 مدارات حوارية

ثلاثون عاماً على بوهيميته .. مع الشاعر والأديب سامي العامري (3)

hamodi alkenanisamey alamriفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الشاعر سامي العامري والقسم الثالث من حوار شامل وصريح أجراه معه

الأديب حمودي الكناني، فاهلا وسهلا بهما.

 

س16: حمودي الكناني: هل لك ان تحدثنا عن كوجه مروي وعن الطبيعة في إيران وكيف استطعتَ الخروج من هذا البلد؟؟

ج16: سامي العامري: نعم، في قصيدة عمودية لي بعنوان (لكم الفصول ولي رجع الألوان) كتبتها قبل ثلاث سنوات تحدثتُ فيها عن إيران من بين ما تحدثتُ ونشرتها وقتَها ولاقت أصداءً واسعة في المواقع التي أنشر فيها، هناك بيتان منها:

وصلتُ أرضكِ يا (بَوّانُ) معتذِراً

عن هاجسٍ بيَ لم يذعنْ لأوصافِ

 

فيكِ الثمارُ على أصنافها انتشرتْ

وفي فؤادي أسىً من كلِّ أصنافِ

ــــــــــــ

وكما تلاحظ أكدتُ هنا ما قاله المتنبي بروعة حين زار (شِعْبَ بوّان) وهي أرض إيرانية عُرفتْ بطبيعتها الخلابة وبساتينها الثمراء الغنّاء ـــ

وطبيعة إيران كذلك فهي معروفة بأراضيها الخصبة ووفرة الأنهار وفروعها وجداولها ومناخها المعتدل

وأما عن (كوجه مروي) فهو زقاق فـــ "كوجه" تعني الزقاق وقد أخذ اسمه من احد علماء الدين المعروف بــ"مروي" يقع وسط طهران و يُعتبَر ملتقىً للعراقيين وسوق لبيع وشراء كل ما يخطر في البال وما لا يخطر! وهو مركز للمافيا وبيع الأغراض الممنوعة والتزويرات بإتقان وخبرة وترى فيه البعثي والشيوعي إلى جانب المتدين والمستقل والعربي والكردي والمسيحي والمسلم إلخ ... علاوة على أنه يحتوي على حوانيت تبيع العديد من الأكلات العراقية المعروفة ومن هذا السوق أو الكوجه وبعد مرور سنة ونصف تقريباً على عيشي في إيران اشتريتُ جوازاً مزوراً مع فيزا إلى دمشق بعد أن حوَّل لي أحد أخوتي نقوداً من بلد أوروبي كان يدرس فيه وكان ذلك عام 1984

وفي دمشق بقيتُ شهراً ثم سافرتُ إلى برلين الشرقية آنذاك والتي حوّلتنا بدورها إلى برلين الغربية وهكذا ...

 

س17: حمودي الكناني: ما سر امتعاضك من عراق اليوم عدا ما هو معروف عن النظام والبرلمان والإستئثار بالمناصب والوساطات والإبتزاز والطائفية والفوضى الأمنية؟

ج17: سامي العامري: يا صديقي تحدثتُ وكتبتُ كثيراً عن همومنا الموضوعية كشعبٍ عانى ويعاني من لعنة الحكام وعبَّرتُ عن احتقاري لكل الجهلة والمغرضين الذين يريدون العودة بالوطن إلى الوراء بدعوى الأصالة بينما هم أصلاً ليسوا بأصلاء إطلاقاً ومازلتُ أحس بالتقصير في الكتابة عن هذا الموضوع المُلحّ ولكن إذا تحدثتُ عن بعض خيبتي الشخصية من السلطة الحالية فأقول: أنا لستُ شحاذاً ولكني مواطن وشاعر وأديب يطالب على سبيل المثال بجزء يسير من حصته المقررة في كل الدساتير الكونية والوضعية وأعني المطالبة ببعض حصتي أخيراً من ثروات وطني الغني جداً بنفطه وأرضه الخصبة ولستُ على غرار السُرّاق الحرامية ممن يسرقون الوطن ليل نهار وعلى مرأى من الجميع وصمتهم وعجزهم وأية سرقات؟ إنها محالة فهي رؤوس أموال طائلة وعقارات وغسيل أموال وعمارات وفنادق وحمايات ومزارع ومطاعم عالمية حديثة بل أنا وأنت وبقية المبدعين الشرفاء الذين ذاقوا الأمرّين على يد سلطة الدكتاتور السابق الغاشمة وتحملوا التشرد والفقر والعوز من جهة والمنافي طيلة عقود من جهة أخرى على النقيض منهم، فنحن لا نطالب إلا بما يكفي لضمان حياة مشرِّفة تقينا العوز ولا نحتاج فيها لمِنّة من أي كائن وكذلك تمويل طباعة كتبنا وإبداعاتنا والإهتمام بها فإبداعنا هو حياتنا بأقدس معانيها فكم نحن متواضعون إذ نطالب بهذا فقط مع أننا ووفق مبدأ الأحقية والعدل خليق بكل واحد من مثقفينا الحقيقيين أن يشغل مركزاً مهماً ويكون له موقع متقدم في الدولة العراقية الحديثة ولكنها ليست دولة حداثة بل دولة راكزة في أوحال الماضي وكناسة الموروثات

وهذا ما يفعله النفاق أولاً والعبادة العمياء للنص الغيبي ثانياً دون النظر إلى تطابقهِ مع مقتضيات العصر ونزعته العلمية التي لا تعرف المجاملة على حساب الحقائق

ولهذا فلا عجب أن تولد بين ظهرانينا مسوخٌ مثل القاعدة وداعش ومأجورون من أتباع آل سعود الذين يطلقون الفتاوى المقرفة من صحرائهم ومحمياتهم الأمريكية لتصل تأثيراتها الإرهابية وظلامياتها إلى العديد من البلدان ومنها سوريا البلد الرائع الطيب بأهله وتربته ...

لقد تحول الدين إلى كابوس مرعب بالنسبة للناس عندنا وخاصة المرأة فهي الضحية الأولى له فكيف نأمل بنهوض مجتمعاتنا ونصفها الحي مشلول بل إنه أكثر وطأة من الشلل فهو التعذيب الروحي المستمر ولا يعرف عمق عذابات المرأة كالشاعر أو الفنان .

 

س18: حمودي الكناني: تعني أن السياسي عندنا يخاف المثقف؟

ج18: سامي العامري: بالضبط ويتآمر على قتله أو تحجيمه في أحسن الأحوال وهكذا يئِسنا من السياسي واحترامه للمثقف ودوره الريادي في المجتمع واعتباره فرداً مميزاً يرفع صوته حين يرفعه من أجل الناس والوطن ومن أجل الثقافة، أقول يئِسنا لأن الأنانية والتكالب المخجل على الكرسي والمناصب الأخرى لدى السياسي وادعاء الشعور بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية واحتلال قنوات التلفزيون والفضائيات وإتخامه للناس من خلالها بالوعود الكاذبة من جهة أخرى تسبب وسيتسبب بالمزيد من تدمير الإنسان والثقة به وتدمير البلد واستقراره المنشود وازدهاره بالتالي

فالمثقف الحقيقي يريد وبإخلاص المساهمة الفاعلة في إيقاف مسيل الدماء ونشر قيم السلام وترسيخها والمساهمة في تقرير مصير البلد لكنه يترفع عن التزاحم فأغلب الساسة عندنا انتهازيون ودخلاء على النضال ويجهلون جهلاً مطبقاً معنى السياسة وكيفية قيادة بلد كالعراق فقد تسللوا لمفاصل الدولة عن طريق القرابة والمحسوبية والطائفية، والبطران فقط هو من يفكر بتطبيق مقولة الرجل المناسب في المكان المناسب وأيضاً سؤالنا الخطير للسياسي اليوم ما هي إمكاناتك المعرفية وتجاربك وخبراتك ومدى انفتاحك على ثقافات الأمم الأخرى وهل عركتك السياسة الدولية بما يكفي من أجل الإلتفاتة إلى قيمة العراق الحضارية والإقتصادية وموقعه الإستراتيجي البالغ الحيوية كي تأخذ مركز الصدارة في رسم مستقبله؟

يقول لرئيس وزراء فرنسا في فترة الحرب العالمية الأولى كليمنصومقولة شهيرة: الحرب عملية جادة لدرجة لا تسمح بتركها للعسكريين فقط .

وأنا أقول: رسم مستقبل الوطن عملية جادة لا تسمح بتركها للسياسيين فقط .

وحكامنا الراهنون يستندون إلى غالبية غير متعلمة وقاعدة شعبية تحكمها الأمية والغفلة والأهواء ولم يحصل لها أن مارست شكلاً من الديمقراطية في حياتها اليومية فكيف بممارستها في الحياة السياسية؟ وهذا يطرب الساسة لأنَّ حتفهم في يقظة الناس والشعور التأريخي بالإنتماء لوطن ينتظر من الفرد القيام بدور ما فالمواطنة تعني من بين ما تعني عدم السماح بتكرار مآسي الماضي القديم منه والمتأخر .

 

س19: حمودي الكناني: وظّفتَ عرفَ الديك في العديد من قصائدك ونصوصك فلماذا عرف الديك، هل تجد فيه ما يوحي بالجمال والخيلاء والرفعة، أم إنك شديد الغيرة من الديك!؟

ج19: سامي العامري: كانت عندي عَمّات وخالات وجدة وقريبات يأتين من قرية أبو غريب وغيرها وهن يحملن (صوغة) لنا كأن تكون دجاجة وكثيراً ما تتمثل بديك صغير ونأتي نحن لنطلقه في الحديقة ليسرح ويتبختر متباهياً أمام الدجاجات بصوته المراهق الساذج وهكذا يظل في حديقتنا حتى يكبر ويفور فيتلامع عرفه تحت الشمس أو ينفض غرته من حُبَيبات المطر ثم يقفز على أقرب غصن لتينة أو نارنجة أو سعفة أو شجرة رمان ليصيح بزهوٍ فتردَّ عليه ديوك الجيران وديوك أخرى من أطراف الحي

فهل بعد هذه الأنشودة الحميمة من روعة ورونق وكيف لا يتسلل الشعر إلى وجداننا مبكراً ويستنهض الجماد؟

ــــــ

ستأتيني

وما للفجر داعِ

فحقلي دفتري أبداً

وعرفُ الديك ممحاةٌ

على رأس اليراعِ

ـــــــ

كانت هذه سطوراً من إحدى قصائدي

 

س20: حمودي الكناني: لماذا تحمل على الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقي وعلى وزارة الثقافة بالذات، ما الذي تريده بالضبط وأنت البعيد عن كل إرهاصات المرحلة الراهنة؟؟

ج20: سامي العامري: يا عزيزي الأديب القدير الكناني، رغم تقنية النت والفضائيات وغيرها مما أتاحته التكنولوجيا والذي ألغى الأزمنة والأمكنة وجعلنا قريبين من بعضنا فأنت بلا شك تبقى الأقرب إلى مثقفي الداخل مني والأقرب إلى مؤسساتهم ومنتدياتهم ونشاطاتهم بحكم أنك تعيش في مدينتك كربلاء العزيزة وتزور بغداد وبقية المحافظات كثيراً لذا ورغم تحفظي على مصطلح أدباء الداخل والخارج فأنت ترى نشاطات اتحاد الأدباء والكتاب فهي تكاد تكون مقتصرة فقط على شعراء وأدباء الداخل ناهيك عن عدم اهتمامهم بما يصدر في الخارج من نتاج أدبي وفني ومعرفي وعدم دعمه أو الإعتراف بوجوده حتى!

ثم إن تكيُّفهم مع شكل نظام الحكم الحالي ومحاولات تسويقه وتواطؤهم معه والإكتفاء فقط بالإشارات المائعة الخجولة وغير الجادة لـ (خلل) في أداء أعضاء البرلمان أو وزارة الثقافة هو أمر يبعث الريبة وذلك بتهوين المأساة من خلال ترك الإنطباع بأن مؤسسات الدولة سائرة في النهج الصحيح سوى بعض الثغرات الأمنية والإرهاب وهذا يمكن معالجته وهو يحصل في كل بلد خرج من معمعات حروب ودكتاتورية!!

هذه لغة وعاظ السلاطين فأين هم من سينيكا الفيلسوف الرواقي مُعلِّم نيرون؟ وهي حِيَل وتخرُّصات لا تنطلي إلا على أصحابها الحالمين بمناصب تفوح منها رائحة الدم ومراكز غير مشرفة لأنها مبنية على جثث ملايين الضحايا الذين تحتفظ بهم الذاكرة الجمعية ولكن يبدو أن هؤلاء يبرعون وتتوهج مواهبهم عند تسلمهم منصباً في دولة هي ليست أكثر من مستعمرة لمافيات دولية محترفة وعمائم تخفي تحتها عقولاً متيبسة وقناعات متكلسة فالذي يمنع الشعب من ممارسة أبسط حقوقه وحرياته وملاحقته على شكل ملبسه وشرابه متعامياً عن قول عمر بن الخطاب، ذلك القول الذي يؤسس للحريات الفردية بكل روعة: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟) أقول: أن من يفعل ذلك ويمنع الموسيقى بحجة تعارضها مع الشرع ناسياً موسيقى الكون الإلهية التي تتيه بنغماتها كل صباح بلابلُ وعصافير وعنادل وفواخت ودويّ الرعد وحفيف الشجر وخرير الماء، ماذا ترجو منه؟ وربما سيصاب بالجنون المركّب إذا أخبرته أن نقيق الضفادع ونعيب الغراب وصوت البوم، كل هذه نوتات موسيقية تحتاج إلى رهافة خاصة لتذوقها، رهافة لا يمتلكها من لا يفكر إلا بملء بطنه بأنواع الطيور والأسماك الملوّنة! فهو إذا أراد تذوق الأشياء جمالياً فهنا لا بد له أن يستشير بطنه أولاً!

دعني أضرب لك مثلاً طريفاً ولكنه جاد المضمون ويعرّفك أكثر على طريقة تفكير هؤلاء وطريقة عيشهم

فقد اختلف النُحّاة حول حكم (حتى) وإعراب ما بعدها فقالوا في النهاية بإنه يمكن أن يكون ما بعدها مجروراً ومنصوباً ومرفوعاً ثم جاءوا بمثال هو التالي: أكلتُ السمكةَ حتى رأسِها (بالجر) وحتى رأسَها (بالنصب) وحتى رأسُها (بالرفع)!! لاحظ طريقتهم في التفكير والتلذذ بأكل السمك حتى رأسه!

قل لهم ألم تجدوا مثالاً آخر قريباً ويؤدي المعنى نفسه من بين آلاف الأمثلة كأن تقولوا مثلاً: قرأتُ الكتاب حتى خاتمته أو عبرتُ الجسر حتى آخره؟

 

س21: حمودي الكناني: والآن إلى أي حد أفادك الأدب الألماني والشعر الألماني؟

ج21: سامي العامري: شكراً، الثقافة الألمانية دون شك عميقة عريقة وجذورها ضاربة في عمق هذه التربة التي أحيا عليها وأتنفس أطياف شعرائها الذين غادروا وأحاور أرواحهم فقد كان إعجابي شديداً بمسرحية فاوست منذ البداية وهكذا تكلم زرادشت، وهذان العملان كنتُ أحلم أن أقرأهما بلغتهما وهذا ما فعلته لاحقاً رغم صعوبة اللغة الألمانية وكذلك قرأتُ بالعربية لمفكرين مثل نيتشه وشوبنهاور وكنت وهيكل وهايديجر وأيضاً قرأت باهتمام ومتعة أشعار نوفاليس وريلكه وهولدرلن والعديد من أعمال هيرمان هيسه وهاينرش هاينه وكونتر كراس وغيرهم ولكني بسبب الإرباك الذي أفرزه عالم الإنترنت لم أطلع بما يكفي على الشعر الألماني الحديث والأدب الألماني الحديث إلا نتَفاً من هنا وهناك وعلى العموم أستطيع القول بإخلاص بأن الثقافة الألمانية جزء مهم من مكوّني ولا أنسى عباقرة ألمانيا في الموسيقى .

 

س22: حمودي الكناني: بصراحة بصراحة هل تزعجك قصيدة النثر؟؟

ج22: سامي العامري: لا أبداً ولكن الجدل الذي مازال قائماً حول النص الجديد أو قصيدة النثر هو بتصوري عقيماً لأنه جدل من أجل الجدل لا سعياً وراء الحقيقة وهو بشكله المطروح يريد التعمية على حقيقة أن أغلب كتاب هذا اللون الأدبي يجهلون التراث الشعري العربي وأنا إذ أذكر هذا أشير إلى بديهة تقول أن التشكيل الحديث لا يمكن الإبداع في إطاره والإرتقاء به دون التمكن من كلاسيكياته والأمر نفسه مع الإبداع الموسيقي فالفنان العازف لا يستطيع العزف دون دراسة النوتة وهكذا وقد نجد صياغات ونصوصاً جميلة فيما نطلق عليه بقصيدة النثر الحديثة ولكن هذا نادر لأن الفعل الكتابي هنا غير محكوم بنظام وقواعد وأطُر محددة لذا فلا يمكن تطوير اللغة من داخل هذا الشكل من النصوص ومن ثم الصراع معها من أجل تدفق الصور والألفاظ والمعاني الروحية أو المضامين الفكرية لأنه لا يمكن أن يكون ثمة إبداع إستثنائي دون تحدٍّ له بالمقابل لهذا فهو وفق هذا المنظور يقرب من قانون الفعل ورد الفعل وهي عملية في جوهرها غاية في الجمال والنشوة والشعور المُلذّ بتخطي عوائق جادة وإلا لأصبحت العملية سهلة تماماً كتناول صحن حساء وهي الآن بالفعل كذلك عند الكثيرين حيث الغموض المفتعل والتهويمات والأحاجي وهذا بدوره أساء ويسيء إلى الموهوبين في هذا المضمار الكتابي والحريصين على التألق فيما يتيحه من فضاءات فالحرية لا تعني الفوضى أو العبث وعليه فالأكاديميون على حق حين لا يستطيعون تدريس نماذج منه لطلبة الجامعات مثلاً لأنه لا منهج يحكمه ولا قانون ولو كان شكلياً والقراء معذورون حين يتذمرون من هذا التسيُّب فلغة التراث الشعري تعمق الذائقة ولا تغتفر اللغو والحشو ولا أعني بلغة التراث الوزنَ الشعري فقط وإنما الحذق في اختيار العبارة اللغوية أيضاً وعلاقتها بما قبلها وما بعدها من ناحية المعنى وصوت المفردة ومن جهتي أنا لا أنسب لنفسي هذه الفضيلة أو الميزة كاملة وإنما أكتب النص الحديث أو قصيدة النثر جنباً إلى جنب مع قصيدة التفعيلة والشعر العمودي وهذه حالة هي أقرب إلى المزاج الشخصي ذلك أن قراءاتي متنوعة وحالاتي النفسية أيضاً متغيرة متباينة وعليه فإن هذا لا بد أن ينعكس على طريقة التعبير والرؤية في لحظات الإلهام،

ومن آخر نص نثري أقتطف هذا المقطع لما له صلة بالموضوع الذي نحن بصدده:

قد تضيق ذرعاً بالقيود

وتتوق للحرية دونما عائق

هذا أمرٌ أفهمه

ولكنك لن تخرج بنغمة متميزة

وأنت تخلط مفاتيح البيانو مع بعضها

كما تخلط قِطَع الدومينو!

 

س23: حمودي الكناني: هل لديك الخطير الخطير فيما يخص الثقافة العراقية والعربية لتتحدث عنه للقراء بحرية؟؟

ج23: سامي العامري: شكراً لك، لا ليس عندي ولكن أردتُ أن أقول: بأني لا أحب التطرف في أي شيء، والمسامحة دأبي لهذا فليكتب المرء ما طاب له على أن لا يعتبر الأسلوب الذي يعتمده هو الأصح وهو الشكل النهائي وخلاصة كل التجارب!

فطالما الإنسان باق فالمحاولات التجديدية باقية معه

وأريد هنا بكل محبة أن أدلو بدلوي في تبديد مخاوف وأوهام لدى البعض ممن يكتبون قصيدة النثر وهو أنهم يغضبون أو في أحسن الأحوال يستاؤون حين يطلق أحدٌ على كتاباتهم نثراً أو جنساً أدبياً جديداً وليس شعراً وكأنه يسبُّهم! بينما لو عدنا إلى عدد من الرموز الأعلام في الأدب العربي كالجاحظ وأبي حيان وابن المقفع والهمداني والحريري وغيرهم العشرات لرأينا أنهم لم يكونوا شعراء وإنما أدباء ولكنهم أبدعوا أيما إبداعٍ في مجال كتاباتهم الأدبية عبر مصنفات تفوق الكثير الكثير من الدواوين الشعرية العربية في عصرهم من ناحية قوة المخيلة وروعة الصياغة والبيان وجمالية الأفكار والحِكَم الرائقة والروح التجديدية لهذا فكون هذا النص أو ذاك نثراً أو سجعاً وليس شعراً فهذا ليس إساءة بقدر ما هو تجنيس يتوخى تبويب المعارف وفرز أنماطها ولا يعني الأفضلية أو التفاضل على الإطلاق وكذلك حين ننتقل إلى أدباء المهجر مثلاً نجد أن جبران خليل وميخائيل نعيمة كانا شاعرَين ولكنهما لم يُعرفا كشاعرين بقدر ما عُرِفا كأديبين كبيرين فهل أساء هذا لهما أم أنه رفع كتاباتهما إلى مصاف العالمية وخاصة جبران؟ وما الذي يمكن قوله عن روائع النثر لدى طه حسين والرافعي والمازني والزيات ومي زيادة وغادة السمان وعلى الوردي وهادي العلوي وغيرهم؟

 

س24: حمودي الكناني: قل لنا كلمة أخيرة

ج24: سامي العامري: فيمَ التعالي والتبختر أيتها الطواويس الواهمة؟

حقاً أبقى كثيرَ العجب من القادرين على فعل الخير وجلب السرور للناس ومع ذلك يترددون في فعل ذلك

ولو أدركوا عميقاً أن معنى حياة الإنسان على الأرض تكمن في ما يقدمه من جمال وخير وفضائل لما ترددوا

وقد جربتُ هذا فاكتشفت لذة فريدة أخرى وهي أني حين أقدم جميلاً لإنسان ما فيفرح فأنا هنا أقدّم هذا الجميل لنفسي أيضاً وإلا فما سِرّ فرحي أنا الآخر؟ وعليه فليس لي من فضل كبير على مَن أقدم له الجميل لأنه لم يكن فضلاً خالصاً مني وكيف يكون خالصاً وقد سطوتُ على نصف فرحه أو تقاسمتُه معه!

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

معك حق بالنسبة لنشاط بعض المؤسسات. يتركون لك الفتات و يحجبون كل ما هو مفيد و ثقافي.
الوفود الخارجية لنخبة تتكرر اسماؤها و الندوات العالمية لنخبة اخرى و القبر الخانق الذي اسمه الدور لمن لا يرغبون به.
عانيت من اتحاد الكتاب في بلدي. في فترة وليد اخلاصي سمح لي بإلفاء محاضرة و في فترة نعيم اليافي لم يسمح لي بشيء. و اليوم يطاردونني بطلب الاشتراكات دون حقوق.
اصبحوا فواتير تستحق الجباية و ليس ادبا و لا أدباء.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

استطيع ان انعت هذه المحاورة المستفيضة بكل جوانبها , بالروعة والبساطة والشمولية , لقد كانت متعة ثقافية وادبية , وشكراً للقديرين بهذا الحوار الرائع والمفيد

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الشاعر السكسفون السامي سامي العامري

أبدعتَ في تشخيص الحاله المرضيه في الوسط الثقافي العراقي وقد وصفتَ الدواء ولكن
لا أرى من يعمل به .
أمّا عن موضوع حتى والمثل المضروب لها لقد فاتكَ يا أخي أنَّ الرجل الذي وضع
المثل كان جائعاً وتشهّى سمكةً شبوطاً مسقوفه في شارع أبي نؤاس فلا تظلم صاحبنا .

دُمتَ متألقاً شاعراً ومحاوراً .

الحاج عطا

الحاج عطا الحاج يوسف منصور
This comment was minimized by the moderator on the site

حوار رائع وجميل
تحياتي للشاعر البرليني الغريد سامي العامري وللاديب القدير
حمودي الكناني متمنيا لهما اوقاتا هانئة وسعيدة .

سالم الياس مدالو
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2780 المصادف: 2014-04-16 02:25:52