 مدارات حوارية

يضع الحروف بين فواصله .. حوار مع الاديب والباحث د. علي السعدي (1)

hamodi alkenaniali saediفي الحلقة الاولى من مدارات حوارية يستضيف الاستاذ حمودي الكناني،  الاديب والباحث د. علي السعدي في حوار شامل وصريح

فاهلا وسهلا به في صحيفة المثقف.

 

بين المرئي واللا مرئي ثمة غشاوة، ليست غشاوة على عين وانما غشاوة على كل موضوعة فكر الانسان فيما يتعلق بوجوده كمخلوق عاقل يسهم في رسم محددات ومجددات ديمومة وجوده كمخلوق اوحد عهد اليه ان يبني ويعمر الارض بما ينفعه. وبين الحقيقة واللاحقيقة ثمة جدار فاصل يقف على جانبيه أناس كثرٌ يحملون على عواتقهم طموحات وآمال وهموم الانسان المعاصر الذي اتعبته الايدلوجيات الى الحد الذي حتم على هؤلاء الواقفين على جانبي هذا الجدار إيجاد الحلول أو على الاقل اقتراحها من أجل ألاّ تميد الارض بما اقترف الطغاة ويعم الخراب الابدي لكن ليست كل هذه الاحمال على عواتق هؤلاء متشابهة ومكتنزة مما يجعل حاملوها يقفون على الحياد يهابون لمس الجدار الفاصل بين الامرين .. وهناك من ينوء بحمل ثقيل دسم على عاتقه يحاول ايصاله الى من يهمهم الامر ليتبينوا الحقيقة لا غير ليكون الخلاص مبتغاه .. ولأن الدكتور علي عنبر السعدي هو واحد من هؤلاء المعنيين بكشف الغطاء عما عاناه ويعانيه الانسان لذا وجدت من المناسب أن يقوم بما يفعله الماسح الضوئي لأكشف بعضا مما في جعبة هذا الرجل وكيف ينظر الى حالة الخلاص من الخطايا السياسية التي اقترفها دعاة الايدلوجيات الذين سحقوا من غير رحمة كل من وقف ضدهم .

- علي عنبر السعدي كاتب وباحث في علم الاجتماع السياسي.

- نال جائزة الابداع لسنة 2011من مؤسسة المثقف العربي لمنجزه في الفكر السياسي.

- نشرت له العديد من البحوث والدراسات المخصصة للشؤون العراقية في عدد من الصحف والدوريات العربية والاجنبية . ترجمت بعض كتاباته الى الانكليزية، الالمانية، الايطالية، الفرنسية، الفارسية .

- عضو اتحاد الادباء في العراق وعضو نقابة الصحفيين وعضو شرف في عدد من المنتديات الثقافية العربية . يمتاز بالهدوء وبرود الاعصاب والقدرة على احتواء من يخالفه الرأي، يسأل ويجيب، يبحث ويناقش، يقنع من يقتنع ويحترم من يخالفه الرأي .

 

- صدر له:

1- حزام النار، بحوث في الفكر السياسي العراقي

2-ارصفة ونوافذ، نقدي سياسي

3- العراق الجديد، قلق التاريخ وعقدة القوة

4- صراع الامة والدولة في العراق

5- العراق والمصباح النووي

6- ما بعد الدولة ما قبل الامة

7- العراق، غمد السيف أم درب المعبد، عن المتشكل والمتحول ما قبل الدولة، ما بعد الامة

8- التسويات الكبرى في المقدسات الثلاث، الدين، الدولة، الانسان .

9- السياسة العذراء .مفهوم الدولة في الاجتماع العراقي

 

وله مؤلفات معدة للطبع منها: 

1-   تاريخ الحدث والتاريخ البديل، دراسات في فلسفة التاريخ

2- الرقص على ضريح الكلمات (مجموعة شعرية)

3- الصوت ورائحة المدينة (مجموعة قصصية)

4- الاسطورة في ادب الحداثة (دراسات نقدية)

 

   أتركك صديقي القارئ مع الحلقة الاولى مع الدكتور الباحث علي السعدي وحوارات مدارية في صحيفة المثقف:

 

س1: حمودي الكناني: من هو الدكتور علي عنبر السعدي وما هو عالمه الذي به نشأ ومنه انطلق . وأين رأى النور أول مرة؟؟

ج1: د. علي السعدي: لاشيء في حقيبتي ينتظر السفر - لاشيء في الحقول،كي يقدم المطر - نشأتُ في الحكايا،تروى بغير حساب، ابتدأتْ منذ سنتي الأولى في مسارب الحياة، حينما حاول دجلة الغاضب، أن يلتهمني لأني تجرأت على الاقتراب،لكن أمي انتزعتني عنوة من بين فكيه،وهذا ما تباهت به طوال حياتها .

كانت ترفع ذراعيها نحو السماء كلّ يوم، بطقسها المفضّل مذ وعيتُ الدنيا،أوقات تقضيها في مناجاة لا تنقطع، لم افهم منها حرفاً، ولم أستطع التصوّر كيف لهمسها أن يقطع تلك المسافة إلى السماء، وكيف يسمعها الله وهو في تلك الأعالي، فيما أعجز أنا عن سماعها، رغم وقوفي لصقها محرّكاً شفتي كما تفعل،ورافعاً يدي إلى السماء مثلها .

كانت تتكلم بصوت هامس، كأنها تخاف أن يُسرق منها، لكنها تطلق صرخة هادرة كزمجرة رعد، حالما تراني أتسلّق النخلة في ريح هائجة، أو أتحدّى النهر حين يطغى مجراه ويصخب موجه، عندها يسمع صوتها الراعش يملأ المكان،بل ويسبقني إلى الضفّة الأخرى، التي كانت محاولاتي تنقطع دونها، حتى بعد أن أصبحت يافعاً وأوشكت عضلاتي أن تكتمل.

منتصف النهر،هي أقصى مسافة وصلت إليها، لذا تحوّل حلم الوصول إلى الضفة المقابلة،كابوسا يقتحم يقظتي ويؤرق منامي .

شيطان العبث يتلبّسني أحيانا، فأجد لذّة في إخافة والدتي، وبفرح طفولي، انتشي بسماع صوتها الحادّ المرتعب، لكني أشعر بالندم حينما أرى الألم وهو يحتلّ مساحة وجهها، الذي ظلّ محتفظاً بجمال آخاذ تحسدها عليه النساء، فأطلب منها الصفح واعداً إياها بالتوبة عمّا أفعل.

كان دجلة يسخر مني، يتركني أخوض في مجراه منتشيا بقوة عضلات أتحسسها كلّ صباح مراقباً كيف تنمو، لكنه يلفّني فجأة بين ذراعيه ويغرف الماء ليملأ فمي وأنفي، بعدها يقذفني وأنا أجاهد عبّ الهواء على رمال شاطئه الناعمة، ألاحظ ضحكته العابثة، تلامسني موجة بأطراف أذيالها، فأجرجر أقدامي خجلاً.

رافقتني الحكايات عن عبد الشط والطنطل والملائكة والملوك والعفاريت والعيارين والشطار،والأمثلة عن (صويحب الله مطكَكَ) و(مثل قسمة الله – ناس بالقطارة وناس بالكرك)،والتنويمات الساحرة والأهازيج والهوسات والإشعار،حتى أصبح الذهن مغناطيسياً متوقداً، وهو ما أنعكس على شخصيتي طوال حياتي،كانت لي ذاكرة غريبة،تجعل زملائي يتراهنون في أن أقرأ الصفحة مرة واحدة، ثم أعيدها حرفياً،كنت أتذكر حتى موقع الكلمة من الصفحة، ذلك ماجعلني (أزحف) أي أنقل من الثالث إلى الرابع في منتصف العام تقريبا،ثم نلت المرتبة الأولى في الصف الجديد،لكن الذاكرة تراجعت في المراحل اللاحقة من مشواري الطويل في المجال الدراسي، لتحل محلها القدرة على الابتكار والتعامل مع الفكرة،التي وقف أمامها أساتذتي حائرين بين قبول ما أطرحه دون الاعتماد على مصادر ومراجع باعتباره تأسيساً، وبين مطالبتي بالإلتزام المنهجي .

ولدتُ في الشاكرية في بغداد وهي ما تعرف بالمنطقة الخضراء حاليا،فقد أثرت في موضعين :شهدتْ أيامي الدراسية الأولى،ومرتع الطفولة التي مازالت حاضرة بكل تفاصيلها وكأنها موشومة في الذاكرة،وتعرّفي إلى معلمي الأول في الابتدائية، الرجل الوقور الأشيب المحني الظهر قليلاً، كان يرسل ورائي لأحلّ مسألة رياضية في صف أعلى بسنتين، ثم يؤنب التلميذ في ذلك الصف، الذي عجز عن حلّ تلك المسألة .

كان يحدثنا عن نيتشه وزوربا وسبارتاكوس وسرجون، وعن حقوق العمال والفلاحين، وإرث سومر وبابل،ليجعل من دروسه متعة تبهرنا،كان مرجعنا في كل ما يخطر في أذهاننا،يجيب على أسئلتنا المتلاحقة بصبر ودماثة،معظمها عن الله موضع اهتمامنا الأكثر حضوراً،كنا نسأله بعد أن نسمع منه حكاية الثعلب وسرقته للدجاج :أستاذ،هل سيعاقب الله الثعلب، فيجيب :نعم يا أبنائي،سيعاقبه حتما، فنعود للسؤال :وهل سيعيد الدجاجات التي سرقها الثعلب؟؟فيجيب مبتسماً: (هاي شويه صعبة) .

ذلك هو عالمي الذي به نشأت ومنه انطلقت .

 

س2: حمودي الكناني: كيف بدأت الدولة وكيف تطورت وماهي العلاقة بين الحضارة وثلاثية الماضي والحاضر والمستقبل؟؟

ج2: د. علي السعدي:- بدأت الدولة بالمنظِّمة ثم المتحكّمة لتتراجع إلى الحاكمة نزولاً إلى " الخادمة " ثم الدولة / الحَكَم كما تشير ملامح المستقبل .

- كانت مرتكزات دولة التحكّم: القوّة، الغريزة، الخوف – أما مقومات دولة المستقبل فهي : العقل – الإدارة – الإشراف .

- بدأت الحضارة طفلاً مطيعاً مقتنعاً بلعبته، وقد تنتهي طفلاً مشاكساً يكسر لعبته .

- مقولات العودة إلى دولة الدين أو دولة القوّة، لم يعد لها نصيب في حسابات المستقبل .بإمكان العراق أن يكون الدولة / الحَكَم، ليس في الداخل وحسب، بل في المنطقة والعالم .. " المستقبل للبرابرة " ذلك ما أجاب به أحد أشهر الإقتصاديين العالميين في معرض تعليقه على موضوع يتعلق بأزمة الإقتصاد العالمي، لكن من هم البرابرة التي تنبأ ذلك الاقتصادي لهم بامتلاك المستقبل؟ وبناء على أية معطيات بنى مقولته؟

البرابرة مصطلح أطلقه اليونانيون على القبائل غير المتحدثة باليونانية، ثم على الفرس، بعدها وصف الرومان به القبائل الجرمانية، ثم اتخذت منحى آخر حين ألصق بالغلظة والتوحش التي عرفتْ بها الشعوب المرتحلة خارج قوس الحضارة، أما اليوم فهي تكاد تقتصر على وصف الشعوب ذات التكاثر المتسارع التي باتت تشكّل العبء الأكبر على مسارات الحضارة البشرية – خاصة الغربية منها - .

المتابع لسيرورة الحضارة في تعرجاتها وخطوطها البيانية، سيخرج بخلاصة مفادها : إن الحضارة بدأت طفلاً مطيعاً مقتنعاً بلعبته،لكنها قدتنتهي طفلاً مشاكساً يكسر لعبته .

فماهي لعبة الحضارة /الطفل؟ وماهي أدوات كسرها أو تدميرها؟ هل هي الحرب؟ أم الدولة؟ أم المكتشفات؟ أم المعتقدات؟ ثم من سيكون أول الضحايا؟ العدل أم القانون؟ ومن هو أول الرابحين الإنسان أم الدين أم الدولة؟

تلك أسئلة تحتاج إلى الكثير من التأمّل والكثير من البحث والمتابعة في الوقت عينه،ثم صياغة المستخلص في نتائج متحصلة تبتعد عن التنبؤ أو الرجم في الغيب،فذلك ليس من مهمات علم التاريخ ولا علم الإجتماع كذلك،وهما الحقلان الأكثر قابلية لمحاولات القراءة والإستقراء في عالم المستقبل وتطورات الحضارة .

لكن الأهمّ في البداية هو تحديد مفهوم الحضارة، كيف يمكن الحكم على هذه المرحلة أو تلك من عمر البشرية بأنها مرحلة حضارية؟ .

عكس ماقد يبدو شائعاً في سهولة تحديد المعنى، إلا أن النظرة الممعنة في مراحل التطور الحضاري، تظهر بجلاء إن ليس هناك من مقاييس محددة يمكن من خلالها القول بسيادة الحضارة في حقبة ما، إذ يواجه الباحث سلسلة من المتضادات التي تجعل الحكم متعذّراً أو ليس متيسراً على الأقل، لذا تتم الإستعاضة عن ذلك بمجرد الوصف الظاهري لما وصلته أمّة كانت سائدة في مرحلتها وبالتالي أرست أو حاولت إرساء ثقافتها وأنماط سلوكياتها بل ونشر معتقداتها الدينية، باعتبارها المقياس الأصحّ والأصلح لما ينبغي أن تكون عليه الحياة .

على ذلك فمن المستحسن الحديث عن تطورات المستقبل من دون ذكر مصطلح " الحضارة " كي لايدخل الإلتباس طرفاً في المعادلة، ذلك لأن الحضارة توحي بالتمدن حصراً وبالتالي ترتبط بمجموعة من السلوكيات المضبوطة بقوانين ونظم تحدد أو تجبر الإنسان على الإلتزام بها،ونظراً لماتوفره المدن من أسباب الرفاهية،وحاجة الإنسان لإقامة شبكة من العلاقات المتداخلة في مستوياتها وضروراتها، ما يستوجب طباعاً فردية وجمعية تستجيب لهكذا نوع من العلاقات، لذا عنت "الحضارة " سلوكاً متمدناً وقدرة على التعامل مع البشر والمكتشفات وارتفاع مستوى التعليم واكتساب المعرفة والتقيد بالقوانين - الخ.

تلك مواصفات مرافقة للإنسان الحضاري، لكن المدنية أفرزت بدورها سلسلة من " الأمراض " الاجتماعية المزمنة كالنشل والغش والإحتيال والإغتيال والتآمر ماشابه، حيث تكون جزءاً رئيساً من شخصية المدن وملامحها المكوّنة،فيما يقلّ ظهورها في الأرياف أو البوادي لبساطة الحياة فيها وسيرها على وتيرة تكاد تكون متشابهة حيث إلتصاق الإنسان بالطبيعة عيشاً وسلوكاً .

على ذلك فالحديث عن "الحضارة " سيكون شائكاً وملتبساً، أما المستقبل فهو الضيف الذي لم يحضر بعد، لكنه الأكثر إشغالاً للماضي والحاضر معاً،حيث يقدّم الماضي له وصفاً،فيما يرسم الحاضر ملامحه العامّة، ليكمل الفكر بقية الصورة .

المستقبل هو الوحيد من بين الأزمنة الثلاثة، الذي يحمل معطى إحتمالياً يتضمن ثنائية الموت والحياة والغياب والحضور في آن، ذلك لأن الماضي زمن ميت وإن استحضرناه، والحاضر زمن يرقد عليلاً موشكاً على الموت وإن عالجناه،لكن المستقبل مولود ننتظره بشغف لأننا لانعرف على وجه التحديد إن كان سيأتي معافى صحيحاً أم مشوهاً كسيحاً،الإ انه في كلّ حال لن يولد إلا بموت الحاضر، وعندها فقد يورث بعض ركائز الحاضر ليبني عليها إن كان فيها مايصلح للبناء، وقد يهدمها ليبني من جديد وتلك ستكون المهمة الأصعب في كون المستقبل " عصامياً " لايملك سوى أن يشقّ طريقه بإمكاناته الذاتية،من دون أن يكون وارثاً ليتمكن من تطوير نفسه والبدء من نقطة انطلاق متقدمة، ذلك لأن الحياة ستسبقه بمراحل وتتركه خلفها يجاهد للحاق.

الماضي قد يكون الأسوأ فيما واجهناه، لكنه الأجمل فيما عشناه، فهو الطفولة في يفاعتنا، واليفاعة في شبابنا، والشباب في كهولتنا، والكهولة في شيخوختنا، أنه الشيء الذي لايعوّض، قد يعيد الزمن بعض ما شهدناه،لكنه لن يعيد أبداً ما فقدناه، ولما كانت الأرض والإنسان يتشابهان في خاصيّة واحدة " الشيخوخة " فيما تمتلك الشعوب والمدن خاصية أخرى مغايرة " التجدد" لذا يقف الإثنان على طرفي نقيض،فالشعوب تجدد طاقتها وتطور معرفتها كي تساعدها في الحفاظ على ديمومة التجدد،لكن ذلك سيكون مرفقاً حتمياً بزيادة مطردة في السكان وتوسع دائم في المدن، مايعني استهلاكاً أكثر لموارد الأرض مع ازدياد التلوث وارتفاع درجات الحرارة وغيرها من المشكلات البيئية الناتجة عن نشاط البشر في سعيهم نحو التطور .

 إذا استندنا إلى تجزئة المستقبل في مراحل ثلاث: قريبة، متوسطة،بعيدة، فإن القريب منها يشهد تراجعاً ملموساً لهيمنة الدولة وإعادة صياغة لمهماتها، أما المتوسط،فقد تتحول فيه الدولة من الحُكْم إلى الحَكَم وذلك بعد أن تفقد ميزة التحكّم.

تراجع الدولة عكسياً، يتناسب مع نمو السكّان وتعقيد وسائل العيش، فأكثر أنواع الدولة تحكّماً، هي تلك التي شهدتها عصور ماقبل الميلاد حين كانت أعداد سكان الأرض بأكملها تتراوح مابين 100/ 150 مليوناً، فيما الإمبراطورية الأكبر من نوعها (الرومانية) التي امتدت على قارات ثلاث، لم تكن تتجاوز ال 50 مليون نسمة،أما عدد العرب الذين بدأوا عصر الفتوحات، فما كان يزيد عن 10/ 15 مليون نسمة حسبما تذهب التقديرات .

في كلّ تلك العصور ذات البناء الهندسي من حيث التكاثر السكاني، كانت الحضارة تتطور صعوداً في مستوى منجزاتها الصناعية وابتكاراتها ووسائل تواصلها وتبادلها التجاري والثقافي وماشابه، فيما تراجعت الدولة من المتحكّمة في الإمبراطوريات، إلى الحاكمة في الممالك والجمهوريات، ثم إلى الخادمة في الديمقراطيات، ومن ثم قد تصل إلى مرحلة : الدولة / الحَكَم .

القبضة المتحكّمة للدولة كانت قد بدأت بالتراخي،مذ توسعت الإمبراطوريات القديمة درجة باتت فيها عاجزة عن فرض أنظمتها وقوانينها بالقوّة وحدها،وبعدما كثرت الثورات و الفتن والإنتفاضات ضد الهيمنة الإمبراطورية، لذا لابد من عامل تجديدي يمنحها زخماً آخر.

 الدين هو "فن " الحضارة و"بطلها" الأكثر فتوة وبأساً،فيما الدولة مُخرجها الأكبر،أما مسرحها ونظارتها وضحيتها كذلك، فهم جموع الأمم والشعوب .

 لقد جاءت الإمبراطورية الأكدية بالتوحيد تحت راية الإله الشاب شديد القوّة "مردوك " وهو ماتبنته من بعدها الإمبراطوريات الرافدينية وإن ظهر بتسميات وأشكال أخرى كآشور ونمرود وغيره، كما استندت الفارسية على الزرادشتية التي منحتها ثلاثة قرون من التوسع، فيما وجدت الإمبراطورية الرومانية في المسيحية مصدر تجديد مدّها بعوامل البقاء، ثم جاء الإسلام بدولة متحكّمة كذلك استمرت مايقرب من ثلاثة عشر قرناً بتنويعاتها وأشكالها .

كانت الخلافة العثمانية هي آخر شكل للدولة المتحكّمة، قبل أن تدخل البشرية طور الدولة الحاكمة التي مازال بعضها مستمرّاً بتصنيفاتها المختلفة (ملكيات،جمهوريات – أميريات - الخ) ثم الدولة " الخادمة " في عصر الديمقراطيات .

لاشك أن العرض العام لمسار الدولة عبر التاريخ، لايعني تنميطاً تراتبياً، فمن بداهة القول إن كلّ مرحلة انتقالية، تحوي كذلك نماذج من الأشكال القديمة للدولة، فيما يأخذ الجديد شيوعه وانتشاره ليحمل السمات الرئيسة لوصف هذه المرحلة أو تلك من عمر الدولة، لكن القديم يأخذ بالتلاشي والزوال كلما زادتْ وتائر الأنماط الجديدة بالعمل والرسوخ .

الدولة المتحكمة والدولة الحاكمة يجمعهما نظام الإستبداد، وفيما تلاشت الأولى، وتراجعت الثانية وصولاً إلى طور الإنهيار الشامل، تُظهر الديمقراطية إنها قد أنجزتْ مهمتها وباتت بحاجة إلى التجديد كي تضمن استمرارها، مايعني أن الدولة كمفهوم ودور، يتطلب مراجعة جذرية تستنبط من خلالها أشكالاً جديدة .

إن الخروج من أزمة الدولة يتطلب فكراً جديداً مغايراً لما هو سائد، لكن المفاهيم والإجتهادات مازالت تتمحور على شكلين رئيسين : العودة إلى دولة دينية لإيجاد الحلّ المنشود،أو إعادة إنتاج لدولة الإستبداد باعتبارها الوحيدة القادرة على ضبط إيقاع التكاثر المفرط للسكان والإنهاك المتواصل للموارد .

لكن كلتا النظريتين لايأخذان في الإعتبار إن ذلك لم يعد ممكناً ولا متاحاً كذلك، صحيح إن الدين سيزداد انتشاراً بشكل طردي مع تكاثر البشر وقد يكون الرابح الأكبر في هذا الجانب، لكنه سيأخذ شكلاً إيمانياً بحتاً (فردياً / مجتمعياً) لا إمكانية لاستثماره في مجال إعادة دولة الإستبداد، ولا إقامة دولة العدل أو الحرية كذلك،وهو مايظهر جلياً في التراجع المطرد لحركات الإسلام السياسي وإخفاقها في إقامة دولة حديثة .

ملامح دولة المستقبل ترتسم على شكل حَكَم يتفرغ لفضّ المنازعات بالتفاهم والقبول، وهو مايحتمّ أن تقوم الدولة على مهنيين متخصصين، إنها شبه بطبيب يلجأ إليه الناس عند المرض، أو ربما يمثل " الفريضة " في العرف العشائري،نموذجاً مصغّراً لما ستكون عليه الدولة / الحَكَم، فحكمه مقبول غالباً بين المتنازعين رغم أنه لايمتلك مايمكّنه من فرض ما حكم به،سوى سلطة معنوية متأتية من اشتهاره بالحكمة والعقل والقدرة على قول كلمة الحقّ، في وقت يكون فيه محايداً ومترفعاً عن الغايات الشخصية أو الفئوية وبالتالي موضع ثقة .

على ذلك تتراجع تأثيرات الأحزاب والتجمعات السياسية في دولة المستقبل، إذ ستصبح هذه التشكيلات من أدوات الدولة الحاكمة بأشكالها القديمة، ومن ثم فاستمرار تأثيرها يفقد الدولة الحديثة أهمّ ميزاتها في كونها (دولة تنظيم لا دولة نظام) .

وهكذا في وقت تتجه فيه الدولة لتصبح " ديناصوراً " يوشك على الإنقراض،يتهيأ " البرابرة " وهم جموع الناس المتكاثرة، لإنتاج دولة تشرف على تنظيمهم وتكون صالحة للاحتكام إليها بعد أن تجبرهم الحياة وتنهكهم المحن وشحة مصادر العيش وعجز (الدولة / الخادمة) المتواصل عن تقديم الخدمات،وبغيرذلك يمكن وصف الحضارة بأنها بدأت طفلاً نشطاً قانعاً بلعبته، لكنها ستنتهي طفلاً حانقاً يكسر لعبته .

في هذا الجانب، قد يمثل العراق نموذجاً لإمكانية الإشتغال على مفهوم الدولة / الحَكَم، التي ستتكشف عن خيار يبدو ضرورياً لتجنب ماقد يكون أسوأ إذا استمر النهج الحالي في إمتهان فكرة الدولة وإبقائها في المنطقة الرمادية، وبعكس ماهو ظاهر، فإن الوقت ملائم للعمل على تهيئة مستلزمات (الدولة / الحَكَم) لتتحول من فكرة تُطرح إلى بناء يقام، فالعراق القوي بذاته الضعيف بسياساته، بإمكانه أن لايكون منحازاً وليس محايداً في الوقت عينه،بل دولة يحتاجها شعبها كما يحتاجها العالم بصفتهاحَكَماً،أما أهم مواصفات تلك الدولة فهي : دولة الحقوق - لادولة الحقيقة - لا أقلية تحكم، لا أكثرية تهمين -نواة - لا دواة - أما صياغتها فعلى الشكل التالي: تراجع الحقيقة لصالح الحقوق - تراجع الحقوق لصالح الحقّ - تراجع الحق لصالح الإنسان.

 

حاوره: حمودي الكناني

صحيفة المثقف

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

ليس بالغريب وﻻ الجديد على استاذ متمكن
من ادواتة في ادارة الحوار فاننا سوف
نستمتع بالمتابعة تمنياتي لك بالتوفيق
الاستاذ حمودي الكناني

داودالماجدي
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العزيز الاعلامي داود الماجدي شكرا لك ان تكون هنا معنا ل تستمع بهذه الجولة السياحية مع الدكتور علي السعدي ..... تحياتي الحارة

حمودي الكناني
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذنا الاديب الكناني ، كنت محاورا يقظا ، يعجبني اختيارك للكلمه ، التي سبرت غور الباحث الكريم من طفولته الى الحاظر المؤلم الذي يعيشه ونعيشه معا ، المدنية التي وصفها الدكتور السعدي بالموبقات كلها ، نئن تحت اوزارها ، ونحلم بمستقبل لدولة الحقيقه والحق معا
لكما كل التقدير
مع الود

عزيز كاظم
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذي الكريم عزيز كاظم تحيات واشواق , الدكتور علي السعدي باحث متمكن في الواقع العراقي لا تمل حديثه وهو كنز ثمين جدا ...شكرا لك على متابعتك للحوار وفي الحلقات القادمة متعة كبيرة .

حمودي الكناني
This comment was minimized by the moderator on the site

اساتذتي الاعزاء
لقد كانت مفاجئة سارة من الاديب والباحث القدير . د علي السعدي , حين تحدث عن ذكريات طفولته , في منطقة ( الشاكرية ) والسباحة اليومية ونحن صغار في نهر دجلة وحكايات امهاتنا بتخويفنا من السباحة في نهر دجلة , لان موجود ( عبد الشط يجرنا ويغرقنا في النهر , كأنه يتحدث عن ذكريات طفولتي وخاصة وان الاستاذ العزيز ابن منطقتي ( الشاكرية ) وجائز جداً كنا في نفس المجموعة حين نسبح في النهر القريب من محلتنا ( الشاكرية ) ولكن طوال السنين ضاعت ملاحنا الصغيرة , ولكن اقول الى صديقي العزيز , بان بيتنا كان قريب جداً من بستان شاكر , نحن في نهايته بالضبط , وبدايته من الشارع العام الذي يقع فيه القصر الجمهوري , الذي كنت ادخل له كل يوم لان احد اقاربي فلاح فيه , يجمع الحشيش لعلف الحيوانات

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي الاستاذ جمعة :تحياتي - ما أذكر من شلتنا وقتها :بشير - صالح واخوه علاوي - محمد واخوه علي - وليد - إزغير (زغيرون) مهدي (كَواشي) كما نطلق عليه - وأذكر ان جمعة كان يكبرنا بحوالي سنتين - وقد انتقلنا بعدها الى الثورة وسكنا في اماكن متقاربه -ولم ألتق من كل اصدقاء الطفولة سوى مع صالح الرسام وذلك قبل بضع سنوات وهو الان يسكن البصرة - أما بيتنا - وهو كما تعرف من الطين اسوة بغيره ، مدسوساً بين النخل- فقد كان بين القصر الجمهوري والمسّناية التي قرب القصر المالكي او قصر الوصي على ما أذكر- واتمنى ان تكون أنت جمعة ذاته - رغم اننا لم نكن نحبه كثيراً لأنه يسبح افضل منا ويتباهى علينا بذلك- كما أذكر هادي السباح الماهر الذي يحضر من مكان بعيد - يالها من أيام ---

علي السعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

اتمنى ان الاخ جمعة يظهر هو نفسه جمعة الذي كان يشبعكم ضربا ايام زمان ايها المشاكسون الصغار .... وعلى قول الاغنية ( والله وكبرنا بسرعه .. والعمر راح نودعه ) تحياتي واشواقي للكاتب والناقد الجميل صديق الجميع جمعة عبد الله والله يرحم ايام زمان كانت رغم الفقر والعوز من اجمل ايام العراق واهله

حمودي الكناني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2800 المصادف: 2014-05-06 13:11:34