fatimaalzahraa bolaarasالقارئ في شوق دائم إلى معرفة الكاتب فمن هي نورة سعدي؟

- بادئ ذي بدء أشكرك جزيلا على التفاتتك الكريمة بإتاحتك لي هذا المنبر للنقاش والإجابة على جملة من الأسئلة يتعرف من خلالها القارئ على وجهة نظري المتواضعة في بعض قضايا الثقافة والأدب وما يجري الآن في العالم العربي، أما عمن أكون إن أذنت لي السيدة الفاضلة فاطمة الزهراء فأنا شاعرة وقاصة من جيل السبعينات لمن يؤمنون بالمجايلة هكذا عرفني الأدباء وعرّفي بعض النقاد الذين تدارسوا نماذج من نصوصي المنشورة في الصحف الوطنية كجريدة الشعب والفجرو الصباح الجديد، مجلة الجزائرية وألوان والمجلة العربية برز إسمي في معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين المجلد الخامس الطبعة الأولى عام 1995/م، عملت مربية في حقل التعليم ومذيعة في الإذاعة الوطنية ولو خيرتني في الطريقة التي أقدم بها نفسي لاختزلت ما ذكرته أعلاه نزولا عند رغبتك وقلت أن نورة سعدي أديبة لا تاج لها غير وهج الكلمات.

 

تحدثي بشيء من التفصيل فإنني فضولية وأحب التفاصيل كثيرا؟

- الأخت الفاضلة فاطمة الزهراء بولعراس أهلا بك وبفضولك المشروع، إلا أنه يؤسفني حقا أن أقول لك أنه ليست لدي تفاصيل تذكر تفتح شهيتك للاستماع لأني ابتعدت فترة عن الساحة الثقافية، وها أنا أعود إلى القلم عندما وجدت من نفسي القدرة على تقديم نص جيد يستوقف القارئ وينم عن نضج ورغبة أكيدة في كتابة ما يستحق أن يقرأ وينشر فيما بعد في كتاب، أنشر منذ عام 2009/م في موقع مركز النور حظيت بعض نصوصي الشعرية والقصصية المنشورة في مجلة النور بدراستين نقديتين للأديب والناقد العراقي الأستاذ وجدان عبد العزيز، نشرت أيضا بعض النصوص في المثقف العربي وصحيفة الفكر الغراء، لي أربعة كتب هي على التوالي جزيرة حلم /مجموعة شعرية /أقبية المدينة الهاربة مجموعة قصصية /أصبع أيلول مجموعة من النصوص السردية /خفقات شاعرة مجموعة شعرية حظيت هذه الأعمال المتواضعة باهتمام بعض الأدباء وكتبوا عنها.

 

تمتاز كتاباتك بالشفافية والعمق..هل هي ناتجة عن تجارب أو معاناة أم ماذا؟؟

- التجربة تشحذ القريحة والمعاناة أمّ العطاء في الإبداع لذا لا يوجد بين الأدباء على ما أظن من يكتب دون تجربة أو معاناة، الكاتب كائن حساس يتأثر بما حوله من مشاهد وأحداث ومواقف ومتغيرات تختمر كل تلك العناصر والأحاسيس في ذهنه وباطن وجدانه إلى أن يفاجئه المخاض فيجد نفسه مجبرا على سكب تجربته الشعورية فوق الورق وفق لغة خاصة وأسلوب معين آملا أن يجد القارئ الذي يشاركه أحلامه ورؤاه، آماله وتطلعاته أفراحه وأتراحه ويتفاعل مع ما كتبه بالإيجاب .

 

ما هي حكايتك مع النشر وما عنوان أول كتاب نشرتِه؟

- في الواقع أزمة النشر مست معظم المبدعين إلا أنها شهدت انفراجا ملحوظا بعد دعم الدولة للكتاب، ومكنت الكثير من المبدعين الشباب من طبع كتبهم، جزيرة حلم هو أول كتاب نشرته وهو مجموعة شعرية تعتبر باكورة المشوار صدرعام 1983/م عن دار البعث بقسنطينة طبعته على نفقتي الخاصة قدم له الشاعر الأستاذ محمد الأخضر عبد القادر السائحي وكتب عنه بعد صدوره في جريدة المجاهد، ويومها قال في معرض حديثه عن الكتاب، لقد انتظرت الشاعرة مقدار استطاعة صبرها لكي تجد مجموعتها النور على يدي إحدى المؤسسات المهتمة بالثقافة وبالأدب النسائي في بلادنا ولما لم يتسلل أي خيط من النور من هذه المؤسسات أقدمت الشاعرة على الجانب الآخر من المغامرة، فإذا كانت العملية الإبداعية مغامرة في عالم الخيال واللاشعور، فإن طبع مجموعة شعرية على حساب الشاعرة ومن دينارات خبزها هي مغامرة أخرى في عالم المادة ومجابهة لواقع النشر وإيصال الكلمة للقراء تسجل للشاعرة بكل اعتزاز وتقدير .

 

هل تؤمنين بما يسمى الشعر النسوي...أم ترين أن هذا التصنيف غير دقيق؟؟

- لا أدري لم تتضايق الأديبات في البلاد العربية من مصطلح الشعر النسوي مع أن هذا المسمى يشار به إلى الإسهامات التي تقدمها المرأة في هذا المجال ولا يراد به حصر الشعر النسائي في مجال أدب البوح على وجه الخصوص وهموم المرأة كما يتبادر إلى أذهان من ينفرن من هاته التسمية ويعتبرنها إجحافا بحقهن، التصنيف سليم ودقيق ومنصف من مبدأ أن كل منجز ينسب إلى الجنس الذي كتبه على الأقل من وجهة نظري الخاصة.

 

كيف ترين الحركة الثقافية في الجزائر؟؟ وكيف تنظرين إلى الأدب (الجزائري) المكتوب بالفرنسية وهل هو جزائري؟.

- عزيزتي فاطمة لاينكر إلا جاحد الإنجاز الكبير والدور الفعال الذي لعبته الحركة الثقافية في الجزائر منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا مدعومة بإرادة رجالاتها الأفذاذ الذين تخطوا الصعوبات والعراقيل، رجال أخذوا على عاتقهم مهمة نشرالمعرفة والوعي في صفوف المجتمع وغرس مبادئ المواطنة الحقة في عقول ونفوس الناشئة ولفت انتباه الجميع لما ينتظرهم من مسؤوليات جسام أهمها الحرص على وحدة الصف والهدف والنهوض بالوطن إلى مصاف الدول المتقدمة،، تمت تلك التعبئة النهضوية عبر وسائل الاتصال المتاحة آنذاك من صحافة مكتوبة ومرئية ومسموعة فضلا عن خلق تلك النخبة الفاعلة لفضاءات ومساحات في شتى أنواع و أشكال الإبداع أتت أكلها وأنجبت إن صح التعبير جيلا من الكتاب المتميزين ترجمت أعمالهم إلى اللغات العالمية وحصدوا الجوائز فرفعوا اسم الجزائر عاليا في المحافل الثقافية وأعطوا صورة مشرفة عن المثقف والإنسان الجزائري الذي حاول المستعمر البغيض وبعض أعداء الداخل والخارج طمس هويته والقضاء على أصالته و مسخه وتشويه صورته لدى الأشقاء العرب وفي بقية أنحاء العالم ونظرا للظروف الصعبة التي مرت بها الجزائر في فترة التسعينات تراجع الحراك عما كان عليه في السنوات الماضية وحرم المثقف من أداء دوره الطليعي لأسباب يطول شرحها ههنا مما جعل المشهد الثقافي يتسم بالفوضى والفتور ويخضع للمناسبتية، أما فيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال هل الأدب المكتوب بالفرنسية جزائري فأحيلك على ما جاء بهذا الخصوص في مقالة قيمة قرأتها للدكتور القاص أحمد منور

يعتبر الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية أحد التناقضات الكثيرة التي أفرزها الاحتلال الفرنسي للجزائر. ونعتبره من تناقضات الاستعمار على أساس أنه شكل في وقت من الأوقات ظاهرة ثقافية مناهضة، أو مناقضة لأيديولوجية الاستعمار، حيث استعمل الكتاب لغة المحتل لمقاومة الاحتلال. وهذه الظاهرة –أو هذا التناقض كما أسميناه-لم يقتصر. كما هو معروف. على الجزائر وحدها، فقد وجدت بنسب متفاوتة مع ظاهرة الاستعمار في العديد من بلدان أفريقيا، على وجه الخصوص، وفي آسيا أيضاً. حيث يوجد اليوم أدب أفريقي وآسيوي كتب من طرف أفارقة وآسيويين باللغات الإنجليزية. والفرنسية. والإسبانية. والبرتغالية. أي بلغات الدول الاستعمارية التقليدية، التي بدأت هجمتها على القارتين في القرن السادس عشر الميلادي. بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء. وتشكل هوية الأدب الأفريقي والآسيوي المكتوب باللغات الأوربية –ومنه الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، إحدى القضايا المختلف عليها اختلافاً شديداً على الصعيد النظري في مجال الأدب المقارن. فقد عده البعض أدباً أوربياً باعتبار اللغة التي كتب بها. واعتبره آخرون أدباً قومياً أو أفريقياً باعتبار "الروح" التي كتب بها، والحقائق المحلية التي عبر عنها. وقد ذهب فريق آخر إلى القول بأنه أدب بلا هوية لا تصح نسبته إلى البلد الذي ينتمي إليه الكاتب، لأن ذلك الأدب غريب عنه لغة وقراء، كما لا تصح نسبته إلى البلد الذي تنتمي إليه لغة الكتابة لأنه غريب عنه واقعاً، وانتماء، ولا يربطه به أي رابط سوى رابطة اللغة التي كتب بها.‏

(أما أنا فمع الذين يرون أنه جزائري الروح والإنتماء وإن لم يكتب بلسان عربي مبين، أن تكتب بلغة أجنبية فرضها المحتل عليك ليس معنى ذلك أنك تبنيت أفكار المستعمر، ذبت في شخصيته، اندمجت فيه، تنكرت لأصالتك وأصبحت لسان حاله، على أني أستثني من كلامي هذا ما كتبه أدباء جيل الإستقلال الذين ولدوا في المهجر و يعيشون هنالك وتطبعوا بثقافة ذلك المجتمع ، لا أستطيع أن أدلي بدلوي فيه لأني لم أطلع على نماذج منه ولا يحسن بعاقل و أنت الحصيفة أن يلقي الأحكام جزافا

 

هل أنت مع المرأة سياسيا في الجزائر، ما رأيك؟

- المرأة اليوم موجودة في كل مجالات العمل ومفاصل الميادين الحيوية، إنها أستاذة جامعية وطبية محلفة، مهندسة في كافة التخصصات وقاضية، إعلامية بارزة وقائدة طائرة، فنانة وكاتبة، فما المانع يا سيدتي أن تتسنم منصبا سياسيا إن حظيت بثقة من منحوها ذلك التكليف ووجدت في نفسها القدرة على أداء واجبها الوطني على أحسن ما يرام ؟

 

مرت الجزائر بفترة صعبة في التسعينات...كيف عاشت المبدعة نورة سعدي هذه الفترة أدبيا؟

- كيف عشت تلك الفترة نفسيا قبل أن أعيشها أدبيا وهذا يعود بي إلى سؤالك المطروح أعلاه، هل تكتبين عن تجربة أم معاناة أم ماذا ؟بصراحة أنا لم أتفرد في حزني على الجزائر وأنل فيه قصب السبق بمعنى أنني لم أبكيها وحدي، لقد تألمت بنفس الكم والقدر الذي تألم به كافة أبنائها الميامين وهوفوق أن يوصف وتعبر عنه الكلمات، لم يكن أبدا من السهل أن يمر شعب بتلك الهزة والزلزال العنيف الذي خلط كل الأوراق وقلب كافة الموازين ومازلنا إلى يومنا هذا نعاني تبعاته، فمن الطبيعي إذن والحالة هذه أن ينعكس ذلك الواقع الأليم على كتاباتي وتبدو آثار الصدمة واضحة على ملامح حروفي

ألمي ليس يضاهى

شجني ليس على ظهر كتاب

ليس عدلا أن يدك الصرح

يمسي كالخراب

طفح الكيل تكدر كل ما في الكأس من حلو الشراب

ليتني أفقه ما يجري في بلادي

آه لو أدري الجواب ؟

من قصيدة /الدوامة/

لقد عصف بي الألم لكنه لم يجرفني إلى ظلمات اليأس

لأيماني أنه دوما يوجد ضوء في آخر النفق

فقلت أرتق جراحي وأتعلل بالأمل

وطني لم ينهزم

لم يتهاو

كالنسر شامخا مازال

يتحدّى

وطني فوق الظنون

فوق كل الادعاءات يكون

/نص توقيع على ذاكرة الوطن/

 

ماهي آخر قصيدة كتبتها ؟

- آخر نص شعري كتبته يحمل عنوان تنهيدة عربية

 

عرفي لنا هذه الكلمات في كلمات قليلة

الوطن، الأم، الدين، االأدب

الدين اصطلاحا هو ما شرعه الله لعباده من أحكام

وإنسانيا هو المحبة والتآخي والتعايش السلمي بين كافة شعوب الأرض

الوطن هو الخيمة الدافئة التي تقينا غوائل الدهر وبوائق التشرد

الأم هي معين الحنان والمرأة المباركة التي جعل الله الجنة تحت أقدامها.

الأدب هو أن تعبر عن مشاعرك وتقول رأيك فيما يدور حولك من أحداث كتابة أو مشافهة بمنتهى الكياسة والظرف.

 

كيف تنظرين إلى الأحداث الكبيرة التي مر بها العالم العربي وهل أنت مع مصطلح (الربيع العربي)

- مما لا شك فيه أني لا أنظر إلى تلك الأحداث الكبيرة المأساوية التي تعصف بالعالم العربي بعين الرضا فبناء على ما قرأته واستمعت إليه من تحاليل سياسية أقول أن ما يجري هو مؤامرة كبرى خططت لها أمريكا بمعية بني صهيون منذ عقود طويلة لتفتيت الوطن العربي وتقسيمه إلى دويلات للاستلاء على ثرواته تحت مسميات شتي أهمها تكريس الديمقراطية فأية ديمقراطية هذه التي تبيد الشعوب وتهلك الحرث والنسل وتزج بالأبرياء في المحارق؟الذي أدريه حقا أن الربيع يأتي دوما بعد عواصف هوجاء وشتاء دامس فيغير الصورة من ظلام إلى نور ومن هم إلى سرور، هل شممت عطر وروده وتنسمت طيب هوائه؟ أنالم تصلني هفهفة نسائمه ولذا لست مع ذلك المسمى دون الخوض في مزيد من التفاصيل .

 

هل تؤمنين بالديمقراطية أم أنها مجرد شعار؟؟

- الدمقراطية هي أن يختار الشعب حكامه وممثليه في البرلمان والنقابة بمنتهى النزاهة والشفافية وأن يعبر المواطن البسيط والمعارض عن رأيه بحرية دون أن يتعرض للعقوبة والإقصاء، في الغرب مارسوها على الأقل مع شعوبهم وبالتالي هي ليست مجرد شعار.

 

نعود إلى الجزائر من قرأت لهم من الأدباء الجزائريين ؟؟ وأين تضعينهم بالنسبة لغيرهم من الأدباء العرب ؟؟

- قرأت عبد الحميد بن هدوقة، الطاهر وطار، خلاص الجيلالي، وسيني الأعرج أمين الزاوي، زهور ونيسي، جميلة زنير، عمارية بلال أم سهام، وأحلام مستغانمي وآخرون في القصة والشعر من جيل الثمانينات و التسعينات، أما أين أضعهم بالنسبة لغيرهم من الأدباء العرب فأترك الجواب للمتخصصين في المجال ومن يعتدّ برأيهم في المقارنة .

 

ما رأيك في النشر الالكتروني وهل تعتقدين أنه أنصف بعض المهمشين؟

- النشر الالكتروني فتح عظيم في عالم تقانة الاتصال و من أبرز مزاياه الحركية التي تعني إمكان نقل المعلومات من مكان إلى آخر بيسر و سهولة و بفضل هذه التقنية المذهلة غادرت أوراقي النائمة منذ سنوات درج مكتبي وطارت مع الريح و أصبحت في متناول قراء و أدباء ما كنت يوما أحلم أن يقرؤوني و يتفاعلوا مع حرفي لبعد المسافة التي تفصل بيني و بينهم، نعم النشر الإلكتروني قدم خدمات كبيرة لمن عانوا من الإقصاء في أوطانهم لأسباب لا تخفى على ذي عقل وبصيرة، إنه يمنح الإنتشار والفرصة للجميع لكنه

لا يجعل من لم تكن موهبة الكتابة متأصلة فيه كاتبا .

 

هل تعتقدين أن النقد يواكب الحركة الأدبية في الجزائر؟؟

- جلّ من طرح عليهم هذا السؤال في أكثر من مناسبة أجمعوا أن النقد لم يواكب الحركة الأدبية في الجزائر كما ينبغي أن تكون المواكبة وأن ما قدمه الناقد المتخصص من تحليلات وقراءات تعج بها الساحة الثقافية لم يغط إلا القليل مما نشر وينشر .

 

كلمة للقراء .. وهدية من بوحك الجميل

- مرة أخرى أجدد شكري للأديبة القديرة فاطمة الزهراء بولعراس على استضافتها الكريمة وأشكر جزيلا كل قارئ وقارئة استوقفته كلماتي وشدّه الحوار.

تقاسيم على مقام الصبا

نص/نورة سعدي

 

يستيقظ الصبح

ينضو عنه عباءة الغسق

تفترّ روحه عن دندنة لشحرورة

تتهجى حروف اسمك

على ربابة الشجو

وأنة من صبا الشجن

هو الشوق إليك يعابثها

يذكرها بالمواثيق

يطوحها آنا إلى واديه

وآنا يرفعها إلى ذراه

متى تأتي؟

تفتضّ مغاليق النأي

متى يورق نبض الوقت

يفصح صبح الحب؟

متى يناوشها القلب

يشكو لها بثه في حضرة البعد

يسائلها عنك

عن مغانيك

عن جنة من نخيل

و دنيا من أعناب المنى

كنت تساقيها شهد كؤوسها

على ضفاف شاطئ العمر

ألا تأتي تهاجسها التباريح

يهدهدها الأمل

يؤرقها الوجد

يعاتبها الصبر

تخمد الأمداء توقها القرمزي

تغتال حلمها المسافات؟

 

 

rajaa baktiaعلى بعدِ خفق من إصدارها الجديد "الباهرة" التقتها: ابتسام أنطون

كلمة حق: "رجاء بكرية هي أنثى الإيقاع الصاخب، تلازم المسافة الابداعية ليكون زمنها فارق لا يشبه سواه ، مرحلية الابداع تطوع انتاجها ليكون حاضرا في المغيب وترفض ان تكون مرحلة تسعى لتكون مرجعية،

آسيانة الصمت في نبرة تمرد ، خافتة العشق ، تتحلى بنَفس عميق طويل ، تربطها صداقة مثينة وشفافة

تمنح الزهور الوانها الطبيعية، والحجارة حركتها الترابية، تختار أجسام ريشتها بأحجامهم الكبيرة لتكتمل الرمزية، هي أديبة وروائية فلسطينية من حيفا وفنانة تشكيلية ، لها العديد من المقالات الأدبية، السياسية والاجتماعية، أولى رواياتها عواء الذكرة وإمرأة الرسالة، التي طافت العالمين العربي والغربي، كان لي شرف الحوار مع إحدى الهامات الفلسطينية الكبيرة كشأن رجاء بكرية."

 

حوار الألم، هكذا أسمّيهِ!

كانت حربُ غزّة على بُعدِ طلقة حين بدأتُ هذا الحوار، لكنّي لم أتوقّع أبدا أن أخجل لهذا الحد، وأنا أقارن فلسفة مشاعري بتلقائيّة أحاسيسهم، أولئك الصّغار. ظلّ بكاء النساء وصراخ الأطفال التلقائي كابوساً مرعباً يُلاحقُ نهاراتي. الموت يمشي في الشوارع، وفوق أسطح المنازل، المشافي، والمدارس، كأن لا علاقة له بما يتركه خلفه من أسرّة مكتظّة بالنّوم. ولا أذكر أنّي بكيت بمثل تلك الحرقة. أحيانا كنتُ أفقدُ توازني، وأنهار، أعيش إنسانيّة قلبي بعيدا عن القوّة الّتي أطلقها في كلماتي. لي قلبان، واحد فقدته قبل شهور من الآن، والآخر الباقي كثير الدوخان كلّما فجّت جمره، صورة طفل مدمّى الوجه تحت ركام غزّة وشوارعها. أكره الحروبات البشعة، وكلّها كذلك! لكنّ حرب غزّة كانت أبشعها في فقر أُناسِها، وحدتهم، عُزلتهم، غربة واقعهم، وظُلمِها. في ظروف استثنائيّة كهذه، وفي جبلٍ لا يمكنُ إلا أن يشتعلَ نارا كان لا بدّ للمقاومة من خوض هذه المعركة، فالمعركة لم تكن لفصيل واحد، ولكن لكلّ التيارات والفصائل المُقاوِمة معا. للشّعبِ برمّتهِ. ولم يعد ممكنا، وفق معطيات المعركة، إطلاق يد القذائف والأباتشي على غاربها، لتحصد الأجساد والكرامة معا. وما كان ممكناً أن يَلُفّ المُقاتل سلاحه تحته ويقف متفرّجا على موته.

لقد تجاوزت الخروقات الإسرائيليّة البشر والحجر، وحصدت بهستيريّة فائقة أخلاقيّات الحرب لحدٍّ لا يمكن تصوّره، لا تكافؤ بين المعسكرين، لكنّ ذلك لم يمنع دولة "أخلاقيّة" جداً من إنجاز مهمّة المسح على أحسن وجه. ولو اقترحتُ عنوانا لهذا الحوار سأسمّيه حوار الألم!

 

الكاتبة الروائية رجاء بكرية ..ما هو الظرف الذي منحك هذا المنحى من الكتابة؟ من هي امرأة الرسالة؟

- لا نكتب غالبا لأنّ ظرفا ما يفرض علينا أن نفعل، ولكن لأن تراكمات التجربة الّتي نخوضها تستدعي ابتكار تكنيك مختلف لفرض حضورنا. واليوم علينا كأقليّة في دولة محكومين فيها لمعايير غير مفهومة ضمنا ولكن فرضا، أن نحدّد خيارات الكتابة. وعليه فمشروع هذه الرّواية يندرج تحت ما يسمّى كتابة الفرض. فرض الحالة، بالرّسم والإسم مكانا وزمانا، فكرا وحسّاً، بحرا ويابسة. نشوة في روايتي تحاول أن تسجّل على شطّ السّماء أفقا اختصاره، "هذا المكانُ لي". إشكالية المكان بموروثها التّاريخي والجغرافي، والإنساني، والنّضالي إذا استدعت الحاجة. أرادت أن ترفع عَلَمَ مُدُنٍ تعيش نفَسَهَا وجسدها عبر اختلال المسافة بينها وبين آخرين، الحاضر في واقع السياسة، والمغيّب عنها جهلا، هو الشَعب العربي بدُوَلِه ومدنه. ونجحت لحدٍّ بعيد. أردتُ أن أذكرَ عكّا فينهارُ جسرَ الحنين حيثُ يسقُطُ ذاكرة وجسداً، تاريخا وإسمنتاً!

ولذلك جنّدت قصاصات من الواقع المعاش حول أسطورة الإرهابي الّذي سجّلهُ اليهودُ على مزاجهم في كشاكيل مفاهيمهم ووثّقتُ سردا حالة نموذجيّة لتشويه الذّاكرة والأمكنة، وتطرّفتُ فيها حدّ تطرّفهم، فكان غسّان الفنّان المُرهَف، هو ذات غسّان الواقعِ المجني عليه في حادثة الكابري. مسرَحْتُهُ كحالةٍ استثنائيّة ليحشدُ القاعدة بمنطق الرّفض والبقاء.

 

الكتابة صيغة مباشِرَة للكاتب، كم أنت مباشرة حين تصوغين ذاتك حين تكتنين؟

- غالبا، لستُ مباشرة حتّى في مقالتي النّقديّة، فكيف سيكون عليه الحال لو أنّا تحدّثنا عن لغة الأدب؟ لا بدّ أن أعترف أنّ المباشرة آخر معاقلي، فالأدب لم يكن يوما لغة اعتراف. في كتابات الإعترافات يحدث أن نكون مباشرين لأبعد حد لإقناع من نحاورهم عبر نصوصنا، لكنّ صناعة الأدب تحتاج خطابا آخر أساسه أفحاخ السّحر، وهذه الأفخاخ تحتاج لكثير من الحيلة والصّدق، والإستدارج المباغت للمُخيّلة، وفقط عند هذا المنعطف يجتهدان كليهما، الأفخاخ والسّحر معا في كتم سرّ هذه الصّداقة المشبوهة.

 

كيف تكتبين؟ أفي يقين تام أم أنّ اللامعقول هو اليقين عندكِ؟

- تقصيدين باليقين الحالة العقلانيّة! من غير الممكن للعقلانيّة البحتة أن تصنع أدبا لافتا، وهي تصبح عقلانيّة حين تتجاوز أبعادها باعتقادي. الإبداع يحتاج أن تتحلّل من كلّ أسباب المعقول وغير الجائز، وتصغي لصوت واحد يوجّهك، هو رقيبك الدّاخلي! المطلق هو حالة اليقين الممكنة لإنجاز أبسط نص!

 

ألا يمكن للإبداع أن يتحقّق بمعزل عن الدّراسة الأكاديمية؟

- هوَ سُنونو حُرّة لا يرغمها غير هَوى الحالة للخضوع، ولا تخضع لخلاف الكلمة، كالسّنونو تماما، فهي عصفورة بريّة أنيقة ورشيقة وحرّة، حين تنطلق فكالصّاروخ دون أن تتوقَّع، ولو شبهُ احتمال للإيقاع بها، لكن أمومتها تجعلها بيتيّة جدا، تسخّر كلّ ما تعرفه عن الأمومة في هندسة بيتها الجميل الأنيق، هي أبدا لا تتنازل عن مواصفات العشّ المُنمَّق المحسوب كالإبداع تماما، فهو يفكّر بتقنين هواهُ فقط حين تستدعيهِ ضرورة الكتابة، لكنّ الدّراسة أبدا ليست شرطا للإبداع، وسرّ الإبداع أنّه بعلا، لا يروي عطشه إلا من غارات المطر المواسميّة، لكنّني بالمقابل أجد الكتابة مشروعا يستدعي كمّاً هائلا من الثّقافة، ولن أجتهد في الإشارة للبون الشّاسع بين الكتابة والإبداع، هما ليسا مفردتين لحالة واحدة.

 

هل تولي رجاء بكرية لحيثيات زمكانيّة؟

- أنا امرأة تُرابيّة، لكن أمتلكُ بعض الهواء والنّار، غير أنّ مرجعي تُرابي، والمرجعيّات الترابيّة تحرص على أرض يدعسُ فيها الجسد. فالمكان لديّ موطء شوق وشوك في آن. ولا يهم تاريخه ولا جغرافيّته، المهم أن أعشق مناخاته، حينها يصير لي، وملزَمَةٌ أن ُأَعَرّفَ بالتّزامُنِ مع حضوره. غالبا لا أوثّق كتاباتي غائبة عن زمانها ومكانها، لأنّه من غير الممكن أن أكتب دون مرجعيّة حسيّة لقلبي ومخيّلتي، منه أشعُلُ أو أشتَعِل، وعكّا واحدة من أشدّ أمكنتي سحرا وانسحارا بشخوص قصصي! أحبّها كما هي وكفى! لكنّ حيفا تنافسها بلا آخر على التنابت فيّ.

 

هل للأحلام قيمة أخرى في كتابتك؟

-    من الحلم تأتي النّبوءة لدي! نبوءة الكتابة، الشّخوص، الأبطال، الأحداث. انعدام مساحة الحلم فيها نسف لمثيرات الجمال في الحياة، فمنه نستمدّ نكهة السحر كما نستمد الشوق من نكهة قهوة أخَذَنَا هَالّها. فالحُلُمُ إذن هالُ الكينونة، وبدونه لا نكهة للعيش. وإذا أردتِ أن تعرفي ماذا يفتنني في القهوة، سأخبرك نكهة الهال الذي يتخلّلُ بُنَّها. وأستطيع أن أنقطع عنها لأيّام إذا لم أعثر على ما يفتتني في مذاقها. هكذا أنا امرأة من أحلام متداخلة، متناقضة، متقاتلة، المنتصر الوحيد فيها ألوانها، ولا أعترض.

فالكثير مِنِّي نسجَهُ الحلم، ابتداء بأبطالي، وانتهاء ببطولاتي المُتخيّلة والحقيقيّة، وأفكار قصصي إذا لم تراود حلمي شأن يقظتي لمرّات أُسّقطها من اعتباراتي. لكنّ المشكلة، أنّنا لا نصغي لهمس أحلامِنا بما يكفي لنصنع أمجاد حاضِرِنا!

 

أين ترشفين راحتك حين تتعبين؟

- أسافرُ حينَ أتعب، ولمدّة طويلة غالبا ثلاثة أسابيع على أقلّ تقدير، في الماضي كنت أغيب لشهر أو شهرين. لا أحبّ السّفر، ولكن حين أتعب لا أفكّر إلا به، وأبعد أمكنة في العالم. أستجم وأقلب كلّ زاوية في المناطق الّتي أصلها. أبدأه سفرا منظّما ثمّ أنفصل لأكتشف العالم الّذي أحب بمفردي. زرت معظم دول العالم، وبعضها زرته لمرّات كفرنسا مثلا.

 

ماذا يعني لك العمر؟كيف تعيشين ولماذا؟

- كلّ يوم أعيشهُ ملزمة بالعُثُورِ على مُحرّضاتٍ لإثارَتِه. يجب ألا أتوقّف عنِ الدّهشة من زهرة في كأس، فكرةٌ في كتاب، صورة في موج بحر، عطر في مخابىء قلب، شوق إلى سيجارة في منفضة، أو بطل رواية قادمة، وإلا فأنا في مشكلة. فأنتَ حين تتوقّف عنِ الإِدهاشِ والإندهاش يَبرُدُ يَومُكَ، ويتناثرُ عُمرك كَوَرقِ جوريّةٍ ناشِفة. أيّامي عَبِقةٌ بقرنفل التحدّي، توجدُ توابل خَليطُ القُرُنفُلِ بأنواعِهِ تحرّضُ القلبَ عَلى القفزِ تحتَ قَصفِ المُفاجأة! وأعتبر نفسي الأجمل كلّما تقدمتُ سنة، وأزداد اعتناء بمظهري، وقلبي وعِطرِ وَرَقِي، فالزّمن لا يقاسُ بالسّنوات ولكن بلحظات بَوحِهِ، وإنجازات روحِه!

 

ما هي الانسانية حسب وجهة نظرك؟

- الإنسانيّة مفردة غاية في الشّفافيّة، ولذلك، فأنا أعتبرُ وجودها نادر في أيّامنا، وبرأيي حتّى نكون إنسانيّين يجب أن نمتلك إصبعاً سادِسة تلهمنا قراءة الآخر، غريمنا في الحضور. قلّة منّا تجيد ذلك، وقلّة تفعل، كأن تفتّش عن الجمال في كلّ ما تراه حولك، حتّى لو كان في عيني سواك بشعا، في البشاعة أجد مسربا للجمال، ولذلك أُلامُ أحيانا لأنّي لا أجيز إسقاط تسميات تؤذي سواي، على بشاعتها إلا في النّقد. لكن قد يصدر منّي صدّا مضاعفا يعادل إنسانيّتي الّتي أغفر بها للآخرين حدَّ سَحقِه إذا مُسّا اثنين، كبريائي، وذكاء ذائقتي!

 

أحيانا تكونين ضد الطروحات النسوية لقضية المرأة ..ألذلك علاقة بإيمانك بعدم جواز انفصالها عن الرجل كقضية؟

- غالبا، لا أستسيغ الطّروحات النسويّة، لأنّها تجنح للتطرّف والمبالغة. أن أتطرّف بمواقفي في إطار طروحات فرديّة مجاز، لأنّني من يقرّر منطق الموقف، بينما في إطار المجموع النّسوي، فلا أحتفي بها، خصوصا وأنّها فريسة سهلة لمصادمات بلا آخر، وعدم وضوح رؤيا، فالمواقف وخلفيّاتها يجب أن تعتمد على ثقافة واسعة مهما بدت صغيرة وهامشيّة، وهذا ما لا تمتلكه هذه التجمّعات غالبا. القضيّة الأخرى تتعلّق بالصّورة الّتي ترى المرأة نفسها من خلالها! هل تمتلىء بحضورها الذّاتي في واقع ما تعيشهُ وتعايشهُ؟ غالبا تصدر الطّروحات النّسويّة كتحصيل حاصل لفراغ حسّي، وارتباك فكري وفق النّماذج الّتي صادفتها. ولأنّني لا أرغب بفكرة تهميش المرأة لإنجازاتها أعوّل على بقائها ضمن المنظومة العامّة للأدب، لها ما للرّجل من حقّ وحضور، فكلّ عمليّة انقطاع إلى المجموع النّسوي كظاهرة استثنائيّة تؤدّي بها غالبا لتهميش مجحف، وإهمال صفيق. يضاف لما قلته فأنا لا أؤمن بالعمل الجماعي في نطاق المشاريع الأدبيّة النسويّة والرّجاليّة إلا فيما ندر، وأعتبرها رخوة، وعاقر، بل بالمشاريع الفرديّة. وواقع التّجارب الثّقافيّة تثبت أنّ العمل الأدبي هو نتاج فرداني بحت مصدره تفكير ومخيّلة وشعور صانعه، واجتهاداته.

 

اين تجدين مساحتك الابداعية اوسع في الرسم ام في الكتابة؟

- لعلّها جدليّة الحضور والغياب هي ما يفرض سؤالك هذا! كم أحضر في الرّسم مقابل الأدب؟ لكنّ الحقيقة أنّني أمارس رياضة حرّة في المياة الإقليميّة لكليهما، ولو أنّي منذ سنوات لا ألاعبُ اللّون، أو أغمس قلبي بزيتِ رَهفِه. أشعر بهذه الحاجة، لكنّ تكاتف مشاريعي الكتابيّة تبعدني، لأنّ اللّون يحتاج لتفرّغ حسّي كامل، هو يأخذك لمستويات لا علاقة لها بالواقع، وأنت حيث تكون معه تنسى الزّمان والمكان، وعليك أن تمنحه ذاتك، لا تجوز أنصاف الحالة معه، بينما الكتابة هي مساحة أشدّ اتّساعا للغياب الحاضر مهما ابتعد، وأعني أن مسافات الغياب تسطو عليكَ في جولات قصف سريع غالبا، وإن طالت يمكنك أن تفاجىء نفسك بمقالة تناصر فيها حياتك. لقد ابتكرتُ مشروع سفر جميل من خلال رسم مشاريعي الرّوائيّة والقصصيّة، لا أشعر أنّني أكتب بقدر ما أرسم، وعن غير تخطيط مسبق. أصابعي تلوّنُ مساحات البياض وتقرّر أبعاد قلبها. لذلك أعتبر نفسي غالبا محظوظة، كأنّي لم أبتعد عن الرّسم أبدا، لكن يجوز أن أعترف أنّي أحتاج هذا التفرّغ الحسّي الزخم للأقمشة والألوان بعيدا عمّا يجري

 

كيف تجنّسين كتاباتك؟ وهل للفكر جنس، أنثوي أو ذكوري؟

- لا أميل للتّجنيس. وعليّ أن أقتنع أوّلا بحضور واحدهما منعزلا عنِ الآخر! لكن أعترف أنّ للكتابة النّسائيّة نكهة ورائحة ودفء لا تعرفه كتابة الرّجل مهما اجتهدت في ابتكاراتِها، لأنّ هذا التفرّد يولدُ معها، ويأخذ من خصوبة جسدها ورائحته!

 

                                  حيفا،

 

wafaa shihabadinنقود المستقبل ليست ورقية بل أداة تتبع وسيطرة

لاشك أن موضوع السيطرة والتحكم فى البشرية موضوع لا يخص فرداً بعينة، ولا بلداً بعينها، بل يمس العالم كله، وخاصه اذا كان الجديد فى هذا المجال هو شريحة تزرع فى الجسد الأدمى لتحل محل النقود وبطاقات الهوية، هذا ما تناوله بالدراسة والتحليل كتاب ظهر مؤخراُ فى الأسواق للمؤلف المهندس / أحمد صالح اليمنى وعنوانه (فى أحضان الشيطان) والذى نفذت طبعته الأولى فى غضون شهور معدودة، ولعل موضوعه الغريب والمثير كان سببا فى تكرار ظهور عنوانه فى صفحات الجرائد والتلفزيون.

الكتاب يتناول الصراع الدائر بين الغرب والشرق، فى ظل تصادم الحضارات على مر العصور، ويتواصل فى التدرج التاريخي فى كل حقبة من حقب التاريخ، حتى يصل الى المرحلة التى بدأ تنفيذها على الأرض الآن، فهو فى هجمته تلك لا يريد ان يعد العدة القتالية ليحتل المنطقة ثم يسيطر عليها، كلا! إنه يريد أن يسيطر على العقول فتأتى إليه المنطقة، وهذا ما تُحققه له شريحة البيو تشيب.

إن شريحة ال (Bio-chip) تزرع فى معصم اليد اليمنى أو الجبهة لتكون البديل عن استخدام النقود وآليات التعريف الشخصية، يتناول الكتاب موضوع الشريحة ضمن مخطط مرسوم للسيطرة والتحكم فى البشرية، كانت الشريحة الالكترونية لبنة من لبناته فقط.

فى حديثنا مع الكاتب المهندس / أحمد صالح اليمنى، علمنا منه ان زراعة تلك الشريحة بدأت فعلا فى التطبيق على مستوى محدود فى بعض بلدان العالم.

- إن هذه الشريحة فى حجم حبة الأرز تقريبا إذ يبلغ طولها 11.5 مليميتر لها العديد من المسميات مثل RFID - Radio frequency identification tags ، (جينى تشيب) وهو الجيل الأول منها، ميكروتشيب. وشكل الشريحة ومقارنتها بحبة أرز موضح فى الشكل رقم (1).

إن هذه الشريحة تحل محل جميع المعاملات المادية (النقود وكروت الفيزا) وتحل محل بطاقات الهوية، وسوف نضرب مثال لذلك للتبسيط، فإذا ما أراد الشخص المزروع له الشريحة الذهاب إلى السينما مثلاً، فما عليه إلا أن يختار السينما، والفيلم الذى يريد أن يشاهده من على مواقع عرض الأفلام فى الإنترنت، ثم بعد ذلك يقوم بحجز التذكرة من على الموقع فى الإنترنت، فيتم خصم ثمنها من حسابه فى البنك، وتسجيل بيانات تلك التذكرة فى رأسه (الشريحة)، فيذهب بعد ذلك إلى السينما وما عليه إلا أن يترك المسئول أيضا يقوم بوضع قارئ الشرائح (الشكل رقم 2) على جبينه، فيجد أنه فعلا قد حجز تذكرة فى المقعد رقم (س) فيتركه يمر ويذهب إلى مقعده ويستمتع بمشاهدة الفيلم.

 568-wafaa

وبسؤال الكاتب عن كيفة الاعداد للشريحة لكى يتم قبولها عالمياً؟

- كان من الضرورى الاعداد الجيد لترويج الشريحة وحتى تُقبل الأمم والافراد على زراعتها طواعية وغير مجبرين، وعلى ان يتم ذلك فى نطاق التطور الطبيعى للتقنة التكنولوجية، فكان ذلك عن طريق العولمة وتوحيد المعايير، فكان ذلك عن طريق ثلاث توحيدات:

1- توحيد العملة وهى الدولار، باعتباره العملة العالمية الأولى والرئيسية، والتى ترتبط بها جميع العملات العالمية.

2- توحيد معايير التعاملات البنكية عالميا، عن طريق شبكات البنوك المتصلة عالميا مع بعضها.

3- توحيد بطاقات الهوية عالمياً، وذلك حتى يتم عمل رقم مسلسل واحد لجميع البشرية يسمى بالرقم الحقيقى real IP ، وقد كانت بدايات ذلك التوحيد فى الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق اصدار قانون رخصة القيادة الموحدة، تمهيدا لاصدار بطاقات الهوية الموحدة.

 

هل تمت بالفعل زراعة الشريحة فى أى مكان فى العالم؟

- ان عملية زراعة الشريحة تجرى بالفعل منذ عام 1974، حيث تم زراعة أول شريحة فى ولاية (أوهايو) بالولايات المتحدة الأمريكية، وتزرع الأن بالولايات المتحدة الأمريكية لتسجيل بيانات المرضى بالمستشفيات، ويتم زراعتها أيضا فى دولة الفلبين منذ عام 1992 وحتى تاريخه، ولكن فى الفلبين فإن الأمر مختلف، حيث أنها تستخدم للتجارب على الجنس البشرى للتتبع والتحكم، حيث أن الفلبين ليست من دول العالم المتقدمة التى يمتلك السواد الاعظم من شعبها حسابات بنكية او تقنيات حديثة فى المعاملات التجارية، وحتى الأن فإن عدد الدول التى وافقت وانضمت الى تلك المنظومة العالمية بلغ عددها العشرون دولة.

 

هل وافقت هيئة الأغذية والدواء الأمريكية على زراعة الشريحة؟

- فى (عام 2004) وافقت منظمة الأغذية والدواء على أول RFID للزرع لدى البشر وكان اسمها (VeriChip)، والتى قامت بإنتاجها شركة (VeriChip)، يتم استخدام تلك الرقاقة لتحديد المريض، وتوفير وصلة لسجلات المريض الطبية فى قاعدة بيانات، وتظهر فى الصور آليات شركة VeriChip لزراعة وقراءة الشريحة، وتبعتها شريحة موندكس (Modex) بإنتاج نوع آخر متطور حجماً وتقنية، وتعتزم شركة موندكس تغطية سكان العالم كلة فى 6 سنوات، حيث أنها قامت بإنتاج المليار شريحة الأولى، وتعتزم انتاج مليار شريحة كل سنة لتغطى سكان الكرة الأرضية فى ست سنوات .

 

ماهو تخوفك من هذه التكنولوجيا الجديدة؟

- بالنظر فى تقنية عمل نظام الشريحة لتبادل المعلومات نجد أن الأنسان اصبح فى ذلك الوقت جزء من منظومة معلوماتية لا تعرف للخصوصية اسما والا معنى، فلكى تعمل المنظومة لابد وان يُسجل الإنسان كوحدة ذات رقم تسلسلى، مثل رقم ال IP تماما، والذى يتم التعامل به فى اجهزة الحاسب الألى، غير أن لكل إنسان تردد كهربى حيوى مستقل عن غيره فى المخ (unique bioelectrical resonance frequency) كما تماماً البصمة، ويتم تسجيل جميع ارقام كل من قاموا بزراعة الشريحة فى مركز يسمى (national system of tracking people ) المركز العالمى لتتبع البشرية، ووظيفته أنه المركز المسئول عن تخزين بيانات جميع الأشخاص الذين قاموا بزراعة الشريحة داخل أجسادهم، وتتبع خط سيرهم، هذا بالإضافة إلى تحديد أماكنهم فى أى لحظة.

 

هل هناك مخاوف أبعد من التتبع والمواقبة؟

- التتبع هو اولى وابسط المخاوف، ولكن اذا علمنا انه يعمل فى المنظومة السابقة وججزء لا يتجزء منها ما يسمى بالأقمار الصناعية التجسسية، فان هذا يدعوا الى القلق حيث ان الاقمار الصناعية التجسسية تستطيع من ضمن مهامها أن تصور داخل المبانى وتلتقط الاصوات، وتستطيع قراءة أفكار الأشخاص المزروع لهم الشريحة، بل والسيطرة عليهم كهرومغناطيسيا .. هذا غير أن هناك قدرة مرعبة أخرى للأقمار الصناعية وهى التلاعب بعقل الشخص بواسطة "رسالة" صوتية خفية، وهو صوت ضعيف جداً لا يمكن أن تسمعه الأذن بشكل واعٍ ولكن يستقبله العقل اللاواعى، لجعل الشخص يقوم بعمل ما تريد منه فعله.

 

هل يمكن أن تزرع الشريحة لاحد بدون علمه؟

- اذا عرفنا ما مدى حجم الاجيال الجديدة المصنعة من شريحة الميكرو تشيب والتى استخدمت فيها تقنة النانوتكنولوجى وتقنة الميكروتشيب، فانه من السهولة بمكان زراعتها بدون علم الانسان، إن الاجيال الجديدة من الشريحة يصل قطرها خمسة ميكرومليميتر (مع العلم أن قطر شعرة من الرأس هو خمسين ميكرومليميتر) (المليميتر = 1000ميكرو ميتر)، والصورة رقم (4) تظهر لنا حجم الشريحة الجديدة مقارنه بشرعة رأس انسان.

 

وما هو الحل فى الخروج من هذه التبعات التى تدخل البشرية فى نفق مظلم لا نعلم نهايته؟

لقد تبين بواسطة فحص نوع خاص من الرنين المغناطيس للدماغ البشرية مناطق بعينها ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع اتخاذ القرار، وأيضا مناطق ترتبط بالتحكم فى السلوك وتلك المناطق موجودة فى الفص الجبهى (FRONTAL LOBE) كما هو موضح بالشكل رقم 3

إن تلك المنطقة من الرأس هى المنطقة المسئولة عن اتخاذ القرار ـ مثل قرار الإيمان أو الكفر، لذلك أصبح من البديهى ما إذا أردنا السيطرة على قرار شخص أن نجد وسيلة ما بشأنها أن تتحكم فى هذا الجزء من الدماغ، ولما كانت البايوتشيب تُزرع فى هذا الجزء، ولما كانت كلمة (bio) تعنى حيوى، فإنها إذن تتوافق مع أنسجة الجسم، فبالتالى سوف تكون المهمة الرئيسية هى ربطها بهذه المراكز حتى يتم التحكم فيها عن طريق الأقمار الصناعية والتوجيه عن بعد، وبذلك يتم إقناع كل البشر الذين تم زراعة تلك الشريحة بجباههم بأى أمر أياً كان، حتى لو كان أن يترك الإنسان إيمانه بربه ويؤمن بكائن آخر.

فقط لا تقبل بأى حال من الاحوال زراعة الشريحة الإلكترونية فى جسدك، لا شئ آخر.

فى نهاية حوارنا الأول حول السيطرة والتحكم فى البشرية عن طريق شريحة البيوتشيب، علمنا أن الشريحة تلك ما هى الا واحدة من أدوات السيطرة والتحكم فى البشرية، وأن هناك وسائل اخرى سوف نتناولها فى اللقاءات القادمة إن شاء الله تعالى.  

 

حاورته وفاء شهاب الدين

 

jasim alayffحوار: خالد السلطان، تقديم: جاسم العايف

في منتصف عام 1978 استوطن الشاعر(مهدي محمد علي)، المنافي، بعد هروبه برفقة الشاعر عبد الكريم كاصد، من فظاظة النظام المنهار وتعسفه وحملته الدموية ضد القوى والشخصيات الوطنية التقدمية. وكانت رحلتهما عبر بادية العراق الجنوبية، قاسية ومحفوفة بمخاطر عدة، ودامت ثمانية أيام، بدلالة بعض المهربين العراقيين، نحو الكويت، ومنها بعد حوالي الشهرين، انتقلا إلى (عدن) بجوازات سفر يمانية. في عدن عمل (مهدي) محرراً في جريدة( الثوري) الناطقة باسم الحزب الاشتراكي اليمني أكثر من خمس سنوات. ثم انتقل من(عدن) وجاب منافيّ كثيرة، منها: دمشق، وبيروت، وليبيا التي عمل فيها مدرساً للغة العربية كونه قد تخرج في كلية التربية / قسم اللغة العربية - جامعة بغداد، وعمل سنوات مدرساً للغة العربية في البصرة وبابل، وعاش فترة في هافانا وكذلك موسكو ووارسو. أصدر (مهدي) خلال تلك الرحلة الطويلة في المنافي المتعددة المجموعات الشعرية التالية: رحيل عام 78/ وزارة الثقافة والإرشاد القومي / دمشق 1983 /، سِر التفاحة/دار بابل/ دمشق 1987/، شمعة في قاع النهر/ وزارة الثقافة السورية 1995/، خطى العين/ اتحاد الكتاب العرب/ دمشق 1995/، سماع منفرد/ دار المدى للثقافة والنشر/ دمشق 1996/، ضوء الجذور/ وزارة الثقافة السورية 2001/، قَطْرُ الشَّذى/ الهيئة العامة السورية للكتاب 2008، وكذلك كتابه:البصرة جنة البستان/دمشق- دار المدى للثقافة والنشر. وسبق لـ(مهدي) أن نشر قصائده في مجلات الأقلام والأديب العراقي والثقافة الجديدة ومجلة الكلمة ومجلة ألف باء وصحف الجمهورية والفكر الجديد وطريق الشعب، وكان مهدي عضواً في إحدى اللجان الثقافية التي أسستها محلية الحزب الشيوعي العراقي في البصرة، بعد صدور جريدة (طريق الشعب)، وساهم في الكتاب الشعري" سلاماً... أيها الحزب" الذي صدر في الذكرى الأربعين لتأسيس " الحزب الشيوعي العراقي" عن دار الفارابي- بيروت عام 1974، وكانت قصيدته بعنوان" مع لوركا.. في الطريق إلى قرطبة". وساهم أيضاً في "الملحق الشعري"الذي أصدرته مجلة "الثقافة الجديدة" بصفته ملحقاً لعددها المرقم (83 ) في تموز عام 1976 ونشرت فيه قصيدته"مواقع". كتب عنه وقصائده الشاعر سعدي يوسف والناقد أنور الغساني والشاعر عبد الكريم كاصد والشاعر صادق الصائغ والشاعر مصطفى عبد الله والقاص والروائي فيصل عبد الحسن حاجم والكاتب جاسم العايف، وبعض الكتاب والنقاد العرب. واختير خبيراً لسلسة كتاب في جريدة الذي تدعمه المنظمة العالمية للثقافة (اليونسكو) باللغة العربية، ويصدر شهرياً مع بعض الصحف العربية والعراقية. نشر(مهدي) مقالات سيسو- ثقافية في صحف عربية، تصدر في بعض العواصم العربية والأوربية، كما عمل، سنوات، محرراً للقسم الثقافي في مجلة (الثقافة الجديدة) التي كانت تصدر خارج العراق. والغريب، والمدهش حقاً، انه لم يدع إلى مهرجانات (المربد) التي أقيمت بعد سقوط النظام، وكأنه لا ينتسب للشعر العراقي أو للبصرة بالذات؟!. رغم محن المنفى وعذاباته لكن (مهدي) بقي يعيش حياته في مدينته "البصرة"، فكتب عنها كتابه (البصرة جنة البستانْ). وقد استغرق العمل فيه ثلاث سنوات، بدأ فيها من عام 1982 حين استشرف المستقبل، ورأى انه ربما قد لا يعود لمدينته، وفعلاً تحقق ذلك، باستثناء زيارة خاطفة للبصرة منتصف شتاء عام 2005.خلال زيارته تلك إلى البصرة، احتفى به عدد كثير من الأصدقاء، وخصه اتحاد أدباء وكتاب البصرة بجلسة خاصة، قدمه فيها الناقد جميل الشبيبي. الزميل الباحث الأستاذ خالد السلطان أجرى معه هذا الحوار، وكانت مسألة (ثقافة الداخل والخارج)، ومسألة (احتلال العراق) من قبل قوات التحالف الدولي بقيادة (الولايات المتحدة الأمريكية)، منتشرة ورائجة ومهيمنة على الوسط الثقافي - الأدبي بين المثقفين في العراق وخارجه حينها. (مهدي) في كل ما كتبه يعي جيدا ً انّه جزء من توجه شعري، همه التحديق ملياً بالواقع وجدله وناسه (القابعين) في أسفل القاع الاجتماعي. ميزة هذا الحوار انه آخر حوار اجري مع( مهدي) وفي (بصرته/جنة بستانه) بالذات. لفترة طويلة فقد هذا الحوار لكني عثرت عليه صدفة في أوراق قديمة ليّ، وأخبرت الزميل (السلطان) بذلك، فالتمسته أن يسمحَ ليّ بنشره، فوافق بشرط أن اكتب له مقدمة. في الذكرى الثالثة لرحيل " مهدي محمد علي" في حلب انشره

 

*في ضوء قراءتنا لقصائد عدد من الشعراء العراقيين ( المغتربين)، لمسنا هيمنة مفردة   (الحنين) بجميع أبعادها الإنسانية والعاطفية، وعليه ما الجدل الممكن انجازه – طبقاً لتصوركم – بين وعي الغربة الشقي والتعالي عليها إبداعياً ..؟

** أنا – شخصياً – أرى ان جوهر الحنين للوطن هو الحنين للطفولة والصبا وما تأسس عليهما، والوطن هو الأشياء والأحياء وما اكتنفهما من حوادث ومسارات .. الوطن هو البيوت وما فيها، والدروب وما فيها .. هو الإنسان والحيوان والماء والشجر، ولكن الإنسان هو العنصر الفعال في كل ذلك، وهو في الوقت ذاته العنصر المنفعل بكل ذلك، وعندي أن ثمّة فرقاً بين مكان الوطن وزمانه من جهة، ومكان المنفى وزمانه من جهة ثانية، وهو أن الأول منجز قد توقف ظاهرياً، والثاني مفتوح يأتي بالمتوقع وغير المتوقع .. ويظل الوطن – رغم توقفه الظاهري – يتناسل في الروح، ويستعاد مرات ومرات، بسبب انفتاح المنفى، وربما – أحياناً – بسبب انغلاقه وغموضه، وفي كلا الحالين يظل الوطن يمور ويتناسل، ولكن الأمر يختلف من مبدع إلى آخر، فما ذكرته آنفاً ليس إلا الوصف التبسيطي المتاح. بالنسبة لي كانت البصرة – الذاكرة، بضوئها وعتمتها كائنة في النصّ حتى وان لم يتضمن ذلك النص النخلة والبلم .. أو شط العرب وجداول البساتين .. حتى وان لم يتضمن لقلق المئذنة أو الغراب الذي يسرق (الصابونة) من أرض (الحوش) ويمضي بها إلى السماء ..!. وبالنسبة لي، مرة ثانية، أقول : كان المنفى ما يرسخ الوطن – البصرة – البيت – الجدار – غرفتي – منضدتي – نافذة الشناشيل .. فكلما أوغلت في الغربة أوغلت في الوطن.

 

* الوضع العراقي الراهن، كما تعلم، وضع إشكالي وممشكل بالعديد من القضايا الشادة باتجاه إحباط المشروع الديمقراطي، وتحويل الاحتلال إلى راع دائم .. الخ . ما دور المثقف العراقي ( المهاجر) في هذه الإشكالية غير التقليدية..؟

** الوضع العراقي له ارث قديم في الالتباس .. لنقل منذ انطلاقة ثورة الرابع عشر من تموز 1958، مروراً بانقلاب 1963 البغيض، ثم انقلاب 17 تموز 1968، ذلك الانقلاب الثعلب .. والحرب العراقية الإيرانية، فاحتلال الكويت الذي تذرّعت به أمريكا – وهي صانعته – للإقامة في المنطقة، إلى لحظة الاحتلال الراهنة وما رافقها ويرافقها وسيرافقها من احتدامات ملتبسة والتباسات محتدمة .. العراق محكوم بالمأزق الدائم، ولن يحمل الصليب العراقي غير العراقيين، ولن تخف وطأة هذا الصليب، وبالمقابل فان إصرار الوطنيين الشرفاء لن يخفَّ ولن يبهت، من اجل بلوغ شاطئ عراقي اقل خطراً، ولا أقول أكثر أمنا. هنا لا أرى مهمة المقيم في المهجر تختلف عن مهمة المقيم في الوطن إلا في حدود معينة، ربما تكمن في كونه يمتلك القدرة على ان يكون سفير الوطن في المنفى، أو رغم المنفى، وهو بذلك يشكل عمقاً للوطن في المنفى، وإيضاحاً للمنفى عما يحصل في الوطن .. أقول هذا، ونحن نعلم بأن مئات الآلاف من المنفيين والمهجرين قد عادوا إلى الوطن، وغيرهم في الطريق نحو الوطن، ان هذا – في رأيي – ينتظم المثقف وغير المثقف.

 

* كرستم كتاباً خاصاً بمدينة البصرة، ما صورة ( البصيرة) اليوم في عيني الشاعر مهدي محمد علي ..؟

** يكاد كتابي ( البصرة .. جنة البستان) المكتوب في الأمس البعيد ان يشكل جواباً مسبقاً عن بصرة اليوم، فلقد عكفت على رسم مدينتي بالكلمات منذ بداية عام 1982 لأنني – وبعدما تأكد المنفى – أيقنت بأنني فقدت بصرتي .. بصرة الخمسينات من القرن العشرين الماضي، وأنني لن أرى تلك البصرة أبداً، لذا فإنني لم أفاجأ، بل أصابني حزن عميق ووجع مبرح، إذ رأيتُ مرابع طفولتي وصباي قد أصابها الخراب المتناسل على نحو لا يعقل، فمحلات مثل السيمر وجسر الملح وأبو الحسن، ويحيى زكريا والمجصة .. وسكة حميدي والجاخور .. الخ رأيتها بيوتاً آيلة للسقوط وشناشيلات قد بادت من الشموس والرياح والإمطار والإهمال المقصود، فدروبها عبارة عن مستنقعات وركامات من الطين والطين الأسود، وثمة مبانِ عديدة لم يبق منها سوى شواخص تقول:( بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا..). فأين كل هذا من تسمية البصرة في العهد المقبور بـ ( مدينة المدن) ؟!. ثمة تحولات في المعالم المهمة والشهيرة في المدينة : سوق الهنود ( المغايز) لم يعد هو، بل انقلب إلى حظيرة استهلاكية تضج بالبسطات، فاختفت محلات الخياطين وباعة الأقمشة والصيدليات ومكتبة الجميع وباعة التوابل الهنود ..! وكذلك أصيب سوق الصيادلة بوابل من البسطات والمواد الاستهلاكية، وكثرت فيه محلات الذهب، ولا شئ سوى ذلك .. وثمة محل لبيع الآلات الموسيقية وتصليحها تحول إلى محل لبيع الأحذية ..!!. ومن جهة أخرى أقول : أين هو نخيل شط العرب ..؟!. أين غابة النخيل في قرية ( كوت الحجاج) ..؟! ثم إلى متى سنظل نرى المباني الكبيرة خاوية على عروشها ..؟!. لقد كان سقوط النظام وقيام الاحتلال وفوضاه الدائمة أشبه بالفرحة – الغصة، إذ لم يكد الناس يستنشقون فرحة الخلاص حتى اختنقوا بكابوس الاحتلال والإرهاب ..!. ربما لا يشعر المقيم الدائم كل هذه السنين في البصرة، والمواكب للتحولات اليومية غير المحسوسة في حينها .. ربما لا يشعر بما أراه أنا المنقطع عنها أكثر من ربع قرن، فهل ستبعث تلك الأماكن من جديد ..؟. هل سيفكر أهل الضمير والحس الحضاري، ما ينبغي له من الخصوصية .. هل سيفكرون باستعادة مثل هذه المناطق كما كانت، زاهية بطابوقها ( خصوصية عراقية) وشناشيلاتها ( ميزاتها النادرة) فيصير لنا مكان مثل العالم والناس..؟. ان مدينة ( وارسو) عاصمة بولونيا أزيلت من أساساتها في الحرب العالمية الثانية، فاستعيدت المدينة القديمة كما كانت بعمل استغرق ستة عشر عاماً.. وحولها امتدت المباني الحديثة المحيطة بها بطراز حديث ولكنه مقارب لنمط القديم .. أما الأبنية الأحدث فهي في المحيط الأبعد .. انني لا أطمح الآن إلى مثل هذا، فهو طموح بمستوى الحلم شبه المستحيل، ولكن التفكير به أصح وأصلح لنا من الانشغال عنه بحضارة (الماكدونالد) الأمريكية المتوقعة، والتي قد تتزين بلباس مختلف، فتذهب ريحنا ..!.

 

*ما الآليات التي تعتقد بضرورة إيجادها لتعشيق العلاقة العضوية بين المثقف العراقي في الداخل، والمثقف العراقي في المهاجر ..؟.

** ان عبارة ( انتخب العراق) هي خير شعار يمكن ان يرفع الآن نبراساً للجميع : انه يمكن ان يكون صالحاً إذا كنا متفقين على عراق يوحدنا ويلامس روح العدالة فينا، ولكن إذا كان كل فريق يرسم عراقاً مختلفاً، فان تلك ستكون داهية الدواهي . أما على صعيد المثقفين في داخل الوطن وفي المهاجر فان مهمة المثقفين مهمة خطيرة انطلاقاً من كونهم – وكما ينبغي – ضمير الوطن وروحه المبدع، فكلتا الفئتين عانتا مرارة الطغيان بكل أصنافه .. صحيح ان عناء المنفى مختلف عن العناء داخل الوطن، غير ان الوطن هو هاجس الفئتين، وعليه فان وضع جرح الوطن ضماداً على جرح المنفى، ووضع جرح المنفى ضماداً على جرح الوطن لابد ان يتولد عنه صورة للوطن المنشود .

 

* كيف وفق الأستاذ مهدي محمد علي بين اشتغالاته الإبداعية والعمل الصحفي، ولحساب من تمت تلك ( التسوية) ان جاز التعبير ..؟.

** فيما يخص سيرتي أو مسيرتي في مجال الإبداع والى جوارها نشاطاتي الصحفية .. أقول ان هاجسي الأول هو الشعر، وكل ممارسة غيره هي على ضفاف الشعر، إذ أنني لن أنغمس في الصحافة إلا بمنطلقات شعرية، فليس هناك مسافة كبيرة أو محسوسة بين النشاطين، فأنا لم اخشَ يوماَ على شعري من الممارسة الصحفية، بل إنها كانت رافداً للشعر، في حين كان الشعر قنديلاً يضيء دروبي في عالم الصحافة، فلم يكن طرفاً على حساب طرف بأي شكل من الأشكال.

 

         

saida taqiسعيدة تاقي إحدى كاتبات الجيل الجديد في المغرب، عالجت الأدب على اختلاف أنواعه، ونشرت عدداً من الكتابات الشعرية والنقدية، فهي قاصة وروائية ملتزمة بالقيم الإنسانية الرفيعة، وباحثة وكاتبة بارعة للمقال، وهي ناقدة أدبية ملتزمة ورصينة، تكتب مسوقة بطبعها الجريء المخلص الذي لا يخشى مسؤولية إبداء الرأي ولا يماري فيها. وحين نقرأ كتاباتها نحسّ بحلاوة الألفاظ ورشاقتها، لأنها تنتقيها بذوق الأديب البارع، وتختارها اختيار الفنان الأصيل المبدع، لها رواية بعنوان إيلافــ «هم» ـ رحلة قاب القوسين أو أعلى صدرت في عام 2014 عن دار النايا في العاصمة السورية دمشق، كما صدر لها مؤخراً كتاب نقدي بعنوان "تحوّلات الرواية بين بنى التحديث وأنساق التراث" وهو في الأصل الدراسة التي فازت في دورة 2013 من جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي، حيث فازت الكاتبة في حينه بالجائزة الثالثة عن فرع الدراسات النقدية المُنجَـزة حول محور التراث، وتعكف الآن على إتمام مخطوط شعري بعنوان "للربيع فصول أخرى ".

وتقديراً لجهودها الإبداعية فقد تم تكريمها هذا العام من طرف مؤسسة المثقف سيدني ـ أستراليا بمنحها درع المثقف للثقافة والأدب والفن، باسم منجزها الإبداعي تمثيلاً للمرأة المبدعة بالمغرب.

حول تجربتها الإبداعية التقيناها وكان معها هذا الحوار:

 

نافذة التأمل

ـ كثيراً ما ترتبط بدايات المبدعين بمحفز ما، أو موقف ما، أو ذكرى ما، كيف كانت بدايتك مع الأدب؟ وماذا تعني الكتابة لك؟ وما هو دور الأدب في رأيك؟

- البدايات لا أستطيعُ تحديد معالِمها. البدايات في أصلها زئبقـيّة، يصعبُ عليّ الارتهان إلى لحظة واحدة لأقول تلك كانت البداية.. ولا أعتقد أنه يمكن أن يكون للقلم مَسْقطَ رأس واضح التاريخ، تسجّله الذاكرة في رسم الولادة. فالكتابة لحظة لاحقة للامتلاء. أو لنقُل إن الكتابةَ امتلاء لا يداري حُمولَه. فـقَـبْل أن تعلِن الكتابةُ عن وجودِها الصريح تكون القراءة قد كتبَتْ ذواتِنا بشكل آخر، عبر ما اقـتَـتْـنا على التهامه من مؤلفات وأعمال ونصوص...ألا يكون فعلُ القراءة ولادةً قبل الأوان لكينونة «الكتابة»؟ أظن أنّ عبارة «كنت أكتب منذ نعومة أظافري»، سردٌ لا يجانبُ الصّواب، لكن بتــصريفٍ آخر يمــضي نحو الاقــتيات على القــراءة لتقوية الذائـقة وروح الإبداع. إن الانفتاح على الأدب والانشغال بالمقروء الأدبي في سن الطفولة، لا يمكنه إلا أن يحصِّن الإنسان من ضياع المعنى، أو تضيــيعه في مراحل النمو اللاحقة.. إن الأدب نافــذةُ التــأمل الأولى. وهي لا تكتـفي بتــمرين المخــيلة وتوسيع آفــاق تلقِّي العالَم، بل تصقُل ملكـة التفــكير باستمرار، وتغـذي حاجة الـروح إلى منابع الجمال والسمو، وتخلُق للانفعالات فسحة للتطور برقي واتزان.

 

ـ ما هو الهاجس الذي يحرك قلم سعيدة تاقي/ لماذا تكتب وماذا تنتظر؟ وما هي القضية الرئيسة عندك؟

- أحبُّ أن أرى الأمر من زاوية مغايرة. هاجس الكتابة هو الفكرة، أو هو المعنى، يبحثان لنفسيهما عن نص يقولُهما. قد يكون ذلك السبب الذي جعل الشذرة لا تكفّ عن ترصّد أوراقي.. الكتابة، خارج المُحترفات أو مختبرات العــزلة الاختيارية، لا تخضع لكبــسة زر. أداة القــلم وهي تكتُب، ومفاتيحُ الحاسوب وهي ترقُن بالحروف ما نرغب في التعبير عنه، لا تستجيب لفعل الإرادة فحسب، بل تتماهى مع ذلك المعنى الذي يحلِّق في سماء أفكارنا بحثا عن مادة/ نص تشكِّلُ «طِـينَه».. قد نرغب أحياناً في الكتابة وتعجز حروفُنا عن ملاحقة أحلامِنا.. وقد تأتيـنا الأحرف ذاتها، طيّعةً دون مجهود المخاض ودون سابق موعِد أو انتظار.. أما القضية فهي المعنى. القضية هي الإنسان، هي معنى أن نكون على قيدِ الوُجود.

 

الكتابة حياة

ـ لمن تكتبين؟ وما هي غاية الكتابة؟ ما علاقتها بالحياة؟ وهل تعانين من مأزق الورقة البيضاء، وكيف تبدو لك لحظة الكتابة، وماذا تقولين عنها؟

- أكتب للإنسان. أكتبُ بضمير مفرد يريد أن يكونَ جمعاً، لذلك لا غاية للكتابة غير الحياة في تجلِّياتها السامية. فـالحياة أكبر انتظار دوَّنا أسماءنا في سجلّاته، نعيشُه أو نحياه أو نخلُد بعدَه... تورِّطُنا الحياةُ بدورها، حتى بعيداً عن الكتابة والإبداع، في كل تجربة إنسانية أمام مأزق الورقة البيضاء. قبل مذبحة الشجاعية بيومين كتبت نص «أيها الرُّفاتُ اجْـمَع بعضَك، فكلُّك يحتضِر»، بعد المذبحة لم أتمـكن من مــراوغة الاحـتباس، وما زالت الصفحة بيضاء.. ربما الحــياة ورقة «بيـضاء» بألــوان متغــيّرة نتردّد أمامها أو نحجم أو نبادر أو نتسرّع... والكتابة بعض من الحياة، هي حياةٌ تَعِي فــعل الحياة، أو هي الحياةُ تغوصُ بألمٍ وأملٍ في عمق الحياة.

 

* بالمناسبة، كيف حدث وأصبحتِ ناقدة، هل تصنع الجامعة نقاداً ومبدعين..؟! وهل قدسية كتابة النقد هي التي تفرض على كاتبه نوعاً من الهيبة، وهل بوسع أي كاتب أن يصبح ناقداً؟ وما المؤهلات الأخلاقية والفكرية التي تجعل الناقد مبدعاً؟ ثم لماذا يستهويك نقد السرد أكثر من نقد الشعر مع أنك شاعرة..؟؟

- قد تسعف الجامعة في معرفة النظريات وفي اكتشاف مدارس النقد وفي اختبار أدواته، لكن النقد لا ينحصر في امتلاك العدة النقدية أو في التمرُّس على الأدوات. إن القراءة النقدية المتأنية المتبصِّرة، يُفترض أن تمتلك رؤيةً للعالَم إلى جانب معرفة الأدوات، لكي لا يتحولَ النقد إلى تمارين تطبيقية آلية، يتم إسقاطها على النص دون الوعي بفَـرادته أو تميُّزه ودون الوعي بالخلفيات الفكرية والمنظومات المعرفية التي تخفيها تلك الأدوات النقدية. لكن في الجهة المقابلة، يفتقر الكاتب دوماً إلى المعرفة بالأدوات النقدية، كي يتحول إلى ناقد، يتجاوز التأثر الانطباعي إلى إنتاج اللغة النقدية الرزينة.

أنا منشغلة بفعل التسريد ومـتعه. فقد صدر لي بالفعل في نقد السرد مؤلّف نقدي، وروايتي الثانية قيد النشر، بعد أن تم نشر وتوزيع روايتي الأولى «إيلافــ هم». لكن مجال النقد أكثر اتساعا، ولا يشمل السرد والشعر فحسب.. هناك العديد من الظواهر و الإنتاجات والقضايا والمستجدات التي تواجِهنا في الحياة الآنية بإلحاح، نواكبها أحيانا بتأمل نقدي، وأحيانا نتركها إلى أخرى.. ففي زمن العالَم الإلكتروني والقرية الافتراضية التي تمدّ أذرعها لتحاصر بقيمها وتصوراتها العالَم الحقيقي أكثر وأكثر، السردُ في العالَم لا يقتصر على الرواية والقصة و القصة القصيرة، مثلما الشعر لا يعني عمود الشعر أو قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر أو الهايكو.. نشرتُ مقالات نقدية عديدة حول قضايا وظواهر ليست سردية بمفهوم الجنس الأدبي.. وقد يصدر لي في زمن لاحق مؤلف نقدي يقرأ النص خارج الأجناس المعتمَدة، فلنترك الباب موارَباً لاحتمالات أكبر...

 

تحديات أمام النقد

ـ صدر لكم مؤخراً عن دار «النايا» السورية، كتاب نقدي بعنوان «تحوّلات الرواية بين بنى التحديث وأنساق التراث». ماذا عنه؟

- و صدرت عن دار النايا كذلك روايتي: (إيلافــ «هم» ـ رحلة قاب القوسين أو أعلى). كتاب «تحوّلات الرواية بين بنى التحديث وأنساق التراث» هو في الأصل الدراسة التي فازت في دورة 2013 من جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي، بالجائزة الثالثة عن فرع الدراسات النقدية المُنجَـزة حول محور «التراث». قدَّمتُ في الدراسة، رؤية نقدية تحاور مفاهيم المنجَز النقدي الوافد من باب الاستئناس، قصد صياغة مَفْهَـمات دراسةٍ نقدية عربية تفي خصوصية النصوص الروائية المدروسة حقّها في الإنصات لتميُّزها وللتحولات التي تختطُّها في مسار تطورها. فقد اقتضى فَهْمُ معالم التحديث الذي تـبْـنيه الروايةُ بانفتاحها على مـمكـنات إبــداعية متـجـدِّدة ومثـيرة للتلقي والتأويل، اقتراح مقتَــرب نقدي، لا يتوخى الإحاطة بالــهويات الروائية المتميزة للنــصوص فنياً وأدبياً وبارتباطها بالتراث في عمق سعيها إلى التجديد، بل يطمح - كذلك - إلى تأويل ذلك التحُّول الإبداعي فكرياً ووجودياً. وهكذا قامت الدراسة بتحيين منظورها النقدي الذي يشيِّدُ تأويلَه لتحوّل الرواية المغربية بشكل خاص، وفهمَه للفهم الإبداعي الذي تُحاور عبره الروايةُ المغربية رصيدَها التراثي من جهة، وهويتَها التجنيسية من جهة ثانية، وعالَمَها المرجعي من جهة ثالثة.

 

ـ بدهي أن النقد الأدبي من أهم مقتضيات التطور الفكري والأدبي، وأن الاتجاهات الفلسفية والمضامين الفكرية المعاصرة لم تتسع رؤاها الإبداعية وتستشرف آفاقاً أكثر شمولاً ورحابة، إلا بعد أن واكبتها حركة نقدية واعية...لذا فإن وظيفة الناقد تشكل ضرورة لازمة لتقويم مسار الحركة الأدبية وتقدمها، فهو الموجه الواعي والمدرك لحقيقة العمل الأدبي...من وجهة نظركم، ما مهمة الناقد بشكل عام؟

- قد أباغـت القارئ وأفاجــئك أســتاذي العــزيز، بقــولي إن الإبــداع عمـوماً والمنجَز الأدبي حالياً يتجاوزان بكثير درس النقد الأدبي في أوطاننا، ويرغــمانه على اختيار من ثلاثــة اختيارات. فعلى النــقد الأدبــي أن يعيد النــظر في ماهــيته وجــدواه وتاريخه، ليجدد ذاته، بما يلائم اللحظة الإبـداعية الراهنة، وسياقي الإنتاج والتــلقي المحكومين بالاكتساح الــرقمي وبتــلاشي الحــدود بين الأجــناس وبتداخل النصوص وبترابط الخطابات. أو سيـجد النقدُ لاحقاً، أن الفــاصل بين ثباته وتغــيرات الإبداع، قد اتسّع ووضعه في «متحف» مدرَّجات الجامعة وفصولها التطبيقية. الاختيار الثالث هو أن يستوعب ما توصل إليه درسُ النقد العالَمي، الذي أعلن منذ بدايات التسعينات عن موت النظرية، أو ذوبان المعالم الفاصلة بين حدودها المعرفية، في ظـل الانزياح عن المحـدِّدات المنهجــية الضيقة، والانفــتاح على المرجـعيات الثقافية المحـلية والقطرية والعالَمية، وعلى مباحث الدراسات الإنسانية عموماً، التي تُجاوِزُ حدود «الأدب المعتَمَد» إلى مفهوم «النص في العالَم».

 

ـ في المناهج النقدية الحديثة كيف تنظر سعيدة إلى شخصية البطل في النص؟ هل هي اللغة، أم الأسلوب، أم البيئة؟

- النص كينونة مكتملة لها هويتها الفريدة، أو هو كلٌّ تتعاضد مكوناته لتشييد هويته، لذلك شخصياً لا أميز الكتلة عن العناصر ولا أميّز المادة عن الكثافة..

 

مدارس نقدية

ـ ما رأيك في المدارس النقدية الجديدة مثل البنيوية التي غزت ميادين الدراسات الأدبية منذ أواخر الستينيات، وما يسمى بالتفكيكية، وغيرها من الاتجاهات المعاصرة، وكيف يكون موقفنا منها؟

- كل مدرسة نقدية كانت إجابة آنـية عن اشـتراطات لحظة فكرية استدعتْها في زمان بروزها ومكانه. لذلك للمدارس النقدية التي أنتجها «الآخر»، إلى جانب منظوماتها المعرفية المتحكّمة في تشكيل أولــويات أدواتها النــقدية، خلــفياتٌ تاريــخية ومحدّدات اجتــماعية وتصورات فكرية. فالبنيــوية نصَّبَتِ للنص من داخل اللغة بنى ودلالاتٍ، في استجابة للإشــكال الفكري الذي أثارته المــاركسية. فألغت بنــيوية براغ والبنيوية الفرنسية وصاية المؤلف، وجــعلت بلوغ المــعنى مشروطاً بفك سنن النص. ونظريات جماليات التلقي في نسخها الألمانية، التي ظهرت في سياق الحراك الطلابي وإعادة بناء التعليم العالي في ألمانيا الغربية في منتصف الستينات، انتفضت على المناهج التقليدية المحافظة التي تركز على عملية إنتاج النصوص، ورأت في المعنى احتمالا كامناً في النص، يفتقد إلى تفاعل وعي القارئ كي يمنحه وجودَه. وما بعد البنيوية بما فيها تفكيــكية جــاك دريدا وغيره، ومباحث ميشيل فــوكو وجاك لاكــان ولوي ألتوسير وجيــل دولـوز وجوليا كريستيفا وجان فرانسوا ليوتار وغيرهم، هي بنيوية نقدية وقفت عند قصور البنيوية في قراءة النص الأدبي، وعند تحدي التصور المثالي لكل المركزيات بما فيها مركزية الذات أو اللغة أو العلامة...

لكن فعل اقتباسنا «نحن» لتلك المناهج النقدية أو الترجمة عنها أو محاولات تبيئـتها، لم تتم وفق الاشتراطات التاريخية والاجتماعية والمعرفية والفكرية التي ولَّدت تلك المناهج، وإنما لحاجة النقل والتفاعل مع ما توصّل إليه «الآخر». لذلك فُصلت المدارس عن السياقات التي أنتجتها، وأفرغت المفاهيم والمصطلحات من حمولاتها. وغدت المناهج أدوات تطبيق إجرائي، يشوبه التردد والارتياب والخلط.

والأمر إشكالي يستدعي إعادة النظر فيما تريـده هذه الـ «نحن» فعلاً، قبل التفكير فيما يحتاجه «نـقــدنا». الانتماء إلى العــالم بكل قيمه ومكــتسباته وإنجازاته الإنــسانية الكونية، ومحاولة الاجتهاد من داخل هذه الكونية، بمقترحاتنا وإضافاتنا التي من شأنها أن تغْـني كونية «الناس كافة» بخصوصياتنا، كي تواصل هويتنا البقاءَ والحياة والإبداع. أو الانغلاق على تلك الـ «نحن» لتضميد جراحها وتقويم انكساراتها وتحصين الذات ضد المؤامرات الخارجية، بالوقوف على أطلال إنجازات للماضي ضيّعناها، وما أفلحنا حتى في الحفاظ على متاحفها وسجلات أمجادها المشيّدة في الآثار التاريخية بالطوب والحجر في مدن، كانت عواصم للحضارة والعلم والتاريخ.

 

المرأة والأدب

ـ كيف ترين علاقة المرأة بالأدب؟ وهل توافقين على تعبير الأدب النسوي والأدب الذكوري؟

-الأدب، مثل الفكر والفلسفة والعلم والفن وغير ذلك، لا أعضاء جنسية له، لكي نحدِّده عند الولادة بالمولودة الأنثى أو المولود الذكر.. التمييز بين الأنوثة والذكورة في الكتابة والإبداع صنيعة اجتماعية، لا علاقة لها بالكتابة أو بالإبداع، وإنما ترتبط بتوزيع الأدوار التي احتكمت إليها المجتمعاتُ في مسار تطورها، وتحقَّـق حولها الاتفاق وأصبحت نتيجة للتقادم عرفاً، بل قانوناً في بعض الأحيان لا سبيل لخرقه. تلك الصنيعة الاجتماعية المميِّزة بين إنجازات المرأة وإنجازات الرجل، تمَّ نقلها إلى الأدب من المجتمع الذي ما زال يريد أن يرى الأصل ذكراً، ويرى الأنثى استثناءً يشدّ عن القاعدة، واستثناء يستحق الوصاية، وعليه (ذلك الاستثناء) إن لم يقتنع بالنظرة الدونية التي تحملها تصورات «العيالات، حاشاك» و «الحُرمة، أعزَّك الله» و«الحريم» و«الأنثى العَـوْرة» و«الجسد المُشتهى/ المُـدنَّس»، أن يناضل حتى الموت من أجل «المساواة مع حقوق الرجل» وكأنه طفرة جينية لا تستحق أن ينظر إليها بوصفها إنساناً.. ولذلك يستكثر المجتمع عليها، أن تعبّر عن منظورها للعالَم، داخل العالَم الذي صنعه الله خالق الكون ومبدعه، ولم يصنعه الذكر.

المرأة والرجل شريكان في فعل الحياة، من منطلقات بيولوجية مرتبطة بالتكامل الفيزيولوجي في التزاوج والإنجاب. هكذا تعلِن الطبيعة عن الاحتياج المتبادَل بين الطرفيـن من أجـل تخـصيـب الحــياة وإرسـال البـذرة الملـقَّــحة نحـو مرحلة أخـرى من الإنتاج والعطاء. ويصرُّ المُكــتسَـب والمُــصطنَع من الفـعـل الاجتماعي على التفرقة والتمييز بمنظور تراتُبي استعلائي.

حين نتوقف عن النظر إلى التاريخ الذي دوّنَه المؤرّخ/ الرجل من زاوية انفراده بالعالَم، ونبتعد قليلا عن سقف سلطة الأعراف والطقوس والتقاليد المتوارثة منذ أجــيال، والتي تحظى بهالات التقــديــس وتتحــكَّم في بناء التــصورات حول الــذات والإنسان والحياة والمجتمع.. سيكون بإمكاننا أن نصاب بالــذّهول أمام حقيقة بسيطة وبديهية: الرجل ليس وحيداً في العالم.. والإنسان امرأة و رجل.. والمرأة بدورها ترى العالم.. والمرأة بدورها لها كامل الحق في أن تكتب رؤيتها تلك للعالم، دون مصادرة أو تضييق أو أحكام مسبقة.

إن كان كل ما أنتجه الرجل لا يوصف بالذكوري، فلماذا يوصف ما تنجزه المرأة بالنسوي.. اللغة ليست بريئة فتوصيف الأدب يجب أن يكون أدباً وحسب، وهو إنجازٌ إنساني كوني، يعبّر عن رؤية للعالم أنتجه الإنسان امرأة أو رجلاً.

 

جمود أكاديمي

ـ يأخذ بعض الباحثين على النقد العلمي (الأكاديمي) تَجَمُّده في إطار البحث والتنسيق والتحقيق، دونما حسبان لشخصية الناقد الانطباعية التذوقية، التي تعد -أحيانا- مقياساً أدبياً. ما تعليقكم على ذلك؟

- سبب الجمود، فيما أعتقد، هو الانشغال بالتطبــيق التقني الآلي لـ»الأدوات النقدية».. وتلك الأدوات تتــحول في الغــالب، أثــناء تلك التطــبــيقات، من مــفاهــيــم وتصورات كبرى تحتمل ما تحتمل، إلى خطوات لا يساعد تتبّعها على فهم «الفهم الإبداعي» الذي يقترحه النص المقروء. النقد حين لا يحرص على النفاذ إلى روح النص، ولا ينشغل ببصمة النص الإبداعية الفريدة، التي لا تتكرّر، لا يمكنه أن يقدم غير ناقد متمكِّن، يطبِّق ما يعرفه باحتراف أكاديمي، لكنه لا يمتلك رؤية.

 

ـ يتردد بين حين وآخر أن هناك أزمة ثقافة، ويذهب آخرون إلى تسميتها أزمة مثقفين، ما رؤيتكم الخاصة لهذه القضية؟

- الأزمة أزمة قيم قبل أن تكون أزمة ثقافة أو أزمة مثقفين. والقيم تخص المجتمع بكل أفراده ومكوناته وأطيافه وشرائحه ومؤسساته. المثقــف رغم عطاءاته ونضاله من أجل قيم الحياة السامية، كان دوره دوماً محصوراً في حلقات ضيقة من الأتباع والمريدين. فقد كان في كل محطات التاريخ مبعث ارتياب أو مراقبة أو تضييق أو اضطهاد.. تحاربه السلطة الحاكمة، لما يحمله من بذور للتغيير لا تخدم بالتأكيد مصالح سيادتها واستمرارها واستبدادها. أو تستميله إلى ركابها بالترغيب أو بالترهيب، لتأمنَ ولاءه وليأمن شططها. وترتاب منه الـعامة، من تلقاء واقعها أو بإيعاز من السلطة الحاكمة، لمخالفته لأعرافها ولعادات تفكيرها.. المثقف رغم صموده وعطائه، لم يكن موضع إجماع.

اليوم، في ظل ما تتيحه وسائل التواصل والاتصال الرقمية ووسائط النشر الإلكتــرونية، غـدا القــرب والتــواصل مفتوحاً، لا تعيــقه الرقــابة أو ضوابط المــنع، وغدت مساحات التأثــير والتنوير والتغيير أخصب...لكن في المــقابل، أشكال الجهل و الــعماء، وأساليب «التجهيل» و»التعمية»، بدورها تطورت وتناسلت، بشكل مخيف. وأصبح من الصعب للجــهود الفردية مهما تفانت في العطاء، أن تمارس دور التغيير المطلوب، في أعمق أعماق المجتمعات. لذلك أزمة القيم تستشري أكثر فأكثر.. ولذلك أصبحت «ثقافة الموت» مسيطرةً بأوهام البطولات القاتلة.

 

رؤية نقدية

ـ النقد الحديث. ماذا يريد من النص؟ إبداعه أم مبدعه؟

- ما المقصود بالنقد الحديث؟ حديثنا «نحن»؟ أم حديث «الآخر»؟ وهل هذا «النقد الحديث» الذي لا يمكن الاتفاق حول المقصود منه، تصور واحد أم تصورات؟ وإن توافقنا على أن هذا النقــد يــقرأ النص الإبــداعي المجدِّد، هل ذات الناقد واحدة محدَّدة؟ وهل لا تعنينا هذه الذات في شيء والسؤال حول مقاصد فعل النقد؟

في عمق الأسئلة احتمالات أخرى لا حدود لإمكاناتها.

 

*كيف تواجه سعيدة تاقي نصًا نقديًا؟

- أبحث في النص النقدي عن رؤية نقدية مستقلة يشيّدها الناقد، أرى عبر منظارها النص الإبداعي، وألتمس في ضوئها بصمته الإبداعية.

 

*ما علاقة النص الإبداعي بمرجعه الواقعي؟

- النص الإبداعي لا يكتب عن الواقع الموجود قبل فعل الكتابة. النص الإبداعي يكتب واقعه أثناء الكتابة، فالنص يشيِّد عالماً، لم يكن له وجود قبل لحظة الكتابة. وقد يكون هذا العالم التخييلي، أكثر واقعية وتشخيصاً لمرجعيات الحياة، من ذلك الواقع الحقيقي العياني.

 

سجينة الفصل الواحد

ـ ماذا يعني لك المكان؟

- المكان بالنسبة إلي مدينة، أو هو مدن عديدة.. مثل تلك المــدن الكثيرة التي اخترقتني واخترقت الفــضاء السردي لــروايتي «إيلافــ هم». فجعــلتني معبرها للتــحرّر من الذاكرة، والعيش في أنساق حياتية جديدة.. المكان عندي ليس ذلك الحميمي الذي تحدث عنه غاستون باشلار، منزل الطفولة والمنازل الكثيرة التي سكنّاها أو سكنتْنا والغرف والعلِّـيات والأسطح والأدراج... المكان مدينة مفتوحة آهلة بالسكان والحياة، تخصِّب الأمـل في كل يوم جــديد، وتضعه في الليل على وسادة الأحلام.. فضاء القرية ارتبط في ذاكرتي بالعطلة والأنس إلى الهدوء والطبــيعة والعــائلة.. صوت الجــدة يغنّي، وأشـجار التين والكمثـرى والبـرقوق والعنب والليمون، تمنح شذاها لكل العابرين، بعيداً عن التزامات المدينة وضجيجها.. الغريب، وسؤالك يحفِّز تأملاتي أنني، حين رغبت في أن تكون القرية فضاء لرواية شرعت في كتابتها، أجهضت الأيام بذرتها وظلت سجينة الفصل الواحد.

 

ـ كيف تقيّمين خطورة النقد الذي تحركه انتماءات دينية أو سياسية أو أيديولوجية؟

- النقد الإديولوجي كان محطة تاريخية سابقة من محطات النقد الأدبي، وتم تجاوزه لاستنفاده غاياته المرحلية. لكن أن نجمع بين النقد الأدبي والدين أو السياسة، فذلك ما لا يجتمع ولا يستقيم، إلا إذا أسندت الأمور إلى غير أهلها.. أما إن كان المقصود هو نقد تحركه انتماءات دينية يعالج بالنقد ظواهر دينية أو قضايا دينية، والأمر نفسه فيما يخص النقد الذي تحركه الانتماءات السياسية، فذلك أمر وارد، ويهم أصحاب الشأن.

 

ـ ماذا يمثل لك العنوان الروائي؟ هل هو عتبة موجهة لعملية القراءة؟ وهل يمكن للرواية أن تعيش بعيداً عن السياسة والأيديولوجيا؟

- العنوان استهلال يغوي بالقراءة ويوجهها، وأحيانا يكون السبب في ترويج الرواية أو في صدور المنع من تداولها، مثلما وقع لرواية «مصحف أحمر» للروائي اليمني محمد الغربي عمران. وإن كان المنع إشهاراً مضاعفاً ومجانياً، يتيح للعمل الانتشار أكثر. لكن العنوان لا يختصر الرواية ولا يطابقها، ولذلك قد يكون أصعب خطوة وأعسر لحظة في الكتابة الروائية بأكملها. الرواية لا تعيش بعيداً عن السياسة أو الإيديولوجيا، بل قريباً منهما. الرواية تحيا عبر كل الخطابات، أو في كل الخطابات، وتلك قوة التسريد الروائي. إنه يمنح الرواية دون التورط في المباشرة، القــدرة على الحــلول في كل الأجناس والأنماط والصـيغ والحكايات والعوالم والخطابات...إنها لا تعرف الحدود ولا تعترف بالفواصل.. تكتسح كل شيء بإبداع، وتعيد لحسابها الخاص، تجديد ذاتها وتشييد عالَمِها.

 

الحرية والمثقف

ـ كيف تراقبين الوضع العربي الراهن؟ وما هو دور المثقف العربيّ في التغيرات الجذريّة الحاليّة؟ وما هي حدود العلاقة بين الإبداع والحرية من وجهة نظرك؟ وكيف تقرأ سعيدة تأثير الربيع العربي على المشهد الإبداعي في السنوات القادمة؟

- حين أتأمل الوضع تتملكني مثل الجميع خيبة الأمل ومرارة الإحباط.. فسيول الدم المراق لا تترك لتُربتنا سوى أن ترتوي بالأحقاد والضغائن.. ويصعب التفكير في غد يمكنه إصلاح كل ما اقترفه البؤس والظلم والبطش.. فالإنسان يناضل من أجل الحياة بكرامة.. إن خسر الحياة فلا مجد له سوى كرامته. وإن خسر الكرامة لا حياة له ولا أمجاد. لكن حين أفكر في الإرادة أدرك أن الأمل يكمن هناك قريـباً من يأسنا، فجدران الصمت والخوف والخضوع قد تم خرقها، وقوة الحق بذرة تكمن في أعماق المستضعَـفين...

المثقف إنسان يحيا ويفكّر ويشقى، ليبدع معنى الحياة. قد يمتلك من القوة ما يجعله ثابتا على الإيــمان بكل ما يؤمن به، مقـاوماً لتــيارات الاســتبـداد والإسـفاف والفساد والتجهيل، مدافعاً بفكره عن حق الإنسان في الحياة بسمو وحرية. وقد تخذله القوة لتنتكس إرادته، أو قد تستدرجه التيارات السائدة المتربصة، بدل أن يناضل ضدها. نرى ذلك في كثير من أحداث ساحتنا العربية الثقافية والسياسية. لكن الابتــلاءات الكبيرة هي التي تصنع مــساحات التــأمــل، وتشحــذ طــاقات التفــكير، وتخصب روح الإبداع. وتظل الحرية الزاد الذي لا يمكن للحياة أو للإبداع المواصلة بمعزل عنه. لـنَـأْمل أن يكون الغد أكثر إبداعاً من أحلامنا.

 

ـ الآن بعد كل هذا الذي تحقق، أين أنتِ؟ وما الذي تريدينه من الكتابة؟ وبماذا تحلمين؟ وماذا عن تصورك للمستقبل؟

- للمزاح «ما زلت طفلة تصبو».. تلك عبارة مقتطفة من إهداء روايتي الثانية، التي ما زالت حبيسة مراجعاتي، في ظل وعد بناشر مصري..

أين أنا؟ أنا أحيا، (بصوتي وليس بصوت ليلى بعلبكي). لي أعمال منجزة وغير منشورة ورقياً، وأخشى أن أتجاوزها إبداعياً، فلا أترك لها فرصة الوجود بين دفتي كتاب.. أنا بين الحياة والرواية والشذرة والكتابة.. في رحم الكتابة أولد من جديد، مرّات.. مرات.. وفي حاضنتها الفسيحة أرسم للحياة عناوين أخرى غير الوجع والجهل والظلم والدم.. أحلم بيوم نغتسل فيه بالأمل والعمل من كل آلام وأوهام البطولات القاتلة.. أحلم بيوم نحيا فيه جميعا بقوة العـلم والحـب والعدل والجمال.

           لنأمل خيراً..

 

أجرى الحوار: نضال القاسم

samihsolaymanالمفكر سامح سليمان من مواليد عام 1980م، درس علم اللاهوت المقارن الأرثاذوكسي، ثم التحق بالكلية الأكليريكية، ثم انقلب بشكل مضاد وبدأ يميل للدراسات الفلسفية الوجودية معبراً عن احتجاجه وتمرده على الفترة الدينية التي أمضاها منذ صباه ومحدثاً صدمة بين أوساطه وأصدقائه من خلال تعصبه وتشبثه بما مال وانحاز إليه على عكس ما كان بادئ ذي بدء وبتاريخ 23-11-2014م، كان لنا معه هذا الحوار:

 

- الأستاذ سامح سليمان، في البداية يسرني أن أرحب بك في هذا الحوار الذي أجريه معك وأبدأ معك بهذا السؤال، إذا صحَّ تعبيرك عزيزي سامح بأن قراءتك للوجودية المسيحية كان محض صدفة كما قلت، أم إنها كانت بدافع فضول واستكشاف ومحاولة للخروج من دائرة مغلقة؟؟

وماذا تعنيه بالفكر الوجودي المسيحي، وهل تعتقد بوجود فكر مسيحي وجودي، كون المسيحية دين؟؟

- تحياتى إليك وإلى جميع أعضاء هذا الكروب الرائع (الحب وجود والوجود معرفة)، البداية القريبة لمعرفتي بالفكر الوجودي المسيحي

ولا أقول الفلسفه الوجودية المسيحية لأن الوجودية عموماً بشقيها المسيحي والألحاد هو تيار فكري أكثر منها فلسفه نسقية، كما أنني أتفق بنسبة كبيرة مع من يرفض صواب كلمة فلسفة الدين أو فلسفة مسيحية أو اسلامية او يهودية وأؤيد إطلاق كلمة فكر بدلاً من كلمة فلسفة حتى وإن كانت المسيحية ذاتها قد تأثرت تأثراً كبيراً بالفلسفة اليونانية) وأنا فى سن السابعة والعشرين وأثناء مرحلة شك كبير فى كل ما آمنت به من يقينيات دينية وطائفية وقيم فكرية نشأت عليها وقرأت عشرات الكتب التى تؤيدها وأيضاً قرأت بعض الكتب التى ترفضها، بخلاف أزمة نفسية أصابتني بسبب تركي للكلية الأكليريكية التى لطالما حلمت بالالتحاق بها لأصبح رجل دين واستطعت الالتحاق بها بتوصية من قيادة كبيرة فى الكنيسة وكذلك أزمة نفسية

لا زمتني منذ الصغر بسبب الأسلوب الخاطئ والسيئ فى التنشئه وكذلك التكوين النفسي والقيمي الخاطئ نتيجة الحياة فى مجتمع مريض وتعليم ضار ومدمِّر للقدرات العقلية وإعلام ساهم بنصيب كبير فى تشويه القاعدة الفكرية لي ولغيري من أبناء جيلي، حتى لا أطيل عليك أرشدني أحد أصدقائي الى كنيسة تعتمد أسلوب فى الارشاد النفسي والروحي يسمى المشوره المسيحية ومن حسن حظي انها كانت تعتمد منهج مدرسة النضج

(المشورة المسيحية تنقسم الى ثلاث مدارس رئيسية وهى مدرسة الحق الكتابي ومدرسة الشفاء الروحي و مدرسة النضج وهى أفضلهم جميعاً) بخلاف أن قادة تلك المدرسه أخذوا بعض أفكارهم من مدرسه في العلاج النفسي تسمى مدرسة علم النفس الوجودى ومن أشهر روادها رولو ماي وكذلك مدرسة العلاج بالمعنى لمؤسسها فيكتور فرانكل، وقد استفدت كثيراً من كتابه الأنسان يبحث عن المعنى ثم قرأت كتاب بحث الأنسان عن نفسه (رولو ماي) ثم كتاب عن حياة وأقوال (كيركجارد) للدكتور (إمام عبد الفتاح)، ثم وقعت يدي بالصدفة على كتاب (مذكراتي فى سجن النساء) للدكتوره (نوال السعداوى) وغمرتنى قوتها وفكرها غير التقليدي وصلابتها وحديثها عن الحياة ومن هنا بدأت بذرة الخروج من القالب الذى ألقتنى إليه الصدفة العمياء

قرأت الأعمال المبكرة للمفكر المصرى (خالد محمد خالد) وأعمال الدكتور (سيد القمني) ثم كتاب (مغامرة العقل الأولى) (لفراس السواح)، ثم أبتسم لى الحظ والقى فى طريقى بعض أعمال العظيم (سلامه موسى) ومن أهمها (حرية الفكر) و(نظرية التطور) و(برنارد شو) وهو الذى أرشدنى لحتمية سعة الأطلاع وتكوين مشروع فكرى متكامل ورؤيه علميه وموضوعيه للحياه، ربما الصدفه تكون عبارة عن محاولة من الطبيعة للتكفير عن ذنوبها المتعددة فى حقي ومساعدتي فى بحثي عن الحقيقة والسلام الداخلي .

 

- هل تحققت لديك رؤية واضحة حول مشروعك الفكري وتنسيق أفكارك وبلورتها في استنباط نظرية معرفية تتبناها، أم لا زالت عبارة عن شذرات وأفكار تقتصر على مناقشة بعض القضايا على نحو مزاجي متعلق بشجون وآلام؟؟

نعم تحققت لدي رؤية واضحة حول مشروعى الفكري وتنسيق أفكاري وبلورتها من حيث الأركان الأساسية ولكن التفصيلات لا بد ان تكون فى تطور دائم وإلا أصبحت متحجراً متجمداً فاقداً للحياة.

وقريباً سوف أكتب سلسلة من المقالات أشرح من خلالها مشروعى الفكري بشكل منهجي وتفصيلي ولكن يمكن أن ألخصه فى عباره واحدة هى : اليقين جهالة، الفطرة هي التساؤل ، أقصى جودة هى الغاية .

 

- لقد قلت أنك تأثرت ببعض المفكرين وتخص فيهم (كيركغارد)، والمفكر المصري (سلامة موسى)، والمفكرة المصرية (نوال السعداوي)، ما الذي أخذته في كل منهم على وجه التحديد والاقتضاب؟؟

- كيركغارد: كان له الفضل فى إدراكى لحتمية اختيار الذات والتمرد على القولبة والخروج عن القطيع .

- سلامه موسى: الرؤيه الصحيحة للمرأة وأهمية العلم، والقرأه الموسوعيه، ودور الأقتصاد فى تشكيل المجتمع

- نوال السعداوى : الرجل لن يتحرر إلا عندما تتحرر المرأة، التمرد والإيجابية والفهم الأعمق للحياة .

 

- إلى ماذا كنت ترتأي في تجريب مسلك المحاضرات وإلقائها، وكيف كنت تجد المتلقي، هل وجدت نفسك مدرباً للتنمية البشرية، أم فيلسوف ومنظر لأفكار معينة؟

تعجبنى جداً مقولة تشارلز بوكوفسكي عندما قال لا تكتب إلا إذا كنت ستنتحر أو تقتل، وهذا من أسباب اتجاهى للكتابة وإلقاء المحاضرات فبخلاف أهميه الكتابة لتفريغ الطاقه الفكرية الناتجة عن القراءة المنهجية الدؤوبة، كذلك التحاور والتجادل فى غاية الأهمية لصهر وإعادة تشكيل ما لدى المفكر من معرفه وهذا ما دفعني لإلقاء محاضرات فى الأدب والفلسفة قائمة على المناقشة وليس التلقين الغبي، وقد أسعدني رد فعل المتلقين لما أقدمه، فإسلوبي يعتمد على البساطة دون الإخلال بالمضمون، وتطبيق ما قاله نيتشه وأكد عليه العظيم كارل ماركس عن أهمية دمج الفلسفة بالحياة، كذلك إلقائى لمحاضرات التنمية البشرية، فبعد دراستى للكثير من برامجها دراسة مستفيضة وكذلك دراسة بعض برامج إدراة الأعمال واكتشافى للدجل والشعوذة المنتشره بكثافة فى هذا الوسط، أسعى لدمج ما بها من فكر إيجابى يساهم فى ارتقاء الإنسان وتحقيق مستوى أفضل من الجودة لحياته مع ما تكوَّن لدي من رؤية للحياة ناتجة عن دراية بعلم النفس والاجتماع والفلسفة، الإنسان كائن مركب شديد التعقيد، ولا يوجد علم ليس له أهميه، بل وأيضاً الأدب (الثمين منه وليس الرث) والفن بأنواعه من سينما وموسيقى ونحت وفن تشكيلى وكيمياء وفيزياء وبيولوجيا، فيجب أن لا ننسى ما أحدثته نظرية دارون المحرم تدريسها فى بلادنا، من أثر فى السياسة والفلسفة والاقتصاد وعلم النفس، بل وحتى الأدب بأقسامه المختلفة .

 

- هل المغالاة في الالحاد مطابقة للمغالاة في الدين برأيك؟

- مع كامل احترامى للمتدينين والملحدين لا أستطيع الأجابة إلا بكلمة نعم .

فالمغالاة عند المتدينين دليل على الشعور بالنقص وعدم الاحساس بالقيمة الذاتية والرغبة فى الانتماء لشئ له قيمته ومكانته وتقديره لدى البيئه المحيطه به، خاصةً اذا ما كان هذا التقدير يصل إلى حد الخبل والهوس، وهذا هو السائد فى مجتمعاتنا نتيجة الفشل الذريع فى كافة المجالات من علم وفكر وحضارة، وايضاً نتيجة أن الأغلبية الساحقة فى مجتمعاتنا الناطقة بالعربية لم يختار أحدهم ديانته، بل انتقلت إليه بالوراثة وليس بعد بحث ودراسة ومقارنة ديانته التى ورثها بحسب الصدفة بباقى الأديان والعقائد والأفكار المختلفه بتجرد وموضوعية،و بدون التأثر بما تم تلقينه إياه من والديه ومن باقى مؤسسات المجتمع المأجورة.

أما المغالاة فى الألحاد فتنشأ فى الغالب نتيجة مراهقة فكرية ورغبه فى إعلان الكراهية للسلطة بالتمرد على أهم رموزها وهو الإله وكذلك رفض المسترزقين من وراء التحدث باسمه من موظفي المؤسسات الدينية، والتمرد على القيود الخانقة للفكر الدينى القمعي الرجعي السائد فى مجتمعاتنا لعدة أسباب ثقافية وسياسية، أو انبهار ساذج بالنموذج الغربى الذى يسبِّح بحمده الكثير من مثقفينا، بخلاف شئ هام متفشي فى مجتمعاتنا الآن وهو إذا رفضت شيء وأقتنعت بخطأه لا بد أن تنتقل الى الإيمان بنقيضه، و لذلك نرى أن التيارات التى لا تعتمد على الصبغة الدينية فى ترويج أفكارها رداً على التيارات المعتمدة على الصبغة الدينية فى كسب الأتباع، تقزِّم المرأة وتنادي ليل نهار أن المرأة لن تتحرر إلا إذا تحررت من ملابسها أولاً، ومارست الجنس كما تشاء !! بعض المثقفين المنبهرين انبهاراً أعمى عن جهل وعدم دراية بالنموذج الغربي يعتقدون أن المرأة عندما تمتلك الملابس تفقد العقل وعندما تفقد الملابس تمتلك العقل !!

هذه هى قضية المرأة فى نظر أغلب مثقفينا، ويا لها من مأساة!! (أغلب مثقفينا الموظفين المعتمدين إعلامياً هم جهلاء وإقصائيين ومهووسين جنسياً)، وبخلاف أن المغالاة أساسها بنسبة كبيرة نفسي، هى دليل على قناعة الطرف المغالي بامتلاك اليقين، ومن اعتقد بامتلاكه لليقين حكم على عقله بالموت بخلاف حكمه على الطرف الأخر بعدم الحق فى الوجود، فكما يُغتال المتدينين بمختلف انتماءاتهم من اختلف عنهم سواء فى الدين أو الطائفة ورفضهم لوجود من اختلف عنهم، كذلك فعل الشيوعيين الملحدين فى روسيا عندما امتلكوا زمام الحكم، اغتالوا كل من انتمى للحكام السابقين وحطموا الكنائس وحرموا كل ما له علاقه بالدين،و تحولت الشيوعية لديهم الى دوجما غير قابلة للنقد، أى تحولت إلى مقدس مخالفين بذلك فلسفة العظيم ماركس من نادى (بأن أساس كل نقد هو نقد المقدس). أنا أختلف بدرجه كبيرة مع من يرى أن الدين شرٌّ فى حد ذاته، نعم الدين كنص مقدس هو ثابت خاصةً لدى من يؤمنون به ( هذا إذا ما تغاضينا عن الآراء التى تنادي بعكس ذلك )، لكن الفكر الديني متنوع متغير فهو منتج بشري يتأثر تكوينه بعقلية وإرادة منتجية، هو أداة ذات حدين نستطيع أن نستخدمها لخير ونهضة مجتمعنا أو لإفساده وتجهيله وإفساده، وهذا الاختيار هو مسؤولية من يديرون المجتمع، ومن يديرون المجتمع هم نتاجه وإفرازه حتى وأن لم يختارهم أبناؤه، الفكر السائد هو إفراز وإرادة واختيار مجتمعي .

بينما الإلحاد يجب أن يكون متاح كاختيار شخصي له احترامه وحرية تأييده،

- بما توحي لك المفردات التالية: الله، الحق، الواجب، الحرية، التطرف، الموت، الوجود

الله: القوه التى تسرى فى المادة .

الحق: أقصى جودة للحياة.

الواجب: الصدق والعدالة .

الحرية: وهم إلا القليل فيما ندر، وما أثمن هذا القليل .

الموت: انتقال من صورة إلى صورة إلى أخرى، فالمادة لا تفنى ولا تستحدث من عدم.

الوجود: لعنة برومثيوس .

التطرف: هو الاعتقاد بامتلاك اليقين (بمختلف أشكاله) .

 

- بلا شك فأنت بحثت ملياً وأشرت لقضية علاقة السلطة برجالات الدين وقد لفتني مقتطف من أحد مقالاتك تتساءل) وكيف اتفق الفقهاء مع رموز السلطة في كثير من الاحيان على عقولنا، الفقهاء بحجة الحلال والحرام، والسلطة تحت اسم الحفاظ على مصالح الوطن العليا)

وسؤالي هو :هل تعتقد أن أزمة السلطة محصورة في علاقة رجل الدين بالسلطوي، أم أن القضية في عصرنا الراهن تتعدى ذلك؟

- هل الأزمات الفكرية في الشرق والعالم العربي سببها الرئيسي التبعية للأشخاص بمعنى تقديسهم، هل مازلنا أمام لعنة المقدس؟ وتقديس المدنس؟

إن قضية مجتمعاتنا العربية وعلاقتها مع رجل السلطة ورجل الدين ورجل الفكر وعلاقة كل طرف من الأطراف الثلاثة بالآخر، هى قضية مركبة وشديدة التعقيد، ومناقشتها لا تكفيها مئات الكتب،

منها على سبيل المثال لا الحصر ما هو متعلق بالهوية، فعلى سبيل المثال هل الهوية هى بحسب الدين أم العرق أم الانتماء الحضارى أم اللغه أم الثقافة أم المصالح المشتركة؟

على سبيل المثال: فى بلدى الحبيبة مصر أثيرت فى الثلاثينيات مشكلة الهوية المصرية هل هى مصرية خالصة نسبة الى المصريين القدماء، دعا سلامه موسى الى إلغاء اللغه العربية وأستبدالها بالديموطيقية، وأن نتجه بقوه نحو الثقافه الغربية، ونادى طه حسين بأننا ننتمي الى ثقافة البحر المتوسط .

أم هى قبطية كما ينادي بها حتى الآن بعض المتزمتين العنصريين من المسيحيين، أم اسلامية وقد دعا إلى ذلك غير المؤمنين بفكرة الوطن فهو بالنسبة اليهم تراب ودين ولكن مؤمنين بفكرة الأمة التى ليس لها حدود جغرافية لأن باب الجهاد من وجهة نظرهم لم ينتهي ولن ينتهي، لذا فالوطنية كفر والوطن وثن، مثل (جمال الدين الأفغانى)، (رشيد رضا) ( خصم سلامه موسى )، حسن البنا، أم عربيه وهو تيار القوميه العربية الذى نشأ على يد المسيحيين الشاميين كردّ على التيار الإسلامي وقد ساد هذا التيار على يد حركة يوليو 1952م، بعدما أجهض تيار القومية المصرية لمنشئه (أحمد لطفى السيد) وتم التعتيم على مفكري الليبرالية التي سادت من 1923م حتى 1952م، مثل (فرح أنطون)، (شبلي شميل)، (اسماعيل مظهر )و غيرهم كثيرون .

(أنصح بقراءة كتاب الليبرالية المصرية للدكتور (رفعت السعيد)، مستقبل الثقافة فى مصر للدكتور (طه حسين)، أيضاً كتاب (المثقفون والسلطة) وكتاب (النهضة) و(السقوط فى الفكر المصرى الحديث) للدكتور (غالى شكري) ولا ننسى القله المستنيرة التى نادت أن الهوية كيان دائم التجدد له أكثر من مكون حضاري، بينما تغيرت تركيا للأفضل فى أوائل القرن الماضي على يد (كمال أتاتورك) إلى دولة علمانية عصرية.

إن من أهم أزمات مجتمعاتنا أن هويتها هلامية مشوشة أو أقصائية عنصرية، من أهم أزمات مجتمعاتنا أن هويتها لا يحددها علماؤها وفلاسفتها وأدبائها ومفكريها ولكن الهوية تتغير بتغير توجهات من يمتلك السلطة، فمبدأ شعوبنا بدرجة كبيرة هو الناس على دين ملوكهم، فإذا كان من حكم (الحاكم القوي) علماني أصبحنا علمانيين وإذا كان اسلامى أصبحنا إسلاميين، حتى بالنسبة للتوجه الاقتصادي، إذا ما أراد من يملك السلطة الاتجاه نحو الأشتراكية أصبحنا اشتراكيين، وأصبحت وسائل الأعلام المقروءة والمسموعة والمكتوبة وانبرى أكثر مثقفينا _ خدم السلطان وأكلى الفتات المتساقط من مائدته، فى كتابة الكتب والمقالات عن عظمة الاشتراكية، ومسترزقى وموظفى المؤسسة الدينية بما لهم من تأثير غير محمود، بحثوا عن نصوص دينية تتوافق مع هذا التوجه، وسبَّحوا منادين ليل نهار بأن الأشتراكية من الدين،و إذا ما تحولت إرادة من يحكم الى الرأسماليه حدث نفس السيناريو .

لكن يجب ان نعلم أن من يتحكم فى طبيعة النموذج السائد من قيم وأفكار وصناعة القرار فى كافة المجتمعات خاصةً المجتمعات الرأسماليه، ليس فقط رجل السياسة أو حتى رجل الدين ولكن أيضاً رجل الاقتصاد، فمن يملك رأس المال يملك قوة قد تتفوق على قوة كلّ من رجل السلطة ورجل الدين وبالطبع رجل الفكر، بل وقد تتحكم بهم، الأقتصاد له من القوه القدره على أعادة صياغة المجتمع بكافة مفرداته .

الدين والسياسه والأقتصاد ثالوث لا ينفصم

هناك أيضاً أزمتنا فى مثقفينا، بتخليهم عن دورهم فى تنوير الأذهان ومعالجة المجتمع من أمراضه

و تفشى الشلليه والتحزب، وأكتفائهم بما يتساقط من موائد أصحاب المال والنفوذ والسلطة مقابل الانعزال فى برج عاجي والتحذلق على البسطاء والتعالي عليهم، ولعن التيارات ذات الصبغه الدينية وأحياناً التحالف معهم، وعدم القيام بدورهم فى النزول للشارع والتعمق فى فهم المشاكل الحياتية وتكوين تيار تنويرى غير قائم على الشللية، تيار غير قائم على اجترار ما قد تركته الأيقونات الثقافيه المقدسة من فكر،

أتيار لا يعترف بالدوجما أو بالأيقونات،تيار يدعو الى ثقافة الكيف وليس الكم والمضمون وليس الشكل.

نحن لدينا أزمة هوية وأزمة مفاهيم وأزمة ثقافه وأزمة مقدس متعدد الوجوه، وأزمات أقتصاديه وقيميه،

و تلك الأزمات لن تذوب أو على الأقل تنحفض كثافتها إلا بتكاتف كل معرفى حر محب لوطنه ولإنسانيته.

- في النهاية أشكرك جزيل الشكر المفكر المصري سامح سليمان، كلمة أخرى تود أن تتوجه فيها للمتلقي:

فى نهاية الحوار أتوجه بالشكر والاحترام لشخصك الكريم، والعتاب أيضاً فقد أرهقتني أسئلتك عزيزي لشدة قوتها وعمقها وأتمنى كل ما هو أفضل لكل فرد معرفي، ولكل كائن حي، وأعدكم إن كان فى العمر بقية بسلسلة من المقالات أقوى وأعمق من كل ما كتبته مسبقاً .

 

أجرى الحوار: ريبر هبون

 

aesha momad- "إيفا" عاشت 6 سنوات بمصر مندوبة بجامعة الأزهر

- ناضلت طول حياتها كي تقدم للعالم الوجه الآخر للإسلام

- أحببت موهبتها وهدوءها وصبرها القرآني

"عايشة" هي الصديقة المقربة لـ إيفا دوفيتري ميروفيتش، عاشقة مولانا جلال الدين الرومي، ومن ثم عاشت تفاصيل حياتها اليومية حيث كانت تستضيفها لشهور متعددة، وترافقها من أجل إلقاء محاضراتها.

شهادة “عايشة” تعطي تفاصيل عن النضال الذي كانت تقوده إيفا من أجل التعريف بالوجه الآخر للإسلام.

ولدت “عايشة” في مستغانم بالجزائر، من أبوين فرنسيين كاثوليكيين.. درست بمدرسة الفنون الجميلة والتحقت بفرنسا بعد استقلال الجزائر، وكان ذلك في سنوات السبعينات. اقتربت أكثر فأكثر من الروحانية الإسلامية بفضل الاشتراك في مجموعة من اللقاءات حول الأديان. وخلال هذه الفترة كان لقاؤها بإيفا دوفيتري ميروفيتش.

 

حدثينا عن لقائك بإيفا

- كان ذلك بـ Fourmies بشمال فرنسا، حيث تم استدعاؤها لإلقاء محاضرة حول شعائر الإسلام. كانت إيفا سيدة عادية لا تحمل أية علامة خارجية مميزة، ما عدا حملها لمصحف صغير على شكل قلادة.

في البداية كنت أتساءل حول طريقة فهم الإسلام من طرف فرنسية كإيفا، لكن في الواقع كان عرضها مذهلا لا سيما عندما بدأت في سرد حكاية سفرها إلى مكة لأداء مناسك الحج. تخيلت نفسي هناك وتذكرت روايات جدي، عالم الآثار، حول الحجر الأسود، فقلت في نفسي: إذا كانت إيفا قد زارت ذلك المكان، فسأزوره أنا كذلك.

 

ماذا قدمتما لبعضكما البعض؟

- لقد قدمت لي وسائل الولوج إلى مصادر التصوف التي كانت مجهولة لدي. مكنتني من التعرف على أشعار فريد الدين العطار، الذي أعطى الرومي ـ وقد كان آنذاك طفلا ـ كتابه “أسرار نامه”. وقد قال الرومي عنه فيما بعد: “لقد جاب العطار مدن الحب السبع، وأنا لا زلت في منعطف زقاق واحد”. بفضلها قابلت شخصيات بارزة كابن العلامة محمد إقبال، أمادو أمباتي با، نجم الدين باماط الذي عمل كثيرا مع إيفا، وعبد السلام، صاحب جائزة نوبل للفيزياء، والذي أعطاني أول درس في “فن الخط” حول مائدة بأحد المطاعم.

من جانبي كنت أساعدها على اكتشاف عالم الفنون التشكيلية، وخاصة الرسم، ومن خلال إقامتها معي داخل أسرتي استعادت حميمية الحياة العائلية.

 

ما العلاقة التي كانت تربط إيفا بالرومي؟

- كان الرومي الشخصية المحورية بحياتها، كأنه أخذ بيدها ليجعلها تكتشف الإسلام، ذلك الإسلام الذي كان يبدو صعب البلوغ. كل شيء كان يعيدها إلى الرومي، أكان ذلك تحضيرا لسفر، لمحاضرة أو لقاء إذاعي، حتى أعمال الحياكة والطبخ كان يتخللهما حوارات شيقة بشأنه.

 

ما هي الجوانب التي أذهلتك في شخصية ايفا؟

- قبل كل شيء كان لديها تعطش قوي للحب، والمعرفة لم يكن ليتوقف إلا بالتعمق في دراسة التقليد الإسلامي. أحببت طريقة عيشها للإسلام في توافق وحرية مع احترامها اللامحدود لواجباته وقيمه. أحببت قدرتها على الإذهال وتلك الموهبة التي كانت لديها للتواصل عبر الكلام أو الكتابة. أعجبت بهدوئها الذي كان سائدا على كل شيء. صبر قرآني كان يسكنها: “إن الله مع الصابرين”. كانت تجمع بين الدبلوماسية وبين حزم لا يتزعزع، كانت تذهب في كل قراراتها إلى النهاية، لكنها كانت تقول: “لا يجب أن نحل في أي مكان عبر أسلوب الاعتراض”.

 

ماذا تعرفين عن تجاربها؟

- امتدادًا للدور الذي كانت تؤديه في التعريف بأعمال الرومي، أصبحت تركيا موطنها الثاني، وقد منحتها السلطات آنذاك المواطنة الشرفية. انبهرت كذلك بثقافة إيران ومساجدها، وبتلك الثقافة والفن الراقيين اللتين تستمدان جذورهما من “ليالي الأزل”، التقت هنالك بالرئيس السابق لجامعة تبريز “دجامشيد مورتزافي” والذي ألف عدة كتب في التصوف. عبر هذا اللقاء، نشأت بينهما علاقة وطيدة تكللت بترجمة أعمال الرومي، وأعمال أخرى عديدة من الفارسية إلى الفرنسية، ونشرها بفرنسا وبعض الدول الفرنكوفونية. زارت إيفا باكستان أيضا حيث قابلت ابن العلامة محمد إقبال، وسافرت إلى المغرب للقاء فوزي الصقلي صاحب كتاب “المسيح في التقليد الصوفي” بالاشتراك معها، كما عاشت ست سنوات بمصر حيث كانت مندوبة لـ CNRS بجامعة الأزهر من أجل تدريس الفلسفة.

 

بغض النظر عن الكتابة، ماهي الأعمال التي قامت بها إيفا والتي تبدو لك أنها مميزة؟

لقد ناضلت طول حياتها من أجل أن تقدم للعالم الوجه الآخر للإسلام. كانت التبادلات مع ممثلي التقاليد المسيحية واليهودية والبوذية شديدة الأهمية في مسارها. ركزت كثيرا على الاختلافات القائمة بين العادات الناتجة عن ثقافات ما قبل الإسلام من جهة وبين الدين الإسلامي من جهة أخرى، التي تقر للمرأة بمساواة في الحقوق مع الأخذ بعين الاعتبار الفرق بين الجنسين. أرادت أن تبين أن الإسلام لم يكن أبدا مصدرا لاضطهاد المرأة، لكنه عكس ما يتصوره الكثيرون، تشريع للدفع بوضعيتها نحو الأمام.

 

ما هي الذكرى التي احتفظت بها لإيفا؟

- كانت سيدة مثقفة ومتميزة، تركت إرثا كبيرا يزيد على 15 مؤلفا و25 ترجمة رئيسية. لقد تركت لنا بالأخص شهادة امرأة محبة لإسلام غير متصلب، ومتحرر من كل الآراء المسبقة.

 

ترجمة: عائشة موماد

………..

حوار أجري مع Ayesha صديقة إيفا دوفيتري ميروفيتش من طرفEva Caron وMarie-Hélène Galindo بتاريخ 04/02/2002.

http://www.soufisme.org/site/spip.php?article23

 

abdah haqi- صحافي ومدير نشر جريدة "الأحداث المغربية" وموقع "أحداث.أنفو"

تقديم: الأستاذ مختارلغزيوي من جيل الصحافيين الشباب التسعينيين .. إحتضنته جريدة الأحداث المغربية منذ ولادتها أواخرالتسعينات واحتضنها هوأيضا بالقلب وبالعقل وبالقلم المقاوم منذ ذلك التاريخ إلى أن تقلد مؤخرا مسؤولية الإدارة بها . وكما يعلم كل متتبعي الحقل الصحافي الورقي المغربي أن جريدة "الأحداث المغربية" كانت أول جريدة يومية مستقلة وقد إستطاعت بجرأتها النادرة أن تفجرالعديد من الأسئلة الشائكة حول بعض الطابوهات التي ظلت جل الجرائد التقليدية تخشى إثارتها بكل شجاعة مما جعل "الأحداث المغربية " جريدة تسبق زمنها بكثيرمن السنين .

في هذا الحوارمع مديرها الجديد الأستاذ مختارلغزيوي نكتشف رؤية جديدة ودينامية متحمسة لمواصلة التألق ومواكبة تطورالعصرالرقمي.

ـ الدراسات الجادة التي أجريت في المجال تؤشر إلى أن الورقي يخوض معركة شبه محسومة مع الرقمي لاعتبارات لوجيستيكية .

ـ ومن يريد الاغتناء المشروع عليه أن يقصد مجالا آخر غير الصحافة

- قارئ 1998 انقرض وأن حديث القلب إليه قد استوفى كل أغراضه لكنه لم ينته

ـ نحن نميز بين الإسلام العظيم، وبين من يوظفون الإسلام لأغراض سياسوية صغيرة.

ـ سنبقى شوكة في حلوقكم، تأكدوا من هذا الأمر جيدا

 

س: شكرا لكم على تلبية دعوتنا لإجراء هذا الحوارالهام الذي يأتي بعد شهورإ قليلة على تحملكم مسؤولية إدارة جريدة "الأحداث المغربية" اليومية وبداية لننطلق من آخرمقال نشرتموه في عمودكم اليومي حول الموقع الإلكتروني الجديد "الأحداث آنفو" وقد تبين من خلال المقال نوع من المهادنة والذهاب بالرأي أبعد إلى القبول بواقع الصحافة الإلكترونية عكس العديد من مواقفكم وتصريحاتكم السابقة خصوصا في إحدى مشاركاتكم في حلقة "ملف للنقاش" الذي تبثه قناة ميدي1 تيفي ، هل حان الوقت للقبول والإقراربوجود الغريم الحاسوبي؟

ج: الشكر لكم أولا على الدعوة الكريمة، للإجابة عن سؤالكم أٍقول إن الإقرار بوجود من أسميتموه الغريم الحاسوبي هو أمر يتجاوزني بكثير لأنه واقع لا يرتفع، بل هو اليوم المستقبل الأكيد والمضمون للصحافة إذ الورقي سائرإلى زوال، والوسيط الرقمي سيتولى المجال في نقل الأخبار والآراء لفترة من الزمن قبل أن تخترع البشرية وسيطا آخر يفوقه أداء. لكن الإقرار لايعني المهادنة مع النماذج المتواضعة من هاته الصحافة التي تسمي نفسها إلكترونية اليوم وتغتنم فرصة فراغ السوق لكي تقدم نفسها باعتبارها الأولى في المجال، مستغلة عديد العوامل، ومستغلة أساسا أن أساتذتنا ممن كانوا يشرفون على الصحف الورقية لم يفهموا أهمية الوسيط الرقمي، بل ربما استهتروا به قبل أن يجدوا أنفسهم متجاوزين من طرف الأحداث، ومضطرين للركوب متأخرين على الموجة. أتصور أن الفعل الأفضل اليوم هو تقديم بديل إلكتروني حقيقي عوض الاكتفاد بالانتقاد وضم اليدين. وأتصور أن الميدان مفتوح لكل المبادرات وعلى المرء أن يقدم فيه مايعرف فعله أو مايتصور أنه يعرف فعله

 

س: جميع الجرائد والصحف اليومية والأسبوعية المغربية أطلقت نسخها الإلكترونية مما سيخلق وضعا إعلاميا جديدا يفرض فيه النشرالإلكتروني نفسه كفاعل ضروري بموازاة مع صنوه الورقي ألايضايقكم وزملاؤكم بداية أفول رمزية وهيبة الصحافي الورقي التي تكرست منذ عقود ، ثم من جانب آخروكيف تنظرون إلى إغراق المشهد بالمئات من المواقع الإلكترونية وصعود جيل من الصحفيين الهواة أغلبهم من الشباب العاطلين عن العمل؟

ج: الإغراق في نهاية المطاف جيد، وبدونه لن نتمكن يوما من التمييز بين الطالح وبين الصالح. لابد من تحقيق تراكم كمي كبير ووسطه سنعثر على بعض الفلتات النوعية الجيدة. أيضا قضية أن يمارس الكل الصحافة أنا لست ضدها في الختام. جميل أن يتصور الكل بأن الصحافة مهنة سهلة وبدون قواعد ولا ضوابط وأن فعل الكتابة متاح للكل وأنه لافرق بين أحد وأحد إلا بالإقدام حد الصفاقة والوقاحة أحيانا على ميادين لابد من إتقان عديد الأمور قبل الخوض فيها. لماذا أقول جميل؟ لأنه من الصعب أن تقنع من يريد فعل ذلك بألا يفعله. لذلك أفضل أن أدعوه معي للنزول إلى الميدان، وأن يجرب معنى الكتابة يوميا ومعنى البحث عن الخبر يوميا ومعنى البحث عن الروبرتاج يوميا ومعنى مواجهة كل ماتفرضه الحرفة الحقيقية يوميا، وبعدها، وإذا مااستمر على نفس عناده وادعائه أنه هو الآخر قادر على أن يكون صحافيا فاعلم أنه صحافي بالفعل. إذا ألقى أسلحته في اليوم الثاني أو الثالث أو الشهر الثاني أو الثالث أو العام الثاني أو الثالث فاعلم أنه جرب معنى مهنة المتاعب وأعطاها "شبر ديال التيساع" بعد اقتناعه أنه لايصلح لها وهي لاتصلح له.

 

س: العديد من الصحف والأسبوعيات العالمية الشهيرة علقت نسخها الورقية وتسيرالتوقعات إلى نهاية النسخة الورقية مع حلول سنة ألفين وثلاثين 2030 كيف تتلقون مثل هذه الأخبارنفسيا ومعنويا إنطلاقا من علاقتكم الحميمية مع "الأحداث المغربية " الورقية والتي تمتد إلى مايناهزخمسة عشرسنة؟

ج: أتلقى كل أخبار ميداننا ونتلقاها هنا في "الأحداث المغربية" وفي موقع "أحداث.أنفو" بعين تتوقع كثيرا مما يحدث فيه. لا يخفى عليكم أن مهنيي الصحافة اليوم لاتفاجئهم هاته الأخبار ولا تعد صادمة بالنسبة لهم لأنهم توقعوها منذ سنوات، ولأن كل الدراسات الجادة التي أجريت في المجال تؤشر إلى أن الورقي يخوض معركة شبه محسومة مع الرقمي لاعتبارات لوجيستيكية مرتبط بتكاليف الطبع والنشر والتوزيع أولا وقبل كل شيء، ولاعلاقة لها بجودة مايقدمه الورقي مقارنة مع الرقمي. لذلك أتصور أنه من الجيد عوض مواجهة الموجة العاتية المقبلة أن يبحث الإنسان عن طريقة ذكية لتلافي إصابته بأكبر قدر من الأضرار حين لقائها، ثم التفكير في طريقة معينة لجعل تلك الموجة العاتية القادمة إليه طريقة لإيصال مايقدمه من منتوج إلى جمهور آخر بطريقة أخرى، وأتخيل أن المجال مفتوح وهو يصرخ ملء قوته "فليتنافس المتنافسون"

 

س: العشرات من الصحفيين المغاربة الشباب من جيل التسعينات من هاجروا السند الورقي وأسسوا لهم مواقع إلكترونية في نظركم (كيفاش، كود، فبرايركم، أكورا ، أخبركم ..إ) إلى ما تؤشرهذه الهجرة إلى السند الإلكترون؟

ج: تؤشر إلى ضيق المجال الصحافي التقليدي في المغرب أولا، وتؤشر أساسا إلى أنه مجال لابد أن تكون قادرا على البقاء فيه، ومن أجل ذلك لابد من تضافر عوامل عديدة أهمها العامل الاقتصادي، ثانيها قوة المؤسسة التي تقف وراءك، ثالثها القدرة على التخطيط الاستراتيجي الذي يضمن لك البقاء في الساحة، وليس العبور أو فتح جريدة وإقفالها في ظرف أشهر ثم إطلاق عنوان آخر وقتله وهكذا دواليك. المسألة فعلا صعبة ومعقدة، وزملاؤنا سواء من ذكرت مواقعهم أو آخرين قدموا إضافات فعلية قد نتفق مع جزء منها وقد نختلف مع الجزء الآخر، لكنهم هم أيضا - بغض النظر عن كل شيء - أسسوا للبنات بناء هذه الصحافة المغربية التي لازالت تبحث عن نفسها، وتحبث عن التخلص من تبعات مراحل تأسيسها الأولى التي استندت على السياسة وهو مالم يتخلص منه العديدون إلى اليوم . أيضا لابد من التنويه بمسألة ظللت أقولها دوما: القادمون من التجارب المكتوبة في الصحافة انتقلوا بشكل أفضل إلى الإلكتروني من القادمين من المجهول. لكن هل الأمر مفاجئ حقا؟

 

س: في ظل هذا المشهد الملتبس يعيش الجسم الصحافي المغربي "المستقل" وضعا قاتما حيث فاحت مؤخرا روائح ملفات فساد صحفية فجرتها تصريحات مسؤولين وتسريبات كتب وقضايا إحتيال ونصب مزعومة ومساومات وتواطؤات صحفيين ..إلخ كلها تضرب في العمق المكون الأخلاقي والمهني لمهنة المتاعب في ظل هذا السواد ولعنة الفساد هاته كيف تنظرإلى عملية التطهيرحتى تتصالح الصحافة الورقية مع المواطن والمتلقي بشكل عام؟

ج : أنا مع التشدد الكامل في هذه المسألة. لايعقل أن تكون صحافيا وأن تمضي يومك بأكمله في مطالبة المجتمع بالابتعاد عن الفساد، ومطالبة الحكومة بأن تكون معصومة من الأخطاء وبمطالبة المسؤولين الآخرين بأن ينزهوا أنفسهم عن كل شيء وفي الوقت ذاته تجد أنه من العادي أن ترتكب الزلات تلو الزلات، وألا يقول لك أي شخص ولا أي جهة أي شيء. الأمر صعب فعلا وسيء، وإذا ماهربنا كل مرة وجهت إلى أحدنا تهم بفساد ما إلى الشعارات الكبرى الكاذبة عن استهداف الصحافة والصحافيين فسنكون جزءا من منظومة فساد ندعي يوميا أننا نحاربها. الأفضل هو أن نحترم عمل القضاء المغربي وأن ننتظر أحكامه، وأن نوجه إلى بعضنا البعض النصيحة بالابتعاد عن المتشابهات فالحلال بين والحرام بين، ومن يريد الاغتناء المشروع عليه أن يقصد مجالا آخر غير الصحافة لأنها ليست مجالا للمجال. من يريد أشياء أخرى فعليه أن يتحمل تبعات هذه الأشياء...

 

س : بعلاقة مع السؤال السابق هل تنزيل قانون الصحافة القادم قادرعلى الحد من هذه الكولسات والإنزلاقات الخطيرة؟

ج : البلد مليئ بالقوانين، يلزمنا ماهو أهم من القانون. تلزمنا القدرة والرغبة والإيمان بأن نطبق القانون. ثم يلزمنا أمر آخر هام وأساسي قلته باستمرار لوزير القطاع في كل اللقاءات التي جمعتنا: يلزمنا الاستماع لصوت المهنيين. لا أتخيل شكل هذا القانون الذي لاتصوغه كل هيئات تحرير المغرب، ولا أتخيل كيف سيكون و99 في المائة من الصحافيين المغاربة لايعلمون عنه إلا مايصلهم من نتف وشذرات من هنا ومن هناك إشراك العاملين والمهنيين في النقاش كله، وليس في بعضه فقط هو الكفيل بإخراج قانون قابل أولا للتطبيق وقادر على الاستجابة لكل مانريده لهذ القطاع من أشياء جيدة يستحقها من أجل أن يكون رافعة انتقال أكبر في المجتمع لا أداة نزول أكثر فأكثر إلى حضيض تعبنا منه جميعا، نحن منتسبو هذا الميدان قبل القراء وعموم المتتبعين

 

س: ماخطورة ومعنى أن تكون اليوم مديرجريدة مستقلة "الأحداث المغربية" في هذا المشهد الصحافي القاتم والملغم؟

ج: معناها أن يكون صراعك اليومي قائما على جعل الجريدة تعكس أحداث المغرب مثلما يقول إسمها، وأن يكون ارتباطها بمايشغل بال المغربية والمغربي، لا بما يشغل بال هذه الجهة أو تلك. أعترف أننا نحزن حين نرى انشغالات أخرى تحرك الناس في جرائد أخرى، ونفهم أن زر الوصل بهاته الجهة أو بتلك هو الذي اشتغل، لكننا وبقدر الحزن بقدر الفخر أننا نتحرك من تلقاء مصلحة بلادنا أولا وحبنا لهذا المغرب العظيم، ومن تلقاء هم المهنة وماتفرضه من احترام لأخلاقياتها وأبجدياتها واضعين نصب العين والإحساس والإدراك شعار الجريدة الجديد "الأحداث المغربية: من العقل إلى القلب" لاقتناع أساسي لدينا أن المغربية والمغربي اليوم يحتاجان لمن يقول لهما كلاما يدخل ذهنهما لا لمن يبيعهما الوهم والعناوين البراقة المليئة بالكثير من الفراغ.

 

س: الحق في الوصول إلى المعلومة هذا هوالسؤال الطويل والعريض الذي كان ومازال يؤرق الصحافي والإعلامي بشكل عام منذ عشرات السنين في نظركم أستاذ مختارلغزيوي هل تغيرالوضع نسبيا مع تنزيل دستورسنة 2011 ؟

ج: أعتقد أن معركة هذا الحق ستبقى مطروحة إلى أن يقتنع أصحاب القرار السياسي والاقتصادي أن المعلومة إذ تضحى متداولة بين الناس ومعروفة وسهلة الوصول إليها تعفينا من عوالم الإشاعات أولا، وتمكن من تدبر أمر جو نقي صاف من الشوائب، قادر على أن يقنع المغربي أنه يعيش في مجتمع غير خائف من تداول أي معلومة من معلوماته، وأتصور أن المعركة تستحق الصراع الذي يخاض من أجلها، وأننا سنقنع أنفسنا في الختام بأنه لا يصح إلا الصحيح، وأن المغربي يستحق فعلا أن يقرأ كل صفحات مجتمعه ككتاب مفتوح لامبرر إطلاقا لإخفاء أو تغطية أى صفحة من صفحاته

 

س: التواصل مع الفيسبوك عملية مد وجزر، أخذ وعطاء .. على المستوى المهني ماذا إستفادت جريدة "الأحداث المغربية" من تفاعل الفيسبوك والتويتر، مثلا هل إرتفع عدد قرائها الورقيين وزوارها الرقميين؟

ج : أنا أحرص بقوة على هذا التفاعل وإن كان يجلب في جزء منه بعض المتاعب الناجمة عن لجوء بعض الأسماء المستعارة أو بعض المتضايقين منا أو من الجريدة إلى أساليب سب غير مقبولة، لكننا مقتنعون أن الزمن هو زمن هذا التواصل الاجتماعي، وهو أمر أتاح لنا بالمقابل ولوجا حقيقيا لشريحة من القراء لاعلاقة لها بالشريحة التقليدية القارئة للأحداث المغربية، وهو أمر نسعى إلى تعزيزه أكثر وإلى جعله رافدا أساسيا من روافد علاقتنا بالمغربيات والمغاربة

 

س: التطورالتكنولوجي والرقمي أسهم كثيرا في تعدد الأسانيد مثل الحواسيب والألواح الذكية والسمارتفون ، ماذا أعدت مؤسسة الجريدة على مستوى التكوين وإعادة التكوين لفريق التحريرالذي مازال أغلب أعضائه يستعملون البيك والورق؟

ج: أكتفي هنا بالقول إن مفاجأة الموقع وطريقة وصوله إلى كل هاته الوسائط التي تحدثت عنها سيجيب عن السؤال. ترقبوا معنا "أحداث.أنفو" في الحواسيب العادية، وترقبوه في الهواتف الذكية وترقبوه في الألواح المشابهة، وسنطلب منكم رأيكم منذ اليوم الأول لإطلاق الموقع في نسخته الجديدة

 

س: من القلب إلى القلب وأخيرالشعارالجديد من "العقل إلى العقل" هل يعني هذا أن الجريدة دخلت سن الرشد والإبتعاد عن مواضيع الإثارة المجانية؟

ج : أتصور دونما مبالغة أن الجريدة الوحيدة التي انطلقت راشدة هي الأحداث المغربية إذ استجابت لحاجة كانت موجودة لدى القراء المغاربة سنة إطلاقها والدليل هو أنها الجريدة التي حققت نسبة ارتفاع واضطراد في أرقام مبيعاتها لم تبلغها أي جريدة مغربية إلى حد الآن مع احترام كل العناوين التي جاءت بعدنا والتي استوحت أساسا وأولا وآخرا تجربة "الأحداث المغربية". الذي وقع بكل صراحة هو أن قارئ 1998 الذي لم تكن علاقته بالأنترنيت مثلما هي عليه الآن وجد في الأحداث المغربية مالم توفره له جريدة أخرى حينها، وأتصور أيضا أن موضوع التربية الجنسية وإخراج مجتمعنا من كبته ومن علاقته الظاهرية الملتبسة بالجنس هو نقاش مجتمعي محترم لايكن أن نلغيه بمجرد الاستهزاء منه لأن عدم التعامل السوي معه أساس كثير من المشاكل والجرائم التي نسمع عنها كالتحرش أو اغتصاب الصغار. اليوم نتصور أن قارئ 1998 انقرض وأن حديث القلب إليه قد استوفى كل أغراضه لكنه لم ينته، وعوضه سنغلب حديث العقل بعد أن اكتشفنا في مشهدنا الصحافي أن العاطفة تغلب في اتجاه غير سليم كثيرا.

 

س: بعد أيام قليلة سيحل شهر رمضان الأبرك وسوف تشتعل من جديد الأسئلة القديمة الجديدة السطحية والشائكة حول قضايا الإسلام الراهن عن التسامح والتطرف عن الجنة والناروالملائكة والشياطين أولا مادلالة إطلاق النسخة الإلكترونية مع فاتح هذا الشهر، ثانيا ماهي الإضافة النوعية التي ستأتي بها وثالثا ماهي الرسالة التي تود توجيهها بهذه المناسبة الكريمة خصوصا أنكم تتلقون بين الحين والآخر بعض المناوشات والمضايقات الإرهابية بسبب توجه منبركم الحداثي المتفتح؟

ج : إطلاق الموقع في فاتح رمضان قاعدة مغربية أخذناها من تربيتنا في مجتمع يتبرك بأيامه المفترجة والمباركة. نحن أبناء هذا البلد وأبناء هذا الدين، تربينا في دروب وأزقة مغربنا القديمة، دلفنا إلى مساجدنا العتيقة، وحفظنا ماتيسر من قرآن كريم ومن سنة نبوية ومن كل ماله علاقة بدين الرحمة المهدى إلى العالمين، لذلك لا مشكلة لدينا في قولها بكل قوة وبكل صراخ: نحن نميز بين الإسلام العظيم، وبين من يوظفون الإسلام لأغراض سياسوية صغيرة. ديننا فوق الرأس والعين، وهو تاج على هاماتنا وندافع عن انتسابنا إليه بكل قوة، ولا نقبل أي دروس من أي كان في هذا الموضوع خصوصا وأننا معتزون ومفتخرون بإمارة المؤمنين في المغرب التي تتوج هذا الارتباط المغربي المعتدل والمتسامح والوسطي بالإسلام. بالمقابل لدينا مشكل حقيقي مع من يريدون تشويه صورة ديننا وبث المشهد المؤسف والدامي عنه الذي نراه اليوم في سوريا أو العراق أو غيرها. هؤلاء معركتنا معهم فخر لنا ونحتسبها أجرا عن الله سبحانه وتعالى لأننا نحفظ الآية الكريمة "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، ونعرف أن المغالين والمتشددين يطبقون عكس هذه الآية تماما، ونقولها لهم بالصوت العالي المرتفع : سنبقى شوكة في حلوقكم، تأكدوا من هذا الأمر جيدا

 

س: رأيكم في الأسماء التالية:

ـ محمد لبريني .. أستاذ لنا قدم الكثير وهو يرتاح اليوم راحة مستحقة.  

ـ المهدي المنجرة رحمه الله .. تعرض لكثير من الاستغلال الصغير لإسمه، وأهم شيء يقال عنه أنه كان عاشقا كبيرا للمغرب ولتمغربيت

ـ مصطفى الخلفي .. وزيرنا في القطاع، زميلنا سابقا الذي يجب عليه أن يتذكر أنه كان إبن هذا القطاع قبل أن يصبح وزيره

ـ عبدالله البقالي .. نقيب الصحافيين المغاربة، نتمنى له التوفيق في مهمة غير سهلة على الإطلاق شكرا على سعة صدركم أخوكم عبده حقي أتمنى ألا أكون قد أكثرت عليكم .

 

yousif abolfawzيوسف ابو الفوز، كاتب وأعلامي، اسمه الصريح "يوسف علي هدّاد"، سيرته الذاتية تقول انه من مواليد مدينة السماوة 1956، ومقيم ويعمل في فنلندا منذ عام 1995. سيرته بوصفة كاتباً وناشطاً سياسياً، تنوعت فيها المحطات والتجارب فشكلت شخصيته الانسانية والادبية بتميز وتفرد، وتعددت اصداراته إذ بلغت احد عشر كتاباً بين الرواية والقصة والمذكرات، وترجمت قصصه الى اللغة الفنلندية والكردية، ولدى مغادرته العراق أختار اسم "يوسف أبو الفوز" لحماية عائلته واقاربه داخل الوطن من عواقب ردود فعل الاجهزة الامنية الصدامية، ليلتصق به هذا الاسم ويصبح كنية أدبية واسما في التعامل اليومي، رافقه في كل المحطات المشرقة في حياته، ومواقفه التي نتمنى ان تبقى واثقة وناجحة دائما:

 

الحديث عن البدايات فيه الكثير من التفاصيل، كيف تختصر لنا ذلك؟

ــ عدة عوامل تداخلت مع بعض اثرت بشكل ما على تكوين شخصيتي وبداياتي الادبية. اهمها اجواء العائلة، فقد ولدت لعائلة عمالية فقيرة، مرتبطة بنضال يسار الحركة الوطنية، في مدينة السماوة التي عرفت باجواءها الثقافية وحراكها السياسي، وفتحت عينيّ على المجلات والكتب والاحاديث في موضوعات كبيرة كالحرية والعدالة الاجتماعية وهموم فقراء الناس وفي اجواء تقدمية ومتسامحة، وكنت محظوظا بوجود بمجموعة رائعة من المعلمين والمدرسين الذين انتبهوا الى علاقتي المبكرة بالكتاب والكتابة وتعاملوا بمسؤولية كبيرة لاجل رعايتي وتوجيهي بالشكل الصحيح . ثم تلا ذلك الارتباط المبكر بالنضال السياسي الذي ساهم في تطوير قدراتي المعرفية والحياتية مما ترك اثره على توجهاتي الادبية والفكرية .

 

وعن اول القراءات، ما طبيعتها؟

ــ كنت في الصف الرابع الابتدائي حين عثر عليّ اخي الاكبر اقرأ في كتاب "العبرات" للمنفلوطي، وحاول توجيهي لقراءة المجلات والكتب التي تناسب عمري، سوبرمان وسمير وتهتة، وغيرها، لكني كنت اصر على سرقة الكتب من صندوقه، وفي المدرسة وبتوجيه من اساتذتي الرائعين ومثقفين من ابناء المدينة، تعرفت في سنوات مبكرة من حياتي الى كتب التراث العربي، فقرأت مجلدات "العقد الفريد" لابن عبد ربه و"الاغاني" لابي فرج الاصفهاني، وسلسلة روايات جرجي زيدان وكتب المنفلوطي وجبران ونجيب محفوط وغيرها، وايضا كتب الادب الروسي والعالمي الكلاسيكية . كان لأمي مشكلة كوني اقرأ في كل مكان ووقت، وبالتالي كتبي متناثرة في كل زوايا البيت، هذه المشكلة انتقلت حاليا لـ " شادمان " شريكة حياتي.

 

حدثنا عن أول قصة كتبتها، وما موضوعتها وظروف كتابتها؟

ــ كتبت اول نص يمكن عده قصة وانا في عمر الثالثة عشر، اذا كتب استاذ اللغة العربية في درس " الانشاء " جملة " احمد رجل طيب ..." وطلب من طلاب الصف تخيل مشكلة لاحمد والبحث عن حل لها، وان نكتب ما نريد وبالشكل الذي نريد بصفحة او صفحتين، بعد اسبوع قادني استاذي ودار بي بين صفوف المدرسة معلنا عن ولادة كاتب عراقي، كوني كتبت قصة قصيرة . كنت اخترت لاحمد مشكلة تتعلق بموقفه المتخلف من زيارة زوجته لطبيب رجل وكشفه عليها، وكتبت نصا بتأثير كتابات جبران خليل جبران ومي زيادة . هذه القصة الميلودرامية الساذجة سرقت مني طفولتي ورمتني دفعة واحدة بين هموم وانشغالات كبيرة . وتجدر الاشارة انه في عام 2004 وخلال زيارتي مدينتي السماوة بعد غياب 27 عاما، قدم لي أهلي، وبوصفها أجمل هدية، الدفتر المدرسي، الذي احتفظوا به طوال سنين غيابي، حيث قرأت من جديد " قصتي" الاولى .

 

كونك نشطاً ثقافيا وسياسيا، بل وغزير الانتاج : مجاميع قصصية، روايات، كتب مذكرات، كتب ادبية مشتركة، افلام وثائقية (سيناريو واخراج)، واعمدة صحفية دورية في الصحافة العراقية، ومئات وربما الالاف من المقالات في السينما والادب والسياسة، كيف يمكنك تحقيق كل هذا؟

ــ الحياة علمتني، بأن اشياء كثيرة يمكن تعويضها واستعادتها الا الوقت . فكل دقيقة تمر لا تعود، ومن هنا ادركت بأن يومي 30 ساعة، اذ تعلمت وبشكل مبكر في حياتي تنظيم وقتي والاستفادة منه. تعلمت ان لا اضيع وقتا بأشياء غير ضرورية، ابذل جهدي، واجتهد، لتشخيص ما هو ثانوي وما هو رئيسي في عملي وللتميز بين الاهم والمهم في حياتي . حياتي في اوربا صقلت هذا الامر اكثر. يمكن القول ان شريكة حياتي " شادمان " ربما هي من النساء السعيدات في العالم لانها تعرف اين تجدني في اي لحظة، كونها تعرف مسبقا برنامجي ولايام طويلة . ان جدول عملي دقيق، وفيه اكون صارما مع نفسي، واسعى دوما لوجود مساحة ضرورية لعائلتي ولاصدقائي.

 

كيف كانت حياتك قبل هجرتك من العراق وما اسباب مغادرة البلاد؟

ـ في البدء، اود التصحيح، أميل دائما لاستخدام كلمة "المنفى" بدل "الهجرة"، فأنا لم اهاجر مختارا، بل وشأن الالاف من مثقفي وسياسي بلادي، غادرت وطني صيف 1979 مضطرا، برحلة مغامرة مع المهربين وعبر الصحراء السعودية وصولا الى الكويت، بعد سلسلة مضايقات متواصلة ومداهمات لبيت اهلي وتهديدات وثم محاولة اعتقال من قبل سلطات البعث الحاكم لاجباري للانتماء قسرا الى حزبهم الفاشي، وبدأت في اذار 1978، ضمن ما سمي ايامها بالحملة ضد قوى اليسار والديمقراطية، فأضطررت للاختفاء لاكثر من سنة، وكنت مطاردا ومطلوبا، وتنقلت تحت اسماء وهويات مستعارة، ودفع اهلي، خصوصا امي، ثمن اختفائي غاليا، فأضطررت لترك كل شيء لاجل الحفاط على حياتي وكرامتي. بعد أن قضيت فترة في الكويت واليمن اليمقراطي قررت في ربيع 1982 العودة الى الوطن، الى مناطق كردستان للمساهمة في حركة الكفاح المسلح لمقاومة نظام صدام حسين ضمن فصائل مقاتلي الحزب الشيوعي العراقي، وبعد حملات الانفال في صيف 1988غادرنا كردستان وبدأت رحلة المنفى الثانية التي وللاسف لم تتوقف حتى من بعد سقوط نظام المجرم صدام حسين .

 

وما تأثير "المنفى" على حياتك وخصوصا اختيار المواضيع وطريقة تناولها؟

ـ المنفى اعطاني فضاءا واسعا من الحرية، وجعلني اكتب ما اريد دون قيود وتابوات، ومنحني افقا اوسع للاجتهاد وفقا لمعايير الفن والتجربة المكتسبة. ان الاحتكاك بالاخر، ثقافة وحياة وقوانين، يجعل الانسان يكتشف نفسه . والمنفى صار مرآة واسعة جعلتني كأنسان ارى بعضا من حواشي الرخوة كما يقال، فكريا واجتماعيا، فاجتهدت لتشذيبها من حياتي وعملي ككاتب وانسان . مع الاستقرار في فنلندا توفرت لي الفرصة لانجاز اعمال روائية الى جانب مجاميع قصصية وكتب ادبية اخرى، وصدر لي عدة اعمال قصصية وادبية، ومنها رواية "تحت سماء القطب" 2010 و"كوابيس هلسنكي" 2011 . وبحكم سنوات المنفى وتجربتي في فنلندا، حاولت تسليط الضوء على حياة العراقيين في المنفى واختيار موضوعات لها علاقة بحياتهم الجديدة وارتباطهم بهموم وطنهم، فرواية "كوابيس هلسنكي "، رغم ان العنوان يقود لعاصمة فنلندا الا انها رواية عراقية تتحدث عن الهم العراقي والقمع البوليس لنظام صدام حسين بحق كل معارضيه، وعن نشاط الجماعات التكفيرية في اوربا ودورهم في تغذية نشاط الارهابيين في العراق خلال وبعد سنوات الاحتلال الامريكي .

 

أنت كاتب عراقي، لكنك ولاكثر من دورة تم انتخابك عضوا في الهيئة الادارية لمنظمة الكتاب والفنانين الفنلنديين، كيف تتم الموازنة بين هويتك العراقية والتزاماتك الفنلندية؟

ــ في عام 2006 تم انتخابي لاول مرة لعضوية الهيئة الادارية لمنظمة الكتاب والفنانين الفنلنديين، وهذه العضوية وايضا عضوية نادي القلم الفنلندي تأتي بسبب حاجتي في فنلندا لاطار ثقافي انشط من خلاله، خصوصا مع غياب أي اطار ثقافي عربي او عراقي في هذا البلد. انا كاتب عراقي قبل كل شيء، وبهذه الصفة يشير لي الاعلام الفنلندي، والعراق هو همي الدائم، احاول قدر المستطاع ان اضع قضايا العراق دائما تحت الضوء ضمن مجالات عملي . نشاطي هذا وفر لي فرصة الاحتكاك بالاخر ومحاولة الاستفادة من تجربته ووفر لي شبكة علاقات طيبة مع الوسط الثقافي الفنلندي، وسعيت وبذلت جهدي المتواضع للتعريف بالثقافة العراقية وهموم المثقفين العراقيين، وهذه بالطبع مهمة عسيرة تحتاج الى جهود مؤسسات، لكني اجتهد في تقديم ما يتلائم مع سياسات هذه المنظمات الثقافية، ففي اجتماعاتها ونشاطاتها غالبا ما يكون وجود لقضايا تهم المثقف العربي والعراقي، فمن فنلندا صدر في اذار2004 اول برقية تضامن اوربية مع المثقفين العراقيين ضد اعمال الارهاب ومن اجل حرية الراي والتعبير، وفي عام 2009 نظم "اسبوع الثقافة الفنلندية في كردستان" بمشاركة عشرة من الفنانين والكتاب الفنلنديين، وكانت هذه النشاطات باقتراح مباشر مني . اكتب للصحافة العراقية والعربية والفنلندية عن شؤون بلادي، وفي غالبية كتاباتي عن التجربة الاوربية وفنلندا على وجه الخصوص، اسعى لنقل تجربة البلدان المتحضرة لابناء بلدي، وعندي الان مشروع كتاب جديد قيد الاعداد عن التجربة الفنلندية . يا سيدتي المنفى يمكن ان يكون وطنا ثانيا، وطنا جميلا، مسالما، يوفر فرصة لحياة هادئة بعيدا عن فوضى الموت في بلدانا، ولكن لا يمكن ان يكون وطنا ثابتا . لان جذور الانسان الاولى هي المهمة والاساسية، هي من تحدد هويته الثابتة. بالامكان ان تنمو لك جذورا جديدة، لكنها لا تستطيع محو جذورك الاولى.

 

كيف لك نقل تجارب البلدان المتحضرة الى العراق، وهل تعتقد يمكن استيعاب تجارب البلدان ألاخرى؟

ــ لي مقال دوري، بعنوان "عالم أخر" ينشر في جريدة الصباح البغدادية، واخترت هذه الجريدة بالذات لانها توزع بشكل واسع في دوائر الدولة، في هذا المقال سعيت واجتهدت لطرح التجربة الفنلندية في بناء دولة حضارية متقدمة. فنلندا في تاريخها القريب، مجتمع زراعي، لا يملكون ثروات كثيرة مثل النفط، لديهم البحيرات والغابات، وتعرضت فنلندا تقريبا لما تعرض له العراق، احتلالات، حروب ونزاعات اهلية، ومجاعات، وعقوبات اقتصادية وعسكرية، لكنها ومن بعد الحرب العالمية الثانية، نهضت لتكون بالشكل الذي جعلها دائما تحتل المراكزالاولى في مؤشرات النزاهة والديمقراطية والشفافية والتقدم والسلام وغيرها. كيف نجحوا في بناء بلدهم؟ في هذه المقالات حاولت ان اتحدث عن البرامج التعليمية والصحية والثقافية والحياة الاجتماعية والتجربة البرلمانية والعلاقات مع الجيران وغيرها، وفي بالي اضافة لاطلاع القراء، اقول لعل مسؤولا تثيره تلك التجارب ويقرر البحث والاستفادة منها. هل يمكن استعياب تجارب الاخرين؟ نعم، وهذا ممكن، ففنلندا ذاتها لم تبن تجربتها لو لا الاستفادة من تجارب الاخرين، ومنها تجربة الاتحاد السوفياتي الاشتراكية وفقا لظروف بلدها الخاصة . التجارب لا تستنسخ، العقول النيرة المخلصة لوطنها، يمكنها ان تتعلم بسهولة وان تبني ان امتلكت الاراداة الحقيقية والمخلصة بالاستفادة من تجارب الشعوب الاخرى . ساعمل على ضم هذه المقالات الى كتاب اعمل لانجازه حاليا، ليعكس التجربة الفنلندية، وليكون بمتناول من يرغب بالاستفادة من تجارب الاخرين .

 

هل لك مساهمات في مهرجانات او زيارات دولية رسمية؟

ـ اسهاماتي بهذا الجانب تتداخل بها نشاطاتي ككاتب وكناشط سياسي او ناشط في منظمات المجتمع المدني . ككاتب ساهمت في زيارة العديد من الدول الاوربية بدعوات من النوادي الثقافية للجاليات العراقية في السويد والولايات المتحدة وكندا وهولندا، للحديث عن تجربتي الادبية وواقع الحياة الثقافية في العراق. اما كناشط في منظمات المجتمع المدني فانا و للفترة 1998 ـ 2005 كنت عضوا منتخبا في سكرتارية منظمة اتحاد الشبيبة اليمقراطي العراقي، ومسؤول مكتب العلاقات الخارجية فيها، ومهماتي تتطلب المساهمة وتمثيل المنظمة في مهرجانات وندوات في العديد من دول العالم . هذه النشاطات تنعكس بشكل كبير على خبرتي ككاتب اذ توفر لي الفرصة للاحتكاك بنماذج بشرية مختلفة وايضا الاجتهاد في عكس الواقع الاجتماعي العراقي ونضالات الشعب العراقي .

 

كيف تنظر الى مستقبل العراق؟

ــ كنا نتأمل بعد سقوط النظام الديكتاتوري البعثي وخروج قوات الاحتلال ان يتم بناء عراق ديمقراطي اتحادي، يعامل به الانسان على اساس المواطنة في دولة المؤسسات والقانون، ولكن للأسف ما موجود حاليا امر محزن، حيث توالت حكومات المحاصصة الطائفية والاثنية، التي تواصل خداع الشعب وتجهيله، ويبدو ان الامر سيأخذ وقتا ويحتاج الكثير من العمل، واساسا من وجهة نظري يحتاج الى اجيال جديدة تكنس كل ما موجود من افكار بالية وظلامية للتمكن من بناء عراق متطور حلمنا به وعملنا لأجله، وقدمنا له كل جهدنا وحياتنا، هذا العراق كدولة حضارية سوف لن نعيش لنراه ولكنه قادم مستقبلا، هكذا تعلمنا تجارب الشعوب .

 

من تراه سيُسهم بكنس الافكار البالية والظلامية التي تتحدث عنها وهل سيكون للمثقفين دورا في هذه العملية؟

ـ الاجيال الجديدة، شباب البلد المتنور، هي القوى الكفيلة بأنجاز هذه المهمة. ان سياسات نظام البعث الديكتاتوري عادت بالعراق الى عهد ما قبل الصناعة، وجاء الاحتلال الامريكي وحكومات المحاصصة، فزادت الخراب خرابا. ان النهوض بالعراق يحتاج الى الكثير من العمل والجهد، ولا يمكن النهوض بالبلاد اذا لم يتم اقرار دستور علماني يفصل الدين عن الدولة ويكون عاملا في بناء دولة المؤسسات والقانون، كل حديث عن دولة قانون وموسسات في ظل حكومات محاصصة وطائفية واثنية هم مجرد كلام، وهذا يحتاج لقوى جديدة مؤهلة لانجاز هذه المهمة . اما المثقفون فيفترض ان يكون لهم الدور الابرز، فالبنى التحية والهياكل التي تبني المرافق الخدمية والاقتصادية فيمكن للراسمال المحلي والاجنبي ان يقوم ببنائها واعمارها، لكن المثقف له دور اساس في اعمار الانسان العراقي ليكون منتجا وايجابيا وعاملا في بناء عراق جديد . من هنا تكون مهمة المثقف كبيرة واساسية ليس في العراق وحده بل وفي كل مكان .

  

اجرت اللقاء: احلام يوسف طاهر

 

mohamad albaghoriمصطفى لغتيري رمز ثقافي غاية في الحركية والنشاط، لا يأخذ منه الكسل والاسترخاء لا من قريب ولا من بعيد.يواصل مسيرته الابداعية والثقافية بشغف واصرار عاليين، ذلك ما نستشفه من مجموع النصوص الروائية والقصصية والنقدية التي تزدان بها رفوف المكتبات المغربية والعربية، إبداعات أراد صاحبها أن تنصت للعديد من الظواهر التي يرزح تحت نيرها واقعنا المغربي والعربي على حد سواء.مصطفى لغتيري صاحب نفس طويل في الكتابة، وتجربته الابداعية نابعة من صدق الاحساس والحياة.شق طريقه ولا يزال بأريحية وتفان بارعين، لا يلتفت لكل ما من شأنه ان يعطل مسيرته.طرقنا بابه لنختلس منه هذا الحوار الجميل والفذ، نترك للقارئ العزيز متعة الاسثكشاف والاطلاع...

 

1- إذا طلبنا من المبدع النشيط "مصطفى لغتيري" أن يعود بنا لبعض الصور من طفولته،  فما عساه أن يختاره ويستحضره منها؟

هي بالتأكيد طفولة أتشابه فيها مع الأغلبية الساحقة من المغاربة، أنتمي لأسرة بروليتارية تكدح للحصول على شظف العيش،  وقلب مليء بالأحلام والحسرات،  وسعي حثيث نحو التعلم،  رغم ضبابية هذا الشيء المسمى معرفة،  وانخراط في أجواء اللعب والفرح البريء رغم الظروف الصعبة،  أتذكر أنني اللعب كان يأخذني ساعات دون أن أفطن  أو أمل،  وأذكر أنني كنت أنعزل عن أقراني في أوقات معينة وأهيم في خيالاتي،  التي لا ضفاف لها،  كما تحضرني السعات الطوال التي كنت أستمتع فيها بقراءة القصص،  كانت لحظات أنفصل فيها عن العالم وأحيا في كنف عالمي الخاص،  فأتماهى مع الشخصيات وأتقمص أدوارها،  كان  لظهور التلفزيون كذلك وغزوه للبيوت قيمة مضافة في حياتي،  إذ كنت ألتهم الحصة المخصصة للأطفال التهاما،  خاصة  ما يتعلق بالرسوم المتحركة،  التي استهوتني إلى درجة كبيرة،  دون أن أنسى الحكايات المغربية التي حكتها لي باضطراد أمي وجدتي خاصة في الليالي الباردة والمطيرة.

 

2- هل في مكنة الروائي "مصطفى لغتيري" تذكر بدايته الأولى مع جنس الرواية؟ وكيف تم ذلك؟

دوما استهوتني الرواية،  ودوما كنت أبيت النية لكتابتها،  فلقد قرأت في حياتي عددا كبيرا من الروايات،  ومازلت مواظبا إلى اليوم على قراءتها،  لذا ليس غريبا أن أخوض غمار الكتابة الروائية،  وقد كتبت نصوصا روائية عدة قبل أن أنشر أول رواية لي،  إذ أن أول رواية فازت بشرف النشر وهي رواية " رجال وكلاب" الصادرة عن أفريقيا الشرق عام 2007 ليست هي أول رواية كتبتها،  فيما تعد " أحلام النوارس" التي ضمها كتاب واحد مع رواية "عائشة القديسة " وحمل الكتاب اسم هذه الأخيرة،  هي أول رواية كتبتها بشكل أدعي أنه ناضج نسبيا،  وقد كنت نشرتها منجمة في إحدى الجرائد الوطنية.

 

3- بالنسبة لمصطفى لغتيري قد جرب الكتابة في جنسي الرواية والقصة،  فما الجنس الذي يجده  لغتيري أقرب إلى نفسه؟ وهل من توضيح لذلك؟

أقول دائما بأن الرواية والقصة تنتميان إلى شجرة السرد الكبرى،  وبالتالي فالكتابة فيهما معا لا يشكل لي أي إشكال،  بل أشعر بأنه ييسر على الكاتب أمر الكتابة،  فهناك فكرة ما تحتاج ان تكتب كرواية،  وأخرى تختار أن تندرج في كتابتها ضمن القصة القصيرة،  وما علي سوى أن أستجيب إلى ذلك،  وأظن أن كتابة القصة القصيرة يغلب عليه تكنيك الكتابة الذي يكون أكثر دقة وتكثيفا وصعوبة كذلك،  فيما صدر الرواية رحب ويتسع للكثير من الأمور التي لا يمكن للقصة أن ترحب بها،  فقط تحاج الرواية إلى نوع من الخطة الاستراتيجية في تحديد الهدف والسعي إليه بشكل غير مباشر، كما تتطلب الكثير من الصبر على الإنجاز،  فيما يتعين على كاتب القصة أن يتوجه إلى هدفه رأسيا ودون كلام إضافي أو لغو،  فعيوب الكتابة تظهر أكثر في القصة القصيرة.

 

4- ماذا عن التيمات والموضوعات التي تحلو لمصطفى لغتيري أن يطرقها ويتناولها في إبداعاته؟

في كتاباتي الروائية والقصصية  انشغلت بتيمات عدة: نفسية واجتماعية وثقافية وأنتربولوجية وغيرها،  ففي رواية "رجال وكلاب"مثلا انشغلت بالبعد النفسي من خلال تتبع مسار شخصية مغربية مصابة بمرض "الوسواس القهري" واستثمار تقنية التداعيات الحرة المعروفة في التحليل النفسي،  وفي رواية " عائشة القديسة" وظفت أسطورة عايشة قنديشة،  للكشف عن أبعاد الذهنية الخرافية المغربية،  أما في رواية " ليلة إفريقية" فحاولت فيها أن أتوقف عند البعد الإفريقي للهوية المغربية،  كما ناقشت مسألة صراع الأجيال في الأدب،  وفي رواية "رقصة العنكبوت" ناقشت مشكل البطالة من وجهة نظر أدبية فنية،  وتناولت في رواية "على ضفاف البحيرة" جمال طبيعة منطقة الأطلس في ارتباط مع معاناة الإنسان من الإقصاء الاقتصادي،  وهكذا دواليك.

 

5- الأستاذ مصطفى لغتيري راكمتم العديد من النصوص الروائية،  فهل أنت نادم على نص تبين لكم-  في إطار المراجعة النقدية وإعادة القراءة-  أنكم لم توفوه حقه من شروط التأمل والكتابة؟

إذا تعامل الكاتب مع نصوصه بهذا المنطق فلن ينتهي أبدا،  فلا وجود للنص الكامل أبدا،  فالكاتب يتطور ومن الطبيعي جدا أن يلمس عيوبا أو قصورا من نوع ما في نصوصه السابقة،  لكنني أتعامل مع الموضوع بشكل مختلف،  إذ أومن بأن لكل نص ظروفه وحيثيات إنتاجه،  ولا يمكن أن يكتب إلا بالشكل الذي كتبته به، لأنه مشروط بزمان ومكان معينين،  وأي قصورفيه  يفيدني في تلمس ورصد تطور الكتابة لدي،  فلا يمكن بطبيعة الحال مقارنة نص كتبته في بداياتي مع آخر نص كتبته،  لكنني أبدا لا أندم على أي شيء،  حتى على ما يمكن أن نعتبره أخطاء في الحياة،  لأنني أعتبرها تجارب،  ولولا ها لما تطورت إلى الأفضل إن كنت حقا أتطور.

 

6- هل نتجرأ ونتحدث عن موضوع مدينة الدار البيضاء كفضاءات وأمكنة حظيت بالتفاتة الكاتب والمبدع المغربي؟

لا يمكن للمدينة التي عاش أو يعيش فيها الكاتب إلا أن تجد الطريق سالكا نحو كتاباته،  وبالفعل فالدار البيضاء حاضرة في كثير من رواياتي،  بأشكال مختلفة،  وقد يكون حضورا رمزيا وهامشيا أحيانا،  لكن تبقى رواية " رقصة العنكبوت" أكثر رواياتي استحواذا على فضاءات الدار البيضاء،  حتى أنني كثيرا ما أردد أنها رواية بيضاوية بامتياز،  لأن السارد تجول في كثير من شوارع الدارالبيضاء الهامشية والمركزية كما أنه زار متحفا أو معرضا للوحات الفنية وسينما ومقاه وسوق درب غلف الشهير ومنطقة عين الذئاب وبعض الحدائق المعروفة كحديقة الجامعة العربية وغيرها من الأماكن التي يتعرف عليها البيضاويون بسرعة.

 

7- موضوع القصة القصيرة من الكتابات التي عرفت تراكما كميا لافتا للنظر،  فماذا عن التراكم الكيفي والنوعي في المنجز المغربي؟

لقد عرفت القصة القصيرة المغربية اهتماما كبيرا من طرف المبدعين وتأسست نوادي وجمعيات متخصصة في هذا الجنس الأدبي،  كما ظهرت مجلة خاصة به هي مجلة " قاف صاد" التي تشرف عليها مجموعة البحث في القصة القصيرة في المغرب،  وبالفعل أثارت هذه الحركية انتباه المتتبعين وتناسلت الإصدارات واللقاءات المحتفية بالقصة القصيرة جدا،  وتحقق تراكم غير مسبوق على مستوى إنتاج النصوص، لكن يبقى سؤالك مشروعا،  هل تحقق بالفعل تراكم نوعي،  طبعا لا يمكنني الإجابة على ذلك لأن النقد هو المخول بإطلاق هذا النوع من الأحكام،  لكن في رأيي هناك مؤشران دالان في هذا الاتجاه يمكن أن يكونا في صالح الحكم على هذا الحراك القصصي،  أولهما ظهور القصة التجريبية في المغرب وثانيهما ظهور القصة القصيرة جدا،  التي لا يجادل أحد في أن نصوصها الجيدة أثارت انتباه المتتبعين في المغرب والمشرق على حد سواء.

 

8- إن النقد وسؤاله لم يعد غالبية الكتاب يهتمون بهما،  إذ يرون أنهما ينزعان إلى التضييق ومصادرة حرية الكتابة،  هذه الأخيرة التي جنحت صوب أشكال جديدة. فما قراءة مصطفى لغتيري لهذه القضية؟ وهل من تفسير يقدمه بخصوص هذا الزعم؟

اعتبرت دائما أن النقد يراهن على التراكم،  وعلى المبدع أن لا ينشغل به كثيرا،  فقط عليه أن يستمر في مراكمة نصوصه الإبداعية،  وطال الزمن أو قصر سيضطر النقد إلى الانتباه إلى هذه النصوص والاشتغال عليه،  وأعتبر كذلك ان داخل كل مبدع هناك ناقد يراقب ويوجه المبدع بصوت صامت وفاعل،  وعلى الكاتب أن يراهن على هذا الناقد المتواري في الأعماق ليطور تجربته،  ولا ينتظر النقد الذي قد يأتي وقد لا يأتي،  لذا أنا شخصيا لا أنشغل كثيرا بمسألة النقد رغم أن نصوصي القصصية والروائية نالت حظها من الاهتمام النقدي،  لكنني في العمق أراهن على حاستي النقدية،  التي تسعفني كثيرا في تتبع تجربتي الإبداعية وتنقيحها وتطويرها.

 

9- ما نظرتك لسؤال الحرية في الإبداع المغربي والعربي؟

سؤال الحرية في عمقسؤال الإبداع،  ولا يمكن لهذا الإبداع أن يتطور ويراكم تجارب قوية  فعالة دون أن ينعم بقدر كبير من الحرية،  وبالنسبة للمغرب فألاحظ أن الدولة لا تتدخل في أمور الإبداع الأدبي إلا نادرا جدا،  لكنها بالمقابل تتدخل في حرية الصحافة بشكل مباشر وبطرق مخجلة قد تصل إلى حدود السجن وإغلاق الجرائد أحيانا.. في الإبداع الأدبي هنا الرقابة المجتمعية التي تبدو لي أكثر شراسة،  خاصة من قبل القوى المحافظة التي لاتكون منظمة بالضرورة،  فكم مرة ووجهت بأراء غير نقدية،  تحاكم كتاباتي بمنطق خارج عن منطق الأدب والإبداع،  لكن على العموم يبقى الوضع أفضل من أغلب الدول العربية في هذا المجال تحديدا.

 

10- ما نسجله على المشهد الإبداعي والثقافي المغربي،  أنه دائما يركز على الأسماء الكبرى (المشاركات-  التكريمات-  الجوائز...) ألا ترى في هذا التحيز تهميشا إن لم نقل قتلا للمبدع والكاتب الذي ما يزال يبحث عن موقع قدم له؟

من الصعب أن نخرج هكذا بحكم قيمة عن المشهد الثقافي المغربي،  طبعا هناك بعض السلوكات غير الصحية والتي لا يخلو منها مشهد ثقافي في العالم من قبيل الإخوانيات والشللية .. في فترة من تاريخ المغرب كان الفعل الثقافي تابعا للفعل الحزبي،  فكان الأديب لا يأخذ فرصته إلا إذا انضوى تحت يافطة حزب من الأحزاب المهيمنة،  لكن الوضع الآن تغير نسبيا،  ونأمل أن يكون المستقبل أفضل خدمة للأدب والأدباء في بلادنا.

 

11- بعض المدن بالمغرب رجعت إلى تقليد ثقافي ومعرفي جميل وغاية في الإمتاع والإثراء الفكري والوجداني،  أقصد النوادي والصالونات الأدبية والثقافية،  فما آثار هذه المبادرات الشامخة على عقل مصطفى لغتيري الأديب والمثقف؟

بالفعل لقد تم إحياء تقاليد ثقافية ضاربة بعمقها في الذاكرة الثقافية العربية والعالمية من قبيل الصالونات الأدبية في كثير من المدن المغربية،  وقد كان لي الشرف للمساهمة في تأسيس وترؤس الصالون الأدبي المغربي في الدارالبيضاء الذي استطاع في ظرف وجيز أن يحقق الكثير من الإنجازات على  مستوى الندوات والقراءات الشعرية والقصصية والنشر والجوائز التي تستهدف الشباب والأطفال ومنها جائزة أحمد بوكماخ للتلاميذ المبدعين، وجائزة الصالون الادبي للقصة القصيرة جدا للشباب،  وقد استطاع الصالون الأدبي كذلك تنظيم مهرجانات كبيرة للقصة القصيرة جدا في بلادنا الأول بشراكة مع جمعية التواصل بمدينة الفقيه ابن صالح والثاني بشراكة مع جمعية درب غلف للتنمية بالدار البيضاء،  كما استضاف الصالون الأدبي أغلب الأدباء المغاربة وكثير من الأدباء العرب.

 

12- ما حظ مقروئية مصطفى لغتيري من الثقافة الفلسفية والصوفية؟

منذ وقت مبكر تعودت على أن تكوني قراءاتي متعددة وهي في الغالب الأعم في العلوم الانسانية والاجتماعية،  فلسفة وتاريخ ودين وعلم النفس، وطبعا ينال الأدب إبداعا ونقدا  نصيب الأسد،  وأزعم أنني كائن قارئ،  ولقد ساعدني ذلك في تجديد كتاباتي وإعطائها في كل تجربة كتابية نفسا جديدا،  وقد لاحظ النقاد ذلك،  اقصد تنوع التيمات وتكنيك الكتابة كذلك.

 

13- من الظواهر الطريفة والفاتنة تلك التي لها ارتباط بالمكتبة والكتب،  إنه موضوع فرض نفسه على ما لا يعد من الكتاب والمثقفين،  من أبرزهم الكاتب البرازيلي ألبرتو مانغويل الذي ننظر إليه كمتخصص في الموضوع. بالنسبة لمصطفى لغتيري كيف ينظر للمكتبة والكتاب(الشخصيين)؟

طبعا للكاتب علاقة خاصة بالمكتبة  الشخصية، حتى أنها تعتبر مكانا مقدسا بالنسبة للكثير من الكتاب ويدخلون في طقوس خاصة عند التعامل معها،  وهي تشكل ذاكرة قرائية من نوع ما،  بل تنتسج علاقة قوية وغريبة بينها وبين الكاتب،  فيكفي أن يلقي بنظره نحوها ليسمع همهمات كثيرة تصدر عنها،  ففي مكان ما همنغواي يوشوش له بحكاية العجوز والبحر وفي مكان آخر غابرييل غارسيا ماركيز يهمهم بسنوات مائة عام من العزلة وهكذا دواليك .. إنها علاقة معقدة ومن الصعب الإحاطة بها بشكل كلي ومقنع.

 

14- ما هي أحلى وأجمل ذكرى لا زالت عالقة بذاكرة المبدع مصطفى لغتيري؟

تتعدد الذكريات وتتنوع،  تختلف نكهتها باختلاف السنوات ولكل مرحلة من العمر ذكرياتها اللامعة والجميلة التي تؤثث دواخلنا إلى الأبد وتقدم لنا الدعم النفسي في الحالات الحرجة التي قد نحياها،  في الطفولة أتذكر فضاءات البادية الشاسعة التي كنت أقضي فيها العطلة الصيفية،  كما لا أنسى علاقتي بالبحر التي انتسجت منذ نعومة أظافري فقد كنت أقطن على مرمى بصر منه،  من أجمل الذكريات كذلك علاقاتي الوطيدة مع الأصدقاء من الجنسين،  فقد كانت بحق علاقات باذخة ورائعة،  كما ما زالت تحضر في ذهني قوية رحلات الاستجمام رفقة أصدقائي في المرحلة الثانوية والجامعية،  أما عن ذكريات الحب فحدث ولا حرج.

 

15- لمصطفى لغتيري علاقة عميقة تشده بالأدب اليمني،  فهلا أبرزتم لنا الدواعي التي كانت سببا في هذه العلاقة القوية؟ وما الأسماء التي كانت لها الأيادي البيضاء في ذلك؟

منذ أن تورطت ورطتي الجميلة في الأدب كنت مطالبا أن أقوي معرفتي بالأدب المغربي أعلامه ونصوصه،  وقد تحقق لي ذلك بكثير من الرضا،  فكان لا بد أن أنفتح على محيطي العربي،  فسعيت لتكوين فكرة واضحة نسبيا عن الأدب في البلدان العربية في الفترة الحالية،  فكان اليمن من الدول الشقيقة التي تيسر لي الاطلاع على أدبه وربط علاقات صداقة مع أدبائه،  ودون ذكر الأسماء أظن أن عملا جيدا تم بسبب هذه العلاقة،  فلقد توفقنا أنا وبعض الأصدقاء اليمنيين من تشكيل نواة لمكتبة مغربية في اليمن ليطلع الأدباء اليمنيون على إبداعات المغاربة.

 

16- يشهد المغرب تظاهرة ثقافية كبرى،  تتمثل في تنظيم واحتضان معرض الكتاب بالدار البيضاء،  باعتباركم من الكتاب الذين تحضرون هذه التظاهرة،  نود أن تحدثونا عن المغرب؟ وعن الإسهامات التي يسهم بها في مجال إنتاج الكتاب؟

للأسف كان من الممكن أن تكون في المغرب صناعة حقيقية للكتاب،  كما هو متوفر في كثير من البلدان،  لكن الكثير من التردد يطبع علاقة المغاربة مع الكتاب سواء تعلق الأمر بوزارة الثقافة أو دور النشر أو اتحاد كتاب المغرب،  فما زال إلى يومنا هذا أغلب الكتاب ينشرون كتبهم على نفقاتهم الخاصة،  وهذا مؤشر قوي على وضعية الكتاب في بلادنا،  كما أن الكتاب المغربي بلغته عدوى الهجرة " الحريك"،  فأصبحنا نرى الكثير من الإصدارات المغربية في دور نشر عربية سورية ومصرية ولبنانية كان اولى أن تحتضنها التربة المغربية التي أنتجتها.

 

17- لقد حصلتم على العديد من الجوائز (النعمان الأدبية - ثقافة بلا حدود –تكريم الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين..)،  فما الجديد الذي تضيفه هذه الجوائز إلى مصطفى لغتيري؟

قلت في حوار سابق "الجوائز لا تصنع الأديب" هي بالطبع تشكل نوعا من رد الاعتبار للأديب وقد تشجعه للمضي قدما نحو المزيد من العطاء،  لكنها أبدا لن تكون الغاية،  لذا على الأديب أن لا ينشغل كثيرا بموضوع الجوائز،  فجائزة الأدب الكبرى كامنة فيه،  فذلك الرضا الذي نحسه بعد كتابة نص ما هو أجمل جائزة نحصل عليها.

 

18- هل من قراءة يقدمها مصطفى لغتيري بخصوص الجوائز العربية كالبوكر،  والعويس،  والشيخ زايد،  والملك فيصل..إلخ؟

لا ينكر أحد مدى الأهمية التي تكتسيها هذه الجوائز في المشهد الثقافي العربي،  لقد ساهمت بالفعل في تحفيز الكثير من الأدباء على العطاء المتواصل،  وقد كان لجائزة البوكر العربية الفضل الكبير على الرواية العربية،  لأن معيار الترجمة التي تتخذه الجائزة لاختيار النصوص الفائزة،  دفع الرواية العربية للتصالح مع المعطى الحكائي الذي خاصمته بعض الأقلام العربية بتأثير من الرواية الفرنسية الجديدة وما يدعى بتداخل الأجناس،  إذ طغت شعرنة اللغة وتشظي الحدث والاحتفاء بالزمن النفسي،  فأضحت الرواية معقدة فخاصمت جمهورها.

 

19- ماذا عن مشاريعكم المقبلة؟

لدي مجموعة من الأفكار التي أشتغل عليها،  لكن ما يستحق الذكراللحظة،  لأنه أنجز هو رواية تستثمر شخصية أبي يعزى إلنور أو ما يطلق عليه العامة مولاي بوعزة،  كما كتبت رواية عبارة عن سيرة تخييلية لأمي،  بالإضافة إلى كتاب حول  بعض المفاهيم الأدبية كما اتصورها.

 

انجز الحوار محمد البغوري

 

 yousif mohsenيحيي محمد: كتب مقدمة كتابي الاول الشهيد محمد باقر الصدر، المدرسة الاولى مكتبة جامع التميمي في الكسرة

قال يحيى محمد: شدّني في ذلك الوقت كتاب (فلسفتنا) للشهيد محمد باقر الصدر، اذ قمت بتلخيصه، وكانت لي حوله بعض الملاحظات وصادف ان عرضتها على الشهيد محمد محمد صادق الصدر عند مراجعاتي له بين مدة واخرى، فكان يجيبني عن بعضها، فيما ينقل لي في البعض الاخر بأن السيد محمد باقر الصدر قد غيّر رأيه فيها. وعموماً بدأت أقرأ الكثير من الكتب لموضوعات مختلفة فلسفية وعقائدية وفقهية واجتماعية وعلمية وما اليها.. فكنت اذهب لاستعير الكتب من مكتبة جامع التميمي في الكسرة، ثم تحولت بعدها لاستعارة الكتب من مكتبة الكاظمية العامة.. وبقيت على هذه الشاكلة حتى هجرتي من العراق سنة 1980. وكنت آنذاك مهتماً في الغالب بكتب الفلسفة وعلم الاجتماع، فضلاً عن العقائد، لا سيما الامامة. وفي الجامعة التحقت بفرع علوم الحياة (البايولوجيا)، وكنت كثيراً ما اناقش الاساتذة حول نظرية دارون، فأبدي معارضتي لها مدعماً ذلك ببعض الادلة طبقاً لمطالعاتي وميولي الدينية.. وقد دفعني هذا الامر الى تأليف أول كتاب حولها اسميته (الدراوينية عرض وتحليل)، وهو ما نشرته دار التعارف ببيروت سنة 1979، وفيه مقدمة مطولة للشهيد محمد الصدر، اذ راجع الكتاب مرتين وافادني بملاحظات كثيرة وقيمة، ومن ثم كتب رسالة الى دار التعارف بوصية من الصدر الاول لطبع الكتاب .

 

ملاحظات على مشاريع فكرية

من هو يحيى محمد؟ ما هي ارتباطاته السياسية؟متى خرج من العراق؟ لماذا؟حدثنا عن حياتك الشخصية؟ ثم حياتك الفكرية؟

- منظّر في الفكر الاسلامي والفلسفة، ولدت سنة 1959، ونشأت ضمن عائلة فقيرة ترعاها أمّ عظيمة تكفلت برعايتنا ومعيشتنا، وحتى تعليمنا رغم أنها سيدة أمية، مع غياب الوالد. ومنذ ان وعيت وحتى هجرتي من العراق كنّا نسكن في منطقة شعبية في بغداد قرب الاعظمية (الكسرة). لم أكن وانا صغير احب المدرسة والواجبات البيتية، لا سيما في الصفين الاول والثاني الابتدائيين، لكني تكيفت مع ظروف الدراسة والواجبات فيما بعد.. كان لي اخ اكبر يهوى المطالعة وانا صغير، وكانت له جلسات حوارية حول المسائل الالهية مع بعض الاقرباء، فكنت استمع اليهما بلهفة، وافكر فيما يعرضانه من افكار وتيهان احياناً. كانت المسألة الالهية تهمني للغاية في ذلك الوقت، وفي احد الايام وقعت بالصدفة على كتاب شكّل لي منعطفاً عظيماً في حياتي، وهو كتاب (الله يتجلى في عصر العلم)، فقرأته بلهف مع تلخيصه. ومن ذلك الوقت التزمت بالتعاليم الدينية وأخذت أهوى القراءة والمطالعة. وقد شدّني آنذاك كتاب (فلسفتنا) للشهيد محمد باقر الصدر، اذ قمت بتلخيصه هو الاخر، وكانت لي حوله بعض الملاحظات وصادف ان عرضتها على الشهيد محمد محمد صادق الصدر عند مراجعاتي له بين مدة واخرى، فكان يجيبني عن بعضها، فيما ينقل لي في البعض الاخر بأن السيد محمد باقر الصدر قد غيّر رأيه فيها. وعموماً بدأت أقرأ الكثير من الكتب لموضوعات مختلفة فلسفية وعقائدية وفقهية واجتماعية وعلمية وما اليها.. فكنت اذهب لاستعير الكتب من مكتبة جامع التميمي في الكسرة، ثم تحولت بعدها لاستعارة الكتب من مكتبة الكاظمية العامة.. وبقيت على هذه الشاكلة حتى هجرتي من العراق سنة 1980. وكنت آنذاك مهتماً في الغالب بكتب الفلسفة وعلم الاجتماع، فضلاً عن العقائد، لا سيما الامامة. وفي الجامعة التحقت بفرع علوم الحياة (البايولوجيا)، وكنت كثيراً ما اناقش الاساتذة حول نظرية دارون، فأبدي معارضتي لها مدعماً ذلك ببعض الادلة طبقاً لمطالعاتي وميولي الدينية.. وقد دفعني هذا الامر الى تأليف أول كتاب حولها اسميته (الدراوينية عرض وتحليل)، وهو ما نشرته دار التعارف ببيروت سنة 1979، وفيه مقدمة مطولة للشهيد محمد الصدر، اذ راجع الكتاب مرتين وافادني بملاحظات كثيرة وقيمة، ومن ثم كتب رسالة الى دار التعارف بوصية من الصدر الاول لطبع الكتاب. ويحمل الكتاب اسم مؤلفه يحيى محمد، وهو اسم مستعار، وان كان الاسم الاول يمثلني بالفعل، لكن الاسم الاخير مستعار، تحسباً من ملاحقة اعوان النظام البائد. لم انتمِ الى اي حزب سياسي في حياتي قط، وربما يعود ذلك الى طبيعتي الشخصية ذات الاهتمام الابستمولوجي والتي لا تألف الطروحات الآيديولوجية التي تتغذى منها الاحزاب السياسية. تركت العراق بعد مضايقة النظام السابق ومحاولة اعتقالي لأكثر من مرة، وذهبت الى لبنان وبقيت فيها سنتين ثم بعدها رحلت الى ايران واقمت فيها ثمان سنوات، وبعدها استقر بي المقام في بريطانيا منذ 1990 وحتى اليوم.

ان اول عمل مارسته في المهجر هو تلخيص كتاب (الاسس المنطقية للاستقراء) للشهيد الصدر الاول، وكنت اطالعه وانا في العراق واحاول اتقان مضامينه، وقد توفرت لي هذه الفرصة في لبنان، وتبين لي خلالها ان الشهيد الصدر قد غيّر العديد من افكاره التي طرحها في فلسفتنا، كما اكتشفت بأن الامر لم يتوقف عند هذا الحد، بل بدا لي انه غيّر جوهر اطروحته النظرية التي قدّمها في الاسس المنطقية للاستقراء، وذلك بعد مطالعتي لكراس له بعنوان (بحث حول المهدي). وعلى العموم كان لي اهتمام جدي بالاسس المنطقية للاستقراء، وهو ما سبّب لي بعض العوائق من رجالات الحوزة الدينية، فضلاً عن الاهتمام بعلم الاجتماع. وخلال السنتين اللتين قضيتهما في لبنان صدر لي كتاب (التصوير الاسلامي للمجتمع) مع ثلاث مقالات نُشرت في مجلة الغدير عام 1981، وكانت عناوينها كالتالي:

1ـ القضاء والتطبع، العدد (5).

2ـ حياة المفكر محمد باقر الصدر، العدد (6).

3ـ ظاهرة الاغتراب واسبابها الاجتماعية، العدد (7).

يضاف الى مقالة رابعة فُقدت من المجلة المذكورة دون نشرها، وهي بعنوان: عزلة الباحث الاسلامي والاغتراب. كما كتبت آنذاك دراسة حول مجمل افكار الصدر الفلسفية، وتتضمن عددأ من تغيرات فكره، وكان من المفترض ان تنشر في احدى المجلات اللبنانية، وقد سلمتها لبعض المعنيين بالنشر، لكني لم اعرف عنها شيئاً بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان سنة 1982، ومن ثم نشرتها بعد ذلك في مجلة دراسات وبحوث التي كانت تصدر في طهران سنة 1983، وهي بعنوان: نظرات فلسفية في فكر الامام الصدر. وفي ايران اقمت اربع سنوات في قم قبل مغادرتي منها الى مشهد، وخلالها مارست التدريس في الحوزة مع كتابة بعض البرامج الثقافية للقسم العربي من اذاعة طهران، وكان من بينها برنامج اسبوعي بعنوان عالم الدراسات الانسانية. وظهر لي خلال هذه الفترة كتابان احدهما بعنوان دور اللاشعور في الحياة، والاخر بعنوان الاسس المنطقية للاستقراء بحث وتعليق، وهو الكتاب الذي سبب لي ازمة مع بعض الاطراف مما اضطرني الى ترك قم والذهاب الى مشهد سنة 1986، حيث اقترحت على المشرف العلمي العام لمؤسسة التحقيقات الاسلامية، وهو الشيخ المعروف محمد واعظ زاده الخراساني، بكتابة مصنف حول مناهج الفكر الاسلامي ومن ضمنها اقتراح منهج جديد يختلف عن مناهج التراث السائدة، ويتعلق بالواقع، فرحّب بالفكرة وبدأ عملي لمدة سنتين فكتبت دراسة نقدية حول مناهج التراث، لكن مدير المؤسسة لم يرقه النقد المتعلق بالتراث الشيعي، في حين كان الشيخ واعظ زادة موافقاً على ممارستي لهذه المهمة، وكان اخر ما قاله لي: انني اوافقك تماماً لكنهم لا يريدون استمرارك!

وحينها تركت العمل في المؤسسة وتحولت الى التدريس في الجامعة والحوزة لمدة سنتين حتى تهيئت لي فرصة الرحيل الى بريطانيا بعد تكرر المضايقات، وكنت مصمماً على اتمام المشروع الذي راودني منذ كنت في قم، وقبل بداية عملي في مشهد، اذ لاحظت ان الحوزة لا تولي الواقع اي اهتمام في التفكير والنقد الديني.

 

المصادر المعرفية

الإعمال الفكرية ل يحيى محمد لا تنتمي إلى الثقافة العراقية بحقلها الإسلامي التقليدي؟ ما هي مصادركم المعرفية؟

- ربما من الصعب حصر مصادري المعرفية الا على نحو الاجمال. فكثيراً ما اعول على المصادر المنطقية الكاشفة عن المعرفة كاستخدام الدليل الاستقرائي حتى في فهمي للنص الديني، كذلك الواقع باعتباره يمت الى العقل البعدي وهو شبه مهمل ومغيب لدى الفكر الديني، وكذا الوجدان والعقل الفطري، والمقاصد الدينية، والمجملات النصية، والاعتبارات الفلسفية والعلمية وفن الهرمنوطيقا، واركز في هذا الصدد على فلسفة العلم واستثمارها في الفهم الديني، كما يهمني ما توصل اليه الفيلسوف الالماني (عمانوئيل كانت) حول المسافة التي تفصل الشيء لذاتنا عن الشيء في ذاته، وهو الاساس الذي ارتكز اليه، ليس في تصوري للواقع الموضوعي فحسب، بل وفهمي للنص الديني، ومن ثم طريقة معالجتي لما اطلقت عليه علم الطريقة. وعموماً كثيراً ما اميز بين المصادر المعرفية المشتركة والمصادر الخاصة، وأُولي الاعتبار للاولى وارجحها على الثانية، لكونها اقرب للاقناع والتأثير.

 

اليات علم الطريقة

يحيى محمد ابتكر علما اسماه (علم الطريقة) ما هو هذا العلم؟ما هي آلياته؟كيفية اشتغاله في حقل الثقافة الدينية؟

- علم الطريقة هو علم يبحث في مناهج الفهم الديني بالدرس والتحليل. فهو لا يمارس الفهم ذاته، بل ان هذه الوظيفة هي ما تعنى به المناهج، لكنه يمارس تحليل هذه المناهج بالذات، وبالتالي فتعامله مع الفهم هو تعامل غير مباشر، وهو في هذه الحالة يمارس ما اسميه (فهم الفهم). فهو يحدد مناهج الفهم كتلك التي تمّ تداولها خلال التراث، ليكشف عن ادواتها وآلياتها ومفاهيمها ومصادرها والاسس المعرفية التي تتقوم بها. وهو في هذا التحليل يعتمد على الربط القائم بين الذات القارئة والنص، فيدرس هذه العلاقة المحتمة في انتاجها للفهم، تعويلاً على التفرقة بين الفهم والنص، فالفهم نتاج مشترك للنص والذات القارئة. فالالية التي يعتمدها هذا العلم هي آلية الربط بين فعل الذات وتأثير النص لانتاج الفهم. فكل منهج لا يمكنه تجاوز هذه الممارسة وهذا الدور، سواء في حقل الثقافة الدينية او غيرها. وكل فكر لا يخلو من هذه العلاقة اللزومية للارتباط الثنائي بين الذات الكاشفة والموضوع المنكشف لها. ولا شك ان مهمة علم الطريقة هي الكشف عن طبيعة هذا الارتباط بين الذات والنص، اذ تختلف طبيعة هذا الارتباط بين منهج واخر، وهي المهمة التي تقع على عاتق دراسة علم الطريقة.

 

مقولات ومفاهيم

ما هي الأدوات المنهاجية لهذا العلم، المقولات، المفاهيم؟

 

- لعلم الطريقة العديد من الادوات المنهاجية التي يستخدمها في تحليله لمناهج الفهم بما تتضمن من مقولات ومفاهيم. ومن ذلك فكرة الجهاز المعرفي كنسق قائم على خمسة اركان مترابطة، وهي كل من المصدر المعرفي، والاداة المنهجية، والمولدات والموجهات القبلية، والفهم، واخيراً الانتاج والتوليد المعرفي. ويركز فيما يتعلق بالمولدات والموجهات القبلية على ما اسميه الاصول المولدة، باعتبارها اهم ما في القبليات المتحكمة في الفهم العلمي المنضبط. فالسنخية مثلاً هي اصل مولد للتفكير الفلسفي والعرفاني لدى الحضارة الاسلامية وما قبلها. وفي علم الطريقة تجري التفرقة بين علاقة القبليات بالفهم، وعلاقة النص بالفهم، ولكل منهما ادواته المنهاجية. فحول العلاقة الاخيرة يتبين ان هناك عنصراً جديداً يضاف الى عنصري النص، وهما اللفظ والسياق كما متعارف عليه. فالعنصر الجديد هو ما اسميه (المجال). ولهذا المفهوم اهمية كبيرة على الصعيد الادواتي. فطبقاً له تصبح آليات الفهم او القراءة للنص عبارة عن ثلاثة لا اثنتين يعبر عنهما عادة بالتفسير والتأويل، فيضاف الى ذلك آلية جديدة هي الاستبطان او الترميز. واطلق على هذه الاصناف الثلاثة للفهم او القراءة كلاً من: الإستظهار والتأويل والإستبطان او الترميز. والذي يعين طبيعة هذه الآليات هو المجال والظهور اللفظي، وهناك علاقات رياضية تحدد هذه الاليات كالذي فصلت الحديث عنها في (منطق فهم النص). وتتبين اهمية هذا التصنيف الثلاثي عند لحاظ ان التقسيمات التقليدية تخلط ما بين ممارسات تأويل النص الديني كما عند الكلاميين مثلاً، وبين جملة من ممارسات الباطنية والعرفاء في قراءاتهم للنص، فكلا المجموعتين من القراءات ينظر اليها بأنها تأويل، مع ان المجموعة الثانية لا تعود الى التأويل بل الى الاستبطان او الترميز. والذي يحدد هذا التصنيف هو مفهوم المجال ذاته كاداة منهاجية.كذلك من ضمن الادوات المنهاجية استخدامي للنص على ثلاثة مراتب متمايزة، هي النص المجهول ونص النص ونص نص النص، فالاخير قائم على الثاني بنحو التفسير، والثاني قائم على الاول بنحو الاشارة.

هذا فيما يتعلق بالادوات المنهاجية للنص، اما ما يتعلق بالادوات المنهاجية للقبليات فقد تم تصنيفها وتبيان اهميتها في التأثير على الفهم ضمن البحث الطرائقي. ومن ذلك التمييز بين القبليات التصورية والقبليات التصديقية، وكذا بين القبليات المشتركة والخاصة، وايضاً بين القبليات المنضبطة وغير المنضبطة. كما تم التمييز بين ما يتأثر به الفهم وما ينتج عنه ضمن اربعة اقسام لها مفاهيم ومقولات مختلفة، هي سنن الفهم وقوانينه وقواعده ومستنبطاته... الخ. يضاف الى ما سبق الادوات المنهاجية المتعلقة بمعايير الترجيح بين انساق الفهم ونظرياته. اذ يُستخدم في هذا المجال عدد من الادوات المعتمدة كأداة المنطق، لا سيما المنطق الاستقرائي، والبحث المنطقي غير المباشر، واداة الواقع والوجدان العقلي العام... الخ.

 

مناهج الفهم الديني

كيف تم إيجاد هذا العلم؟

- كانت البداية هي الحديث عن مناهج الفهم الديني وليس العلم الخاص بهذه المناهج. ويمكن تأريخها ابتداءاً من عام 1986، فقد اجريت تقسيماً رباعياً لمناهج التراث الاسلامي لتتاح الفرصة لوضع بديل منهجي. لكن تبين لي فيما بعد ان هناك حاجة الى علم يتكفل بدراسة هذه المناهج ضمن ضوابط معقولة. ويمكن تحديد هذا العمل عند كتابتي لـ (مدخل الى فهم الاسلام) بداية التسعينات، اذ كان القسم الاول منه يدور حول علم الطريقة، لكن الحال تطور فيما بعد وظهرت تفاصيل كثيرة حوله، كالذي يبدو في الطبعة الثالثة للمدخل، وكما جاء ايضاً في (منطق فهم النص). وفي المدخل تجد اشارة الى كون العلوم تنشأ من الناحية التاريخية قبل ولادة المنطق والمنهج المتعلق بها. وينطبق هذا الحال عما فعلته حول علم الطريقة. ففي البدء درست المناهج التراثية، لكني شعرت فيما بعد بضرورة البحث حول العلم الذي يقوم بدراسة هذه المناهج وفق معايير مناسبة، وهو ما سميته علم الطريقة.

 

مشروع فكري

  من خلال هذا العلم ( علم الطريقة ) إلى أين وصل مشروعكم الفكري؟

- يعد علم الطريقة مشروع يهدف الى تحديد معالم مشروع اخر متمم له، فهو علم منطقي اشبه باصول الفقه في علاقتها بالفقه. اذ يُعنى بتحليل مناهج الفهم، والغرض منه تأسيس منهج مناسب ينسجم مع المعايير التي يعتمدها. وهو في هذه المهمة يتجاوز الطرح المذهبي الايديولوجي، لكونه يتعامل مع مناهج قابلة للتطبيق على المذاهب دون تمايز. لذلك تم اخضاع مختلف المناهج التراثية للتحليل والنقد، وقد شغلت هذه المادة ما يقارب ثلاثة كتب من المشروع، وهي: الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية، والعقل والبيان والاشكاليات الدينية، فضلاً عما جاء في اغلب مضامين مدخل الى فهم الاسلام. هذا بالاضافة الى وضع البديل المنهجي المتمثل بما اطلق عليه النظام الواقعي، وهو يشغل كتابين متكاملين هما: جدلية الخطاب والواقع، وفهم الدين والواقع.

 

hamed-fadilتحلق مرويات القاص حامد فاضل في فضاءات الصحراء الممتزجة بالواقعي والمتخيل، متخذة منطقها الخاص، المستمد من واقع عاشه وخبره، وأعاد تركيبه لينحو به إلى ما هو حلمي وغرائبي، من صمت الصحراء ومفازاتها الزاخرة بالقصص، استقى القاص مادته لابتكار حكاياته الجديدة، بسياقات عبقت بالسحر والخرافة .. من هنا اكتسبت قصص حامد فاضل بصماتها الخاصة وحرارتها وصدقها الفني، بوصفه ابن مدينة الصحراء (السماوة) .. أصدر القاص مجموعته الأولى (حكايات بيدبا) عام 1994، تلتها مجموعته (ما ترويه الشمس ما يرويه القمر) 2004، ثم مجموعته الثالثة (المعفاة) 2010، وله مخطوطة كتاب بعنوان (مرائي الصحراء المسفوحة)، التقته جريدة البيان للتعرف على جوانب من تجربته السردية ..

 

• كانت لكم نشاطات في المسرح، ومارستم النقد، وكتبتم الشعر، ولكم محاولات في الترجمة، ولكنكم حللتم في بيت القصة ووسمتم بوسمها، فلماذا القصة؟

ــ لأنها تترع كأس حياتي، فأثمل بها، ولها، صدقني سأذوي مثل كغصن خريفي إذا لم أكتب القصص أو أقرأها .

 

• والبداية .. متى كانت بداية اهتمامكم بالقصة؟

- ولدت في قبيلة الرواة، رضعت ثدي المروية، ترعرعت في حضن الحكاية، كانت ليالينا، ولما تزل متخمة (بالسوالف) ليالي الشتاء اللائذة بدفء المواقد، ليالي الصيف المكشوفة لعيون السماء، كل ليلة ينفض راو وقور جراب حكاياته في ذاكرتي، فأنا يا صديقي سليل الرواة، أنى مضيت تلاحقني خيول الحكاية وتدهم أحلامي إذا ما أويت إلى الفراش .. وهكذا صيرتني الليالي زير قصص .

 

• لكنكم لم تنشروا خلال عمركم القصصي الطويل نسبياً غير ثلاث مجموعات؟

- لا تسألني كم نشرت، اسألني ماذا أبدعت .. لدي رواية عنوانها (العلبة) ما تزال ومنذ أكثر من أربع سنوات مطمورة تحت غبار الزمن .. كان هناك اتفاق بين الدكتور جابر عصفور والمرحوم فوأد التكرلي على طبع ثمان روايات لثمانية كتاب عراقيين في مصر، اختارني المبدع أحمد خلف إلى جانب حميد المختار وشوقي كريم وآخرين، لكن ذلك المشروع لم ير النور، فتلفعت الرواية بشال العنوسة، ولي في أحدى دور النشر مجموعة من أدب الصحراء ما تزال تقبع في الانتظار . وقد أنجزت في ثقافة الأمكنة كتاب (مرائي الصحراء المسفوحة)، وهي نصوص في الأمكنة الصحراوية، إلى جانب ما ألفته أو أعددته من مسرحيات لم تطبع برغم أن بعضها حازت على جوائز، ولي محاولات في الشعر فضلت لها الانزواء في أدراج المكتب .. أعكف الآن على كتابة مجموعة صحراوية جديدة .

 

* في مجموعتكم الأولى، (حكايات بيدبا) بدت هموم الناس البسطاء وكأنها الثيمة الأثيرة لديكم . ثم سرعان ما انتقلتم إلى البحث عن موضوعات مغايرة لقصصكم، وصولاً إلى ما أنتم عليه اليوم من الاشتغال في حفريات النص؟

ــ كتبت معظم قصص، (حكايات بيدبا) في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وكانت الذاكرة مترعة بالقصص المعتقة في القبو الخمسيني والستيني، والقصة هي ابنة الواقع، تولد من رحمه، وتتربى في أحضان بيئته، فكانت (حكايات بيدبا) مرايا الواقع السبعيني التي تمرأت في نصاعتها أحداثه، باستثناء قصة (النافورة) التي كتبتها في مطلع التسعينات .

 

• أعتقد أن قصة النافورة هي الحجر الذي ألقيتموه في بئر النقد فتردد صداه وانداحت عنه الدوائر؟

- اعتقاد صحيح، قصة النافورة هي التي أثارت انتباه البعض من كتابنا الكبار كعبد الرحمن مجيد الربيعي وعبد الستار ناصر وخضير عبد الأمير وآخرين .. كل الروائح تبخرت من الذاكرة، إلا رائحة ما كتبه المبدع الراحل اسماعيل عيسى الذي قال : كنت أقرأ النافورة وكأنني أقرأ قصة عالمية لكاتب أجنبي، كما وصلتني عبارات جميلة بحق مجموعتي الأولى من المبدع الكبير محمد خضير، وكانت له كلمات جميلة أخرى بحق مجموعتي الثانية .

 

• سادت ثيمة الصحراء قصص مجموعتكم الثانية (ما ترويه الشمس ما يرويه القمر) ثم تجلت مقدرتكم في أدب الصحراء في (مرائي الصحراء المسفوحة) التي دأبتم على نشرها في جريدة الأديب، هل اتخذتم الصحراء كخط خاص لتجربتكم السردية؟

- يمكن القول أن أدب الصحراء صار سمة خاصة بتجربتي السردية التي ما أزال أسعى إلى تطويرها، وتهذيبها لأخلع عليها ــ مع كل نص جديد ــ حلة جديدة تخرج بها على القارئ من محراب الصحراء، فمن الاشتغال على المروية الشفاهية لتحويلها إلى قصة فنية في مجموعة ما ترويه الشمس . إلى الحفر في الخلفية الميثولوجية الصحراوية واستغلال المكان الصحراوي كسداة لنسج غزل حكايات الصحراء في كتاب المرائي الذي هو بوتقة تنصهر في متون قصصه الميثولوجيا والتأريخ والسحر والحداء والقصيد البدوي لتنتج أحداثاً من عالم رملي لا يُرى سحره الباطن إلا من خلال عين المخيال .. هناك في المرائي مشاركة في صنع الأثر الكلي بين الحكاء والقارئ .

 

• يتسلل الإحساس بالشعر إلى قارئكم وكأنه يقرأ قصصاً في قصائد أو قصائد في قصص، فلم هذه القصدية في الكتابة الشعرية؟

- عشقت الشعر وتزوجت القصة .. لا أتقصد الكتابة باللغة الشعرية، ولكنه الحنين إلى الشعر، يطفح من بئر العقل الباطن، ويفيض فيغرق حقول النص .

 

• في أدب الصحراء هناك من النقاد من يقارن بينكم وبين إبراهيم الكوني. ما هو رأيكم بأدب الصحراء الذي يكتبه إبراهيم الكوني؟

- هناك سمات مشتركة في تأثيث أدب الصحراء، في حفريات النص الميثولوجي الصحراوي / الأمكنة / الأزمنة / الكائنات / المينوغرافيا / الأساطير / المرويات / السحر / الجن / الحداء / القصيد / .. إبراهيم الكوني مبدع كبير خرج من بطن الصحراء ليكتب عن الكائنات التي تؤثث الصحراء، أنه العراف الذي يخترع التنبؤات التي تحققها الصحراء .. وخرجت من ضجيج المدن لأكتب عن صمت الصحراء المكتنز بالحكايات فأنا المرواتي الذي يلبس المروية الصحراوية ثوباً جديداً بدلاً من ثوبها الخلق .

 

* النقد يسلط الأضواء أحياناً على بعض الأسماء دون استحقاق، وبمعايير لا علاقة لها بألابداع، ما تعليقكم؟

ــ لا تخلو ساحة الإبداع العراقي شأنه شأن الإبداع العربي وربما العالمي من أنصاف المبدعين الموهومين الذين يسفحون الحبر على مرايا القرطاس وينشرونه على حسابهم الخاص . فيباركه موهومون آخرون من النقاد الخدج ، ولكنه الزبد الذي يذهب جفاء .

 

• القصة محددة بزمن قصير لا يتعدى اللحظات والدقائق، كيف يكون بمقدور الكاتب رسم واقع زاخر بالأحداث والوقائع كواقعنا؟

ــ وهنا تكمن جمالية القصة وقوة تأثيرها، فتقنيات القصة الكلاسية أو الحديثة هي العصا السحرية التي ما أن يضرب بها القاص أرضية الحدث المتخيل أو الواقعي حتى تتفجر منها الحبكة وتتشضى في الفضاء الزمكاني ثم تتشكل كما يتشكل الغيث وتهمي في وعاء اللغة وتلتم عند نقطة السطوع لتنير الأثر الكلي للقصة، فلولا الاسترجاع والتداعي والاسقاط والافتراض لما استطاعت القصة الكلاسية أن تنصب خيمتها على أعمدة الزمن الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، فهي برغم تعايشها مع لحظات أو دقائق الماضي، تنفذ إلى الحاضر من كوة الاسترجاع في الذاكرة، وتعبر جسر الأماني نحو المستقبل من خلال استشراف الحاضر بكل دقائقه وأحداثه، وكذلك حال نول المخيال في القصة الحديثة والذي يعمل القاص النساج عليه لنسج الأحداث بعد التجريد الذي يطال اللغة أحياناً وإلغاء الحواجز المفترضة مابين الواقعي والمتخيل لصنع قصة غرائبية تطوع أشكال الأدب والفن كافة .. فلا عجب أن يشترك المؤلف والقارئ معاً في تأليف القصة، فما أن ينتهي المبدع منها، حتى يبدأ المتلقي بتأليفها .. قرأت قصة لا تتجاوز الفقرتين، تنقل لنا صورتين متناقضتين خارجية وداخلية لوجهين يتطلعان ببعضهما من خلال زجاج واجهة مقهى، ثم يختفي الوجهان ويبقى فنجان القهوة لوحده على الطاولة، هذه قصة مكثفة بتركيز عال ولكنها ما أن تنتهي حتى تبدأ بالاستطالة من خلال التحفيز والتأويل والاستنتاج وهنا تكمن قوة استيعاب زمن القصة وانفتاحه على الواقع الزاخر بالأحداث والشخوص في كل مكان من العالم .

 

• في ظل المتغيرات، هل يمكن أن نؤسس مفهوماً جديداً للمثقف العراقي لممارسة دوره ومسؤوليته في هذه المرحلة؟

- الإحساس بالمتغيرات الظرفية الزمكانية المؤثرة والموجهة للسلوك الإنساني واحد بالنسبة إلى مثقفي العالم السفلي كافة، ولكن البيادر لا تكتمل بالعجالة نفسها التي زرعت بها الحقول .. أن ما احتاجه المثقف العراقي بعد التغير الدراماتيكي الذي طال الأصعدة كافة، هو ترميم الذات أولاً، ثم استيعاب ما استجد من مؤثرات، فهضم التأثير وتمثيله فالتعبير عنه بعد ترشيح المستجدات لبيان موقفه من مجريات وحراك الواقع الجديد، وتلك هي بشارة المثقف التي تنقلها رسالته إلى المجتمع باعتباره العين التي تجوب الأفق الحضاري، فهو المؤشر على الواقع، المبشر بالأهداف، المرشد إليها، ولذا فان من الملزم والضروري أن يصار إلى ردم شروخ الماضي وإدارة الدفة نحو شاطئ المصالحة الثقافية لترميم سفينة الثقافة العراقية التي أبحرت منذ أكثر من ستة آلاف عام وما تزال تجوب بحار الثقافة .. إن تأسيس مفهوم جديد للمثقف مطلب مشروع في هذه المرحلة وفي المراحل اللاحقة مادامت الحياة ساربة في نهار الزمن، سارية في ليله، مستبدلة العوالم الزائلة بأخرى جديدة .

 

*هل لديكم ميل لأشكال التجريب والتقنيات الحديثة، وهل ترى فيها تعبيراً عن الرفض والتمرد للسائد والمألوف في الكتابة؟

- هو ليس رفضاً ولا تمرداً، إنما هو اجتراح طرائق جديدة لم تكن سائدة في القصص المتوارث منذ موباسان أول من خلع على جسد القصة ثوباً فنياً بعد ما تخلصت من ثوب السذاجة، لتنتقل إلى عالم أزياء الكتابة الحديثة المتجددة الباحثة عن أحداث مغايرة، وأمكنة حديثة، وأزمنة مفتوحة، متخلصة من وسم / السببية / المصادفة / المفاجأة / لتكتنز بالسرد الفني الذي يعنى بحسب مفهوم تودوروف بالكشف عن مكنون القصة ويحدد بناءها .. ويخطئ من يظن أن القصة الحديثة هي سرد متقن، ولغة تجريدية، أو هي كوكتيل من فنون الأدب مجرد من الحكاية، أن هذا النوع من الأدب هو نص لا يمت إلى القصة بصلة .. ومن هنا كان بورخيس الذي أثار اهتمام فوكو يعتبر أن قصصه حكايات .. أميل في محاولاتي القصصية إلى اعتماد الحكاية القديمة لإنتاج حكاية جديدة من خلال التزامن، ساعياً إلى مزج الخيالي بالواقعي وتهشيم الحاجز الوهمي الفاصل بين الواقعي والفنتازي، وأسطرة الأحداث المستلة من الحكايات، لينفتح السرد فيشمل الحلمي / الرؤيوي / العجائبي / الغرائبي / أتخفى وراء تعدد الأصوات متخلصاً من قيود السرد النمطي، معتمدا اللغة الشعرية، قاصداً النهايات المفتوحة، متيحاً للقارئ فرصة إظهار الإخفاء للمشاركة في إنتاج القصة .

 

• على مستوى القصة العراقية، ما الذي تطمحون إليه؟

- أطمح أن أكون اسماً لا رقماُ في القصة العراقية . 

 

 

 حاوره: كاظم حسوني

 

faisel abdulhusanحينما تحاور فيصل عبد الحسن ـ الأديب العراقي الكبير ـ تلمس مدى تأثر العراقي الأصيل

iesa alyasiri- بلدي أغدق علّي بالامراض والمُغترَب منحني الكرامة

نamal_awadaجوى شمعون باحثة في العمل الاجتماعيّ من خلال التخصّص في الخدمة الاجتماعيّة كيف تصفين الحالة الاجتماعيّة في غزة على أثر القصف المتكرّر مِن قبل الاحتلال الإسرائيليّ من جهة،

mutham_aljanabi- هل يمكننا أن نعتبر كتابات وأعمال هادي العلوي مشروعا فكريا متكاملا؟

- إن كلمة المشروع من الناحية اللغوية تشير الى ما جرى ويجري التخطيط لتنفيذه.

s3س15- الغرابة تكمن في مثقف ضد السلطة وآخر مع السلطة، كي نجد ميزان الوطن قد تأرجح طوال قرون عربية ولكن كان شديد الوضوح في القرن العشرين،

nahed_tamymi2- تذيبني رؤية طفل بائس او دمعة ارملة او استجداء شيخ وانكسار عراقي

ثمة صوت يخرج من اعماقها ...يشدنا اليها ويسحبنا معها لفضاءات من البوح بركانية حارقة تارة و دافقة بالحب