887-khoulod(عريان .. ولكنه مازال يرتدي ثوب وطنه ونسبه العلوّي وسيبقى على قيد عراق الحسين) .. الشاعر والسياسي والإعلامي عريان سيد خلف لـ (المثقف) :

- وانا اسير في هذا الغرق ببغداد بسيارتي واسمع من احدهم ألا تكتب لي قصيدة عن هذا الفيضان؟ سأكتب عن وعيك اولا ثم سأكتب عن هذا الوضع .

- عندما فُزت كنت أتصور اني سأنفذ ما براسي من أفكار وان اخدم شعبي بشكل صحيح ولكني وجدت انها .. (احابيل للفٍ واغتصابِ .. فما شيخي وقسيس النصارى وحاخام اليهودِ، سوى ذئابِ) .

- أقول للصحفي والإعلامي .. قلمك شرفك فمن لا قلم صادق له لا شرف له .

- قصيدة (تغيرت والناس ماهي الناس .. شرّابت قواطي وخيبت ظني) تنطبق على الكثيرين ممن يخيبون الظن من لا يصدقون في الكلام، من يغدرون بالصداقات وبالأخوّة .

- اكتب بالفصحى واكتب بالشعبي المسألة سيان عندي لا يختلف هذا عن ذاك ولكني اشعر ان المفردة الشعبية هي اداتي .

 

 

حديثه بنكهة الأرض الفريدة، كلماته تلامس شغاف القلب وتحرك بداخلك الحنين حتى ولو لم تغادر بلدك .. شفافة نقية عميقة الأثر في النفوس .. تقف الكلمات امام هذا الجبل خَجِلةً وجلة .. لأنه ربان بحرها تهابه لأنه يملكها ويملك زمام امرها .. ومازال يتسلق قمم الابداع – عريان سيد خلف ..

حالة استثنائية في الشعر الشعبي لن تتكرر.. يبقى كبير وان ضاقت به السبل، يحمل حنينا فريدا ومن حنانه قد فاض على ما حوله رغم مرارة الحياة فقال له (أحن لمسامرك والكًاك شلكًاك .. شَرِي المعشر حلاوة شوك مابيك)، فأتعبه الحنين فأخبره لو(تدري شكثر تعبان ألهث والدموع يخَضّر إلها لسان) عاد وانار قمرا في ليله (رد الكمر واشتهت روحي اتنشف الدمعه ابعباته) واحب كل شيء .. (بالكيف هو الكلب لمن يحب بالكيف) حب الوطن والأرض اغلى واسمى حب له (طفح غيض الشوارب بالفناجين) .. حلو المعشر سلس الحديث وللفراق لا وجود عنده (لا تجينه ..لا تجينه .. جان كلت ابوجه الابيض غير معشركم لكينه) .

عريان السيد خلف --- في حوار مباشر خص به .. المثقف .

 887-khoulod2

عريان سيد خلف شخصية سياسية وادبية عراقية .. تعتبر من رواد الشعر الشعبي .. هل لك كتابات بالفصحى؟

- الشعر عموما لا يتجزأ بين شعر شعبي او فصيح، الشعر هو شعور وهو تعبير عن واقع معين بمدى إحساس كاتبه الذي يكتب الشعر وتختلف الأداة ولكن الشعر واحد وهناك قول لنجيب سرور يقول : الشعر مش بس الشعر ان كان مقفى وفصيح الشعر لو هز قلبي قالوا لك شعرك صحيح .. اكتب بالفصحى واكتب بالشعبي المسألة سيان عندي لا يختلف هذا عن ذاك ولكني اشعر ان المفردة الشعبية هي اداتي لان انحداري انحدار قروي ريفي جنوبي فاشعر ان المفردة الشعبية تتشظى لعدة دلالات وعدة معانِ لذلك امارس الكتابة بالشعبي .

 

بعد غياب رموز الشعر الشعبي من اقرانك أمثال زامل سعيد فتاح وكاظم إسماعيل الكاطع .. كيف ترى واقع الشعر الشعبي في الوقت الحاضر؟

- رموز الشعر الشعبي كثيرة ليس زامل او كاظم كثيرون منهم كاظم الرويعي رحمه الله كثير من الأسماء منهم عزيز السماوي وشاكر السماوي وعلي شيباني وكثير من الشعراء المبدعين الذين تميزت كتاباتهم وأصبحت لهم مساحة كبيرة في ذائقة الفرد العراقي، انا اعتقد واحد من هؤلاء لا اشترط ان تكون لي مساحة مميزة ولكني استطعت ان اصل الى الناس وهذه نعمة كبيرة بصدقي معهم، بان تكن صادق مع نفسك تكن صادقا مع الناس يجب ان لا تكذب ولا تفتعل الأشياء حتى لا تجعل حجابا بينك وبين الاخرين، كن عفويا، كن طبيعيا، تكن قريبا من قلوب الاخرين .

 

وما واقع الشعر الشعبي الان؟

- أي حركة إبداعية في كل الازمان والعصور تتعرض الى الكثير من الغث والتدمير والانهيارات ولكن هي كالموجة كما يقال او يقول المثل، حينما تنحسر الموجة على الشاطئ تترك ما علق بها وتعود صافية الى البحر، انا أتوقع بعد هذا الكم الهائل من الشعراء الذين يحاولون ان يُفسدوا الذائقة الشعبية العراقية بدليل اني اسمع وانا اسير في هذا الغرق ببغداد بسيارتي واسمع احدهم يقول لي ألا تكتب لن قصيدة عن هذا الفيضان؟ سأكتب عن وعيك اولا، ثم سأكتب عن هذا الوضع، او انا اشتري شيئا مثلا او اتسوق فيأتيك شخص فيقول لك اكتبلي قصيدة عن الرّقي وبضحكة سمجة لا تمت للذوق بشيء، فهكذا مفاهيم او هكذا نماذج شعرية أوصلت الذائقة العراقية الى ان تطلب من المبدع او الشاعر ان يكون (عرض حالجي) واخر يقول لي اكتبلي عن امي او اختي او عن حبيبتي او صديقتي .. جاءني احدهم وقال لي ألا تكتب لي عن صديقتي قصيدة؟ قلت له :طيب عرّفني بصديقتك ودعني أعيش معها فترة وسأكتب لك ما تريد كيف اكتب عن شيء لم اعايشه ولم احسه ولم اعرفه؟

 

هذا يقودنا الى امر حضرتك اوضحته حينما طلب منك احدهم الكتابة عن صديقة او حبيبه هذا يدل على ان هذا الشخص لا يشعر بها او لم يحس بأي إحساس تجاهها؟

- لا هو قد يفتقد الى الكتابة او الموهبة ولكن وعيه وعي محدود وهذا ليس ذنبه ذنب المجتمع بشكل عام ولا المجتمع انه ذنب الأنظمة التي حاولت تبسيط او منع الانسان العراقي من ان يتقدم او من ان ينتبه الى القراءة الى الثقافة الى الوعي كيف ينتبه وهو امام هذه الطواحين؟ من الخدمات او القتل من الدماء ينشغل بمن؟

 

أين الإرادة اذاً؟

- هل تستطيعين ان تقرئي كتابا بعد ان تذهبي للبيت؟ انا لم اقرأ منذ عشرة سنين أي كتاب لأني لا استطيع ان اقرأ .. لأني حينما اصل للبيت اول شيء أقوم به افتح التلفاز وابحث عن محطات وعن اخبار وعن كذا مسألة ..

 

أليست القراءة حاجة كالعطش والجوع بحاجة الى اشباع؟

- القراءة حاجة ملحة ولكن .. انت قلق كيف تكتب وانت في جحيم نار؟ كيف تكتب؟ كيف تقرأ؟ القراءة تريد استرخاء .

 

وهل الكتابة للمترفين؟

- لا اقصد الترف انما اقصد الأمان اقصد .. (اعطني خبزا ومسرحا اعطيك شعبا مثقفاً) وليس رصاص وكاتمات صوت ودماء ومآسي ونقص خدمات وتريد مني ان اكتب لك ! اكتب لك عن الدم؟؟ نعم، يعني لا يوجد بلد انشغل بالدماء والحروب وصار لديه مبدعين، خذي إسرائيل هل تسمعين هناك شاعر إسرائيلي كبير؟او مطرب إسرائيلي كبير؟ همُها ليس هذا انما همُها الدم والرصاص والقتل والاعتداء .

 

ممكن لهذا الضغط ان يُولِد مبدعين؟

- قلت اعطني فسحة من الهدوء من السكينة من عدم النقص في الخدمات ومن ان اطمأن الى ان اعود الى بيتي سالما وان اجد عائلتي سالمة ان اجد قوت يومي ..سأكتب، لان الكتابة هي شيء او حافز في داخل الروح يبعث على ان تعبر عما تحس، ولكن ليس بهذا السخط، بهذا الغضب، بهذه الأشياء التي لا تُقهَر.

 

اين الشاعر عريان سيد خلف في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق؟

- اين؟ انا في العراق، عشت بالعراق، وبقيت بالعراق، سافرت وعدت، وهكذا لم اتغير، انا ابن هذه الأرض ولن يقتلعني احد منها الاّ ان يقتلع الأرض برمتها .

 

قصيدة (القيامة) وقصيدة (كلها منك) ما وقعها على عريان سيد خلف؟

- قصيدة (القيامة) تحكي عن واقعة الانتفاضة بعد عام من سنة واحد وتسعين وحالة الناس وأين وصلت الانتفاضة والموت المجاني الذي عانينا منه، اما قصيدة (كلها منك) هي قصيدة مَرْثية او تداعيات ستينية، اقصد بها ثورة 14 تموز المجيدة التي راحت هدرا، وسمحت للقتلة والمأجورين بالنفاذ الى بنية الثورة والقيام الى 63 الفاشي .

 

مع السياسة ..هل في النية دخولك الى العمل السياسي وانت تمتلك شعبية واسعة؟

- رُشحت للبرلمان في الدورة الأولى وفُزت بالإجماع، ولكن في اليوم الثاني انسحبت .

 

بسبب؟

- السبب لأني احب ابي ولا اريد ان يُشتم، لان البرلمانيين يُشتَمون في اليوم مئات المرات، انا احب والدي واحب نفسي ولا اريد ان اُحْتَقَر امام شعبي .

 

اليس البرلمان هو صوت الشعب؟

- هذا في الكتب، لكن في التطبيق لا .

 

حُزتَ على ثقة الناس بك، بدليل فوزك بأعلى الأصوات ووصلت الى البرلمان؟

- لقد غرُّوا الناس وكذبوا عليهم .

 

وفوزك ووصولك للبرلمان؟

- عندما فُزت كنت أتصور اني سأنفذ ما برأسي من أفكار وان اخدم شعبي بشكل صحيح ولكن وجدت انها (احابيل للفٍ واغتصابِ .. فما شيخي وقسيس النصارى وحاخام اليهودِ، سوى ذئابِ) .

 

ماذا عن تجربتك في الصحافة والاعلام .. اذ عملت محررا لعدة صحف ومقدما للبرامج؟

- انا اعمل في الصحافة منذ السبعينات سواءً في الصحافة السرية او العلنية ومشرف عام، والان انا المشرف الصحفي عن (مجلة الدعم) وكذلك محرراً في (جريدة طريق الشعب الغراء) احرر (صفحة الادب الشعبي) واكتب عمودي المشهور(طك بطك) كذلك تدعوني بعض القنوات للحوار او لجلسات شعرية ثم قدمت بعض البرامج لبعض القنوات تختص الشعر الشعبي وتختص بالفلكلور والموروث الشعبي واعتقد اني نجحت في التقديم ثم وجدت ان بعض القنوات تريد ان تُسخِر من يعمل فيها الى قطاعات أي تشترط عليه ان يعمل كذا وكذا وانا لا أأتمر بأمر احد، انا لا استجيب الاّ للعقل .

 

ماذا تنصح الإعلامي المبتدأ كونك تعمل بمجال الاعلام؟

- اشترط ان يكون الإعلامي كالسيف حاداً وناعماً، اشترط ان يكون الإعلامي جريئاً كما كانت هذه الإعلامية هيلين الامريكية والتي وقفت امام رئيس أمريكا وقالت له : (انت تكذب .. you are lying) .. فالصحافة قوة وشجاعة وسلطة والصحفيين الكبار هم من يدفعون ثمن الكلمة الصادقة حتى لو كانت دماؤهم .. على الصحفي الذي يدخل هذا الكون الصحفي يجب ان يكون جريئاً وشجاعاً وباسلاً وصادقاً وان لا يزود على الحقائق .

 

ماهو المرض الذي يجب ان يبتعد عنه الصحفي او الإعلامي او ماهي الآفة؟

- الآفة التي يجب ان يبتعد عنها الصحفي او الإعلامي هي ان تحاول ان تُرضي .. تُرضي رئيسك او تحاول ان تُرضي من تقابله او تتابعه لتكشف خفاياه، يجب ان تكون بعيدا عن هذه الحالات وان تكون معتزاً بقلمك لان قلمك شرفك فمن لا قلماً صادقاً له لا شرف له.

 

التواضع .. أيرفع من الإعلامي او الصحفي ام يُذله؟

- الإعلامي هو رِفعَة، هو سلطة، الاعلام هو السلطة الرابعة ومتى ما ارتفع الانسان في داخله ارتفع في نفسه، ارتفعت المهنة ومتى ما شعر بانه ذليل وانه مُحتقر أُحتُقِرَت هذه السلطة ولن يستطيع ان يقدم للناس الحقيقة .

 

لمن تقرأ دائما وايُّ كتابٍ أَثر بك وايُّ كاتب؟

- اقرأ كثيرا ل اريوستوس واقرأ لماركيز سابقا واقرأ لكل العِظام ولكل الكتاب الكبار، اقرأ أيضا لبعض الروائيين العراقيين اقرأ شعرا لمظفر اقرأ لسعدي يوسف اقرأ لكثير من شعرائنا ويعجبني من الشعراء شعر حسين الرفاعي محمد علي الخفاجي رحمه الله وغيرهم من الشعراء الرائعين .

 

قصيدة (تغيرت والناس ماهي الناس .. شرّابت قواطي وخيبت ظني) من هم الذين خيبوا ظنك؟

- لا استطيع ان اشخص او اقول وابوح بمن، هي أشياء عامة تنطبق عليَّ وعلى غيري ..

 

وبالوقت الحالي على من تنطبق؟

- تنطبق على الكثيرين ممن يخيبون الظن من لا يصدقون في الكلام، من يغدرون بالصداقات وبالإخوّة .

 

الصيد .. انت صياد ماهر؟

- يقال .

 

اهم صيد بحياتك؟

- اهم صيد بحياتي هو الكلمة الرائعة او المفردة الرائعة .

 

كلمة أخيرة يقولها عريان سيد خلف؟

- أتمنى لكم الموفقية وأتمنى دائما ان ترتفعوا عن الأشياء التي تجافيها الروح والنفس وان ترتفعوا وتسمَون بسمو الكاتب الرائع الشجاع الذي لا يهاب شيئاً .

 

في النهاية لا يسعني الا ان اشكرك على سعة صدرك وارجو الا أكون قد اثقلت عليك ..

- شكرا لكم .

 

حاورته خلود الحسناوي

 

 

radi mutrafi- لا بأس من جعل سمك المسقوف لوحة تجذب العائلة للتمتع بها .

- الشعر والرسم يزيدان من انوثة المرأة لانهما يحتاجان الى حس عالي ومرهف .

هي امراة ذات طبيعة مختلفة تمر مثل نسمة عابرة لكنها تترك في الخيال شيئا من عبقها على شكل بسمة خجولة او جملة تكاد تكون مبتورة لكنها كافية للتعلق بأستار الذاكرة، اجمل مافيها روحها الخالية من العقد .. تربيتها .. حياؤها .. شجاعتها .. طيبتها واثقل ما فيها صرامتها كمعلمة .. اصرارها على العزلة .. خطوطها الحمراء .. ترسم بالقلم وبالفرشاة .. لوحتها قصيدة وقصيدتها لوحة من الكلمات .. تهوى الجوائز والمشاركة بالمسابقات والسفر لكنها لاتمارسه كثيرا .. لها فرح طفلة ورصانة امرأة وحياء حرة .. وصفتها وانا لست بصاحب قرب لصيق منها كزميل او صديق وليس بعيدا حد الجهل .. تكوينها الشخصي خليط من شخصية الريف الطيبة وبنت المدينة التي خبرت زحمة الحياة فتسلحت بالحذر وبموجبه حددت علاقاتها بالاخرين واولا واخيرا هي امراة توزعت بين اللوحة والقصيدة لكن هذا لايعني انها لاتجيد عمل (الدولمة) او الوقوف على التنور وانضاج الخبز المضمخ برائحة الارض الطيبة واعداد وجبات طعام اكثر جذبا من قوافيها وخطوط الوانها، حتى اسمها يخفي سرا فهو ليس بالغريب ولابالشائع ولا اعرف هل استوحى من اطلقه عليها من قول الله سبحانه في الآية المباركة (عذابهم فيها غرام) او انه استلهمه من قصيدة (الاولى في الغرام) التي شدت بها ام كلثوم؟ كل هذا وغيره ساضعه على طاولة الشاعرة والرسامة (غرام الربيعي) في دردشة لاتخلو من صراحة ومشاكسة وطرافة .

بعد شعوري بأني ارهقت الشاعرة والرسامة غرام الربيعي باسألتي التي ربما اجابة على مماثل لها في حوارات سابقة قررت لملمت اوراقي والاعتذار لها عن ما اخذته من وقتها المزدحم وربما سببت لها صداعا فأعتذرت لها ورحلت وفي سري اكتشفت ان للمرأة طاقة لاتنضب وقدرة على ادارة او اشغال عدة مجالات في وقت واحد .

 

انت من مدينة (صوفتها حمره) هل تم اختيار اسمك من القرآن او بعد سماع اغنية الاولى في الغرام؟

- لاهذا ولاذاك، كان أبي يحب أن تولد بنت للعائلة بعد سبعة من الذكور فغرامه للبنت عكس ماكان منتشراً في المجتمع القبلي في ميوله للذكور وعدم استحباب ولادة الأناث في العوائل، لذا ولدتُ انثى مكرّمة مرغوباً بولادتها، فأسماني أبي (غرام) ولازلت أحب مناداته لي (غروشة) ولاأدري ماتعني غروشة ههههه .

 

في بغداد مثل يقول: (رمانتين بفد ايد ماتنلزم) الشعر والرسم كيف تمسكين بهما؟

- لأن الرسم والشعر لاتمسكهما يد ويحتاجان وسعاً أكبر فقد مسكتهما روحي وفكري وكل حواسي، الشعر يمنحني دفء الحياة والرسم يمنحني جنة ألهو بها كيفما أشاء،كلاهما توأماي الغاليان نكون معا مثلث ممزوجاً برائحة الحياة وحوارات لاتنتهي . صحيح أن صيرورتهما من أصعب الحال وممارستهما تحتاج الكثير لكنهما عالمي الذي أحب .

 

ايهما اكثر يسرا عليك رسم لوحة او صناعة لوحة (سمك مسقوف)؟

- لاأدري مدى صحة تشابه الصورتين لديكَ، لكني عموما أتعامل بكل شيء في حياتي على انه لوحة تشكيلية أو مايتيسر من ذلك، الحياة لوحة كبيرة تفاصيلها تمثل الفراغات والألوان والأشكال في اللوحة،فلا بأس من جعل سمك المسقوف لوحة تجذب العائلة للتمتع بها كي تفعل مفعولها شعوريا بالسعادة، ولان الوجبة الغذائية مكررة فهي يسيرة جدا لكن المتعة العالية هي انك تعيش تجربة مختلفة مع كل لوحة وهنا تشعر بتجدد الزمن وتجديد النبض والاحساس الذي يوصلك بالعطاء والابداع وهنا العملية أسمى .

 

تدريس .. رسم لوحات .. نظم شعر .. تربية الاولاد .. طيب يأتي بأي مرتبة المسكين (الرجل) صاحب البيت؟

- ههههه من قال لك ان صاحب بيتي مسكين، بل قل هو محظوظ بأن له زوجة أوراعية بيت تمتلك أحاسيس شعرية وفنية ومربية لعائلته . وسأقول لك بكل صدق انه أحلى قصائدي وأقرب لوحاتي وشريكاً رائعاً فلا تحرّض على ما لاينفعك من حديث هههه أنا من يعطي كل ذي حق حقه قدر استطاعتي، أو هي موهبة أخرى .

 

اين تجد غرام نفسها .. في الشعر .. الرسم .. التعليم .. المطبخ؟ وماهو المجال الذي تمنت التخصص فيه؟

- أنا كلّي في كلّي أحب الشعر والرسم ومهنتي أما الطبخ هو موضوع آخر يمثل سد حاجة العائلة عند الضرورة وممكن الاستغناء عنه لضرورة ما ببديل آخر فهو وسيلة وليس غاية لانني مهما كنت طباخة ماهرة أو ربة بيت مميزة فممكن تجد هذه الصفة عند نساء كثيرات أما العطاء الابداعي فهو عمل سامي ومميز قد لاتجيده الا ّالقليلات فهنا المقياس ..أما الان بعد تجربة الحياة الطويلة أتمنى الان التفرغ التام والكامل لاستكمال مشروعي الابداعي في الشعر والرسم فقط .

 

بين روحية الفنان وروحية المعلم فوارق كثيرة وانفتاح الرسام على تجارب الاخرين يقابل صرامة المعلم واصراره على نمط تدريسي .. هل تزاحم هذا الاختلاف يسبب لك متاعب او يصيبك بصراع شخصيات؟.

- صحيح ماذكرته لكني أتخطى ذلك بقدرتي مؤمنة أن التدريس مهنة تأثير للوصول الى نجاح التلقي من الآخر (الطالب)، وأسلوبي بعقد علاقة الصداقة الانسانية هي منفذ لتذليل الصعوبات فحتى صرامتي يدركها الطلاب انه من وجه حق لتعليمهم، والامر الاخر هو انني أدرس مادة الفن التي هي من صميم رغبتي وقدرتي ..لذا لاأعاني كثيراً إلاّ من مسألة واحدة هي أن الفن مازال تحت طائلة الدرس الغير مهم في مدارسنا وفي عقلية الطالب فأبذل الكثير حتى أغيّر هذه النظرة القاصرة والتمس النتائج بشدة .

 

كيف تولد القصيدة؟ وهل هناك تجارب حقيقية ترجمت الى قصائد؟

- لحظة ولادة القصيدة لايمكن توصيفها بسهولة ولاتعتمد على نفس الظروف،فاللحظة الاستفزازية للتعبير تختلف في كل مرة ولامحددات لولادتها لانها مرتبطة بالحس والفكر وادوات التعبير فهي غير مصنّعة لكن بعد ولادتها أفكر في صياغتها أو اكسائها بثوب أكثر اناقة كي لاتبقى عارية . وبالتأكيد هناك تجارب حقيقية ترجمت الى قصائد لأن القصيدة أصلا هي محاكاة للواقع يشترك فيها المخيال الشخصي .

 

اين تضعين نفسك بين جيلك من الشعراء وبين رعيل الرسامين؟

- ليس من المنطق ان أضع تقييماً لنفسي، هذا مايحدده الرأي الغالب للنقاد والمتلقين أو ربما المقاييس المطروحة على الساحة، وفي كل الاحوال مامارست الشعر ولاالرسم كي أُصَنّف لمرتبة ما،أنا أعيش انسانيتي فقط وينتابني شعور خفي باني أحاول ان اكون عراقية مميزة،هذا ماأستطيع تقديمه لبلدي .ويبقى هاجسي بأني مازلت في أول الطريق لأن بجعبتي الكثير ومازلت أحب التعلم .

 

ماذا يعني لك التكريم؟ وهل يستحق العناء والسفر البعيد تكريم من جهة بعيدة عن مقر اقامتك؟

- التكريم هو رد فعل لعطائك ورمزية عالية بأنك تعيش بعالم يتفاعل مع ماتنتج،هو عمل ايجابي من باب العقاب والثواب ولايستوي العاملون والقاعدون،ويكذب من يقول انه يتجاهل فكرة السعادة لحظة التكريم . اذا كان رد السلام واجب فكيف بمن يود تكريمك،حتما يستحق التكريم الاستجابة من باب التأدب والتوثيق لعملك ورد الكرم بالأجابة والحضور وهذا طبعا ينطبق على الجهات المكرمّة ان كانت في مستوى بعيد عن السوقية والتسفيف والبتذال ومنح التكريم لمن هب ودب .وطبعا يشترط الذهاب بالاستطاعة ايضا .

 

• نص شعري علق بالذاكرة رغم تعاقب الايام؟

- نعم أول نص قرأته على منصة اتحاد الأدباء وشعرت بتفاعل الحضور معه بعد أن تجاوزت مرحلة الخوف من المنصة والألقاء وكان (أبابيلُ مرايا).

 

لوحة وجدت نفسك فيها؟

- لوحة بغداديات انجزتها بحوار ذاتي وذائقة خاصة، رغب بشرائها الكثير لكني لم أقرر بيعها لحد الان،ربما لاني احب التراثيات والبيئة الحميمية الغائبة الان .

نعم وجداً له تأثير،لان العمل يأخذ أغلب الوقت والجهد وانت محاسب رسميا على ذلك وهو مصدر معيشتك والابداع يحتاج الى وقت وجهد يعني تفرغ ومزاج لكنه ليس له مردود مادي يكفي حاجتك المشروعة ناهيك عن التداعيات على الصحة والوضع النفسي المتسبب من مشاكل العمل والتعامل مع اناس لايدركون معنى الاابداع والمواهب وسبب محبتك لممارسة ذلك .لذا صرت اتمنى التمتع بالتقاعد للتفرغ لمشروعي الثقافي .

 

لو تزاحم الرسم والشعر فيك .. لمن الغلبة؟ وايهما الحب الاول؟

- مشكلتي لاأنفك عن محبة الأثنين أحيانا اعطي الوقت للرسم واحيانا امارس الكتابة والقراءة ولكن ...الرسم يحتاج تحضيرات للمباشرة بالعمل اما الكتابة فأدواتها أسهل وممكن في اي مكان او اي لحظة ممكن تعمل ذلك، وصدقني أحياناً وأنا أغسل الصحون على المغسلة تراودني مشاهد حياتية ترتبها عبارات شعرية جميلة جداً،اغسل يدي مسرعة لتسجيل ماوثقته الذاكرة

وكلاهما الحب الاول ولو منحني الله سحراً لكتبت بيد ورسمت بأخرى .

 

من ابنائك من هو اجمل القصائد ومن هي اجمل اللوحات؟

- سؤال لاأجيد الاجابة عليه،لان لكل منهم لونه وقافيته .فلا تفضيل هنا

 

- ماهو موقف زوجك من انشغالك بالشعر والرسم؟ وهل يضايقه وجود معجبين لك في الرسم والشعر؟

اعتقد تواجده معي في محافل ذلك يعطي الأجابة فانشغالي ليس على حساب مسؤولياتي لذا انا اشعر بالتعب الشديد لاني أقتضب الوقت من استراحتي الخاصة، وهو ايضا يشعر بالغبطة حين انجز عملاً وربما هي من دواعي الحظ أنه من محبي الفن والشعر، اما وجود معجبين بالتأكيد لوكان بحدود اللياقة فهو سعيد بذلك لان معنى ذلك ان نتاجي ايجابيا ومقبولا ويستحق التضحيات أما اذا كان الاعجاب يتعدى حدود ذلك فهو شعور طبيعي بالغيرة المحبة لي وينبه على الرد اوتجاهل ذلك ولم يحصل كثيرا معي، فجميع اصدقائي يقدرون مكانتي ويمنحوني محبة نقية لاتثير حفيظة رجولته .

 

ورثت من في المجالين ومن وريثك؟

- ورثت ُ أخوتي في الفن والكتابة وحب القراءة اما الشعر هو محاولات خاصة تنامت بكثرة القراءة وحب الشعر، لي ابنة تهوى التصميم والرسم والاخرى تهوى فكرة الكتابة وربما تحب كتابة المقال والقصة ولي من افراد العائلة من الاقارب من يحاول في المجالين ويتمتعون ببعض الموهبة .

 

النقد عملية تقويم كيف تتعاملين معه؟

- لامشكلة عندي أو تحسس من عملية النقد على العكس احب سماع محاضرات النقد واقتني كتب عن ذلك واشعر بفائدة عند سماعه لاني سأنقب عن فحوى نصوصي القادمة قبل انجازها، لاافكر في النقد عندما اكتب وبعد تحرر النص من قبضتي اهتم بسماع النقد عنه كي أهذّب النص القادم وهكذا .

 

نص شعري ترينه انضج ماوصلت له تجربتك؟

- لاني احب اغلب نصوصي فلا استطيع تحديد ذلك بمقياس مشروع، لكن بالتاكيد من الضروري ان يكون كل جديد هو افضل من سابقه والا يعني الامر انني اراوح في مرحلة الكتابة ولاشيء سوى الكتابة والبوح دون وعيا بتقنيات الكتابة المتجددة مع الذائقة العامة والمخيال الجمعي المتغّير .وعموما مازلت أشعر أني لم أكتب النص الذي أتمنى .

 

اخيرا هل يأخذ الشعر والرسم من انوثة المرأة؟

- لا أعتقد .....بل على العكس أشعر انه يزيد أنوثة المرأة لانهما يحتاجان الى حس عالي ومرهف بالاشياء للتعبير عنهم بجمالية وقريبان من مكونات الجمال والتزيين ممايجعل السلوك مرادفا لذلك، واذا حدث غير ذلك فيعني هناك خللا في منطقة ما من تكوين الشخصية وسبب ممارسة هذا .

بعد شعوري بأني ارهقت الشاعرة والرسامة غرام الربيعي باسألتي التي ربما اجابة على مماثل لها في حوارات سابقة قررت لملمت اوراقي والاعتذار لها عن ما اخذته من وقتها المزدحم وربما سببت لها صداعا فأعتذرت لها ورحلت وفي سري اكتشفت ان للمرأة طاقة لاتنضب وقدرة على ادارة او اشغال عدة مجالات في وقت واحد .

 

حوار: راضي المترفي

 

ramia njimaدفع إلي الصديق الكاتب الخضر الورياشي رزمة من الأوراق قائلاً:

"اقرأ، أنت تكتب المقال، لن تعدم في هذه المقالات متعة أبداً"..

وقرأت الأوراق بشغف ..

كانت للكاتبة الصاعدة رامية نجيمة، شدني فيها الموضوع، وطريقة الطرح،تدعمها جرأة، وسلاسة في بسط الفكرة،كل ذلك في ديباجة أنيقة، تسيجها لغة سليمة ..

شجعتني المقالات لقراءة مجموعة نجيمة الأولى للمرة الثانية قضبان وأجنحة.

للقاصة رامية نصيب من اسمها،هي تجيد "الرماية" في الحكي، قارئها يضمن الصيد الوفير، فلا يخشى على نفسه - أثناء تَجواله في تضاريس نصوصها- حرمانَه القَنَص ولا القبَسَ..

أهلاً بالكاتبة رامية في "حوارات العرين"..

 

س- أنت بارعة في كتابة المقال حسب قراءتي لك، و لك لحد الآن كتابٌ منشور واحد في جنس القصة القصيرة جداً.. ألم يكن من الأجدر أن تبدأي بالمقال وليس القصة؟

ج- فعليا، لقد بدأت بكتابة المقال، كل ما هنالك أن مقالاتي قد وجدت طريقها إلى القارئ ليس من خلال كتاب بل من خلال عدد من الجرائد والمواقع الوطنية والعربية، ذلك أن الوسائط التي تعنى بنشر المقالات كثيرة جدا بالمقارنة مع الوسائط التي تسمح بنشر النصوص الأدبية؛ ومن ناحية أخرى يمكن القول إن رواد المواقع والجرائد يشكّلون، في الغالب، ذلك النوع من القراء الذي يميل إلى قراءة المقال أكثر من القصة، لذلك فكرت أني لن أحتاج، في الوقت الراهن على الأقل، إلى نشر كتاب يضم مقالاتي طالما أنني أستطيع نشرها بكل حرية ويُسر، وإيصالها إلى القارئ طازجة وِفق ما يطفو على الساحة الإنسانية من أحداث ومواقف.

 

س- قرأتُ أضمومتك " قضبان وأجنحة" أكثر من مرة،وجدتها ممهورة بموضوعات و أحداث سياسية، و إنسانية، واجتماعية، ونصوص كثيرة فانطازية مفتوحة على عوالم كثيرة.. هذا التنوع هل هو مقصود..؟

ج- قضبان وأجنحة هي مجموعتي الأولى، وقد صدرت في العام 2013 بعد أن أخذ مني إنجازها ما يزيد عن عامين، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أني أكتب القصص والمقالات قبل ذلك بكثير، فلك أن تتخيّل حجم الأفكار والمشاعر التي تزاحمت في وجداني وأنا أنجز أول كتاب لي، لذلك أعتقد أن سر التنوع في نصوص هذه الأضمومة، يعود بالدرجة الأولى إلى همّ الكتابة الكبير الذي حملته في قلبي لسنين، والذي أتيح له أن يتفجّر أول مرة، في قضبان وأجنحة.. يمكن أن تتصورّني وأنا أكتب نصوص هذه الأضمومة أشبه بـ "سيزيف" وهو يحمل على ظهره صخرته العالية ويأمل أن يضعها على الأرض بأقصى سرعة قبل أن تتدحرج منه من جديد.

 

س- " السخرية " من الواقع طاغ في نصوص المجموعة نحو :"تبادل" ص/ 30، "سلاح الدعس الشامل" ص /27، و"متخصص" ص 21، و"تغيير" ص/ 6 و"مجموعة" ص /54... وغيرها كثير، هذا النزوع اللافت ألا تخشين السقوط به في براثن النكتة .. وكيف تحيدين عنها حين "تسخرين"؟

ج- في الواقع، أنا لم أخَف _خلال كتابتي لنصوص هذه الأضمومة_ من الوقوع في براثن النكتة، وأعترف أنّي لم أفكر في ذلك أصلا، فالنكتة في رأيي عمل إبداعي من طينة خاصة، يحتاج إلى قدر كبير من الذكاء والطرافة وخفة الروح.. ولا أعتقد أني أتمتع بهذه الصفات كلِّها، ناهيك عن أني عندما اتخذت قرارا بكتابة القصة القصيرة جدا، فعلت ذلك بعد أن قرأت لمجموعة من كتاب القصة، منهم مغاربة وعرب وأجانب؛ وبعد أن شعرت أني فهمت ماهية القصة القصيرة جدا. أولئك الذين قرأت لهم رسموا لي طريقا، وقد قُمت بالسَّير فيه، معتمدة على حسي الخاص ولمساتي الشخصية.. ولا أخفيك أنّ أكثر ما يخيفني وأنا أكتب القصة القصيرة جدا أو القصة القصيرة، هو أن أقع في فخ التقليد، أقصد تحديدا تقليد أولئك القصاصين الذي سحرتني كتاباتهم.. هذا هو البرثن الذي أخشى أن يشقّ مَساري السردي، ولذلك أحاول تجنبّه ما استطعت، بل إني أحيانا، بعد أن أقرأ مجموعة قصصية ما، وأجد أني قد تأثرت بها إلى أبعد حدّ، أعمد إلى الامتناع عن الكتابة لأسابيع، حتى لا أُنتِج ما يمكن أن يكون نُسخا مطابقة لما شُغفت به من نصوص.

 

س- سخرية صاروخية أسجلها في نص "تحكم "ص/11..طبعاً أنت تقصدين لا "جهاز التحكم عن بعد" بل معنى آخر بعيداً ..حدثينا عن طريقة توصيلك لمثل هذه المعاني في نصوصك للقارئ؟

ج- القُرّاء، في رأيي، صنفان؛ صنفٌ يفهم القصص بصيغتها الحرفية، ولا يُتعب عقله في التنقيب عما يوجد وراء المعنى، إما لأنه لا يعرف أنّ هناك معانٍ خفية خلف كلّ معنى ظاهر، أو لأنه ببساطة، لا يستطيع قِراءة إلا ما يوجد أمام عينيه؛ وصنف ثانٍ يضم أولئك الذين يُغربِلون الحرف والكلمة، ولا يَهنأ بالُهم إلا بعد أن يُخضعوا كلَّ صغيرةٍ وكبيرة لميزان التأويل. بالنسبة إليّ، أنا مُستعدّة نفسياً للتعامُل مع ذلك الصنف الأوّل مِن القراء، أما الصِّنف الثاني فإنّي أحبُّهم بلا حدود، لأنهم يَخلقون عندي نوعا مِن تحدّي الذات.. خاصة عندما يأتون بتفسيراتٍ جديدة لنُصوصي، تفسيرات لم أقصدها من الأصل، ولم تخطر في بالي ! ولا أخفيك سيدي، كَم أنّه مِن الممتع والصادم في آن، أن أصادِف ذلك النوع من القُراء الذين يملكون المقدرة على قراءة نص كتبته بصيغة جديدة، هذا الأمر أشبه بولادة أخرى للنص.. لكن، على يد المتلقي. وبشكل عام فأن يخوض الواحد منا في طريق الكتابة؛ يعني أنّه يدرك مسبقا أنه يتعامل مع أنماط مختلفة مِن القراء.. الكتابة _في رأيي_ عمل تفاعلي بين الكاتب والقارئ، هذا ما أراهن عليه وأنا أكتب نصا ما؛ والعلاقة بيني وبين المتلقي يمكن اختزالها في العبارة التالية: "حَبكةُ النصّ وبدايَته ونهايتُه مِن عندي، أما التفسير والتأويل فمِن عندك !".

لا تهمني كثيرا الطريقة التي تُفهم بها نصوصي، وأعتقد أنّه لا يحق لي التدخل في ذلك مِن خلال مُحاولة تصحيح المفاهيم التي التَقَطها القارئ؛ فأن يفهم هذا الأخير نصّا أدبيا بحسب مُستواه الثقافي والاجتماعي.. هو أبسَط حقوقِه على صاحِب النص.

 

س- يبدو لي أن أطول نص في المجموعة هو " رجل حر " ص/ 17و18( فيه اثنان وعشرون سطراً )، وأقصر نص هو " الشريط "ص/ 60 ( أربعة أسطر).. ما هي وصفة النص القصير جداً برأيك؟

ج- أولا، أشكرك لأنّك درست مجموعتي بهذا القدر من العمق، ولا أبالِغ إن قلت أنك وبينما تطرح عليّ هذه الأسئلة، تُعطيني معلومات كانت غائبةً عني ؛ فأنا حين أكتب لا أفكر كثيرا، إني أومن أنّ الكتابة فعلٌ عاطفي مُنبثقٌ عن اللاشعور، ولا يتدخّل فيه العقل الواعي إلا مِن باب تَقويم بعض الاعوجاج الذي قد يَرِد، والحرص على عدَم تجاوز الخطوط الحمراء، وأقصد تلك الخطوط المتمثلّة في قيم الكاتب وقناعاته الفِكرية. طول النص أو قِصره مسألةٌ خاضعة _في رأيي_ لما يتطلبه النصّ ذاته كي يصبح مَفهوما إلى حدٍّ ما، وقادراً على تأدية الرسالة التي حمّله الكاتب إياها. لا يهمني عدد السطور، بقدر ما يهمني أن يصل المعنى، وإن كان وصول المعنى _كما ذكرت آنفا_ ليس مُيسّرا في كل الأحوال، مادام رهيناً بالمتلقي؛ بذكائه، وبمستواه الثقافي، وبخلفياته الاجتماعية والأيديولوجية..

 

س- نقف رجاءً عند الأبعاد الدلالية لعنوان المجموعة؟ لماذا اخترت كتابة " قضبان وأجنحة" باللون الأحمر متسربلا في مساحة سوداء وسط أجنحة؟

ج- وهذا سؤال عميق آخر، أشكرك عليه مِن صَميم القلب.. إنك يا سيدي، لا تعرف كم أنّي انتظرتُ طويلا أن يسألني أحدهم هذا السؤال، حتى أنّي حلمت كثيرا أني أُسأل عنه وأجيب.. أنتَ هنا تحقِّق لي حُلمي..

صحيح أني لا أحب أن أفرض على القارئ قراءتي الخاصة لما أكتبه، كما قلت في ردي على سؤال سابق، وفي نفس السياق أعتقد أنّ للمتلقي كامل الحق في أن يفسّر لوحة الغلاف والطريقة التي كُتب بها العنوان بحَسب ذوقه وإحساسه الفني والجمالي، ولكن وبما أنّك هنا، سيدي الكريم، تسألني عن سرّ اختياري الشخصي، فلا بأس أن أجيب؛ ولنقُل إني أرى في كلِّ واحد منا طائراً يحاول فرد جناحيه هربا مِن الظلام (الحَبس/الجهل) مُمثّلا في اللون الأسود، وبحثا عن النور (الحرية/الحقيقة) ممثلا في اللون الأبيض؛ ولأنه كثيرا ما تصطدم هذه الأجنحة بقضبان تكسِرها وتُسيل دماءها، فإني لَم أجد لونا أحقّ من اللون الأحمر _ لون الدماء الزكية_ لأخط به عنوان أضمومة قصصية كلُّها دعوات إلى الجهاد ضد القضبان، في سبيل العبور إلى الضفة الأخرى.. حيث تسطع الشمس فوق الحقول الشاسعة..

لا أعرف إن كان الإنسان/ الطائر سيخلُص في النهاية إلى المرور عبر القضبان، لكني أومن بأن الحقيقة كما نراها من خلال القضبان هي حقيقة مشوَّهة، وهذا ما حاولت التعبير عنه في النص الذي أخذتُ منه عنوان الأضمومة وهو بالمناسبة أحبّ النصوص إلى قلبي.

 

س- هل ستتغير الدلالة لو قلبنا العنوان وقلنا : "أجنحة وقضبان" بدل "قضبان وأجنحة؟

ج- عندما كنت أفكر في العنوان تراءت لي الصورة التالية؛ إنّنا كلنا طيور حبيسة داخل قفص ما، نحاول الخروج منه والتحليق بعيدا، ولأن الطائر لا يستطيع إطلاق جناحيه داخل القفص فإنه يتعين عليه تجاوز القضبان أولا، إذن فمواجهة القضبان سابقة من الناحية الزمنية على فِعل التحليق.. لذلك قلت "قضبان وأجنحة" عوض "أجنحة وقضبان"، لم أحب أن تكون النهاية قضبانا، إنما أردتها أجنحة قوية مُحلّقة..

لقد كنت متفائلة ساعة اخترت العنوان، وأظن أني لو كنت فعلت ذلك وأنا في حالة إحباط، لكان العنوان سيكون هو"أجنحة وقضبان"، فأنا كما قلت في معرض الجواب عن سؤال سابق، أكتب بمشاعري.

 

س- ظاهرة لفتت انتباهي في أضمومتك الجميلة، تتعلق باختيارك للطباق في عناوين بعض النصوص نحو " الأسود و الأبيض"/ص 20 و "ظلمات ونور"ص/ 26، على ماذا تراهنين في اختيارك لمثل هذه العناوين؟

ج- وهذا الطباق موجود في عنوان المجموعة أيضا.. والحقّ أنَّ لا غايةَ لي منه أكثر مِن لفتِ انتباه القارئ إلى أنَّ الحياة زاخِرة بالمتناقضات وأنَّ فهمَنا لها ولِحقيقتها مرتبط كلّ الارتباط بالزاوية التي ننظر منها إليها (إلى الحياة). لقد وددت أن أجعل القارئ، يفعل كما أفعل في كثير من الأحايين، ويسأل نفسه مِن خلال نصوص الأضمومة: أين أنا بالتحديد، خارج القفص أم داخله؟ في الجزء الأبيض أم في الجزء الأسود؟ داجل دائرة الظلمات أم في بؤرة النور؟

 

س- بعض العناوين بدتْ لي طويلة.. هل يخدم هذا الطول في العنوان الجنسَ القصير جداً؟

ج- العنوان بالنسبة إليّ عنصر مهم جدا في أي نص أكتبه؛ فهو كفيل بأن يفتح شهية القارئ للغرق في نص ما، كما يستطيع _في حالة تم اختياره بشكل سيء_ أن يؤدي به إلى الفرار منه، لذلك أوليه عناية خاصة.. بعض العناوين أجعلها طويلة لأني أرى أنّها لا يمكن أن تكون أقصر، ذلك يحول _في اعتقادي_ بينها وبين أن تؤدي الوظيفة المنوطة بها وهي إعطاء صورة جميلة مشوّقة عن النص؛ وبعض العناوين أرى أنه لا يجوز أن تتجاوز كلمة واحدة حتى لا تهتِك سرّ القصّة، ولا تُحرق ما يُمكن أن يرتشفه القارئ مِن بين الحروف.

 

س- ظاهرة أخرى توقفتُ عندها في عنوان قصة " حضن دافئ " ص /19وهي حقيقة قصة جميلة جداً برأيي..لفتتْ نظري فيها عبارةٌ مكتوبةٌ بين قوسين وهي (قصة واقعية).. هل معنى هذا أن نصوصك الأخرى غير واقعية؟ وما حدود الواقع والخيال في المجموعة؟

و ما يميز نصوص " قضبان وأجنحة" أكثر الدقة في الطرح مع الرهان على مفارقات عجيبة مدهشة شبيهة بما نجده في الشعر حين نوظف "التورية" في البلاغة،مثل ما نجده في نصك " التجربة" ص/15

دعيني أقدم لك مثالاً هنا :

في نص " اكتشاف" ص /34 تصويرٌ لسجين وراء القضبان،لكنه، بعد أن تعب في البحث عن نفسه، استقر في السجن، فأحس بالراحة بعد أن عثر على ضالته فيه.. كيف يجد النفسَ من يتألم وينتَن داخل الزنازن؟

ج- الارتياح الذي شعر به البطل في نصّ "اكتشاف"، هو فعلا كما ذكرتَ، ناتج عن تواجده داخل زنزانة.. والسرّ كلّه راجع إلى ذلك الإحساس بالراحة الذي يخلفه الاعتقاد بأنّنا نؤدي ثمن ذنوبنا وخطايانا.. الاعتراف بالذنب، ثم تلقّي العقاب المناسب، في رأيه، أشعر بطل القصة أنه قد صار نقيا مِن الداخل، نقيا إلى الحد الذي يسمح له بالغوص في ذاته.. ذلك الحد الذي يتيح له العثور على نفسه.. وبخاصة، نفسه النقية الطاهِرة.. كان على بطل هذا النص أن يجد وسيلة لتحرير ذاته ولو كلّفه ذلك أن يقبع خلف القضبان.. ذلك أن سجن العقل والروح أشدَّ وطأة وتعذيبا مِن سجن الجسد الفاني.

أما في قصة "التجربة" فالبطل مقتنع أنه عالِم صنديد، وأنّ باستطاعته أن يدرُس الحالة البشرية ويتوصّل بخصوصها إلى أجوبة علمية ومنطقية شافية؛ إنه لم يدرك إطلاقا أنه إنسان، وأنّه لا يمكن أن يبلُغ حقيقة السلوك الإنساني بشكل خاص، طالما أنه ينطلق من خلفيات تُعشِّش في عقله وذاكرته، ناهيك عن أنّ الظاهرة الإنسانية برُّمتها عصيّة على الدراسة. البطل في هذه القصة كان يحاول أن يقرأ الواقع انطلاقا من رؤيته الخاصة ويُطبِّق عليه استنتاجاته الشخصية، وقد أدَّت به أنانيته وماديتُه المفرطة إلى سَلب الحياة مِن طفل لا حَول له ولا قوّة.

 

س- نصوص مجموعة " قضبان وأجنحة " موزعة ومصدرة بشكل أنيق في أربع مجموعات/مقولات: الأولى مصدرة بقولة لـ سينيكا، والثانية لـ بيير تيلار د شاردان، و الثالثة لـ جلال الدين الرومي، والرابعة لـ أبي حامد الغزالي.. لماذا هذا الحرص على هذا التصدير، وهل هناك علاقة بين نصوصك في هذه المجموعات وهذه المقولات مثلاً؟

ج- أشكرك مرة أخرى على هذا السؤال. في الواقع تقسيم النصوص إلى مجموعات كل واحدة منها مصدَّرة بقولة/ حكمة، لَم يكن أمراً اعتباطيا، ولا أخفيكَ أنّه قد أخذ مني الكثير مِن الجهد والوقت؛ وما حدث، هو أني حين كنت أهم بترتيب نصوص الأضمومة، كنت أحرص على توزيعها بشكل يضمن بعض التنوع على مستوى الأفكار المطروحة فيها والأسلوب الذي اعتمدته في التطرق إليها؛ وخلال ذلك،لاحظت أنّ النصوص المتوفرة لديّ يُمكن تصنيفها إلى أربع مجموعات بحسب المواضيع التي تتطرق إليها، وأقول لاحظت لأني لم أقصد هذا التقسيم وأنا أكتب النصوص ولكني تنبهت إلى ذلك حين كنت أحاول ترتيبها، ولكي أُقرِّب القارئ من فكرة كل مجموعة من النصوص ارتأيتُ أن أضع لها تصديرا يُعطي لَمحةً مبدئية عن التيمة الأساسية التي تتمحوَر حولها؛ اسمح لي أن أقدِّم مثالا على ذلك:

المجموعة الأولى مُصدرّة بقولة سينيكا "كلنا كالقمر لنا جانب مظلم" وهو فيما يبدو، يعني أنّنا، مهما حاولنا أن نبدو كاملين، فإن لكلِّ واحد منا عيوبه الخفية.. وأتجاوز ذلك وأقول إنّ هذا الأمر (امتلاكُ جانبٍ مظلم) لا ينطبق فقط على البشر إنّما يُمكن أن يُطبَّق على الأفكار والأيديولوجيات والعقائد.. إلخ، وبقليلٍ مِن التأمُّل سيتوصَّل القارئ إلى أنّ مضامين نصوص المجموعة الأولى كلّها تدور في فلَك نفس الفكرة/ القولة؛ "كلنا كالقمر، لنا جانِب مظلم".

 

س- لغتك ماتعة سليمة إلا ما جاء عرضاً، بل أسجل إعجابي ببعض ماجاء فيها،على سبيل المثال لا الحصر، من بلاغة متمثلة في جناس غير تام في قولك في نص "خطوات" ص /25: "أجبر هو على أنْ يجبّر"

وفي نص "منتهى الإحساس"ص/:9" أزعجه..و أعجزه".

من أي سوق أدبية تتبضعين هذه اللغة الأنيقة؟

ج- من أي سوق أدبية أتبضّع..؟ اسمح لي أولا أن أعبِّر عن إعجابي الشديد بهذه العِبارة الساحرة؛ أما بخصوص سؤالك سيدي، فصدِّقني إن قلت إني لا أتحكم تماما في زمام اللغة التي أكتب بها، فأنا كما ذكرتُ آنفا، أكتب بقلب مَشحون وعقل شبه مُغيّب، وكلَّما كان إحساسي بما أكتُبه قويا كلَّما جاءت لُغتي غنيّةً وطافحة، وكلَّما حاولت تقمُّص حالة الكتابة قهرا كلّما جاءت لُغتي ضعيفة ومُصطنعة، الإحساس في رأيي، هو ما يتحكّم في مستوى اللغة.

 

س – هل تؤمنين ببعض مقولات أبطال نصوصك:

هل حقاً مثلاً "إن البشر يخشون الزغزغة"..وما الزغزغة هذه؟

ج- هذه المقولة: "إن البشر يخشون الزغزغة " جاءت في أحد النصوص على لسانِ صُرصور، وأنا أعتقد أنَّنا لو نفذنا إلى عقل صرصور، (أعرف أن هذه مقاربة غريبة جدا ولكن لا بأس مِن الخَوض فيها مِن أجل الحُصول على بعض الاستنارة !) لوجدناه يتصوّر أننا، نحن، معشر البشر (والنساء بشكل خاص) نخشى الزغزغة، لعلّ هذا ما سيصوِّره له عقله (إن افترضنا، جدلا، أنّ له عقل!) ما دُمنا نقذِفه بالنعال ونطارده مع أنه لا يَقرص ولا يعُضّ إنما يزغزغ فقط ! أما نحن، معشر البشر، فإننا ندرك جيدا، أنّنا لا نخشى إلا زغزغة الصراصير لما تبثّه فينا من إحساس بالقرف. الفكرة هنا تُحيل مرة أخرى على الحقيقة وطريقة نظرنا إليها بِحسب تموقعنا في الحياة وزاوية نظرنا إليها.

 

س- تقولين في ص 35 : "عاش الناس يبدعون الحكايات وعشتُ أنا في الحكايات" ما الفرق هنا..؟

ج- أومن أنّ هناك نوعان مِن البشر، نوعٌ يصنع الأحداث بِيده.. يتحرّك جاهداً ليغيِّر ما يُمكن تغييره في الحياة، وهؤلاء هم مَن قلت عنهم إنّهم "يُبدعون الحكايات"؛ ونوع آخر لا يُحرّك ساكنا، يأتي إلى هذه الدنيا ويرحَل منها بلا أثر (إيجابي أو سلبي).. هذا النوع لا يغيّر شيئاً في الحياة، الحياة هي التي تُغيّره لكن بأيدي أولئك الذي يتحكّمون في مجريات الأحداث؛ اسمح لي أن أعطي مثالا: فلننظر مثلا إلى دولِ الشمال (الدول العظمى بشكل خاص) في علاقتِها بدول الجنوب.. إنّ الأمر يبدو كما لو أنّ الأولى تُخطِّط، وتُحرّك كلَّ الخيوط، بينما تعيش الثانية باعتبارها لعبةً في يدها، تماما كعَرائس المارْيونيت. وبالطبع فإنّ ما ينطبق على الدول يُمكن أن ينطبق على المجتمعات والأفراد.. هذا ما عنيته بهذا النص؛ وطبعا الـ "أنا" في هذا النصّ لا تحيل عليّ بصفتي الشخصية.

 

س – في بحرهذه السنة 2015اختير اسمك ضمن كُتاب كثيرين شاركوا في كتاب جماعي" أقواس قصصية" عن منشورات الموكب الأدبي،ومن توقيع جمعية تكفايت..ماذا أضافت لك هذه المشاركة؟

ج- (أرجو أن تعفيني، أستاذي الكريم، من الإجابة عن هذا السؤال)

 

س- هل في الرصيد جوائزُ أدبيةٌ معنوية أو مادية؟ وما رأيك في المسابقات الأدبية وجوائزها عموماً؟

ج- حتى الساعة، ليس في رصيدي جوائز مادية؛ أما الجوائز المعنوية فهي تعني لي الكثير.. لا أستطيع مثلا، أن أصِف سعادتي عندما يُقابلني أناس لا أعرِفهم في الشارع، أو في أي مكان عام ويُبادرون إلى تحيتي، والإشادة بِما أكتُبه.. كما لا أصف مدى التأثّر الذي أغرق فيه عندما يلجأ إليّ بعض الناس، ممّن أعرف، وممّن لا أعرف، لأساعدهم في حلِّ بعض مشاكلهم الشخصية والعاطفية.. عن طريق إسداء نصيحة أو تقديم مَشورة.. الكثير مِن الناس يعتقدون أنّه لا يستطيع كتابة القصّة إلا إنسان يمتلك معرفة عميقة للحياة.. وسواء كان ذلك صحيحا أو خاطئاً فأن يُؤمِّنني الآخرون على مشاعرهِم وقلوبِهم أمرٌ أقدِّره جدا، ومثل هذه الالتفاتات البَسيطة تساوي في خاطري الكثير، ولا يمكن أن أستبدِلها بجوائز مادية (في حال تعارُضِهما طبعا) ما حييت. محبّة الناس وتقديرُهم هي أكبر جائزة في نظري.

 

س- ما الذي لا يعجبك في كتابات غيرك ممن يكتبون القصة القصيرة جداً؟

ج- في القصّة القصيرة جدا لا يُعجبني بشكل عام، شيئان اثنان؛ أولّهما الاختصار الشديد، أي؛ أن يعمد الكاتب إلى الاختزال في النص حتى يصبح هذا الأخير ناقصا، وغير قادر على إبلاغ المعنى، الشيء الذي يَجعله أشبه بجَنين تم إخراجه إلى الوجود قسراً، قبل أن يكتمل نموه في رحم أمه؛ وثانيهما الغموض الشديد. لا أخفيك أني كثيرا ما أمر بحالات غريبة لبعض القصص القصيرة جدا التي أقرأها وأعيد قراءتها حتى تتنمّل أطرافي وأصاب بالهرش في رأسي دون أن أتوصّل إلى فهم محتواها ناهيك عن المقصود منها ! مثل هذه القصص القصيرة جدا تُشعرني بالعَجز والإحباط لأنها تشكّكني في مُستوى ذكائي وقدرتي على الفَهم والاستيعاب. لا أقصد طبعا أنّ الكاتب يجب أن يبسّط القصة القصة القصيرة جدا حتى يُميّع محتواها ويجعلها شبيهة بقِصَص "جحا والباذنجان"، وفي نفس الآن، لا أعتقد أنّه يُفترض به أن يبالغ في لَبكِ خيوطِها إلى الحدّ الذي يجعلُها وفيزياء الكَمّ، على نفس الدرجة من التعقيد والالتباس !

 

س- لو قُدر لـ " قضبان وأجنحة" طبعةٌ ثانية مصححة،ومنقحة.. ما هي النصوص التي ستحذفين، أوتنقحين، أوتعدلين، ولماذا؟

ج- صدِّقني إن قلت لك، سيدي، أني لن أحذف أيّ نص؛ قد أضيف نصّين أو ثلاثة نُصوص جديدة، قد أُعدِّل بعض النصوص وأضيف إليها بعضَ اللمسات.. لكني لن أحذِف أياً مِن تلك النصوص التي وردت بالفعل في النسخة الأولى من مجموعتي، وذلك ليس لأني راضية عنها كلَّها، ولا لأني أراها خالِية من العيوب.. بل إني لا أخجل من الاعتراف بأنّ هناك نُصوصا، مِن فَرطِ كرهي لها، أتساءَل، كلَّما مررت بها: "ما هذا العبث؟ !" لكني أؤكد أنّي لن أحذِفها حتى لَو تسنّت لي الفرصة لفِعل ذلك من خلال نسخة ثانية، ذلك أنّ تلك النصوص قد خَرجت مِن ذمتي بشكل نهائي، وصارت الآن في عهدة المتلقي. كل نص كتبته ونشرته هو في عيني أشبه بكائن حي، وُهِبت له الحياة مذ خرج إلى الوجود، ولَم يعد مِن حقي أن أسلبها منه؛ الحذف في هذه الحالة أشبه بعملية إعدام أو اغتيال، لا أحبّ أن أفعل ذلك بقصصي خاصة بعد أن خرجت إلى النور وتعرّف عليها القارئ، لا أُحِّب أن أصبح قاتِلة.

 

س- لماذا تأخر كتابك الثاني؟ وهل سيكون في المقال أو القصة القصيرة؟

ج- كتابي الثاني هو تجربة في غِمار القصة القصيرة؛ أما عن سبب تأخره، فراجع بالأساس إلى هَوسي بالمُراجَعة والتنقيح، وكل الذين يعرفونني حق المعرفة يدركون أني إنسانة بطيئة بطبعي، أحب أن أعدّ خطواتي بعناية وأستفيد من أخطاء الماضي.. وكما قلت في معرض جوابي عن السؤال السابق؛ فإن هناك نصوصا أشعر أن تواجدها في أضمومتي الأولى عبثٌ في عبث، ولنقُل أني لا أريد تكرار نَفس الخطأ في إصداري الثاني؛ إني ببساطة أخشى إنجاب المزيد من القصص مشوّهة وأنا أدرك أني لن أقدر على اغتيالها بعد أن تولد.

 

س- ما رأيك في:

• الخصومات الأدبية:

• الإرهاب..

ج- أما بخصوص الخصومات الأدبية؛ فإن الناس كلهم يتخاصمون، أفراد الأسرة الواحدة، الأصدقاء، الأحبّة.. الخصومات تعيد رسم الحدود بين أطراف العلاقات بأنواعها، أهل الأدب ليسوا بمنآى عن هذه الخصومات؛ فهم كسائر الناس، يتجادلون، ويختلفون، ثم يتخاصمون.. السيئ في رأيي هو أن تدوم هذه الخصومات طويلا مُخلِّفة أحقاداً وضغائن، أمّا الأسوء، فهو ما يمكن أن تُثيره هذه الخصومات مِن تشهير، ومؤامرات، وبذاءة.. وهذا أمر لا يمكن التسامح معه حين يتعلق بمن يُفترض أنّهم يُمثِّلون الأدب والثقافة.

أما عن الإرهاب، فإني لا أجد ما أقوله بخصوصه، سوى أنّي أتحسر على كون هذه الكلمة أصبحت مرتبطة بكل ما له صِلة بالإسلام؛ يؤسفني أن ينظر العالم إليّ وإلى أمثالي من المسلمين باعتبارهم إما إرهابيين أو مشاريع إرهابية.. وكل ما أستطيع فعله في الوقت الراهن هو الامتناع عن مشاهدة كلّ وسائل الإعلام التي لم يعد لها همّ غير ترسيخ فكرة أن الإسلام هو المصدَر والمُصدِّر الرئيسي والوحيد للإرهاب، في عقول ملايين المتابعين عبر العالم.

صدقا، أتمنى أن ينتهي هذا الكابوس قبل أن أموت.

 

س- أستاذة رامية شكراً على سعة صدرك.. ونختم حوارنا الشائق بلكمة أخيرة منك ..

ج- أحبّ أن أشكرك بشدّة وأحييك، أستاذي الكريم، على قراءتك العميقة لمجموعة "قضبان وأجنحة" وعلى أسئِلتك المُنتقاة بعناية، والتي عزفت على أوتار قلبي؛ لقد أسعدني جدا أن يتناول أديب مشهود له بالإبداع والرصانة أول عمل أدبي لي، لينفُض عنه غبار النسيان ويعيده إلى الواجهة من جديد؛

لا أستطيع أن أصف سعادتي؛ وهذه، بالمناسبة، أعدّها إحدى الجوائز المعنوية التي حصلت عليها والتي تعني لي الكثير. وبالطبع لا أنسى أن أشكر أديبنا الجميل الخضر الورياشي، الذي كان حلقة الوصل بيننا، والذي أدين له بالكثير في كلّ خطوة أدبية أمشيها.

لا أقول أكثر من أني أفتَخِر بمَن حاورني، كما أفتخِر بمن سيَقرؤون..

 

sadam alasadiتحية اعصر هديرها من نهر المحبة ومن اغصان الصداقة التي امتدت بيننا خمسين عاما من الاجهاض القسري على محطات الانتظار وانني حلمت في الربيع مرارا ولم استقبل من ايامه نورسا وكم حلمت في ربيع عودة و وجدت شواطئ محبته ملائ بالصدق والشفافية والوفاء

 

س1/ ما سر هذا التدفق المعطاء؟ ما سر هذا النزيف الثر؟

- لقد كتب على العصافير ان تحلق بأجنحة للطيران وكتب على النملة ان تجني جنيها للشتاء القارص وكتب علي مرض الكتابة المتنوعة فكما لا تسأل الظمآن لماذا يشرب الماء لا تسألني عن سر وجعي ومسالك حيرتي وسر الانين والحريق في اعماقي لقد ولدت مفطوما على الكتابة وقد القت امي سري المرتبط بها في مدرسة عام 1953 فهذا بداية الوهم الاكيد والمرض الدائم وما اجمل هذا المرض .

 

س2/ لماذا لم يسلط عليك الضوء؟

- تعرف البساتين الملائ بالثمر كثيرة وكما لا يتقن أي عالم شم الرائحة بدرجة مطلقة هكذا وجدت المبدعين مغيبين عن الحقيقة دائما ولهذا خلق المبدع منتجا ً فزدني عذابا ازدك كتابة

 

س3 / كتب عنك نقاد كثيرون؟؟

- لقد رزقني الله نعمة الكتابة والحقيقة وصفني متمردا منذ طفولتي على الخطأ حيث الفت مسرحية عنوانها الحلاق وانا في الثاني الابتدائي على حلاق في القرية لا يتقن حلاقته وكبرت وهكذا معلما ومدرسا واستاذا لا تتغير منهجية درسي مع الاجيال وقد ظلمت وهمشت وبعدت فشكرا لأعدائي كثيرا واقدم لهم الامتنان لأنهم خنقوا الربيع امامي فتنفست الحرية وسدوا نوافذ الشمع فرأيت النجاح .

لذلك كتبت عن اغلب الشعراء الذين همشوني وابعدوني عن اتحاد الادباء وبإمكانك ان تقرأ قلائد نقدية وتجد خمسة منهم اول من طردني من الاتحاد يوم كان مسؤولا فأنا كالنخلة ترميها حجرا وتعطيك ثمرا ولم يكن جبار الوائلي اخر من كتبت عنه بل الشاعر حبيب السامر صديق طفولتنا معا وسوف اكتب عن اخر شاعر عراقي فالفن الشعري اهم ما اطلب اما الاسماء فلا تقف امامي حجر عثرة اعداءا ً ام احبة .

 

س4 / ما هي المشاريع ما الطموحات؟

- لو شرفتني بزيارتك صومعة بيتي ومكتبتي لرأيت بعينك منضدا من الطموحات والسؤال الادق هل يمر يوم لم تكتب فيه وهل توجد ساعة لم تقرأ فيها فأقول لك اني يومي كله قراءة ونومي كله تفكير ويقظتي تتناوب بين الغفو والصحو فمشاريع الايام كثيرة واهمها ملحمتي الشعرية الغرابيل متكونة من اربعة الاف بيت عن الامام علي عليه السلام بدأت بها عام 2002 وما زلت مستمرا اتابع فيها بيعة السقيفة حتى يومنا هذا .

 

س5 / ما مفهوم الشاعر للكلمات؟

- زهرة ذابلة – سوف ابكي عليها مطرا من الدموع لأنها ماتت وذبلت قبل اوانها .

شموع الميلاد – لن اسمح للهواء ان ينفخ عليها كي يطفئها لأني اريدها ان تبقى كما خلقت لا تحترق لأن قلبي يحترق قبلها .

فرح اليتيم – اخلع روحي له كي البسه ثوبا منها فما اقسى الزمن على ضحكة يتيم محروم فلو كان الامر بيدي لعلقت الجميع في حبل المشنقة من جعلوه يتيما لا يفرح في حياته .

السكاكين التي طعنت البريكان – جريمة العصر الكبرى التي عتم عليها الزمن فلو قتلت الف مليون لص لما قلت قتلت ولكنها ذبحت الفكر وبترت الضياء من مطلعه ِ وحرمت البصرة من شاعرها الكبير الرائد.

 

اجراه القاص والكاتب القدير ربيع عودة

 

samey alamriلقد شغلتني كتابات العامري فترة ليست بالقصيرة فكلما هممت أن أكتب عنها أتراجع عن تلك الخطوة لعلي أكتشف سمة تغلب على كتاباته أتمكن من خلالها أن أبدأ بداية صحيحة، فكان أن أوقعت نفسي في تناقضات المعرفة الشخصية السطحية للشاعر والتي رسمها لي بعض المقربين وبين ما كنت أقرأه من كتاباته، فكتابات العامري بدت لي وللوهلة ألأولى أنها لا تنتمي إليه، لأني رأيت تناقضاً واضحاً بين مخزون الذاكرة التي أحتفظ بها في مخيلتي وبين ما أقرأه من نتاجه الأدبي ,وكما شغلني هذا التناقض شغلتني حالة أخرى وجدتها تتكرر بين الفينة والفينة وهي اختفاؤه المفاجئ عن الساحة الشعرية والبعض يعزوها إلى انشغاله بأمور شخصية محضة ولكني كنت أتابع عودته بعد هذا الغياب الذي قد يمتد لأكثر من شهر تكون عودة غزيرة بالإنتاج الشعري والأدبي عميقة في معانيها تكون الفلسفة والحكمة هي السمة الغالبة على هذا الإنتاج الشعري، وهنا قررت أن أعيد قراءة سامي العامري وفق معطيات جديدة لم يكن الأساس فيها المخزون ألمعلوماتي الذي احتفظ فيه عن الشاعر بل كان جزءاً من هذا الأساس، وعندها كان اكتشافي مغايراً تماماً بل كان أكثر وضوحاً والأكثر ملائمة لما هو عليه،لقد كان أشبه الناس بالمتصوفة الذين طلقوا الدنيا ثلاثا خلا بعض العادات التي اكتسبها في شبابه فهي أصبحت جزأ منه لا يمكنه مغادرتها ولكنه روحا كان صوفياً لا يقل شأناً عن المتصوفين الذين قرأناهم تاريخاً وأدباً بل كان ينافس في مجال الحكمة والفكر الفلسفي الذي يطرحه هؤلاء المتصوفين والكلاميين فعندما أقرأ للعامري، كأنني أقرأ في رسائل إخوان الصفا.

سامي العامري شاعر عراقي هاجر في بداية شبابه الى ألمانيا لقد سرق منه الموت شقيقه وهو مازال يافعا كان له الأثر البالغ على نفسية الشاعر غادر العراق وهو محمّل بهموم كثيرة جسدها في شعره

مرحبا بك سامي بيننا في هذا الحوار

أهلاً وأهلاً

 

س1: عندما سافر الشاب العامري وهو يجتاز الحدود بم كان محملا ....وهل كانت هموم العراق آنذاك من ضمن حمولته الثقيلة؟

- مرحباً بالأديب طارق الكناني،

لم أجتز الحدود ولكني عبرتُ خطوط النار من جبهة بنجوين إلى إيران نهاية عام 1983 وأنا فتىً يافع كان على وشك التنعم بحياة هانئة في بغداد لولا الحرب والبعث ولولا التوجيه السياسي الذي كان لي بالمرصاد لأني كنت أحمل ديوان السياب وشيئاً من أشعار نازك والبياتي ! ولأني وأنا الجندي الذي عليه علامات استفهام، كنت أمام بعض المعارف أسب وأشتم أبناء صدام متذكراً ما كانوا يفعلونه هم وحماياتهم في مدينتي بغداد وكيف يقهقهون ويعربدون وشرائط الطين أو الحصى الخارجة من عجلات سياراتهم إلى أوجه الناس، وتحرشات حثالات الأمن بالنساء وغيرها بينما أنت في الجبهة الحقيرة لابس البسطال أربعاً وعشرين ساعة وتسمع السباب والإهانات من صغار الضباط والمراتب لأدنى غفوة بعد انهاك تام أو بسبب تقصير ويالويل من ينبس عن أبناء صدام ببنت شفة ! وأمور عديدة دفعتني للعبور إلى جهة إيران فقد كان شبه مستحيل الهرب والتخفي في بغداد فهي ملآى بالمخابرات والأمن والإنضباط وما يسمى بالجيش الشعبي وقد جربت الهرب والإختباء ولكني ذقتُ الأمرّين خاصة وأزلام السلطة لا يتورعون عن انتهاك حرمات البيوت.

 

س2: لو تصفحنا أوراق العامري سامي ماذا سنجد وعن ماذا ستفصح لنا هذه الأوراق؟

- ولدتُ في نيسان من عام 1960 في قرية وادعة وديعة تبعد ثمانية عشر كيلو متر عن بغداد هي قرية (أبو غريب) واليوم وكذلك في زمن النظام البائد ظلّ هذا الإسم يرمز إلى سجن أبو غريب هذا المعتقل المريع !! ولكني أنا بما أمتلك من بسالة ألم وحنين وحرية أعيد لقريتي اسمها وبهاءها وسحرها حيث الحقول والبساتين والأطيار العجيبة ألواناً وأصواتاً وتحليقاً باذخاً ولا أنسى أعمدة الضغط العالي الشاهقة وهي تمر قريباً من القرية، واللقالق البانية أعشاشها في هذا العلو وفوق برج الأذاعة ونزولها كل صباح إلى حقولنا مفتشة عن فأر هنا وضفدعة هناك !! وأنا الطفل ذو الخمس سنوات بدشداشتي أمام باب بيتنا الطيني أرقب هذا بتولُّهٍ وأرقب المعدان بجواميسهم وهم يمرون في دورب القرية إلى فرع من فروع نهر دجلة كنا نسميه الشط، فهنا أحد الألغاز وحلها في سبب اغتسال روحي بالشعر مبكراً، وفي العام 1965 انتقلنا من القرية إلى مدينة المأمون جوار العامرية واليرموك والمنصور وجامع أم الطبول وكان لنا هناك بيت واسع اهتم به أبي رحمه الله بحماس فلم يترك فاكهة إلا زرعها في حديقتين تحيطان بيتنا حتى أنه حاول غرس شجرة موز غير أنه اكتشف حزيناً أنها ليست بيئتها.

عندما تخرجت من الإعدادية عام 1979 كانت الحرب مع إيران قد بدأت وحصلتُ على معدل يؤهلني لدراسة القانون والسياسة أو الإدارة والإقتصاد أو كلية الآداب وهذا كان حلمي ولكني فوجئت بأنهم رموني في معهد إدارة في الرمادي ! فأجلتُ السنة الأولى على أمل أن تنتهي الحرب التي كانت قد بدأت منذ شهور ولكن !

 

س3: سامي العامري يمتاز بكتاباته في الحكمة والفلسفة والتصوف متى كانت البداية هل كانت في العراق أم في المهجر؟

- في الحقيقة كتبت أولى قصائدي وأنا في الثامنة عشر وأكيد أنها كانت قصائد ساذجة ومحاولة لتقليد الجواهري ونزار قباني ونشرت في مجلات خليجية كانت تصل العراق ومنها حسبما أتذكر مجلة اليقظة والظفرة ولم أنشر لدى البعث ! رغم جهلي بالسياسة آنذلك وأما عن النزعة الروحية الجمالية فأنا لا أعتبرها تصوفاً وفلسفة ولكنها ربما عبارات ومقولات وأبيات تأتي بشكل عفوي ضمن السياق مستنبطة من تجارب حياتية مباشرة ومن قراءات إنسان قلق لا يسلِّم بالمسلَّمات وإنما يحاول فحص واختبار كل ما يقرأه ومن ثم يتبناه فالتجربة خير دليل وطبعاً ليس كل الأفكار والقناعات المطروحة يمكن تجريبها ولكن حسب الإمكان ومقتضى الحال فأنا ومنذ صغري كثير التأمل، شغوف بمسائل فكرية روحية حتى بتُّ مأخوذاً مذهولاً من وجودي ووجود الكون والأشياء من حولي ووصلتُ إلى ما يمكن تسميته بالإنخطاف وكأني أرى الأشياء لأول مرة وكلها تشير إلى معجزة، معجزة الكون والإنسان والحياة التي لا يمكن تصديقها بأية حال لهذا فالإنسان المرهف يعيش نشوة غامرة وهو يعانق هذه الأشياء ويتمثل أطيافاً منها في روحه وكيانه ولكنها في ذات الوقت كانت ومازالت مصحوبة بمرارة أيضاً قريبة من المرض الجسدي على حد تعبير الأديب البولوني الحائز على نوبل ميووش حيث السؤال العميق المحزن هو وجود الشر في العالم لماذا والله هو الجمال المطلق والمحبة المطلقة ؟ وغيرها من الإشكالات الذهنية.

وأعود لأريح ذهني وخاطري ولو مؤقتاً بالمقولة الصوفية : ليس بالإمكان أحسن مما كان، أو بالبيت الذي حوّره أحد الصوفيين بروعة : وحسن ظنك بالأيام مكرمةٌ

فظنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبرِ

 

س4: كيف يقرأ النقاد شعر سامي العامري وهل منهم من أشار الى الصوفية في شعرك؟

- الواقع النقدي عندنا ومنذ ظهور النت وقبله بسنوات هو واقع فوضوي مؤسف حيث ضاعت المقاييس السابقة التي كانت تعتمد الحرص والصدق والعمق ودون التفريق بين هذا الشاعر وذاك إلا بقدر حرصها على كشف الجوانب الجمالية والفكرية الملفتة في نصوص الشاعر المطروح وكانت تلك من سمات العملية النقدية في العراق والبلدان العربية لحد ربما منتصف السبعينيات من القرن الماضي فقلق الناقد هذا القلق النبيل في البحث عن الجديد في إبداعات الشعراء ومدى تميزهم عن بعضهم البعض وأوجه التمايز وتفكيك كتابات المبدع منهجياً وحتى انطباعياً كانت في الغالب فضيلة تحسب للنقد العراقي والعربي إلا أن النقد اليوم يجري وفق المزاج الشخصي للناقد فأكثرهم إذا كتبَ فلا يكتب إلا عن أصحابه أو لمصلحة ما معنوية أو مادية ثم التطفل على النقد أو التسرع وانعدام الخبرة والتحصيل المعرفي حيث كل من يتخرج من كلية الآداب اليوم هو بالضرورة ناقد أو مشروع ناقد ! وكل حاصل على شهادة دكتوراه في الآداب أو غير الأدب هو شاعر أو ناقد ملهم ويتم هذا ضمن عملية إرهابية أغلبها مقصود ومخطط له لتخريب ما تبقى من ذوق شعري وجمالي وهذا الفعلة ليست أخلاقية بتاتاً ولا ننسى أن النشر أضحى في متناول الجميع وما يستتبع ذلك من محسوبيات وتقويلات للنصوص شعراً وأدباً ولا يفوتني ذكر هزال لغتهم العربية وادعائهم المعرفة والتعمق في فهم النصوص وتمثلها متخذين من مصطلحات النقد الحديثة وأغلبها فرنسية أو إنكليزية أداة لإسكات القارىء النقي الباحث عن الفهم والجمال والمتعة فيضطر الكثير من القراء إلى قبول ما هو مطروح من دون فهم له لكونه أعلى من مستواهم ومجساتهم الذوقية والمعرفية ! ولكنهم أي هؤلاء المتناقدين أصغر وأجهل من أن يستطيعوا استغباء أمثالنا بالطبع ورغم ذلك فمن النقاد الأكاديميين الذين تناولوا دواويني ومجموعاتي القصصية وروايتي الشاعر والناقد العالم د. عدنان الظاهر وكذلك الناقد الرصين خالد جواد شبيل وأيضاً الشاعر والناقد المرهف هاتف بشبوش وهؤلاء توسعوا في دراسة وقراءة العامري شاعراً ولفتوا الإنتباه بحذق إلى الكثير من سمات الشعر والسرد لدى العامري ويجب عليّ أن أضيف أنه كُتبت عن نصوصي مقالات كثيرة اضطلع بها مثقفون وشعراء وأدباء إضافة إلى أن شعري تُرجِم بعضه إلى العديد من اللغات الحية،

وأما عن الصوفية فأنا أقول لك بعد شكري لك بأني لست متصوفاً بالمعنى الذي قد يتبادر للذهن ولكني كثير العزلة والتأمل والعزلة كما تعرف هي في الرأس وليس الإنطواء على الذات ! فأنا حتى لو سرتُ في الشارع أو جلستُ في محطة أو ركبت قطاراً أبقى حالماً بعيداً على محيطي الذي أنا فيه وكثيراً ما أوقعني هذا الأمر في مواقف محرجة كأنْ أنسى بعض أغراضي في مكان ما وآخرها نسياني لمفتاح شقتي على الطاولة في كافتيريا ! وقد أشار الأستاذ الظاهر في دراسته الموسعة إلى بعض من تجليات الروح الحالمة في أشعاري، وأؤكد أن أغلب النقاد المطروحين منذ سنين لم يتناولوا كتاباتي مع أنهم يعرفونني جيداً وأغلبهم قرأ ويقرأ لي ولا أدري السبب بل أدريه ! فهو العناد فالكثير منهم ينتظر من العامري أن يجاملهم أو يداهنهم وحاشاي فعل ذلك فأنا أكتب للتأريخ وهو خير منصف

وقد قلتُ في قصيدة عمودية قبل سنتين عن الطارئين على النقد :

ومَهما توخيتَ الفصاحة نبرةً

فلا بد أن تلقى الحسودَ المخاتِلا

 

وكم سفَّهوا رؤياك حقداً وغيرة

وكم لقَّنوا التسفيهَ رَهطاً مماثلا

 

ولكنهم في سرهم فُتِنوا بها

وصفحاتُها قد هرّؤوها تداولا !

ــــــــــــــــــ

فتخيلْ: ناقد ويتمنى أن تكبو في الوزن مثلاً أو أن تأتي بعبارة ضعيفة أو صورة شعرية لا تهز لكي يقول عنك : ألا ترون أنه أخطأ في هذا الموضع أو في هذه الفقرة أو كان ركيكاً في الجملة فكيف تريدونني أن أكتب عنه أو أدرس شعره؟ وهو هنا يحاول التخلص من شعور قاسٍ بالذنب مبعثه تقصيره المفضوح فهو يتناسى أن العامري يكتب العمودي وشعر التفعيلة منذ خمسة وثلاثين عاماً ويتناسى من أي جرح تنطلق قصائده . ومهما كان مستوى الشاعر الذي قد لا تروق لبعضهم شاعريته فعلى الأقل يجب احترام تجربته الطويلة في هذا الإتجاه واحترام تجاربه الحياتية والمعرفية وسنوات الإغتراب ولكنهم أكثر صبيانية في مزاعمهم من أن يلتفتوا لهذا إلا القلة

وهنا أقول لك أمراً ولعلّك تستغرب وهذا ما حصل داخل ما يسمى بالوسط النقدي فهناك عدة شعراء وشاعرات ممن يكتبون الشعر والقصة وممن عرضوا عليّ دواوينهم ومجموعاتهم القصصية قبل طباعتها لكي أنقحها لهم وأراجعها لغة ونحواً ففعلتُ ذلك عن طيب خاطر بل وتحكمتُ في مسار بعض النصوص القصصية وعقدتها وخاتمتها وإذا بالنقاد يحتفون بها أيما احتفاء في حين أنهم لا يقربون من نصوصي وكتاباتي !! وسأذكر أسماء بعض النقاد وهم معروفون جداً وأذكر أسماء الدواوين والمجموعتين القصصيتين يوماً ما إذا أجاز لي أصحابها ! زين؟؟

 

س5: هناك فترات انقطاع يغيب بها العامري عن متابعيه وغالبا ما تتجاوز فترة الشهر ومن ثم يطل علينا بشعر غزير .....ما سر هذا الاعتكاف؟

- سبق وأن أشرتُ إلى حساسيتي التي تصل حد المرض ولكنه مرض صحي إن جاز التعبير فقد فشلتُ في كل الأعمال التي مارستها ففي منتصف العمل تسحبني قوى غامضة من تلابيبي وتدفعني للهرب إلى حيث الوحدة والقراءة والتفكير والتعبير وهذا سر لا أعرفه ولكني اعتدتُ عليه وهذا هو السر في انقطاعي عن التواصل مع الأصدقاء لفترات قد تطول أحياناً ولكني أقطعها بغبطة .

 

س6: أين المرأة في حياة العامري؟

- أها نعم أحدثك الآن وأنا أبتسم فقد كنت أتمنى حياة أكرسها للأدب والشعر والفن أو المعرفة عموماً وتمنيت في نفس الوقت أن أجد المرأة المناسبة التي تقدر هذه الحالة، إمرأة واحدة كشريكة حياة وحبيبة ولكني لم أوفق في هذا المسعى لهذا فقد كنت أعيش فترة مع هذه المرأة ثم لأسباب معينة نفترق وبعدها اعتكف طويلاً ثم أعيد الكرّة باحثاً عن امرأة أخرى على أمل أن تكون المرأة الحلم وهكذا تنقلت من علاقة إلى أخرى خاصة وأن تقاليد المجتمع الألماني تسمح بذلك والفرد الألماني يمارس نفس هذا الأمر مع اختلاف حاسم هو أني لم أكن أبحث عن متعة في التجديد والتنويع ! كالكثير من الألمان وإنما عن زوجة وحبيبة تفهم جنوني وبساطتي وأقدر وأحترم استقلالها وحريتها، وكنت أفعل ذلك وأنا ابتسم لهذا القدر العنيد ! وظروف العراق كانت لا تسمح بالعودة والزواج من امرأة عراقية سمحة ومتعلمة ومازال أمر الحصول على فيزا للعراقي قضية صعبة جداً ورغم أني أحمل الجنسية الألمانية فمن شروطهم الجديدة أن تجيد زوجتي العراقية أو الأجنبية المستقبلية، أن تجيد اللغة الألمانية ثم الإنتظار لمدة قد تصل عامين حتى تحصل على فيزا رغم أن مسألة الزواج غير ملحّة بالنسبة لي ولكن كما تعرف فالعراقية لا يمكن لها العيش مع رجل من دون عقد زواج وإلا فأنا أكثر من نصف ثقافتي أوروبية أو ألمانية ثم إن مثلي الأعلى في هذا المضمار ربما هو جبران خليل وميخائيل نعيمة وكلاهما لم يتزوج .

 

س7:النصوص الايروسية تعبر عن لغة الجسد هل كتبت منها شيئاً ؟

- من حيث المبدأ أنا مع الحرية الجسدية وبالطبع لا أعني الإباحية مطلقاً ولكني كرجل مثقف ومطلع أؤمن عميقاً بأن سبب تخلفنا اجتماعياً وثقافياً وعلمياً وحضارياً هو الفصل بين الجنسين والنظرة إلى الحب والممارسة الجنسية خارج مؤسسة الزواج باعتبارهما عيباً وعاراً مع أنهما أي الحب والجنس سر ديمومة الحياة فنحن بحاجة ماسة إلى ثقافة جنسية صريحة دون مفاهيم العيب والممنوع والحرام فالتثقيف في هذا المجال وتنمية الذائقة الجمالية لدى الفرد العربي والمسلم أمر لا مناص منه لكي ينهض ويتخلص من هذه الورطة التي أدخل نفسه فيها وأعني حصرَ كل خياله وتفكيره في كيفية إشباع رغباته الجسدية والعاطفية بحيث لم يتبق في هذه المخيلة وهذا الفكر متسع لملئه بالمعارف والعلوم ! وفي هذا ظلم كبير للرجل وللمرأة، للشاب والشابة وتعطيل شبه تام لقدرات الإنسان والبلد على اللحاق بالأمم المتقدمة التي تسير بثقة وبسرعة خيالية نحو مجاهل لا ولن ندرك عشرها إذا بقينا على هذه الحال وطبعاً السياسي يتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى ورجل الدين بالدرجة الثانية والجامعات وهكذا تتدرج المسؤولية حتى رب الأسرة فنحن ننادي بالتعليم ولكن أي تعليم نتبع، أية مناهج دراسية نختار؟ أقول لك مخلصاً لا منجىً لنا إلا باعتماد المناهج الغربية الحديثة والإستفادة من إمكاناتهم إلى أقصاها ومن خبراتهم واستقدام كفاءاتهم وطاقاتهم لتكوين قاعدة علمية صناعية وبلد متحرر مستقل اقتصادياً ومؤسَّس على قاعدة متينة من التماسك الإجتماعي والشعور بالمواطنة أولاً فالدين لله والوطن للجميع ومن هذه النقطة نستطيع أن نكون بلداً مكتفياً ذاتياً ولكن بالتدريج خاصة وبلدنا فيه من الكفاءات والخيرات والموقع الستراتيجي والعمق الحضاري ما يؤهله لفعل ذلك وعودة لسؤالك، ليس لدي اعتراض على النصوص مهما كانت موضوعاتها بشرط توفر الذوق الجمالي الراقي ثم إنه ليس هناك موضوع شعري وآخر غير شعري فالكون هو نفسه حالة شعرية مذهلة ورغم ذلك أنا لم أكتب مثل هذا اللون الشعري (الإيروسي) إلا مرة واحدة وفي قصيدة عمودية وكنت مع ذلك غير جريء تماماً بالمفهوم العام للجرأة فالمعيار الأهم هو شعرية النص لا موضوعه

 

س8: في الوطن الكثير ممن يهيج ويلهب مشاعر الشاعر وما يحدث من الموت المجاني كل يوم ... كيف رسم العامري بريشته هذه الصورة القاتمة عن الوطن؟

- الوطن مأزق كبير بحد ذاته! وأعني الإنتماء له فهو قدر لا فرار منه، وبهذا المعنى فلا وجود للمنفى، حقاً تفلت مني العبارة المناسبة فهي حيرة في حيرة فالوطن يتسكع في دمك بحرية ودلال شئتَ أم أبيت وحتى على المستوى الظاهر فهو القميص الذي أرتديه كل صباح ولا أرميه عني إلا بعد تعب وانهاك ولكن في الصباح التالي سأرتديه ثانية ورغم كل الآلام التي عشتها في وطني سواء في فترات هروبي من الجيش في جبهة العمارة ـ علي الغربي أو في الشعبة الخامسة في الكاظمية حيث الأمن العامة بما فيها من التوحش والضحالة والإنحطاط وإن لم أبق فيها إلا فترة قصيرة إلا أنها كانت الجحيم بعينه ورغم اعتقالي في دائرة الإنضباط في الحارثية حيث الصوندات والصمون اليابس والإختناقات داخل دهاليز فيها المئات من الهاربين والتبرز في نفس الحجرة وأمام الجميع والشتائم السوقية المقززة من الإنضباطية وكانوا أولاد شوارع بامتياز وبعدها عذابات الغربة والفقر والحرمان والتشرد في إيران ورغم تفكيري المخطيء في السابق حيث أغرتني صرخات الكاتب الكبير محمد الماغوط فحاولت الصراخ ظناً مني أنه الحل الأسلم والأنجع مستنداً إلى ثناء الكثيرين على صرخاته وعدم معرفتي بحكم صغر السن والتجربة بأن صرخاته فنية وصرخاتي غاضبة حانقة، أقول رغم كل هذا فقليلاً قليلاً اتضحت الرؤية أمام العامري فما زلتُ ذلك المغفّل أتغنى بوطن هو الحلم الجميل، وطنٍ نعناعيٍّ نساؤه متحررات باسمات ورجاله مثقفون متسامحون متحضرون وأغني لمستقبل قريب أرى فيه الأطفال يصخبون ويلعبون في الحدائق العامة بملابسهم الزاهية البراقة كما هنا في ألمانيا وأرى شعبنا يمارس الديمقراطية الحقة ويذهب إلى صناديق الإقتراع وهو واثق ممن ينتخب ألفاً بالمئة، والمحاصصة والنهب والتفخيخ واستشهاد الأبرياء والإحتلال الداعشي أو السلطوي والفساد وقد أصبح في ذمة الماضي وبات يُدّرس في المدارس لتتعظ الأجيال القادمة من ألعن حقبة عاشها الشعب العراقي عبر كل مراحل تأريخه

 

س9: سامي العامري شاعر يمتاز برصانة النص وجودة اللغة وسلامتها....أين يقف العامري من شعراء جيله؟

- أنا أعتبر نفسي من شعراء ثمانينيات القرن الماضي رغم عدم اقتناعي بعبارة الأجيال ولكنها قد تنفع اليوم للإشارة إلى زمن الشاعر غير أن تجربتي استوت، كما أرجو، في بداية التسعينيات بعد قراءات واسعة وتجارب حياتية ثرية وبعضها مفجع... أحببتُ لغة العديد من الشعراء وقرفتُ من أخرى ! والمشكلة في جيلي هو أنه شديد النرجسية وما أن يكتب ناقد عن أحد منهم مثلاً حتى يظل يغرد ويهوّل من قيمة هذه الكتابة وينشرها في كل مكان تصل إليه يده وكأنها فتح ! مشيداً بعظمة الناقد المعني ! وبالمناسبة هناك طرفة حقيقية وقد ذكرتها في معرض ردي على سؤال للأديب الجميل حمودي الكناني في حوار له معي قبل سنوات وهي أن عبارة (شيّلني وأشيلك) بات تطبيقها وممارستها حالة مألوفة عند الكثير من شعراء اليوم وأدعياء الشعر أيضاً ويمكن للمطلع أو المراقب أن يغض النظر عنها باعتبارها صارت ما يشبه الديدن ولكنْ أن تُطبَّق هذه المقولة بين شاعر وناقد ويسري مفعولها بينهما، فهذا ما لم تعهده كل ثقافات العالم حسب علمي باستثناء المثقفين العرب وأخص منهم العراقيين !! فلأول مرة أسمع أن ناقداً في العالم ينتظر أن يُكتَب عنه ! حسناً إذا الشاعر يريد أن يُكتب عنه والناقد أيضاً فمن الذي سيكتب في هذه الحالة ؟!! وهذه علة أخرى في جسد الشعر الذي أنتمي إلى جيله وطبعاً كما قلت ُهناك أصوات مرموقة من جيلي ولا أستطيع ذكر الأسماء حتى لا أجحف بحق البعض ممن لا أذكر أسماءهم.

وعلى صعيد آخر فالمؤلم حين يكون الناقد أكاديمياً ومع ذلك ينتمي إلى خلايا شعرية نقدية يمدح أعضاؤها بعضهم البعض ويناصرون بعضهم البعض إن كانوا على حق أو باطل وأتذكر مقالتي التي نشرتها في موقع النور ولاحقاً في مواقع عديدة وكانت بسبب تجاهل الناقدة والشاعرة ناهضة ستار ملاحظاتي النقدية الصائبة عن قصيدتها التي نشرتْها في نفس الموقع وكانت ملاحظاتي تتعلق بعدة سقطات وزنية في قصيدتها ولكنها لم ترد عليّ بل رفعت القصيدة ظانةً أنها ستفلت من رد فعلي فكانت مقالتي عنها وهي دفاعاً عن النفس ليس إلا ولكن أن الذي حصل بعدها أن هجم عليّ ثلة من الشعراء والنقاد لأني تناولت بالنقد زميلتهم الأكاديمية والمحرج في الأمر أنهم، وهم الأكاديميون، فزعوا ضدي فزعة عشائر مما جعلني وبقية أصدقائي نفكر : ما أضيق عقول هؤلاء وما أسهل الحصول على شهادة دكتوراه في عراق اليوم ؟ فيأتي جوابٌ من داخلي وبثقة مطَمْئناً بالقول: أتحدى هؤلاء الذين هجموا عليّ من حملة شهادة الدكتوراه أن يأتوا إلى ألمانيا ويحاولوا معادلة شهادتهم فأنا متأكد أنهم بعد إتقانهم للغة الألمانية في دراسة قد تستغرق سنتين وبعد تقديمهم لطروحاتهم فربما سيمنحونهم شهادة دبلوم ! لذا ترى الكثير منهم باقياً في العراق انطلاقاً من مقولة : الأعور في بلد العميان ملك،، فكما تعرف أن نسبة الأمية في العراق وصلت مستويات مخيفة جداً ناهيك عن الأمية الثقافية وأرجو أن لا يساء فهمي فعندي العديد من الأصدقاء الخُلّص من حملة شهادة الدكتوراه وهم ذوو أخلاق عالية ووعي نافذ ومواهب تستحق الإحترام غير أن أحد حملة شهادة الدكتوراه في عراق اليوم وهو شاب شديد الطموح ويحضر كل مهرجان وكل ندوة وكل أمسية شعرية وينظم الشعر وهو الذي نشرت أستاذته الناقدة ناهضة ستار عن واحدة من منظوماته مقالاً نقدياً يفيض مديحاً وربما هي لغة تشجيعية له غير أنها أسرفت في تقويل النص بما يوحي بأنها تعتبرها قصيدة مهمة !! بينما هي جعجعة وركيك نظم وأبياتها تدخل هذه الأذن وتخرج من الأخرى بكل ممنونية ولكن لأنها أستاذته فأحبت أن تعمل لـ (قصيدته (بُكْلَهْ) ! وهذا بدوره يطرح نفسه في صفحته على الفيس بوك كناقد ! وهو لا يعرف المدارس الشعرية أين وصلت فهو مازال يستخدم لغة داحس والغبراء ! باختصار صارت (حارة كل من أيدو إلو)

 

س10: هل كتبت شعرا بغير اللغة العربية؟

- أنا أُحسن اللغة الإنكليزية والألمانية ولغتي الألمانية على ما يبدو أفضل من الإنكليزية بحكم المعايشة اليومية لهذه اللغة منذ أكثر من ثلاثين عاماً وقد كتبتُ ديواناً بهذه اللغة تحت عنوان : قلادة من جُزُر،، وهي نصفها مترجم من شعري بالعربية (الصور الشعرية القابلة للترجمة دون إساءة كبيرة لها) ونصفها كتبته مباشرة بالألمانية غير أن الإحساس بضغط الزمن والعمر وشعوري بأني كبرتُ وكان عليّ أن أبدأ بهذا الإتجاه منذ بداية تسعينيات القرن الفائت هو الذي تسبب في مصادرة الحماس لهذا المشروع علماً أني عشتُ عدة أزمات روحية قبل التسعينيات وكنت أعتبر السنين التي بعدها فترات نقاهة لهذا لم أكن لأجهد نفسي فأكتب بلغة أجنبية تتطلب تركيزاً عالياً أو أترجم من نصوصي ما تيسر خاصة وأن لغتي العربية هي فصيحة وتقرب من لغة الأسلاف ويأتي هذا دون أي تكلف بل أنا كثيراً ما أتكلم الفصحى مع العراقيين والعرب في الشارع أو المنزل وطبعاً يحصل هذا لا شعورياً ثم سرعان ما أنتبه لنفسي فأعود للهجة العراقية، البغدادية.

اللغة الألمانية لغة صعبة وخاصة نحوها رغم أنها جميلة وثرية وربما لاحقاً سأترجم ديوانين أو ثلاثة لي وأنشرهما لا أدري فأنا بدأت منذ سنوات أشك بدور الشعر كما في السابق والذي كان مناطاً بالشعر فهو لا يستطيع المنافسة وأمامه ديناصورات إعلامية ووسائل إمتاع للناس غير قليلة.  

شكرا لك أخي سامي على سعة صدرك وتمنياتنا لك بالإبداع الدائم

بل أنا أشكرك كل الشكر أيها الأديب المائز طارق الكناني وتحية لألق روحك وأصالتك وتحية لكل الأحباء الذين تلتقي بهم.

 

أجراه الأديب الباحث طارق الكناني

 

firyal alkamisفنانة عراقية مغتربة،رغم أنها غادرت العراق قبل أكثر من تسع سنوات، إلا أن حنينها للعراق ولبغداد لا يزال يشدها أليهما. شاركت في أعمال تلفزيونية نالت أعجاب الكثيرين، دخلت الوسط الفني لأنها عشقت الفن منذ صغرها،تلك هي الفنانة فريال الخميسي، التي أجرينا معها هذا اللقاء لتحدثنا عن مشوارها الفني، قلنا لها:

 

- بداية، هناك من يقول أنك بعيدة عن الفن؟

- لا هذا غير صحيح، بدليل أنني قبل أيام قليلة أنتهيت من تصوير مشاهد من فيلم عراقي يتحدث عن الغربة وهو من إنتاج شركة أمريكية، اؤدي فيه دور البطولة. وهو من إخراج الفنان شاهين العنزي ومونتاج طارق العنزي، ومن إنتاج شركة بنيويورك، والفيلم يتحدث عن غربة العراقيين والأزمات التي تعصف بهم منذ مغادرتهم للعراق ومرورا بدور المهجر وأنتهاء بالأستقرار وكذلك شعورهم بالغربة وحنينهم للوطن.

 

- كيف تعرفين نفسك من واقع بطاقتك الشخصية؟

- فنانة عراقية من مواليد 1962 برج الميزان محافظة بغداد، بداياتي كانت مع الفن عن طريق ابن عمتي، حيث أحببت التمثيل كثيرا وقررت دخول الوسط الفني.

 

- لمن تدينين بالفضل فيما وصلت إليه؟

- لله سبحانه وتعالى، وأهلي والذين وقفوا الى جانبي وشجعوني رغم الإنتقادات، حيث قررت التحدي.

 

- أهم مشاركاتك في الأفلام والمسلسلات؟

- شاركت في العديد من الأعمال التلفزيونية مثل مسلسل "غرباء الليل، بكاء الحجر، ميليشيا الحب، الحب أولا، حكاية حب، سري للغاية، قميص من حلك الذيب".

 

- من هم المخرجون الذين تعاملت معهم؟

- تعاملت مع الكثير من المخرجين العراقيين، من بينهم " جلال كامل" في مسلسل" غرباء الليل، الحب أولا" وقميص من حلك الذيب للمخرج"علي أبو سيف" وسري للغاية وبكاء الحجر للمخرج طلال محمود، وحكاية حب للمخرج" طالب العاني، ومخرجين آخرين لا يحضرني أسمهم، لكن تعاملت مع الكثيرين وكلهم اعتز بهم.

 

- وماذا عن الأعمال المسرحية؟

- بالنسبة لأعمالي المسرحية، فأول عملت شاركت فيه هو مسرحية" سيعود السندباد" والتي قدمت في سورية، وهي من تأليف وأخراج محمد وهيب ،أما في أستراليا فشاركت في أكثر من ست مسرحيات من اخراج وتاليف الفنان المبدع عباس الحربي من بينها مسرحية" عشاء كلكامش، إمرأة ذات ثلاث وجوه، مقيدات".

 

- من الفنانات العربيات والعراقيات أعجبت بأدائهم؟

- أحب الأدوار وأداء الفنانة العربية نادية الجندي، وعراقيا أحب اداء وأدوار الفنانة الرائعة ماما سليمة "سليمة خضير" لذلك احب جبروت الفنانة نادية الجندي واحب طيبة ماما سليمة.

 

- أقرب الأعمال إلى نفسك كمسلسلات ومسرحيات؟

- اقرب مسلسل الي "بكاء الحجر" واقرب مسرحية " الخط الاحمر " والتي عرضت قبل أسابيع وهي من تاليف واخراج المبدع الفنان عباس الحربي.

 

- كيف تنظرين للدراما العراقية؟

- الدراما العراقية في وقتنا الحاضر، أشعر وكأنها خالية من الاحاسيس اما سابقا كانت الدراما بمعنى الكلمة.

 

- ماذا عن طموحاتك؟

- طموحي وامنيتي ان اكون فنانة ذات قيمة ومباديء لخدمة العراق واتمني ان اشارك في اعمال عربية وعالمية.

 

- كيف تقيميين دور نقابة الفنانين؟

- صراحة أنا أنتميت لنقابة الفنانين في سورية، وفي أستراليا أنتميت لمؤسسة آفاق للثقافة والفنون والرياضة، لذلك لم أنتمي لنقابة الفنانين العراقيين، وبالتالي لا يحق لي تقييم أداء ودور النقابة تجاه فناني العراق.

 

- تجربتك مع الفن، كيف هي؟

- تجربة جميلة ورائعة، وأستفدت الكثير خلالها وتعملت الكثير، وأن شاء الله أحقق نجاحات اخرى من خلال التواصل والأستمرار.

 

- لمن تسمعين من المطربين؟

-عراقيا أسمع للراحل رياض أحمد، وعربيا لكوكب الشرق أم كلثوم، فهناك اغاني يشدنا أليها ويذكرنا بالماضي الجميل، حيث طيبة اهلنا وبساطتهم وحلاوة العيش وراحة البال.

 

- اين انت الآن؟

- حاليا أقيم في أستراليا منذ خمس سنوات، أما مغادرتي للعراق فمضى عليها حوالي تسع سنوات.

 

- ماذا تمثل لك بغداد العاصمة؟

- بغداد جميلة ورائعة بروعة وجمال روح أهلها، وفي كل لحظة نتمنى لها الخير والأمن والأستقرار، واقول لجمهوري العراقي،سأحرص على تقديم كل ما هو جديد وجميل من اجلكم.

 

- كلمة أخيرة؟

- أتمنى للعراقيين الأمن والسلام، وأن نجد العراق يوما في مصاف الدول المتقدمة،كما أشكركم لمتابعتكم نشاطاتي.

 

حاورها: جاسم حيدر

maymon harashسمية البوغافرية قاصة مختلفة تماماً، تعشق الحكي المخملي، وتتربع على عرش مملكة "السرد" ملكةً مُتوجة، لها في الناظور، وفي المغرب مكانة؛ ولها في كل ناحية مَثل.. عشاق كُتبها السردية كثيرون ، يتهافتون على تخصيص أعمالها الجميلة لنيل شهادات عليا يشرف عليها أساتذة و دكاترة لهم حظوتهم.

ألفت في القصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً، وفي الرواية، وفي المقال، وفي أدب الطفل أيضاً، وشاركت في ملتقيات كثيرة أبانت فيها عن ثقافة رصينة، وخلق كريم ودراية، ودبلوماسية، وحوار أريحي تستمد آلياته من اللسان الريفي الأصيل..

كرمتها جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون بالناظور عام2013، وحمل المهرجان العربي للقصة القصيرة جداً اسمها في دورته الثانية..

بكلمة: معنا ومعكم شهرزاد الناظور سمية البوغافرية..

 

لالاّ سمية أهلا بك في "العرين"..

س- أولا دعيني أبارك لك الإقامة الجديدة في بلد المليون شاعر..كيف أنتِ مع " الهواء الجديد" في موريتانيا؟ أتمنى أن تستفيدي من وجودك هناك بالكتابة عن مناخاتاتها و ثقافتها..

ج - أولا، أشكرك أخي ميمون حرش على هذا التقديم الجميل والكبير في حق شخصي المتواضع وفي حق قلمي المتواضع أيضا.

وأشكرك أيضا على مباركتك الطيبة على إقامتي في هذا البلد السعيد، موريتانيا، الذي حللت به أول سبتمبر الماضي.. هو بلد آمن، ناسها طيبون يغلب عليهم الطابع البدوي الجميل المريح للنفس التي قرفت أجواء التمدن وصخبها وقيودها.. وفي ذات الوقت، لا أنكر أني أكابد بعض الجهد في الأيام الأولى من أجل التأقلم.. عموما، لي سياسة جميلة أتغلب بها على شعور الغربة في كل بلد أحل به، وهي أنني أسارع قدر المستطاع إلى خلق " مغربي" في بيتي. والحمد لله لم أتلق صعوبة كبيرة هنا. فقد ساعدني كثيرا كون المغرب حاضر بقوة في قلوب الموريتانيين وحاضر في شوارعهم وأسواقهم... فبضاعتنا المغربية موجودة بوفرة ومن كل الأنواع التي قد يحتاج إليها الإنسان في حياته..من ماء، وخضر، وفواكه وأثاث... أما عن الكتابة فلا أختار ما أكتب عنه. أنتظر الإرسال فأبدأ.. لكن الأجمل أن العين تلتقط، والذاكرة تسجل وتخزن، ولا شك سيأتي يوم وتفرغ خزانها...

 

س- لن تعدمي وسيلة في موريتانيا لنشر القصة القصيرة جداً في الأجواء إلى جانب الشعر.. أليس كذلك ههه؟

ج - المشكل ليس في الوسيلة وإنما في طبيعة سمية. سمية متقوقعة على نفسها كثيرا وتكاد، بكسلها المفرط، أو ربما بانشغالها، أن تنتهي مهمتها عند حد الكتابة وإتمام العمل وتجهيزه للنشر. بل حتى عملية النشر، تجدها مرهقة فتتنصل منها وتستعين غالبا بالأصدقاء ليتولوا القيام بها بدلا منها فجزاهم الله عني خيرا.. ولكن مع ذلك، سأضغط على نفسي وسأحاول أن أشارك في أندية القصة هنا متى أتيحت لي الفرصة، وسأحاول المشاركة أيضا في الانشطة الثقافية التي تقام في المركز الثقافي المغربي، وربما ألقيت محاضرة في معشوقتنا الققج. وقد سبق وتحدثت في الأمر مع الملحق الثقافي في سفارتنا هنا، والذي بالمناسبة هو المشرف في نفس الوقت على المركز الثقافي المغربي الذائع الصيت في هذا البلد الجميل...

 

س- أنت كاتبة، والكتابة مهنة حزينة.. وحسب قراءاتي لك أنت كاتبة الفرح لا الحزن .. هل أنا مخطيء؟

ج - لعلك توافقني، وكل من يجترح فعل الكتابة، أن الحزن والألم وعدم الرضا على الواقع المعيش وما نراه من خلل مزمن في عالمنا المربك هو قرين الكتابة عامة، ومن المحفزات والدوافع القوية التى تدفع أقلامنا للتعبير عنها وإثارتها ولفت الانتباه إليها، لمحاولة المعالجة أحيانا، وللتخفيف من حدة وطأتها على النفس أحايين كثيرة" بالنسبة إلي على الأقل".. ولعلك أيضا تتفق معي أننا، نحن الكتاب المبدعون، نختلف مع بعضنا في الأسلوب والطريقة التي يقارب بها كل واحد منا هذه المواضيع الكبرى.. فأنا من طبعي، أطعّم نصوصي، حتى القصيرة جدا منها، بنكهة المرح وأحاول قدر المستطاع أن تحفل جل نصوصي بالضوء والفرح والأمل ومواقف ساخرة تكون في الغالب سخرية سوداء.. ربما هذا ما يجعل البعض، ولست وحدك، يراني كاتبة الفرح.. وهذه الطريقة في الكتابة تعكس فيما تعكسه نظرتي إلى الكتابة الإبداعية.. فالكاتب المبدع فنان يمارس فن الكتابة، وبالتالي، في نظري، ينبغي ألا يقل طريقة عرض مادته الكتابية عن الفنان التشكيلي الذي يلجأ إلى ألوان مختلفة متناسقة وجذابة في رسم لوحته مع أن موضوعها يكون في قمة الحزن والألم... وألا يقل أيضا دوره عن فنان موسيقي الذي يعزف معزوفة موسيقية حزينة جدا لكن مع ذلك لا تخلو من جمال وعذوبة ومتعة.. والسؤال الذي يطرح نفسه والذي لا شك جوابه عند القارئ هو مدى تمثل كتاباتي لهذ النهج ولهذه النظرة التي أومن بها وأسعى قدر جهدي لتعكسها أعمالي؟؟؟ وشكرا لك على إثارة هذه الملاحظة التي يثيرها الكثير من متتبعي تجربتي المتواضعة..

 

س- عشقك للرواية طاغٍ.. من " زليخة " عام 2011 إلى "نهر الصبابا" و" قمر الريف " عام2014..وهي عناوين من مشتل الحريم.. ألهذا الاختيار مبرر ما؟

ج - أعترف لك بأن قلمي روائي بالدرجة الأولى، ومهما اجتهدت في كتابة النصوص القصيرة أو مقال ما، تتسرب إليه نكهة الرواية بل وتكون طاغية عليه ويشتمها القارئ العارف بخصائص الأجناس الأدبية من السطور الأولى. بل ولاحظت صديقة لي كنت أتحدث معها في أمور عادية بعيدة كل البعد عن مجال الأدب أن هذه النكهة الروائية تطغى حتى على كلامي معها... أما اختيار العناوين لأعمالي فإن كان من مبرر لها فالعمل نفسه. وكل العناوين التي ذكرتها تحيل إلى الشخصية البارزة في النص بشكل مباشر كما حال " زليخة" و " نهر الصبايا" أو بشكل غير مباشر كما في " قمر الريف" وعاشقة اللبن { روايتي الجديدة التي ستصدر قريبا} ولا أدري سر تأنيثها في الغالب. ويسعدني أن أضيف أن "قمر الريف"لمن لم يطلع على الروية بعد، أن المقصود به بطل الرواية وهو شاب من بيئتنا الريفية، وأن هناك أيضا رواية أخرى تحمل عنوان:" أطياف ميشيل" وبهكذا تنوع أكون قد خرجت قليلا عن " مشتل الحريم".. ولكن الذي أود التأكيد عليه أن عدا مجموعتي " رقص على الجمر" 2010 التي كتبتها خالصة للمرأة وروايتي "زليخة" 2011، تظل جل أعمالي الروائية المطبوعة منها وغير المطبوعة تتطرق لقضايا اجتماعية كبيرة تشغل بالنا جميعا، وأن قضية المرأة ليست هي القضية الوحيدة التي يخوض فيها قلمي، وليست هي القضية الوحيدة التي تستحق الاهتمام، عالمنا يغلي بمواضيع وقضايا هامة تقتضي المعالجة، بل وتفرض نفسها فرضا على أقلامنا...

 

س- أسماء الشخصيات في رواية " نهر الصبايا " عجيبة لها نصيب من اسمها: "عطوف القطوف" و" شموسة" و"شقشوقة" ..ماذا أضافت هذه الأسماء الغريبة للرواية؟

ج - أولا أحب أن أذكر القارئ أني كتبت هذه الرواية عام 2011. بالتحديد، مع اندلاع الثورة الليبية التي توعد فيها المعمر القذافي بملاحقة الثوار وإشعال ليبيا... وكلنا يعلم جنون هذا الرجل، وكم أنه قادر أن يفعل كل شيء لإرضاء غروره وجنونه. فنالني من تهديده من القلق والرعب ما جعلني أتمنى لو لم أعش لأرى نيرون جديدا يحرق بلدا عربيا عريقا لا لذنب سوى أن شعبه طالبه بالرحيل عن الكرسي الذي أوصله إليه يوما والذي لم يعد يصلح له منذ عقود. ربما هذا القلق المريب ما جعل الذات الكاتبة تقتحم فضاءات أبعد وأوسع لتهدأ، ولتسوق لنا منه بعض الحلول أو بعض الضوء الغائب من أرض الواقع.. وعليه، فهذه الرواية بأكملها تحلق في فضاء الخيال الفسيح وليست لها ساق تقف عليها في فضاء مكاني أو زماني محدد ومعروف، وبالتالي كان من الطبيعي جدا، ومن باب تمثيل الصدق الفني في هذه الرواية التي قال عنها بعض النقاد:" إنها مغامرة شرسة في أحراش الطبيعة البكر، بحثا عن الحب والحقيقة.." أن تأتي أسماء الشخوص غريبة شيئا ما لتتناسق مع الأجواء العامة للرواية خاصة ونحن نعلم أن الأسماء لها علاقة بالثقافات، وتتقادم بفعل الزمن بل وتندثر كثير منها مع الزمن.. فكم من اسم كان معروفا صار مندثرا في أيامنا.. ورغم غرابة هذه الأسماء كما تبدو من الوهلة الأولى فإني مع ذلك حاولت أن تكون متلائمة مع الشخصية والدور الذي تلعبه في الرواية وهذا ما تنبهت إليه الطالبة فاطمة محبوب، طالبة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، في بحثها المعنون ب "دراسة الشخصيات في رواية نهر الصبايا لسمية البوغافرية" والتي أفردت فصلا كاملا لتحليل هذه الأسماء.. ومن قبيل ذلك قولها:

- صحصوح: اسم يقترب من الصحو. والصحو إشارة إلى الطريق الصحيح وذالك لأنه الوحيد الذي انتبه إلى الخلل الذي يسود بيئته وسلك طريق البحث عن الحقيقة لرفع هذا الخلل وسخر حياته بأكملها لكشف الحقيقة وإظهار الحق وإزهاق الباطل.

- شموسة: اسم مشتق من الشمس التي تشير إلى الضوء والنور والوضوح والدفء وهذا ما ينطبق على شموسة داخل الرواية من حيث كونها مصدر الحب والحنان و الدفء لكل عائلتها...

- شقشوقة: من شق يشق شقا وسميت بهذا الاسم لأنها شقت أقرب طريق للوصول إلى مبتغاها وهو شق قلب صحصوح من الألم وقلب شموسة من الحزن..

- شبور: شبر يشبر من فعل شبر في المنطقة الشمالية بمعنى التمسك وهذا ما استنتجناه من الدور الذي لعبه في الرواية وذلك من خلال تمسكه بالحياة بقوة ورغبته في العيش.

- شمور: من فعل شمر أي وجد نفسه وحيدا في الحياة فشمر بمعنى تأهب ليغوص في الحياة معتمدا على نفسه وذلك وما استنتجناه من خلال الرواية. فأبوه هارب و أمه ماضية للبحت عنه فلم يجد أحدا بجانبه ليسانده فخياره الوحيد هو الاتكال على نفسه وهذا هو سبب تسميته شمور.. فتحية صادقة للطالبة على هذا الجهد المقدر والذي يتفق كثيرا مع قصدي...

 

س- تألقك في القصة القصيرة جداً وسام ليس على صدرك فقط بل على جبين " الريف" أيضاً.." كيف يمكن لمن يكتب رواياتٍ طويلة أن يختزل، ويختصر، ويبدع في النهاية نصوصاً قصيرة بألق يَبين كما صوت عتق الخيل؟

ج - كما قلت سابقا إن قلمي روائي بالدرجة الأولى. والكتابة الروائية وعالمها الفسيح غول يمتص كل وقتي وجهدي ولا يترك لي نافذة أتنفس منها هواء غير هواء الرواية.. لكن رغم ذلك، أحيانا، تضيق النفس من هذه السيطرة ويصيبها الملل من عمل يمتد لفترة طويلة، فألجأ "لتغيير الجو" إلى بيئة أخرى، بيئة القصة القصيرة أو القصة القصيرة جدا لأتنفس هواء غير هواء الرواية، فأعود إلى موطني "عالم الرواية" أكثر نشاطا وحيوية.

وأحيانا، أخرى تزدحم الأفكار في ذهني ويشتد ضغط الكتابة لأكتب في أكثر من موضوع، وفي أكثر من قضية وكلها تتسع لفضاء الرواية، لكن للطاقة حدودا. فلا يمكن لي أن أخوض في كتابة روايتين أو ثلاثة في آن واحد، أو أكتب رواية جديدة دون أخذ استراحة لمدة تصل أحيانا إلى سنة أو أكثر.. ثم ألجأ إلى إختزال عمل هو في الأصل رواية فأحوله إلى قصة قصيرة جدا أو أجزئه إلى قصص قصيرة جدا.. وأحيانا كثيرة، تولد الفكرة وتتبلور في الذهن قصص قصيرة جدا. وأغلب نصوصي القصيرة جدا كتبت بهذه الطريقة الأخيرة رغبة مني في المساهمة في تأسيس هذا الجنس الأدبي الجديد الذي عاصرت فترة تأسيسه. فأتمنى بالفعل أن تكون لي بصمة تستحق من الأجيال القادمة التوقف عندها والاستفادة منها. وأحب أن اختم هذه النقطة باستنتاج كبير أورده د. محمد أقضاض في مقاله الكبير المعنون بالماكروسرد والميكروسد في كتابات سمية البوغافرية، والذي نشره في الملحق الثقافي لجريدة العلم، قارن فيه بين روايتي " زليخة" وبين قصتين قصيرتين جدا ـ "منفضة" و " تجهم ينذر بعاصفة" من مجموعتي أقواس.. ختمه بهذه الكلمة المعبرة:" لقد كتبت سمية رواية، كنص سردي مطول يجسد المجتمع في شساعته وشموليته وتعقده وتنوع مستويات سرده واتساع أزمنته وفضاءاته وطبيعة بنيته... وتبدو المينيقصص هنا، أحيانا حين تأملها، أكثر شساعة رغم طول النص الروائي، وأكثر تعقيدا حين يضطر القارئ إلى البحث عن المدلولات وعلى شذرات النص القصصي، ليعيد ملء العبارات وملْء الفراغات. فيتجلى الإبداع على مستوى الماكروسرد كما يتجلى على مستوى الميكروسرد." فتحية إكبار لهذه القامة الريفية الكبيرة..

 

س ـ وماذا عن القصة القصيرة التي كتبت فيها سمية مجموعتين: أجنحة صغيرة عام 2009 ورقص على الجمر 2010.. ومن ذلك الحين لم نقرأ لسمية قصة قصيرة هل هجرتها إلى عالم الرواية وعالم الققج؟

ج - أما القصة القصيرة، فرغم عشقي الكبير لها، فإني بحسرة أقول إني هجرتها إضطرارا بسبب طغيان وضغط الكتابة الروائية واستنزافها لكل وقتي وطاقتي.. فهجرت معشوقتي، القصة القصيرة، وفي قلبي حسرة، وأنا التي عاشرتها ما يزيد عن عشر سنوات متواصلة. وبها عرفت في الساحة الأدبية، وبها كنت أتواصل مع القراء والأصدقاء على صحن النت..

أعترف أنها قهرتني صعوبتها وصعوبة القبض عليها، لكنها كسبت حبي وعشقي واحترامي. فلا غرو إن توجتها على قمة السرديات روعة، وعمقا، وجمالا، وإمتاعا، أو اعتبرتها، عن تجربة، أنها لب الأصناف السردية كلها. ولا غرو أيضا إن ظهر هذا العشق بارزا في فصول رواياتي التي ألبسها غالبا لبوس القصة القصيرة...

 

س- كيف ترينْ مستقبل القصة القصيرة جداً كمبدعة؟

ج - رغم ما يقوله البعض عنها إنها نزوة، أو صيحة موضة، أو إنها حمار من لا حمار له، فإني أراها جنسا أدبيا قائما بذاته، له ضوابطه وخصائصه التي تميزه عن باقي الأجناس، وأنه فرض نفسه بقوة على الساحة الأدبية. ساعدته الوسائط التكنولوجية الحديثة على الانتشار وإثبات كينونته. وطالما له عشاقه من المنتجين وأيضا من المستهلكين فلا خوف عليه، وسوف يعيش إلى جانب الأجناس الأدبية الأخرى دون أن يطغى عليها أو تكون له الهيمنة كما يذهب البعض الآخر قائلين إنه جنس المستقبل ومدعين أنه الجنس الملائم لعصر السرعة الذي نعيشه. في حين أرى إنه كان من غلبة لجنس فستكون للرواية، الطبق الدسم، لما تحمله من متعة للقارئ وأيضا لما تحظى به من اهتمام عالمي خاصة في السنوات الأخيرة...

 

س- وفي الرصيد أيضاً كتابات عن الطفل، وهذه مغامرة محسوبة..أنت أم وكاتبة ناجحة .. السعي لإمتاع الطفل كيف تراءى لك؟..

ج - في سؤالك بعض من الإجابة، القص للأطفال كان من ضمن سعيي لإسعاد أطفالي بالدرجة الأولى. فأذكر جيدا وهم صغار كانوا يطالبونني بأن أقرأ لهم قصصا قبل النوم وباللغة الفرنسية. وطبعا، في هذا نوع من التعب المضاف إلى تعب النهار.. فأضع الكتاب في حجري وأطفئ النور وأبدأ أقص لهم قصصا من خيالي، فيتفاعلون معها وأستلذها بيني وبين نفسي في ذات الوقت.. والأجمل، أنهم يطالبونني، في اليوم الموالي، بإتمام ما قطعه عليهم النوم.. هكذا كانت البداية، وندمت كثيرا أني لم أدونها ولم أهتم بها كما شأن أعمال كثيرة أخرى كنت أكتبها بيد وأقطعها بيد أخرى وألقيها في سلة القمامة إلى أن سقطت في يد عطوفة فأعطتها من العناية والرعاية ما تستحق، وهي بالمناسبة يد زوجي الذي أحمله دائما مسئولية الزج بي في مهنة العذاب... وحينما كبروا قليلا بدأوا يطالبونني بكتابتها، مع الاحتفاظ لكل واحد منهم بقصة خاصة به.. فكتبت قصة" علاء الدين والحاسوب السحري" لابني البكر صلاح الدين وهو من اقترح علي كتابتها بهذا العنوان الكبير والجميل ..ألفتها من أجله عام 2003 ولم تر النور حتى 2015 . وهناك رواية أخرى كتبتها لابني الآخر، سليم، وأهديتها له في عيد ميلاده الخامس وهي تحمل عنوان: فهد الغابة. سأسعى إلى طبعها فيما قريب إن شاء الله..

هكذا كانت البداية والانطلاقة الأولى مع قصص الآطفال، فنشرت بعضها على النت ولقيت استحسانا كبيرا من كل من قرأها، بل وتوجت في أكثر من منبر على أنها أحسن ما كتب للطفل، وكتبت فيها قراءات ودراسات من نقاد كبار أعتز بهم وبسوابقهم الأدبية المنحوتة في الوجدان خاصة في مجال أدب الطفل.. ومن هذا المنبر، أتقدم بالشكر الجزيل لوزارة الثقافة التي نشرت لي في السنتين الأخيرتين ثلاث روايات للطفل ومجموعة قصصية... ويبقى عالم الطفل جميل وساحر. وفي الكتابة له، وفيه، متعة كبيرة لا تضاهيها متعة..

 

س- أنت تراهنين على ماذا حين تكتبين للطفل؟

ج - من المتفق عليه حول قلمي وعن كتاباتي أني لا أكتب من أجل الكتابة، وأن الكتابة عندي ليس ترفا.. وهنا أحب أن أؤكد أن الأمر كذلك حتى في كتابتي للطفل.. فحين أتوجه بكتاباتي للطفل فمن أجل رسالة تربوية أو توعوية تهم عمره. فأكتب من أجل أن أعيه بما له وما عليه. أسعى من وراء كتابتي له لأخلق منه إنسانا مسئولا منذ صغره. أحب أن أضعه أمام حقيقة واقعه بلغة بسيطة وصور موحية دون أن أهول الأمور أو أخادعه. أتعامل معه في الواقع وفي كتاباتي على أنه رجل وليس طفلا صغيرا لا يفهم شيئا. نهجت هذه السياسة في تربية أطفالي وأنهجها أيضا مع الأطفال الذين أتوجه إليهم بكتاباتي..

فحين أكتب قصة للطفل فهي قصة قصيرة بضوابطها وخصائصها المعروفة. وأكتبها بذات تقنيات الكتابة للكبار. لا تختلف معها إلا في اللغة المبسطة، وفي الثيمات والمواضيع التي تجذب اهتمامه وأضمن لها بعض التفاعل معها. ومن خلالها، أسرب إليه رسائل وعبر تنمي شخصيته، وتفتح مداركه، وأراعي في هذا سنه وثقافته. لكن من حيث تقنيات الكتابة هي ذاتها التي أستعملها في الكتابة للكبار بداية من اختيار عنوان جذاب وتشويق يجعله يشده إلى العمل من العنوان حتى القفلة المفتوحة، وأحيانا استفز عقله بأسئلة يطرحها البطل لتشد انتباهه وتجعله طرفا في العمل. والهدف من نهج هذا الأسلوب معه بالإضافة إلى إمتاعه والرسالة التربوية التي ينطوي عليها العمل، هو سعيي إلى تدريبه من الصغر على تذوق فن القصة على حقيقتها، والسعي به من الصغر أيضا ليكون قاصا وروائيا.. وأنأى بكتاباتي للطفل عن شحنها بالوعظ والنصائح المباشرة التي طفح منها قلبه في البيت، وفي الشارع، وفي المدرسة، والتي بدل أن ينساق لها يتمرد عليها أكثرهم ..

 

س- "علاء الدين والحاسوب السحري"، و"الإمبراطور شمسون والزهرة العجيبة" روايتان للأطفال .. ما الفارق بين العمل الأول والثاني؟

ج - هناك فرق كبير بين الروايتين. فالأولى تمس طفل اليوم في اهتمامه وانشغاله المرضي بالحاسوب.. أي طفل يقرأ رواية الحاسوب السحري سيشعر أنه المقصود. وسيرى نفسه هو علاء الدين، بطل الرواية. فشخصية البطل مستوحية من طفل اليوم المتعلق بالحاسوب والتكنولوجيا الحديثة أكثر من تعلقه بالأكل والشراب. وأتخيل أن تفاعل الطفل مع هذا العمل سيكون كبيرا، وأن الرسالة المتوخاة منه ستصله بسهولة، والتي يمكن تلخيصها في أن الحاسوب لم يخلق فقط للعب وتزجية الوقت في ألعاب الفيديو مثلما كان علاء الدين في صغره، فوجد صعوبة كبيرة في التركيز في دروسه واستيعابها، ففشل في دراسته وكاد يطرد من مدرسته.. لكن كونه يملك حاسوبا سحريا، فقد تجاوز مشكلته وبدأ يستعمل حاسوبه للبحث في سبل إسعاد الطفل. فانطلق في مشروع كبير لتحقيق هذه السعادة، بدأه من غرفة الطفل، فمدرسته، فبيئته، فعالمه... أظن أن أهم الفوائد التي يقدمها هذا الكتاب للطفل أنه يبين له ما له وما عليه، ويرشده، بطريقة غير مباشرة، إلى أهمية الحاسوب في حياتنا إن أحسنا استعماله..

أما الرواية الثانية، فتختلف عن الحاسوب السحري في الثيمة والأجواء والفضاءات والشخوص وإن كانت تتقاطع معها في الهدف والرسالة المتوخاة منها، وهي توعية الطفل بما يدور حوله وبالمسئولية الكبيرة الملقاة على عاتقه في مستقبله. فهي تتناول موضوع إمبراطور عظيم مات وخلف لابنه تركة كبيرة وضخمة من المشاكل، على رأسها غياب الشمس عن امبراطوريته الكبيرة لسنوات، وانتشار، بسبب ذلك، أمراض أصابت الأطفال بتشوهات كبيرة، لم ينج منها غير أهل القصر والمحيطين به، حيث تم ربط القصر بقنوات شمسية تجلب إليه هذه الشمس البعيدة المتوارية وراء الغيوم الكثيفة والضباب الأسود، فتضيئ القصر وما حوله بينما تغرق أرجاء الإمبراطورية في ظلام دامس ليل نهار.. لكن الإمبراطور شمسون الشاب، يكتشف بعد رحلة بحث طويلة سبب هجر الشمس لإمبراطوريته فيردها إليها، ويكتشف أيضا علاجا لتشوهات الأطفال المقلقة.....

 

س- مبدعة وأم مثلك تعي جيداً نبض الأطفال..بعض الكتابات تقصي الأطفال من خلال الطرح الخاطئ للأشياء.. بعضهم حين يكتبون للطفل يفكرون عنه وليس معه دون أن يشعر.. كيف السبيل لتصحيح هذه الرؤية ؟..

ج ـ لعل الطرح الخاطئ الذي أشرت إليه في سؤالك ينجم عن فكرتنا الخاطئة عن الأطفال. فنحن غالبا ما ننظر إليهم على أنهم اطفال صغار لا يفهمون شيئا ولا يتقنون فعل شيء غير اللعب. فنقوم بكل شيء بدلا منهم وننسى أو نتناسى أن لا فرق بيننا وبينهم سوى في التجارب التي أكسبتنا السنين التي تفصلنا عن سنهم...

ومما يؤسف له بحق، أن ننقل مثل هذه الأخطاء التي نرتكبها في الواقع مع أبنائنا، إلى كتاباتنا للطفل فنتوجه إليهم بكتابات تقزم فكرهم، وتقتل فيه روح المواجهة، ولا تسعى إلى بناء شخصياتهم على أسس صحيحة تجعل منهم رجالا ونساء قادرين في المستقبل على تحمل المسئوليات ومواجهة التحديات ؛ إن مسئوليتنا إزاءهم تقتضي منا تهيئتهم على تحمل هذه المسئولية، وتدريبهم على الاستقلال بذواتهم والاعتماد على أنفسهم وفي المراحل الأولى من حياتهم، وأن يقتصر دورنا على المراقبة والتوجيه والتدخل بالتصحيح.. ولا أراني أبالغ إن قلت إن التدرج في تدريبهم على تحمل المسئولية وعلى الاعتماد على النفس، ينبغي أن يبدأ منذ وقت مبكر جدا، منذ تلمس الأم قدرة صغيرها على القبض على زجاجة الرضاعة، عليها أن تدعه يتعارك معها لإطعام نفسه بيده إن كنا فعلا نريد خيرا لأطفالنا، ونرجو لهم النجاح في حياتهم المستقبلية والنجاح في النهوض بالمهام الموكولة إليهم في المستقبل. وقد أبدو قاسية على الطفل بتبني هذا النهج في تعاملي معه وكتابتي له، لكن لن يكون أقسى على نفسه من أن نضعه في مواجهة المسؤولية دون تمهيد وتدريب مسئول من قبل... ولا يفوتني هنا، أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى وزارة الثقافة على دعمها، في السنتين الأخيرتين، لثلاث روايات ومجموعة قصصية كتبتها للطفل، وهو ما أعتبره دعما كبيرا لي وتشجيعا لي على أسلوب كتابتي للطفل.

 

س- حين نتحدث عن سمية البوغافرية يصر الناقد الخضر الورياشي على لقب " شهرزاد الريف"..هل أنت راضية ؟ وهل حظيتِ بألقاب أخرى؟

ج - حقيقة لا أتوقف كثيرا عند هذه الألقاب التي كانت غالبا ما تطلق علي حينما أنشر عملا جديدا على صفحات النت، والتي غالبا ما كان يراد بها امتداح العمل المنشور.. وأذكر قبل "شهرزاد الريف" سمعت شهرزاد صلاح الدين. أطلق علي حين نشرت علاء الدين والحاسوب السحري وصرحت بأنه عمل اقترحه علي ابني صلاح الدين.. أما كوني إن رضيت عن "شهرزاد الريف" فلا أنكر أني أحببت هذا اللقب وفخورة به وأتمنى أن أرقى إلى مستواه، ربما لأنه ذكر مقرونا بجانب الريف العزيز علينا جميعا ونسعى بالرقي به قدر المستطاع، وربما لأنه صدر من أخينا الورياشي الذي نعرف جميعا مدى صدقه، وأنه لا يلقي أحكامه وألقابه جزافا وإنما يطلقها متى كانت تناسب صاحبها..كل ذلك من خلال مواكبته لأعماله.. وأي وصف يخلع علي انظلاقا من أعمالي، ولا أشم فيه رائحة المجاملات، ولا يكون مبالغا فيه، فأنا أرحب به وأشكر عنه صاحبه. فشكرا لأخينا المبدع المثابر أستاذ الخضر الورياشي على هذا اللقب الجميل...

 

س- دعينا في الألقاب ..ما أكثر الكتاب الشباب، اليوم، الذين ينتقون – حين يقدمون أنفسهم- ألقاباً لهم!.. ظاهرة اختيار الكاتب لنفسه لقباً غير اسمه الحقيقي ..هل هي حالة صحية؟

ج - فالذي أعرفه أن الألقاب ندعى بها وتطلق علينا من قبل الآخرين ثناء وامتداحا لما نقدمه من أعمال.. لكن أن نطلقها على أنفسنا فهذا ما أستغربه ويثير اندهاشي حقا. وأظن أن الحالة التي أشرت إليها تنم عن نقص يشعر به صاحبه، فيحاول التغطية على هذا النقص بالألقاب الكبيرة التي يسبغها على شخصه.. أو أنه يحاول أن يجذب له الأضواء بألقاب قد لا تمت بصلة إلى حقيقته وحقيقة ما يقدمه. وأتمنى أن أكون مخطئة في حكمي القاسي هذا، ويكون اللقب الكبير الذي اختاره لنفسه يافطة تؤكد حقيقته وحقيقة قلمه التي يجهلها غيره..

 

س- المهرجان العربي للقصة القصيرة جداً كرمك واختار اسمك لدورته الثانية عام 2013، دعيني أسألك، كمتتبعة، عن النسخ التالية .. هل من ملاحظات؟

ج - ملاحظاتي أني لامست تقدما كبيرا على مستوى التنظيم، وكل سنة يتم تجاوز بعض أخطاء السنوات التي قبلها وهذا جيد وينأى به عن لبو يسعى من خلاله إلى التجديد والتطوير وينأى به في المستقبل عن كونه مجرد طقس سنوي يؤدى مثل أي طقس آخر. ومن قبيل ما أثار انتباهي، فكرة السماح في نسخته الأخيرة بالحضور لوجوه أدبية جديدة إن على المستوى الوطني أو العربي لحضور هذا المهرجان بدل تكرار حضور ذات الوجوه السنتين الأوليين. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على رغبة المهرجان في الانفتاح على تجارب جديدة في الققج، انتاجا وتنظيرا. وهذا بلا شك يضمن نجاح هذه الملتقيات ويزيد من شعبيتها واهتمام الجماهير بها خاصة وأن عدد الحضور يزداد سنة بعد أخرى.. وهذا يحسب لإدارة المهرجان.. أما مآخذي أيضا فكثيرة منها عدم تدوين الدراسات الهامة التي تلقى في الجلسات النقدية كل سنة، وذلك حتى يتسنى للآخرين الاطلاع عليها للاستفادة منها ولغرض المقارنة بينها وبين ما أنجز في السابق لنتفادى السقوط في اجترار ما قيل من قبل ولنرتقي بهذه الملتقيات الكبيرة وننأى بها عن صورة الطقس السنوي الذي نألفه في أغلب أنشطتنا.. كما أن القصص التي تقرأ في مثل هذه الملتقيات الكبيرة

ينبغي في نظري أن تكون في المستوى، وأن تخصص لجنة بفرزها وانتقاء الأجود وذلك احتراما للضيوف الكبار، وتحفيزا أيضا للمشاركين على تقديم الأجود والأفضل. وهذه ليس ملاحظتي وحدي بقدر ما سمعتها تروج في أروقة المهرجان..

 

س- أنت من رواد القصة القصيرة بالناظور.. بماذا تنصحين الشباب المبتدئ في مجال الكتابة الإبداعية؟

ج ـ أشتغلت على القصة القصيرة أزيد من عشر سنوات بشكل يومي ومتواصل، وأثمر هذا الجهد ثلاث مجاميع قصصية )اثنتان حيتان تقرآن وأخرى لا تزال تنتظر دورها في الحياة اللائقة بها ( لكن رغم ذلك، لا أدعي أبدا أني من روادها في الريف أو خارجه.. وإنما أعترف أنها قهرتني ولم أستطع قهرها، وأني استطعت بحق أن أجلب لها بعض الأضواء والشهادات الكبيرة من روادها الكبار الذين أعتز برأيهم. من قبيل تلك الشهادات أني أمتلك مقومات قاصة جيدة وأني قادمة بقوة وغير ذلك من الشهادات التي كنت أفتخر بها وتحثني على المزيد من العطاء فيها.. وأعترف أيضا أني لا زلت أتهيب من كتابتها، ويسهل علي كتابة رواية في ثلاث مائة صفحة من كتابة قصة قصيرة في صفحتين ولا أدري السبب بالضبط.. ربما لأن قلمي روائي بالدرجة الأولى وأني أقحمته في مجال غير مجاله، أو ربما لأن لي نظرة خاصة وطريقة خاصة في كتابة القصة القصيرة، ويصعب علي إخراجها بالصورة التي أرجوها لها. أما نصيحتي لكتاب هذا الجنس الأدبي ممن يروا في تجربتي القصصية المتواضعة جدا ما تستحق الثناء والتوقف عندها والاستفادة منها، فإني أنصحهم أن يقرأوا جيدا لروادها في العالم العربي والغربي معا، وأن يتدربوا جيدا على كتابتها. فأنا على يقين، أن أي كاتب قصة قصيرة جيد يستطيع أن يكون كاتبا جيدا في كل الأصناف السردية الأخرى وبيسر.. فلا زلت أعتبرها الجنس الأصعب، وأنها لب السرود كلها وبذرتها الأولى التي تتفلق منها كل الأصناف السردية الأخرى.. ومن يمتلك اللب والبذرة يمتلك الشجرة والثمرة..

 

س- ننتظر ماذا من المبدعة سمية البوغافرية في الكتابة مستقبلا

ج - روايات جميلات تختلف عن سابقاتها في الثيمات وتقنيات كتابتها، وأيضا أعمالا للطفل، هذا إن كان سؤالك يندرج تحت غطاء الموجود من الأعمال الجاهزة في يدي والتي لم أطبعها بعد. أما إذا كنت تقصد ماذا سأكتبه مستقبلا، فأعترف لك، ملأ صدقي، أنه في حكم الغيب، أنتظره مثلما ينتظره القارئ. فلا أعلم عنه شيئا، ولا أخطط لما أكتبه مستقبلا لأن غالبا كل المشاريع التي أنسجها بيني وبين نفسي تقصى ولا يظهر منها غير القليل جدا.. وفي اكتشاف هذا الجديد وانغماسي في تدوينه تكمن قمة متعتي ولذتي. أما قبله "المخاض" عذاب، وما بعده " التنقيح والنشر والتوزيع.." عذاب أكبر..

 

س- كلمة أخيرة رجاءً..

ج- أشكرك جزيل الشكر على هذه النافذة " حوارات العرين" التي تفتحها لنا لنطل منها على قرائنا وأصدقائنا المتتبعين لأعمالنا وأخبارنا. ومن هذا المنبر، أحييهم جميعا وأحيي سيادتكم على سلسلة حواراتك القيمة التي تسلط من خلالها الضوء على الأدباء والمبدعين وعلى أعمالهم، والتي لا شك هي خدمة جليلة تقدمها للأدب والأدباء والباحثين في أعمالهم، وسيحفظها لك الأدب في لوحه المحفوظ ويسجلها لك ميزان حسناتك الأدبية. وأخيرا، أتمنى لك كل النجاح الذي تأمله لسلسة حوارات العرين القيمة، وكل التألق في مسارك الإبداعي النير مع خالص التحايا لشخصكم الكريم.

nihadnajib- تتلمذت على يد سنان والهرمزي والصوت الجميل هبة الله للبشر

تقول عنه الويكيبيديا انه اعلامي عراقي متألق، أصبح مذيعا للأخبار عام 1964 في اذاعة بغداد وفي عام 1969 عمل في تلفزيون بغداد، ليتفرغ له كلية عام 1977، وفي عام 1993 قام مع مجموعة من زملائه بتأسيس جمعية المذيعين العراقيين وتم انتخابه رئيساً لدورتين متتاليتين.

شارك في قراءة نشرات أخبارية رئيسة من تلفزيون واذاعة الكويت ضمن اتفاقية تبادل المذيعين عام 1989، عمل مراسلا لحساب وكالة اسوشيتدبريس ما بين عامي 1999- 2000، قدم المئات من البرامج الاذاعية والتلفزيونية،الدينية والثقافية والتراثية والفنية، وللوقوف على ابرز محطات هذه القامة المتميزة الشامخة خلال مسيرتها الإبداعية الطويلة حاورناه وبدأنا بالسؤال الأول:

 

*ماذا تقرأ بطاقتك الشخصية؟

– اسمي، نهاد نجيب محمد علي اوجي، اعلامي شامل، مذيع، كاتب، صحفي متزوج من الدكتورة كولر البياتي، اولادي ثلاثة، بنتان وولد، اما عن العمر فأنه لا يقاس بالسنين بل بالعافية والانجازات المتميزة والاعمال الصالحة والنافعة.

 

*دخولك الى الإذاعة كان بمثابة نقطة تحول في حياتك، ماذا تسجل في ذاكرتك الايام التي قضيتها في أروقتها؟

- دخولي الي عالم الاذاعة والتلفزيون هو من معالم حياتي الاساسية، كنت عاشقا لهذه المهنة وما زلت ولم تغرني أية مهنة اخرى.

 

*الجيل الذي رافقته في العمل الاذاعي والتلفزيوني، يعد جيلا ذهبيا، من وجهة نظركم، لماذا لم يتكرر هؤلاء رغم تعدد الاذاعات والفضائيات ووجود التقنيات الحديثة؟

– الجيل الذي انتمي اليه هو جيل الكفاءات والمواهب الخلاقة حيث تم اختيارهم بدقة متناهية من قبل لجان من الاعلاميين الرواد بعيدا عن الوساطات، لأن الشعار كان آنذاك هو المذيع شانه شأن الطبيب الذي اؤتمن على ارواح البشر والمذيع يؤتمن على سلامة تذوق البشر فالتقنيات الحديثة لا علاقة لها بالمهارة الشخصية للمذيع ان لم يتمتع بالصوت وهذا من اقل الأمور، اذ ماذا تفعل له التقنيات الحديثة؟ ففاقد الشيء لا يعطيه و الصوت لا يكتسب فهو نعمة من نعم الله تعالى وكذلك الحضور القوي المتميز اما الشروط الاخرى فربما تكتسب ولذلك نفتقر اليوم الى مذيعين متميزين بسبب غياب الاختيار الصائب.

 

* ماهي مؤاخذاتكم على مذيعي الجيل الحالي وما السبيل لإعادة الصورة البهية للمذيع العراقي؟

– معظم الجيل الحالي من المذيعين لا ذنب لهم بسبب غياب اللجان المختصة وتم اختيارهم حسب مزاج المهيمنين غير المختصين على وسائل الاعلام المختلفة وفي مقدمتها الفضائيات والسبيل الى اعادة الصورة البهية للمذيع العراقي هو اعتماد اللجان المختصة التي تضم اساتذة المهنة الذين تم ابعادهم ظلما وعدوانا بحجج واهية سياسية الأبعاد كونهم عملوا في ظل انظمة سابقة وهذا هو اخطر الاساليب التي اودت الى تخلف الاعلام ووسائله المختلفة والعودة الى الوراء بألف عام.

هل يجوز ان ننتقص من قيمة ابن سينا العالم والفارابي الموسيقي وزرياب المغني بدعوى انهم عاشوا في ظل انظمة تاريخية سابقة وبناء على ذلك فأن الاعلام العراقي سيظل متخلفا مادامت الرموز الكبيرة من خبراء الاعلام على مسافة بعيدة عن الساحة.

 

*من صاحب الفضل عليك في اكتشاف موهبتك، وكيف استطعت دخول عالم الشاشة الصغيرة؟

– الذين اكتشفوا مواهبي هم اهلي وعائلتي منذ الطفولة ونمت تلك المواهب بالتشجيع والتوجيه المستمرين وتأثري بالإعلامي الاكاديمي الكبير الدكتور سنان سعيد، الذي تتلمذت على يديه في المتوسطة الغربية في كركوك عندما كان مدرسا للرسم وجعلني اشارك بصوتي ضمن مجموعة من التلاميذ في برنامج اذاعي يعنى بأنشطة المدارس من خلال اذاعة بغداد بمعنى ان صوتي انطلق عبرها وانا في الرابعة عشرة من عمري ثم تتلمذت على يد الدكتور سنان مرة اخرى وانا طالب في كلية الصحافة والاعلام وهو استاذ فيها. اما بعد دخولي الاذاعة فكان استاذي فيها والذي تأثرت بأدائه والقائه هو الاذاعي الكبير سعاد الهرمزي، الذي تعلمت منه الكثير.

 

* ماهي الشروط الواجب توفرها في المذيع ان كان في الاذاعة أو التلفزيون؟

– الشروط التي يجب توفرها في صناعة المذيع هي: الصوت الجميل وهو هبة من الله تعالى صقل هذا الصوت وتهذيبه والتمكن من قواعد اللغة العربية قوة الشخصية وجاذبيتها وعشق المهنة .

 

* كيف يتمكن المذيع من تطوير قدرته في تربية الصوت وتطوير الالقاء؟ -التواضع الذي ينمي صعود المذيع الى القمة والغرور يسقطه في الهاوية وتطوره يتم بمتابعة اداء الاذاعيين الرواد والتدريب المتواصل.

- كان سبب دخولي الى الشاشة الصغيرة هو صوتي المتميز وحضوري وثقافتي اللغوية والشكر لله سبحانه وتعالى ومنه التوفيق.

 

* ما اجمل الاصوات الاذاعية التي سجلت حضورا فاعلا في الوسط الاعلامي؟

- هناك الكثير من الاصوات المتميزة النادرة من المذيعين والمذيعات منذ تأسيس الاذاعة والتلفزيون من الصعب تكرارها في ايامنا هذه .

 

* ما الانطباع الذي تركته عند الاخرين عند ظهورك اول مرة في التلفاز؟

- الانطباع الذي تركته عند المتلقي لاول مرة هو تواضعي المستمر الذي هو جزء من شخصيتي اضافة الى صوتي والقائي وهما بصمتي التي تركتها في ذاكرة وتأريخ الاذاعة والتلفزيون..والحمد لله تعالى.

 

*خضت تجربة التمثيل هل هي مصادفة ام حب مستتر وجاء في الوقت المناسب؟

 

 

– ظهوري ممثلا لم يكن مصادفة بل لي تجربة سابقة عندما كنت طالبا في الاعدادية ومثلت الكثير من المسرحيات من بطولتي واخراجي وكنت رئيسا للجنة الخطابة والتمثيل وشاركت في مسابقة للخطابة على مستوى محافظة كركوك وكان ترتيبي الاول.

 

*الشعر شكّل محطة مضيئة في حياتك كما علمنا، اتحفنا بما حملته جعبتك من ابيات؟

– الشعر هو جزء لا ينفصل من مسيرتي الاعلامية وكان الشعر يرافقني في اعمالي الاذاعية والتلفزيونية وتميزي فيه هو القائي ولو كانت هذه مقابلة اذاعية او تلفزيونية لقرأت لكم نماذج من القصائد الشعرية.

 

* مواقف طريفة صادفتك اثناء العمل الاذاعي والتلفزيوني، تود ان تسلط الضوء عليها؟

– المواقف الطريفة والمحرجة كثيرة ولا اريد ان اكون نمطيا والخوض في الاسئلة التقليدية.

 

* لو لم تكن ماذا تتمنى ان تكون؟

- لو لم اكن اعلاميا لتمنيت ان اكون اعلاميا ايضا لا بديل لي وخلقت ان اكون اعلاميا والفضل لله سبحانه وتعالى وفي خلقه شؤون اعلاميا.

 

* كتاب لا تمل من قراءته؟

– الكتاب الذي لا أمل قراءته هو القران الكريم ومنه استمد ثقافتي ومعرفتي.

 

* لمن تقرأ؟ وما هو آخر كتاب قرأته؟

– مطالعاتي للكتب المختارة يوميا هي جزء مهم من يومياتي.

 

* كيف تقسم يومك، وما الذي يشغل بالك؟

– الذي يشغل بالي هو وطني العراق المفدى وشعبي الكريم بحاضرهما ومستقبلهما اولا ومن ثم يشغل بالي التخلف الحاصل في وسائل الاعلام المختلفة بسبب هيمنة الاميين من جهلة الاعلام على الساحة الثقافية باستثناء القلة القليلة من الكفاءات المبدعة التي اتابعهم شخصيا واتمني لهم كل الخير.

 

* حكمة تؤمن بها؟

-الحكمة التي اؤمن بها هي.. اللهم اجعلني مظلوما ولا ظالما.

 

* ماذا تشكل المرأة لديك؟

– المرأة هي عصب الحياة وزهرها العطر الفواح هي الام والاخت والزوجة والصديقة والحبيبة وباختصار هي كل شيء هي السيمفونية الرائعة التي تنساب الى قلوبنا بكل عذوبة.

 

* مطربك المفضل ومطربتك المفضلة؟

– مطربي المفضل هم ثلاثة الموسيقار محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش وعبدالحليم حافظ ومن المطربات كوكب الشرق ام كلثوم واسمهان وليقل علي من يقول انني دقة قديمة.

 

* هل تهوى الرياضة واي الفرق على المستوى المحلي والعربي والدولي؟

- لست من المتمعنين في الرياضة ولكني اتابعها عندما تتعلق انتصاراتها بسمعة بلدي.

 

*هل انصفتك الحياة؟

- نعم انصفتني الحياة في كثير من الجوانب واهمها محبة الناس من عامة الشعب العراقي الحبيب.

 

* جائزة تتمنى الحصول عليها؟ وهل حصلت على شيء تعتز به؟

- اما بالنسبة الى الجوائز فلقد حصلت عليها من خارج بلدي العراق ولم احصل عليها في وطني الا على النزر القليل وجوائزي معظمها من مهرجانات ومؤتمرات ومناسبات خارج العراق وشهادات دولية.

 

*كلمة اخيرة؟

- تحياتي لك احمد الحاج والي جمهوري الحبيب في كل مكان ورغم اقامتي خارج العراق فقلبي متعلق بوطني العراق وابناء شعبي الاصلاء .

انتهى

 

حاوره : احمد الحاج

 

sadam alasadiس1 - الشعر كالبحر لا يحدده تعريف واين تكمن الجمالية في الشعر؟

ج - الشعر جبل من الجليد لا يطفو منه الا القليل لذا لا يقربه التحديد الشعري قدر الشاعر ولا خلاص من الاقدار لمحتلمه اما الجمالية ثوب مزخرف تحيطه عواصف بلاغية تظهره بشكل جذاب

 

س2- هل تتجه القصيدة العربية الحديثة نحو اللافكر والا معنى مبتعدة عن الوظيفة الملقاة على عاتقها وطنيا ً وقوميا ً؟

ج - تتجه نحو السراب ولا توجد زرقاء اليمامة في عصرنا حتى تنظر بعيون المعجزة والشاعر يصمت ويموت ويقتله الصمت حد قطع النفس الاخير فهي عند بعض الشعراء تسير نحو المجهول وتتسيد الرمز غير المعقول اما عن الوطنية والقومية فلقد قرأنا تلك اللفظتين قراءة عابرة حتى تعبنا من القراءة .

 

س3- في معنى الصراع بين القديم والحديث هل تشعر بعدم الثقة من الشعر الحديث وهل تراه يبرأ من جراحه لتكتمل عناصر التكوني الجديدة؟

ج - اكون غائبا ً ولم اسجل الحضور في شدة الصراع على من ترسو السفينة : فمن ينقذ الشاعر من الضياع الفكري ويبقى في عزلته محروما ً ويبقى مرتاحا ً يجني حصاد الهم واللصوص تبني بيوتها من جيوب الغافلين فلا ثقة مطلقا ً بهذا الزمن العجيب وكيف يشفى من الجراح وهو لم يجد الدواء بعد فلا يبرأ الا اذا زرعت الحرية وتصبح قضية شاملة .

 

س4- هل هيمنت الانواع الادبية الاخرى كالوراية والقصة القصيرة على الشعر وهل يبقى العرب متمسكين بالشعر بوصفه هو الاهم ويزحفون بشكل خجول لهذه الانواع؟

ج- يقول الدكتور زكي مبارك يبدأ الشعر في العراق ويموت في مصر وفعلا حدث هذا الامر وهذه اخريات الزمان فلا يوجد فاصل بين المقتول وبين القاتل واختلطت الامور فبدلا ان تمد للناس يداً عليك ان تمد مخلبا ً فلا خجل عندنا حين يصبح الشاعر مسروقا ً من حقوقه التي ذكرت ولا يوجد من يحفظها فلا ريب ان تزحف كل الانواع التي ذكرت ولكن ما تنفع الانواع بكثرتها ورحم الله الوائلي حين قال:

انما نكبة المقاييس فينا     يتساوى الخرنوب بالتفاح

وكان الشاعر يعرف ببيت من الشعر ويقولون قال فلان وهذا الزمن (الانترنيتي) مفلسا ً تماما ً من الحقيقة .

 

س5- اذا كانت الاذواق اذواق الجمهور محدودة في الفهم والادراك فهل هذه دعوة للشاعر ليحتفظ على مستواه الشعري والابتعاد عن الالفاظ السوداوية الخافقة ام على الجمهور دوره في توسيع ثقافته ؟

ج- انها دعوة ونصيحة ان يترك الحبل عل غاربه فالذوق ليس له مبدع والعراء يتحملون الجزء الاكبر بذائقة الجمهور الذي ظل يقرأ لهم فليقف بعيدا ً يتابع الاحداث وعزلة البريكان اعطته شهرة كبيرة ولم يقرأ قصيدة في حياته بدلا من الاتجاه نحو اللعبات السوداوية كما اسميتها وخافقة هذا التعبير اعجبني هي خافقة حقا ً .

 

س6- اتسعت الخلافات حول الابنية المدللة قصيدة النثر وزجها بشكل خجول في ثنايا الحداثة الشعرية وهل ستعود الى مدينة الشعر المقدس والابوة الشعرية من الوزن والايقاع ؟ .

ج- انت تعترف بشكل خجول وتسميها قصيدة انها لبست ثوب القصيدة قديما ً وحديثا فهل بإمكانك ان تعطيني فحلا كالجواهري مثلا او تبدل السياب بغيره ؟ فلا داعي لآية خلافات ما دامت القصيدة تتسيد النثر وتعلو عليه .

انها مدللة حقا لأنها تلعب لعبة داخل الانسان وتسحب ذائقته نحو السراب ولا تهتم   (يا ضياء) كم من شاعر اكلته الجدران وتناسته الحضارات الا شاعر اهل البيت يبقى متألقا ً محفورا ً في ذاكرة التاريخ .

ونصيحتي للسائرين على طريق الشعر ان يضعوا افكارهم واقلامهم للحسين لينالوا شفاعته يوم المحشر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

حاوره: ضياء اسعد مغتاض

ahmad alsayeghزاوية اعلامية حوارية خفيفة نستضيف بها الشخصيات العامة في المجتمع في مختلف تخصصاتها واهتماماته...

(الوطن جرح احمله في غربتي)!

 

- من انت؟

- أحمد الصائغ ...اعلامي عراقي، أعمل فلاحاً في حدائق موقع النور.

 

- من هو قُدوَتك؟

- علي بن ابي طالب عليه السلام.

 

- أينَ تَكمن سعادتك؟

- عندما أرسم الفرح في عيون الآخرين.

 

- متى تحزن؟

عندما اشعر بالظلم.

 

- متى بكيت اول مرة؟

-عندما واجهت الفقد

 

- ماذا تعني لك امك؟

- رحمٌ دافئ اسكنه.

 

- ما هو العدل؟

- الله.

 

- ما هو السلام؟

- ان تغمض عينيك دون ان تحلم بالحروب.

 

- ما هو الضمير؟

- رقيب داخلي لن يشيخ.

 

- ماذا يعني لك الوطن؟

- جرح أحمله في غربتي.

 

- هل تعرضت للاستغلال؟

كثيرا، ولكن عن طيبة وليس غباء.

 

- اول حب في حياتك؟

- امي رحمها الله.

 

- خطا ندمت عليه؟

- ثقة منحتها لمن لا يستحق.

 

- هل تتصور نقضي على الفساد؟

- اذا قضينا على الفاسدين، واشك في هذا.

 

- هل انت ناجح في عملك وحياتك؟

- اعتقد اني حققت بعض النجاحات، وقد لا يرى الآخرون ذلك.

 

- ما هو الفشل؟

- لم أعرفه.

 

- ما هي مكانة المال في حياتك؟

- لسد الحاجة فقط.

 

ما هي الحكمة التي تؤمن بها؟

لاتشكو للناس جرحاً أنت صاحبه لايؤلم الجرح الا من به ألم.

 

- متى تشعر بالقلق؟

- قبل كل مهرجان او نشاط اقوم به.

 

- متى تشعر بالحيرة؟

-عندما افاضل بين أمرين كلاهما جميل.

 

- متى تلوم نفسك؟

- حينما اتسرع باتخاذ قرار خاطئ.

 

- ما هي الحلقة الضائعة بحياتك؟

-لازلت ابحث عنها، فان وجدتها ستصلح الكثير من التفاصيل التي مرت في حياتي.

 

- ماذا يعني لك الظلام؟

- الخوف.

 

- ماذا يعني لك النور؟

- الصدق.

 

- هل لديك اعداء؟

- لا اعادي احداً، ولكن هناك من يعاديني.

 

- أين تشعر بالحنان؟

- وسط عائلتي .

 

- ما هي الحرية؟

- طائر اعشقه .

 

- متى تشعر بالذنب؟

-عندما اقصر مع من احب .

 

- ماهو الشيء الذي لا تحب أن تخسره؟

- الصدق والصديق .

 

- متى تلتزم الصمت؟

-عندما يتحدث الاحمق .

 

- متى تحتاج للبكاء؟

-عندما اشعر بالغدر .

 

- متى تغضب؟

- ليس هناك ما يغضبني .

 

- ما هو هدفك؟

- ان احقق ما يفيد الاخرين .

 

-هل تحقق هدفك

- مازلت سائرا فيه؟ .

 

- متى تشعر بالراحة؟

-بعد كل انجاز اقوم به.

 

- اي لون يعجبك؟

لون السماء والبحر وعينيها.

 

ريسان الفهد

840-ibtsam1شاهد جمهور غفير من الجالية العراقية في لندن عرض الفيلم الوثائقي (نصيرات) للمخرج الفنان علي رفيق، بعد عرضه في اكثر الدول الاوربية حيث حظى باهتمام كبير من قبل جمهور المغتربين في اوربا وبريطانيا. وذلك برعاية رابطة المرأة العراقية ورابطة الانصار الشيوعيين ولجنة تنسيق التيار الديمقراطي ومنظمة الشيوعي العراقي .

840-ibtsam3كان الفيلم بمثابة ضوء على تجربة فريدة خاضها الشعب العراقي بمواجهة الدكتاتورية والبطش الصدامي البعثي الا وهي الكفاح المسلح والذي اتخذ من جبال العراق منطلقا ليقاتل بأسلحة بسيطة ولكن بايمان قوي، اعتى الانظمة واقساها، والتي زودت بأحدث الاسلحة ووسائل القتل من قبل امريكا. مع عملاءه من اعضاء حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذين غدروا برفاقهم وتسببوا بقتل العديد من الانصار والنصيرات. ضاربين عرض الحائط كل القيم الانسانية والقبلية والاجتماعية والسياسية وحتى القومية الكردية وادعائهم بتمثيلها!

الفيلم حسب المخرج كان بمثابة تحية للمرأة العراقية الصامدة والشجاعة، التي وقفت مع اخيها الرجل متخطية كل الحواجز الاجتماعية الضيقة وحاجز الخوف الذي وضعه ازلام النظام في كل ركن من بلدنا.

تفاعل جمهور المشاهدين مع مشاهد الفيلم لدرجة الانفعال وبكاء البعض متأثرين بذكريات عبّر عنها الفيلم من خلال لقاءاته مع نصيرات الأمس اللاتي توزعن على دول الشتات. واشاد الجميع بجهود المخرج علي رفيق وكاتب السيناريو كريم كطافة، مع قلة او انعدام الامكانيات المادية والتقنية لتقديم فيلم مهم عرض صفحة مشرقة من نضال المرأة العراقية الشجاعة. "ان تشعل شمعة خير من ان تلعن الظلمات" فقد اضاء علي رفيق شمعة شجعتنا لنلقي ضوءا على تجربتة في حوار جانبي معه.

 

اضواء على فيلم نصيرات والأفلام الوثائقية في السينما العراقية

اولا تحية لك ومبروك نجاح فيلمك جماهيريا ونتمنى ان يعرض على جمهور اوسع عربي واجنبي. اود بداية ان اعرف رأيك في الفيلم الوثائقي العراقي وقد انتج العديد منها خاصة بعد عام 2003؟ كيف تراه مقارنة بالأفلام الوثائقية العالمية؟

- الفيلم الوثائقي جنس ابداعي سينمائي له شروطه التي تميزه عن الفيلم الروائي الواقعي او فيلم الخيال العلمي او التاريخي مثلا، لكنه منذ نشأته في عشرينيات القرن الماضي وخاصة بعد تجربة Kino Eye (السينما- العين" كينو-كلاز") للسوفييتي زيغا فيرتوف اندرجت تحت عنوانه العام: وثائقيات منها العلمي والتوجيهي والدعائي والتسجيلي والأخباري والريبورتاج ..الخ.

لكن التنظير للفيلم الوثائقي ميز بينه وبين ما تفرع عنه من الوثائقيات التي اتيت على ذكرها آنفا.

اذن يشترط جنس الوثائقي، على طرحه لموضوع يناقش قضية معينة واقعية وحياتية وينطوي على تقديم وجهة نظر فيها. اما الشكل فهو مفتوح على استخدام ما تكتنزه اللغة السينمائية من امكانات غير محدودة.

رأيي في الفيلم الوثائقي العراقي فهو، كالسينما العراقية، مازال غير واضح المعالم ومن الصعب القول اننا استوفينا الشروط سالفة الذكر، طبعا هناك نتاجات اقتربت منها ومن الخطأ التعميم. اما ما حصل بعد 2003، فنلاحظ وفرة الأنتاج، فقد التبس الفهم السائد للوثائقي لدى الكثير من صانعيه الذين استسهلوا التعامل معه. ولهذا عدة عوامل منها: توفر وسائل تقنية حديثة (الديجتال) وكثرة الطلب عليه من مهرجانات تكونت على عجل، يديرها ويحكّم فيها من لا علاقة له بالسينما اصلا. علاوة على زيادة الطلب على الأشرطة، ايا كانت، مهمتها ملء الوقت، لبرامج فضائيات انتشرت كالفطر.. فاختلط السينمائي بالتلفزيوني، فاخذ يطلق على الريبورتاج والتقارير الاخبارية وحتى الأفلام العائلية ( هوم فيديوHome video) بالوثائقي .. طبعا هذه الحالة لا تتعلق بالمنتج العراقي ام العربي حسب وانما سادت العالم.  

 

في لقاء تلفزيوني معك اكدت على المحلية والصدق في طرح القضايا الشعبية للوصول للعالمية..هل يكفي الموضوع وأهميته لإنجاح الفيلم، وثائقي كان او روائي؟

- نعم دائما أعطي للمصداقية في المنتج الأبداعي الأهمية القصوى ومعياري في هذا اننا لكي نكون عالميين، ينبغي علينا طرح الهّم المحلي بصدق. طبعا هذا لا يمنع من معالجتنا لقضايا انسانية شاملة.. لكنني استدل دائما بتجارب فنية لشعوب لم نكن نعرف قضاياها الا من خلال صدق مبدعيها.. الكولومبي ماركيز خير مثال. ومنتجو الافلام المستقلة الايرانية قدموا نتاجات تحاكي الواقع المعاش في قرى نائية لكن صدق المعالجة وسبر اغوار الواقع المحلي الذي لا يشبه غيره كل هذه العناصر قادتهم للعالم والذي فهمهم وأدرك معاناة انسانهم وتضامن معه.

اكيد السينما روائية كانت او وثائفية هي نافذة يطل منها العالم لمعرفة كنوز الشعوب الثقافية والحياتية..لكن الادوات والتقنية السينمائية في الطرح فنيا لهما دور كبير في ايصال الفكرة محلية كانت او غيرها..فلا يكفي الموضوع وأهميته لإنجاح العمل السينمائي او التلفزيوني اذا لم تتكامل شروط نجاحه من اخراج الى تصوير.

 840-ibtsam2

فيلم نصيرات هو الفيلم الاول في تسليط الضوء على مرحلة مهمة في تاريخ المعارضة العراقية اليسارية، بمعنى اوضح بتاريخ الحزب الشيوعي. ومشاركة المرأة فيها. لماذا تأخر انتاج هكذا فيلم وقد مرت عقود على حرب الانصار؟

- "ان يأتي متأخرا أفضل من أن لا يأتي ابدا". نعم كثيرة هي المفاصل في تاريخنا لم يجر توثيقها كما يجب.. وخاصة في لغة العصر.. لغة الصورة.. السينما.. ومن بين تلك المآثر في مسيرة شعبنا الكفاحية.. تلك التي أجترحتها المرأة العراقية التي خاضت غمار النضال في كل انتفاضات ووثبات شعبنا.. في ثورة العشرين وفي وثبة كانون 1948 وفي انتفاضة تشرين 1952 وفي الهبة الشعبية في 1956 وفي ثورة 14 تموز المجيدة 1958 والعديد من محطات لابد من استذكارها لأستخلاص التجربة الثرية في مشاركتها في العمل الوطني وفي حركة الانصار المسلحة 1979-1990( موضوع فيلمنا).

حملت المرأة العراقية الباسلة السلاح ضد دكتاتورية وفاشية النظام البائد وقدمت التضحيات والشهيدات الخالدات.. كل تلك الحركات لم توثق. ولأننا عقدنا العزم على توثيق الحركة الأنصارية سينمائيا.. وبعد عمل وجهد مضنيين لأكثر من سبع سنوات لانتاج سلسلة وثائقية استطعت اخراج الفيلم الاول منها عام 2012 بعنوان "سنوات الجمر والرماد" وهو وثائقي   68دقيقة، كرس للتعريف بالحركة. وفي 2014 اخرجت الفيلم الثاني "نصيرات" وثائقي (73 دقيقة) كرس لمشاركة المرأة العراقية في حركة الانصار الشيوعيين.. طبعا نسعى لمواصلة انتاج هذه السلسلة.. وهذا يتوقف على توفر التمويل اللازم لتحقيق ذلك.. اما سبب تأخر الأنتاج هو ببساطة غياب التمويل، عقدة السينما .

الفيلم من إنتاج (وحدة الإنتاج السينمائي الإنصاري) هل هي مؤسسة سينمائية؟ كيف كان دورها في انتاج هذا الفيلم؟ فحسب مارأيت ان امكانيات التصوير وتسجيل الصوت لم تكن بالمستوى المطلوب!

وحدة الأنتاج السينمائي الأنصاري أنبثقت من مجموعة انصارية عملت في الفيلم الأول كفريق عمل تصدى لتحقيق مهمة الانتاج، ارادت ان تخلق لنفسها كيانا انتاجيا يواصل العمل. وهذه المجموعة مستقلة تسعى لتوفير الارضية الانتاجية بايجاد قنوات تمويلية وتتصل بالاشخاص الذين يوافقون على دعم مشروعها ماديا ام معنويا.. والمجموعة متبرعة بعملها لا تتقاضى اية مكافأة مقابل جهدها. وآلت على نفسها العمل على تنفيذ ما تصبو اليه بالممكن وبامكانات اقل من الفقيرة بل شحيحة جدا.. وهذا ما يفسر الفقرالتقني في الانتاج كما شخص سؤالكم عن حق. طاقمنا الإنتاجي يدرك هذه المسألة لكنه في نفس الوقت يعرف ان البديل لذلك هو ان لا ننتج .. وتلك مجازفة و تحد أقدمنا عليها مع سبق الأصرار.. مع حسباننا لخساراتنا وهي كثيرة.

 

ما هي اكثر الصعوبات اعاقة في مراحل انجاز هذا الفيلم؟

- في كل مراحل الفيلم كانت اعاقة وصعوبات.. اولها ان الحدث الذي تصدينا له، بلا وثائق وفات عليه اكثر من ثلاثين عاما.. وابطاله استشهد الكثير منهم وكذلك الذين رحلوا.. فبدأنا من الوثيقة رقم صفر.. اعتمدنا اللقاء بالاحياء ليرووا لنا ما حدث. المشكلة انهم قد توزعتهم المنافي.. فلابد من الرحيل اليهم.. وبما توفر لنا من تمويل شحيح سافرنا الى بلدان شتات عديدة.. فكان العمود الفقري لجسم الفيلم حكاياتهم..لكننا أردنا معالجتها بلغة السينما.. فحولنا بوحهم الى دراما وتعاملنا معها بمعادل صوري، لخلق مقاربات لها، فأشتغلنا على المكان ورحلنا الى كردستان فصورنا الأمكنة والطبيعة الجبلية التي مارسوا فيها كفاحهم المسلح.. حيث كان صراعهم مع عدو شرس وطبيعة قاسية..وأستخدمنا ما توفر من فوتوغراف.. وهكذا صنعنا سينما ممكنة.

 

اعتقد اننا اكثر الشعوب عانينا من التعتيم وبالتالي قلة الاهتمام بالوثائق والتوثيق، بالرغم من كثرة الحروب التي عشناها والمصائب السياسية والاجتماعية. هل تعتقد خلف هذا الاهمال غايات سياسية؟

- الوثيقة عدا كونها تاريخ فهي تجربة ودروس وعبر.. للأسف نحن لا نحترم تاريخنا لأن من تصدى لقيادة بلداننا في الغالب يكون مرتهنا للأجنبي الذي همه طمس الجوانب المشرقة في مسيرة شعوبنا، وبنفس الوقت يبذل القادة قصارى جهدهم بتضخيم شخوصهم ويفرضون دكتاتوريتهم وبذلك يغيبون الآخر ويقتلون فيه عنصر الخلق والأبداع ويمعنون في اشاعة الأمية والجهل ويقمعون كل محاولات التقدم والاصلاح. وهذا ما يفسر ان كل مستبد يرتقي ناصية الحكم يكتب تاريخ امته من جديد.. (التاريخ يكتبه المنتصرون) اليست هذه المقولة هي التي تسود منذ الأزل.فيختفي القادة الصناديد وراء جهلهم يساعدهم في ذلك وعاظ السلاطين من عاملين في مجالات ثقافية من كتبة و حرفيين يبدعون في تلميع صورة اسيادهم .. لا اعرف هل هذه الاجابة تفسر تغييب الوثائق الحقيقية وليتوارى التاريخ خلف الزيف .

 

لاحظت خلال العرض، بعض النساء العراقيات بكين وهن يشاهدن الفيلم. كيف كان تقبل رفيقات الامس للتجربة؟

- صحيح ان فيلم "نصيرات" يوثق مساهمة المرأة العراقية في فعل قتالي ضمن حركة الانصار الشيوعيين العراقيين.. لكننا لم نركز على ذلك الفعل فقط .. فالمعارك والحياة القاسية التي عاشتها النصيرات لعشر سنوات، هي عمر الحركة، انطوت على حياة كاملة زاخرة بالمواقف الأنسانية واليومية والحياتية.. فالنصيرة عانت من مصاعب جمة بحكم تكوينها الفيسيولوجي وتعاملها مع نمط عسكري ذكوري ومحيط اجتماعي قروي متخلف وطبيعة بالغة القسوة.. وفي تلك الحياة مارست النصيرة الطبابة والاعلام والتدريس وربط التنظيم المحلي في عمق الوطن ونقل البريد الحزبي..الخ. وشهدت الحركة زيجات وولادات واستشهاد نصيرات.. كل هذه كانت عناوين بارزة في معمار مشاهد الفيلم وعرضها بأسلوب درامي.. يبدو انها حملت زخما عاطفيا لدى المتلقي فالبكاء من الجمهور لم يقتصر على النسوة فقط وانما الرجال ايضا.. ذلك تجلى في الحوار والنقاش الذي اعقب عروض الفيلم والذي كان يمتد لفترات زادت عن مدة عرض الفيلم نفسه.

كاتب السيناريو صديقي الروائي كريم كطافة وانا اثناء العمل وضعنا في حسباننا اعطاء المشاهد الفرصة ليكون مساهما في الفيلم.. كنا نريد ان يبدأ الفيلم بعد ان ينتهي عرضه وهذا الذي حصل فعلا.. وكما تقبل المتلقي الفيلم بهذه الروحية تقبله رفاق ورفيقات الأمس فقد أثار فيهم الفيلم ما هو مكبوت في دواخلهم، ساهموا مع الفيلم بالتصريح بما مسكوت عنه قسرا وما جرى التعتيم عليه.. فصاروا يضيفون حكايات واحداث لم يرّوها الفيلم. فصانعو الفيلم وانا منهم.. لم ندع اننا استطعنا ان نغطي كل ما جرى ..

 

لماذا لم يلقى تسجيل المعارك ومعاناة الانصار وتوثيقها الاذن الصاغية والاهتمام المطلوب؟ خاصة والحزب الشيوعي عانى من التعتيم على نشاطه ومعاناته. الم يجد في التسجيل فرصة لإيصال صوته للعالم؟ خاصة وكان من الممكن تهريب الافلام مع الهاربين من جحيم البعث في ذلك الوقت!

- هذا سؤال مهم وجوهري.. عاش الحزب الشيوعي في أغلب فترات عمره ظروف العمل السري ويكمن هنا سر بقاءه واستمراره وهو عميد الاحزاب العراقية.. وان قصاصات من ورق او وثيقة بسيطة او حتى كتاب نظري، كلها كانت السلطات المتعاقبة تعتبرها أدلة كافية لسجن اعضاء الحزب وتعذيبهم وحتى تصفيتهم واعدامهم ووفق مواد قانونية صريحة.. اذن بالرغم من اهتمام الحزب بالادبيات واصداره للصحف والدوريات السرية لكن رفاقه كانوا يحرصون على الحزب عبر اخفاء تلك الوثائق واتلافها لئلا تقع بيد جلاديهم. وبالمقابل كان الحزب يحرص على تسجيل وقائع تاريخه وارشفة وثائقه لكن بحرص شديد وباجراءات صيانية استثنائية.. وفي فترة الكفاح المسلح تضاعفت الخشية من الوثيقة..

لكن كان بالامكان ان تتم العناية بالتوثيق ودار حول هذا التوجه صراعا داخليا..مما جعل البعض يعمل على التوثيق بجهود فردية وبوسائل بدائية لشحة الامكانات المادية والتقنية ولعدم الاهتمام الجدي من هيئات الحزب المعنية.. انا نفسي التحقت بالكفاح المسلح ومعي كاميرا سينمائية (16ملم) وكمية بسيطة من الافلام الخام وصورت الاف الامتار من الاشرطة للمقرات والمفارز والحياة اليومية وبعض المعارك.. وساعد الحزب على ارسال تلك الاشرطة مع البريد الحزبي الى الخارج لتحميضها وطبعها والاحتفاظ بها في الارشيف وتواصلت هذه العملية لسنتين لكنها لم تستمر لأن كاميرتي استشهدت، ولم أحظ بهذا الشرف بالصدفة، في معارك بشت ئاشان الغادرة1983.. والمادة المصورة تمت مصادرتها من قبل مخابرات الدول التي كانت تخزن فيها. ولم يستطع الحزب استردادها حتى اليوم.

طبعا كانت هناك قنوات للحزب كان من خلالها يوصل صوته واستطاع طيلة سنوات النضال وبوثائق بسيطة منها البيانات وقوانين وممارسات الانظمة الجائرة نفسها، ان يحشد للتضامن الأممي مع شعبنا .  

 

باعتبارك كنت احد الانصار وعشت تلك التجربة بكل متاعبها ومرارة خيباتها. لو اعيد الزمن هل ستعيد التجربة كما هي؟ وبعيدا عن فن الاخراج، وما هو رأيك كسياسي في تلك التجربة اذا حسبت على الكفاح المسلح؟ هل كان للعاطفة الدور الاكبر في تبني حركة الانصار بلا دراسة ولا تخطيط؟ ومن هو برأيك المقصر او السبب في فشلها؟

- ليس هناك اكثر من الشيوعيين حبا للحياة والسلام.. فلسفتهم قائمة على الحرية وخلق ظروف الرفاه والسعادة للأنسان فهو اثمن رأسمال.. هذا حلمهم. لكنهم يعرفون ان الطريق لتحقيقه لابد له من عمل وكفاح دؤوب.. انهم لا يفسرون العالم فقط وانما يسعون الى تغييره. هذا ما قادهم الى ممارسة كل اساليب النضال. وفي الثمانينات كان الكفاح المسلح اسلوبا ثوريا رومانسيا لتحقيق التغيير. ولم يلتزمه الشيوعيون العراقيون الا بعد هجمة شرسة من الفاشية الدكتاتورية ضدهم وضد شعبهم. ومعروف عنهم تضحياتهم واخلاصهم لمبادئهم فمارسوا الدفاع عن انفسهم وعن شعبهم بالعنف الثوري مقابل عنف فاشي مقيت..

بالنسبة لي انا كنت ابن ذلك الظرف.. لم يكن لدينا في حركة الانصار وهما اننا نستطيع اسقاط النظام من مسافة تبعد اكثر من 600 كيلومتر عن العاصمة، لكننا أسسنا قواعد وحررنا مناطق كانت ملاذا لرفاقنا الذين يستطيعون التخلص من قمع النظام وكانت ايضا مواقع لوجودنا العلني داخل الوطن ومنها انطلق اعلامنا: اذاعتنا وصحفنا ومطبوعاتنا واليها عاد الكثيرون من الرفاق لأرض الوطن (وانا منهم) الذين اضطروا للهجرة خارجه واتخاذ تلك المواقع منطلقا لأعادة بناء الحزب في عمق الوطن..

اما السبب في فشلها هو الدكتاتورية الفاشية التي بعد فشل حروبها الخارجية العبثية، وجهت بطشها وماكنتها الحربية بما فيها الكيمياوية الى ابناء شعبها وقواه المسلحة.. اما من يعزي الفشل لقصور ذاتي للحركة فيجانب الصواب. ولابد من التأكيد الى ان الحزب اصدر وثيقة تقييم للحركة وافلامنا اشارت الى سلبيات رافقت الحركة. نعم كانت هناك نواقص واعتقد توفرت عندنا الشجاعة للاعتراف بها ومن يشاهد فيلمينا "سنوات الجمر والرماد " و" نصيرات" سيدرك ذلك.

 

في الاخير لابد من سؤال تقليدي ربما، ما هي مشاريعك الاتية؟ وهل تفكر بالتعاون مع جهة ثقافية بريطانية او عراقية لانجاز مشروع فيلم وثائقي او روائي؟

- الآتي في الغيب دائما لأننا ندرك ان مشاريعنا لا تتحقق نتيجة رغبتنا فقط.. ينبغي ان تتوفر مستلزمات انتاجية كبيرة هي ليست في متناول يدنا.. لا أعول على جهات بذاتهاعراقية كانت ام بريطانية.. لأنها جميعا لديها اجنداتها وشروطها والتي في الغالب لا تتلائم مع تفكيري. طبعا هناك مشاريع كثيرة أغلبها مؤجلة، منها وثائقية تم تصوير بعضها فعلا وهي تنتظر الأعمال التقنية وهي برسم الحصول على تمويل لإكمالها.. اما العمل الروائي فهو ما أطمح اليه فقد جئت الى السينما من المسرح ومارستها بعد انهاء دراستي العليا باختصاص محدد هو الأخراج السينمائي – الفيلم الروائي.

maymon harashهو أنيق في مظهره، ودقيق في حواراته؛ لقَصه نكهة تشي بأن الريادة لم تكن يوماً مما يورث، بل هي من صلب جبال عالية وعرة، يضع اليدَ على نتوئها من يؤمن بالموهبة، ويتسلح بالقراءة، ويصون نفسه بالكتابة المستمرة..

ينحدر من " ميضار"، من جبال الخير، والماء، والخضرة..ولعل لهذا الجمال دوراً ما في صقل موهبة صاعدة..حاز جوائز أدبية كثيرة استحقها عن جدارة..

         هو شاب يخطو بثقة..

         إنه قادم.. ليقص لكم ..

مرحباً بك سي يونس البوتكمانتي في " العرين"..

 

س - موهبتك لافتة، هلا حدثتنا عن ميضار، وعن المحطات التي ساهمت في بداياتك؟

ج- شكرا لك سي ميمون ألف شكر وشكر وزيادة..

ميضار، القرية الصغيرة، تسكنني ويسكنني ثراها منذ الصغر.. لست أتوقع أن أشفى من فيروس حبها. من أهم الأمور التي جعلتني أكتب؛ الوحدة والتأمل.. هما أمران جعلاني أكتب السرد رغماً عني.. ربما كان ذلك ملء فراغ لم أجد شيئاً أفضل من الكتابة لأملأه به.. أو ربما محاولة لاسترجاع ما فاتني أن أقوله..

 

س- أنت عاشق للقصة القصيرة.. كيف نما حبها في وصالك؟

ج- كنت من قبل أقرأ الشعر الأمازيغي وأستمع له، وأقرأ الشعر والسرد العربيين.. خصوصاً أحمد مطر ومحمود درويش وسميح القاسم والشعر الجاهلي والأموي والعباسي، هذا فيما يخص الشعر .. وكنت أقرأ قصصاً ورواياتٍ خصوصاً لمحمد شكري ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، وآخرين..من خلال تلك القراءات، كنت أجد نفسي قادراً على كتابة السرد بالعربية أكثر مما كنت قادراً على نظم الشعر وكتابته.. أنا أستمتع حين أسرد..

 

س - التقيتُ بك أكثر من مرة في ملتقيات أدبية كثيرة، راقني هدوؤُك..

لكن حين يأتي دورك " تنتفض" قصاً مخملياً، فتصيب هوىً في نفوس المستمعين..هذه طريقة الموهوبين الجادين ..سؤالي "كيف يكون لصمتك المؤقت كل هذه السلطة على الاستمالة؟

ج- في حياتي الشخصية، أميل إلى الصمت حين أكون في مواقف معينة، لن أتحدث عنها بتفصيل، لكنني سرعان ما أخرج من قمقم صمتي حين أرى أمامي الفرصة المناسبة.. والفرصة هنا تعني الزمن والمكان والموضوع والأشخاص .. ربما يتشابه هذا بذاك..

 

س- نلت جوائز أدبية كثيرة، منها حيازتك الرتبة الثانية في مسابقة أدبية بفاس.. حدثنا عنها؟ وماذا أضافت لك؟

ج- جائزة الملتقى الوطني الحادي عشر للقصة القصيرة بفاس لم تكن آخر الجوائز، بل كانت أولها "أبريل 2013".. بعدها حصلت على جائزة أحمد بوزفور للقصة القصيرة ضمن فعاليات المهرجان الوطني التاسع للقصة القصيرة المقام بمشرع بلقصيري "ماي 2013".. بعدها جاءت جائزة لقاء أولاد تايمة للأدباء الشباب، أولاد تايمة، إقليم تارودانت "ماي 2014".. آخرها كانت جائزة التكية الأدبية بمصر "أبريل 2015".. جائزة فاس كانت الانطلاقة، كانت الوقود الذي تزودت به لأمضي إلى الأمام.. أشكرهم من الأعماق..

 

س- ما هي الموضوعات التي تستثيرك؟ وهل لوقت الكتابة عنها طقس ما؟

ج- أهم ما يعجبني تناوله كمواضيع في كتاباتي ما يتعلق بالواقع المعيش والتراث والتاريخ.. ليست ثمة طقوس محددة عدا احتساء الشاي أو القهوة "الدكة !!!" أحياناً أكتب أكثر وأفضل حين يكون مزاجي خاسراً نوعا ما.. !!!

 

س- لماذا تأخر نشر أعمالك؟ .. ما الأسباب؟

ج- بصراحة، أؤمن بفكرة مؤداها أن ما يجب أن يُنشر يجب أن يستحق النشر.. حين ينشر الكاتب على حسابه وبمحض إرادته يكون سيداً بالنسبة لدار الطبع أو النشر، إذ لا يمكن أن يناقشوا جودة العمل.. هذا يجعل الأعمال المنشورة تشوبها الكثير من النقائص، بل أحياناً لا يمكن أن تسمى أعمالا قصصية أو روائية.. لست أريد أن أنضاف إلى طابور الرداءة.. هنا، بالتأكيد لا أعمم.. ثمة الكثير من الأعمال المنشورة تستحق النشر، إلا أن هناك الكثير أيضاً من زبد الكتابة الإبداعية.. ربما سأنشر مستقبلا على حسابي أوحساب مؤسسة تتبنى أعمالي..

 

س- حسب قراءاتي لك لم تقرب لحد الآن القصة القصيرة جداً..هل هذا موقف؟

ج- لا، بل اقتربت في بداياتي، لكنني حاولت محاولات محسوبة على رؤوس الأصابع، فلم أجد ذاتي في كتابة القصة القصيرة جداً.. عموما أميل إلى السرد الطويل..

 

س- نفسك الطويل في الحكي واضح ولافت،ولا يختلف حوله قارئان..هل تفكر في أن تقترف كتابة " الرواية"/ هذه المرأة المدللة..؟

ج- لست أفكر فقط، بل كتبت رواية وأنهيتها، وقد انضافت إلى مخطوطاتي.. ولدي مشاريع روائية أخرى سأشرع في كتابتها متى ما أتيحت لي الظروف المناسبة.

 

س- لمن تقرأ من مشاهير السرد عرباً، وغيرهم؟

ج- أقرأ للكثير، ليس تباهياً، بل حقيقة. أذكر منهم: عبد الرحمن منيف، جبرا إبراهيم جبرا، غسان كنفاني، واسيني الأعرج، الطاهر وطار، بدرية بشر، إبراهيم نصر الله، نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، المنفلوطي، جابرييل غارسيا ماركيز، ارنست همنجواي، فرجينيا وولف، تشارلز ديكنز، شكسبير، فتزجرلد، كافكا، نيكولاي غوغول، دوستوفسكي....

 

س- ولمن تقرأ من كتاب السرد في المغرب، وفي الجهة الشرقية خاصة؟

محمد شكري، محمد زفزاف، أحمد بوزفور، محمد برادة، يوسف فاضل، عبد الرحيم لحبيبي، اسماعيل غزالي، جمال الدين الخضيري، علي ازحاف، ميمون حرش، محمد العتروس...

 

س- ما ذا تعني لك : الموهبة – الكتابة ؟

- الموهبة: أمر لا بد أن يتوفر في الشخص من أجل أن ينجح في أي مجال، شريطة أن يصقل ذلك بالتجربة..

- الكتابة: من أجمل وأفضل ما يمكن أن يقول عبرها الشخص ما يحب وما لا يحب، وما لا يستطيع أن يقول في مواقف كثيرة..

 

س- ماذا تقول في:

- "توأمك" محمد غراسي: صديق مقرب جداً في منزلة أخ عزيز..

- " القصة القصيرة جداً: لا أكتبها، لكنني أقرأها، وأستمتع بها خصوصاً حين تكون من صناعة أقلام جيدة..

 

س- وكلمة أخيرة من فضلك .

ج- أشكرك بلا حدود، وأقول: أتمنى أن أكون فعلا أسداً ما دمتُ في عرين !!!

 

حاوره : ميمون حِــرْش

 

mohamad almazoz- هل تمكن العرب القدماء من صوغ ترسانة مفهومية قوية تخص

"علم الجمال عند العرب"؟

تعددت الأصوات التي تنفي عن النظر الجمالي في الفكر العربي القديم صفة الاتساق العلمي، رغم ما تمدنا به المتون التراثية العربية من مفاهيم تتصل بشكل وثيق بالنظر الجمالي العربي القديم، والتي تؤطر هذا النظر الفلسفي الجمالي كفكر متسق. إلا أن الاقتناع بوجود علم عربي للجمال دفع بالباحث الدكتور محمد المعزوز إلى تناول الموضوع ومحاولة إثبات طرحه، وذلك من خلال حفره واستقصاءه في الفكر العربي القديم. فأتبث أن هذا الفكر يشتمل في مضانه نظرا جماليا متسقا ومتبنينا من خلال شبكة اصطلاحية ومفاهيمية متفرقة على قطاعات معرفية متنوعة، تصح أن تجعل من النظر في الموضوع الجمالي العربي القديم علما قائما على مفاهيم واستشكالات اطر وحية. إلا أن ما ينقصه في اعتقاده هو غياب وضع صنافي يؤطر أسسها الموضوعية لتبيين الشرعية العلمية للموضوع.

إذن، من خلال هذا الطرح المتسم بالجرأة العلمية والمحفوف بمخاطر التأويل والإسقاط، حاورنا الباحث كي يضيء أكثر طروحاته وأدلته في هذا الشأن.

 

س: تقف خلف كل تفكير واع أهداف ودوافع منها المعلنات والمضمرات، فما هي في نظركم المنطلقات الاستشكالية التي أسست لاشتغالكم في موضوع"علم الجمال في الفكر العربي القديم"؟

ج: بالتأكيد، يعد موضوع علم الجمال في الفكر العربي القديم منه أو الحديث مثار انشغالاتي المركزية في نطاق اختياراتي العلمية، ولما ظل الموضوع غفلا في الدراسات المعاصرة لأسباب كثيرة، منها التسليم بعدم وجود علم للجمال عند العرب؛ انتهضت بالنظر في النص القديم قصد الإنصات إليه وتمحيص متونه للتثبت من مدى صدق الدعاوى العادمة لحق العرب في هذا العلم. وبتجوالي عبر النصوص الفقهية والكلامية والفلسفية والنصوص النقدية تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن العرب القدماء صاغوا الشبكة الاستقوائية على استحصاد القوانين التي بها تصح أن تكون أنظارهم في موضوع الجمال علما قائما على مفاهيم واستشكالات اطر وحية.

 

س: بالفعل، من خلال إطلاعنا على كتابكم" علم الجمال في الفكر العربي القديم" وجدناكم قد مارستم حفرا أقرب إلى الإنصات الإبستيمي للنص القديم وبخاصة النص النظري، فما هي الأقطاب الممثلة لهذه النصوص؟ وما طبيعة الخيط الناظم لتعددها وتنوعها؟

ج: بخصوص الأقطاب الممثلة لهذه النصوص، فإنها تمثلت في كتابات "الكندي" و"الفارابي"و"ابن سينا" و"أبي بكر الرازي" و" ابن مسكويه" و"إخوان الصفا" وغيرهم...

فمثلا نجد أن "الكندي" استطاع من خلال رسائله في الموسيقى أن يضع القوانين التي ينتظم عليها هذا العلم، وقد كان سباقا إلى تحديد النوتات الموسيقية عبر تسميات حروفية (أ.ب.د...)، كما تمكن "الفارابي" من خلال كتابه القوي" كتاب الموسيقى الكبير" أن يتحدث عن الأسس النظرية والعلمية لعلم الموسيقى بتصيغ مفاهيم دقيقة وسياقات وظيفية في بناء المفهوم وتفجيره من داخل ما اعتبره نظرا في هذا العلم، بل تفطن إلى السياقات العروضية في دلالتها على الوزن الشعري والقياسات الإيقاعية في دلالتها على المدى الموسيقي، فليس الوزن العروضي في الشعر هو نفسه الوزن الإيقاعي في الموسيقى. وهكذا نلمح"ابن سينا" يتحدث عن الموسيقى في علاقتها بالسعر وفي علاقتها بالنفس، بل نلحظه في كتابه"النفس" وهو يتحدث عن بعد نظري جمالي قوي يخص الجمالية التشكيلية بتعرضه إلى الألوان وكيفية تركيبها ومزجها وإيقاعاتها المستجلبة للذوق ولحركية الاستجمال البصري. ولم يفته ها هنا الحديث عم المركب البصري باعتباره تحصيلا للوجود والماهية، وبوصفه نظاما وظيفيا مميزا للنفس الإنسانية، وفي نفس السياق نلفيه يتحدث عن الشكل والمادة في اتجاه البحث عن الشيء الذي حدث به الموضوع الجميل، هل هو حادث بالمضارعة الحلولية بينهما أم بفضل هذا عن ذلك؟ فضلا عن ذلك نلحظ"ابن رشد" يتحدث عن الشعر بمنظور جمالي، وليس بلسان"أرسطو" كما يرى البعض، لما اعتبروا آراءه في الشعر مجرد تلخيص ل "فن الشعر". بذلك كانت إضافات "ابن رشد" مجددة في تحليله لمعنى المحاكاة و وظافتها، فليست المحاكاة لديه نقلا بفعل مؤثر طبيعي، وإنما هي إنتاج بفعل مؤثر إبداعي. وأكثر من ذلك لما ننظر إلى "أبي بكر الرازي" وهو يتحدث عن المؤلم والملذ، لا نراه يتحدث من موقع المتفلسف المنقطع عن علية التزواج بين اللذة والإبداع المتجاسرين بمؤثر جمالي، وانما نراه يصوغ المفهوم في علاقته بالحكم والاستجمال والاستقباح وفق متطلبات نظرية، تنظر إلى الكيفيات المولدة لهذا المركب المبهم الموسوم بالالتذاذ بمختلف حدوث معانيه.

أما بخصوص الضيق المفهومي لماهية العلم في سياق الموضوع الجمالي، قد تلحظ أن الإطارات المنطقية والفقهية قد وضعت المداميك الداعمة لبلورة هذه الماهية. ف"الشاطبي" في كتابه"الموافقات" يعتبر الإبداع الجمالي من لواحق العلم وليس من صلبه، كما أن "الفارابي" في كتابه"إحصاء العلوم"، يعتبر الإبداع الجمالي مقتسما ما بين المنطق والحساب، كما اعتبر "إخوان الصفا" الماهية الموسيقية كلية مجتزأة من علم الفلك والنفس والحساب. وعليه كانت ماهية الموضوع الجمالي مجزأة عبر مفاهيم مبنية داخل الفكر العربي القديم، تحتاج إلى وضع صنافي يؤطر أسسها الموضوعية لتبيين الشرعية العلمية للموضوع.

والكتابات الغربية المؤسسة لعلم الجمال ابتداء من " بومغرتن" إلى " شانجوا" مرورا" بكانط" و"هيجل" و " شارل لولا" و" سوريو" و" برجسون" وغيرهم، يسلمون بصعوبة التسليم بعلم دقيق يقربنا من فهم ما يجري بخصوص الحكم واللذة و الاستجمال. وهو تسليم عبر عنه القدماء في أكثر من موقع نظري.

يضاف إلى هذا، كتابات نقاد الأدب الذين استثمروا البناء الفلسفي لسابيقهم لينظروا إلى الواقعة الجمالية نظرا داخليا وليس وصفيا، وهذا ما نكتشفه مع كل من "الجرجاني" و"حازم القرطاجني" و" أبي حيان التوحيدي"، بل أيضا مع الذين تخصصوا في الكتابة الشعرية نفسها مثل" ابن طباطبا العلوي" و" قدامة بن جعفر"، انشغلوا فلسفيا بتحليل الظاهرة الشعرية تحليلا يأخذ بإطارات عموم النظرية الجمالية كما صاغها الفلاسفة العرب.

 

س: نعلم بان أي تفكير عليه أن يخضع إلى عملية انبناء داخل النسق ليتسم بصفة العلمية، وعلبه كيف يمكنكم أن تبرزوا لنا مدى الانبناء النسقي للتفكير الجمالي العربي القديم حتى يتسنى لكم وصفه بالعلم؟

ج: قبل أن أجيبكم لابد وأن أشير إلى أن العلم الجمالي ليس موضوعا دقيقا قائما على حساسية المفهوم وانضباطه، كما هو الشأن عليه في العلوم الحقة. أي انه ليس موضوع تجريبيا مختبريا، وإنما هو موضوع تأملي يحاول بناء موضوعه وتصيد مفاهيمه، لفهم ومعرفة الظاهرة الجمالية في حدود معينة، وهذا ما يقر به المشتغلون في هذا العلم أنفسهم. والعرب القدماء لم يكتبوا اقل مما كتبه الغرب المتخصص، ولم يكونوا اقل عمقا مما تعرض له هؤلاء، ولكنهم لم ينعتوه بالموضوع، ولم يسموه ب"علم الجمال". من هذه الناحية فقط لا يسلم البعض بمعرفة العرب لهذا "العلم".

 

س: في تجميعكم للنظرية الجمالية عند العرب القدماء لاحظنا أنكم انزحتم عن موضوعات الجمال كما وردت عند الغرب، لتبرزوا مفاهيم أخرى مثل الصنعة والصناعة والاعتدال والتناسب أو النسبة وغيرها... كمفاهيم تكون النسق العلمي للحكم الجمالي في الفكر العربي القديم . في نظركم هل نجح هذا العلم خلق توافق بين قوة الفهم والإدراك وملكة التخيل، وبالتالي هل تكاملت في تصوركم الاستيطيقا و المعرفة في هذا الحكم ؟.

ج: ليس يخفى أن المتفلسف العربي كان موسوعيا، وتعرضه لهذه المفاهيم كان بمؤثر موسوعيته، لذلك كان المفهوم في السياق القديم متمحورا على التداخل والتعاضد. فالفلسفي متداخل بالفقهي والكلامي والأدبي.... بل المفهوم القديم نفسه قد انبنى بمحاورته للمفهوم الفلسفي اليوناني. من ثمة، تعد صفة التداخل المركب لبنة مؤسسة للموضوع العربي ومفهومه في علم الجمال، من ها هنا لا نستطيع الفصل بين الاستيطيقي والمعرفي في الفكر العربي القديم، وبه حدثت صعوبة عزل موضوع علم الجمال في هذا الفكر.

 

س: أين يمكن أن نموقع أداتيا وابستيميا علم الجمال الذي عرفه الفكر العربي القديم، والذي أصريتم على تمتعه بتلك الديمومة المتصلة، في مقابل الهيمنة التقنية التي تتدخل في توجيه الحكم الجمالي بخدعها التي تقتطع عناصر من الواقع وتزج بها في مجالها الافتراضي لتصنع لذة تلق وهمية؟

ج: بالرغم من الأبعاد الحداثية للوجود التكنولوجي الغربي في تسريع وتيرة الإنتاج الجمالي، نلفيها لا تخرج عن الأساس التجاري الذي ينمط العواطف، ويعولبها وكأنها سلع معروضة للاتجار، فبروز الآلة الآن قد عطلت حركية المشاعر والعواطف في معانقتها للبدء، للمنبع الوجداني القائم على الإبداع والمعاناة. لذلك لا نرى كتابات في موضوع علم الجمال الآن، تعتمد الآلة كإبداع أساسي باهر، تقام على إثره نظريات تخص الإنسان وملكاته الذوقية. وعليه فالآلة صماء، والإنسان سيل صاخب بالعواطف والعطاءات النبيلة، لأن أساس الإنتاج الجمالي هو تحقيق تواصل إنساني عبر الجميل الأصيل المتوالد من تفاعلا وحركيات العقل و الوجدان كسافات بانية لهوية الإنسان.

 

حاوره: د. شكير فيلالة

      

souzan aounلبنانية الأصل ولدت في بيروت من الكفور قضاء النبطية، كما معظم أجدادها، الذين تركوا القرية واتجهوا إلى المدينة، في أولى بدايات الحرب اللبنانية عاشت قسم من طفولتها في لبنان، سافرت مع أسرتها إلى دولة الأمارات العربية المتحدة، وهناك أكملت دراستها الثانوية .

بدأت أولى محاولاتها الكتابية في تلك الفترة، حيث كتبت أول رواية، وفيها سيناريو وحوار، ولكّم تمنت أن تنهيها وتراها فيلماً أو مسلسلاً فكانت أولى خطواتها التي مكّنتها أن تقف اليوم على درب الكتابة الذي تعشقه وتعتبره زادها في الحياة، أنها أسيرة الحرف والكلمة، هكذا تعبّر عن نفسها

عادت إلى لبنان، تزوجت وأنجبت أولادها الخمسة حفظهم الله تعالى .

توجهت إلى التعليم الديني، لتكون على إلمام بالمسائل الفقهية وواثقة مما تقوم به، فحصلت على شهادتين بدرجة امتياز

عملت كمديرة، مشرِفة، ومُدرّسة دورات قرآنية عدة في لبنان

غادرت لبنان مجدداً بعد أن دمّرت الحروب كل فرصة أو أمل لها بحياة سعيدة في وطنها، فاتجهت نحو أستراليا التي حضنتها ورعتْ مسيرتها الجديدة في كنف أهلها وإخوانها وأختها .

في أستراليا، لم تجلس في البيت، بل تعلّمت وحصلت على عدّة شهادات أكاديمية في التجارة والعلوم المصرفية والمالية عدا عن مشاركاتها في أي نشاط ثقافي تدعى إليه ويكون لها فقرة شعرية أو كلمة، تدعو فيها الجميع لاتخاذ لغة المحبة والتفاهم مبدأ وشعارات تحترم الناس وتتعامل معهم حسب الجنسية الانسانية والمحبة .

انها نبذة مختصرة عن الشاعرة والأديبة اللبنانية سوزان عون، التي كان لنا معها هذا الحوار الرائع والشيّق فتوجهنا اليها بالسؤال التالي ليكون بداية لمشوارنا الحواري:

 

هناك كم كبير من التراث الأدبي والثقافي لدى المجتمع العربي في عصرنا الحاضر،-1 وكتاب وأدباء ومثقفون في تزايد مستمر وفي المقابل هناك تراجع لدى الشباب العربي في مطالعة هذا الكم من التراث مما أدى إلى وجود جيل ليست لديه الرغبة في التواصل مع القراءة، إن كان هذا الكلام صحيحا، برأيكم ماهي الأسباب، وهل عجز المثقف والأديب العربي في الوصول إلى طرح مواضيع أدبية وثقافية بأسلوب عصري مشوق تتناسب وعقلية الشباب واجتذابهم، أم العكس ؟وهل سعى المثقف العربي إلى إيجاد منهاج واضح لكسر حاجز ذلك التراجع وحث جيل الشباب على شغف المطالعة والتعرف على تراثهم الأدبي والثقافي؟

ج - التراجع لدى الشباب العربي في مطالعة هذا الكم من التراث سببه الظروف السياسية السائدة حاليا، وتعدد وسائل جذب أخرى شغلت الكثير من القراء عن المكتبة والكتاب، منها على سبيل المثال شيوع ظاهرة ثقافة النت وما تنشره من مواد هابطة، مضافاً إلى السببين المذكورين حالة الإحباط التي يعيشها القارئ العربي جراء ما يشاهد من حروب وثورات وفتن، وهي جميعا أسباب قد استنزفت طاقات الشباب وأرواحهم وحياتهم، وحصدت تلك الحروب الكثير من الثقافات والحضارات ودمرتها، ولم يقتصر ذلك على الحجر فقد طال ذلك البشر أولا وبعنف وبطرق وحشية، كبارا وصغارا ومن خيرة الشباب .

ثمة سبب آخر، هو تنامي وتكاثر الطروحات الأدبية العشوائية، واختفاء الثقة بين القارئ والمقروء، وتراجع نسبة الالتزام الإبداعي والثقافة الأدبية الشعرية في النص .

فنجد كل مَنْ هبّ ودبّ يكتب،أوجد ذلك نصوصا خالية من الإبداع الأدبي الفكري، وخصوصا بعد ثورة الأنترنت القوية والفضاء المفتوح وإباحة المحظور وكل ما يخطر على البال للجيل المراهق .

كل تلك العوامل، نفّرت الشباب من القراءة وفي الوقت نفسه قدم الأنترنت تسليات مجانية وفتح للشباب عيونه على الانحراف ودعمَ انحرافه بمواقع تلبّي احتياجات الشاب الفاسد من كل أدوات اللهو والفساد تخاطب غريزة القارئ لا عقله .

لا يوجد عجز كما طرح في السؤال، ولكن الموضوع أخطر من ذلك بكثير، هي حرب مدروسة لإنشاء جيل بعيد عن الفن والثقافة، ويكون أقرب إلى العنف وإدارة الحروب .

ننتظر الأحداث لتهدأ، فما يحدث من تغيّرات في البلاد العربية ومن محاولات للقضاء على الحضارات، وما ينجم عن ذلك من انعكاسات سلبية لها أثرها المخيف ومرعب، وينذر بكوارث أكثر من التراجع الأدبي .

وأجد حاليا جمعيات ثقافية فهمت وأدركت ما يجري، فعملت على إنشاء جمعيات ثقافية أدبية، تعنى بالنشئ الجديد وتمهّد لجيل يعي ما يتهدده من تحديات، تدعم قدراته وتقف بجانبه ليسمع صوته لكل الناس، وهنا أعطي مثالا على ذلك، جمعية حواس ومقرّها لبنان والتي أشغلُ منصب سفيرتها هنا في أستراليا، ورابطة أدباء العالم العربي والمهجر ومقرّها فرنسا والتي أشغل منصب مستشارتها في أستراليا .

هذه الجمعيات تقف كتفاً بكتف لدعم أية موهبة شبابية مغيّبة بشكل من الأشكال، فتعمل الجمعيات على نشر إبداعاتهم وإسماع أصواتهم لكل الناس.

 

2 - الكثير من يوجه اللوم إلى المؤسسات التعليمية في الدول العربية لطرحها الثقافة الأجنبية في قنواتها الدراسية بكثافة وإهمال الأدب العربي أو عدم إدراج مناهج أدبية وثقافية متميزة كافية ترتقي إلى المستوى المطلوب تساعد على أيجاد جيل أكثر تفاعل مع ثقافته العربية، ماقولكم؟

ج - هذا السؤال لا ينطبق على بلادنا العربية، فأنا درست في مدارس لبنانية ومدارس في دولة الإمارات العربية، وكانت كتبنا المدرسية تتحدث عن الحضارة العربية، وعن الشعر ورواده، أما إذا قصدت بعض المدارس التابعة لبلاد أجنبية وتعمل في بلادنا، وتدّرس المناهج الأجنبية، فهنا صار القرار فردياً ونابعاً من الشخص الذي يريد أن ينشئ أولاده على الثقافة الغربية .

ولا أجد ضيراً من تعلم كل الثقافات والإلمام بها ولكن بدون تجاهل حضارتنا العربية الشعريّة الرائعة .

وأنا أطالب دولنا العربية من هنا ومن على هذا المنبر، بمراجعة كل الكتب المدرسية، وإصدار مناهج تحاكي أوجاعنا الحالية وما يجري حولنا من فتن وثورات بائسة وحروب مدمرة ودعوة الجميع ليكون واعياً للهجمة المركزة على الحضارة العربية الأدبية .

التركيز على حثّ التلاميذ للعودة إلى المحبة والسلام والألفة في التعامل في المجتمع بين الأفراد، ونبذ العنصرية الدينية والطائفية وترك محاسبة الناس على معتقداتهم لله سبحان وتعالى وعدم المس بحريات الآخرين أو التعدي على خصوصياتهم وأملاكهم .

القصة الأبلغ من كل ذلك، هي أن الثورات الحالية والتي تقتل باسم الدين والدين منها براء، دمرت الكثير مما كان مطروحا سابقا ونسفته وكان يدّرس في المدارس وعلينا إعادة النظر مجددا وإصدار مناهج جديدة تزنُ الناس بميزان الإنسانية وتحاسبهم حسب

ذلك كما قال إمامنا علي عليه السلام، الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظيرك في الخلق .

 

3 - إلى أي مدى وصلت مكانة الشعر في حياة سوزان عون؟

ج - الشعر هو سوزان وسوزان هي الشعر، فهو حياتي وأنفاسي .

الشعر هو نبض الحياة وأنفاس الحضارات، والحضارات بلا شعراء وفنانين، لا قيمة لها .

الكتابة سمو وارتقاء، وحديث الروح للروح .

واستحضار الماضي بلسان الحاضر، فالشعر هو اللغة الروحية الإنسانية الأممية الخالدة التي يتركها البشر قبل أن يرحلوا وتظل أبد الدهر فكيف سيكون إذن في حياتي أنا بالكتابة

شممتُ عطراً لم أشمّه من قبل ليس له مثيل

وحولي الغيوم البيضاء، ترسم لي في الفضاء أشكالاً وكلمات حب وقصائد أعجبتني إلى أن استمريت في التحديق بها، وأنا أحاول أن أقرأ كل ما تكتب بلا كتابة اشعر كأنني مغيبة

عن الجمال والفن والرسم والنحت والموسيقى .

 

4 - لو قلنا إن الصحافة العربية وبكل قنواتها المتاحة في استراليا – مقصرة ولم تكن حلقة وصل مهمة في نشر مساهماتكم الأدبية والثقافية وإيصالها إلى الآخرين ماهو ردكم، ومن ساهم أكثر بذلك؟

ج - لا أستطيع أن أحمّل الصحافة مسؤوليّة التقصير، فالوضع العام السائد، دفع الكثير من الناس إلى الانشغال بأمور على المحك ومصيريّة رغم أن الشعراء هم لسان أممهم والناطقون الرسميّون لهم والأقوى على نشر الوعي الثقافي والاجتماعي وإسماع العدو والصديق أوجاع أقوامهم .

وهنا أنتهز الفرصة لأشكر كل من وقف بجانبي ودعمني أو آمن بي كشاعرة أو أحب ما أكتب، أشكر والديّ وأولادي،أشكر أيضاً كلّ الأصدقاء على مواقع التواصل وأهمها الفيسبوك، فكل واحد فيهم ترك أثرا طيبا في داخلي وأشكر الصحافة العربية اللبنانية والأسترالية كجريدة التلغراف ورئيس تحريرها الأستاذ أنطوان قزي والأنوار ورئيس تحريرها الأستاذ سايد مخايل وبانوراما ورئيسة تحريرها السيدة وداد فرحان وجريدة العراقية ورئيس تحريرها الأستاذ أحمد الياسري وأشكر والدي الروحي المخضرم الشاعر الأستاذ يحيى السماوي ووالدي الروحي الشاعر المبدع الأستاذ شربل بعيني، وأوجه شكر كبير للباحث الأستاذ ماجد الغرباوي ودعمه لي

ولن أنسى الصديق المميز الملحن الفلسطيني الأستاذ والأخ ياسر عمر

وأعتذر إذا سهوت عن ذكر البعض .

 

5 - بالنسبة إلى قصيدة النثر، يقاطعها البعض ويعتبرها أدب غربي دخيل على الشعر العربي، كيف يكون ذلك؟

ج - نحن نعيش عصر تلاقح الحضارات وتبادل العلوم والمعرفة في زمن أصبح فيه العالم شاشة حاسوب وليس قرية كونيّة، فما المانع من إثراء الأدب العربي بجنس أدبي جديد

أليست الرواية أوربية النشأة وقد استفاد منها الأدب العربي فأصبحت لنا روايتنا العربية التي وصلت مرحلة العالمية فحصدت جائزة نوبل؟

نحن نستورد من الغرب السيكار والحذاء وحتى الحنطة والشعير وليس السيارة والتلفزيون والحاسوب فحسب، فما المانع من الاستفادة من فنونه الإنسانية لإنماء فنوننا العربية؟

الإنسان واحد حتى لو اختلفت الجنسيات والأعراق، لأننا في النهاية نستظل شمسا واحدة

أتمنى على الذين يقفون ضد قصيدة النثر أن يستفيدوا من الدرس المجاني الذي قدمه لنا الزمن عندما شهر حرّاس القصيدة العمودية أصواتهم ضد قصيدة التفعيلة والشعر الحر فتلاشى ضجيج رفضهم وبقيت قصيدة التفعيلة والشعر الحر .

 

6 - عندما نتحدث عن فن كتابة القصة القصيرة، ربما يقع الكاتب في متاهات وتخبط الابتعاد كلياً عن أساس المادة القصصيّة الناجحة، باعتبار أنّ المحادثة والحوار اليومي بين الناس تعتبر جزء فني في القصة، هل لكم رأي آخر؟

ج - القصة تعني القصّ / الحكي.. فالقاص هو حكواتي، غير أن للقصة القصيرة ثوابتها التي تختلف عن الرواية والقصة الطويلة ..

فإذا كانت الرواية تتطلب الإفاضة والإطناب وذكر التفاصيل وما هو ثانوي تبعاً لتعدد الأحداث والشخصيات، فإن القصة القصيرة تتسم بالإيجاز وذكر الجوهري وعدم ذكر الهامشي والثانوي .

 

7 - من المعروف، هناك لغتان إحداهما تسمى لغة رواية وأخرى لغة الرواية الشعرية، كيف يتسنى لنا أن نعرف المشترك والمختلف بينهما، والاثنان يستخدمان الجنس الروائي والتعبيري في الحوار؟

ج - اللغة واحدة، لكن البنية الأسلوبية تختلف، فالرواية الشعرية تعتمد على جمالية اللغة وشعرنة الجملةـ بمعنى تقريب الجملة من الشعر على صعيد البلاغة واستعاراتها المجازية ومخيالها كما في رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، بينما اللغة في الرواية العادية لا تولي أهمية للبلاغة والانزياحات اللغوية، وقد تلجأ أحيانا إلى استخدام اللهجة الشعبية في السرد كما في رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ .

 

8 - ما هو دور المثقف اليوم فيما يجري حاليا في كشف عورات السياسيين وماالحجم الذي تحمّلهُ من أعباء نتيجة لذلك، وما درجة ثقة الجماهير العربية بهذا الدور؟

ج - دور المثقف كدور أيّ مواطن شريف يعيش في بلده أو بالاغتراب وهو دور كبير وحساس، فتراه يهتم بِقيمه ووطنه وشعبه وراحتهم وسعادتهم .

المهم دوره يظل كالشمس التي تنير وتشرق لتكشف أي فساد، ويسلّط الضوء من خلال قصائده على المنابر أو مقالاته المكتوبة على الحقائق والمفاهيم والأصول إن غابت وذلك لايكون الا بإلمامه بالحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وإلا لا يكون مثقفا، بل مردداً لكلمات يحفظها أو ساكتاً على ظلم السلطان وجوره .

فلا يكون المثقف صوتاً لشعبه المظلوم والمهدور حقه، ولا يكون الناطق بأوجاعهم وأحلامهم فيطالب الساسة بها تاريخيا، تحمل المثقف عبئا ثقيلا كلفه حياته أحيانا والتاريخ لا يخلو من حكام ظلمةٍ فتكوا بالمثقفين وقطعوا رؤوسهم وأعدموهم وصلبوهم فيا للأسف طبعا ولولا كلمة المثقف المسموعة والمرئية والمقروءة والخوف منها واحترامها من عامة الناس، لما سمعنا بظلم السياسيين ولا عرفنا ببطشهم والشعب المقهور المسلوب حقه في رفع صوته، ينتظر من يصرخ عنه أو من يطلق شرارة الانتفاضة ليسانده ويدعمه، فكلمة المثقف لا زالت ولله الحمد مسموعة ومحل احترام حتى أيامنا هذه، وهذا من طبيعة الشعب العربي الذي لا زال يستأنس بالشعر وبالشعراء وبالمثقفين ويراهم شعلاً من المحبة تطفئ نار الخائنين وأيادي خير وغيث لمساندة فقراء المجتمع، فيساندهم بحبه لهم وإبداء الاحترام والتقدير.

مما جعل مكانة الشعراء عالية لدى شعوبهم، كمكانة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري في العراق ومكانة محمد مفتاح الفيتوري في السودان، وقبلهما مكانة حافظ إبراهيم في مصر كأمثلة وليس حصرا .

 

9 - المتلّقي العربي يعيشُ أزمة الثّقة بمثقفيهِ بالوقت الراهن بحجة أن أغلبهم ما زال في مرحلة تعتبر بدائية مقارنة بالتقدم الثقافي الذي وصل إليه المثقف الغربي، ويعزون ذلك إلى أمور كثيرة منها توفر الاستقرار والمساندة المباشرة وحرية التعبير في بلدانهم وغيرها، كيف الحل لهذه المشكلة؟

ج - لا أعرف ما المشكلة حقيقة الأمر بالثقافة العربية المجيدة التي شرّفت حضارات وأمماً وعوالم ولا زالت .

المشكلة الحالية هي مشكلة خاصة بالمتلقي العربي، لا نستطيع أن نعمّمها وجعلها مشكلة عامة .

بلادنا العربية والجاليات الاغترابية لا زالت تضخّ مثقفين وفنانين وشعراء وأدباء، فلا أجد أنّ هناك مشكلة كبيرة تستحق هذا الخوف

لولا إنقاص اسم أو نسيانه لكنتُ ذكرتُ لكَ لوائح طويلة عريضة تضم مبدعين من كلّ البلاد العربية والاغترابية ومن الجنسين، رجالاً ونساءً

وأما المشكلة التي ترخي ظلالها حالياً، هي الأزمات السياسية المرّة التي تدمر الأخضر واليابس، وهي مؤمرات عالمية مدفوعة الأجر وأُنفقَ عليها الملايين لتدمير البنى التحتية والثقافية والسياسية والاجتماعية وإحلال الفساد مكانها

ولكن لتلك الثورات أيضا فائدة، فهي محرّضة شعرياً على رأي المتنبي: مصائبُ قوم عند قوم فوائد

ولكي أكونُ أكثر إنصافا ودقّة، إن الأحزان التي زرعتها الحروب في نفوسنا، جعلتنا ننسى أفراحنا ونكتبُ عن النصر والدفاع المقدس ونعيش أوجاع الشعوب، فلا ننسى الأشعار التي كُتبت عن الحشود الشعبية التي انتظمت في صفوف جماهيرية واسعة تطالب بحقوقها وطرد المحتل وتحارب الهجمات الإرهابية الفاشيّة التي فتكت ببلادنا وأرزاقنا

قل لي من فضحَ الرؤساء المرتشين الفاسدين في كل مكان، أليس الشاعر الذي أنهكهُ وجع أهله وأرضه ومشاهدته السرقات الكبيرة التي تنهبها أيد داخلية؟

 

10 - كيف استفاد الأديب العربي من وسائل الاتصال الحديثة كالأنترنت، وإن لم تكن هل لها مساوئ واضحة؟

ج - لكل اختراع، قديم وحديث فوائد إيجابية وسلبية، وكل آلة أو كل جهاز يعتبر سلاحا ذا حدين، كالأنترنت تماما، فلا نستطيع أن ننسى خوف الأجداد والأهل قديما عند اختراع التلفزيون والراديو والكثير من الأجهزة.

والأنترنت حاليا، هو منبر المثقف والشاعر الذي من خلاله يطلّ على المجتمع والناس ويوصل صوته وكلماته لجماهيره

فلولا الأنترنت مثالاً لا حصراً، لمَا عرفتني ولا عرفتك أخي سلام، وحضرتك مقيم في ملبورن وأنا في سدني .

إذن استخدام الأنترنت بطرق صحيحة، يربط العالم أجمع ببعضهِ ويكون فعلا قرية واحدة

إذن للأنترنت حسنات جمّة إذا أحسنّا استخدامه

أما مساوئه، فحدّث ولا حرج، كالسكين تماما بيد الأحمق، لا نعرف أين سيغرزها

تَرك الأطفال يقلّبون بالأجهزة الحديثة من حواسيب وأجهزة محمولة (موبايلات) بدون رقابة، حتماً سيؤسس جيلاً خرِبا، اطلّع على أمور أكبر من عمره وأصبح مدمناً عليها، وأصبح خطراً حقيقياً على أيّ مجتمع يعيش فيه ولن تردعه أي قيم سلوكيّة أو دينية

علينا الوعي واستدراك حلول تناسب هذه المرحلة الجديدة ولا نعتمد على ما سلف

هنا أرفع صوتي عسى أن يصل لكل أسرة ولكل أم وأب، وأقول; ليس المهم أن نُنجبُ أطفالاً المهم أن نحافظ عليهم ونربيهم تربية صحيحة نظيفة وطاهرة .

 

11 - ما أهمية قيام مهرجانات للأدباء والكتّاب العرب؟ وبصراحة، هل لديك قناعة كافية بالدور الذي يلعبه الأديب العربي بكل هذه الأمور، وهل هي كافية وتلبّي طموحات المثقف العربي على مستوى الساحة الاسترالية ؟

ج - المهرجانات واللقاءات والمحاضرات تُعزّز العمل الثقافي وتعمل على نشره وبث روح التنافس الشريف بين المبدعين، وتخلق جوا يسوده الفن والإبداع وهذا ما يحتاجه كل منّا، فلولا تلك الاحتفالات، لانحسر الحس الفني الموجود داخل النفس البشرية، فمن خلال تلك الاحتفالات ينفّس المبدع عن ما يجول في باله وينشر أمام الملإ آخر إبداعاته ..

كما أن للمهرجانات فائدة مهمة للأديب ذاته لأنه تجمعه بزملائه الأدباء المتباعدين جغرافيا .

عندي إيمان قوي بالدور الذي يلعبه المثقف في المجتمع، ولولا هذا الدور لمْ تكلف حضرتك عناء إرسال هذا الحوار الجميل لأجيب عليه وتنشره حضرتك لاحقا في جريدة بانوراما ويقرؤه الآخرون .

لولا الدور المهم الذي يلعبه المثقف العربي لمَا وجدت ما أكتبه عن حراكه المهم والمميز في إشعال فتيل الانتفاضات بين الأمم .

أما على مستوى الساحة الأسترالية، فنحتاج لهذا الحراك الثقافي الإبداعي جداً وكثيرا، فهو الجسر الذي يربطنا باللغة الأم ولولاه لمات الحرف واختنق اللون وضاعت المعاني الجميلة .

وأيضا على المستوى الأسترالي، أكيد، إذا نظرنا حولنا جيدا، أكيد سنراهم ونسمع بهم .

هناك نتاجات عربية اغترابية أسترالية، ولكن قلّة الاهتمام بنشاطاتهم وتسليط الضوء عليهم، يشعرهم بالخذلان والضعف، فيسكتون عن وجع ..

يجب الاهتمام بكل مبدع مغترب في أستراليا، وإنشاء رابطة ثقافية لها وزنها وحضورها القوي وعلى مستوى كافة الولايات الأسترالية، تعمل على زيارة كل ولاية على حدة وتسجيل أسماء المبدعين فيها وما قاموا به وأنتجوه .

وهنا أود أن أنوّه بالخطوة النوعية التي قامت بها الأخت الدكتورة بهية أبو حمد بإيعاز من الشاعر المخضرم شربل بعيني في إنشاء مكتبة تضم كل الإنجازات العربية وتوضع هذه المكتبة في القنصليات العربية لحفظ النتاج العربي الاغترابي .

ويكفينا فخراً نحن في أستراليا وجود القامة العراقية المخضرم الأستاذ يحيى السماوي، الذي أجده مدرسة إنسانية نتعلم منها كل يوم ونتشرف بمعاصرتنا له .

والقامة اللبنانية الشاعر المبدع الأستاذ شربل بعيني، والشاعر الإعلامي القدير أنطوان قزي وهناك الكثير الكثير، لهم منّي كل الاحترام والتقدير .

وستقوم رابطة البياتي مشكورة بتكريمهم في يوم 22 وتوزيع الشهادات التقديرية تشجيعا لهم وإسماع العالم أصواتهم .

ومن هنا أدعو الجميع إلى حضور هذا الحفل الثقافي المبهر والمشاركة فيه دعماً للإبداع والفن والثقافة .

وهناك معرض للفنون التشكيلية في يوم 12،يشترك فيه الفنان العراقي حيدر عباس في سيدني، وهو معرض يشرّف كل فنان ووجود هكذا إبداع مميز وبهذه الجودة والإتقان .

 

12 - لأنهم لا زالوا يظنون ويعتبرونه مجرد أدب في طريقه نحو التطورمتى يعترف أدباء الغرب بالأدباء العرب المعاصرين؟

ج - لا يا أخي، الغرب عرف قيمة أدبنا العربي منذ عقود كثيرة، وبعض كبار الأدباء الغربيين تأثروا بالأدب العربي كالشاعر الإيطالي الكبير دانتي في ملحمته الكوميديا الإلهية وتأثرها برسالة الغفران لأبي العلاء المعري حسب رأي كثير من النقاد العرب والأجانب، كذلك نلاحظ الحضور الكبير لجبران خليل جبران في المشهد الأدبي الأمريكي، ولنا في حيازة نجيب محفوظ على جائزة نوبل، والطيب صالح الذي عدّتْ روايته " موسم الهجرة إلى الشمال " من بين أفضل مئة رواية في العالم

 

13 - عربياً برأيكم هل هناك أزمة في الشعر أم في الشعراء؟

ج - هنا ليس الشعر وحده في أزمة، فالواقع العربي يعيش أزمات في السياسة والاقتصاد والتنمية وفي كل مناحي الحياةـ وجميع هذه الأزمات هي انعكاس للأزمة الكبرى: الفساد السياسي .

 

14 - ليلى حتى الرمق الأخير، هو عنوان لمجموعتكم الشعريّة التي صدرت مؤخرا بالتعاون مع مؤسسة المثقف في سيدني، بما تميّزت من خصائص؟

ج - أعتبرُ مجموعتي الشعريّة ليلى حتى الرمق الأخير، هدية ثمينة في حياتي، لأنها تحتوي على خلاصة تجربتي كامرأة تحدّت كل الظروف لتُسمِع صوتها للعالم، وتتحدى النظرة السائدة حول المرأة ولأضع أسس جديدة في حياتي، وأكون جديرة بالحياة فأترك بصمتي الخاصة بي قبل رحيلي .

وهذا ما قاله الشاعر المبدع الأستاذ شربل بعيني عن المجموعة الشعريّة ...

((عندما طلبتْ مني الأختُ الشاعرة سوزان عون أن أتكلّمَ في ندوة توقيع ديوانها الجديد "ليلى حتى الرمَقِ الأخير"، وافقتُ دونَ تردّدٍ، كيفَ لا، ونحنُ بأشدّ الحاجةِ إلى أدبٍ أُنثَويٍ في غربتِنا هذه .

لذلك اسمحوا لي أن أسلّطَ الضوءَ، بشكل سريع، على التمدّد الشعري عند سوزان عون

والتمدّدُ الشعري هو أن لا تبقى في مكانِكَ كشاعر القبيلةِ، أو أن تتقوقعَ في حزبيةٍ ضيقةِ، أو طائفيةٍ بغيضة هو أن تضمَّ الجميعَ تحت جناحيكَ، وتشعِرَهم بدفء إنسانيتكَ، لتبلُغَ العالميةَ، ومجنونٌ من يعتقدُ أن العالميةَ هي الكتابةُ بلغةٍ أجنبية

لا وألف لا، العالميةُ هي أن تُبدعَ بلغتك أنت، لأن الكونَ كلَّه، تحوّلَ إلى قريةٍ صغيرة، بوجود الأنترنت .

سوزان عون كما تَروْن، شاعرةٌ مؤمنةٌ مسلمةٌ محجبةٌ، ومع ذلك تمدّدت في أشعارها، وسطعتْ بإنسانيتها كشمس قريتها الكفور في قضاء النبطية، ورفضتْ أن تكونَ شاعرةَ القبيلة .

وها هي تفكّ أغلالَ المرأة العربية المهمّشة وتتمددُ نحو الحب بجرأة بالغة :

"اسمع أيّها الآدميّ ..

أنا شوكةٌ داميةٌ في خاصرةِ الحَصادِ،

أبرعُ كما نسائمُ الساكنينَ على رِمشكَ ..

متوردةٌ أنا، في حُشاشةِ الصّبا،

يقتبسُ منّي كلُّ المجادلينَ في أزليةِ الحبّ

فيُخْفِقُونَ، وأنتصر أنا ..

أنتصرُ أنا " .

ولم تكتفِ بذلك بل راحتْ تهدّدُه بإغرائها الأنثويِّ العاري من الأوراق :

سأغرزُ إغرائي فيكَ

بكلّ ما أوتيتُ من أنوثةٍ

وأتقلّبُ بينَ ناظريكَ

كهاربةٍ مجرّدةِ من أوراقي " .

إلى أن تبلُغَ ذُروةَ التحدي في هذا المقطعِ المثيرِ الرائع :

"حبّاتُ الكرزِ تلك، ما أينعَ مجدُها بعد

ولن تعصُرَ لكَ نبيذاً، سَلْني أنا

. أنا ليلى حتى الرَّمَقِ الأخير"

واللهِ، والله.. هذا هو الأدبُ الأنثويُ الجميلُ .

                   **

سوزان عون التي تنقلّت بين البلدان إلى أن حطّتِ الرحالَ بيننا، تأبى إلا أن تغرُفَ من التراث الفرعوني المصري هذه الصورةَ الجميلة :

"يحنّطُ الذكرى كمومياءٍ لئلاّ تموتَ

ويحفظُها في هرمِ القلبِ زخرفاتٍ أبديّة"

كما أنها أهدتِ العراقَ "قرابينَ عِشقها"، وتكحّلت بترابه :

أنا من تُربَةٍ سقاها حُلُمُ الصبا،

خطّ على جبينِها اسمي،

فتكحلتُ كعروس الفرات الخصيب " .

أما التمددُ الأجمل فكان مسيحياً صرفاً، وهذا ليسَ بغريبٍ على شرفاءِ الكلمةِ، فلنسمعْها تصرخُ :

أحلمُ بأجراسِ مدينتي

تَقرعُ في ليالي اللقاء،

تَرفعُ الغربةَ عن صدرٍ متعطّشٍ لحضنِ الوطن " .

وصدقوني إن لم نحلمْ حُلمَ سوزان عون في هذا الزمن التعيس، القاتل، ونبتهجْ لسماعِ الأجراسِ والآذانِ معاً، سيضرِبُنا الله بصمم قد لا تحسدُنا عليه الصخور .

ولكي تُثبتَ القولَ بالفعلِ بدأتْ باتبّاع آثارِ القديسينَ :

"كسَرَتِ الرسلُ كلَّ أصنامِ الجمودِ

وتبِعْتُ أنا آثارَ القدّيسين "

وفي نفس الوقت راح "هديرٌ سماوي لقداس في معبد" يحوّلها إلى "أيقونة من زمن أمي حواء " .

الآن بدأت أفهمُ لماذا عجائبُ القديس شربل تشفي المسلمين أكثر من المسيحيين

تصفُ سوزان عون نفسَها بـ"الغيمةِ الغافيةِ على بساطٍ من وجع"، وأنا أصفُها بالغيمة المباركةِ التي أمطرتْ من وجعِها فرحاً، بدأنا نتنعّمُ به في غربتنا هذه . وشكرا

الشاعر شربل بعيني

رئيس تحرير الغربة

 

15 - هل من نتاج أدبي جديد في الأيام القليلة القادمة؟

ج - حتماً، فأنا أحضّر لمجموعة شعريّة ثالثة ستكون خطوة جديدة لي وبأسلوب شيّق

لن أتحدّث عنها الآن، لكيلا أفقد العمل رونقه .

 

ألشاعرة ألمتألقة سوزان عون شكرا لك وللصراحة ألواضحة أتمنى لك ألمزيد من ألألق ألمتعال وألأبداع ألمستمر.

أودّ أنْ أشكر حضرتك أستاذ سلام السماوي على هذا الحوار الغني والشيّق معاً .

دمتم للإبداع ولأهله صوت حق صدّاح .

 

حوار : سلام البهية السماوي - ملبورن

 

maymon harashحين يُسأل عن عمره يحب أن يسمع من قرائه الكثيرين "كم عشتَ منه للمسرح؟"..سكنه المسرح، وهب له نفسه، وكرس له كل طاقاتِه، فأبان عن ممثل بارع، وكاتب رصين، يُقنع كلما نطق بصوته الجهوري، ويحصد الإعجاب وهو فوق الركح .. حتى كتاباته في الرواية، والقصة القصيرة، والقصة القصير جداً، وفي الشعر لم تسلم من " أثر المسرح" فيها..

نفَسه في الكتابة طويل، يعشق الحرف المخملي، ينتقيه، و يصفيه، ثم به يبدع في الرواية، والشعر، والقصة..لا يمكن أن تعرفه دون أن تحبه.. هو مثل " بطل روائي" يعيش في المخيلة، يحيى بين الناس، يتكلم بلسانهم، ويعيش حيواتهم في الزقاق، كما في القصور، يتأبط قضاياهم، ويتحدث بلسانهم فيفرح لفرحهم، ويأسى لترحهم..

أصدر في الرواية " غادة العامرية"، وفي الشعر الزجلي " خويا العربي"، و"لميمة"، و"جذبة المداح"، وفي القصة القصيرة جداً " رسم بريشة القمر"، و"من الهدهد إلى الحكيم"، و" عشتار والقمر"، وفي المسرح له "عودة أريز"، و" صهيل الجياد الريفية"..

أهلا بك أستاذ مولاي في "العرين"..

 

س- حدثنا عن طفولتكم؟.. لن نعدم فيها محطات تنبئ بما أنت عليه الآن من شهرة؟

ج- ألف شكر على استضافتكم لشخصي المتواضع وبارك الله فيكم، وأنتم بفعلكم هذا تكرمون الأدباء والكتاب، وأقول مستعينا بالله :

ولدت ببيت العائلة من أبوين صحراويين وتربيت بين أحضان جدي وكان ضريراً رحمه الله وفقيها وإماما ومؤذنا ومجودا لكتاب الله، وكان حلم والديّ رحمهما الله أن آخذ العلم وأحفظ القرآن من جدي وفي سن السادسة كنت أحفظ نصفه أو يزيد قليلا عن ظهر قلب، مع ابن عاشر والبردة وكثير من الأحاديث، إلى أن توفي جدي والتحقت بالمدرسة النظامية التي لم آخذ منها شيئاً وقد أثرت في الوفاة، وكنت كسولا وأذكر أنني حصلت على الشهادة الابتدائية من مدرسة القرآن الكريم الحرة بمدينة وجدة وأنا كبير في السن وكنت محظوظا إذ انتشلني أستاذي رحمه الله محمد اليوسفي الورطاسي من براثن الجهل وظلمته، وأدخلني المسرح والتمثيل الإذاعي فتعلمت منه "وقد كان فقيها وفناناً ومسمعاً وممثلا ًجيداً ومطرباً يصدح بصوته العذب"، وفي ظرف وجيز أصبحت أفرق بين الناسخ الفعلي والناسخ الحرفي، و أقرض الشعر وأجيد الوقوف على الخشبة (هههه)..

 

س- المسرح سَكنَ منكم القلب والأهداب.. ما قصتكم مع هذا الفن الراقي؟

ج-المسرح كياني أعشقه وأحب رجالاته ونسائه، وله أفضال علي يؤثر في نفسي أن أرى الركح ولا أقف عليه، رحم الله من علمني ممن انتقلوا إلى الرفيق الأعلى وأطال الله في عمر من لا زلوا على قيد الحياة وأذكر على سبيل المثال، لا الحصر، الكاتب المسرحي الأستاذ محمد مسكين رحمه الله والمخرج المبدع يحيي بودلال، أطال الله في عمره، والأستاذ الدكتور حسن الأمراني، والدكتور محمد بنعماره رحمه الله، والأستاذ الدكتور عبد لكريم برشيد، والمخرج بنيونس الطاهر، والفنان محمد اليوسفي رحمه الله، والأستاذ الكاتب والمخرج محمد بلهيسي، والأستاذ الدكتور مصطفى الرمضاني، والدرماتورج يحيى العزاوي، والفنان بنيونس صديق، والممثل محمد بنقدور، والمخرج يوسف بلعيد والأستاذ الممثل محمد بنجدي، وأسماء أخرى كثيرة، قد نذكرها حين يتسع المجال لذلك .

 

س- تحرص دائماً على أن يتصدر أعمالَك الإبداعية تقديم ٌ من بعض الكتاب الذين لهم حظوة في مجال النقد..هل يضير العمل لو خلا من التقديم؟ ثم ماذا تضيف لك هذه التقديمات؟

ج- بالعكس إن التقديم من طرف المتمرسين هو بمثابة "سكانير" كشف أجريه على كتاباتي، فأشخص الحرف والمعنى وقد وجدت في إخواننا النقاد كل الاهتمام بما أكتب، "بارك الله فيهم" وما يضيفه التقديم لكتاباتي هو أولاً : وضع شخصي على المحك.. ثانياً الاستفادة من نصائح وإرشادات الأساتذة والباحثين والمهتمين؛ وأسألك "بعد إذنك" هل تستغني عن الطبيب حتى وإن كانت العلة صداعاً بسيطاً ؟ أو أن تسوق سيارتك من غير أن تتأكد من وجود رخصة السياقة والأوراق اللازمة معك ؟

 

س- المفهوم الجديد للبطولة حسب عبد الرحمان منيف في الرواية هو ألا يتوقف" البطل"، أكثر مما يحتمله المشهد، أو الحالة، وعلى الشخصيات الأخرى أن تشبه مياه النهر، بحيث تتعاقب في الرواية، وتواصل مشوار الحياة/ مشوار الرواية؛"غادة" بطلة من هذا النوع، تحتفل بالبطل الفرد، هي شخصية كاسحة في روايتك " غادة العامرية" لا تفسح المجال للشخصيات الأخرى لتواصل المشوار.. هل من تفسير لهذا الاختيار؟..

ج-غادة العامرية في الرواية بطلة تجسد واقعها، وأحداث الرواية، ثم راوية لما عايشته في رحلتها القسرية، فتحكي عن أشخاص مختلفين، وفي كل فصل من فصول الرواية تجد بطلا أو بطلين، وهذا المنحى الأدبي في الرواية هو ما راهنت عليه فأوهم القارئ أن غادة هي البطلة بينما في القراءة الثانية للقارئ سيكتشف أن أبطال غادة العامرية كثيرون، فأدعوك أستاذي الجليل إلى قراءة ثانية لها وأنا متأكد من اكتشافك للبطل الأول في القصة ودوره المهم وهو القارئ الجيد ..

 

س- ثم إن "غادة" هي شخصية سورية، لكن الحوار الذي تجريه على لسانها هو مغربي نطقاً، وكتابة.. هذا تناقض .. كيف تفسر هذا المسعى؟

ج- بل بالعكس هو انسجام تام مع روح النص فغادة العامرية هي إنسانة مثقفة وعلى درجة عالية من العلم وطبيبة وتجيد لغات مختلفة، ثم إن المؤلف هو أيضاً ينهل من معين اللغة فكان التواصل بينهما بلسان عربي مبين، وإذا سلمنا بوجود بعض اللهجات العامية بداخل النص فغادة عبرت أكثر من بلد في رحلتها فلابد من أن ترسخ في ذهنها مصطلحات لسانية سواء أردنية أم مصرية أم ليبية أم جزائرية أم افريقية أم مغربية خاصة وأن إقامتها بالمغرب كانت أكثر من سنة.

 

س- مسألة أخرى أستاذ، هل قضايانا بهذا المَحل، أقصد ألا تستحق موضوعات مغربية قريبة منك أن تكتب عنها.. لماذا تشيط بعيداً..لماذا غادة العامرية السورية، وليس فلانة أو علانة المغربية؟

ج- سأكون مجانباً للصواب إذا لم أوثق لما جرى من أحداث الربيع العربي وآثاره، سلبياته وإيجابياته ورواية غادة "سبق أدبي"، بعد جيل آو أقل سيعتبرها من سيأتي بعدنا وثيقة مجسدة لأحداث واقعية، أما الجزء الثاني من السؤال وهو الأهم في نظري والذي يجب أن نقف عنده، فإن أغلب كتاباتي عن الوطن واقعه وتاريخه ورجالاته، كتبت مجموعة مسرحية "صهيل الجياد" وجسدت فيها ملحمة البطل المجاهد الشريف سيدي محمد أمزين ومجابهته للاستعمار الاسباني وكتبت أيضاً في المجموعة مواقف السياسيين وبها فلان وعلان، وقد استحسنها المهتم الناقد المتمرس، إلا أن مطرب الحي لا يطرب فلا تلقى أعمالنا الاهتمام الكبير من طرف الجمعيات والهيئات ورجالات المسرح، في السبعينيات والثمانينيات والى غاية التسعينيات من القرن الماضي كنا نشتكي من أزمة النصوص المسرحية فكان الاقتباس والعمل على مسرحيات غربية وعربية ولما أصبح لنا كتاب ممتازون ونصوص جيدة لم نجد من يهتم بها، واسمح لي أستاذي أن "أسألكم مرة أخرى وبعد إذنكم طبعا" كم مسرحية شاهدتها خلال هذه السنة سواء في قنواتنا أم في قاعة العرض أعتقد جازماً أن إجابتك ستكون: (ولا واحدة)، والسبب يرجع لعدم وجود نصوص تبث جيدة، وهذا لا يعني عدم وجود جمعيات مسرحية تقدم عروضاً تستحق جائزة النص المتكامل لكن في ظل الاحتكار " وباك صاحبي" والمحسوبية فإنها لا ترقى للشهرة، ومع ذلك فمحبو وعاشقو الفعل الثقافي يمارسون عملهم وبصمت، إلى أن يحدث الله أمراً، ونقر بمقولة البقاء للأصلح وفي قصصي وأشعاري أكتب عن الوطن و بأسلوب جريء..

 

س- القصة القصيرة جداً لها نصيب كبير من إبداعاتك إلى جانب المسرح الذي تعشقه..كتبت لحد الآن: "رسم بريشة القمر" ومن الهدهد إلى الحكيم" ثم "عشتار والقمر".. هل لهذا التراكم اللافت ما يبرره؟

ج- لم يأت هذا التراكم عن طريق الصدفة، وإن كانت هذه الأخيرة ساهمت في وجوده، لأنه نتاج تجارب سابقة وحمولة أدبية سكنتني منذ أن أرسى مركبي على شاطئ الكتابة، وقد لا أقف عند المجموعات أعلاه بل قد أتعداها إلى مجموعات أخرى ستظهر قريباً إن شاء الله " جزاءً من ربك عطاءً حساباً "

 

س- تحتفي في "رسم بريشة القمر" بالمرأة بدليل أن أكثر نصوصها عن " الأنثى".. هل من علاقة بين القمر( وهو عنوان المجموعة) وهذا النزوع؟

ج- إنني من عشاق القمر حين أجلس إليه، يلهمني، يطربني وأناجيه ويناجيني، ويهدهدني فأنام وعيني مشرئبة إليه، والأنثى قمري وشعري وقرطاسي فرحي وأشجاني وكلما أحسست بغربة أو ضيق، كنت بين ذراعيها تهدهدني كطفل يحتاج صدر أمه فتكون بذلك أمي وأختي وابنتي وصاحبتي وحبيبتي والقمر والأنثى قدري وشغفي وهيامي .

 

س – أسبغت على المرأة في " رسم بريشة القمر " مسميات كثيرةً فهي : الأنثى، والأفعى، والجنية، والمرأة، والزوجة، والحبيبة، والبنت، والوصيفة، والجدة، وقرة العين، والفنانة، والوالدة والمبدعة، والسيدة، والأم، والمجنونة... كنتَ دقيقاً ورائعاً في انتقاء هذه الصفات في مقابل " الذكر" ولا أقول "الرجل".. أريد: المرأة في "رسمك" تتلون، والذكر يحتفظ بطلائه، هو إما زوج، أو حبيب فقط.. ما تعليقك؟

ج- المرأة هي الخصوبة، وهذه الأخيرة قد تلد حلواً أو مراً، وهي شلال دافق من الحنان والعطف والحب ومن متناقضه أيضاً فتكون بذلك في نظري محور هذا الوجود فلا يستقيم عود الذكر إلا بها، وإنصافاً لها ولحبها ذكرتها بما لها وعليها ..

 

س- تقول في "رسمك للقمر": " حاولتُ في هذه المجموعة القصصية "رسم بريشة القمر" أن أرسم حكايات ..." دعني هنا أسألك: رسم الحكاية؟ أم الكتابة عنها؟ ما الفرق ؟ هلاّ تفضلت وكشفت لنا ماذا تقصد؟

ج- حين نكتب الحرف فنحن نشكل صورة، ونضع رسماً، من أجل تجسيد معنى، وقد يعلق الرسم في الذاكرة وفي العقل الباطني فلا يحيد عنه، و بالتالي لا ينسى فهل يمكن أخي أن تنسى صور الرسوم المتحركة التي رأيتها وأنت صغير وهل يمكن أن تنسى ر سماً جميلا مر أمام عينيك ورسخ في ذا كرتك، لهذه الأسباب كان الرسم مختلفاً عن الكتابة، ولأنه خط بريشة القمر .

 

س- خصّك نقاد كثيرون بكتابات عن مؤلفاتك ..أيّهم برأيك استطاع أن يلمس وترك الحساس، أو يغني معك عزفك؟

ج- ليس الأمر مجالا للتفاضل بقدر ما يكون للنصح والإرشاد والتشجيع وبذل الجهد، لو لم يكن الكاتب لما كان الناقد ولو لم يكن الناقد ما واصل الكاتب مسيرته الإبداعية فكلاهما غصنان لشجرة طيبة مباركة جذعها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وأحمد الله وأثني عليه، أنني أقطف من بساتين النقاد أجمل الفواكه وأينعها، و" أجني منها مفازاً حدائق وأعناباً ..وشراباَ دهاقا "

 

س- تُكثر من الحوار في مؤلفاتك، وهذه ملاحظة سجلها الدكتور نور الدين الفيلالي، وغيره..وغياب الوصف من بعض أعمالك الأدبية لافت.. هل لممارستك المسرح علاقة ما ؟ أم هناك أسباب أخرى؟

ج- إن الغموض والتعلل به اعتبره لا يفي الغرض الأدبي ويضلل القارئ، أسلوب بسيط بمعنى واضح يخضع لشروط الكتابة المتعارف عليها أفضل عندي بكثير من نص يكتنفه الغموض فلا يعرف أوله من وسطه ولا من أخره وهذا يدفع إلى العزوف عن القراءة في رأيي المتواضع، و كما يرى الدكتور جميل حمداوي : أن الحوار أهم من الصورة ويذهب فرونسوا مورو إلى القول : إنه ليس كل علاقة لغوية بين موضوعين تستحق اسم الصورة فقد نجد صوراً ميتة تنتمي إلى القاموس والمعجم” lexicalisation "، وأرى أن الحوار هو أصعب ما في النصوص القصصية وليس من السهل إيجاده، وبخصوص ما قال به فضيلة الدكتور نور الدين الفيلالي فأنا أحفظه عن ظهر قلب وهو كالتالي : " كما تتميز المجموعة بغلبة عنصر الحوار على أغلب قصصها، وهو أمر يمكن ربطه بتجربة الكاتب في مجال المسرح، حيث نجد دائما حواراً بين شخصيات القصة رغم قلة الشخصيات وضيق الفضاء الذي تتحرك فيه". وأنا أتفق معه وأدعوك أخي للتمعن فيه فستجد أنني نهلت من كتاب الله الذي لا تخلو آية ولا سورة فيه من حوار، فنجد أن الحوار فيه بين الله والملائكة، وبين الله والإنسان، وبين الإنسان والإنسان، وهذا الأخير والحيوان، وحتى مع الأجرام والكواكب كالشمس والقمر والنجم ووو..

لهذا تجدني أركز على الحوار الذي أحدث به الصور التي أريدها وتقتضيها ضرورة وجودها

 

س- ألفتَ في القصة القصيرة جداً " رسم بريشة القمر"، و" عشتار والقمر"..

- ما قصتك مع القمر؟

- وكيف تختار عناوينك؟

ج- بيني وبين القمر علاقة طيبة ووشائج ومحبة.. أدعوك إلى الجلوس إليه فستعشقه وحتما ستضع اسمه على غلاف لمجموعة قصصية أو لأحد أعمالك الأدبية ..

 

س- ماذا عن المتابعة النقدية لأعمالك؟ .. هل أنت راض عنها؟

ج- حينما أسلم جسدي للطبيب للكشف عنه فأنا مستعد لنتيجة الكشف إما إيجاباً وإما سلباً ولا أستطيع أن أعارض الطبيب، إن صارحني بحقيقة علتي ودائي و أقبل دواءه وآخذه بعناية كي أشفى، والناقد الأمين بالنسبة للكاتب أو المبدع هو بمثابة الطبيب المعالج، وقديماً قيل :اثنان لا يتعلمان المستحيي والمتكبر، "فأحمد الله " أن كل النقاد الذين تناولوا موضوعاتي كانوا أمناء، وأنا أقدر مجهوداتهم.. ومن هذا المنبر أتوجه بخالص الشكر لكل من الدكتور عبد السلام بوسنينة وقد قدم ديواني الزجلي خويا العربي، والدكتور أبي أسامة محمد دخيسي وقد قدم المجموعة المسرحية عودة آريز، والدكتور نور الدين الفيلالي المجموعة القصصية رسم بريشة القمر، والأستاذة سنا ء يحياوي رسم بريشة القمر، والدكتور جمال الدين الخضيري المجموعة المسرحية صهيل الجياد، والدكتور نور الدين أعراب الطريسي المجموعة القصصية من الهدهد إلى الحكيم، والدكتور محمد امحاور الديوان الزجلي لميمة، والدكتور يحيى يوسفي المجموعة القصصية عشتار والقمر، والدكتور جميل حمداوي المجموعة القصصية عشتار والقمر، ويقوم الدكتور فريد أمعضشو بتقديم ديواني الزجلي "جذبة المداح " ويرجع له الفضل قي تصحيح و مراجعة المسرحية الفايسبوكية التي كان لي شرف إعدادها وإخراج فكرتها بمعية كتاب من مختلف البلدان والأوطان، والأستاذ وديع بكيطة رواية غادة العامرة، وأسماء أخرى كثيرة أذكرها في الإصدار الجديد لإعمالي الأدبية تحت مجهر النقد، وللأمانة يجب أن أنوه بإعمال الفنانين التشكيليين والفوتوغرافيين الذين زينت أغلفة كتبي بلوحاتهم المعبرة والمنسجمة مع مضامين مؤلفاتي ومنهم الأستاذ الفنان يحيى دخيسي، والأستاذة الفنانة زكية مركَوم، والإعلامي المصور محمد مقرش ..

 

س- كتابة الأنطولوجيات في القصة القصيرة جداً تحكمها المزاجية في الاختيار، ويسيجها ما هو عصبوي غالباً .. كيف السبيل لتنقية هذه الكتابة بغية تحقيق مناخ صحي للقصة القصيرة جداً؟

ج- أرى أن كل عمل إبداعي يخضع بالأساس لظروف عدة : الحال والزمن والمكان ..، فقد لا ترغب في الكتابة أو الرسم أو في أي عمل أخر فتجد نفسك وقد ارتديت لباسه فقد يكون هذا اللباس خشناً أو خفيفاً بحسب حالة الجو، وقد يحرك حنين الكتابة ظرف المكان أو الحالة النفسية وهذا لا عيب فيه بحسب رأيي ..

 

س- آخر كتاب قرأتَه أستاذي الفاضل، ولمن تقرأ من مبدعي القصة والقصة القصيرة جداً؟

ج- كتاب الله والموطأ للإمام مالك رحمه الله محاولة مني للوقوف على نصوص الأحاديث به وتدقيقها ..وفي مجال الأدب كتاب المقارنة بين الصور البلاغية (إبدالات نقدية) للدكتور نور الدين أعراب الطريسي والمجموعة القصصية القصيرة جداً تحت عنوان "فقاقيع" للدكتور جمال الدين الخضيري والمجموعة القصصية "نجي ليلتي" للقاص ميمون حـرش..

 

س- كُتاب القصة القصيرة جداً كثيرون والحمد لله .. بماذا تنصح مبدعي ومبدعات هذا الجنس الأدبي؟

ج- عدم التسرع في الطبع والتركيز على اللغة، ولا ضير في الاستعانة بمن سبقوهم في هذا الميدان والله موفق الجميع ..

 

س- كلمة في التالي: (حمى انتخابات 2015 - المقاهي الأدبية- غادة العامرية)

ج : سؤال مهم ويحتم الإجابة عنه ظرفيته

الجميع يقر بالإصلاح، ومحاربة الفساد، والرشوة، والزبونية والمحسوبية، والبيروقراطية

والتهميش، والإقصاء، و"الحكرة"..والكل ينادي بالديمقراطية والعدل، وتحقيق التوازن والعيش الكريم، وتعديل المنظومة التربوية، وبالعلاج للجميع، وترخيص الأسعار، وتشغيل العاطلين، حتى لا يبقى في البلاد جائع، ولا متسول، ولا مريض، ولا بائس، ولا عاطل، ولا ساخط، ويتحقق الأمن والرخاء، وتعم الحرية، ويسود الإخاء والتعاون، ونحقق مزيداً من المكاسب، والتشبث بالوحدة الترابية ونعطي للجهوية الموسعة حقها، وقد جاء هذا الادعاء في برامج المنتخبين، وقد أجمعوا عليه، والجميع ينادي به، فإذا كانت هذه المعطيات هي مطالبهم ومراميهم، فلماذا لا يتفقون ويضعون يداً في يد ويشكلون لبنة واحدة من غير إضاعة الوقت والجهد والمال وتعطيل الحياة العامة !؟ومن غير تنابز بالألقاب ولا طعن في بعضهم البعض ولا تسخير للأموال في الدعاية وشراء الأصوات من بعض عديمي حس المواطنة الحقة ويحققون الائتلاف الوطني، والإجماع على مصلحة الوطن أولا، ويشكلون برلماناً منسجماً ثانياً، وحكومة متجانسة ثالثاً، ومجالس محلية وإقليمية تنبذ الخلاف، ولكنهم يعرفون أن المزايدة على بعضهم البعض من أجل سيارة فارهة وأريكة ناعمة، وتقاعد مريح وأجر خيالي، وتحقيق مصالحهم، ومصالح من يدور في فلكهم؛كم حكومة وبرلمان مرت وتعاقبت، و كل آتٍ يدفع بأساليب يحفظها الشعب منها :

الأزمة عالمية- مخلفات الجفاف- الوضع العربي - زيادة النمو الديمغرافي - قلة العائدات- أزمة صناديق التقاعد- صندوق المقاصة، استمرار نهج الحكومة السابقة ..لهذه الأسباب أنا في حيرة من أمري، ولا أملك غير أن أدعو للوطن بالخير، والأمن، والاستقرار..

وكان لزاماً على الحكومة قبل الإعلان عن إجراء الانتخابات تعديل قانون الأحزاب الذي أصبح متجاوزاً بإقرار نظام الجهوية، فكل جهة يجب أن تخضع لنمط حزبي بعيدا عن مركزية الأحزاب من اجل اختيار الصالح ممن يتولى تسيير شؤونهم وأختم هذا الموضوع بمقتطف من خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله أنه « إذا كان عدد من المواطنين لا يهتمون كثيرا بالانتخابات ولا يشاركون فيها، فلأن بعض المنتخبين لا يقومون بواجبهم، على الوجه المطلوب. بل إن من بينهم من لا يعرف حتى منتخبيه »، مشددا بهذا الخصوص، على أن المنتخب، كالطبيب والمحامي والمعلم والموظف وغيرهم، يجب أن يشتغل كل يوم. بل عليه أن يعمل أكثر منهم، لأنه مسؤول على مصالح الناس، ولا يعمل لحسابه الخاص" "انتهى ".

 

- المقاهي الأدبية..

ج: توزع المشروبات بمختلف نكهاتها الباردة والساخنة على من تريد مع الأداء المسبق لروادها ..

 

- غادة العامرية:

ج- أتعبتني أطربتني أسعدتني أشجنتني، ويبقى جزؤها الثاني يراودني، سأضعه بين يديكم لتقديمه إن أطال الله في عمرنا (هههه)..

 

س- كلمة أخيرة ..

ج: أشكركم على هذه البادرة الطيبة و الكريمة وحواركم هذا عسل لا يشبع منه ..وأنوه بمجهودات الأخ القاص والمبدع الأستاذ ميمون حـرش، وأرجو لعمله هذا الاستمرار والنجاح

وأن يكتب الله له بكل حرف إبداعي صادق حسنة وأن يجعل الله عمله خالصاً لوجهه الكريم، ومهما قلت فلن أفيكم حقكم سيدي من الامتنان والثناء ولا أملك غير أن أقول في ختام هذا الحوار الشيق ونحن ضيوف على عرين الأدباء " بارك الله لنا فيكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ..".

108-sadmohamadmousaفي اروقة المعرض الثاني لجماعة مابين النهرين للفنانين التشكيليين العراقيين المغتربين الذي اقيم في مدينة ملبورن الاسترالية بتاريخ 15-8-2015 وانتهازا للفرصة القيمة اجرينا الحوار التالي مع الفنان التشكيلي العراقي المغترب سعد محمد موسى:

ولد الفنان في الناصرية – العراق

خريج اكاديمية الفنون الجميلة بغداد 1990

غادر العراق عام 1991

متفرغ حاليا للرسم والكتابة في ملبورن – استراليا

شارك في العديد من المعارض الجماعية والشخصية على مدار مسيرته الفنية التي امتدت منذ بداية الثمانينات في العراق والى اخر معرض جماعي له مع جماعة مابين النهرين الذي اقيم يوم 15 آب 2015

 

1108-sadmohamadmousa3 - استاذي لنبدا حوارنا بالسؤال التالي ماهو العنوان العام لمعرضكم الثاني هذا؟

ج – "لمسات" هوعنوان معرضنا الثاني هذا لجماعة مابين النهرين

انها اللمسات التي نقشها فناني مابين النهرين فوق جسد الوطن البعيد والقريب !

 

2 - لماذا تزامن في هذا الوقت بالذات، هل تودون من خلاله ارسال رسالة مساهمة وتضامن مع الشعب العراقي؟

ج - اردنا من معرضنا ايضا ان يكون دعوة تضامن ومساندة لاحبتنا في العراق وبمطاليبهم المشروعة، فالعراق اليوم يمر بمحنة كبيرة وعلينا جميعا ان نتحد ولانتركه ضحية للمؤامرات او ان يكون ساحة للتصفيات السياسية والدولية والطائفية .

 

3 - ماالهدف من اقامة هذا المعرض؟

ج - المعرض كان مشروعه ورسالته ان يبين للعالم ان العراقيين هم اصحاب حضارة عظيمة وهم اصحاب الحرف الاول الذي دون ابجديات لغات الشعوب فيما بعد وهم اصحاب رسالة سلام ومعرفة وفنون . وايضا كان العرض هو تظاهرة دعم وتعاطف مع احبتنا في العراق في اعتصاماتهم ضد الفساد والارهاب .

 

4 - عن ماذا عبرت اللوحات المعروضة؟

ج - ان مواضيع اللوحات هي اغلبها استلهام للموروث الحضاري الرافديني وربطه بالمشهد المعاصر . لدي اسلوب خاص وهو مايؤكد هوية الفنان وتقنياته وادواته، حين اجسد واربط مابين الماضي

وصورة الحياة اليومية .

 

5 - ماهي اكثر المواد المستخدمة فيها؟

ج - عادة ما ارسم واكون فوق القماش او سطح الخشب باستخدام الواني المفضلة الالوان الزيتية وايضا استخدم المواد المختلفة مثل الخلطة التي استخدمها المكونة من مزيج الغراء والمساحيق وصبغة الاكرليك واحيانا اضافة الرمل او التراب .

 

6 - طيب من خلال مشاهداتنا الان لو قلنا انك تنتمي الى الفن المعاصر ماردكم؟

ج - حين تسألني عن اسلوبي فانا غير منتمي الى اي مدرسة فنية مثلما اني غير منتمي مذهبيا الى اي حزب او عقيدة سياسية لدي اسلوبي في الرسم فانا بعيد عن المدارس الفنية التقليدية التي مرت بتاريخ الفن من الكلاسيكية الى البوب آرت والصرعات الحديثة .

 

7 - وماهي المفردات المستخدمة فيها؟

ج - اغلب المفردات كانت مستوحاة من الارث الحضاري لبلاد مابين الرافدين سواء من سومر او بابل واشور ايضا اضافة لاستلهام الموروث الشعبي العراقي .

 

8 - ماالذي تريد طرحه للمتابع من خلال لوحاتكم؟

ج - في هذة المرحلة وكما ذكرت مواضيعي هي تكريس وربط مابين الموروث التاريخي والحضاري والشعبي وتوظيفه برؤية حديثة ترتبط بالمشاهد اليومية المعاصرة.. على سبيل المثال حين اتناول موضوع او شخصية كلكامش فلم يكن طرحي للموضوع بالشكل التقليدي والذي عرفناه من خلال الواح الملحمة .. بل اوظف كلكامش كأن يكون موجوعا وهو يحمل مسلاته ويبحث عن وطن او ضفة آمنة لانقاذ الواحه وهويته وسط كل هذا الخراب الذي لحق بالعراق او ان ينتظر قارب او قطار ينقله الى محطة اخرى !!

 

9 - حدثنا عن المعاني التي استخدمتها في رسم لوحاتكم ومن اين استوحيتها؟

ج - كل المواقف التي تؤثر بي وتدهشني تحفز مخيلتي لمغامرة جديدة

 

10 - عندما تبدا برسم لوحة تشكيلية معينه، ماهو الاحساس الذي تشعر به؟

ج - حين ادخل في صومعتي الروحية (المرسم) اشعر بقدسية وانتماء الى تلك المملكة، ربما مثل شعور الناسك او الصوفي حين يمارس طقوسه وحلوليته في العبادة .

 

11 - عادة مايمر الانسان بحالات كثيرة منها محرجة اوحزن او فرح او حالة عصبية مثلا، في اي حالة من هذه الحالات تبدا بمسك الفرشاة وترسم، وفي اي منها تبدع؟

ج - ليس للفنان جدول عمل او زمن معين يطلب منه انتاج يومي حالات الابداع لدى الفنان خارج المهنة اليومية التي يرتبط بها مثل الطبيب او التاجر او العامل، الفنان يستفزه الحزن احيانا لرسم مواضيع لها علاقة بالوجع والمأساة الذاتية او العامة، وللفرح ايضا مساحة كبيرة تؤثر في ابداع الفنان .

 

12 - برايكم الفنان التشكيلي يحتاج الى خيال واسع وحرية في الاختيار كي يرسم، ام هي مجرد هواية فنية يمارسها؟

ج - اعتقد الفنان الحقيقي هو من يولد بجينات فنية وبالتالي يمكن صقلها وتطويرها عن طريق دراسة الفن والممارسة والتجريب .

108-sadmohamadmousa2 

13 - لو صنفنا الفن التشكيلي الى رجالي ونسائي ماهي الفوارق المهمة بينهما، وايهما مرغوب في الساحة الفنية؟

ج - الفن هو حالة شمولية ودعوة لالغاء الفوارق العرقية والدينية والسياسة والاجتماعية .. ونحن ضد التقسيم والعنصرية مابين فن نسائي او رجولي او فن مسيحي او يهودي او اسلامي .. الخ الفن يبقى قضية اممية وانسانية وللجميع .

 

14 - انا الان الاحظ في هذا المعرض ان لوحاتكم تتركزعلى الجانب النسوي، هل من سبب معين؟

ج - تبقى المرأة هي الاصل وهي رمز العطاء والخصب والديمومة منذ نشوء الخلق، وللمرأة حضور كبير في اعمالي الفنية فهي النبع والالهام الابدي للفنان .

 

15 - ماسرك مع الالوان الغامضة؟

ج - الكثير يسألني لم الالوان الخضراء والزرقاء تطغي على اغلب اعمالك اشعر ان هذة الالوان تجذبني وتاخذني اكثر من بقية الالوان الاخرى ربما تلك الالوان تعبر عن شخصيتي !!

 

16 - انت دائما ما تستوحي التراث والمشهد العراقي في كل الافكار التي تعتمدها في لوحاتكم الفنية ، هل تريد ايصال الفن العراقي الى الشعب الاسترالي ام ان هناك امر اخر؟

ج - رغم اهتمامي بالمحليات وبالرموز التاريخية الرافدينية لكني اعمل على توظيف تلك المواضيع وجعلها لغة عالمية وليست محلية فقط .. ان يشعر ويتداخل كل مشاهد مع مفردات لوحاتي .

 

18 - كيف تتلاعب بالالوان عند الرسم ومن هو سيد الاختيار النهائي فيها؟

ج - حين امزج الالوان على الباليت واجعلها تتناغم اتذكر العازف حين يتلاعب باوتار الته الموسيقية .. فنحن متشابهان بالعزف .. اما روحية الالوان في النهاية فالموضوع هو من يختار طبيعة التدرجات اللونية .

 

19 - هل اقمت معارض فنية من قبل خارج مدينة ملبورن الاسترالية وماهو انطباع الجمهورعنها؟

ج - في مشاركاتي الفنية والتي عمرها اكثر من ثلاثة عقود.. اقمت وشاركت في الكثير من المعارض الجماعية والشخصية في بعض البلدان والمدن الاسترالية الاخرى .. انطلاقا من بلدي العراق ومن مشاركاتي الفنية في بغداد اثناء دراستي في اكاديمية الفنون الجميلة .

 

20 - هل هناك لقاءات مستمرة فيما بين الفنانين التشكيليين العراقيين في استراليا، متى واين؟

ج- لقاءاتنا ومشاريعنا لاقامة معارض مستمرة ونأمل لن يكون معرضنا الثالث لجماعة مابين النهرين في بداية السنة القادمة .

 

21 - ماموقفك من المشهد العراقي الراهن،ولمن تنتمي؟

ج - انا مع التظاهرات والتغيير ومع الشعب في مطاليبهم المشروعة .. وانا مستقل وليبرالي اؤمن وادعو لبناء دولة عراقية مدنية وحرة .

 

22 - مارايكم بالاهتمام من جانب الحكومة العراقية للثقافة والفنون في الداخل اوالخارج، وهل تلقيتم مساعدات من جهة معينة سواء عراقية او اجنبية، وعلى ماذا تعتمدون في انجاز مشاريعكم؟

ج – اولا انا شخصيا كفنان طيلة عمري لم اتلقى اي مساعدة مادية ولو دينار واحد من جميع الحكومات العراقية المتعاقبة .. اما هذة مافايات الحرامية الاخيرة والتي تسمى بالحكومة فانا ضدها تماما وادعو للتغير وبناء سلطة ودستور عادل وتكنوقراط، وايضا لم اتلقى اي مساعدة من جهة او منظمة استرالية كل مشاريعي ومعارضي اعتمدت على جهودي الذاتية وبامكانياتي البسيطة .

 

23 - صف لنا حنينكم الى العراق وهل في نيتكم العودة اليه؟

ج - الوطن هو العش الاول وحبل السرة المدفون هنالك مابين زقورة اور وضفاف الفرات .. يبقى الحنين ابدي .. وساعود للوطن حين تكون هنالك دولة مدنية ودستورعادل يحمي الجميع ولايفرق بين ابناء الشعب جميعا .

 

24 - كلمة منكم الى المغتربين من الفنانين العراقيين التشكيليين؟

ج - اتمنى من الفنانين العراقيين المغتربين ان يكونوا رسل سلام ومحبة للبشرية وان يعطوا ايضا انطباع راقي وحضاري عن وطنهم العراق في المحافل الدولية .. وان لايتهافتوا في مستنقع الطائفية والاحزاب الدينية والسياسية والقومية .

 

شكرا لكم الفنان التشكيلي المغترب سعد محمد موسى ونتمنى لكم التوفيق ولمعرض جماعة مابين النهرين للفن التشكيلي النجاح

 

سلام البهية السماوي – ملبورن

jamil hamdaouiهو قنديل من قناديل مدينة الناظور، أسدى لمدينته، عبر سعيه الثقافي المتميز، خدمات جُلى، حرص على أن يكون ضمن من ساهم في أن ينتشلها من "وحل" اللامبالاة .. لا شيء خارج دائرة اهتماماته، لا يؤمن بالتخصص في مجال واحد، بل يسعى لامتلاك سعة في المعرفة عبر الإبحار في معالم كثيرة؛ لذلك فهو مثقف موسوعة، له أكثر من تسعين كتاباً، تتوزع بين التربية، والنقد، وعلم الاجتماع،والتاريخ، والأمازيغية،والشعر، والفلسفة، وغيرها من حقول المعرفة المتنوعة..

له نصيب من اسمه (جميل حمداوي)، وأقصد هنا الجانب الروحي الجميل لدى الرجل، يسدي خدمات جلى لأصدقائه، يناصر الثقافة، ويشجع المثقفين، الشباب منهم خاصة..

هو رئيس "جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون" بالناظور، وعضو نشيط في جمعيات عدة، اسمه له حظوته، لا يذكر إلا وترفع معه القبعة احتراماً وتقديراً لكفاءاته..

إنه بعبارة: د جميل حمداوي المثقف العضوي، وابن الناظور البار...

أهلا بكم د جميل في "العرين"..

 

س: ما الذي لا يعرفه الناس / القراء عن الدكتور جميل؟

- شكرا جزيلا أخي العزيز ميمون حرش على هذا الحوار الشائق والمتميز. ما لا يعرفه الناس عن جميل حمداوي أنه يعجبه الكسكس يوم الجمعة، ولايستطيع أن يستغني عنه، مهما كانت الظروف. وقد قال ابن خلدون: "يعرف البربر بحلق الرؤوس، ولبس البرنوس، وأكل الكسكس." وهذا دليل صادق على هويتي الأمازيغية.

 

س: أنت مثقف، وكاتب موسوعة، لذا دعني أولاً أستأذنك في أن نحصر حوارنا في مجال نقد القصة القصيرة جداً.. ما قصة انتشار هذا الجنس الأدبي بهذا الشكل المهول؟

- بعد أن تربع الشعر على أدبنا العربي لقرون طويلة، إلا أن هذه البضاعة، في العقود الأخيرة، قد أصابها الركود والبوار والكساد، فحلت الرواية محله، وكان الإقبال عليها شديدا ؛ والسبب في ذلك هو انتشار التعليم، واهتمام الدرس الجامعي بالسرديات بصفة عامة، وفن الرواية بصفة خاصة .بيد أن القصة القصيرة جدا أعلنت انقلابها الفني على الرواية بشكل مفاجئ، فأسقطت الرواية عن عرشها، واستطاعت أن تفرض نفسها في ثلاثة عقود متتابعة، من سنوات السبعين من القرن الماضي إلى يومنا هذا.

ويعود انتشارها السريع إلى ما قدمه الانترنيت من خدمات جلى لهذا الجنس الأدبي الجديد تعريفاً وتنظيراً وتطبيقاً. وهذا ما جعل بعض الباحثين يسميها بالقصة التويترية.علاوة على تعقد الحياة اليومية على جميع المستويات والأصعدة؛ مما يستلزم ذلك الميل نحو السرعة في كل شيء. واليوم، أصبحنا نتحدث عن القراءة السريعة المركزة أو الماسحة أو الذكية. علاوة على ذلك، لايستطيع القارئ أن يقرأ النصوص المسترسلة أو الروايات الكبيرة الحجم ؛ لأن هذا يتطلب وقتاً طويلا، نفتقده: اليوم: بسبب تعقد حياتنا المعاصرة، وتشابكها بشكل كبير بين حين وآخر.

أضف إلى ذلك الرغبة في التجريب والتجديد والانزياح وتكسير الطابو السردي، بالبحث عن الأشكال السردية الجديدة، فكان العثور على هذا الجنس الجديد. دون أن ننسى كذلك مدى التأثر بتراثنا السردي العربي القديم من جهة، والانفتاح على تجارب كتاب أمريكا اللاتينية الذين أظهروا مقدرة إبداعية هائلة في مجال القصة القصيرة جداً من جهة أخرى. وأكثر من هذا ما قدمه النقد العربي المعاصر من اهتمام بالقصة القصيرة جداً على مستوى التأريخ، والتنظير، والتطبيق، والتشجيع؛ فضلا عن انتشار الندوات والملتقيات والمهرجانات التي تخصصت في القصة القصيرة جدا. وغالباً، ما كانت هذه المهرجانات تعلن عن جوائز مادية ومعنوية في مجال كتابة القصة القصيرة جداً.

وبعد أن كان انتشارها في العراق وسورية لافتاً للانتباه ما بين سنوات السبعين والتسعين، سرعان ما انتقلت إلى المغرب، في سنوات الألفية الثالثة، ليحضنها بشكل جيد، ويرعاها إبداعاً ونقداً وتشجيعاً.وبذلك، صار المغرب الحاضن الأول للقصة القصيرة جداً بدون منازع إلى يومنا هذا.

 

س: في الناظور خاصة تأخذ القصة القصيرة جداً منحى مختلفاً مقارنة بمدن أخرى، من حيث كثرة الكتب المطبوعة، وكذا بروز كتاب لهذا الجنس بشكل لافت.. كيف تفسر هذه الظاهرة؟

- تعد مدينة الناظور عاصمة القصة القصيرة جداً في عالمنا العربي، بفضل مهرجانها السنوي الذي تسهر عليه جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون، ويخدمه أيضاً طاقم من المبدعين والمثقفين والنقاد المتميزين وطنياً وعربياً. وأكثر من هذا فمدينة الناظور هي التي حضنت هذا الجنس الأدبي الجديد بحرارة ورعاية وعطف كبير.واستطاع مبدعوها ونقادها أن ينتجوا أعمالا إبداعية ونقدية متميزة في هذا المجال، إلى أن تربعت هذه المدينة على أكبر إنتاج على الصعيد الوطني في مجال القصة القصيرة جداً.

ولا ننسى كذلك ما قدمه أبناء هذه المدينة من إبداعات متميزة في هذا الميدان . ونعترف كلنا بقيمة ميمون حرش، وجمال الدين الخضيري، والخضر الورياشي، وعبد الواحد عرجوني، وعبد الله زروال، وسمية البوغافرية، وأمنة برواضي، وحسن المساوي، ونجاة قيشو في مجال الإبداع على الصعيد المحلي والوطني والعربي، وما قدمه فريد أمعضشو، ومحمد أمحور، ونورالدين الفيلالي، وعبدكم الضعيف هذا، من دراسات نقدية لمقاربة هذا الجنس الأدبي الجديد بنية ودلالة ووظيفة.

 

س: بعضهم يكتب القصة القصيرة جداً كمن ينشر تقريراً أو خبراً بدعوى الحفاظ على صغر حجم النص . ماهي مقاييس النص القصصي القصير جداً الناجح برأيك كناقد؟

- ثمة مقاييس ضابطة لجنس القصة القصيرة جدا نحصرها في الحجم القصير جدا ما بين نصف الصفحة والصفحة، وألا يتعدى ذلك إطلاقاً، وإلا أصبحت القصة أقصوصة كتلك الأقاصيص التي يكتبها المبدع المغربي إبراهيم بوعلو. ثم ضرورة الحفاظ على الحبكة القصصية من بداية، وعقدة، وصراع، وحل، وتوازن.وهنا، يمكن للمبدع أن يتصرف في هذه المكونات بالزيادة أو النقصان أو الاستبدال أو تغيير الترتيب أواستعمال تقنية الحذف، وتنويع البدايات والخواتم لمفاجأة المتلقي الضمني، وتخييب أفق انتظاره أو تأسيسه من جديد. ثم انتقاء الأوصاف الدقيقة، وعدم الإسهاب فيها إلى درجة اقتراب القصيصة من النفس السردي الروائي.

علاوة على ذلك، يمكن للمبدع أن يوظف الجمل الفعلية، ويستخدم الإيقاع السريع في تحريك نغمة القصة وعروضها السردي، واستعمال ظاهرة التراكب الجملي، والمفارقة، والإدهاش، والإضمار، والتنكير، والسخرية، والصورة الومضة، وتحويل القصيصة إلى أسئلة محيرة على الرغم من الحجم القصير جدا.

ويمكن كذلك توظيف الأجناس الأدبية الأخرى من حكاية، وشعر، وأحجية، ولغز، وكاريكاتور، وكذب، وكدية، ومقامة، وخبر، ووعظ...بشرط أن تحتفظ القصة القصيرة جداً على مقوماتها الأساسية، وهي: الحجم القصير جداً، والصورة الومضة، والحبكة القصصية، والإضمار، والمفارقة، وغيرها من الأركان الضرورية .أما الشروط، فيمكن التصرف فيها حسب مقدرة المبدع.

 

س: لكم رأي في حجم النص القصصي القصير جداً، ولغيرك من النقاد آراء أخرى..في خضم هذه الاختلافات .. لمن يحتكم كاتب القصة القصيرة جداً؟

- يستهين كثير من المبدعين بحجم القصة القصيرة جداً، فتصبح هذه القصيصة رواية أو قصة قصيرة أو أقصوصة بسبب الإسهاب والإطناب الاستطراد، والإكثار من الوصف الاستقصائي. بيد أن القصة القصيرة جداً لها حجم محدد ومعين، يتراوح بين نصف صفحة وصفحة واحدة، بشرط أن تستوفي تلك القصيصة أركان القصة القصيرة جداً، بكل مكوناتها الدلالية والسردية والفنية والجمالية، وإلا أصبحت أقصوصة ليس إلا.

 

س: تبنيتم مقاربة جديدة في القصة القصيرة جداً، وألفتم فيها كتاباً قيماً، سميتموها المقاربة الميكرو سردية.

رجاءً، بعض التوضيح حول هذه المقاربة لمن لم يطلع على كتابكم؟

- من المعروف أن لكل جنس أدبي مقاربة منهجية خاصة به، فللشعر منهجيته التي تقوم على دراسة المكونات الصوتية والإيقاعية والصرفية والتركيبية والدلالية والتداولية.وكذلك للمسرح والسينما والرواية والقصة القصيرة منهجية خاصة بكل واحد على حدة.أما القصة القصة القصيرة جداً، فقد كان النقاد يقاربونها انطلاقاً من مقاربات سردية أو مضمونية أو اجتماعية أو سيكولوجية . وهذا نوع من الإسقاط المنهجي الذي يتنافى مع خصوصيات جنس القصة القصيرة جداً. وإلا كيف سنميز بين جنس سردي وآخر، إذا كانت المنهجية واحدة في التحليل والتقويم والقراءة ؟

لذا، طرحنا منهجية عربية جديدة هي المقاربة الميكروسردية تحلل القصة القصيرة جداً من داخل هذا الجنس، برصد مكوناته البنيوية وسماته الفنية والجمالية.أي: تعنى هذه المقاربة الجديدة باستكشاف البنى الثابتة التي سميناها أركاناً (الحجم القصير جداً، وفعلية الجملة، والتراكب، والإضمار، والمفارقة، والصورة الومضة، والتنكير، والإدهاش، والمفاجأة، والحذف، والسخرية، والتسريع...)؛ واستجلاء البنى المتغيرة في حضورها وغيابها، وقد سميناها شروطاً أو سمات(ما تشترك فيه القصة القصيرة جداً مع باقي الفنون والأجناس الأدبية الأخرى ).

 

س: "الناظور عاصمة القصة القصيرة جداً" هل هو لقب جدي لهذه المدينة، حدثنا عن حيثياته، وكل ما له صلة بهذا الموضوع؟

- فعلا، تعد مدينة الناظور عاصمة للقصة القصيرة جداً بفضل مهرجانها السنوي الذي بلغ الدورة الخامسة؛ والسبب في نجاح هذا المهرجان يعود إلى زمرة من الفاعلين المثقفين الذين ينتمون إلى جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون، أو يتعاطفون معها من قريب أو من بعيد. وقد اخترنا هذا التوصيف على أساس أن هذه المدينة هي التي تسهر على هذا الجنس الأدبي الجديد بشكل أو بآخر، بتنظيم ندوات وملتقيات لمدارسة هذا الجنس وتقويمه؛ وتشجيع المبدعين والمثقفين على الاهتمام به وكتابته؛ والمساهمة في التنظير والنقد خدمة لهذا الجنس الوافد علينا؛ والمشاركة في كثير من الملتقيات والمهرجانات المحلية والجهوية والوطنية والعربية التي تعنى بالقصة القصيرة جداً.ويعني هذا أن مدينة الناظور حاضرة في جميع الأحداث الثقافية المتعلقة بالقصة القصيرة جداً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.فلايمكن تجاوز مجهودات أعضاء جمعية جسور في هذا المجال إبداعاً، وتنظيراً، ونقداً، وتوجيهاً، وتقديماً...

كما أن الناظور هي الحاضنة لجميع المبدعين والنقاد والمثقفين العرب الذين يهتمون بالقصة القصيرة جداً، وهي التي تشرف كذلك على الرابطة العربية للقصة القصيرة جدا.

س: " مهرجان الناظور للقصة القصيرة جداً في نسخته الخامسة كما أعلنت جمعيتُكم " جسور للبحث في الثقافة والفنون" في مارس المقبل 2016: ما جديد هذه النسخة؟ وما هي أهم المآخذ على النسخ السابقة؟

سينعقد مهرجان القصة القصيرة جداً في نسخته الخامسة: إن شاء الله: في مارس 2016م. والجديد في هذه النسخة هو إعداد ورشات تكوينية للكبار والصغار في مجال القصة القصيرة جداً؛ ومناقشة قضية المنهج النقدي في القصة القصيرة جداً؛ والاحتفاء بالناقد المغربي المتميز ميمون مسلك وتكريمه مادياً ومعنوياً؛ ودراسة اتجاهات القصة القصيرة جداً تجنيساً وتجريباً وتأصيلا. ويبقى مشكل التدوين والإعلام والدعم والتوثيق أهم ما يؤرق مضجعنا إلى يومنا هذا.

 

س: ما رأيكم في نصوص القصة القصيرة جداً في الجهة الشرقية، وكيف تفسر هذا التراكم السريع لها؟

- نلاحظ تراكماً متميزاً في الجهة الشرقية، إذ استطاع هذا الجنس الأدبي الجديد أن ينتشر بسرعة انتشار النار في الهشيم، إلى أن أصبحت المنطقة الشرقية أكثر إنتاجاً وتراكماً على الصعيد الوطني.بيد أن هناك تفاوتاً فنياً وإبداعياً من مبدع إلى آخر، ومن ناقد إلى آخر. فهناك مبدعون مازالوا في مرحلة المحاكاة والتقليد. وهناك من لم يبرح مرحلة التجنيس والتأسيس. وهناك من تجاوز ذلك إلى التجريب.وهناك من وصل إلى مرحلة التأصيل والتميز والجودة والإتقان كميمون حرش، وجمال الدين الخضيري، وعبد الواحد عرجوني، وعبد الله زروال، وسمية البوغافرية على سبيل التمثيل ليس إلا.

 

س: أنت ناقد كبير، وتجربتكم في النقد لها حظوتها.. بماذا تنصح كتاب القصة القصيرة جداً،الشباب منهم خاصة؟

- أنصح شباب القصة القصيرة جداً بالقراءة الواعية للنصوص السردية المتميزة في مختلف المجالات؛ والاطلاع على الكتابات النقدية التي نظرت للقصة القصيرة جداً؛ والبحث عن أسلوب سردي يميزهم؛ والابتعاد عن الكتابة المباشرة القاتلة للإبداع؛ ثم قراءة التراث العربي قراءة واعية لاستثماره بشكل فني وجمالي، في إطار رؤية تناصية حوارية؛ ثم الاغتراف من جميع الفنون بغية توظيف تقنياتها في الكتابة؛ واحترام الحجم القصصي القصير جداً؛ والتركيز على الحبكة القصصية؛ والابتعاد قدر الإمكان عن الوعظ والخطابة والتقريرية؛ وعن تحويل القصة القصيرة جداً إلى شذرة فلسفية تأملية أو خاطرة إبداعية إنشائية؛ مع الإنصات المستمر إلى النقاد بشكل جيد ...

 

س: الدكتور جميل، لم تسلم أنت أيضاً من "عدوى" القصة القصيرة جداً.. ألفت فيها كتاباً سميته " كتابات ساخرة".. هو الكتاب الأول لكم في الإبداع بعد تجربتكم في نظم الشعر .. ما الذي استمالكم في كتابة القصة القصيرة جداً؟

- كتبت هذه الأضمومة من باب الاطلاع على ممارسة المبدعين ليس إلا، وتطفلا على عوالمهم الإبداعية. ولا أدعي أنني قاص أو كاتب سرد. إنها تجربة أولى وأخيرة، كان الغرض منها هو الدخول في متاهات هذا الجنس الأدبي الجديد لمعرفة صعوباته وعوالمه التخييلية على مستوى الكتابة والسرد والرؤية .ومن حق الناقد أن يجرب بنفسه الكتابة الإبداعية رغبة في معرفة أسرارها الفنية والجمالية، وفهم آلياتها التخييلية والإبداعية . فالناقد المجرب أفضل من الناقد المجرد. ودائماً، يبقى الناقد مبدعاً فاشلا.

 

س: أمر آخر، لماذا حرصتم على تأكيد في مقدمة مجموعتكم القصصية " كتابات ساخرة" بأنها نصوص مباشرة جداً.. كيف تكون مباشرة جداً، بالنظر إلى حجمها القصير جداً؟

- قلت لكم كان هدفي هو التجريب وممارسة هذا الفن الجديد، وتعمدت المباشرة التي أحاربها في نقدي. وتحمل المباشرة، في كثير من الأحيان، وظيفة جمالية وإيحائية .فأشعار نزار قباني وأحمد مطر، على الرغم من مباشرتها، فهي نابضة بالشاعرية والإيحاء الصاخب.ومن هنا، فمجموعتي كتبت بأسلوب مباشر بسيط، ولكنها تطفح بالسخرية والكاريكوتورية والنقد اللاذع. لقد كتبتها بأسلوب طبيعي على غرار إميل زولا.

 

س: أقصد أليس هناك تناقض بين شروط القصة القصيرة جداً، وهذا الشرط الدخيل" المباشرة"؟

-         صحيح أن هناك تناقضاً واضحاً وجلياً. ولكنني أستدرك قائلا: إن المباشرة نوعان: مباشرة فجة قاتلة، ومباشرة موحية نابضة بالدفء الشاعري المتميز. فالذي يكتب القصة القصيرة جداً بأسلوب تقريري مباشر، فهو قاتل لما يبدعه من البداية، وساخر من المتلقي. أما الذي يكتب قصيصته بمباشرة إبداعية نابضة بالشاعرية والإيحاء والجمالية، فهي مقبولة بشكل أو بآخر. والأمثلة على ذلك كثيرة في مجال الشعر: أمل دنقل، ونزار قباني، وأحمد مطر، وأحمد عبد المعطي حجازي...

 

س: ماذا سنقرأ لكم في المستقبل كجديد؟

- هناك كتاب أعده في نقد القصة القصيرة جدا، مع إصدار ببيليوغرافيا مغربية منقحة ومزيدة في هذا المجال.

 

س: ما تقول في:

- أمين حداوي،

- "جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون بالناظور"

- الدكتور فريد أمعضشو،

 

- أمين حمداوي هو ابني العزيز والطالب الجامعي الذي أشرف على الانتهاء من الإجازة في الفلسفة، يعجبني هذا الولد على ذكائه الخارق والمتنور، يذكرني بالفيلسوف ديكارت بتأملاته العميقة في الوجود. فدائماً، أتناقش معه في كثير من المواضيع الفلسفية المؤرقة، وينتقد كتاباتي بجرأة حادة، ويرفض توجهي الكمي، والاعتماد على المصادر والمراجع، ويريدني أن أتحرر من سلطة التناص، بالبحث عن مشاريع شخصية ذاتية. فهو لايرى الفلسفة نظريات وأقوالاً، بل هي عملية التفلسف نفسها. ومن ثم، أندهش كثيراً لزاده العلمي في مجال الفلسفة والمنطق، وطبيعة تفكيره الذي يعتمد عليه في مناقشة كثير من القضايا المعرفية والفلسفية.لذا، يزودني بكل النصائح والتوجيهات الفلسفية التي قد تنفعني في مشاريعي وأعمالي المستقبلية.

 أما الدكتور فريد أمعضشو، فهو الوحيد الذي يكملني، وأراه يكمل مسيرتي العلمية والفكرية، وهو كثير الاجتهاد والنشاط والإبداع، ومتمكن من علوم الآلة بشكل جيد. وتعجبني موسوعيته التي جعلته يحتك بكثير من الأجناس والأنواع والأصناف الكتابية، ويجتهد فيها إلى أن يحذقها بكفاءة قل نظيرها. لذلك، فأنا سعيد جداً عندما وجدت شخصاً يكمل مساري العلمي في مدينة الناظور، فهو المرشح الوحيد، لحد الآن، لحمل مشعل النقد والتنشيط والتدبير الثقافي بجدية وصرامة وتفان وإخلاص . وأرجو له النجاح في ذلك إن شاء الله.

 أما جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون، فهي جمعية ثقافية محلية مستقلة تُعْنى، أساساً، بالبحث في الثقافة، والفنون، تأسست بمدينة الناظور عامَ 2010، بمبادرةٍ من عدد من مثقفي المنطقة وكُتابها ومبدعيها. وتنحصر أهدافها في الانفتاح على مكوّنات الثقافة المغربية كافة؛ والعناية بجميع فروع الثقافة وأشكال التعبير الفني؛ والاهتمام بالتراث الأمازيغي توثيقاً وأرْشفة ودراسة؛ وتنظيم مهرجانات ثقافية وفنية خدمةً للثقافة الوطنية بصفة عامة، والثقافة المحلية بصفة خاصة.

بيد أن ما يميز هذه الجمعية هو إشرافها على مهرجان القصة القصيرة جدا، وخدمة المونودراما، والاهتمام بالثقافة الأمازيغية بصفة خاصة، وخدمة الثقافة العربية بصفة عامة. ويشرف عليها طاقم من المثقفين المخلصين الغيورين على الفعل الثقافي المحلي والجهوي والوطني والعربي الذين أسدوا خدمات كبيرة وجلى للثقافة القومية إبداعاً وتنظيراً ونقداً وتأريخاً وتوثيقاً وتنشيطاً وتأطيراً وتنويراً...

 

س – يشرف "العرين" أن تستضيف كاتباً كبيراً مثلكم، كلمة أخيرة منكم رجاءً...

- أشكر الأخ الأستاذ ميمون حرش على هذا الحوار المفيد والبناء مثل اللؤلؤ المنضود، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على الموهبة الصحفية التي يمتلكها صاحبنا المبدع المتميز ميمون حرش. وأشكره مرة أخرى على استضافته لنا في عرينه الثقافي المتميز .

 

حاوره: الأستاذ المبدع ميمون حــرش

 

 

maymon harashهو منارة عالية، لاسمه مكانة خاصة في قلوب أهل الناظور، يحبونه ويحبهم، وترضيهم كتاباتُه، وهو يحرص أن يكتب ما يعجبهم.. لا شي خارج اهتمامه، يكتب القصة القصيرة، والق الق جداً، والمقال، والخبر، والخاطرة.. وفي كل نصوصه لا نعدم متعة أبداً؛ يختار كلماتِه، ينتقيها بدقة، وخوفه من القراء لا حدود له، يعتبرهم قضاة يحاكمونه على قيمة ما ينشره، لذا حرصه على الدقة فيما يكتب يصل أحياناً حد الهوس، ولكن يكفي لأي نص أنْ يُصبغ باللون الأخضر(نسبة إلى اسمه " الخضر") حتى يحصد أعلى نسبة من القراءة، وقدراً غير يسير من الإطراء، والإعجاب فتتقاطر عليه رسائلُ كثيرة مادحة ومُنوهة..

اشتغل صِحفياً، وتدرب على الحرف كما يجب، وألف لحد الآن:

"قصتي مع جاكي شان" في القصة القصيرة، و"تعويذة شهرزاد" في القصة القصيرة جداً.. ومشاريع كثيرة في الطريق ستعرف النور قريباً إن شاء الله..

يُسعد سلسلة حوارت "العرين" أنْ تستضيفَ الكاتب المتميز الخضر الورياشي ..

 

س- مرحباً بك سيدي الخضر في "العرين".. ما الذي لا يعرفه الناس عن الخضر الورياشي؟..

ج-هناك أشخاصٌ منزعجون بما "يظنون" أنهم يعرفون عني، ويتَّخذون بظنونِهم تلك مواقف عدائية، وسلبية، تجاهي.. فكيف إذا أعلنتُ لهم عن ما لا يعرفون ؟!.. أخشى أن تزدادَ كراهيتُهم لي، وألقى منهم أذى شديداً... دعِ الطبق مستوراً يا صديقي.

 

س- اسمك في الإبداع عموماً معروف، واسمح لي أن أستعير لفظاً من الفن السابع وأقول عنك بأنك "كاتب شباك التذاكر".. هل أنت سعيد بهذه الشهرة؟..

ج- لم يخلق بعدُ من لا يحبُّ الشهرةَ، حتى الزهاد والمنقطعون عن الدنيا تُسْكرهم الشهرة، ويجدون لها حلاوةً خاصَّةً.

نعم، أنا سعيدٌ بهذه الشهرة، وهي النعمة الوحيدة التي أشعر بها شعوراً "مُصَفَّى"، وأحرصُ أن أزيدَ من رَصيدها بالإنتاج الأدبي الجيِّد، الذي يُرْضي القراء والأصدقاء.

 

س- ألفتَ لحد الآن "تعويذة شهرزاد"، و"قصتي مع جاكي شان وجنية الكتب، وقصص أخرى".. هل يمكن الحديث عن نقط الاختلاف، والائتلاف في المجموعتيْن..؟

ج- "قصتي مع جاكي شان" هي باكورتي في النشر، كتبتُ قصصَها بسهولةٍ أكثر، ووجدتُ نفسي مُسيطراً فيها على الحكي والأدوات الفنية، وقلتُ ما استطعت أن أقول دون شعورٍ بأنني مراقب من أحدٍ، أو أن هناك من سيحاسبني على بنائها الفني.

أما "تعويذة شهرزاد" فكتبتها وكأنَّ مجموعة من الأرواح كانت تحُفُّ بي، وتراقب ما تخطُّ يميني من مفردات وعبارات، وتنتظر كلاماً محدَّداً لا زيادة فيه ولا نقصان. ولا يخفى عليكَ أن خصوصية القصة القصيرة جداً، هي التي فرضت عليّ هذا "المناخ الأدبي" الذي كتبت فيه المجموعةَ، وأرغمتني أن أكون حذراً، يقظاً، لا أسطر أي سطرٍ، إلا وأعرف ما يتطلب السطرُ من حرفٍ وفعلٍ واسم.

إنَّ القصة القصيرة جداً مغارةٌ عجيبةٌ تستوجب على من يريد الدخول إليها أن يُتَمْتِم بعبارات محددة جداً، قصيرة جداً، قوية جداً، بليغة جداً...

 

س- تحرص كثيراً على عنصر "الحكائية" أو القَصصية في نصوص القصة القصيرة جداً.. هل يضير النصَ لو اكتفينا بالتكثيف، والإدهاش دون حكائية..؟

أقصد أن "القصصية" غالباً ما تُسقطنا في نصوص طويلة دون أن نشعر، إذا راعينا شروط فن القصة كالحدث، والشخصية، والعقدة، والزمكان، والنهاية..؟

ثم لماذا هذه الصرامة في شروط الق الق جداً، ما يتعلق بجم النص خاصة..؟

ج- لكل قصاص طريقته، وأسلوبه، وقناعته، في الكتابة... والنقاد أنفسهم مختلفون في التنظير لفن القصة، والقصة القصيرة جداً. لكن، من جهتي، أجد أنَّ شرط "الحكائية" ضروريٌّ لفن القصة؛ فالقصة - بكل بساطة - هو أن تقص أشياءً، وتحكي أموراً، ويستمع إليك الناس تصف لهم حوادث وأشخاصاً ووقائع، وأنت وأسلوبك في طريقة القص، وإدارة تفاصيل الحكاية، تُقدِّم أوتؤخر.. تٌُوضِّح أو تُلْغز.. لكن تبقى أن هناك "حكايةً" تشدُّ الانتباه، وتثير غريزة الفضول والمعرفة. ولا يضير النص إذا استخدم التكثيف والإدْهاش بمهارة وذكاء، يستشف منهما المتلقي أنَّ الساردَ "يحكي حكايةً ما"... وهكذا ترى أني أُصرُّ على عنصر الحكاية في القصة بجميع أنواعها.

 

س- في مقالي عنك "تعويذة شهرزاد وتجليات الجودة" بمناسبة احتفاء اتحاد كتاب المغرب /فرع الناظور بإبداعك في بحر سنة 2015 أثرتُ نقطة لها صلة بحرصك الشديد على اعتماد اللغة العربية الفصحى.. أنت تكتب بفصاحة، وبلغة متينة، ولا تعترف بعلامة "قف" حين تبدع.. من أين تأتي بهذه الفصاحة كلها؟..

ج- شهادتُكَ بأني أكتب بفصاحةٍ، تثلجُ صدري. أما من أين تأتيني؟.. فهي من حرصي الدائم على القراءة، وقراءة مختلف الكتب والمؤلفات، واطلاعي على نصوص كثير من المؤلفين العرب القدامى والمحدثين. ومن حينٍ إلى حين أعودُ إلى كتب اللغة والمعاجم، وأنظر فيها. وأعظمُ كتابٍ منحني هذا الجزء الذي تراه من الفصاحة هو القرآن الكريم. وإني أجدها فرصة سانحةً لأقول لكل من أراد أن يحمل القلم، ويحترف الأدب، أن ينْهلَ من القرآن الكريم، ومن الحديث النبوي الشريف، ويحمل نفسه على قراءة كتب التراث العربي، ويطلع على مؤلفات رواد النهضة الحديثة. وإني أتعجب كل العجب حين أسأل بعض الشباب الذين يتصدَّوْنَ للكتابة هل قرأوا مثلا (المنفلوطي/ أو الرافعي/ أو العقاد/ أو طه حسين/ أو جبران/ أو ميخائيل نعيمة/ أو.. أو...) فأكتشف أنهم لمْ يقرَبوهم ولو ساعةً من الزمن !!

 

س- "تعويذة شهرزاد" ممهورة بتيمات فيها من التأمل الشيء الكثير، تلتقط فيها جزئياتٍ، وتفاصيلَ تقبع في زوايا لا يهتم بها أحد، فتميط اللثام عنها، كيف تختار موضوعاتك ؟..

دعني أشرح سؤالي رجاءً: "أريد هل شرط الاستفزاز وارد هنا للإبداع؟ أم الكتابة لديك هي فعل "أمر" كلما حكم القلمُ انسقت، واستُثيَرت في داخلك ثورة الكتابة كما نعهدك..؟

جـ أنا لا أختارُ موضوعاتي، ولا أحَدِّدُ ماذا أكتب اليوم أو غداً، بل وأزيدكَ أنه إذا كلَّفني أحدٌ بكتابة موضوع مُحددٍ فإني أرتبكُ وأعجز عن الكتابة.

الموضوعات هي التي تختارني، وتهجم عليَّ بمشاكلها، وعُقدها، وأزماتها، وتنزلُ على رأس قلمي وتقول له: "اكتب".. فيكتب وهو يشعر أنه يقوم بواجب مقدس.

في حالتي، "الاستفزاز" هو الذي يحملني على الكتابة، وهو الذي يضطرني إلى أن أمتشق قلمي، وأشْرَع سنَّه في وجه الموضوعات، أكتب عن القبح والفساد والظلم والانحراف، وأقول كلمتي وأمشي إلى بيتي مرتاحاً.

أنتَ تقول "الاستفزاز".. وهناك من يقول "الغضب".. وأغلب الكتاب هم أشخاصٌ غاضبون، من زمنهم، من بيئتهم، من مجتمعهم، من أقاربهم، من حكامهم... المهم أنهم لا يكتبون وهم هادئون، مطمئنون، مرتاحو البال، والحال، والمال... وإن لمْ أخطئْ فلِـ "أوسكار وايلد" عبارةٌ يؤكد من خلالها أنَّ الغضب هو الذي يدفع الأشخاصَ إلى الإبداع.

 

س- ميزة القصة القصيرة جداً لديك هي اقتناص المفارقة Paradoxeعبر سرد مكثف، دال، وموحٍ.. كيف تنجح في اقتناص الحدث بهذا الوهج فتحقق به مفارقة عجيبة؟.

ج- لستُ أدري كيف أنجح ـ إن بدا لكَ أنِّي أنجح ـ، لكن، أؤكد لك أني حين "أتعاطى" الكتابة أحرصُ على أن أكون "أديبا"، ولا يكفيني أن أكون "موثِّقاً" أو حتى "صحافيا" يُخبر الناس عن أمورٍِ بكلام عادٍ، يستطيع أن يقوله أيُّ "عابرٍ في كلامٍ عابرٍ".

 

س- لن يستقيم حواري معك دون أن أثير معك نصك البديع "نبي إبليس" في الملتقى الثالث للقصة القصيرة جداً، والذي نظمته "جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون" بالناظور في مارس 2014.. قرأتَ نصك على ضيوف الناظور فاحتدت الأكف لك بالتصفيق، بل وهناك من النقاد الكبار من تبناك بسبب هذا النص، سؤالي، كيف يمكن لنص "يتيم" أن يفعل فعل المطر في التربة في الوقت الذي تعجز فيه كتبٌ كثيرة لمؤلفين كثيرين أن تلفت مجرد النظر إليهم..؟

ج- بدايةً، أغتنم هذه الفرصة، وأتقدم بشكري الجزيل لجمعية "جسور للبحث في الثقافة والفنون"؛ فهي التي أتاحت لي هذه الشهرة، والآفاق، والعلاقات، والصداقات، وهي التي قدمتني إلى الفضاءات المختلفة، والرجال والناس المهتمين بفنون الأدب والكلام الجميل.

أما "نبي إبليس" فقد كان رسولي الكبير إلى أهل الأدب، وأصحاب الصناعة النقدية، وهو الذي أسمعهم "صوتي الأدبي"، وجعلهم يلتفتون إلى دعوتي، ورسالتي، وهناك من آمن بي، وهناك من كفر حسداً من عند أنفسهم.

لقد كان "نبي إبليس" نصّاً مشاغباً، اقتحم "الملتقى الثالث للقصة القصيرة جداً"، ووجد له مكاناً، مع أنه لم يكن "قصة قصيرةً جداً"، لكنَّ الضيوف الكرامَ الذين استمعوا إليه، في تلك الليلة في الفندق، هم الذين حرَّضوني على قراءته على الضيوف، وجعلوا الابتسامة التي ارتسمت على شفاهم ـ ليلاً ـ تنتقل إلى شفاه الآخرين ـ نهاراً ـ، وتعمَّ الجميع، في المركب الثقافي. وقد كنتَ أنت من المحرضين، وعلى رأسكم الدكتور ميمون مسلك.

أمَّا أنَّ في إمكان "نصٍّ يتيمٍ" أن يفعل فِعْلَ المطر في التربة، فليس بغريبٍ، أو عجيبٍ، فكثيرٌ من النصوص في الآداب العالمية فعلت ذلك، نذكر منها على سبيل المثال: "دونكيشوت" و"الإلياذة والأدوسيا" و"الكوميديا الإلهية" و"المعلقات" في الأدب العربي... ولا يخْفى عليك أن "المطر يتكون من تجمُّعِ السحب، وتبخُّرِ المياه من الأنهار والمحيطات"؛ بمعنى أنَّ النص الجيِّدَ استقى جوْدته وقوته من ينابيع مختلفة ومياه عذبة.

 

س- بدأتَ بمطولات قصصية، وانتهيتَ إلى قصص قصيرة جداً.. كيف استقام لك هذا الانتقال من البحر إلى النهر؟ وأين يجد الخضر نفسه وهو يكتب؟..

ج- لم أنتهِ إلى القصة القصيرة جداً، وليس في نيَّتي أن أنتهي إلى أي جنس مُعين من الكتابة؛ إنِّي أطلقُ العنان لقلمي، وأترك له مطلق الحرية، في أن يشقَّ طريقه في القصة، أو الخاطرة، أو المقالة، أو الدراسة، أو الخبر، أوالتعليق والتحليل... وإني أجد نفسي في كل ما أكتب ما دمتُ أكتب، وبمجرد ما أنتهي أضيعُ.

وقد أفاجئكَ إذا أخبرتك أني أجد نفسي بقوة حين أكتب المقال؛ ففي المقال أبحر في كل المحيطات دون أن أخشى الغرق، وأسافر وأنا متأكد من العودة السليمة.

 

س- عناوين قصصك لافتة، ما الذي استهواك مثلاً في "جاكي شان"Jackie chan؟ ، وما علاقة هذا الممثل بمتن مجموعتك "قصتي مع جاكي شان وجنية الكتب وقصص أخرى"؟

ج- سأكون معك صريحاً، وأخبركُ أني كنتُ "لئيماً" حين اخترتُ أن يكون اسم "جاكي شان" عنواناً لمجموعتي القصصية، وأن تتصدر صورتُه الغلافَ؛ لأني أردتُ من خلال ذلك أن ألفتَ إليَّ الأنظارَ، وأشعلَ غريزة الفضول عند القراء، ويتساءلون أي "قصة" يمكن أن تكون بين هذا "الورياشي" وبين "جاكي شان"، فيسارعون إلى اقتناء المجموعة. إنها "سياسة تجارية".. لكنها لم تنجح للأسف. فحضور "جاكي شان" في السينما أقوى من حضوره في "الأدب".

 

س- أثير معك نقطة تتعلق بقدرتك على الكتابة " le pouvoir d’écrire،هذه الميزة تمنحك إنصاتاً جدياً لنبضات قلبك، وحباً لإبداعك، ورهبة من قُرائك؛ والحصيلة كتابات كثيرة كحبات الرمل.. حدثنا عن سر هذه القدرة العجيبة؟

ج- لن يظل السرُّ سـراً إذا تمَّ الكشفُ عنه. وأنا نفسي لا أعرف "سرَّ هذه القدرة العجيبة".. ولكن، أحمد الله عليها، وأشكر فضله.

فقط، أودُّ أن ألفتَ انتباهَكَ؛ هو أنني لا أرهبُ من قرائي، بل أشعر نحوهم بشعورٍ مسؤولٍ، وحين أكتب أحرصُ أنْ "أفيدهم وأمتعهم معاً"، ففي اعتقادي الراسخ أن الأدب فائدة ومتعة. وهذا هو موقفي من الكتابة ومن القراء.

 

س- أنت قارئ نهم ، ومُواكب لكل ما يصدر من جديد ؛ هل أنت راض عن المتابعة النقدية لما تكتبُه؟

ج- لستُ راضياً، ولستُ ساخطاً؛ وإنما ما زلتُ أنتظرُ من يكشف عن أمور أتمنَّى لو يصل إليها النقادُ، ويضيئوا بعض المناطق التي لم يتلفتْ إليها الذين تناولوا أعمالي حاليّاً.

 

س- تكتب الروائية آمنة برواضي في مقالتها عن "تعويذة شهرزاد" قائلة:

" على صورة غلاف المجموعة أن يحل محل يفاجئنا الضوء المنساب من داخل البيت ليضيء السواد الكثيف،/.../ وشعاع الضوء دليل على وجود أمل يطمح الكاتب الظلام. يكفي أن نفتح الأبواب على مصراعيها، وهذا الأمل يؤثث زوايا المجموعة. الضوء يتسرب على غير العادة من داخل البيت، فقد يكون الوقت ليلا ولا وجود لمصابيح تضيء المكان في الخارج، وربما مرده إلى كون البناية قديمة لا سقف لبهوها كما هو حال البنايات في الماضي، كما أن الباب الذي يتسرب منه الضوء نسجت حوله خيوط العنكبوت وهذا يدل على أن المكان مهجور لا يسكنه أحد، ولا بد من تلك التعويذة، وقد يكون إشارة إلى التراث القديم.."

- لوحاتُ كتبك مثل قصصك، غنية، وثرية بالدلالات، ترى هل وفقت برواضي في فك لغز لوحة التعويذة؟ ..ثم كيف تختار مثل هذه اللوحات الفنية الرائعة..؟

ج- نعم، وفقت "أمنة برواضي" في قراءة غلاف المجموعة، واقتربت من غموضها قليلاً، وإني أحييها بهذه المناسبة تحية خاصة، لما خصتني به من دراسة جادة وموفقة، اقتربت فيها من منابعي أكثر من غيرها.

واختياري للوحات الفنية مسألة ذوق بالدرجة الأولى، ومحاولة للتوفيق بين مضامين القصص والصور التي قد تترائ في خيال القراء.

وبالمناسبة، أودُّ أن أخبرَ القراء هنا، أنَّ التعويذة السحرية تطلق ثلاث مرات حتى تتحقق الاستجابة كما هو شائع في كثير من الاعتقادات، ولهذا السبب وظَّفتُ في القصة التي جاءت بعنوان "تعويذة شهرزاد" ثلاثة قصاصين، أجبرتُ كل واحدٍ منهم أن يحكي قصة قصيرة جداً، كي يُفتحَ بابُ القصر الذي سُدَُّ عليهم. وذاك ما كان في القصة.

 

س- " ركزت آمنة في دراستها للمجموعة عن عنصر "التناص"، وتتبعته بشكل دقيق، فكشفت عن قدرتك كمبدع كبير على استثمار نصوص كثيرة تختزنها في ذاكرتك..

عنصر التناص، ما ذا يمكن أن يضيف، وهل هو قادر على لفت النظر كما النص الأصلي؟

ج- التناص إذا جاء عفواً أثناء الكتابة فهو شيء محمودٌ، ويضفي على العمل الأدبي جمالا وسحراً، لكن إذا كان مقحماً ومسيطراً، فهو غير مرغوبٍ فيه؛ فالعمل الأدبي يكون جميلاً بنفسه وليس بغيره، مثل المرأة الجميلة جمالاً طبيعيّاً، لا يضرُّها أن تضيف بعض المساحيق والعطور إلى ملامح وجهها وجسدها، لكن لا يُفقدها غيابُ تلك المواد الإضافية جمالها الحقيقيَّ.

 

س- كثيرون هم الذين خصوك بكتابات عن إبداعك الثر، منهم على سبيل المثال لا الحصر: د ميمون مسلك، د مصطفى سلوي، القاصة آمنة برواضي، والباحث عبد الواحد أبجطيط، والدكتور عيسى الداودي ، والكاتب السوري أحمد عكاش، وميمون حرش،/.../ ما الذي يميز كتابة كل واحد من هؤلاء؟..

ج- كلهم اتفقوا على أمورٍ مشتركةٍ، وذكروا أنها موجودة عندي، ونوَّهوا بأسلوبي الخاص في الكتابة، وإنْ كان الدكتور "ميمون مسلك" أكثر الجميع صرامةً في نقد القصص، ولفتي إلى أمورٍ ضرورية، يجب عليَّ أن ألتزم بها، كي أرتقي بفن القصة القصيرة جداً. وإني أتوجه إليه بالشكر الخاص لما حباني به من عناية خاصة، وتشجيع.

 

س- شاركت إلى جانب مبدعين عرب كثيرين من عيار ثقيل في كتابة القصة القصيرة جداً، وحازت مجموعتك "تعويذة شهرزاد" المركز الثالث في المسابقة الكبرى للقص الوجيز في مهرجان الناظور للقصة القصيرة جداً مارس2015..

هل أنت راض عن هذه الجائزة؟ ثم هل الجوائز الأدبية تعكس فعلا قيمة المبدع؟..

ج- راضٍ كل الرضا، والحمد لله الذي جعلني أقف بقامتي القصيرة إلى جانب كتاب طِوالٍ.

الجوائز الأدبية لا تعكس قيمة المبدع دائماً.. لكن نسبة القراء هي التي تعكس قيمته، وهي التي لا يشك فيها أحدٌ أو اثنان.

 

س – تجربة التأليف الجماعي ( أعني مشاركتك في كتاب "جسور" مع مبدعين من الريف ) ماذا أضافت للخضر الورياشي؟

ج-أضافت إليَّ أنني موجودٌ بين حملة الأقلام في الريف.

 

س - أنت كاتب ناجح.. كيف يمكن للمبدع أن يكون كاتباً ناجحاً برأيك؟

ج-أن يكون موهوباً أولاً وأخيراً.. أن يكون قارئاً مستمراً.. أن يكون صادقاً حين يكتب.. أن يكون منصتاً جيداً للنقد.. أن يعترف بأخطائه حين يشار إليها.. أن يكون ذكياً في تناول القضايا والموضوعات.. أن يكون متعلِّماً دائماً...

 

س- ما هي مشاريعك الإبداعية مستقبلا؟

ج- ليست لي مشاريعٌ محددة.. أنا أكتب متى تنزلت عليَّ الشياطين والعفاريتُ .. وأنقادُ لقلمي، وليس هو الذي ينقادُ لي، مع أنني لا أجْني منه سوى الأرق والقلق والتعب والحسد.

 

س – كلمة في حق:

• الحسن والحسين

• ـ زينةُ حياتي، وإلى جانبهما ابنتي الصغيرة "أسينات".

• كورنيش الناظور

• بدون "كشك" لبيع الجرائد والمجلات والمنشورات الثقافية لا قيمة له ـ بالنسبة إليَّ ـ

 

س- شرف كبير أن نستضيف الأستاذ الخضر الورياشي في "العرين" ، شكراً على صبرك، وكلمة أخيرة من فضلك..

ج- الشكر لك أولا على احتفائك الكبير بأدباء الريف.

الشكر لجمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون.

"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" صدق الله العظيم

 

حاوره القاص ميمون حـرش

 

wedad farhanوداد فرحان رئيسة تحرير صحيفة بانوراما تحاور الاستاذ عمر البرزنجي وكيل وزير الخارجية العراقية للشؤون القانونية، على هامش زيارته الأخيرة الى استراليا ...

- عمر البرزنجي: نجحت في مهمتي حيث تمكنت من ردم الهوة وازالة الغبار الذي كان يلف الحقيبة الدبلوماسية

- البرزنجـي: على الجميـع أن يضـع العراق أولا في عينيـه ونتعالى جميعـا عـن الإرهاصـات التي تعيـق خدمـة العـراق وأبنـاء الجاليـة في استراليـا

- البرزنجي: التزامنا الاخلاقي ببرنامج الزيارة المقرر من قبل السفير مؤيد صالح حال دون الالتقاء بأبناء الجالية العراقية

- بانوراما تحصل على وعد من وكيل وزارة الخارجية للشؤون القانونية على متابعة الخروقات القانونية والادارية والفساد المالي في السفارة العراقية.. وتزود الوكيل بالادلة الثبوتية للخروقات

- البرزنجي: أقلت سائقي الشخصي لكونه من العائلة رغم حاجة العمل لامانته،

- التزاما بتعليمات الوزارة بعدم جمع قريبين في سفارة واحدة!

 

لم يكن موضوع الالتقاء بالأستاذ عمر البرزنجي وكيل وزير خارجية الحكومة العراقية للشؤون القانونية خلال زيارته الى أستراليا أمرا سهلا في ظل وجود الغيمة السوداء التي يعيشها الواقع الدبلوماسي العراقي في أستراليا متمثلة في حالة الفساد المستشرية في بناية السفارة العراقية في كانبرا، وتحديدا في الخروقات الإدارية والقانونية لسفيرها مؤيد صالح الذي حاول وضع العصي في طريق حصول هذا اللقاء، لكننا كجريدة تفهم أن من بين مهامها الإعلامية الوصول الى المسؤول لكشف الأوراق والملفات أمامه بمهنية ومصداقية الصحيفة الملتزمة، لذا عملنا جاهدين من أجل الوصول الى وكيل الوزير، وتحقق الأمر، ووصلنا، ووضعنا أسئلتنا وتصوراتنا أمامه، فضلا عن الأسئلة والمشاكل التي يعاني منها المواطن العراقي في أستراليا، حيث استقبلنا السيد الوكيل في مقر إقامته، وكان هذا اللقاء:

 

بودنا ان نعرف ماهية زيارتكم الى استراليا؟

- كانت هذه الزيارة من ضمن خطط وزارة الخارجية للوقوف على اشكاليات وقضايا ادارية في الحقيبة الدبلوماسية العراقية في استراليا تخص السفارة والقنصلية وممثلية اقليم كردستان، وكذلك تخص علاقات هذه الجهات مع أبناء الجالية العراقية.

 

وفق هذه الإجابة هل تعتبر زيارتكم لغرض التحقيق في هذه القضايا؟

- لست هنا من أجل التحقيق، بل جئت كي أردم الهوة الكبيرة بين الجهات المختلفة في وجهات النظر وسياق المفهوميات الإدارية والقانونية التي حصلت خلال المدة الماضية بين الجهات الدبلوماسية الرسمية العراقية في استراليا كمهام وظيفية تتعلق بالسياقات الإدارية والقانونية، فضلا عن علاقات تلك الجهات مع أبناء الجالية، لاسيما الجهات الدينية وغيرها من المؤسسات الحزبية والمدنية والثقافية، وقد نجحت في ازالة الغبار الذي كان يلف الحقيبة الدبلوماسية بأكملها، في كانبرا، وسيدني، ومكتب اقليم كردستان، والجهات ذات العلاقة، وحسب اعتقادي ان الله قد وفقنا. نجحنا نجاحا كبيرا وبنينا بناء شاهقا لا أودّ أي من الأطراف ولأي سبب كان أن يزعزع هذا البناء الذي هو بالنتيجة يخدم الدبلوماسية العراقية في الخارج ويخدم العراق كله، وعلى الجميع أن يضع العراق أولا في عينيه ونتعالى جميعا عن الإرهاصات والمعوقات التي تقف حجر عثرة في خدمة العراق وأبناء الجالية في استراليا مع احترامنا لوجهات النظر المطروحة من قبل الجميع، ويتوجب على التمثيل الدبلوماسي في استراليا ان يتعامل بهذه الروحية.

 

يمر العراق بظروف أمنية صعبة في ظل الحرب الدائرة أوزارها ضد تنظيم داعش الإرهابي.. بودنا أن تطلعنا على الدور الذي لعبته وزارة الخارجية خلال المدة الماضية وما تفكر به للمرحلة القادمة؟

- لعبت الوزارة دورا مهما وفعالا في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها العراق، إذ حشدت الوزارة فرق عملها بشكل مكثف لشرح ابعاد الوضع الخطير الذي يمر به العراق وانعكاساته المتوقعة على دول الجوار خصوصا، والعالم عموما ونعتقد أننا كوزارة نجحنا في توضيح الصورة الحقيقية للدول العربية، ودول العالم بعكس المفاهيم الخاطئة التي كانت تصل اليهم لدوافع مغرضة، وذلك من خلال مشاركات أركان الوزارة في العديد من المؤتمرات العربية والدولية، وكذلك العمل الفعّال الذي يقوم به العديد من سفاراتنا وتمثيل السلك الدبلوماسي في دول العالم.

 

أموال العراق مبعثرة هنا وهناك، نعني الأموال المسروقة من جهات أو أشخاص يقيمون خارج العراق.. ما هو دور الوزارة في قضية استردادها؟.

- تسعى دائماً وزارة الخارجية على استرداد هذه الأموال وقد تابعنا وبصورة جدية ملاحقة الكثير من الحيثيات التفصيلية للعديد من رؤوس الاموال المسروقة والمسجلة تحت اسماء غير شرعية وربما وهمية في أكثر من مكان حيث استطعنا استرداد البعض من هذه الاموال من دول عديدة، بالإضافة الى أننا وضعنا اليد على أموال أخرى وهي مسجلة بأسماء أشخاص وقد أصبحت هذه الأسماء معلومة لدينا ولدى الدول التي بحثنا معها هذه القضية، ومازلنا نبحث عن كل متعلقات العراق المالية في الخارج.

 804-wedad

قرانا وسمعنا ايضا انكم وبجهود جبارة استطعتم استرداد الاثار العراقية المنهوبة وبحنكتكم الدبلوماسية وبالتعاون مع الجهات ذات العلاقة استعدتم العديد منها، هل كانت هناك مؤشرات استدلال على هذه الاثار ام كانت جهود بحثية الغرض منها الحصول على مفقودات العراق الثمينة مادية كانت ام معنوية؟

- كانت لنا جهودا حثيثة حول موضوع اعادة الآثار العراقية وقد نجحت الوزارة في استرداد العديد من القطع الآثارية المهمة، وأيضا مازلنا نسير في هذا الاتجاه حيث تشير معلوماتنا الى أن هناك قطعا آثارية لازالت مختفية.

انا شخصيا وعندما كنت سفيرا للعراق في رومانيا استطعت ان اعيد للعراق العديد من الاثار المهمة جدا والتي تؤرخ حقبة زمنية من تاريخ العراق وتستطيعون مشاهدة يوتوب باسمي مع الكثير من الاحتفاليات التي اقيمت بمناسبة استرداد اثار مهمة الى وطننا العزيز، وبالتاكيد هذا ليس فضلا منا بل انه احد واجباتنا المقدسة لخدمة بلدنا العراق.

 

هناك العديد من القضايا التي يعاني منها المواطن العراقي المقيم في استراليا ومنها الفترة الطويلة التي عليه انتظارها للحصول على جواز سفر عراقي.. هل هناك حلول لهذه المشكلة..؟

- الأمر يخص إجراءات ادارية تتعلق بإدخال المعلومات وإرسالها الى وزارة الخارجية ومن ثم تحويلها الى الجهات المختصة بموضوع إصدار جواز السفر وبالمناسبة فان هذه الإجراءات لا تخص وزارة الخارجية فقط، بل أن موضوعة إصدار جواز السفر تتم من قبل جهات أخرى ويدخل من بينها الجانب الأمني، لكننا كوزارة نحاول جاهدين إتمام ما يتعلق بنا في الجانب الاداري بأسرع وقت ممكن ونعتقد أن جهاتنا المعنية غير مقصرة في هذا الجانب.

 

وجه العراق في الخارج سفاراته وقنصلياته... ووجه السفارات والقنصليات موظف الاستقبال وموظف البدالة، لكن الجالية العراقية في أستراليا تعاني من هذه القضية وبالتحديد في تعاملها مع السفارة حيث ترد على هاتف البدالة موظفة من أصول عربية وبصعوبة واضحة للعيان لا تستطيع تقديم الخدمات المطلوبة لاسيما أنها تقوم بشرح التفاصيل المطلوبة للمواطن.. هل بامكانكم مساعدة المواطن العراقي للتغلب على هذه الحالة؟

- التعليمات واللوائح القانونية واضحة جدا بخصوص تعيينات الموظفين المحليين، ولكن هناك رؤى شخصية من قبل رئيس الحقيبة الدبلوماسية احيانا وحسب الحاجة الملحة في التعيينات المحلية وخاصة الخدمية منها على ان تكون بعيدة عن مصدر القرار السياسي والخاص وكل ما يخص اسرار الحقيبة الدبلوماسية.

 

عذرا سيادة الوكيل للمقاطعة، ووفق ما تتحدث به الان ماذا لو تعلم ان السفارة العراقية تخلو من الموظفين المحليين العراقيين تماما عدا موظفي السلك الدبلوماسي وسيدة عراقية ادارية واحدة فقط وكل ما يدور حول السفير هم موظفون محليون من جنسيات غير عراقية، واحيانا كثيرة يمثلون شخص سفيرنا في المناسبات الوطنية الرسمية وعندنا ادلة توثيقية تثبت صحة اقوالنا وايضا المسؤول الاعلامي للسفارة هو زوج سكرتيرته الخاصة، نحن هنا فقط نود الاستفسار ان كان كل ما تقدم مخالفة قانونية وادارية ام لا؟

- على الرغم من عدم علمي بهذه المخالفة، إلا أنني كما اسلفت بأن التعليمات واضحة والقانون واحد لكل السفارات والقنصليات وكل شيء يخالف هذه التعليمات يعتبر خرقا للقوانين المعمول بها من قبل الوزارة ولي رجاء تزويدنا بأية معلومات موثقة بأدلة واضحة وحقيقية لكي نتخذ اللازم بشأن مثل هذه المخالفات واضرب لكم مثلا عن نفسي حينما كنت سفيرا للعراق في رومانيا عينت شخصا من أقاربي كسائق شخصي في السفارة، لكنني بعد أن اطلعت على التعليمات المركزية قررت اقالته لإن وجوده يعد مخالفة قانونية واضحة المعالم.

 

(زودت بانوراما السيد الوكيل بالأدلة الواضحة حول الخرق الاداري والقانوني المتمثل في تعيين زوج وزوجته في السفارة العراقية واشارات الى كتاب وزارة الخارجية الذي نص على منع ذلك حتى على الموظفين العراقيين).

هناك شكاوى عديدة وصلتنا من المواطنين العراقيين تؤكد على تعطيل وارباك المعاملات المختلفة في قنصلية السفارة التي تعرقل اجراءات المعاملات المقدمة من الكثير من ابناء الجالية بحجج غير قانونية وغير منطقية والدليل على ذلك أن هذه المعاملات تم ترويجها من قبل القنصلية العامة في سيدني.. هذا الامر يأخذني الى السؤال التالي: هل ان القانون وتعليمات وزارة الخارجية العراقية تختلف بين السفارة والقنصلية؟

- القانون واحد والتعليمات واحدة لجميع السفارات والقنصليات، سواء القنصليات في السفارات او القنصليات العامة لكن ربما يكون هناك فهم من قبل موظف يختلف عن فهم موظف آخر لقضية معينة نتيجة الخبرة الإدارية، أو الكفاءة المعرفية المختلفة من شخص الى آخر ويؤدي ذلك الى عدم ترويج هذه المعاملة من قبل هذا الموظف، وترويجها من قبل موظف آخر، لكننا نرفض رفضا قاطعا أن يكون عدم الترويج لمعاملة مواطن لأسباب شخصية مثلا، أو تعامل فوقي او غير انساني من قبل أي موظف من موظفي سفاراتنا وقنصلياتنا في الخارج مع أبناء الجالية العراقية، وان كانت لديكم أية أدلة تؤكد ذلك فنحن على استعداد تام لمعالجة مثل هذه القضايا ومحاسبة المقصر فيها.

 

هل البرتوكول الدبلوماسي يمنع وكيل وزير الخارجية للشؤون القانونية الاجتماع بأبناء الجالية والصحافة العراقية والعربية وحتى الأجنبية ان تطلب الامر، وهل يمنعه من التحدث عن شؤون العراق في هذه المرحلة تحديدا والظروف الراهنة التي يعيش فيها العراق؟

- أبدا لا يوجد أي مانع، لكننا نحن ضيوف على السفارة العراقية وعلينا احترام البرنامج الذي وضعه السفير لزيارتنا، مع هذا فقد سنحت لنا فرصة اللقاء مع عدد لابأس به من مؤسسات دينية واكاديمية ومجتمعية وايضا اللقاء بكم الان كصحيفة عراقية في استراليا.

 

أخذ الحوار مناحي كثيرة، لكن الصحيفة أرادت أن تنقل هذا الجزء الهام من اللقاء. شكرا لسيادة وكيل وزارة الخارجية

bahjat abaasتوطئة: فن الترجمة صناعة تحتاج الى ثقافة رفيعة، باعتبارها ترتبط تماما بموسوعية الكلمة؛ جذورها اللغوية والتداولية، اي المفهوم المعرفي الابستمولوجي لسياقاتها الانسانية، اضافة الى ما يتطلبه هذا الفن من خزين تراكمي في باب الاستعمال الدلالي لمحتوى المضمون الفني والأدبي وطريقة انسيابه.

ان ترجمة النصوص الأدبية الى لغات مختلفة، يعد مهمة شائقة تفرض على المترجم صبرا ودقة وحرفية عالية، باعتبار ان هنالك شيئا ما، يختبيء خلف النص، يفرض على المترجم اضافة معنى آخراً، يلازم المعنى الأصلي للقصيدة، يحتويها بطريقة أعمق شمولا؛ هي مسؤولية كبيرة تلك التي تحتاج الى استقراء لغة النص من خلال استعمال نص ثان مطابق للنص القديم، ولكن بلغة اخرى محايدة، اي بشرط الحفاظ على المضمون الدقيق للنص، وليس هذا فحسب، إنما هنالك حاجة اخرى لإضافة ابعاد جديدة لمحتوى النص بكل مفردة من مفرداته.

لقد حرصت صحيفة المثقف وبشكل مميز على تشجيع ترجمة النصوص العربية الى لغات مختلفة، كالإنجليزية والألمانية وبالعكس، وكان اختيار النصوص جزء لا يتجزء من المسؤولية الملقاة على عاتق هذه، اوتلك النخبة من الأدباء والمترجمين من العاملين، وغير العاملين في هذه الصحيفة الغراء.

بهجت عباس واحد من رموز هذه النخبة، وله تجارب متميزة ومتعددة في قراءة وترجمة نصوص الشعراء العراقيين وغيرهم، والمثقف تتطلع الى تشجيع ما يتفق وخطتها في تبني النصوص المتقدمة بغية الوقوف وإيجاد ارضية واسعة لتداول افكار المبدعين من الكتاب، والأدباء، والشعراء، وأنماط القصائد المكتوبة وطريقة العمل والتفاعل مع نتاجاتهم.

لذلك كان لقاء متميزا هذا الذي جمعني مع واحد من ابرز الشخصيات التي بقيت محافظة على تألقها الأدبي والعلمي. تاريخ طويل وحافل بالعطاء، وكما ذلك، فهو عامر بالمحبة والتواضع.

هنا في مكان يحتفي بأصحابه ورواده، ساندياكو مكان يذكرني بأولئك الذين كنا نلتقيهم ذات يوم في مقهى البرازيلي ايام بغداد الجميلة، وفي مقهى الهافانا ايام دمشق التي كانت جميلة ايضا.

ستار بوكس هذه المرة، كانت على نمط جلسة عفوية جمعتنا صحبتها لتبادل الحديث معا عن نصوص الشعر وهموم الادب والأدباء، وكذا البحث كان عن علم الجينات ومواضيع، هي الاخرى تستهويني وانا انصت بلهفة عميقة الى مصدر شفوي من مصادر العلم والمعرفة.

العالم والمفكر والباحث والأديب والصيدلاني الدكتور بهجت عباس علي، الذي لم يخلو لقاء من لقاءاته من بحث جديد ومعلومة جديدة، وأفكار جديدة، ليس في باب الادب والترجمة الشعرية فحسب، بل في باب العلوم الطبية ومصطلحاتها الدقيقة ايضا. لذلك بعد السلام، استهل كلامي بهذه التوطئة:

800-akeel 

ان ترجمة النص يحتاج الى وقت وجهد مثابر، هو عمل مجهد وعسير، خاصة مع اهتماماتك العلمية والطبية، هذا ناهيك عن انشغالاتك الأهم في التأليف.

- ترى كيف تختار القصيدة للترجمة؟

دكتور بهجت: ليس الاختيار سهلاً. ما يهمّني أوّلاً المعنى فيما إذا كانت ذات معنىmeaningful أو بدونه meaningless والفكرة أو الغرض الذي كُتبت من أجله، غزلاً، سياسة، حالة نفسيّة أو فلسفيّة وقد ترجمت من هذه الأنواع الجيّدَ منها دون تمايز. ثمّ يأتي تركيبها وصوغها، إذا كانت ذات متانة أو ركاكة وفيما إذا لمْ تُحشرْ فيها تعابير أو أسماء معيّنة لا يسيغها القارئ من ناحية وتؤدّي إلى شرح طويل لتبيانهايستهلك وقتاً وجهداً لا ضرورة له من ناحية أخرى، وأستثني بعض الأسماء الواردة فيها إن كانت هامّة وذات فائدة للقارئ إنْ عرفها.وهناك شيء هامّ جدّاً، وهو التباين أو الفوارق بين اللغات والمفاهيم، فقد تكون القصيدة جميلة في لغتها وهزيلة أو مضحكة في ترجمتها حسب المتعارف عليه من تقاليد المجتمعات المختلفة.

 

سؤال: ما هي بنظرك أهمية الترجمة؟

دكتور بهجت: تكمن هذه الأهميّة في التواصل بصورة عامّة. فمعرفة الشخص بحضارة الآخرين هو علم بحدّ ذاته، إذ يتمكّن القارئ من المعرفة لاكتساب خبرة في ذلك الشأن فتتوسّع مداركه أو لتعلّم شيء جديديستفيد منه في حياته، أو ما هم عليه الآخرون ليسير على منوالهم أو يتجنّب ما يراه ضرراً عليه، فأهميّة الترجمة هي التقارب بين الشعوب في العالم الذي أصبح قرية كونيّة لا غنى له عنها في تجواله فكريّاً وجسديّاً.

 

سؤال: كم قصيدة ترجمت؟

دكتور بهجت: لمْ أحسِبْها. ولكنّها حسب ظنّي لا تقلّ عن 250 قصيدة.

 

سؤال: ما هي أهم القصائد التي ترجمتها لحد الان؟

دكتور بهجت: هذا سؤال محيّر أو محرج حقّاً! فما ترجمتُ هو مهمّ، وهل بفرّق فرق بين أبنائه إن كان عادلاً ومنصفاً!؟ فأنا أخترتُ ما رأيتُه جديراً بالترجمة ومهمّاً وجميلاً. وللقارئ أنْ يقرّر ولستُ أنا، فأنا أعرض البضاعة وأبرزها بصورة لائقة وجميلة وهو، الناقد المدرك، الذييختار ما يرغب ويستهويه منها. وكما تعرف يا عزيزي، فلكلّ مزاجه وذوقه وتفكيره وعاداته في الاختيار. وكما يقول المثل المعروف: لولا الأذواق لبارت السّلع!

 

سؤال: هل ترجمت لشعراء عرب؟

دكتور بهجت: نعم، ولكن عددهم ليس بكثير، وأتمنّى أن يتّسع لي الوقتُ لأترجم أكثر.

 

سؤال: ما الفرق بين ترجمتك للأدب العالمي والأدب العراقي؟

دكتور بهجت: الترجمة من الأدب العالمي، يعني من لغة أجنبيّة إلى العربيّة أسهل من العربية إلى اللغة الأجنبية، وليس دائماً، حيث يعتمد على أسلوب القصيدة التي يكتبها الشاعر. فمثلا ترجمة أشعار ريلكه وهولدرلينوتسيلان ليست سهلة أبداً مثلما تترجم لهاينريش هاينه، فهناك فرق واضح. وكذلك يوجد هذا الفارق بين الشعراء العراقيين الذين ترجمت لهم. فمثلاً ترجمة نصّ الشاعر الراحل كمال سبتي (حكاية في الحانة) صعبة جدّاً لكثرة الغموض والرموز فيها التي يجب فهمها لوضعها في أسلوب واضح ليتسنّى للقارئ الألماني فهمها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ترجمتي النصوص الأجنبية إلى العربية (أقوى) وأمتن من ترجمتي النصوص الأجنبية إلى العربيّة، ذلك أنّ العربيّة هي لغتي التي درستها وتعلّمتها منذ البداية فهي لغتي الطبيعيّة التي وُلدتُ معها وصاحبتني طوال حياتي. أما اللغات الأجنبيّة فهي مُكتَسَبة أحاول إجادتَها على أن المُكتَسَب ليس كالطبيعي، وقد يكون أحسن في بعض الحالات إذا عاش المرء حياة طويلة في ذلك البلد أو تكلّم بلغة مواطنيه زمناً طويلاً وكان جادّا فيتعلّمه ومتابعة أسرار تلك اللغة.

 

سؤال: ما هي الفائدة التي جنتها عملية ترجمتك للنصوص؟

دكتور بهجت: لا فائدة مادّية مطلقاً! ولكن المعرفة وتوسيع المدارك هو ما أصبو إليه إضافة إلى الهواية الشخصيّة وولعي بالشعر والأدب هو طبيعتي، ثمّ أنّ تعريف الشعوب بعضهم ببعض بواسطة الترجمة، وخصوصاً الشعر والأدب تجعلهم أكثر تقارباً ومودّة وصداقة، وهذا ما يسرّني.

 

سؤال: ما هي إنجازاتك الحالية والقادمة؟

دكتور بهجت: الحالية والقادمة سِيّانِ ، بل شيء واحد يتلخّص في كتابة (مذكّراتي) التي بدأتُ بها ونشرت بعضاً منها، وهي حافلة بالنضال من أجل البقاء. ولربّما تكون في الحقيقة تاريخاً حسب تجاربي،فهي ستذكر ما مررتُ به وخبرته من الأصدقاء والمعارف والناس بصورة عامّة وأنّ ما قيل : كما تكونوا يُوَلَّ عليكم، يصحّ تماماً، وهو ما كان شعراؤنا القدامى والجدُد يتذمّرون منه ويندبون.

 

سؤال: ما هي نصائحك لتطوير واقع الترجمة؟

دكتور بهجت: هي أن تُؤسَّس جمعية للترجمة ومؤسّسات حكوميّة تُعنى بالمترجمين كإيفادهم إلى الخارج في دورات تثقيفية قصيرة الأمد وتشجيعهم بكافّة السبل ماديّا ومعنويّا كأنْ تُخصِّص جوائز سنوية للمترجمين المتفوقين. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن يتقن المترجم اللغة الأمّواللغة الأجنبية، وإن عَصتْ عليه كلمة أو جملة لا يفهم معناها عليهأن لا يتسرّع في ترجمتها عبثاً دون أن يتأكّد منها، لآنّ الترجمة أمانة في عنقه يجب أن تؤدّى بأمانة تامّة. ثمّ عليه أن يعرف طبيعة القصيدة وحالة الشاعر النفسيّة، إن أمكن، وظروفه عندما كتبها.

 

سؤال: الفرق بين الترجمة الانكليزية والألمانية؟

دكتور بهجت: كالفرق بين اليد اليمنى واليد اليسرى!

 

سؤال: هل تعتقد ان الجمهور الألماني أكثر تلهفا للغور في قراءة القصيدة؟

دكتور بهجت: لا أدري! فلقد عشت بينهم فترة ليست بطويلة في زمان بعيد، فكانوا توّاقين لقراءة الشعر.

أمّا الآن، فالدنيا تغيّرت وتغيّر معها كلّ شيء. ولكنّ الشعر بصورة عامّة لا يجذب كثيراً من القرّاء كما كان يفعل قبل زمن الإلكترونيّاتوالفيسبوك وتويتر وغيرها من هوايات الشباب.

 

سؤال: هل تفكر بترجمة نصوص معينة في الوقت الحاضر؟

دكتور بهجت: ليس لديّ أيّ مشروع في هذا الخصوص. كل شيء يعتمد على المزاج والوقت وجودة النصّ!

 

سؤال: كم تأخذ معك مسالة الوقت وانت تترجم القصيدة؟

دكتور بهجت: بعضها ساعة أو بضع ساعات وبعضها يستغرق يوماً أو أياماً وهذا يعتمد على القصيدة، طويلة كانت أو قصيرة وأسلوبها، هل صعب أو سهل. فمثلاً ترجمت سونيتات ريلكه الخمس والخمسين في 22 يوماً ولكنّ تنقيحها وتصحيحها وإعادة النظر فيها عدّة مرّات تجاوز شهراً قبل أن تُنشر في كتاب مع المراثي العشر (الطويلة) التي استغرقت ترجمتها شهراً أيضاً.

 

سؤال: كيف تنظر الى قصيدة الهايكو؟

دكتور بهجت: بعضها جميل. هي فنّ لطيف خفيف وقعه على السمع والفكر ولكنّه عرضة للسرقة بكلّ سهولة. يكفيك أن تسرق كلمة واحدة من قصيدة أو فكرتها، لتكوّن هايكو. أنا لستُ ضدّه ولكنّي لا أرغب في كتابته في الوقت الحاضر على الأقلّ، ولا أعرف ما سيأتي به غدٌ.

 

قبل الختام لا يسعني الا ان أشكرك على إجاباتك الدقيقة وملاحظاتك المهمة، وطريقة تعاملك مع هذا اللون من الإبداع، كونه يعد جسرا يربط بين ثقافات متعددة، ما يساهم في عملية الارتقاء الالتقاء الحضاري والانساني بين الادب العربي، والعالمي خاصة ونحن نجسد أزمة الانسان في ظل هذا النوع من الصراع، الترجمة ليس علما للتعامل مع فنون الادب المختلفة وتياراتها ومدارسها المختلفة، انما هو علم الامتداد التاريخي الحواري بين الثقافات والأديان والعلوم. لهذا لا يسعني الا ان اعبر عن خالص شكري لهذا الحضور اولا، وللمصادر القيمة التي اهديتني إياها في علم الجينات ومرض السكر وبعض المؤلفات الاخرى في عالم الصيدلة والكيمياء، وذلك عمل يضاف الى جهدك المتميز في عالم الترجمة، كونه يتطلب ثقافة علمية متنوعة في المصطلحات الطبية ما يجعلك مترجما وخبيرا متميزا في حقل اخر من حقول هذا التخصص الرفيع. دمت إنسانا ومفكرا وعالما، وأتمنى لك الصحة والعمر المديد، وسنلتقي مرة اخرى مع ستاربوكس يوم جديد.

 

دكتور بهجت: أشكر الأديب البارع الأستاذ عقيل العبود على اللقاء الجميل الذي تمّ بجوّ كلّه طيب وصفاء حيث كان حسن الحديث لطيف الشمائل يستمتع المرء بحديثه الشيّق وتمرّ الساعة وكأنها دقائق. سُررت جدّاً لحسن اللقاء ولحسن ظنّه بي وثقته بترجماتي التي أفرد لها هذه الأسئلة التي تدلّ على اطّلاع غير قليل بالترجمة والثقافة وولعه غير المحدود بما يدور في عالم الأدباء والأدب. وألف تحيّة للمثقف الذي يَعرض مثل هذه الحوارات بإدارة الباحث القدير ماجد الغرباوي الذي يؤدّي ما بوسعه خدمة للثقافة.

 

عقيل العبود

8/8/2015