى كل إنسان في جانب أو جوانب مختلفة عما هو لدى الآخرين، فهو شعور بالنقص مرة، وانكفاء أخرى، وتضخم بالذات ثالثة، واغتراب رابعة وأنواع من الاكتئاب والمكابدات مرات.

 

16ــ قرأت في موقعك مقولة الشعر أولا وأولا وأولا، فأين يكمن الشعر في عملك الأكاديمي..؟

- الشعرية انزياح عن التقليد وخروج على المألوف والاعتيادي، وشعرية الأكاديمية لا تكون إلا كذلك، إنها الحركية الفاعلة التي تنتج طلبة يتساءلون وباحثين جيدين وبحوثا مبدعة، والتي تعتمد الحوارية لا التلقين والاستسلام، ولاسيما في التعامل مع التراث من جهة ومع الفكر والمناهج والنظريات الوافدة من الغرب من جهة أخرى. 17ــ لو قدر لك وتقلدت مقاليد الأمور في العراق فما هي أولويات عملك.؟

مع أني مؤمنة بأن الشرط هنا غير عامل، وأن لو هي حرف امتناع لامتناع، إلا أنه لو حصل مثل هذا الأمر المستحيل لقمت بالعمل الوحيد الذي سيحتوي كل ما سواه من خير وبناء، وهو تشريع قانون لمحو الحقد والكراهية والعمل على درء العداوات ومنع رصد الأخطاء والحث على إزاحة الشرور بكل أنواعها لإحلال الحب والتسامح وروح الإخاء والمودة ونثر الورد في الحياة والانتماء للعراق الجميل وطنا وشعبا بدل الانتماءات الطائفية والعرقية الضيقة فالمجتمعات المتقدمة هي تلك التي تقودها الكفاءات المخلصة والأمينة والخبرات الجادة وليس المحاصصات المشينة والمنهمكة بنهب وسرقة وتوزيع ثروات وطنها غنائم يندى لها الجبين، فالسياسة علم وفن واحتواء وقدرة على خلق الانسجامات ودعوة للتكيف، وفن في مغادرة الإكراهات وحل الأزمة بالأزمة، لأن معالجة الأزمة بالأزمة سيعمل على خلق أزمات جديدة، لكن ابتكار حلول الأزمة بروح التأني والمحبة والحرص على حياة الجميع سيخلق مجتمعا نبيلا مهيئا للبناء وتوفير الأمن والاستقرار وروح العدل والحرص على حقوق الإنسان.

 

18ــ هناك مقولة مفادها من منا ينام ولا يروي لنفسه حكاية. فما هي حكاياتك قبل النوم.؟

- لا حكاية لي قبل النوم غير الصفاء والدعاء والنجوى والاستعداد لرحلة مجهولة قد أنهض منها صباحا وقد لا يأتي الصباح، أما الحكايا الجادة فقد أنجزتها جميعا خلال نهار مثابر بالعمل والمتابعة.

 

19ــ هل داهمك هاجس الموت مرة؟

- هذا هو سؤال الأسئلة، نعم، فكرة الموت معي منذ طفولتي المبكرة وحتى يحين موعده، الموت معي دوما وأنا في عزّ صحتي ونشاطي وفاعليتي المعرفية والإبداعية والحمد لله، الموت كامن وراء قراءتي وكتابتي ومحاضرتي وحلي وترحالي، ولذلك تجدني رهينة البيت أسابق عملي حتى لا أترك لأفراد أسرتي عبء إكمال عمل لم أنجزه، وهذا الشعور بمداهمة الموت لا يزعجني، بل يحفزني على التواصل مع الحياة أكثر وأكثر، لكن الموت يرعبني من طرف آخر هو خوفي من الموت على من أحب، وتلك إشكالية لم أستطع تجاوزها بالرغم من مشوار الوعي والإيمان والمعرفة والخبرة، فالغياب وعذاباته واحد من أهم المعضلات التي أعيشها بأرقٍ ومعاناة ولعل لذلك أسبابا ومسببات

 

حاورها أحمد قتيبه يونس - الموصل

 

afrouprazyأفرو برازي، أديبة كردستانية معرفية، عضوة في تجمع الحب وجود والوجود معرفة، ولدت في مدينة المقاومة كوباني، غرب كردستان (سوريا)  15 نوفمبر 1990، درست الأدب العربي لكن لم تتمكن من إكمال دراستها بسبب ظروف الحرب واللجوء، وهنا توجز ذاتها في سطور قائلة :(قادمة من بيئة كردية محافظة نوعاً ما، أؤمن بمقولة ماركيز : " إنّ البشر لا يولدون دوماً يوم تلدهم أمهاتهم، وإنّما تجبرهم الحياة على ولادة أنفسهم بأنفسهم ثانيةً، ولمرّاتٍ عديدة " ولذا ولدتني أمي مرة وولدتني الحياة مرة ثم استلمتُ دفّة إنجابي بيدي فبدأتُ بولادة نفسي كما أريد  وبمخاضٍ أكثر من عسير عكس المجتمع الذي أنسب إليه تماماً)

نشرت بعض قصائدها ومقالاتها في مواقع الكترونية وصحف دورية محلية، وفي تاريخ 17- آذار - 2016 كان لنا معها هذا الحوار :

*الأديبة المعرفية أفرو برازي نرحب بك في حوارنا هذا معك، ونود أن نتحيز الوقت لحوار هادئ وعميق،

ونبدأ  من هذا السؤال:

1- ما جدوى الكتابة ولمن نكتب؟، أهي كما قالت مستغانمي ، وسيلة لدفن من نود دفنهم وذلك بالكتابة عنهم، أم أن لها وظيفة تتجاوز الرغبة بمجرد أن تكون تنفيساً عن خيبات وأوجاع؟؟

- في الواقع مصطلح (ما جدوى) لم يرقني كثيراً، إذ أنّها ربّما توحي بتصغير الكلمة التي تليها، والتي هي (الكتابة) . حقيقةً ،أنا ممّن يمتلكون عادةً أكثر من إجابة لسؤالٍ واحد، وهذا إنّما ينجم عن انطلاقي في الأمور من مبدأ النّظر إليها قدر المستطاع من زوايا متعددة بغية الوصول للحقائق المعتّقة، تلك الأكثر قرباً من الأصح . قد يوحي التضارب أحياناً في الإجابات إلى التناقض في شخصيّة المتكلّم، إلّا أنّ هذا التضارب ما هو إلّا خادم مقصود لفكرة " الضد لا يظهر جماله إلّا الضد "، فللشرّ عندي مثلاً جماليّة حين يكون الخير مزيّفاً، بينما يتهافت الأغلبية للتصفيق للخير دون المحاولة للنظر إليه من زاويةٍ أخرى، ولأدمج ماسبق مع سؤالك : لمن نكتب؟ فإنّي بدوري أسألني أيضاً (لمن نكتب، ولمَ نكتب)؟ كما تفضّلت حضرتك في أنّ مستغانمي وصفت الكتابة بوسيلة لدفن من نودّ دفنهم بالكتابة عنهم، فإنّ حادثةً لبرناردشو استفزّتني هنا حيث أنّ أحد الكتّاب المغرورين قال له : أنا أفضل منك، فإنّك تكتب بحثاً عن المال وأنا أكتب بحثاً عن الشرف، فردّ برناردشو فوراً : صدقت، كل منا يبحث عما ينقصه . من هنا نطلّ على السؤال من زاويتين عبر إجابتين . لنقل أنّ أحلام كتبت عن مقارباتها الأدبيّة حيث لكل منّا مقارباته الذاتية ورؤية مختلفة من شخص لآخر، ما أودّ الوصول إليه أن هنالك فارق معرفي وزمني بين جيلٍ وآخر، وكلٌّ يمتاز بإسلوبٍ خاص . في الكتابة باب الأسباب (لمَ نكتب) والأشخاص والأشياء (لمن نكتب) مفتوحٌ على مصراعيه على كافة الاحتمالات، نكتب خيبةً، نكتب وجعاً، فرحاً، تنفيساً، بحثاً عن نقصٍ ما، إصلاحاً، دق مسمار في عرش شيءٍ ما، دفن شيء ربما، ولادة شيء، لكن دعونا لا نغفل عن أهم ما نكتب لأجله، إذ بدونه تغدو الأوراق عقيمة، ميّتة، وهو أنّ هنالك من يريد أن يقرأ، من يريد أن يسافر في كتاب أو قصيدة، من يريد أن يعرف، من يريد أن يتعلّم، من يريد أن يحسّ بوجوده، الكتابة وجود من نوعٍ آخر .

 

2- الزواج كمؤسسة اجتماعية لها جذورها التاريخية التي تشرعن الملكية بعقد بموجبه يتم العيش، كيف يتأقلم ذلك مع نفسية الزوج المبدع، أو الزوجة المبدعة، هل ستكون مخيرة بين رعاية تلك المؤسسة ونسيان الأدب ومخلفاته من عصيان وخروج عن المألوف، لعل الزواج يكون أحد المألوف المقدس، كيف يمكن التوفيق إن صح التعبير بين مؤسسة اجتماعية وأدب يحاول أن ينوب عن كل حالة مترسخة بحكم التقاليد والأعراف؟، وأي الخيار تختارين إن وجدت المؤسسة الزوجية  تقف عائقاً أمام أفكارك الخارجة عنها؟

2- الجواب على سؤالٍ كهذا لربّما يشطرني إلى نصفين، نصف يتحدث عمّا أراه أنا، ونصف يتحدث عمّا عليّ أن أكون عليه نسبةً للمعايير الأخلاقيّة التي سنّها المجتمع . أنا أتفق مع شكسبير حين قال : " أصعب معركة في حياتك عندما يدفعك الناس إلى أن تكون شخصاً آخر " . للأسف دوماً يُلبِسنا المجتمع ثوباً ليس على قياس ما نحن عليه بالفعل، أنا لن أقول أنّ الزواج مؤسسة اجتماعيّة فاشلة، إنّما الزواج في المجتمع الشرقي هو المؤسسة الفاشلة نظراً لأساس تلك المؤسسة . لن أدخل في إطار مناقشة الزواج بكليّته ترفّعاً عن الخلاف الأزلي الكاذب المدسوس بين آدم وحواء، ما يخصّني هنا هو الأديب والأديبة المتزوجين . واحدٌ من أهمّ عناصر الكتابة هو حريّة التعبير، أنا أرى أنّه في حال وجود شريك في حياة الكاتب أو الكاتبة فإنّ عليه أن يتمتّع بحسّ التقبّل والوعي بمدارك الكتابة والحالة الخاصة لروح الكاتب/ة، على سبيل المثال نرى الأديبة المتزوجة إمّا نادرة الكتابة عن الحبّ أو متّهمة إن كتبت عنه، ناهيك عمّا يلقيه المجتمع من قوانين صارمة غير قابلة للنقاش . واقعنا ليس مثاليّاً وليس عادلاً ولذا ليس بمقدورنا إضفاء جرعات من الألوان البرّاقة لنخفي الحقيقة المخيّبة، وجه مجتمعنا قبيح وفريق من أطباء الفكر لا يقوى على تجميله . كثيراً ما أواجه الأسئلة عمّا إن كنت متزوجة أم لا وإجابتي تأتي دوماً بقولي : الزواج هو المصيبة الوحيدة التي تمكنت من النجاة منها من جملة المصائب الأخرى التي لحقت ولاتزال تلحق بي في هذا المجتمع، مجرّد التفكير في الاختيار ما بين الفكر والمؤسسة الاجتماعية المتمثلة بالزواج محال، لو كنت سأختار لكنت متزوجة منذ سنوات، لقد جسّدت هذه الحالة بتجربة واقعيّة وذلك بوقوفي في وجه بيت عمي ما يفوق الثلاث سنوات، حيث كنت أعاني من تلك الحالة المترسخة في مجتمعي والمتمثلة بتمنّع ابن العم لابنة عمّه، وصلت لأعلى حالات المعاناة، سمعت الكثير من الكلام، لم أستسلم لحظة، وما أدراكم ماذا يعني هذا ضمن أوساط المجتمع. إن حدث وقررت الزواج فإنّي سأبحث عن عريس في المصح العقلي ربّما، وحدهم المجانين تمكنوا من غسل أوساخ العرف والتقليد والعادة، رجلٌ يقف عائقاً في وجه أفكاري سأركله كائناً من كان ومهما كان ثمن ذلك . وأركّز مرّة أخرى على خروجي عن أي عادة أو عرف لكن فيما يتعلّق بالأخلاق فإنّي ملتزمة بها .

 

3- ما الرجل في فكر أفرو برازي، أهو الهرم الذي في الخيال يسكن حيث ذلك البرج الذي لم يرتقي لصعوده أحد بعد، أم إنه ذلك الإرث المتراكم من ويلات الشهقات المتعبة، حديث الشجون والعتاب في نظرك؟

- قبل الآن ذكرتُ مرّة بأنّني أتمنّى أن تنجب النساء سلالة جديدة من الرجال، رجالاً على شكل عطفٍ وحنان (أباً كان أم أخاً، حبيباً أو ابناً) فقد جفّت تربتنا، وقد يظهر رجلٌ يقول لي : وأنا أتمنّى أن يتمّ إنجاب سلالة جديدة من النساء (حسب ما يعتقد أنّه يحتاجه)، هذا يعني أنّنا بالفعل بحاجة لتحسين طبيعة الرجل والمرأة على حدٍّ سواء . في الحقيقة أرى المرأة امتداداً للرجل والرجل امتداداً للمرأة، وأنكر تماماً قصة الخلق التي لم تعمل سوى على بثّ الخلاف ما بين الجنسين منذ الأزل وإلى الآن . ليس لي أيّ مشكلة مع الرجل، مشكلتي مع المجتمع، هذا الأمر يضعنا جميعاً تحت المجهر ويحمل المرأة والرجل معاً مسؤوليّة تحسين المجتمع . الرجل قصيدة لربّما مؤلمة أو مفرحة كما أنا، الرجل رواية كما أنا، حياة كما أنا، الرجل أنا، لكن هذا الرجل الذي أتحدث عنه هو ذاك الذي استطاع غسل نفسه من أساطير المجتمع المقيتة .

 

4- في لغتك إسهاب قصصي جميل، مع شاعرية واضحة، ماالرواية التي تستحق أن يُكتب عنها برأيك في هذا الزمن، ماذا تحتاج المرأة الأديبة للكتابة عنه برأيك حسب عالمها الشرقي، وأضف إلى ذلك إحساس المرأة في زمن الحرب والمنفى؟

- ليس لي صلةٌ مع الفرح ولذا إن قلت بأنّنا في زمنٍ يعجّ بالمعاناة والفوضى نحتاج أن نكتب عن الفرح فإنّي لن أكون صادقةً معك . هنا تتُرك الإجابة لمن يُكتَب لهم، للقرّاء، في زمنٍ أُهينت فيه الإنسانيّة هل يحتاجون لمسكنّات فكرّية، كأن يقرؤوا رواية أو قصيدة ملأى بالفرح، بالخيال، بالأساطير، أم أنّ القارئ يحتاج لتعتيق آلامه في كتاب؟ أيبحث عن الغرابة؟ أيسعى خلف جماليّات اللغة وزركشتها بعيداً عن الموضوع؟ أيفتقر للحبّ فيلاحقه بين دفتي كلام؟ أما ما تحتاجه المرأة الأديبة للكتابة عنه حسب عالمها الشرقي فإنّ الحاجة أرجعها لما ذكرته في بداية جوابي وتركيزي سأوجهه لمصطلح (عالمها الشرقي)، هنا لي كلمة فاصلة غير قابلة للنقاش، وهي أنها إن لم ترمِ بكامل كيانها على الورق فلتهجره، ليس هنالك من داعٍ لإهانة الفكر، فلتكسر قبل كل شيء مصطلح (العالم الشرقي)، نحن لا نبحث عن تقدير المجتمع ولسنا بحاجة لأوسمةٍ منه، نحن نعرّي الحالات الإنسانية كما هو الإنسان . أما فيما يتعلق بإحساس المرأة في زمن الحرب والمنفى فالمعاناة تحصيل حاصل للإنسان عموماً وللمرأة خصوصاً، مرّة أخرى أجرّم المجتمع والدين، أليس هم السبب بتشريعاتهم التافهة للحادثة المتمثلة ببيع نسائنا في أسواق النخاسة في القرن الواحد والعشرين؟ في المقابل نرى أخريات يقاتلنَ بشراسة في ميادين القتال، ولا أخفي عليكم كوني أعايش المجتمع بعمق بأنّه يرقص في حلقات الدبكة احتفاءاً بالانتصارات ويصرخ في المنابر في رثاء شهيدة، لكن لدهاليز المجتمع الحقيقية كلمةٌ أخرى، هنالك آلاف التهم الأخلاقيّة الملفّقة الجاهزة بانتظار المرأة التي تقرر ترك السلاح لترجع وتعيش مدنيّة، هنالك الكثير من يعتبر الالتحاق بساحات القتال عيباً، لازال تفكيرهم في العمق محصوراً بين فخذي المرأة والناموس انحصر هناك . هنالك أخريات عشنَ اللجوء بكلّ ذلّه، وأخريات حصلنَ على حياة لم تكن لتتوفر لهنّ في أوطانهن وهذه الشريحة هي أغلبية من استطعن الوصول للقارة العجوز، قلت لك منذ البداية، هنالك زوايا عديدة نستطيع رؤية الأمور منها

 

5- أنت كردستانية وتكتبين بلغة عربية، برأيك هل للكتابة بغير الكردية منعكسات سلبية تجاه إمكانية بروز أدب كردي وبلغة كردية، ما سبب عزوف غالبية الأدباء والأديبات الكرد عن اللغة الكردية، بخاصة وأننا نشهد في الأفق السياسي بروزاً واضحاً لتحقق الكينونة الكردستانية، ماذا يقع على عاتق الأديب والمرأة الأديبة بوجه خاص، كونها حاملة راية المقاومة، وملهمة لكل جديد على كل صعيد؟

- نحن نعلم أنّ الترجمة خيانة، لكن أحياناً للخيانة جماليّة خاصة وشهيّة، فليخونوا إذاً وليترجموا أدبنا المكتوب بالعربيّة إلى الكرديّة . ما دمنا في نهاية المطاف نكتب أدباً كردياً لكن الفرق أنّ الحرف الذي نكتب به كرديتنا عربي . لربّما الظروف التي عشناها من الحرمان من مرجعٍ ندرس منه اللغة الكرديّة لها الدور الأكبر في هذا الموضوع، ولا شك أنّ في داخل كلّ منا جمرة حسرة تتّقد على الدوام في الصدور تجاه أدبنا الكردي، وليس هنالك إلى الآن ملامح للرواية الكرديّة مثلاً . أقرّ أنّي حين أقرأ نصّاً عربيّاً لكاتبٍ/ة كرديّ/ ة أحسّ بنقصٍ ما ولو كان الموضوع كرديّاً بحتاً، هنالك أشياء لا يسعنا التغيير فيها تماماً كما هو ممنوع تحريف آيةٍ من كتابٍ مقدس . في الآونة الأخيرة شهدنا نشاطاً في اللغة الكرديّة مما يعني أن أملاً ما يلوح في أفق الأدب الكرديّ المكتوب بالكرديّة . الجيل الجديد متعطش للغته الأم خصوصاً بعد التحولات السياسية التي نشهدها الآن والتي توحي بتفتق برعم اللغة الكردية سواء رجلاً كان أم امرأة

 

6- ممن تأثرت أكثر من أدباء وأديبات عصرنا الحديث، وهل سنرى لك قريبا بروزاً أكثر منهجية في أحد حقول الأجناس الأدبية؟

- إنّ الرواية الحديثة بشكلٍ عام مغرية وذلك لامتيازها باللغة الشعريّة، لربّما يصحّ أكثر إن سألتني من أحببت أكثر وليس بمن تأثرت، ويسعني القول أنّي منذ الصغر أغرمت بماركيز كما أحببت ما كتبه جبران خليل جبران، أما في أدبنا الكردي فالرواية الكرديّة هي أنا هي أنت هي هو هي هم وهن، وتلك الرواية استلم رايتها الروائي الجميل العبقري جان باپير والروائي المبدع چان دوست . إن كنت سأبرز في أحد حقول الأجناس الأدبيّة فإنّي أراني في الرواية، لقد أوشكت لإصدار ديوانٍ شعري غير أنّي أجلته لأبرز أولاً في الرواية والتي بدأت بها فعلياً .

 

7- للألم مكانة بارزة في لونك الأدبي، ماسر الألم، أكامن في الحب، أم في أطوار الطفولة الأولى حيث التشبث بالحلم أمام واقع قاس في رحلة مكتظة بالوجع، .؟

- من أين تريد أن أبدأ بزفّ عرائس الألم لك؟ من وطنٍ لم أتمكن سوى من ضمّ شواهد قبوره؟ من واقعٍ لا يتقن سوى الطعن؟ من طفولةٍ لم تَنَم سوى في أحضان الشقاء؟ من رحلةٍ لم تعرف شقّ طريقها سوى في الحرمان؟ أم من حبٍّ أسأنا إليه لأنّنا كنّا عبيداً؟ حيث الحب لا ينمو سوى في تربة الحريّة، ومآسي عشاقنا الكرد أشهر من النار على العلم كما مم وزين، كما خجه وسيابند، كما فرها وشيرين أو كما أنا ورجلٍ آخر ! لن أجيب عن سؤالك هذا سوى بأسئلة كبرى، كل منها يصرخ بألف جوابٍ وجواب .

 

8- تجمع الحب وجود والوجود معرفة كتجربة افتراضية ضمن مناخ تسوده قيم استهلاكية تحاول أن تذهب منحى التشظي والتسطح باتجاه السخف، ما تقييمك لوجوده، ودوره في إنعاش المناخ الفكري والأدبي والفني عموماً؟

- للأسف، دوماً منابر الفكر هي الأقل جمهوراً، ربّما لعدم ارتدائها فساتين النفاق والكذب التي يسير خلفها الناس عندنا، حيث التأييد الأكبر لمنابر التحزّبات والشيوخ تلك التي لم تفضِ سوى للهلاك . تجمع الحب وجود والوجود معرفة ممن يحملون راية المعرفة مسؤوليةً على عاتقهم، أتمنّى أن يتم التفاعل معها أكثر ولنتعلم قليلاً التوجه نحو منابر الحقائق أو لنجرب مجرد تجربة .

 

- أفرو برازي، الأديبة المعرفية الكردستانية، سعدنا بالحوار معك، وصلنا للختام، كلمة أخيرة تودين قولها؟

- لا أحبّ الخطابات والكلمات الأولى والأخيرة، كلّ ما أستطيع قوله أنّني سافرت في رحلةٍ ممتعة ومفيدة وغير خالية من استفزاز مكامن الألم والمعاناة في شخصي..

 

أعد الحوار: ريبر هبون

 

sadam alasadiس: كيف تصف الغربة؟

ج: لقد كتب على الشاعر العراقي ان يعيش منفيا ً في هذه الارض .. فالغربة صخرة متفجرة من ينبوع الحرمان قد عذبتني كثيراً وافدت من عذاباتي باكتشاف مئزر العري الذي ستر جرائم الجلاد فلن اتحدث عن غيبيات مشتعلة بل ارسم اشجارا ً تنمو في معطيات الروح ولعلي اضع نفسي في قفص الاتهام لأول مرة بعد عمري الخمسين واتحدث من خلال المذياع فأن اللغز الذي افترضته لنفسي هو الحرية التي طالما ناغيت بها فتمرد الكلاب .

يا ايها الذئاب تحاربون شاعراً يحب داحي الباب         قررت من طفولتي احارب الكلاب

احمد الله واشكره على ضياع اربعين عاما في زمن الجهلاء والمتبقي سوف يضيع في زحمه التناقض و الفوضى فبالأمس جلس في مكاننا من يحب الادب على الاقل او اليوم قد اختلط الحابل بالنابل وعليك ان تتابع الاعلام لترى تلك الفوضى القاسية ولكني اجد نفسي تنطلق من قول الامام (علي) ع (كن في الفتنة كالابن اللبون لا ظهر فيركب ولا وبر فيسلب ولا ثدي فيحلب)

 

س: ما جائزتك في الابداع؟

ج: الصمت عندي جائزة الابداع التي كللت عبقريته البريكان فان الزهور الشعرية التي قطفتها قسرا من ايدي الجهلة من اشجار الشعر تجعلني اسجل في دائرة الصمت واغلق باب الكتابة حتى ارى ماذا ستحل به الايام وماذا ستحلب الليالي؟

هنا سكت الصمت عن مفارقات الزمان

هنا رفع الدم ثارا الحسين الشهيد هنا سكتت القا ً كربلاء

ويبحث عن  قاتل و وغد عنيد يسمى يزيد

 

س: كيف تنظر لسوط  الجلاد؟

ج: السوط لم يوجع اثر جسدي اما روحي فقد اطلق جهة لتطير فوق سماوات البحث عن البديل وكان الشعر سبيلي فالجلاد لم يترك لي شيئا ً سلب موهبتي حريتي ضيق لساني قتل مستقبلي حرمني الدراسة وحارب ابنائي وهم اذكياء ولكن بالعصامية و الصبر وصلنا الى طموحنا فها انا من مضمد بيطري الى استاذ و اولادي كما تعلم اصبحوا اعلاما  كان اخر يوم 17:2:1987 صدور امر اعدامي لتنبؤي سقوط العراق في 18:3:2003 حسب خطبة البيان .

لحظة لحظتان .. ساروي الى الجمع سرا يكاد يضيع

لقد خط في النهج ان العراق الجريح

يسجل بالعار يوما وتنفجر القافلات

وتسقط كل التماثيل في شارع الاحتفال

فهلا رأيتم بلادا تغير اسماءها في لحظة الابتهال

فعام سيأتي يسمى ثلاثة .. الفين

فيه يغير وجه العراقي

ولكن واسفي سيحرقه الاحتلال

 

س: هل اسكتوا صوتك الشعري؟

ج4: كلهم ارادوا ان يسكت صوتي العلوي وكلهم يحسدون قدرتي وعصاميتي وسرعتي مع الارتجال وبديهتي في الخطابة بل يثنون لساني الجارح السريع فلم اجامل احدا على حساب الشعر والنقد ولو دفعت عمري ثمنا .. فشرف الاسدي ان يموت على منصة اهل البيت شاكرا دعني احمل مشنقتي واسير بتابوتي وحيدا باحثا عن مقبرتي التي كتبت عليها

                             اني قسمت العمر بين اثنين

                                               الله ربي اولا وحسين

دعني اجوب شوارع الطين دون غناء .. دعني اقطع غربتي باحثا عن فكر حتى يغير التاريخ ثوبه الممزق دعني مع الاشلاء التي بعثرها انكساري فماذا اقول ايها المغني عندما صهلت تحت ثيابي خيول الموت وبرقت تحت ضلوعي طبول الجهل و الفشل دعني في منفاي وحيدا بلا اكاديميين ولا ادباء واشكر الذين زرعوا طريقي بالقنابل فلولاهم ما وصلت الى هذا مكاني وتسلقت عرش الرماح .

 

س: هل انت فيلسوف؟

ج: لست بفيلسوف حتى اضع فلسفة وانظر تنتظراً فما زلت اسير في طريق شعري تقف جذوره على قشور لا توحي بشيء بل تفوح برائحة الصنعة وحسبي ارى الادب المعاصر مصابا بالإحباط والعقم  وسيزعل الالوف من يمارسون العملية الكتابية فما زلت في عقدي الخامس ولم اسمع بغير الاجراس ترن للسياب والبريكان ولمحمد خضير فأين ارسم .. انه نفخ في الكوى وجعجعات بلا طحين  معوق يمسح الخطى بالعصا كلنا بعيدون عن الدرب الحقيقي فأين الشاعر الذي يحيل الواقع الى لغة سهلة ويغسل اوجاع الزمن بأبيات قصيدته ومدارات قصته وافاق دراسته انها ساحة ملأئ بالفوضى والادعاءات فقد كثر الشعراء وقل الشعر وخوفي ان تكون نبوءة الدكتور زكي مبارك (يولد الشعراء في العراق ويموتون في مصر)  صحيحة ولكني قد اتفائل بالشعر البعض في صحو وسوف تمطر سماء الابداع يوما عندما تشرب شجرة الشعر ماءها ويطلق العندليب الجريح صوته حرا وعندما تتسرب القصائد الى قلوب الناس واعماقها دون وصايا فلماذا يحرق النار بقايا دمه لماذا يفجرني جسده النحيف ويقف في نقطة يأس لا حدود لها فكما قال اليوت الشعر هروب عن الانتقام وهروب اخر عن الشخصية وقال كولارج (الشعر الرائع ترجمة الواقع الى المثال) واخيرا ان كل الشعر على وجه الارض لا يرتقي لو لحظه من شخصية الحسين عليه السلام

يبقى الحسين مدى التاريخ لافتة ....  تدق في جبهة الانسان للأبد

 

س: هل تبالغ في الوصف الشعري؟

ج: ربما تقول اني ابالغ في ذلك الوصف فقد كتبت قصائد لا يصدقها السامعون وقد وجهتها الى السلطة الحاكمة آنذاك منها:

(ارفع يديك عن الحسين  محالا  ومنها .. ارى رجالا كأسماك مبعثرة من الرؤوس الى اطرافهم فسدوا)  ومنها  (.. اني اراها جميع الناس قد جلست لكنني لست القى بيهم رجلا)

وقد انهيت دراسة الماجستير في كلية التربية عام 1995 وقد عوقبت بسبب قصيدتي خيط الدخان وخرجت مكملا ً ثم نجحت وكذلك في الدكتوراه في جامعة الكوفة القيت قصائد على اهل البيت وامام الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد وفيها قلت:

كم بايعوه يزيد العصر بيعتهم   وعلقوا فوق باب الخوف اسمانا

كم صدقوا من خداع الذئب لعبته   وقاسموه يذيق  الناس الوانا

كم ارسلوها تقاريراً لمقتلنا        وقطعوها لنا الاحشاء احيانا

وسوف يأتي لنا المختار ثانية   وسوف تسمع صوت الحق اهدانا

س: هل تغالي كثيرا ً؟

كما يقول الشاعر المرحوم الدكتور الوائلي

فاليوم يحترق الجبان لأنه شرب   الهوى  وعلى يديه المنبع

اقول ان العراق غالي واني اخاف عليه من لفظ حروفه في فمي

الله الله يا خوفي على وطني على اسمه خفت من ترديده بفمي

أي شعر سيرتقي في مقالي      وبلادي اسيرة الاحتلال

أي حزب يصير ضوء ويرقى     ليصف العراق فوق المعالي

ايه ارض متى ستطلع شمس    مثل شمس الحسين بعد الزوال

ان هذا العراق مليون عام       عبر الصعاب في صعاب السجال

وسيبقى العراق للشرق صوتا   يعربيا في النائبات التقالِ

كنت كما انت يا عراق شموخا    وستبقى الرصيد للأجيال

اني ارضي بلا الحسين سراب     لا تقل في هواه اني مغالي

ليس هذا العراق طفلا يتيما   حين يبكي تثور تلك الليالي

 

س: انت هل تميل الى الانحراف في شعرك؟

ج: ليس جديد هذا الانحراف في ارض النبوة والانبياء فالأرض التي قتلت عليا في محرابه وقتلت الحسين في كربلاء ليس صعبا عليها ان تلطخ ترابه الطاهر بوباء انه لكأس حسين يضاف الى تضحيات شيعته فهنيئا للحسين بمحبيه وللعالم بمحبيه انها الشهادة وماذا بعدها من شهادة

خسئوا اذا جرحوا الحسين بكربلا

عجبا يطاول اقذر الناس العلا

مهما يزيد المجرمون تحديا

فنزور قبرك يا حسين تبجلا

لا نستطيع من الذهاب لمكة

لمصاعب و الظرف اصبح قاتلا

ولذا نرى ان الحسين محجة

نمضي لها ونحج حجا اكملا

 

س: كم مؤلفاً تركت في حياتك؟

ج: لقد تركت ثلاثة عشر ديوانا في بيتي القديم مع مجموعة المسرحيات والبحوث الادبية وبعد سقوط الجلاد انجزت الاعمال الاتية .. ديوان شعر لأهل البيت عنوانه  السيف ما قتل الحسين وديوانين اخرين الاول قبل ان ينطفئ الزمن  ثم مئزر من  الزبد تضم قصائدي من عام 2001-2003 مع مسرحيتين الاولى نفحات الغدير و مسرحية عرش الرماح اخرجها الفنان فرزدق سعدي 

 

س: ما حكايتك مع الاقواس؟

ج: الاقواس انت تعلم اني كنت مدرسا ًاعدادية المعقل و دعيت الى حفل قاعة الموانئ وعند دخولي صرخ احد الطلبة (هلا بصدام من جانه) واذا بالقاعة فتحت عاصفة تصفيق منها مما حدا بالرفيق والاداري فسب القاعة وسبني وسب الجميع فما دعاني الى ارتجال هذه القصيدة .

افتح قوس للجملة المفيدة

يكون الوطن لليكتب يخط اسمه بوريده

يكون الي يحب وحده

تحبه اهي وتريده

مو كوه العشك مو كشخه يا ناس

دسد القوس خل اقره القصيدة

 

س: انت مستمر في كتابتك للشعر الشعبي بالإضافة الى الشعر الفصيح؟

ج: الشعر الشعبي خاتمة خير بدأت بها شاعريتي عام 1959 كان اول قصيدة كتبتها من الشعر الشعبي (يامطر بلل الكذله وسيل وامشي اعله الوجن) وما زلت اكتب الشعر الشعبي وشاركت في العديد من المهرجانات منها قصيدة حكايتي مع النمل ومن اهم قصائدي (عرس حميده (التي قرأتها في عام 1971 امام رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي عزيز محمد مشاركة مع الشاعر عريان السيد خلف قرا في وقتها قصيدته قبل ليلة) .

 

لقاء اجراه الاديب عبد الجبار عبد ثابت مع الشاعر صدام فهد الاسدي سنة 1993

 

narian omarنظرتك إلى الشّعر كفن مميز؟

- سُئلت في حوار سابق أجري معي عن رأيي بالشّعر، قلت:

(الشَعر هو غذاء الرّوح، ومتنفّس القلب، وخليل الواجد)

الشّعر كان وما يزال وسيظلّ جنسا أدبيّا ثابتاً يتفرّع في جذور الأدب والفنَ والثّقافة في كلّ زمان ومكان؛ الشّعر هو فنّ مميّزٌ لأنّه التّوأم الحقيقيّ للموسيقا، كلّ منهما يهندس وجود الآخر وماهيته، فهو روح الموسيقا، والموسيقا هي أنفاسه.

الشّعر كان ولا يزال الصّديق التّوأم للقلم بالنّسبه إليّ، فهو العزاء لروحي، والنبض لقلبي وشجوني، والأنيس الذي أسرح في مرعاه في فرحي وحزني، سعادتي وتعاستي نجاحي وفشلي.

 

2- بدايتك في كتابة الشعر؟

- بدايتي مع الشّعر كانت ملازمة لبداية وعيي الأوّل على الحياة. منذ صغري كنت أميل إلى قراءة ومطالعة الكتب الأدبيّة والثَفافيّة التي كانت تملأ مكتبة بيتنا، وكان الشّعر أكثرهم ملامسة لمشاعري، وأصدق تعبيراً عن خلجات نفسي وروحي.

أوّل قصيدة كتبتها كانت في عام 1980م لحظة وفاة والدتي، وكنت في سنّ صغيرة جدّا، ومن ثمّ بدأت أثابر على مطالعة مختلف المجموعات والدواوين الشّعرية الكرديّة والعربيّة والمترجمة من اللّغات الأخرىّ،من الشّعر النّثري والموزون الكلاسيكيّ.

 

3- أهم دواوينك واعمالك،واهم الفنانين الذين كتبت لهم؟

- حتى الآن نشرت مجموعتين شعرييتين إحداهما بالكرديّة نبعنوان"perîxana min"

والآخرى بالعربيّة بعنوان"حيث الصّمت يحتضر".

يتجاوز عدد مؤلّفاتي المخطوطة الجاهزة للطّبع والنشر 15مؤلفاً:

ثلاث روايات، أربع مجموعات شعريّة "شعر نثري وموزون"، مجموعتان قصصيّتان كلّها باللّغتين الكرديّة والعربيّة ، بالإضافة إلى دراسة حول ظاهرة العنوسة والآخرى عن جرائم الشّرف، ودراسة عن تاريخ المرأة الكرديّة ماضياً وحاضراً؛ كما أحضرت مجموعتين شّعريّتين ومجموعتين قصصيّتين للأطفال والصّغار .

كنت سأبدأ بطبع ونشر العديد منها ولكنّ الظّروف التي مرّ بها شعبنا ووطننا خلال السّنوات الخمسة الماضية جعلتني أؤجّل هذا الموضوع.

الفنّانون الذين كتبت لهم هم معظم فنّاني ومغنيّي ديركا حمكو:

جمال سعدون، آزاد فقه، روني جزراوي، جوان صبري، رضوان جزيري، كمال عبدالكريم فوزي علي، مروان شرو، بهزاد قمر، شاهين شان، بالإضافة إلى الفنّان دلو دوغان، والفنّانة هيفي مراد، والفنانة أڤينا ولات التي سأنجز معها أغنية أو أكثر، وكان هناك تعاون بيني وبين الفنّان الراحل عادل حزني ولكنّ الموت حال دون ذلك، كما كان هناك مشروع تعاون غنائيّ وموسيقيّ بيني وبين الفنّان نظام الدّين آرش "فقي طيران" ولكنه لم ينجز حتّى الآن، وأول من غنّى من اشعاري هو "بربند سمي" في عام 1995م

 

4- آخر أعمالك؟

- أنجزت وأعددت الجزء الأوّل من كتابٍ بعنوان "الفنّانات الكرديّات شموع تحترق لتنير دروب الفنّ الكرديّ " يتضمن نشأة وحياة وغناء هذه الفنانات، وأحضّر الآن للجزء الثّاني من الكتاب ويتضمن الفنّانات الكرديّات الشّابات، كما أحضّر كتاباً عن الفنّانين الرّجال بعنوان "الفنّانون الكرد رحلة وفاء مع الغناء الكرديّ "

وكتاب عن الأغاني الخاصة بالعريس والعروس وحفلات الزّفاف في التّراث الكرديّ القديم والمعاصر .

 

5- رسالة منك الى ديرك واهاليها .

- ديرك هي طفلة أحلامي التي لن تكبر ولن تشيخ أبداً . ديرك هي الباعث الأول لسعادتي وفرحي ونجاحي والمسبّب الأقوى والأشرس لتعاستي وحزني وفشلي، وعلى الرّغم من ذلك تظلّ تسرح وتمرح في رياض عشقي وتفكيري ووجداني.

بالتأكيد أكنّ وأضمر كلّ هذا إلى أهل ديرك خلّان مهجتي وبهجتي، نبضي وانفاسي، واقعي وأحلامي، ولكن لا بدّ من بثّ بوح إلى أهل ديرك على أن نظلّ محافظين على طيبتنا ومحبّتنا لبعضنا وتضامننا وتسامحنا لأنّها تعدّ من أغنى وأغلى الثّروات التي نمتلكها؛ وإليك أستاذ بهجت العزيز سنابل شكرٍ وامتنان معطّرة بنسائم ديرك المزهوّة بعناق الفصول المتعاقبة لها على الدّوام .

 

حاورها: بهجت أحمد

 

mowafak sawaد. موفق ساوا فنان ومخرج واعلامي عراقي، استرالي الجنسية. قدم 20 مسرحية كتأليف واخراج قسما منها .. عرضت على مسارح العراق، بغداد، الرشيد، نادي بابل، جمعية اشور، وفي نينوى. والقسم الاخر عرضت في سيدني وكانت اخر مسرحية له بعنوان (انتبهوا... القطار قادم) عرضت على مسرح بورهاوس في كسولا بليفربول.

كما كتب ونشر اكثر من سيناريوهات تحت اسم (سيناريو صوري) لافلام قصيرة.

وكتب اطروحتين حول احقية الشعب (الكلداني السرياني الاشوري) في ريادة المسرح والسبب في نهضته في العراق من عام 1880 والى عام 200 وسبق وان طبعهما في كتاب عام 2004 في سيدني. وقد نال عليهما شاهدتي الماجستير والدكتوراه.

وها هو الان يطلق اولى تجاربه السينمائية القصيرة فيلم (Not For Sale) باللغة الانكليزية عبر بوابة مهرجان كان السينمائي متأملاً ان يسعفه عامل الوقت في وضع اللمسات المونتاجية الاخيرة قبل الموعد الذي حددته اللجنة المنظمة لأستلام المواد الفيلمية المشاركة ... لذا ارتاينا على هامش هذه التجربة ان نجري هذا الحوار مباشرة مع المؤلف والمخرج العراقي الدكتور موفق ساوا المقيم في سيدني.

 

- لتعريف القراء نود ان تقدم لنا نبذه مختصرة عن بداياتك الفنية.

* كانت بدايتي في مسرحية (بنت المختار) التي كتبتها عام 1970 في العراق، ناحية الحقلانية التابعة لمحافظة الانبار. ولم ترَ النور لعدم وجود اية حركة فنية في الناحية.

وبعد انتقالي الى العاصمة بغداد عام 1971 لغرض اكمال دراستي الجامعية اختلطت بالوسط الفني واقدمت على تكوين، فرقة مسرحية اسميناها (فرقة مسرح شيرا) عام 1993، ثم حصلت على البكالوريوس في الاخراج عام 1998م من جامعة بغداد ثم قدمت في كل عام مسرحية منذ 1994 الى عام 1998 بعدها غادرت العراق واستقريت في سيدني.

وهنا اسست (فرقة مسرح ساوا) وعرضت ثلاثة عروض في الاعوام التالية : 2003 و 2004 و 2015 كما أسسنا جريدة العراقية عام 2005.

 

-علمنا ان تجربة فيلمك الجديد هي اول تجربة فهل اي انتقالة من المسرح آلى السينما..؟!.

* اكاديمية الفنون الجميلة العراقية التي حصلت منها على شهادة البكلوريوس تعتبر من اهم الأكاديميات الفنية في الشرق الاوسط وقد درسنا مناهج الإخراج المسرحي والسينمائي (المشاهدة والتحليل) ونلت بهذا الدرس السينمائي 98% وعلى يد اساتذة كبار وظل حلم الاعمال السينمائية يراودني الى ان جاءت فرصة عملي الجديد الذي أكملنا تصوير مشاهده بانتظار إكمال مونتاجه بعد ان وظفت امكاناتي الفنية والرؤية الحديثة في عملية صناعة فيلمي الاول.

اما سؤالك عن انتقالنا من المسرح الى السينما لسبب بسيط ومعروف عراقيا في غياب المنتج والعملية الانتاجية للافلام الطويلة

ولدينا طاقات مبدعة في مجال السينما لم يحالفهم الحظ في المجال السينمائي عكس مصر ولبنان.

لهذه الاسباب جعلتني أسعى الى عمل فيلم قصير لأن تكلفته بسيطة وفرصة مشاركته بالمهرجانات أوسع، خصوصاً وان بعض المخرجين العراقيين لجأوا لهذا النوع من الانتاج لتسويق أفلامهم.

 

- كيف جاءت فكرة المشاركة بمهرجان كان.؟!

* حقيقة المهرجانات العالمية بدأت تستقطب كل التجارب البسيطة ولَم يعد امر المشاركة حكراً على نوع معين من الأفلام، الفكرة جاءت عن طريق احد اصدقائي الفنانين الذي لديه خبرة واطلاع بمهرجانات كبيرة ساعدني كثيراً بهذا الموضوع وبالفعل قدمنا الفكرة وراسلنا المهرجان فكان الرد إيجابيا عبر الرسالة التي وصلتني منهم والتي بينت لي تفاصيل المشاركة والسلم الزمني والشروط، لكن المشكلة حصلت بالتوقيت اتمنى ان نكمل تفاصيل العمل بالوقت المطلوب المحدد لتسليم المواد المشاركة واذا تعذر ذلك فسنضطر لتأجيله لدورة السنة القادمة.

 

- الفنانة اللبنانية ندى فريد سمعنا ان لها دور مهم بالعمل؟!.

- ندى فنانة تمتلك إمكانيات وحضور مهم ولها دور مهم بالعمل كشخصية رئيسية اضافة الى ثقافتها ولغتها الانگليزية وحضورها الاعلامي بدعم العمل ومتابعة التواصل من خلال عملها الاعلامي أيضاً، ولا انسى ان شخصية الفتاتين بعمر 10 و 13 هنَّ بنات ندى. اضافة الى باقي الكادر، مخلد الخميسي وأيشو التياري والمصورين امجد وراني الصابوري ومجموعة من الكومبارس.

العمل باللغة الانگليزية وجميل ان يشترك ممثلو الجاليه العراقية واللبنانية في هذا العمل.

 

- ماهي الشروط التي تضعها المهرجانات الكبيرة عادة للراغبين بالمشاركة؟؟

* من خلال الرسالة التي وصلتني من لجنة المهرجان عبر موقعهم والتي اعتبرها شرف كبير ودعوة تحريضية على الابداع لأن الفنان يجب ان يعمل حتى اخر عمره، كانت الشروط كالآتي :

 

• أن يكون قد تم إنجاز العمل خلال الأشهر الاثني عشر الأخيرة التي تسبق انعقاد مهرجان كان.

• ألا تكون قد خضعت لأي استخدام في بلد آخر غير بلد المنشأ.

• ألا يكون قد تم تقديمها في مظاهرة سينمائية دولية أخرى. في حال تم تقديم الفيلم في اختيار دولي (أكان تنافسياً أم لا) لأي

مهرجان آخر، فهو لا يعتبر مؤهلاً للمشاركة في مهرجان كان. يعتبر الاختيار دولياً في حال كان يقدم أفلاماً من جنسيات مختلفة

• لم يتم بثها على الإنترنت.

• لا يجوز أن تتخطى مدة الأفلام 15 دقيقة بما فيها الجزء الخاص بتقديم الممثلين (التايتل).

وبالنسبة لنا إن انجزنا الفيلم قبل تاريخ 4 اذار القادم سوف نرسله للمشاركة في الدورة 69 وان لم نستطع انجازه يبقى الى الدورة 70 من عام 2017.

 

- هل هناك مشاريع تلوح بالافق وهل حققت طموحك في الاعمال التي قدمتها ..؟!

- في الأفق عمل فني كلفت الشاعر احمد الياسري لتأليفة، وعندي ثلاثة افلام سينمائي طويلة

 الاول: (قوارب الموت) فيلم روائي طويل يتحدث عن مأساة قصص حقيقية للاجئين العراقين

وثانيا فيلم يحكي قصة الملكة شميرام ملكة الامبراطورية الاشورية قبل الميلا د بـ 3500 سنة.

وثالثا: فيلم طويل باسم (أكيتو) وهو رأس السنة البابلية الاشورية المقامة في بلاد بين النهرين (العراق حاليا) قبل الميلاد وكانوا يحتفلو يحتفلون بهذا العيد لمدة 12 يوما من كل سنة.

 

- ومن الذي يقف امامك لانتاج هذه الافلام المهمة بمواضيعها..؟!.

* اني ابحث عن شركات الانتاج لتقوم بتمويل مشاريعي الفنية المهمة جدا والتي لم تتطرق لها السينما العالمية ابدا..؟!.

اتمنى ان نجد فرصة إنتاجية مناسبة لتقديم هذه الاعمال .

 

 

نشر الحوار في صحيفة الديار

amir alkoubaysi- الإعلام الاجتماعي سيفوز في السباق ويتغلب على التلفزيون

- الكتابة أصبحت خبزا يوميا لي وقطعت عهدا أن أنتج في كل عام كتابا جديدا

تقول عنه الويكيبيديا انه إعلامي وباحث عراقي، متخصص في منطقة الشرق الأوسط لا سيما في العراق وسوريا ومصر وفلسطين، أعد مئات التقارير عن هذه البلدان لصالح القناة التي يعمل فيها منذ ثلاثة عشر عاما، له مؤلفات مطبوعة، ونشاط على مواقع التوصل الاجتماعي، لا سيما في قضايا الشباب، وثق الفيس بوك وتويتر حساباته بالعلامة الزرقاء باعتباره ناشطا له حضور فاعل فيهم، انه الأعلامي العراقي، عامر الكبيسي .

 

* لك مؤلفات تباع في المكتبات العربية والعراقية وتشارك في معارض الكتب حول العالم، ومنها رواية تأريخية، حدثنا عن تأليف الكتب والرسالة التي تريد ايصالها من خلالها .

-الكتابة أصبحت بالنسبة لي خبزا يوميا، ووجدت في الروايات التأريخية منهجية رائعة للبحث، رغم أن تخصصي في العمل الإخباري التلفزيوني، أغوص فيها في عمق التأريخ، لأني بت على يقين بأن التاريخ له نصيب من حركة الحياة الحالية، ولا يمكن للمثقف أن يكون عميقا في فهم الحركة الحياتية، بل وحتى الأخبار اليومية في حياتنا، من غير الغوص في التاريخ، وهذه الروايات التي ذكرتها، خلاصات لأبحاث تاريخية، تمنح المتلقي في تقديري وجبة لفهم منطقة الشرق بانسيابية القصة، عمارتها وعلومها وحروبها وأهلها، فهي سياسية وتاريخية مبثوثة بين سطور الحكايات.

رواية "سر من رأى" صدرت عام 2015 وتحكي عن المدينة المدورة بغداد، والمدينة المستطيلة سامراء، وعن بلدان كثيرة مثل أذربيجان وأنقرة وعمورية وعن البصرة كذلك، في عمارة وعلوم ومعان أسست لأن تكون تلك المدن حاكمة لربع الأرض وأكثر.

رواية "درب زبيدة" تتمحور حول طريق بديع الصنعة بين بغداد ومكة المكرمة، صحيح أنه يبدأ من بعد الكوفة التاريخية، الا ان حقيقته من بغداد، لأن الطريق موصول أصلا، وما في ذلك من معان عميقة، للربط بين مكة وبغداد، ثم كيف تمكنت سيدة أولى، من إنشاء أعقد المشاريع الهندسية المائية في التاريخ الإسلامي، قبل 1300 عام تقريبا، وبين جوانب الرواية، حكايات، وأشعار، وآداب، وعلوم، وخارطة طرق، ودبلوماسية متقدمة بين بغداد وممالك المسيحيين القديمة في أوربا.

كتاب " الشاهد والمشهود " هو متابعة يومية لاحتلال أمريكا للعراق، وخاصة بغداد، وكيف كان الأهالي في ذلك الوقت يعيشون حدثا كبيرا ونادرا، يتمحور حول سقوط بغداد، هذا الكتاب، فيه جانب قصصي ويومياتي ومعلوماتي وحوارات، نقلت بطريقة تشبه الكتابة التلفزيونية، بمقاطع لا يزيد أحدها عن مائة وأربعين حرفا، مع خمسمائة صورة تقريبا، وخمسين خارطة جغرافية، الكتاب بسيط للغاية، ويمكن للشباب خاصة أن يفهموا ما جرى، وهم الشريحة المستهدفة فيه.

أضع الآن اللمسات الأخيرة على كتابي الجديد " شباب وحياة " وهو كتاب جديد دفعته للمطبعة قبل أيام، وقمت بنشره بشكل مجاني للشباب على الإنترنت، حيث بلغت عدد التحميلات له من الصفحة أكثر من 90 ألفا، وهذه مجازفة بالنسبة لي، لكني حريص على إيصال ما اكتب، فالكتابة ليست طقسا أو برستيجا، بل هي مبادلة للعلم والمعارف بين الكاتب والجمهور، ووجدت أن الكتاب الورقي في العالم العربي ضعيف جدا، لكن الكتاب الإلكتروني ينتشر بسهولة،

قطعت على نفسي عهدا ان أنجز في كل عام كتابا جديدا، ولن أتخلى عن ذلك الشرط إن شاء الله، وقد أخذ كتاب "شباب وحياة" منحى عمليا، بعيدا عن الخيال والمبالغات التي تأتي من معظم دورات التنمية البشرية والبرمجة اللغوية ودورات القيادة، تجعل الشاب يتخيل أن القيادة والمال والنجاح يأتي بيسر وسهولة، وخلال وقت قليل، هذا وهم، حاول الكتاب التأكيد عليه، وهو يأخذك من يدك ويضعك مباشرة في الميدان العملي، استهدفت فيه شريحة الشباب بين 16 - 36 عاما، لقد انهيت هذه الفترة، وشاهدت نصف العالم فيها، وخرجت بمفاهيم لا علاقة لها بي، ولكن برؤيتي عن ماذا ينبغي أن يكون عليه الشاب، ومشروعه، وعائلته، وهويته، ودينه.

 

* أسست مع نخبة من الإعلاميين الشباب موقع "الجزيرة توك" في 6/ 6 / 2006 والذي فاز بلقب أفضل موقع شبابي في العالم، ضمن مسابقة القناة الألمانية الرسمية، لماذا برأيك اغلق الموقع ابوابه وودع كتابه ومحبيه الذين اصيبوا بصدمة لتوقفه فجأة ومن دون سابق تنويه أو إشعار؟

- بدأ الجميع في العالم يقدم فكرته للشكل الجديد للإعلام، هم في الغرب قدموا تويتر وفيس بوك ويوتيوب، كانت البدايات ملهمة حقا، لأن الشباب بدأ يأخذ زمام المبادرة في الإعلام، هذه المواقع صنعها الشباب، وأثرت على الحياة كلها اليوم، قدمنا نحن وكنا ستة أشخاص من ست دول عربية فكرة الجزيرة توك، قبل هذه المواقع، وخلاصتها تكمن في ربط الإنترنت بالميدان، بتكوين فرق ذات طابع نهضوي شبابي إعلامي، لتنقل الافكار، وهو ما اصطلحنا عليه حينها بمنهجية " التشبيك " هذا كان عام 2005، ثم تطورت لننجح في منتصف 2006 بإطلاق الجزيرة توك، وقد سبقت توتير وفيس بوك.

في الحقيقة، الجزيرة توك، موقع يعتمد على الشباب في كتابة تدويناتهم وأيامهم، وعن مدنهم، وشخصيات الدراسة، وهكذا، بينما المنتديات كانت مفتوحة على عشرات الأقسام، وخاصة السياسي منها، وكان فيها مئات الآلاف من المشاركات رغم أن الانترنت في ذلك الوقت لم يكن منتشرا بعد، وفيها 130 فريقا إعلاميا طوعيا، الكل يعمل بشكل مجاني، حصل الموقع عام 2007 على لقب الموقع الأول في العالم بمسابقة مؤسسة التلفزيون الألماني، لأنه لم يكن يرتبط بالمؤسسات بل بجهد شبابي بحت، ولأن تصميمه كان ذكيا، وعلاقته بالميدان كانت مبهرة، وحتى الخارجية الأمريكية والبريطانية عينت موظفين خاصين للردود على منتديات الجزيرة توك، لأنها اعتقدت أنه مؤثر في الطبقة الشابة العربية، ورشح الموقع لأخذ أسئلة عربية حين فاز أوباما في سباق الرئاسة بأمريكا، كما اهتمت به الخارجية البريطانية بشكل ملحوظ.

التجربة نجحت في البداية، بل نجحت جدا، وقفزت للريادة، وتفوقت في نسب المشاهدة على كل مواقع الصحف العربية، ومن ذلك الحياة والشرق الأوسط والقدس العربي، الا ان الموقع لم يستمر، والسبب هو أن البيئة الغربية توهب للمتميزين نجاحا مركبا، تحتضن النجاح بقوة، وتدفعه للأمام، هنا الأمر مختلف، لأن النجاح الإعلامي يرتب خوفا مضافا، شخصيا انسحبت من العمل مع الموقع بعد عامين على انطلاقته، لعدم تفرغي بسبب انشغالي بالعمل الاساس في غرفة الأخبار، ولأنه يقوم بالأساس، على منح الشباب الدور في الإدارة، وقد انتهى الموقع حاليا.

 

* قمت بعمل تغطيات صحفية في العديد من الدول العربية والدول الأجنبية من بينها المملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا وتركيا وإيطاليا وأمريكا، كيف تقيم رحلتك الطويلة تلك وهل انت راض عنها، أم بين بين؟

- تقسم الرحلات الإعلامية في تقديري إلى رحلتين، واحدة يومية أجوب فيها البلدان وأنا جالس في غرفة الاخبار أمام الوكالات والصور، أتحدث الآن وقد تجولت للتو بين جنيف والوفد المفاوض السوري، وبين اليمن حيث الحصار على تعز، وظهور تقرير دولي عن علي صالح وامتلاكه 50 مليون دولار، إذ أعد التقرير فريق من الخبراء وعدوه تجاوزا على القرارات، وشاهدت تسجيلا لداعش يظهر اعدام شخص في بيجي، ثم مررت بقصف روسي على بلدات سورية واستخدام غازات سامة في معظميه الشام، مع رحلة لإطلاق قمر صناعي تركي جديد، سيسرع خدمة الانترنت للضعف في البلاد.

وهكذا كل يوم هناك رحلات في البلدان، لا أقرأها مثل غيري، بل أعدها كقصص وأخبار ليراها الناس، ما يتطلب مزيدا من البحث والفهم لها، تبدأ بالأخبار ثم تتبعها الصور والفيديوهات، وخبر طريف عن ارتيريا رغم أنه غير جدي لكنه انتشر بسرعة، وخلاصته " أنها ستمنع الزوجات من أي اعتراض على ذهاب أزواجهن ليتزوجوا بثانية"، اعتقد أنها رحلة رائعة تعلمك الحياة والسياسة معا، وعلى مدار ثلاثة عشر عاما ظلت هذه الرحلة مستمرة ومتنوعة.

أما الرحلة الثانية وهي ما تعنيه في سؤالك، فهي أسفار لها علاقة بالأخبار، والمتابع للشأن الإعلامي، تكون عيونه كاشفة، فهو وإن كان يذهب لمكان ما، لرحلة أو علاج، أو زيارة عائلية، أو حتى سياحية فإن عيونه وعقله، وروح الصحفي داخله، تبقى تلاحقه، فينظر للحركات والسكنات، للبنايات والناس، حواسه تتحرك بقوة، لفهم المجتمعات، حصل ذلك في بلدان كثيرة ذهبت إليها، وكتبت عنها، ولعلي في يوم ما سأكتب عن تلك الرحلات، والفوائد المتحصلة منها، بالعموم الأمر لا يرتبط بالقبول وعدمه، بل يرتبط بتنمية القدرة على اكتساب المهارات، والفهم العميق للمجتمعات، من خلال الغوص في ثقافات الشعوب، وأحلامهم، وهمومهم، وقد كتبت وغطيت في بريطانيا وفرنسا واسبانيا وامريكا وروسيا وتركيا ودول كثيرة في الحقيقة ومعظم الدول العربية.

 

* لك محبة خاصة للخط العربي، لماذا الخط العربي يا ترى، كما لاحظنا أنك تكتب أحيانا عن الفنون، هل لك محاولات او لوحات ترسمها بيدك؟

- الخط العربي فن مظلوم، ظلمه العرب، وظلمته أمة المسلمين حاليا، والسبب أننا لا نعرف قيمته كفن رصين، يهتم في أول الأمر بالنسب والرياضيات، ثم هو متقن إلى حد عجيب، لا أظن أن فنا من فنون الدنيا مهتم بالأبعاد والنسب والمسافات كالخط العربي، ولو تغير البناء الهندسي فيه قيد أنملة، لقيل إن الخطاط ضعيف، كما أن أي كومبيوتر في الدنيا لن يكون خطاطا!! لأن القصة فن في العقل ومسافات رياضية علمية، ويعتقد البعض أن حب الخط العربي، والاهتمام به نابع فقط من قداسة كلمات القرآن الكريم التي تكتب به، هذا الأمر محترم، ومقدر، لكن الاصل، أنه فن عبقري حقا، تركه الناس، وليتهم يعودون إليه، وكيف أبدع الصانع العربي والمسلم هذا النمط وطوره، في حلة هندسية، وجمالية، ثم أعطى له عناوين، وألوانا، وأقساما، حتى صارا علما قائما بذاته.

تتلمذت في الخط على يد أستاذي عباس بغدادي، وهو تلميذ العملاق هاشم البغدادي، لا أقول أني تتلمذت باعتباري خطاطا، بل باعتباري متذوقا، ومنتبها لعمق الصنعة، وعباس بغدادي إن لم يكن أفضل خطاط في العالم الآن، فإنه ولاشك من بين أفضل الخطاطين في العالم.

أما الفنون التشكيلية، والفن التجريدي، فإن في الحياة جمالا ظاهرا، وجمالا مركبا، والمركب فيه لا يكتشف من أول وهلة، فالزهرة والوجه الحسن والبحيرة والفراشة، جمال أساس، لا تعقيد فيه، يعرفه كل الناس، لكن الفن التجريدي جمال مركب، أداته العقل، وليس العين، العقل هو الذي يكتشف نسب الجمال فيه، وأراه فنا عظيما، قد هجرناه مع الأسف، لأننا لم نفهم جمالياته المركبة، ومعانيه البالغة.

أحاول دوما أن آخذ الألوان وأرسم لوحات، من أجل اختبار الألوان وتداخلها وجمالها، لا أقصد منها إطلاقا أن أقول إني رسام، فلست كذلك، ولا يمكن أن أكون كذلك، لكن مما تعلمته، أن فهم الأشياء مفتاحه التجربة، وحتى تتعمق في الفن التجريدي عليك أن تؤديه، ولو كان على نحو ضعيف، كما أفعل

أنصح الشباب بهذه التجربة، أن يمسكوا الألوان، ويعبثوا فيها، ويفرغوا شحنات نفسية وعقلية على الورق أو اللوحات، إنها تجربة تبعث على الإبداع، هذا سيؤثر على أعمالهم، أظن أن من يعبث بالألوان وهو كاتب سينتفع، وأنصحهم بالتعمق في فهم الخط العربي، أنواعه وأبعاده وجمالياته، ليذهبوا إلى خطاط قريب عليهم، ويستمعوا منه، ويجربوا بيدهم ذلك.

 

* البث المباشر شيء جديد ظهر مع صفحتك على الفيس بوك، كل يوم تقريبا تتحدث عن شيء ما، في بعض الأحيان من بيتك أو عملك، وأحيانا من مطعم أو سوق، بل ومن داخل سيارتك الشخصية ايضا، ولهذا البث جمهور وأسئلة قد تصل الى خمسة آلاف سؤال في الساعة، بماذا تقيم التفاعل الجماهيري مع هذا النوع من صحافة المواطنة اذا جاز التعبير " حلقاتك انموذجا؟

- التواصل الاجتماعي في الإنترنت سيفوز في السباق، سباق الإعلام يقلص التلفزيون لصالح التواصل الاجتماعي، ومثلما كان التواصل "افتراضيا" وهو ما سموه سابقا " العالم الافتراضي" ثم انتهت هذه اللفظة، بعد وجود الصورة والمحادثات والتعليقات، صار الأمر أقرب للواقعية، وآخر ما وصل إليه هذا الفن، هو البث المباشر، يمكن أن أسميه أنه الحلقة الأخيرة من الصنعة، ليجعل التواصل أقرب من أي وقت مضى للواقعية

ما أن بدأ الفيس بوك فتح تجربة "البث المباشر" للصفحات الموثقة فقط، حتى كنت أول من بادر لهذا المجال، رغم ما فيه من تراكم واصطياد للهفوات وأخطاء ترتكب من قبلي شخصيا، لكنه ضرورة حياتية وتواصلية قدرتها من وقت مبكر، وسيضطر الجميع خلال الأعوام المقبلة إلى فعلها، ولقد اخترت الطريقة " الانطباعية " أي أن أكون على طبيعيتي كل الوقت، بلا تكلف، ولا تصنع، ولا حتى " اللغة الفصحى " والتي أحبها وهي أسهل عندي في الكلام، كذلك بلا استوديوهات، برغم إمكان الظهور من استوديوهات عملاقة، لكنها ليست هدفا بحد ذاتها، بل أنت يجب أن تكون كما أنت في هذه المواقع، هكذا سيكون مستقبل الإعلام كله، وأدواته، الانتقال من الإبهار إلى الانطباعية، والانطباعية ستتغلب في هذا السوق في المستقبل.

ومع الاسف تقديري إلى الآن أني لم أنجح في هذا المعترك، لأسباب تتعلق بي شخصيا من ناحية القدرة على تنظيم الوقت والمهارات الذاتية، وغياب جانب التسارع في النقل من جهة، وبسبب الجمهور من جهة ثانية، لأن العقل الجمعي للجمهور، يراقبك كسياسي أو إعلامي، وأنت تريد إخراجه إلى الجانب الطبيعي من الحياة، مثل مقهى تتحدثون فيه عن معظم الأشياء، إن المهنة والوظيفة وحتى العنوان أشياء طارئة على الإنسان، والإنسان حياة وصفات وطباع.

أعتقد أن بيني وبين الجمهور في الفيس بوك حب متبادل، كما أعتقد أن هناك الكثيرين يبغضونني جدا وعددهم كبير في الحقيقية، وهم محترمون عندي، لأن لديهم قناعات قوية في سبب البغض هذا، وتبقى الأغلبية الصامتة هي الأهم، عندما ينتهي البث يكون هناك عشرة آلاف وأحيانا عشرين ألفا قد شاهدوا الحلقة، لا أعرف منهم سوى خمسة في المائة، هؤلاء هم الأغلبية الصامتة في كل مكان، وهم القوة الخافية، وفي النهاية هذا التواصل هو محطة من محطات الحياة، أعطيها ما أستطيع من الوقت، وتعطيني ما تستطيع من الحب، والمشاكسات، والتعلم.

 

* أعددت نحو 2000 تقرير تلفزيوني تم بثها على مدى 13 عاما، اخترت 100منها ووضعتها في كتاب نادر في بابه، حدثنا عن مشروع كتابك الجديد .

- الكتاب الجديد جاهز، وينقصه العنوان فقط، لم أعثر له على عنوان بعد، وأفكر في عنوان " شيء من ذاكرتي " وقلت في نفسي أن ما ننتجه يذهب في الأثير ويترك الذاكرة، وتذكرت في علم الإدارة شيئا يسمونه " خدمات ما بعد البيع " وهي قريبة من كتابي هذا، لأنه سيأخذ 100 تقرير، ويودعها في صفحات، ثم يدع للقارئ النظر إلى النص، والصور المصاحبة، وإن شاء، فإنه وبمجرد تمرير هاتفه الجوال على المربع الذكي في صفحة الكتاب سيظهر له التقرير الذي مرر عليه هاتفه بالفيديو، وهنا أعتقد أنها سابقة، مفيدة لنا جميعا، وأعتزم أن افعلها لاحقا مع كل تقاريري إن شاء الله، لكنها تحتاج إلى وقت، ولدي بحوث تتعلق بالإعلام، من بينها رسالة الماجستير عن المؤسسات الإعلامية وأثر الإدارة فيها على العاملين، وهو مبحث عملي وفيه استبيانات، تم انجازه، ووصلت فيه إلى ملاحظات مهمة، عن صعود مستوى الأداء، إذا ما كانت الإدارة جيدة، أحاول لاحقا أن أكتب شيء أكثر تخصصا، في العمل داخل غرفة الأخبار وعلم " المصدر "

 

* لمن تحب ان تقرأ من الكتاب العرب او الأجانب، ومن هو مثلك الأعلى في عالم الصحافة الورقية أو الإلكترونية؟

- مفهومي للقراءة تراكمي، كذلك أعتقد أن الكتاب مفتاح رائع للقراءة، فإن أردت كتابة شيء ما، وخاصة في التأليف، فإنك تحتاج للمراجعات، وهناك كتاب منظور، وهو ما يجري من حولي، وكتاب مقروء، ومع أن القصة ليست بالعدد، فغالبا لا يمر أسبوع من غير قراءة كتاب جديد، كذلك الاطلاع على المكتبة الشاملة، وهي برنامج ذكي على الكومبيوترات، وفيه خاصية رائعة للبحث .

ما تسأل عنه يخص القراءة المباشرة، وفي الأدب مثلا أقرأ للرافعي وأحبه جدا، وللأستاذ محمد الراشد وأعشق شعر الجواهري وعبد الرزاق عبد الواحد، أظن الجواهري وواحد هما عمالقة القرن الماضي، وفي الرواية تأسرني، رضوى عاشور، وأنعام كجه جي وسنان أنطوان، وعبد الرحمن توفيق، واهتم جدا بما يكتب، أمين معلوف، وغيرهم الكثير، بينما في السياسة اعتمد على المقالات والابحاث، واطلع بشكل يومي تقريبا على ما يرد في صفحة الجزيرة نت " تغطيات " ففيها خلاصات للكتب، ومقالات ذات طابع علمي بحثي.

الكتب العربية في السياسية ضعيفة غالبا، وذات منهجية أكاديمية، اما للغربيين منهم فهناك، روبرت فيسك، وكتابه " الخديعة " في ثلاثة مجلدات، إنه كتاب عظيم، وفيه تتبلور عبقرية الصحفي والسياسي، وتوماس فريدمان، كاتب ثعلب، لكن لابد أن تقرأ له، وتشومسكي وكيسنجر وفوكوياما، وبعض كتب المذكرات للغربيين، أعتقد أن موضوع الكتب، تراكمي، لا ينبع من عدد، ولا من عنوان، بل هي محصلة لعقل سليم، يفهم ما يقرأ، ويتقبل آراء الناس.

 

* هل للرياضة حيز في حياتك ... واي المنتخبات او النوادي تحظى بتشجيعك عربيا، آسيويا، اوربيا؟

- أشعر بالحزن وأنا أرى الرياضة تتحول من كونها " قوة للبدن والعقل" إلى جعلها وسيلة إمتاع، لشخص يجلس امام التلفاز ويشرب البيبسي كولا، ويأكل، ويراكم الأمراض، والشد العصبي، ليقول في النهاية " أنا رياضي" أهتم بالنادي الفلاني!!

ليست هذه رياضة، هذا استهلاك للإنسان باسم الرياضة، والرياضة سلوك يفعله الإنسان، من تحريكه لجسمه، بدل ما اعتدنا عليه هذه الايام، من الأعمال المكتبية، من حق الإنسان أن يشجع، ويستمتع بأداء اللاعبين، لكن لا يحق له أن يقول إنه " رياضي " بهذا القياس .

لا أشجع أيا من الفرق، ولكن أعرف بالنتائج من خلال اطلاعي على الأخبار، وما يكتبه الناس، وكنت لاعب كرة قدم مميز جدا، أيام دراستي الابتدائية والإعدادية والجامعية، وألعب الفنون القتالية، لكنني تركت كل ذلك، بالفعل أحتاج إلى الرياضة، ولكن ابني زيد تسع سنوات وأنس ثماني سنوات، يفرضان علي أن أكون رياضيا معهما، وأن نلعب معا كل أسبوع، كرة القدم، الآن لا يعتقدون أني كنت لاعبا جيدا، لقد فقدت تلك المهارة.

 

* كلمة اخيرة للجمهور عنك وعن مستقبلك

- أخوكم عامر ليس صفحة تواصل اجتماعي، وليس الجزيرة، إنه إنسان بالمقام الأول، وأب لعائلة رائعة، هي أجمل ما أملك، ومستقبلهم العملي خاصة هو أكثر ما يهمني، ولقد أخذني العمل منهم كثيرا، لكنني حريص وبشكل يومي على التواصل الفردي مع كل شخص من العائلة، أسمع إليه، أمازحه، أعلمه، ابنان وبنتان، وزوجة رائعة.

ليست الحياة سياسة أيها الأحباب، بل السياسة طارئة عليها، وليست تواصلا اجتماعيا، ولا حالة اقتصادية، نحن لدينا نفوس أكبر من ذلك كله، لكنها تحاول مسك العصا من الوسط، بين هموم الأمة، وهموم الوطن، ومع ذلك، فإن لي قاعدة ذهبية تقول : يجب أن تستمر .. مهما حصل، مهما وقع من ظلم وأحزان، لابد أن نستمر لتحقيق شيء في الحياة، وأختم هذا الحوار بكلمات رائعة للشاعر الجواهري، التي لا أتوقع أن تقال مرة أخرى بعد موته لقوتها وجزالتها وسهلها الممتنع:

لقد أسرى بيَ الأجلُ

وطول مسيرة مللُ

وطول مسيرة من

دون غايٍ مطمحُ خَجِلُ

لذلك لابد أن تكون هناك غاية.

sadeek-sharowشرو يتحدث بأمانة في لقاء فريد لي: أين هي وزارة الثقافة؟

يموت الشاعر ولكن شعره سيظل خالداً وافتخر لبلاد (خاني وجزيري)!!

الأزمنة تتغير وتلتحف بارهاصات الاوجاع وتكثر مآسي الانسان في خضم الازمات الانسانية والاجتماعية ولكن يظل قلب الشاعر الكبير صديق شرو مزنة مطر تهطل شعراً وحباً للانسان الكوردي على مدى 4 عقود ورغم ظروفة القاسية قدرت ان التقي به ليكون اول لقاء يجرى معه بعد نكسته الصحية ويفتح قلبه لنا بأمانة وكان هذا اللقاء:

 

ـــ مالذي دفع الشاعر صديق شرو الى الكتابة في خضم التناقضات الفكرية والاجتماعية والانسانية؟

ـــ مجموعة التناقضات عند الانسان تولد لديه طريقة للخروج منها لكي يجد نفسه بعيداً عن حياة المتناقضات ولأن المتناقضات في حياة الانسان تسبب له القلق وقنوط الحياة فيبحث عن نفسه في مكان آخر،عندما يجد نفسه حراً لذاته وافكاره بعيداً عن عالم التناقص ..اذن عالم الشعر كان خلاصي من تلك الارهاصات الفكرية.

 

 

ــ كيف تصور الشاعر الذي يقبع في برجه العاجي وهو يتغنى باوجاع الفقراء؟

ــ التجربة هي اساس المعاناة والابداع ،فالذي يعيش بعيداً عن المعاناة والتجربة لايمكن لشعره ان ينبض بحرارة الحياة..!!

 

ـــ ألا تعتقد بأن الازمات هي من تخلق المثقفين الحقيقيين!!فهل خلقت ازماتنا مثقفاً حقيقياً؟

ـــ للأسف اكثر مثقفينا يكذبون على انفسهم بثبوت الموقف والادعاء بثقافة ليست قوامهم،لذلك افتقد المثقف الحقيقي في هذه البقعة من ارضنا.

 

ـــ ماهو الشعر في عٌرف الشاعر صديق شرو؟

ـــ الشعر لغة تعبر عن ذاتها لتعطي لغة اخرى تخاطب الوجدان باسلوب مؤثر ومزخرف بالابداع.

 

ـــ البعض يردد بأن الشعر يلفظ انفاسه الاخيرة ولكني اراك بانك تصارع المرض والوجع بالشعر فكيف ترى انت المقولة؟

ــ ربما يموت الشاعر او قافلة الشعراء ولكن الشعر ازلي وجزء من حديقة الحياة فلا يمكن للحقيقة ان تموت عند من يبحث عنها وقد يضعف جمهور او محبي الشعر ولكن الشعر ذاته لايمكن ان يموت فانا في صراعي مع المرض اساعد نفسي بقرائته وتأليفي لمقاطع منه ولانه يربطني بالحياة التي انا جزء منها.

 

ـــ ماهي الاسباب التي تدعو الاديب الى الاغتراب وهو في رحم الوطن؟

ـــ الغربة هي عدم انسجام الانسان مع ذاته في مكان وزمان ما!!وعدم شعوره بقيمته الحقيقية وتهميشه من قبل من يرعاه،او من تكمن حقيقته عندهم..!!

 

- هل المؤسسات الثقافية في اياد امينة في الوطن؟

ـــ اني لااجد الرجل المناسب في المكان المناسب وكذلك مؤسساتنا الثقافية عليهم علامات الاستفهام المقرونة بهذا السؤال..!!

 

ـــ هل وصل الشعر الكوردي الى العالمية وكيف نفهم العالمية؟

ـــ اتمنى ان يصل الشعر الكوردي الى العالم عن طريق الترجمة ولانه الطريق النبيل الانساني للوصول الى العالم وثقافاتهم ولانه عمل دبلوماسي لتعريف ثقافة امة ما ورجالها بالعالم الخارجي ،فما وجدناه نحن هنا القليل النادر من قبل البعض الذين خدموا الادب ورجالها عن طريق ترجمة حياتهم واعمالهم بلغات غير محلية وهنا علينا ان نكثف الجهود من اجل تشجيع المترجمين لطرق ابواب العالم وما يقوم به البعض من المترجمين يعد من جهودهم الفردية وهناك ادباء يعدون مثالا لهذه الامانة الفكرية والحصول على اللجوء الثقافي للشعراء الذين تترجم اعمالهم.!!

 

ـــ خلال متابعتي لقصائدك لاكثر من 4 عقود ،كانت المرأة حاضرة بقوة في اعمالك..!!فما سرها في اعمالك؟

ـــ المرأة ملاذ الانسان في ارهاقه والعنصر الفعال لعملية التفاعل الانساني،فالحياة من دون مرأة كغيمة من دون مطر،لذلك كنت وما ازال اجد المرأة مطراً يهطل على ارضي اليابسة ليزهر ربيعاً جميلاً.

 

ــ ماهو رايك هوية الاوطان الحقيقية الشعر ام السياسة؟

ـــ في وطني افتخر لانني عندي( خاني و الجزيري) ولا زال هناك من يسير على دربهم ،فهوية الاوطان الحقيقية تكمن بمثقفيها وادبائها وليست بالسياسة اي حيلة الحكم..روسي يفتخر ويقول كنوزنا هي بوشكين وتشيخوف ودوستوفسكي..!!

 

ـــ ماذا علمتك تجربتك القاسية مع المرض؟

ـــ علمتني صعوبة ولحظات الحياة هذه بأن المخلصين قليلون وخاصة لمن تنتهي مصالح الناس عنده،من خلال هذه التجربة القاسية التي مر بها غيري نتفق بذات الاسلوب على ان المصالح الشخصية هي فوق كل المصالح وحتى عند اقرب الناس..!!

 

ــ هل يمكن اعتبار ما يكتبه الادباء الكورد باللغات الاجنبية ادباً كوردياً؟

ـــ اذا كان تعبيرا خالصا وليست ترجمة حرفية فهي نابعة من عين كوردية ووجدان كوردي واي كتابة يتفاعل معها الكوردي يصبغها بثقافته وشيئاً من احساسه لذلك تعتبر كوردية، فقد خدم ادباء الفرس لغتهم عن طريق نقل الاعمال العربية الى الفارسية وبذلك خدموا لغتهم.

 

ــ هل انصفك المجتمع الكوردستاني وبالاحرى هل ينصف المجتمع مثقفيه؟

ـــ انا لم اجد هذا الانصاف معي واقول ذلك على الكل ولان المجتمع اصلاً مادي فهل على الاديب والمثقف ان يعطيهم المادة كي ينصفوه!!ولك هذا المثال :شاعر كبير على سرير الموت زاره رئيس بلاده في مضجعه وجلس عند قدميه في فراشه وقال للشاعر لقد خدمت المجتمع طوال حياتك فكيف بوسعي ان اخدمك فاجابه الشاعر ملامسة يدك لجسدي اكبر خدمة لهذا الجسد المتعب..!!!!

 

ـــ قرية(تسادا) كانت حاضرة في داغستان رسول حمزاتوف فهل كانت قريتك الشيخ هه سن حاضرة في اعمالك؟؟

ـــ القرية الصغيرة التي احتضنتني واطلقت فيها اول صرخة ولادتي تعد خلفية ثابته لاكثر اعمالي ،فهي القرية التي مر منها بطل التاريخ الاسكندر المقدوني بجيوشه الجرارة عبر نهر كومل وهي ايضا قلعة الشيخ هه سن الداسني الذي اغتاله بدر الدين لؤلؤة في الموصل وترك خلفه مولفات واعمال ادبية مثل كتاب( مزده ها روز).

 

ــ كيف ترى هذه الاسماء:

فريدة رجب: اخلص انسانة وملائكة آمنة

عبدالمجيد لطفي : استاذ كبير عشته في اعماله ولم اراه

صبري بوتاني: اتمنى ان ارى مدرسة باسمه

شورشفان صديق شرو: خلودي الابدي وحياتي الحاضرة

وزارة الثقافة في الاقليم: اين هي؟

 

اجرى الحوار: بدل رفو

دهوك\ كوردستان

 

radi mutrafi- جنان الصائغ: أكون مجنونه عندما اجد قلب نقي وصادق يحتوي جنوني

لا اعرف من اين ابدا مع جنان الصائغ هل من بوابة الشعر او من رواق القصة القصيرة او اذهب للبحث عن حصى مختلف في منطقة النباعي لاقدمه لها تمارس عليه جنونها وشغفها بتلوينه وتحويله الى اشكال فنية او اقف عند العملية التربوية واستفزها بسؤال احمل به المعلمين تراجع التعليم في العراق . المهم انا اعرف ان لجنان جنون فنان ورقة انثى وقلب شاعر ساتصرف على طريقة اهل (البيع بالجملة) واطرق ابوابها جميعا لأجري معها لقاء ربما خارج المالوف.

 

• يجاملك البعض ويقول: ولدت جنان وفي فمها قافية في حين يراك البعض الاخر طفلة تعبث بجديلة القصيدة .. أين انت من كلاهما؟

• لا أخفيك انا من عائله أهتمت بالادب والعلم كثيرا وفعلا نضجت على وانا استمع لوالدي وهو يتحدث الفصحى ولا يتركنا لحظه الا ونحن في ايدينا كتاب للقراءة . قطعا الشعر بالنسبة لجنان ليس عبثا وابدا مافكرت يوما ان يكون الشعر مجرد كلام اكتبه على الورق الشعر بالنسبه لي هي قلائد من الاحساس اصوغها على شكل كلمات

 

• كثيرا ما تعنونين نصوصك بـ (شخابيط) .. هل هو شك في جودة ماكتبت .. او محاكاة لهذيانات المجانين؟ او تأثرا بشخابيط ناسي عجرم؟

• هههههههه الحقيقه رغم اشاده الكثير بانني شاعرة متمكنه واطلق علي احدهم الشاعرة الواعده لكن رغم كل هذا مازلت اخشى بعض الاخطاء في النص وبمعنى ادق انني اخشى النقد الجارح لان طبعي حساس جدا وقد اترك الكتابة لمجرد ان هناك نقد يجرحني

 896-jinan

• انت معلمة في زمن تراجع التعليم .. هل انت جزء منه او محارب له وكيف؟

• للاسف ماكان في ذهني يوما ان ادخل سلك التعليم ابدا، لكن سبب تراجع التعليم ليس المعلم ابدا وانما الضغوطات التي فرضت على المعلم والحالة الماديه التي انهكته بغض النظر عن معاناة المعلم مع الطلبه واولياء الامور الذين لايفهموا معنى كلمة مع معلم

 

• هروبك من الشعر للقصة القصيرة جدا .. مواكبة للموضة السائدة او هروب من فشل؟

• لاهذا ولاذاك انا لم اهرب من الشعر ابدا وأنما وجدت نفسي قادرة على السرد وكتابه القصه القصيرة فبدأت بكتابه بعض القصص القصيرة والتي نالت اعجاب الكثير على مواقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك

 

• الفشل في الحياة الزوجية يكاد يكون نتيجة لكثير من الشاعرات .. هل السبب نرجسية الشاعرة؟ او رفض الرجل لأن تكون الزوجة شاعرة؟ او ان الشعر والزواج ضرتان لايظللهما سقف واحد؟

• فشل حياتي الزوجيه خارج نطاق الشعر تماما .

 

• في القصة القصيرة جدا تكاد اغلب نصوصك غير ناضجة .. من يقف خلف ذلك .. قلة التجربة؟او غياب الموهبة؟ او استعجال الشهرة كقاصة؟

• قد تكون غياب الخبره ربما.. وايضا اردت معرفتي قابليتي في كتابة القصه ولاتنسى شيء مهم الا وهو اعتمادي على نفسي في كل شيء

 

• قضية الحصى وولعك به حد الجنون .. هل مرده كبت طفولي؟ او صرعة للتفرد؟ او جنون مطلق تجدين نفسك فيه؟ وهل تذكرين حكاية طريفة حصلت معك؟

• لجأت للحصى اولا لسبب قد يكون مضحك في نظرك لكن تلك حقيقه ..انا اعشق الفن وتكاليف اللوحات وغيرها مكلف ففكرت بالحصى وكيف اسخره لي واجعل من تلك الحصى الجامده شيء ملفت لنظري وايضا احساسي بان هذا الحصى شيء قوي لايمكن تغيره وكان هناك تحدي لتغيير تلك الححرة الصماء....والموقف طريف حين كنت اجمع الحصى ماأنتبهت انني امام نقطه تفتيش نزلت هناك وبدأت اقتني الحصى فوجدت عسكري يترقب ماأفعل ظن منه اني ازرع عبوة والحمدالله نفذت بأعجوبه هههه

 

• اخيرا من هي جنان الصائغ؟ ومتى تكون عاقلة؟ ومتى تكون مجنونة؟

• جنان الصائغ مجموعه الوان على كم من الهذيان المجنون..اكون عاقله حين اصدم بشيء وثقت به جدا أكون مجنونه عندما اجد قلب نقي وصادق يحتوي جنوني .

 

• بعد ان تفرقت بنا مسارات الشعر والقصة القصيرة امسكنا بخيط الجنون المفضي الى (حصى) نقلته جنان من (مقالع) ومواقع شتى وضحت بوقت راحتها حتى تغسله وتخلصه من الاتربة التي علقت به ومن ثم لتضعها على منضدة التشريح المعدة لذلك بجانب علب الاصباغ ومواد اخرى لتخلق منه اشكال شتى ولوحات بمستوى جنونها هي وقبل ان اشكرها اكرمتنى بعدة (حصوات) كانت احداهن تشبه امراة اثقلت نفسها بـ(مكياج) يكفي لمئة حصوة . وبما انها تملك سلاحا من الحصى يكفي لـ(فشخ) مجموعة لذا لزمت الحذر حتى خرجت من عرين حصوها بسلام .

 

حوار: راضي المترفي

 

maymon harashميمون حِــرْش كاتب وقاص من مدينة الناظور المغربية، عضو اتحاد كتاب المغرب / فرع الناظور، كاتب عام جمعية "جسور للبحث في الثقافة والفنون ".. كُرم في ملتقيات أدبية كثيرة، ونال عدة جوائز أدبية مهمة، منها جائزة النور للإبداع العراقية عام 2014..صدر له:

" ريف الحسناء" في القصة القصيرة سنة 2012- مطبعة Rabat Net( الطبعة الاولى)، والطبعة الثانية منها سنة 2015 عن منشورات الموكب الأدبي / وجدة.

و"نَجِــيُّ لَيْلَتي" في القصة القصيرة جداً سنة 2013- مطبعة Rabat Net،

و" النظير" في القصة القصيرة 2015 مطبعة - Rabat Net،

و" ندوب" في القصة القصيرة جداً 2015- مطبعة Rabat Net..

هذا فضلا عن المشاركة مع ثلة من المبدعين العرب في مُؤلفات:

" عطر الفجر" في القصة القصيرة جداً..

"إشراقات" كِتاب رقمي في القصة القصيرة جداً..

" جُسور " في القصة القصيرة جداً ..

التقيته - أنا الصحفي عبد الملك أقلعي - وكان لي معه الحوار التالي:

• لا يمكن القول بأن مجال الإبداع مفروش بالورد فلابد أن تعترض الكاتب مشاكل وعراقيل. فما هي المشاكل والعراقيل التي واجهها ميمون حرش في بداية مساره..؟

محاولاتي الأولى كانت في سنوات الثمانين، ومع ذلك لا زلتُ في البداية أحبو، ولا أدعي ما لا أرضاه لنفسي .. ولم أحقق بعد، كتابةً، كلَّ ما أريد.. هذا أولاً.. وثانياً أعتبر الكتابة في حد ذاتها أهم مُعرقل.. فليس سهلا أبداً أن تحمل القلم، وتحضن هموم الآخرين بحيث تكتب، ترسم، وتبدع.. وكما قال همنجواي تعذبني الورقة البيضاء على مكتبي.. والإبداع كما لذة الشراء عند أحمد أمين.. تفرح لأنك تكتب، وتحزن إذا لم تكتب..الكتابة لا بد من أن تمر من عدة محطات تبتدئ بالموهبة أولا، والجهد المتمثل في التجربة الحياتية، غبر مخالطة الناس، وتكثيف القراءة ثانياً، ثم وصولا لبعض المعرفة كزوادة، أو كدولاب المحفوظات الأدبية كما يسميها تشيكوف..

ولن أتحدث عن عراقيلَ أخرى مثل النشر، والتوزيع، والطبع وما يتلو ذلك من وجع الرأس، وصرير الأسنان حين تلقى من لا يقدر المبدعين، ولا ينصر الثقافة في الوقت الذي يستسمنون فيه ذوي أورام من سماسرة الخردة..

 

• تشرفت بالحصول على مجموعة من الجوائز كما لديك العديد من المشاركات . حدثنا عن ذلك؟

- أعتبر باكورة أعمالي "ريف الحسناء" بعد صدورها فألا حسنا عليّ .. تلقّفها الأصدقاء، والقراء من تلامذتي، وتركت أصداء جميلة في نفوس الجميع .. لقد خصّها نقاد كثيرون لهم وزنهم في الناظور وخارجه بقراءاتٍ جميلة، ودراسات في المستوى .. أذكر منهم: الدكتور فريد أمعضشو- الباحث عبد الله حرش - الدكتور جميل حمداوي - الدكتور امحمد أمحور- الدكتور ميمون مسلك – القاص عبد الرحيم التدلاوي- القاص محمد كركاس، الدكتور محمد يوب - الدكتور محمد باقي محمد من سوريا- الباحث حسين أقليد، الكاتب والناقد الخضر الورياشي(هو أول من توقع لها انتشارا محموداً)، والروائي اليمني محمد الغربي عمران من اليمن، والقاص سامي الشاطبي .. والقاص والمذيع علي أزحاف..

وأعتبر يوم دعاني القاص الكبير عبد الحميد الغرباوي لحفل توقيع " ريف الحسناء" في معرض الكتاب بالدار البيضاء عام 2012، بمثابة عيد، عزفت فيه على كمان القلب طرباً.. هذه جائزة لها طعمها، تتالت بعد ذلك حفلات توقيع "ريف الحسناء" في مناسبات عدة.. و" نجي ليلتي" كذلك ستحظى بحفل توقيع باذخ بالمقهى الأدبي بدعوة من جمعية ملتقى الفن والإبداع شارك فيه الدكتور جميل حمداوي، والدكتور نور االدين الفيلالي، والناقد الخضر الورياشي ..

والحق أني كنتُ في حاجة ماسّة لمن يقول لي: "استمرّ أنت كاتب".. هذه الثقة منحها لي الأصدقاء والنقاد بعد إصداري "ريف الحسناء" .. وفي السنة نفسِها، ستنال قصةٌ لي بعنوان "النظير أو الفنان هج" الجائزة الثالثة في المسابقة التي تُشْرف عليها مجلة "العربي" الكويتية الشهيرة، بمشاركة مع إذاعة بي بي سي (BBC) العربية. كما سيفوز مقالي: "لعنة حرف الكاف" بالجائزة الأولى في موقع "مجازين" بمناسبة اليوم العالمي لعيد المُدرس... أما جائزة النور للإبداع(2014) - دورة الشاعر العراقي الكبير يحيى سماوي فسأطير لها فرحاً.. حين حاز نصي " نجمة البحر " الجائزة الثالثة في جنس القصة القصيرة... وللتذكير فإن جائزة النور للإبداع سنوية، يشارك فيها كتاب عرب من كل الأقطار..يتبارون في كل الأجناس الأدبية( قصة قصيرة- قصة قصيرة جداً- مسرح- رواية- شعر- المقال- الحوارات- الدراسات والبحوث- النقد الأدبي- أدب الطفل- الأعمال المترجمة- شعر التفعيلة- قصيدة النثر- الشعر الشعبي..)

أما تكريمي في المهرجان العربي الثاني للقصة القصيرة جدا الذي نظمته جمعية "جسور للبحث في الثقافة والفنون" بالناظور سنة 2013، فسيمدّني بكثير من الطاقة، ويملأني أملا وحماساً، ويشعرني بسعادة عارمة .. وفوق ذلك، وهذا هو الأهم، سيلقي على عاتقي الكثير من المسؤولية لأكون عند حسن ظن السرد الجميل...

• ما هي ظروف كتابة " نجي ليلتي":الدوافع والحوافز والمعوقات؟..

- الكتابة تستثيرني في كل وقت، الليل خاصة؛لمّا تحضر الفكرة، وتنكتُ في رأسي.. أجدني أنضج في أتون الكتابة دون أن أشعر ومعظم نصوص " نجي ليلتي"، على اختلافها، فرضت علي نفسها بشكل مستفز.. ثم هي قصص قصيرة تجر معها عربة" جداً"..والكتابة في هذا الجنس أملته ظروف خاصة، لعل منها المؤثرات الإعلامية، والإقبال على كل ما هو سريع في زمن باتت الساعة فيه لا تأخذ نفَسها.. وهذا لا يعني استهانة بهذا الجنس، بقدر ما أعني أن كتابتي في القصة القصيرة جدا لم تتأتَ لي إلاّ بعد أن تيقنتُ بأنها تضع قدميها على أرض صلبة رغم كل ما يقال عنها..

ثم إن الكتابة لا تعلن عن نفسها، ولا تعقد معك صفقة، أو لقاءً مسبقاً.. هي مثل حبيبة مشاغبة، إذا تجملتْ وانتظرتك، ثم تأخرتَ عن الموعد، أدارت لك الظهر معاتبة، ومحتفظة بابتسامة ماكرة، لكن لذيذة، لأنها تعرف في قرارة نفسها أنك عائد، وستطلب ودها من جديد، رغماً عنك، مرة ومرات..

و"نجي ليلتي" حبيبتي غارت من "ريف الحسناء" كثيراً..استعجلت الظهور، متملصة من جلباب القصة القصيرة..لذلك فهي مختلفة عن المجموعة الأولى باعتبارها في جنس القصة القصيرة جدا؛ تزامن صدورها مع إحيائنا في الناظور للمهرجان العربي الثاني للقصة القصيرة جداً عام 2013..ونالت توزيعأ عادلا إلى حد ما، وبعد صدورها خفتُ كثيرا من آراء القراء حولها، والحق لم أكن أريد أن يعكر علي أحد طعم " الإقبال" الذي حظيت به " ريف الحسناء".. لكن رأي الكاتب الخضر الو رياشي المعروف عنه حرصه على انتقاء الأجود سيكتب حولها ورقة فتحت كوة في داخلي، من نور.. أما الناقد الكبير الدكتور ميمون مسلك فسيكتب عنها في كتابه " غواية السرد القصير" مقالا عنونه " مجموعة " نجي ليلتي" ومؤشرات اللامعقول " تناول فيه أهم ميزة بالمجموعة.. بل ويذهب مسلك إلى أن كتاباتي في القصة القصيرة جدا لها طعم خاص بالمقارنة مع القصة القصيرة، كما سيفرد لها الدكتور جميل حمداوي مقالا خصه بالحديث عن الخاتمة / القفلة في قصص المجموعة، وكذلك سيفعل القاص محمد كركاس متناولا، في مقال جميل، نص " نجي ليلتي"، وسيكتب عنها كذلك القاص الأنيق نور الدين كرماط، وكذلك الكاتبان اليمنيان محمد الغربي عمران، وسامي الشاطبي..

هذه المتابعة تمنحني طاقة أنا في حاجة إليها كما قلت آنفاً..

 

• هل تحس أن هذا العمل أضاف إليك شيئا؟ شخصيا نفسيًا وماديًا واجتماعياً؟

- بعد " ريف الحسناء" أستطيع أن أقول بتواضع بأن " نجي ليلتي" وضعت قدميْها بوثوق على الأرض.. هي عروس خطبها عرسان كثيرون، وباطمئنان أسجل أن رجع الصدى حولها، بعد قراءتها من طرف الأصدقاء، والكتابة عنها من طرف النقاد، منحني ظلالا داخلية..وبكلمة أنا سعيد بها..

يكفي أنها عرفتني بقامات سامقة في كتابة القصة القصيرة جدا داخل المغرب وخارجه..

أما عن الربح المادي، فلا أحد يكتب كي يربح أو يخسر..هذا كلام لا يستقيم في الأدب والإبداع عموما..

الأدب يُكتب، وقيمة هذا الأدب هي التي تحدد الربح والخسارة بالنظر إلى الأصالة فيه، وعمق الطرح الصحيح للأشياء، وترويج الفكر الأصيل عبر رسائل تُكتسب عبر طرح أسئلة بعد القراءة..

 

• الإنسان صنيعة الماضي .. إلى أي مدى ساهم الماضي في تشكيلك الإبداعي؟..

- لست ماضوي التفكير، ولكن الماضي يفرض نفسه عندي كما عند غيري، وباعتباري قاصاً لا أنطلق منه دائما في بناء قصصي القصيرة، إنما من اللحظة الآنية المأزومة مستثمراً لقطات دالة، وموحية منها، ومع ذلك ظلال الماضي تترك أثرها عبر ومضات الاسترجاع شرط أن يحمل الماضي في قصصي إضافته للمستقبل...ثم إن القصة القصيرة غير الرواية، هذه حياة بأكملها، أما القصة القصيرة فهي تتناول اللحظة المأزومة كما قلتُ آنفاً، والمفروض في القاص أن يكون مهندساً يضع في الحسبان أنه يبني بيتاً لا عمارة ...الماضي يُستعاد، ولا يعاد، ليكون شاهداً على ما يقع اليوم..

قصة "ريف الحسناء" – ص43 من المجموعة مثلا فرضتها لحظة غرق الناظور في فيضانات سنة2009 ؛ هذه اللحظة الآنية، المأزومة لم تكن لتمر دون التقاطها، والتعبير عنها ؛ وفي هذه القصة، المستمدة من لحظة رهيبة عشتُها كما عاشها أهل الناظور، إشارات عبر إيماءات بأن ماضي الناظور كان أسوأ..وهكذا تجر الحظة المأزومة معها تلابيب ماضٍ انقضىى لكن له صلة لا بما يقع الآن، بل بما سيقع غداً..

 

• يحضر الليل والبيئة الريفية في إبداعاتك بشكل لافت. بالمناسبة ماذا يعني ذلك؟

- في "ريف الحسناء" تحضر الناظور بشكل لافت، والكتابة عن البيئة الريفية تروق لي، أولا لأني ريفي، وثانياً لأن من حق مدينة عشتُ فيها، أن أكتب عنها.. ولقد صدق الناقد الخضر الو رياشي حين قال عني بمناسبة حفل توقيع نجي ليلتي":" هو (ميمون حرش) .. أبـوهُ: (الريف)، وأُمُّـهُ: (الناظور)، إنه عاشق مدينة الناظور، المُخْلِصُ ؛ أرضاً وسماءً، يابسةً وبحراً، تراثاً وحداثةً، ويتعلق بأحيائها وأمواتها على السواء، ويذكر الجميع بما يستحقُّونَ ؛ فيقول للمحسنين أحسنتم، وللمسيئين أسأتم. ولا تُحرِّكُ لسانَه بالقول، وقلمَهُ بالكتابة، إلاَّ مودة، ورحمة، وغيرة .. ولعلَّ الغيرةَ هي أشدُّ ما يُحرِّكُ لسانَه، وقلمَه، وقدميه أيضاً . ويكاد لسانُ حاله يقول: لوْ لمْ أكن ناظوريّاً لودِدْتُ أن أكون ناظوريّاً !!"..

قصة " ريف الحسناء" أصور فيها مدينة الناظور بألق، أضفيتُ عليها مسحة أسطورية، أغدقتُ عليها أوصافاً جميلة بحيث كتبتُ بأنها حسناء، ورُودٌ جميلة يخطب ودها عرسان كثر(أقصد هنا رؤساء المجلس البلدي)، وفيها أتناول معاناة الناظور في فيضانات 2009، وهول الدراما التي عاشتها إثر هذه الكارثة جعلتها تتبرم من أزواجها الذين نهبوا كنز الربيع لديها، ثم تخلوا عنها جحودا، وحين سألها أحد أبنائها عن سر هذه الخيانة واتتها النكتة، وحكت مدام " ريف" حكايتها، حكاية امرأة قيل لها: " من لم تتزوج أكثر من زوج واحد لم تتذوق حلاوة الحياة"، وكذلك كان، "ريف" تزوجت بمن تحب، وبمن لم تحب، والغريب أنها جزمت بأن أحسن أزواجها من ستزف إليها غداً..

مدينتي الناظور غنية جداً، ( لكن ما أكثر الفقراء فيها!..)، تحتل المرتبة الثانية في النظام البنكي المغربي بعد الدار البيضاء، رغم أن تعداد سكانها لا يتجاوز 180 ألف نسمة مقارنة مع البيضاء التي يصل سكانها إلى حوالي3 ملايين نسمة، ورغم هذه الثروة فهي لا تتوفر على أية بنية اقتصادية، وتصنيف المدينة في الرتبة الثانية بعد العاصمة الاقتصادية للمملكة له أكثر من معنى، ولن يستغلق فهمه حتى على الولدان، هي رتبة تخول لها على الأقل أن توصف كغيرها: " مدينة" علما أنها لم يحصل لها هذا الشرف إلا مؤخراً، وبفضل حزم صاحب الجلالة محمد السادس، وهي صراحة ما كانت لتستحق هذه الصفة لولا جلالته، أما حين نعرف أن بالناظور توجد أكثر من 95 وكالة بنكية فأول سؤال يفرض نفسه هو: هذا العدد الهائل من الوكالات، وسط المدينة، وفي ضواحيها، لو لم تجد مصادرَ تضخ بها شرايينها، هل كانت ستتناسل بهذا الشكل الأخطبوطي؟ ثم أليس العدد مضحكاً في مدينة كانت إلى عهد قريب مثل أطلال لا يعيش أهلها إلا على التهريب، في الوقت الذي يفتح لصوص الإدارات أفواههم ليمتصوا عرق جبين هؤلاء لا لشيء سوى أنهم في موقع سلطة؟. هذه الثروة، من استفاد منها غير القائمين على أمورنا بفضل مشاريع تدر عليهم الزرع والضرع، يستثمرون بها أموالهم لا داخل الناظور، بل في مدن أخرى، والناظور- بالنسبة لهم- مجرد بقرة حلوب، ضرعها كشجرة، جذعها هنا، أما أغصانها، وفروعها فهي ضاربة في فاس، أو الدار البيضاء، وسواهما كثير، ونصيبها، تالياً، بعضٌ من زوادة "حنين"، كما في المثل، مجرد خفين..

الناظور مدينة عانت الكثير، قلبها قُد من رأس المأساة في زمن الرصاص، أهملها أهلها، وباعوها بثمن بخس، بل وصلت بهم الوقاحة بأن زجوا بها داخل غرفة من تحرش بها، فاسترقوا السمع على صرخاتها أثناء اغتصابها .. كانوا بذلك يوقعون على " موافقة" صك تشويه سمعتها..

ولولا حزم صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله، في تصالح العرش مع الريف في أبهى صوره لكانت الناظور مجرد مدينة كسيحة، يتكالب عاليها الخونة من أجل أن تظل جاثية حتى لا تقوم لها قائمة، ألا ساء ما يفعلون.

وبعد،

ألا تستحق الناظور من أهلها حبا قيسياً؟

ألا تستحق هذه المسكينة أن نكتب عنها؟!

مدينتي!

"أضاعوك، وأي ناظور أضاعوا

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر"

مدينتي، أه يا مدينتي، أضاعوك مرتين: الأولى حين أهملوك بعد أن نهبوا كنز الربيع لديك، والثانية حين باعوك بثمن بخس لعرسان أنذال خذلوك ونهـَبوا ما لديك وغَنموا ومرحوا ثم راحوا .نعم راحوا بعد أن قصوا جناحيك حتى إذا فرع ريشهما من جديد يهيئ أوغاد جدد، كفنيق تماماً، محرقتك، لا يفكرون سوى في شوائك.. لكن من رمادها ستبعثين صبية جميلة، أما هم فلن يتذكرهم أحد، ولن يكون مصيرهم سوى مزبلة التاريخ، وهل إلا لمثلهم وجدت أصلا.

أنت في عيوننا، فلا دَرَّ دَرُّ من يخذلك.

جراحك حتما ستندمل غدا، جراحك مثل "عود لقماري" لا يزيده الاحتراق إلاّ طيباَ وعَرفاً، كذلك جراحك ستتعرش في قلوب الأمناء ورودا ورياحين، وفي صدور الخونة سرطانات خبيثة حتى لا ينعموا بما نهبوا طويلا.

ستأتي أيام، ويصبح أهلك رحماء بك، عشاقك كثر والله،

أنت في عيونهم مشاعل،

وفي صدورهم ضفاف جداول،

وفي أيديهم قرنفلات ومعاول،

القرنفل لكل من يهبك كنز الربيع، والمعول لكل الرعاع من خفافيش الظلام.

 

• " نجي ليلتي" من أي مشتل ينبع هذا العنوان؟..

- يقول الدكتور ميمون مسلك في كتابه الرائع "غواية السرد القصير" ص 121: " العنوان ليس تسمية فقط، بل هو عمل من عوامل البناء الإبداعي، لأنه يساعد، ويكمل، ويحيل، ويدعو للتأمل...وهذه وظائف، وليست وظيفة، ومن هنا كانت خطورة العنوان"..

للعنوان عندي، من هذا المنطلق، حظوة خاصة في ما أكتب.. يعذبني اختياره، أقترح العشرات منه، وإذا حسمت أمري مع واحد تراني أبتعد في آخر لحظة.. وهذا ما حصل معي في "نجي ليلتي".. عذبني قبل أن يستقر رأيي النهائي عليه..

ومشتل عنوان " نجي ليلتي" هو من عالم الليل، يغريني سحر الليل مذ كنتُ حَدثاً، وأنا منتمٍ لليليين إن صح تعبيري .

قديما كان إنسان الصحراء- والدنيا كانت كلها صحراء- يمتطي دابته، ولا يكاد ينزل، ينتقل، كقطع الشطرنج، من مكان لآخر، له من الألفة مع الأمكنة ما يجعله منسجما مع واقع صعب لكن محتمل.. الفضاء، الليل، النجوم، السحر، الندى، الطيور.. أشياء حية يعانقها حبا وهياما، يعيشها، يتلمسها، تملأ كيانه، وتمده بطاقة هو في حاجة إليه، أكثر من ذلك كان الليل، لوحده، عالما جميلا ينثال المرء فيه كما الأرنب انثيالا، يهتدي بنجمه، ويسهر ليله، هو السكن مها طال أو قصر..واليوم الزمن غير الزمن، كل شيء فيه مقلوب، الليل مثلا ما عاد أحد يتمتع بجماله، وحضوره، ببساطة لأننا، بالكهرباء، أقصيناه، فلم نعد نعرف سوى النهار..و لعل هذا كله ساهم في اختيار " نجي ليلتي" كعتبة موازية لمجموعتي القصصية؛ والنجي من التناجي.. إذا الناس تناجوا أي تساروا، ومنها النجوى، وهم اسم من المناجاة أي السر، وهو وصف بالمصدر يستوي فيه المفرد والجمع..ويرى الدكتور ميمون مسلك في كتابه " غواية السرد القصير" متحدثاً عن هذا العنوان أن مؤشرات اللامعقول في المجموعة تبدأ من عنوان " نجي ليلتي"..وهذا أسعدني كثيراً لأني كنتُ أراهن في اختياره على تميز ٍما..

ولا شيء يؤرقني، كاختيار العنوان المناسب لنصوصي، وكلما كان العنوان شاعرياً، أنيقاً، وقابلا للتأويل، وكان أجملَ استسغته مع جرعة من الإيحاء، أحرص أن تكون مادته دسمة طمعاً في تحفيز القارئ على القراءة، وهذا بالضبط ما أبغيه..

 

• يتضح من خلال "نجي ليلتي" أنك تتكئ على مجموعة من التقنيات الأسلوبية الفنية وأهمها التناص الديني والتراثي . حدثنا عن ذلك ..

- هذا سؤال يتكرر كثيراً في جملة من الحوارات، والمقابلات التي أجريتْ معي؛الدكتوران فريد أمعضشو، والدكتور ميمون مسلك، ونقاد آخرون لهم وزنهم رصدوا هذه الظاهرة في كتاباتهم عن مجموعاتي القصصية، وأنا أرى أن النص إذا لم يراهن على أمرين هما: المتعة والمعرفة فجدير بكاتبه أن نمد له ألسنتنا..

ولجوئي للرمز، والتراث، والشعر العربي... سببه توفير أرضية لهذيْن الشرطين، هذه واحدة، الثانية أرى أن النص السهل الذي يهب نفسه دون أن يجهد القارئ بحيث يخزه كما الإبر هو نص سرعان ما تتقيأه النفس العاشقة، هذا فضلا عن أن التناص المفروض أن يترك المجال مفتوحاً حتى تتعدد القراءات .. كل ذلك من أجل استحضار ثقافة القارئ ووضع نصب عيْنيه مجموعة من الإشارات المرجعية الدالة على كثير من الإحالات المُعِينة على تفكيك النص، والكاتب الذي يضع نصوصه على منضدة التشريح، يحرمها من حيث لا يشعر العمرَ الطويل بحيث تعيش مع قراء كثيرين، كل واحد يقرأها بمقاس مختلف..هم سيقرؤون النص ذاته، لكنهم سيختلفون حوله لأن كوات كثيرة تكون قد فُتحت أمامهم ...

دراسة رصينة، ودقيقة عنونها الدكتور فريد أمعضشو ب " اللغة والأسلوب في مجموعة" ريف الحسناء":تعدد وتنوع في خدمة رهانات النص" نشرها في جريدة "أقلام الغد" - عدد 31- 2013.. من بين ما جاء فيها قوله: " ولعل أبرز ما يسم مجموعة ميمون حرش كثرة تناصاتها وانفتاحها على نصوص عدة دينية، عربية، وأجنبية، قديمة وحديثة، واستفادتها من أغانٍ وأفلام، واستحضارها شخصيات في جملة من الأسيقة، ولا شك في أن حضور النصوص الغائبة والإستشهادات وغيرها من الاقتباس الصريح، أو الضمني يقوم دليلا على غنى المخزون الثقافي للمبدع، المؤسس على إطلاع واسع على الموروث الأدبي العربي ... والحق أن هذه النقطة الأسلوبية تصلح لأن تشكل وحدها موضوع دراسة نقدية مستقلة توجه محاورها، أساساً، لتتبع شتى التناصات في قصص المجموعة، وكذا دلالتها وأبعادها المختلفة.."

وهذا بالضبط ما قام به الطالب الباحث عبد الواحد أبجطيط حين كتب مقالا أنيقاً عنونه ب " جمالية التناص، وأنماطه في "نجي ليلتي "، ونشره في مجموعة من المنابر.. وهو مقال دال حقيقة على بحث رصين من مُثقف ملم، ومطلع..

 

• كيف تعاملت مع المرأة في تجربتك القصصية؟ وماهي مساحة حضورها في " نجي ليلتي"؟

المرأة في "ريف الحسناء"، و" نجي ليلتي" حاضرة ببهاء.. تحدثت عن المرأة الحبيبة، الموظفة، المعلمة، ربة بيت، الجدة، العاملة.. الحبيبة، المُغتصبة... ويكفي أن أشير إلى أن قصة " الدرس الأول" ص20 إشارة إلى أن المرأة، بما أوتيت من عفة، وكرامة، وغيرة، قمين أن تقدس.. نحمل على ظهرها كل أثقالنا، وعلى صدرها نرتاح في النهاية.. ثم ما نكون دون امرأة؟.. إنها ملح الوجود..

ومساحة حضورها في " ريف الحسناء" كبيرة..بجد كبيرة..

 

• هل يكتب ميمون حرش لنفسه أم للمتلقي؟.

- حين أخلو لنفسي، وجها لوجه مع الورقة البيضاء، أو تلك الأفعى البيضاء كما يطلق عليها حنا مينة، اُعانق بياضها الناصع بألق العشاق، وأعتق نفسي قبلها بنص معين.. ..

وجهاً لوجه مع الورقة أكتب لنفسي، أعيش ظروف بعض الأبطال، أنفخ في نطفة وجودهم عبر حدث يمر بتشويق أحرص على تطعيمه كما التصعيد الدرامي في السينما.. ومن خلال الأحداث أبني عوالمهم على صخر لا على رمل ..وإذا استوى البناء، وكنت راضياً، وغالباً ما لا أرضى، نشرت نصوصي، وأشركتُ معي قرائي مؤمنا بأن الكاتب دون قاريء هو أعرج، أو هو، للدقة، كطفل يضيع في الزحام..

ثم ما نفع كاتب دون قارئ؟..

 

• دائما يرتبط الكاتب بعلاقة قوية مع المقهى . فما مدى ارتباطك بالمقهى..؟

- في فترات خلتْ اختُزلت مدينة الناظور في مقهى واحدة، هي باسم "مقهى الدار البيضاء" .. وللنكتة أخبرك أننا في الناظور، سنوات السبعينات، والثمانينات، لم تكن تعني سوى هذه المقهى.. وليس ناظورياً من لم يجلس فيها أو يمر بمحاذاتها على الأقل..

لقد كتبتُ عدة مقالات منشورة في صحف محلية ووطنية عن مقاهي مدينتي.. وفي " ريف الحسناء" تحدثت عن هذا الأمر؛ في نص " ولنا في المقهى مكان" ص71 مثلا أفردت الكلام عن مقهى قديمة، وأخرى جديدة، في مقارنة مقصودة مبرزاً كيف تتوالد المقاهي في الناظور كما الطحالب في غياب تام وصارخ لبنية تحتية، ومن خلال المقهى تحدثت عن معاناة الندل هنا، وهنالك...

لستُ من النوع الذي يربط علاقة عشق مع المقاهي.. أنا أخلص للأمكنة، تماما كما أخلص للأشخاص، لكني إذا لم أجلس في مقهايَ يوماً ما فلن أزيلها من حساب عمري بلغة أم كلثوم في إحدى روائعها مع تغيير في الموضوع طبعاً..وبالمقابل أردد مع مطرب العرب محمد عبده:" الأماكن كلها مشتاقة لك"..

اليوم، مدينتي في الناظور تتناسل فيها مقاهٍ من نوع آخر، أقصد المقاهي الأدبية، يسهر على الترويج لها فريق يعشق الأدب، والفن، ..وهذه مرحلة جديدة تشهدها مدينتي..

وارتباط الكاتب والإنسان عموما بالمكان الذي يرتاح له دليل إخلاص باذخ ما لم يصل الأمر به إلى حد الوسوسة.

 

• لا زال الجدل محتمداً حول القصة القصيرة جدا. ما تصورك لمستقبلها؟ وهل تلقت الاهتمام النقدي الذي يليق بها؟

- القصة القصيرة جدا تشق طريقها بثبات، والنقاد يولون اهتماماً خاصا بها.. وقد لا تفي المواكبة بكل ما يُكتب في هذا الجنس نقداً، وتنظيراً..، وسيستمر الجدل حول القصة القصيرة جدا طويلاً؛ والناس حولها فريقان:

- فريق يعتبرها مجرد حمار القصاصين، يركبه من لا موهبة لهم في الكتابة، وهؤلاء يرون أن القصة القصيرة جدا، سيكون لعمرها نصيب من اسمها (عمر قصير جدا)...

- وفريق مدافع يتوقع لها النبات، والثبات.. وهؤلاء كثر، وفي تفاؤلهم، يرون أنها تضع قدميْها بوثوق فوق الأرض..

لكن ما أخشاه من هذا التراكم اللافت في مجال كتابة القصة القصيرة جداً هو هذا الإسهال الذي لا يراعي الجودة.. القصة القصيرة جداً ليست كلاماً قليلاً فارغاً من الداخل كقصبة: لا فن، لا إبداع، لا معرفة، ولا موهبة..إنما هي اشتغال، وتعب، وجهد، ومعرفة وموهبة.

و الإبداع في القصة القصيرة جدا في تصاعد مستمر، .. وستشتي سماء القصة القصيرة جداً مطراً غزيراً.. وعلى كتاب الأنطلوجيات مواكبة هذه الكتابات، وعلى النقاد، كما عهدناهم، دراسة أعمال القصاصين، ولفتهم إلى أمور كثيرة..

 

• انتشرت مؤخراً بين بعض المبدعين ظاهرة تسويق أسمائهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ما هو رأيك في هذه الظاهرة؟..

- تقول " بعض المبدعين "!

كلمة (بعض) دالة على القلة، ثم هم مبدعون حسب سؤالك، فما المانع أن يعرفوا بأنفسهم عبر مواقع التواصل؟.

إذا كنتَ تلمح إلى أن ما يكتبه، في النت، بعضُ المبدعين وغيرهم كحبات الرمل، فاعلم، يحفظك الله، بأن القراء قضاة، يحاكموننا، والمفروض ألا نستهين بعقولهم..

قالها الجاحظ قديماً المعاني مطروحة في الطريق..، لكن الغث بين، والسمين بين.

 

• ما هو السؤال الذي انتظرت أن أطرحه ولم أفعل؟

- ركزتَ في حوارك الشائق على مجموعتي " نجي ليلتي"، وهي في جنس القصة القصيرة جداً، وكنتُ أود لو سألتني عن جمعيتنا " جسور في البحث في الثقافة والفنون" وعن مهرجان الناظور العربي للقصة القصيرة جداً في نسخته الثالثة- 2014

أنت شاركتَ معنا، وتعرفت على بعض ضيوف الناظور من الوفود العربية، وكيف أنهم باتوا يطلقون على مدينتنا عاصمة القصة القصيرة جدا..

 

• كلمة أخيرة .

- شكري لك لا يوصف، وهذا الاهتمام منك التفاتة ستتعرش في قلبي أيكة وارفة الظلال، سأسقيها بماء العرفان ما حييت..

 

حاوره الصحفي عبد الملك أقلعي

- رشحت لتأليف كتاب عن سيدنا بلال الحبشي تنوي "بارجون انترتيمنت" إطلاقه مع فيلم الأنيميشن "بلال" بلغات عدة

- في مجلس والدي "صالون الجمعة" حدث الصلح بين شاعري العراق دائمي الخصام " الرصافي والزهاوي"

 

أحمد خيري العمري، كاتبٌ عراقيٌ من مواليد بغداد عام 1970، والده مؤرخٌ وقاضٍ عراقي معروف، تخرج العمري في كلية طب الأسنان جامعة بغداد عام 1993، إلا أنه عُرف كاتباً إسلامياً تجديدياً أكثر من معرفته طبيباً، لمع نجمه بسرعة، وعدّه بعض النقاد امتداداً للمفكر الجزائري "مالك بن نبي"، شهرته وُلدت من رَحِم مؤلفاتٍ رصينة تميّزت بأسلوبٍ أدبيّ شائق، ومضمون رفيع يستهوي القرّاء ويستميلهم ليصل معهم في نهاية المطاف وعبر صفحات كتبه المتخمة بالعصف الذهني في عصر التصحر المعرفي والجدب الأخلاقي والجفاف الوجداني الى الفكرة الأساس مناط البحث التي يود "العمري" إيصال القراء إليها بعد رحلة مفعمة بجرأة الطرح ومتانة المضمون .

 

* ترى من أين أتيت بهذه المَلَكَة في الكتابة والتصنيف مع القدرة منقطعة النظير على الإقناع، من الطب؟ من مكتبة والدك العامرة؟ من مطالعاتك الشخصية؟ من صحبة المشايخ؟ مجالس العلماء؟ أم من أين تحديداً؟

- الرد على هذا السؤال دون التعليق على مقدمته صعب، أنا إذ أشكرك على ما تفضّلت به، فإني أنوّه إلى أن وصف ما أسميته بملكة الكتابة عندي ليس أمراً متفقاً عليه، فهناك على الجانب الآخر من يرى عكس ما تفضلت به تماماً، الأمر لا يقلقني ولا يزعجني، بل أراه طبيعياً تماماً.

بعد هذا التوضيح، وبالإشارة لما قلت، الملكة بالتعريف، هي شيءٌ جبليٌّ فطري، نولد بها ولا نكتسبها، لكن الملكة أو الموهبة لا تكفي أبداً للإنجاز، كما أن المواد الخام في باطن الأرض لا يمكن أن تكون ذات فائدة دون استخراج وتكرير.

صقل الموهبة، وتزويدها بالوعي، بوجود قضية وهدف، هو ما يجعل هذه الملكة تُنتج .

بالنسبة لي، الجو الثقافي العام في البيت، مكتبة والدي الضخمة، وكونه كاتباً أنتج خمسة مؤلفات - قبل مرضه الذي أقعده وهو في أوج عطائه- ،، كل هذا كان له أثر حتمي في شحن الموهبة وتحفيزها .مطالعاتي الشخصية ساهمت في ذلك أيضاً بالتأكيد.

الطب منحني حداً معيناً من المنهجية العلمية، منحني الواقعية والارتباط بالأرض.

لم يكن هناك صحبة مشايخ أو مجالس علماء على النحو التقليدي، كان والدي أقرب إلى العلمنة، ولكنها كانت علمنة معتدلةً جداً، لم تعاد الدين على الإطلاق، ولا أذكر أي موقف اتخذه والدي ضد ميولي الدينية رغم أنها كانت مبكرة جداً، وكان يمكن قمعها بسهولة لو أنه أراد ذلك.

كان لوالدي رحمه الله مجلس أدبي وثقافي كل يوم جمعة، تكون على نحو تلقائي بعد مرضه، حيث بدأ أصدقاء والدي ومعارفه يأتون للاطمئنان عليه، وبما أنه كان شخصاً نشطاً جداً على أكثر من صعيد (قضائي –فكري – اجتماعي) فقد كان معارفه يمثلون طيفاً متنوعاً داخل الطبقة الوسطى العراقية في آخر مراحلها المزدهرة في الثمانينات، مع الوقت انتقل الأمر من مجرد الاطمئنان على صحة والدي إلى مجلس ثقافي عام، شكّل متنفساً طبيعياً لهذه النخبة بعيداً عن (شعارات الحزب والثورة) التي كانت مهيمنة في تلك الفترة، في بعض الفترات، كان شارعنا يغلق تماماً بالسيارات بسبب عدد الوافدين للمجلس.

ضم ذلك المجلس أعلاماً في مجالات شتى بين القضاء والتاريخ والأدب، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر (حسين جميل، ضياء شيت، د.مؤيد العمري، صلاح بيات، نور الدين الواعظ، صاحب خميس، عدنان العلوي، حازم يونس، هديب الحاج حمود، خالص عزمي، د.إبراهيم الوهب، نجدت فتحي صفوت، بلند الحيدري، عبيد الحاج خلف، أحمد فوزي، مدحت الجادر، أكرم الوتري، فايق روفائيل بطي، فاروق العمري، غسان رؤوف، حارث يوسف غنيمة، د.علاء جاسم) مع حفظ الألقاب للجميع، ورحم الله من توفى منهم وأمد الله في عمر الأحياء، ولعل من أشهر وأهم الحاضرين، هو المفكر العراقي الأكثر تأثيراً بين كل المفكرين العراقيين، الدكتور علي الوردي.

لن أدّعي هنا أن الطفل - ومن ثم المراهق – الذي كنته كان حريصاً على الحضور في المجلس، لكني كنت دوماً هناك حول المجلس، أقوم بواجب الضيافة على الأقل، وأستمع لما يقال، وأمتصه بصمت، ولا يمكن أن يكون هذا قد مر دون تأثير.

كذلك لا يمكن لي أن أتحدث عن تأثير والدي من دون أن أتحدث عن تأثري بيومياته التي كان يكتبها منذ أوائل الخمسينات وحتى يوم مرضه، كانت هذه اليوميات هي وسيلتي للتعرف على والدي لاحقاً بعد أن عطّل المرض دوره كأب، وفي اليوميات، يكون المرء صريحاً عادة، ربما صريحاً أكثر مما يجب، ولا يأبه لأي إزعاج يمكن أن يحدث، لأنه لا يفترض أن أحداً سيقرأ ما يكتب...بعبارة أخرى [لا أسف على الإزعاج] هل يذكرك هذا بشيء؟

لا يمكن أيضاً أن يكون هناك حديث عن تأثير والدي، دون الحديث عن تأثير والدتي- أمد الله في عمرها- وهي المحامية "لميس محمود صبحي الدفتري"، التي نشأت في جو مماثل حيث كان لوالدها (الوزير في العهد الملكي) مجلساً أدبياً أكبر استمر لعقود، وهو المجلس المعروف باسم (صالون الجمعة)، وكان يستضيف فيه أهم الشخصيات الأدبية والسياسية في عراق ما قبل انقلاب 1958، وهو المجلس الذي عقد فيه الصلح (المزعوم) بين شاعري العراق الكبيرين دائمي الخصام : الرصافي والزهاوي.

والدتي اكتشفت وجود الموهبة عندي في الصف الثاني الابتدائي، عندما كتبتُ رسالة لابن خالتي الذي كان يعيش مع أهله في الإمارات آنذاك ( قتل لاحقاً في فلتان العنف الطائفي عام 2006)، من يومها ووالدتي لا تشجعني فحسب، بل تدفعني ( على الأقل لفترة ما) في درب الكتابة، بعد سنوات سافرنا لمصر حيث تلقى والدي العلاج هناك لفترة، يوم عدنا، كانت الحقائب تضم (201) عنواناً من الكتب والكتيبات التي جئت بها من مصر. كان يمكن لوالدتي أن تفاصل في شراء أي شيء لي، إلا الكتب !.

كما كان لوالدتي اهتمامات أخرى لم تكن لوالدي، مثل اهتمامها بالتاريخ القديم والمتاحف والفن عموماً، وكل هذا وسع من مداركي ومجالات اهتمامي، ولا بد أن يكون هذا قد أثر أيضاً على صقل موهبتي.

لهذا عندما أقول لك بأني لم أعرف ( مجالس العلم ) التقليدية أو صحبة العلماء، فإني أقول أيضاً أني قد ولدت تقريباً، في مجلس علم.

 

* تم اختيارك عام 2010 لتكون الشخصية الفكرية التي تكرمها "دار الفكر" في تقليدها السنوي، والذي سبق أن كُرم مفكرين لهم باعٌ طويلُ في التأليف والتصنيف أمثال: عبد الوهاب المسيري، مؤلف "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية" أحد أكبر الأعمال الموسوعية العربية في القرن العشرين، وكذلك الدكتور وهبة الزحيلي صاحب كتاب " آثار الحرب في الفقه الإسلامي، مقارنة بين المذاهب الثمانية والقانون الدولي" و جودت سعيد وكتابه "كن كابن آدم" و هاني رزق مؤلف كتاب " مُوجز تاريخ الكون من الانفجار الاعظم إلى الاستنساخ البشري" و بهذا يكون العمري هو الأصغر سناً من بين جميع المكرّمين، وهي مسؤولية و تكليف تحمله إياها دار الفكر، كما جاء في نص الرسالة التي دعتك لحضور حفل التكريم ..حدثنا عن هذا التكريم قليلا .

- دار الفكر، ممثلة في الأستاذ عدنان سالم، أمد الله في عمره، كانت من أول وأكثر من دعمني في مسيرتي، منذ أن قدمت للدار كتابي الأول، وعلاقتي بالدار وبالأستاذ عدنان تتجاوز علاقة الناشر بالكاتب إلى علاقة الأب بالابن.

لا يمكن لي أن أتخيل كيف ستكون مسيرتي لولا دعم الأستاذ عدنان!، لكني واثق أن طريقي كان سيكون أصعب بكثير.

موضوع التكريم يجب أن يوضع في سياقه، تلك السنة، كانت مخصصة لدعم جهود الشباب، لذلك كان اختياري ككاتب شاب لم يكن قد تجاوز الأربعين وقتها، وبالتأكيد كان الأمر يمثل دعماً ومسؤولية كبيرة، إذ وضع اسمي بجانب أسماء كبيرة كالتي تفضلت بذكرها وغيرها، كما صدر عني في تلك السنة كتاب ( صانع الأنفاق) الذي ضم مقالات وبحوث عن نتاجي.

تكريم دار الفكر كان مهماً جداً بالتأكيد، لكن التكريم الأهم يحصل عليه الكاتب يأتي غالباً من قارئ مجهول لم يرَ وجهه إطلاقاً، يرسل ليقول له، من دون مجاملة أو مصلحة، أن كتبه غيرت حياته.

هذا هو التكريم، الجائزة، الأهم، هذه هي نوبل الحقيقية، تتسلمها دون مراسم أو احتفالات.

 

* أنت القائل: الفرق بين " القرآن من أجل النهضة و"القرآن من أجل الختمة" كالفرق بين الصحابة.. وبيننا، حدثنا عن مدى البون الشاسع بين المطلبين، الختمة والنهضة .

- تعودنا أن نقرأ القرآن للبركة، للحصول على الأجر، لزيادة الحسنات .

لكننا لا نحاول قراءته كما لو كان كتيب الاستعمال المرفق بجهاز جديد نريد أن نتعلم تشغيله.

هذا هو ببساطة شديدة الفرق بين تعاملنا مع القرآن، وتعامل الصحابة معه.

 

* أعلنت شركة "بارجون انترتيمنت" الشركة المنتجة لفيلم الرسوم المتحركة الأضخم "بلال" بالتعاون مع الممثل الامريكي الشهير، ويل سميث، أن العمل سيعرض في دور السينما مطلع العام 2016 ، مشيرة الى، أنه " يعد أول فيلم "انيميشن" عن شخصية أول مؤذن في الإسلام، الصحابي الجليل، بلال بن رباح، استغرق انتاجه عدة سنوات لكي يظهر بشكل متميز، سيتم طرحه باللغة الإنكليزية ووضع ترجمة له في النسخ العربية، "، لافتة إلى أن "الفيلم تم تصويره بأحدث تقنيات السينما العالمية، ويسرد قصة حياة الصحابي الجليل "بلال" منذ طفولته الأولى في بلاد الحبشة، مرورا ببيعه عبداً في جزيرة العرب، وصولاً إلى تحوله إلى أحد أبرز صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن المقرر كما أكدت وسائل الإعلام العربية والأجنبية، أن يتم طرح كتاب عن سيدنا، بلال بن رباح، مصاحب لعرض الفيلم، كتبه الدكتور، أحمد خيرى العمري، حدثنا عن الملحمتين " الفيلم والكتاب " فالجمهور متشوق لكليهما معاً .

- كما تفضلت، فيلم (بلال)، الذي أنتجته شركة براجون، أول محاولة عربية لدخول السينما العالمية من هذا الباب، الفيلم ليس ضخماً ومتقناً فحسب، بل هو عمل مبدع على المستويات كافة، وقد بذل فيه المنتج والمخرج وداينمو العمل الأستاذ "أيمن جمال" جهوداً استثنائية، وأتمنى أن يحقق الفيلم ما يستحق من رواج وتأثير.

بالنسبة لمشاركتي، فإني لم أنل شرف المشاركة في السيناريو، ولكني رشحت لكتابة الكتاب الذي تنوي الشركة إطلاقه مع نزول الفيلم، وكان مجرد ترشيحي مع كاتبين آخرين مهمين جداً، شرفٌ كبيرٌ لي.

الكتاب هو رواية عن سيدنا بلال، وهو شيء مختلف عن كل ما سبق وكتبته من قبل، وعن كل ما هو متوقع مني، ومن رواية عن سيدنا بلال !

على الصعيد الشخصي تجربة كتابة "بلال" كانت من أكثر تجاربي اندماجاً وتماهياً مع العمل، وهو أمر مرهق جداً أثناء الكتابة، لكن ذكراه لاحقاً تصبح حلوة جداً.

الكتاب يترجم الآن إلى الإنجليزية، ولاحقاً إلى لغات أخرى، تمهيداً لنزوله مع الفيلم.

لا أملك الكثير لأقوله عن الكتاب، أفضل أن يتحدث الكتاب بنفسه، وقتها.

 

 

* أنت كاتب غزير ومتنوع النتاج، صدرت لك بين 2003- 2015 عشرة كتب تباينت بين البحث العلمي والروائي والأدبي، إضافة إلى عشرات المقالات في صحيفتي" العرب القطرية" و" القدس العربي " اللندنية، أين يجد العمري نفسه، في تأليف الكتب أم في كتابة المقال؟ وهل أن بعض مؤلفاتك هي جمع لعدد من مقالاتك المتناثرة في باب ما، بين دفتي كتاب لاحقاً؟

- بالتأكيد في الكتب، لا أزال أعتقد أن الكتب هي التي تملك وسيلة البقاء أكثر من أي شيء آخر..في الحقيقة، الكتب هي عشقي الكبير الثابت، ومنذ أن وعيت وهي كذلك، أحب الكتب وأغلفتها ورائحة الورق فيها، أعتقد أني كنت في الخامس الابتدائي يوم حلمت أن أكتب كتباً تملأ مكتبة كاملة !

كتبت المقالات لكي أوصل أفكاري لقراء آخرين، وكي أجذبهم إلى الكتب، وهو نفس سبب وجودي في السوشيال ميديا لاحقاً، ومؤخراً في الميديا.

لم أقم بجمع المقالات في كتب، للأسف يتطلب الأمر وقتاً للإعداد لذلك، وحياة الكاتب تكون دوماً كما لو أنه كتب (يتبع) في آخر كتاب له وعليه أن يذهب بسرعة للكتاب القادم، لا فرصة للنظر إلى الوراء.

أكثر المقالات التي أتوقع أني سأتمكن من جمعها في كتاب قريباً هي مجموعة المقالات التي كتبتها في أمريكا، إذ يجمع بينها موضوع واحد، وهذا يجعلها أقرب لروح الكتاب.

 

* أحدثَ كتابك "البوصلة القرآنية: إبحار مختلف بحثاً عن الخارطة المفقودة" عام 2003 ردود أفعال تراوحت بين الرفض والقبول، واتهمك البعض بأن هناك من كتبه لك لحداثة سنك إلا أن استمرارك في التأليف هدم تلك الفرضية لاحقاً وقوّضها .. مالذي تعنيه بالبوصلة القرآنية؟ وماهي طبيعة الخارطة المفقودة التي تشير اليها هذه البوصلة؟

- البوصلة القرآنية كتابي الأول.

عندما بدأت بالكتاب، لم أكن متأكداً من أني سأكمله، ولم أكن متأكداً أنه سينشر، ولم أكن أعلم إن كان سيتبع بكتاب آخر أو لا.

كان الأمر أشبه بفرصة قد لا تأتي مرة ثانية، لذا كتبت فيه كل ما أود كتابته كما لو أني لن أكتب مرة أخرى، لا خوف على مكانة اجتماعية أو رضى وقبول الناس أو أي شيء آخر....لا شيء لدي لأخسره ككاتب، يمكنني أن أفشل من دون خوف لأنه لا نجاح سابق لديّ لأضيعه، يمكن لي أن أتوقع النقد الشديد أو حتى الصمت اللامبالي فلا أحد يعرفني ويمكن أن أقول ببساطة أن ثمة تشابه أسماء لو شئت!

لا أذكر حقيقة أني كنت أفكر بالنتائج، وأن مسار حياتي سيتغير بعد الكتاب، كنت أكتب بشغف فحسب، وأعلم يقيناً أن لا فرصة لدي للنشر في العراق في تلك الفترة ( أنهي الكتاب في 2001)، لكني كنت أكتب دون أن افكر بالخطوة التالية وصعوباتها .

عندما قيل إني لست مؤلف الكتاب، وأن هناك شخص كبير في السن يختفي خلفي، أعتبرت أنها مزحة، ثم عرفت أن الأمر لم يكن كذلك وأنه منتشر، غضبت وحزنت يومها، لكن الصديق العزيز الأستاذ صهيب الشريف (مسؤول لجنة النشر في دار الفكر آنذاك) قال لي ما جعلني أعتبر هذا أفضل ثناء قيل في الكتاب، قال لي : ما داموا استكثروا الكتاب عليك، فهم يقرون أن الكتاب جيد جداً !

استمرت هذه المقولة، وإن بشكل متناقص، موجودة إلى ما قبل سنوات قليلة، وأذكر أني دخلت مرة في نقاش طويل مع رجل دين مقتنع تماماً بأني لست مؤلف لا البوصلة ولا الكتب التالية ! شعرت كما لو أني "أنستاسيا رومانوف" ابنة القيصر المزعومة وهي تحاول إثبات نسبها !

بمعزل عن هذه الحيثيات :يمكن اعتبار البوصلة مشروعي الأكبر، ومنه تفرعت عدة كتب :

( الفردوس وكيمياء الصلاة وإلى حد ما سيرة خليفة قادم)، البوصلة تشير إلى أن أول العلاج هو التشخيص، والتشخيص يقول أن المشكلة قديمة، وعلينا أن نكون شجعان بما فيه الكفاية لكي نواجهها، لأن الخريطة تمر في حقل ألغام تاريخية، لكنه لا بد...

 

* هناك من يأخذ عليك بأنك لم تدرس العلم الشرعي أكاديمياً، فيما ترد عليهم بأن مفكرين وكتاباً كباراً أمثال مالك بن نبي وسلسلته " مشكلات الحضارة" ومصطفى العقاد وعبقرياته لم يدرسوا العلم الشرعي أكاديمياً، هل برأيك أنّ إبداعك وابداع من ذكرت ممن تسير على خطاهم، نابع مما أطلقت عليه في كتابك " سيرة خليفة قادم " بـ( حمى الهوس بالقضية ... من أعراض الإيمان) هوس يدفع المرء لاستغلال الوقت وبذل الجهد والمال والقلم من أجل القضية على نحو أمثل يصل به الى – النيرفانا- المعرفية إذا صح التعبير و التي تجعل من صاحبها – سوبر مان - يتفوق على أقرانه في الفهم والإدراك وما يترتب عليهما من رصانة في الطرح على مستوى الأسلوب والمضمون؟

- الهوس، إن شئت، مهم لأي إنجاز. لكنه لا يكفي وحده.وهو بالتأكيد ليس سبب نجاح مالك بن نبي والعقاد، سأتحدث عنهما، وليس عن نفسي، وسأقول إن الدراسة الأكاديمية في المجال الذي أنتجا فيه كانت ستقضي على إمكاناتهما الكامنة، كانت ستضعهما في قالب محدود، يقتل إبداعهما وحريتهما الفكرية، الدراسة الأكاديمية تدخل بعض القيود والنظم في طريقة التفكير، وهذا أمر قد يكون جيداً ومفيداً للكثيرين، ويتمكنون من خلاله من الإنتاج وتقديم ما هو نافع فعلاً.

لكن الأمر يحتاج دوماً إلى تحليق مختلف، بطريقة تفكير مختلفة، دون تلك القيود، ولا ينجح فيه إلا قلائل، لكن نتاجهم يكون مختلفاً عن المألوف ولاحقاً يقوم الأكاديميون بدراسة هذا الناتج.

هذا بشكل عام.

فيما يخص القرآن تحديداً، ومأخذ عدم دراسة العلم الشرعي أكاديمياً، أرغب في القول بوضوح أن القرآن كتاب رب العالمين أنزل للناس أجمعين، وهو ليس كتاب غايتون في (علم الأمراض) لا يفهمه إلا المختصون...لذا عندما أقدم فكرة مستمدة من القرآن، وهي تخالف فكرتك، لا تقل لي ( أين درست)، فهذا كتاب الله، وليس حكراً على أحد، ولكن قدم لي تناقض ما قدمته مع نص آخر، أو مع فكرة أخرى قدمتها سابقاً.

ما أسهل شراء الشهادات في هذا العصر، وما أصعب تقديم الجديد الذي لا تناقض فيه مع نصوص أخرى، سواء كان لديك شهادة شرعية أو لا .

 

* برنامجك التلفزيوني" لا نأسف على الإزعاج" والذي بث يومياً في رمضان عبر قناتي الشارقة واقرأ كان بمثابة نقلة نوعية في مواجهة الفكر التقليدي وحظي باهتمام واسع عربياً تماماً كمؤلفاتك، إلا أنه وكما كتبت يوماً تعقيباً على اختيارك وللسنة الثانية على التوالي في قائمة العراقيين العشرة الأكثر تأثيراً مع "زها حديد" و "يونس محمود" و " كاظم الساهر":

للأسف ليس لدي أي تأثير يذكر في العراق، وتأثيري في بقية البلدان أكثر بكثير، أقول هذا بمنتهى الأسى، ولكن كلي ثقة أن في العراقيين طاقات أكبر وأهم، لكن ( ماكو بخت)" لماذا برأيك أنتم أكبر تأثيراً خارج العراق وأكثر غياباً داخله برغم بيع مؤلفاتكم فيه ووصول برامجكم اليه سواء عبر النت أو الفضائيات العابرة للحواجز والأسلاك والجدر؟

- العراقيون بشكل عام، معاييرهم عالية، وشديدو النقد، خاصة على العراقيين مثلهم، العراقي الذي يلاقى تقديراً من قبل عراقي آخر هو واحد من إثنين : عراقي ميت، أو عراقي حقق نجاحاً في الخارج .

كنت من المحظوظين الذين انتموا إلى الخانة الثانية وبالتدريج بدا الأمر ينسحب على نظرة العراقيين لي، خاصة بعد البرنامج، أصبح هناك تفاعل أكبر في صفحات التواصل الاجتماعي من العراق ومن العراقيين ( داخل وخارج العراق)، أصبح هناك طلب أوضح على الكتب من داخل العراق أيضاً.

أعتقد أيضا أن ثمة إحباط داخل العراق ( خاصة عند الشباب) من كل ما له علاقة بالفكر الديني لأسباب لا تخفى، لذا لا يتوقع أحد وجود شيء مختلف أو جديد في كتاب ديني.بالإضافة إلى أن التخندق الطائفي طال الجميع بما فيهم المثقفين، لذا فكل ما أكتب أو أقول يمكن أن يفسر طائفياً حتى لو كان الأمر لا علاقة به بأي من موضوعات الخلاف الطائفية المفضلة... وهذا كله أسهم في تعطيل تفاعل العراقيين مع كتبي.

الأمر يتغير كما قلت، بعد البرنامج تسلمت رسائل من متابعين من كافة الطوائف، هناك من يراسلني وهم غير مسلمين أصلاً ! وأنا سعيد جداً بهذا.

أما قصة ( ماكو بخت) فأنا لا أرغب في النواح، ولا في إلقاء اللوم كله على الظروف السيئة التي أحاطت بنا (في الأربعين عاما الماضية ! )، لكن العراقيين تعرضوا فعلا لظروف سيئة

(مركزة) وكان يمكن للعراقي أن ينجز أكثر بكثير لولا هذه الظروف. وهذا لا ينفي وجود مشاكل أساسية لدينا كعراقيين بمعزل عن هذه الظروف، ولكن هذا موضوع آخر.

 

* البوصلة القرآنية، ليلة سقوط بغداد، الفردوس المستعار والفردوس المستعاد، سلسلة ضوء في المجرة( أدرينالين، غريب في المجرة، كش ملك، الذين لم يولدوا بعد، تسعة من عشرة، يوم شهر سنة) أبي اسمه إبراهيم، سلسلة كيمياء الصلاة (المهمة غير المستحيلة - ملكوت الواقع- عالم جديد ممكن- فيزياء المعاني- سدرة المنتهى )، ألواح ودسر، استرداد عمر من السيرة الى المسيرة، سيرة خليفة قادم، القرآن لفجر آخر، طوفان محمد وغيرها من مؤلفاتك القيمة، ترى ما الذي يريد أن يصل إليه العمري في مجمل ما كتب وألف؟

إعادة فهم النصوص على ضوء المتغيرات الحالية المتسارعة باضطراد؟ أم إسقاطها – أي النصوص - إسقاطاً من الوحي الى العصر في حالة تسامي تتخطى عوالق الزمن وعوائقه وربما مفاهيمه أيضاً؟

- على نحو عام جداً، أريد أن يكون للدين دوراً إيجابياً في حياتنا، أريد أن أساهم في تخليص هذا الدين مما علق به من سلبيات ومغالطات وخرافات ومخلفات للعصور السابقة.

بالتفصيل، هناك الكثير مما يجب فعله وإنجازه للوصول إلى هذا الدور الإيجابي، الكثير من المواجهات الفكرية، وربما المعارك، الكثير من القضايا التي قد تبدو جانبية للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة في صلب الهدف الأول.

البعض من أعمالي الأدبية والروائية تريد أيضا أن تؤكد أنه يمكنك أن تنتج فناً وأدباً يحمل قضية وهدفاً دون أن تسقط في الآيديولوجيات والشعارات والوعظ المباشر.

على نحو شخصي وخاص جداً : أريد أن أترك أثراً ايجابيا يبقى ..

 

* ماذا يمثل لك هؤلاء سلباً او إيجاباً ببضع كلمات؟

- الكواكبي وكتابه " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد "

- جمال الدين الأفغاني

- محمد عبده

- سعيد النورسي

- محمد اقبال

- أبو الأعلى المودودي

- أبو الحسن الندوي

- شكيب أرسلان

- محمد عمارة

- زكريا بطرس

- السيد القمني

- أحمد القبانجي

من الصعب جداً تلخيص مجهود وأثر شخص بكلمتين أو ثلاث، بغض النظر عن كون هذا الأثر سلبي أو إيجابي.

لذا أفضل أن أقول صمتي وأنجو بجلدي!

 

* "أحمد العمري" يقف بالضد من الفكر - المنامي- الذي يعتمد على الأحلام والرؤى في توجيه الأمة كونه عائقاً من عوائق النهضة، وفي ذات الوقت أنت ضد أدعياء التجديد المادي، أمثال "محمد شحرور" و "جمال البنا" وجماعة القرآنيين، بمعنى أنك تقف بالضد من تخديرين فكريين للأمة، الأول بمثابة "هيرويين" فكري مثبط للهمم والعزائم، يحلق بها في عالم الفنتازيا بعيدا عن الواقع المعاش، فيما الثاني بمثابة" كوكايين " فلسفي مادي محفز للضياع، مجرد للعواطف، منسلخ عن التراث ، إلا أنّ الأثنين معا وفي نهاية المطاف بمثابة مخدر فتاك ينتهي بالعقل الجمعي إلى مصحة عقلية بلا دفع ولا نفع، ماذا تقول لهؤلاء ولهؤلاء وباختصار؟

- لا أقول شيئاً لأي من الفريقين، كلامي دوماً للمترددين بين الفريقين، لأولئك البين بين ، هؤلاء هم منطقتي وعملي، نادراً ما يغير شخص ما مؤمن بشدة بشيء إيمانه عبر نقاش أو قراءة كتب مخالفة، التغيير يكون دوماً في أشخاص لم يحسموا أمرهم لكنهم يشعرون بالحاجة إلى التغيير.

بالنسبة لي الأمر واضح، هناك تجديد حتمي يجب أن يحدث لأن الفهم التقليدي منتهي الصلاحية، في نفس الوقت ثمة ثوابت لا بد من المحافظة عليها كي لا يتحول الأمر إلى - فلتنة - باسم التجديد ( وهو ما حدث عند البعض). أرى –مثلا- أن ثمة مشكلة كبيرة في التعامل مع الحديث الشريف، ولكن حل المشكلة بنسف الحديث كله ( كما يفعل من يسمون أنفسهم بالقرآنيين)، يزيد المشكلة تعقيداً ويسيء لفكرة التجديد وسمعتها.

التجديد حتمي، وهناك ما يجب أن يهدم فعلاً في فهمنا للدين، ولكن التجديد ليس مقاولة هدم فحسب كما يقدمه البعض. الهدم حتمي، لكنه هدم برسم البناء .

 

* هل هناك كتب أو برامج جديدة في جعبتك للعام المقبل ونحن نعيش الأيام الأخيرة من العام 2015؟

- إذا شاء المولى.. ستصدر رواية عن سيدنا بلال كما أسلفت، وهناك أيضا كتاب آخر، وربما يكون هناك عمل آخر.

 

* هل غيرت سفرتك الى أميركا شيئا من أفكارك؟

- دوما أفكاري تتغير، ولكن في اتجاه واحد.

أي تجربة يمر بها أي شخص تسهم حتماً في تغيير أفكاره، ما دام حيا.

يقال أن السماع بشيء لا يغني عن مشاهدته، وهذا صحيح. لكن يبدو أن القراءة يمكن أن تغني ولو نسبياً، كنت قد قرأت عن أمريكا كثيراً قبل الذهاب إليها، وساعدني ذلك في فهمها أكثر، لم يكن هناك صدمة حضارية على الإطلاق، كنت أعرف وأتوقع أغلب ما شاهدت.

إيجابية الفرد الأمريكي هي أكثر ما لفت نظري، خاصة بالمقارنة بتذمرنا عموماً كشعوب شرقية، وقد كتبت مقالاً عن الموضوع، تحدثت فيه عن سيدة عراقية كانت في الباص من نيويورك إلى العاصمة واشنطن، ولم تكن تتوقع وجود من يفهم عليها بينما هي تتذمر طيلة الوقت من كل شيء من السائق إلى الفندق الذي كانت فيه بكل ما نيويورك (قالت عنها أنها تشبه ساحة التحرير) وصولاً إلى حيث عطست واحدة من راكبات الباص معنا، فقالت السيدة لها بكل عفوية : وجععععع!.

 

* كلمة أخيرة لمحبيك وهم كثر ولمبغضيك أيضاً أينما وجدوا !

- للمحبين : الله يجعل ما بيننا عامراً دوماً..

للمبغضين: لا بأس، لا شيء شخصي ...والشعور غير متبادل !

 

حاوره : احمد الحاج

 

وقفة مع "ريمكس فلسطين" الذي اقض مضاجع اسرائيل بنسخته الإنكليزية فحاربوه بكل ما أوتوا من قوة  

 الضامن: قال لي، سميح القاسم، حين رآني مكتئبة ذات يوم "روان نحن الفلسطينيين لانملك ترف الاكتئاب"

 

مجموعة أعمال وثائقية هادفة تجاوزت المحلية الى العالمية في فترة قياسية بكل المعايير، حصل موقع إلكتروني يضمها على جائزتي (أفضل فريق رقمي للعام الجاري) و(الابتكار الرقمي) بالتنافس مع مؤسسات إعلامية دولية لها باع طويل جدا في هذا المضمار كالغارديان، وبي بي سي، وهافنغتون بوست الدولية، والقناة الرابعة البريطانية، وفايس نيوز والتايمز اللندنية للفوز بواحدة من أهم الجوائز العالمية في حفل جوائز الإعلام الرقمي التي اقيمت في العاصمة البريطانية لندن، لتحصل صاحبة فكرة وقائدة مشروع "ريمكس فلسطين التفاعلي"،  المخرجة  روان الضامن، و بعد اشهر قليلة من التكريمين السابقين على "جائزة الإبداع الإعلامي" لعام 2015 من مؤسسة الفكر العربي ومقرها بيروت، ما يؤشر الى ان القضية الفلسطينية بإمكانها الوصول الى العالمية التقنية في حال تقديمها بطريقة مبتكرة وجديدة خارج عالم الشاشة الصغيرة والتي أنتج من أجلها أصلا، بهدف تلافي النقص الشديد في الرواية الصحيحة عن فلسطين عالميا،  وكان لابد لنا وبعد كل هذه الإنجازات الكبيرة التي تخدم القضية المركزية الأم وفي وقت قياسي ان نحاور العقل المدبر وراء المشروع الإعلامية "روان الضامن" عن هذا الإبداع الوطني الذي اقض مضاجع الكيان الصهيوني ولا اقول اسرائيل.

 

* كيف تمكن فريق صغير جدا من محترفي البرمجة والتصميم والصحافة المعلوماتية والرقمية وبالتنسيق مع مخرجي الأعمال الوثائقية الجادة، من ان يقدموا نافذة تفاعلية غير مسبوقة للعالم لموضوع سياسي وتاريخي عميق يغطي جوانب القضية الفلسطينية بصريا ومعلوماتيا، عبر مقاطع الأفلام الوثائقية والخرائط التفاعلية وغيرها؟

- بحمد الله عز وجل، تمكنا في إطار فريق صغير مخلص من إنجاز هذا الموقع الإلكتروني. الحقيقة أن العمل وراء ريمكس فلسطين ابتدأ منذ وقت طويل، وبالتحديد منذ عام 2008 حين بدأت بإعداد وإخراج سلسلة النكبة عن القضية الفلسطينية، وهي سلسلة في أربع ساعات وثائقية ترجمت إلى اليوم إلى عشر لغات متاحة على اليوتيوب، بما فيها لغة الإشارة.

حين بدأت العمل على سلسلة النكبة، وكفلسطينية مطلعة على تاريخ وواقع فلسطين، اعتقدت أنه من الصعب، خاصة مع عشرات بل مئات الافلام الوثائقية والدرامية عن فلسطين، أن أقدم جديدا على مستوى المضمون والصورة، لكني مع بدايات العمل، ومشاهدة عشرات الساعات الوثائقية والدرامية الصهيونية لمحاولة الرد عليها، وجدت أن هناك نقصا فادحا وغير مبرر في الأعمال الوثائقية الحقيقية عن القضية الفلسطينية، وأقصد ب"حقيقية" تلك القائمة على المعلومة الموثقة المدققة المبذول جهد عميق في البحث عنها مع شكل بصري جذاب ومناسب للعصر الذي نعيش مع حبكة تشويقية تجعل المشاهد لا يمل من تلقي المعلومات على لسان الراوي (إن وجد) أو الضيوف. وبعد بث سلسلة النكبة على شبكة الجزيرة ثم عرضها في العديد من المهرجانات الدولية، اكتشفت الحاجة الماسة "عالميا" وليس "فلسطينيا وعربيا" فقط لأعمال عن القضية الفلسطينية، فنحن نعتقد، والمتضامنون معنا يعتقدون، أننا نعرف الكافي والكثير، لكن الواقع أن الكثير غيّب عنا عمدا وقصدا. وهكذا وجدت انني كمخرجة فلسطينية لا يجب أن أكتفي بإخراج أعمال بنفسي عن فلسطين، لأنني وإن عملت ليلا نهارا، وهذا ما أعمله منذ 15 عاما، لن أستطيع في عام أو عامين أن أنهي عملا وثائقيا واحدا، بينما لو أشرفت على إنتاج خارجي من بعيد مع نخبة من المخرجين والمنتجين الفلسطينيين والعرب، فسأستطيع أن أنقل أفكاري وطريقتي في العمل لفرق ميدانية متعددة، وهكذا بدأت الإشراف مع فريق صغير جدا على برنامج "فلسطين تحت المجهر" والذي استطعت من خلاله خلال السنوات القليلة الماضية متابعة إنتاج عشرات الأفلام عن فلسطين من الفكرة إلى ما بعد البث، وكذلك بتعاون مع قناة الجزيرة الإنجليزية تم ترجمة هذه الأعمال من اللغة العربية إلى الإنجليزية وبثها للجمهور العالمي. أذكر عندما بدأت البحث لفلم النكبة أواخر عام 2007، كان الفيس بوك كوسيلة للتواصل الاجتماعي جديدة بين الزملاء في العمل، وكانوا يتحدثون عن الفيس بوك كاختراع جديد، لكن مع عام 2014 وثورة التواصل الاجتماعي، وجدت أن الفلم الوثائقي لا يجدر أن يبقى حبيس الشاشة التلفزيونية واليوتيوب، وأنه يجب أن ينطلق إلى مجال مختلف جديد، ولذلك بدأت البحث مبكرا عن تقنية جديدة مختلفة، وعلى مدى سنوات كنت أطلع وأبحث، إلى أن تعرفت على تقنية تتطور منذ عام 2010 تقريبا تختص بارتباط الفيديو بالنص، وراسلت مع زميلي في العمل محمد حداد، وهو منتج أول في قسم الموقع الإلكتروني للجزيرة الإنجليزية، المبرمجين الذين يعملون على هذه التقنية، وهي تقنية مفتوحة لكل الناس، وليس احتكارا، وأقنعتهم نشكل فريقا صغيرا لثلاثة شهور فقط ونطبق التقنية التي لديهم على المضمون الذي لدي، وهو أولا21  ساعة وثائقية عن فلسطين بأربعة لغات، أي 84 ساعة تلفزيونية، ولم يكن التحدي سهلا، فهذا يعتبر كما كبيرا جدا من العمل على مستوى الفيديو والنص، وكذلك على مستوى تقطيع الفيديو وتقطيع النص، كما أنني عملت أيضا مع فريق صغير لإنتاج مضامين مساندة لهذه الأفلام من خرائط تفاعلية وتسلسل زمني تفاعلي وتعريفات إضافية واختبارات، لتكون رافدا لمن يريد استخدام هذه الأفلام في إنتاج مواد بصرية عن فلسطين أو في عملية التعلم عن فلسطين.

لقد كان همي منذ عدة سنوات أن العديد من الشباب والشابات لا يشاهدون التلفزيون بالطريقة التي عرفناها نحن من مشاهدة التلفاز في العقد الماضي، وأنهم يشاهدون على اليوتيوب مقاطع بمدد قصيرة محدودة، ولذلك هدفت من ريمكس فلسطين أن يستطيع هؤلاء الشباب أن يصلوا للمضمون الوثائقي عبر الإنترنت ويشاهدوا أي مقاطع قصيرة هم يختارونها بأنفسهم ويشاركون بها على وسائل التواصل الاجتماعي.

أعتقد أن السر وراء نجاحنا بحمد الله، تقنيا ومعرفيا، أن الفريق كله آمن بالفكرة، ووجد أنه لا بد أن نقدم شيئا لفلسطين، المبرمجون الذين لم يكونوا يعرفون شيئا واحدا عن فلسطين كقضية أو كظلم واقع، احسوا سريعا بعد مشاهدة جزء من الأعمال الوثائقية أن هناك مبدئا وهدفا سيسعدهم أن يكونوا جزءا منه ويقدموا له شيئا، لذا عملنا ليلا ونهارا ثلاث أشهر كاملة لإطلاق الموقع بنسخته الأولى قبل التحسينات والإضافات على مدى العام الماضي 2015.

 

* فاز موقع "ريمكس فلسطين" التفاعلي بجائزة تكريمية من الأكاديمية الدولية للفنون والعلوم الرقمية في نيويورك "جوائز ويبي" والتي يطلق عليها "أوسكار الإنترنت" في دورتها التاسع عشرة لعام 2015، عن فئة "أفلام الفيديو على الشبكة، بمشاركة 13 ألف متقدم من 60 دولة، وتم اختيار "ريمكس فلسطين" مع ثلاثة مواقع إلكترونية أخرى عبر العالم في فئة "أفلام الفيديو على الشبكة" لـ"جودته الفائقة" كيف أمكنكم ذلك؟

- لقد اعتمدنا على تقنية تطورت عبر سنوات خمس "تقنيا" لكنها لم تطبق ولا مرة واحدة عربيا، وحاولنا تطبيقها بأعلى درجات الجودة. عربيا بالطبع كان هذا التطبيق لهذه التقنية وما زال الوحيد، فالمحتوى العربي التقني على الإنترنت ما زال ضعيفا جدا مقارنة باللغة الإنجليزية. جائزة الويبي، وكانت الجائزة الأولى التي نحصل عليها في مارس/آذار عام 2015 كانت بالتركيز على الجانب التقني، وما أعجب لجنة التحكيم في "أوسكار الإنترنت" أن الموقع يسمح للمستخدم أن يختار أي مقطع فيديو يريد من أي الـ 84 ساعة ويلصق المقاطع ببعضها بعض بسهولة عالية ويبني فيديو جديد. هذا التطبيق بهذا الشكل كان الوحيد عالميا في ذلك الوقت، لذا كنا في الريادة التقنية في هذا المجال. لكن جائزة الويبي كانت جائزة تكريمية، تبعها بحمد الله جائزتا الإعلام الرقمي في لندن، وكانتا للفريق وآلية عمله وللابتكار التقني في يونيو/حزيران 2015، ثم جائزة الإبداع الإعلامي في كانون الأول/ديسمبر 2015.

 

* اضفتم حلقات جديدة من برنامج "فلسطين تحت المجهر" على موقع ريمكس فلسطين، بعد أن ترجمت إلى لغات اخرى  وهي حلقات "حكايات من الانتفاضة الأولى- الجزء الأول والجزء الثاني"، و"فسيفساء" حول يهود المغرب، و"منسيون خارج الوطن" لماذا برأيك هذه الإضافة وهل سجلت حضورا وبالأخص انها تعرض عبر شبكة الجزيرة؟

- بعد الإطلاق الأول نهاية عام 2014، تم إضافة ساعات وثائقية جديدة للموقع، وهي ساعات في أعلى مستوى من الجودة التقنية ونمتلك حقوقها وتوثيق حقوقها لنستطيع إضافتها، لذا وصلت عدد ساعات الموقع حاليا إلى 120 ساعة وثائقية، بينما عند الانطلاق كان مجموع الساعات 84 ساعة وثائقية. إن الأفلام التي تمت إضافتها مؤخرا، وأتحدث مثلا عن "فسيفساء" تناولت قضية مسكوت عنها تماما في الإعلام العالمي وهي أن جزءا من يهود المغرب، تركوا المغرب أواخر الخمسينات وأوائل الستينات نتيجة عمل الدعاية الصهيونية والموساد المكثف، اكتشفوا بعد أن وصلوا "إسرائيل" وعاشوا فيها أنهم يريدون العودة إلى المغرب، وهنا تبدأ الحكاية، في هجرة عكسية لليهود العرب، يتحدثون بنقدية عن حرص إسرائيل على تقديم نفسها للعالم دولة أوروبية وتجاهل اليهود العرب وتهميشهم، إضافة إلى هوية اليهود العرب "العربية" التي تم قمعها وحصارها لخلق فكرة "الصهيوني الجديد" الذي هو بالضرورة يحتقر العرب وينظر إليهم بدونية!

 

* في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2014 اطلق "ريمكس فلسطين " ليسجل حضورا تفاعلياً باللغات العربية والإنجليزية والبوسنية والتركية، حدثينا عن الإرهاصات التي تبلورت في اطارها الفكرة وكيف تم تحويل الحلم الى حقيقة ملموسة؟

- فعلا، كان حلما وتحول الى حقيقة، إن الأمر كان صراعا مع التقنية بالاساس، خاصة ما يتعلق باللغة العربية، لان تحويل الصوت باللغة العربية إلى نص، خاصة حين لا يكون باللغة العربية الفصحى، بل بالدارجة أو العامية، ما زال لم يصل لمستوى متقدم، لذا كان التحدي التقني كبيرا جدا، كما أن تحدي الوقت كان عاملا إضافيا، فمع محدودية الموارد للفريق واهتمامنا أن يتم الإطلاق في يوم الأمم المتحدة العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهو ذكرى التقسيم أيضا، وضع تحد إضافي، كما أنه تحدي عمل شيء جديد، فمنذ اللحظات الأولى للتخطيط الفعلي لبدء العمل للموقع الإلكتروني صيف عام 2014 واعتماد مدير عام شبكة الجزيرة بالوكالة د. مصطفى سواق للفكرة، إلى غاية إطلاق الموقع في 29 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014 لم أكن أعرف كيف في النهاية سيكون شكل الموقع فنيا وموضوعيا وتقنيا، لأن التحدي لم يكن بسيطا على كل المستويات، لكني كمشرفة على المشروع تحريريا ولوجستيا بكل تفصيلية من تفاصيله، كنت مؤمنة أن الله سبحانه وتعالى سيوفقنا لأن نيتنا جميعا في الفريق كانت تقديم شيء للقضية الفلسطينية إعلاميا وتعليميا.

 

* كلمة "ريمكس" تعني فلمك أو قصتك التي أعدت بناءها باستخدام أفلام الموقع وأدواته المتقدمة تقنياً، ماذا يعني ذلك؟

- أطلق على الموقع اسم ريمكس فلسطين مدير موقع الجزيرة الإنجليزية الزميل عماد موسى، وهو كان من أشد الداعمين لفكرة ريمكس فلسطين، وكلمة "ريمكس" تقنيا تعني قص ولصق أجزاء مختلفة لتشكيل شيء جديد، وهي كلمة أجنبية لكنها أصبحت مستخدمة عربيا على نطاق واسع، خصوصا في مجال الأغاني. وقد كان الاسم مناسبا جدا للفكرة، ذلك أن فكرة الموقع الإلكتروني أنها تسمح للمستخدم بقص ولصق أجزاء مختلفة من الفيديوهات والأفلام المتوفرة ليبني قصة جديدة عن فلسطين ويشرك بها مباشرة أصدقاءه عبر وسائل التواصل الاجتماعي فيس بوك وتويتر وغوغل بلس وإيميل. لقد قال لي أحد الزملاء إن فلسطين نفسها هي "ريمكس" اليوم، وهذا صحيح، فمع تقطيع أوصال فلسطين إلى الضفة الغربية والداخل الفلسطيني وقطاع غزة، تم  تقطيع الضفة الغربية إلى كانتونات تحيط بها المستوطنات الإسرائيلية المسلحة التي تحتل أكثر من ستين بالمائة من مساحة الضفة الغربية، أصبحت أرض فلسطين "ريمكسا" حقيقيا بحاجة للوحدة والتحرير. ولكني رغم كل هذا التقطيع، وملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين لا يسمح لهم حتى بزيارة فلسطين، ما زلت أرى أن ما يجمع الفلسطينيين أكبر بكثير مما يفرقهم، ففقدان الوطن يجعل كل فلسطيني معه جواز سفر أمريكي أو وثيقة لبنانية أو محاصر في غزة يشعر أنه "فاقد للوطن" وأنه "محروم" من الوطن، وبالتالي تتجذر فيه المشاعر الوطنية الفلسطينية.

 

* حصلت على جائزة مؤسسة الفكر العربي في بيروت عن برنامج "ريمكس فلسطين" لماذا برأيك تم اختيارك للجائزة؟

- أعتز كثيرا بهذه الجائزة، التي سلمني إياها مؤسس مؤسسة الفكر العربي الأمير خالد الفيصل الذي قال "في ظل التناحر المهين بين القبائل والطوائف والأجناس في الوطن الحزين تنسى فلسطين".

 أنا سعيدة بهذه الجائزة ليس لأنها الجائزة العربية الأولى التي تهتم بفلسطين، فكل الجوائز السابقة كانت أمريكية وأوروبية، لكن لأنها جائزة لم تركز على الجانب التقني في المشروع، بل ركزت على الجانب الإعلامي والفكري، فجميع الأعمال الوثائقية في ريمكس فلسطين هي تقدم فلسطين بطريقة مختلفة، تقدم جوانب لا يهتم بها الإعلام التقليدي أو الإخباري، بل تركز على الجوانب الوثائقية التي تصف حياة الإنسان في التاريخ والوقت المعاصر، وتقدمها برؤية عربية وإنسانية شاملة، وهذا أحد أهداف مؤسسة الفكر العربي التي قدمت منذ تأسيسها منذ قرابة 15 عاما اهتماما بفكر عربي إنساني شامل، وحدوي لا إقصائي، يعلي من قيمة الإنسان العربي وحريته وكرامته عبر الثقافة والفكر والتواصل، وهو ما نحن في أمس الحاجة إليه اليوم مع الدم العربي النازف من ليبيا إلى سوريا، ومن اليمن إلى العراق. وهو ما حرصت في جميع أعمالي الوثائقية من سلسلة رائدات عن النساء الرائدات في الوطن العربي (عام 2007) إلى سلسلة النكبة (عام 2008) والسلام المر (عام 2009) ثم سلسلة اصحاب البلاد عن فلسطيني الداخل (عام 2010) ثم الطريق إلى 25 يناير (2011) وصولا إلى ثمن أوسلو (عام 2013) على تقديمه لمشاهد عربي أولا وعالمي ثانيا أحترمه وأقدره كثيرا.

 

* تودّد الموقع إلى الفلسطينيين والعرب عبر عبارة (مُحيت فلسطين عن خارطة العالم ..هنا نوثّق بالخرائط والصور)، ترى ماهي ردة فعل الصهاينة ازاء هذا الفعل الذي يمحو ماخططوا له ويخططون من محو مبرمج لفلسطين وتراثها من الخارطة البشرية والتاريخية هل تعرضتم الى هاكرز ..كراكرز ... هجوم اعلامي من قبلهم؟

- بالطبع، المشروع الصهيوني، والذي يرى أنه ما زال في بداياته، يحارب كل رواية تضاد روايته، ولأننا نرى أن "من يملك الرواية، يمتلك الأرض" فإن الصراع على التاريخ والرواية في صلب اهتمامي. لاحظت أن المشروع الصهيوني لا يركز على النسخة العربية من ريمكس فلسطين، ولا على النسخ البوسنية والتركية، لأن معظم البوسنيين والأتراك مناصرون للقضية الفلسطينية، لكن النسخة الإنجليزية هي التي تتعرض لمحاولات الهجوم التقني والمحاصرة من الاقتحام عبر مواقع البحث مثل غوغل  وحتى المحاربة عند الفوز بجائزة، وقد تعرضنا لكل هذا. لقد بدأ ريمكس فلسطين يستخدم كجزء من المنهج الدراسي في عدد من الجامعات في بريطانيا وهولندا وفلسطين، ومنذ الحصص الأولى بدأ المناصرون للمشروع الصهيوني من أساتذة وأكاديميين هجوما على الموقع، أحيانا بشكل علني وسافر، وأحيانا بشكل خفي ومستتر. أذكر كيف تم ترشيحنا لجائزة ووضع اسمنا على الموقع الإلكتروني ثم بعد 24 ساعة وبعد ضغوط المشروع الصهيوني تم محو اسم "ريمكس فلسطين " نهائيا وكليا من قائمة من فازوا بهذا التكريم! الواقع أن المشروع الصهيوني "مشروع" بكل معنى الكلمة أي أنه يجند الأشخاص والموارد المالية والخطط الواضحة للوصول للهدف، بينما معظم أعمالنا نحن الفلسطينيين والعرب هي جهود صغيرة محدودة تقوم على التضامن والتعاطف والتطوع لذا فإن الأفراد لا يراكمون الخبرة المطلوبة والموارد المالية التي قد تبدأ قوية تشح مع الزمن، ولذا أجد لزاما علينا أن نمأسس مشاريعنا أكثر لنكون على مستوى التحدي.

 في أحد لقاءاتي مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، رحمه الله، ذكرت له أني محبطة من محاولاتنا الاختراق على المستوى الإعلامي والتقني العالمي من أجل قضية فلسطين بالأعمال الوثائقية وفشلنا في أكثر من محاولة وقلت له أنني "مكتئبة" فرد علي مباشرة: "روان، نحن الفلسطينيين لا نملك ترف الاكتئاب".

 ومنذ ذلك اليوم، وتلك الجملة ترن في عقلي كلما واجهت عراقيل وعقبات وأعداء النجاح وأعداء فلسطين، أبقى أعمل وأقول أن العمل المتفائل وحده هو طريقنا من أجل الحرية.

 

* سؤالي الأخير، ما جديد روان الضامن في 2016؟

- أولا أهديك، أخي أحمد، ولقرائكم الكرام في العراق الحبيب أطيب الأمنيات مع عام جديد، جعله الله عام أمن وأمان على وطننا العربي الذي يسعى الجميع لتمزيقه، فما حصل ويحصل في فلسطين، حصل ويحصل الآن في أكثر من مكان في وطننا العربي لأننا سكتنا عن فلسطين، ولم يكن واضحا أن الأمر ليس مستهدفا به فلسطين وحدها، بل الأمة العربية كلها.

 سأحرص في 2016 أن يصل ريمكس فلسطين ليكون جزءا من المنهج الرسمي والنشاط اللامنهجي في أكثر من مكان في وطننا العربي وفي الخارج لأن أملي في الأجيال القادمة التي ستتسلح بالعلم والمعرفة والمبادئ والقيم لتستطيع مقارعة المؤامرات الصهيونية التي تحاك لنا.