 مدارات حوارية

يضع الحروف بين فواصله .. حوار مع الاديب والباحث د. علي السعدي (3)

hamodi alkenaniali saediالحلقة الثالثة من مدارات حوارية حيث يستضيف الاستاذ حمودي الكناني، الاديب والباحث د. علي السعدي في حوار شامل وصريح

فاهلا وسهلا به في صحيفة المثقف.

 

س5: حمودي الكناني: ما هي الخصوصيات البنيوية للمجتمع العراقي وهل له ان يتخلص من هيمنة العشائرية والمناطقية؟؟

ج5: د. علي السعدي: للمجتمع العراقي خصوصيات بنيوية تراكمت عبر أزمنة طويلة نتيجة لما افرزته جدلية الجغرافيا والتاريخ، وقد تجذرت تلك الخصوصيات بالتفاعل مع سيرورة امتلأت بوقائع وأحداث وشمت العراق أرضاً ومجتمعاً، ومازالت تضرب عمقاً في تحولاته الراهنة سلباً أوايجاباً، فذلك الوادي الخصب، اوقعته "قرعة" الطبيعة بين صحراء قاحلة في جنوبه ومعظم غربه، وجبال وعرة في شماله ومعظم شرقه، الامر الذي جعله محط رحال لأقوام وفدت اليه من مختلف جهاته، فتصارعت عليه وأندمجت او تعايشت فيه، ثم لتنشأ حضارات تزدهر وتنهار في متواليات لا تنقطع، ولأنها أرض مفتوحة ومغلقة معاً، معطاء وقاحلة، مطيعة وشرسة، لذا تركت بصماتها الغريبة على تشكل مجتمعي تتداخل فيه عوامل التآلف والأنقسام في تفاعلات دائمة الحضور تنتج مصادر قوتها ومسببات ضعفها في الوقت عينه، مما خلق وضعاً متحركاً لتجمعات سكانية تحمل جينات التعلق بوطنيتها حد التعصب تارة، والإنشداد نحو ولاءات فرعية يختلط فيها "مطر" الداخل و"رياح" الخارج تارة اخرى، ليخلقا من ثم تلك المشكلات النابعة من خصوصية مسلكية تكونت بفعل امتزاج بداوة حملت معها أنماط عيشها وتقاليدها التي لا تنتظم بسهولة في سياق المفاهيم المعروفة لبناء الدولة الحديثة الإ ضمن شروط ومتطلبات عالية الاداء، وحضارة مدينية عجزت في الغالب عن صهر ذلك التنوع المجتمعي ضمن هوية وطنية واحدة تجعله مصدر قوة ومرتكز للبناء، لا عامل قلق وتوترات، كما آلت اليه النتائج اللاحقة .

إن التفحص الموضوعي لحيثيات نشوء الدولة العراقية المعاصرة، والظروف التي رافقت أو ساهمت في ذلك النشوء إستناداً الى المفاهيم الحديثة في تكونّ الدول، سيفضي الى أن مفهوم الدولة بمعناه المعاصر ربما لم يعرفه العراق، ومرد ذلك الى أن المرتكزات الأساسية لتكون الدولة ـ الشعب والأرض والسلطة ـ لم تنصهر يوماً في تفاعل حي، إذ بقيت تعمل بمعزل - في الجوهر- كل عن الأخرى، فالدولة بما تعنية من مؤسسات وهيئات رسمية وأهلية وحكومة ومعارضة وأحزاب، إختزلت بسلطة الفرد الواحد، أما الشعب وبما تتضمنه الكلمة من حقوق وواجبات ومشاركة وهوية سياسية وثقافية وغيرها، فقد أختصر هو الأخر الى "رعايا" أو عشائر يسيّرها العرف وتحكمها الجغرافيا وما تصنعه من أنماط عيش وسلوكيات، وهذه ايضاً لم يكتب لها النجاة من جور السلطة التي إحتكرت موارد الأرض لصالحها وجندت الشعب لحروبها .

إن معادلة (الإستخدام – القمع) من جانب السلطة (والخوف – النفور) من جانب الشعب هي التي حكمت العلاقة بين هذين العاملين فدفعت الجغرافيا بدورها الثمن

(سيادة ضائعة وثروات مهدورة أو منهوبة) لذا فمن المتوقع والحالة هذه أن تنفصم عرى الكيان الوطني الواهنة أصلاً أمام "حرارة" الأحداث سواء الوافدة منها أم الداخلية الخالصة، وتعود الروابط الكامنة أو القائمة فعلاً الى الظهور بقوة لتكون لها الكلمة الفصل في حياة الأفراد كما في حياة المجتمع .

إن الفكر السياسي الذي ينعكس ممارسة سياسية يتبلور بداخلها شكل الحكم ومكون الدولة، هو العامل الأبرز في الأنتقال من عرف العشيرة الى مفهوم المواطنة، وهذا الفكر لا يجد تمظهراته وفرصه للتطور والإرتقاء، سوى داخل مشروع الدولة حصراً، ولما كانت العشائر التي تشكل الكتلة الأكبر من المجتمع العراقي لا تحمل في موروثها تجربة سياسية يمكن الإعتداد بها، نتيجة لاسباب ذات منشأ وجذور تاريخية مختلفة، لذا ترك هذا الواقع بصماته الواضحة، ليس على المجتمع المديني وحسب، بل على مشروع الدولة برمته، ذلك لأن العشائر لكثرتها ورسوخ تقاليدها هي التي أثرّت في المجتمع المديني الضعيف بدوره سياسياً والمتخلف إقتصادياً، ولم يحدث العكس كما هو مفترض، وهذا ما سحب نفسه على بنية الأحزاب والحركات العراقية التي رفعت شعارات الحداثة والتطور وسيادة القانون إلا أنها لم تتجاوز سقف العرف العشائري .

وبعد الاطاحة بالنظام السابق في التاسع من نيسان 2..3، تركز الاهتمام على العشائر العراقية كبنية إجتماعية مازال لها موقعها وتأثيرها الكبيرين الذي لا يمكن تجاهله عند البحث في المآل النهائي للتركيبة العراقية .

لقد تركز الاهتمام على العشائر العراقية كبنية إجتماعية مازال لها موقع وتأثيره لكبيرين لا يمكن تجاهلهما عند البحث في المآل النهائي للتركيبة العراقية، بدءاً من التشكلات الأولى للمجتمع العراقي مابعد الإسلام، مروراً بالعصور المتعاقبة لدولة الخلافة، وصولاً الى قيام الدولة العراقية المعاصرة في الربع الأول من القرن العشرين .

لقد أوليت العشائر العراقية في العصر الحديث وما قبله، إهتماماً يكاد يكون إستثنائياً من قبل الباحثين والدارسين والقوى السياسية على مختلف مشاربها وإتجاهاتها، حيث جرى العمل على إستقطاب تلك العشائر وكسب تأييدها ليحتلّ مكاناً بارزاً في المشهد العراقي، فما هي العوامل التي دفعت الى إحتساب ذلك الأهتمام؟ وكيف حافظت تلك العشائر على تماسك بنيتها الإجتماعية وأهميتها السياسية بعد مرور أكثر من ثمانين عاماً على قيام الدولة العراقية الحديثة؟ وما هي نقاط قوتها وضعفها على هذا الصعيد؟ ثم ماهو الدور المتوقع أن تقوم به العشائر في عراق المستقبل، ومن يرسم حدود هذا الدور وكيف؟

من المتعارف عليه عند دراسة أوضاع الدول التي تلعب الروا بط القبلية دوراً فاعلاً في بنيانها المجتمعي كما هو عليه الحال في بلد كالعراق، أن تلك الروابط لا بد أن تدخل عليها تبدلات جوهرية تؤدي في خاتمة المطاف الى ضمورها التدريجي المترافق مع تقدم مشروع الدولة وإحلال مفهوم المواطنة بمعنييه السياسي والحقوقي محل الإنتماء القبلي، وتزداد نسبة التسارع الطردي بين نجاح الدولة في مشروعها بأبعاده المختلفة وبين العوامل ذات التأثير في الرابط القبلي، أي أن دائرة الإنتماء تبدأ بالإتساع لتشمل بين ظهرانيها تلك المركبات الاجتماعية بمكوناتها البسيطة التي لا تحتاج بالضرورة الى نظم ودستور وقوانين مدونة تحدد سلمّ الحقوق والواجبات وتراتبية الأفراد، لتنخرط من ثم في مفهوم أشمل وأكثر تعقيداً هو مفهوم الدولة التي تنظم الأجتماع العام على أشكال دستورية و قوانين مشتركة يرتضيها المجتمع لتسري مفاعيلها على جميع المنضوين تحت راية هذا المفهوم الذين يتحولون تبعاً لذلك من منتسبين الى مواطنين ومن مجاميع بشرية تضمها الجغرافيا ويسيرها العرف، الى كيانية وطنية ذات محتوى سياسي تتفاعل فيها مرتكزات ثلاث– الأرض والشعب والدولة، ويعبر عنها بمصطلح " الوطن " حيث يأخذ كل من هذه المرتكزات وظائف تكاملية مع الأخر، فالجغرافية تشغل حيزها في خارطة سياسية ذات حدود معترف بها يسكنها شعب له هوية وسمات خاصة ينتدب حكومة من أبنائه لتكون حارسة على أمنه وحقوقه وسلامة ارضه، ويتم ذلك بعد أن تعاد صياغة العلاقات العشائرية على أسس ومنطلقات جديدة بحيث لا تعود تشكل بذاتها ولذاتها مكسباً رئيسياً لدور أو مكانة سياسية، يأتي ذلك كنتاج طبيعي لمسار عام من التطور في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأية محاولات لإسقاطات قسرية ستؤول لامحالة الى محصلات كارثية تطا ل بأضرارها مشروع الدولة وتماسك المجتمع على حدّ سواء .

هذه المفترضات على بديهتها لم تجد تجسيدات منظورة في الواقع العراقي المعاصررغم إمرارها من مرشحات أريد لها أن تتحول الى مصاهرجبارة يكون منتوجها سبيكة (قبلية) من أرومة واحدة تغلف بإطار عصري للحزب الواحد أو القبيلة الموحدة، ولكن هذه المحاولات كانت أشبه بعملية قيصيرية أودت بالحامل والمحمول معاً.

وبالإقتراب من تفكيك الأسئلة أعلاه الى عناصرها الأولية، لابد من نبش جذور المسألة، إذ أن غالبية المكونات الرئيسة للشعب العراقي تنتمي بإصولها الى قبائل عربية دخلت العراق في أزمنة متفاوتة يعود أقدمها الى أبعد من ظهور الإسلام، فيما لا تتجاوز هجرات بعضها ال (حفنة) من مئات السنين، والمعروف عن ذلك الوادي المسمى برافديه (العراق) أنه كان منذ الأزل الأول للحضارة، مركز إستقطاب وجذب لأقوام جا بت تلك الأنحاء من بادية العرب وكان من الطبيعي أن تحمل معها كل سلوكياتها وأنماط عيشها لتغرسها في أمكنتها الجديدة .

ولما كانت أنماط العيش لتلك القبائل لا تعرف من الكينونة الإجتماعية والسياسية ماهو خارج نطاق التكاتف الإنتمائي للقبيلة ذات الجذور والمواقع المشتركة والتي تتحدد علاقاتها الإقتصادية مع غيرها بالتبادل العنفي لوسائل الإنتاج من مراع وموارد مياه ومواش وسلع بسيطة، لذا لم تكن بحاجة الى قوانين وأنظمة مدونة تراعها وتضبط إيقاعاتها وحركتها كما هو الحال في التجمعات الكبرى التي تؤلف منها الدول، بمقدار حاجتها الى أعراف عامة تسيربواسطتها شوؤنها الحياتية، وعليه لم يعرف العرب في أولات ايامهم أشكال المواطنة والحكومة وما شابه إلا مع إنبثاق فجر الإسلام .

وقد إنشغل المسلمون الأوائل في بداية عهدهم، بنشر الرسالة مع الحرث الجاد لزرع (شتلات) الهيكلية العامة للدولة التي تسارعت بإمتداد أفقي لم يمنح الوقت ولا المستلزمات الكافية ل (الكوادر القيادية) – أن صح إستخدام هذه المصطلحات – ما يمكنها اللحاق لـتأطير تلك القبائل التي دخلت الإسلام بجموعها الضخمة، الأمر الذي أوقع قريش تحت ضغط القيام بأعباء بناء الدولة الفتية كونها القبيلة صاحبة المكانة الموقعية والمعنوية الكبرى التي اضاف اليها نزول الوحي بين ظهرانيهم دفعاً هائلاً، ومع تمرسها بتقاليد الحياة المدينية وقدرتها على الحركة والإتصال مع بقية العرب تبؤات قريش رأس الدولة الناشئة بعد أن حسمت الأمر لصالحها في واقعة السقيفة ومن ثم قضت على تمرد القبائل التي رفضت الإنصياع للحكومة القرشية وإعلنت إرتدادها عن الإسلام، ولكن قريش ذاتها لم تخل من "تنازع" الأجنحة أو البطون كما تجسد ظاهره في إختلاف الرأي حول الشكل الأنسب لبناء مؤسسة الدولة، بين الحق الشرعي الموصى به أو المنصوص عليه "دستورياً"، وبين قراءة الواقع السياسي بتفاعلاته القبلية ومتطلباته الإجتماعية والإقتصادية الذي يفرض بدوره تفسيراً زمنياً لنصوص الدستور الإلهي – القرآن – ومن ثم فقد أدى تحالف تميم وعدي ومن ناصرهم من قريش - بدرجة إساس – الى مبايعة مرشح الإتجاه الثاني وهو الصحابي الجليل" أبو بكر الصديق " ليكون أول الخلفاء الراشدين .

ورغم أن الواجب والشعور بالمسؤولية حتمّا هدنة وتعايش بين بطون قريش، الإ ان ذلك لم يمنع " أمية " البطن الأكبر بينها والذي جرد من سيادة كانت له على مكة أيام الجاهلية، من الإستمرارفي محاولاته إستلام السلطة، وقد قيض له ذلك مع نهاية العصر الراشدي بإغتيال الخليفة الرابع الإمام "علي" وتبوء معاوية سدة الحكم، ومن هنا بد أ الإنفصال المحوري يأخذ كامل أبعاده بين مؤسسة سلطوية تمثلت بفردانية الحاكم وبين " مواطنين " فقدوا صلتهم المباشرة بالسلطة أو المشاركة في توجيهها وإبداء الرأي حول شخوصها كما كانوا يفعلون أيام خلفائهم الراشدين، وعلى أثر ذلك صارت شؤون الدولة ومصالحها العليا تداروتقرر بمعزل عنهم بل وخارج إرادتهم بعد إنقلاب الأوضاع وتحولها من مشروع الدولة الى مشروعية الحاكم الواجبة التحصيل بالسبل كافة بما فيها الإخضاع بالقوة .

وبعد أن تحول الإقرار بقيادة قريش لبقية القبائل العربية، من ضرورة مرحلية فرضها سياق الأحداث، الى إمتيازدائم يفرض بالحجّة حيناً وبالسيف حيناً آخر أو بالإثنين معاً، تمحور الصراع على الحكم لا بين قريش وبقية المنافسين من القبائل العربية، بل بين قريش وقريش ومن ثم إقتصاره على هاشم وامية طوراً أو داخل البطن الواحد طوراً آخر - السفيانيين والمروانيين - في أمية، ولاحقاً الطالبيين والعباسيين في هاشم .

وأمام هذه الوقائع تركت القبائل جانب السياسة ومالت للعودة من ثم إلى الإحتماء بعصبياتها مع بقائها تحت خيمة الإسلام الذي " سرحت " تعاليمه عند الحاكم، وأجهض مشروع المواطنة بعد أن تكرّس إنتصار البطن الأموي ليس، على العرب وحسب بل على بقية قريش حيث شكك الخلفاء الجدد بحقيقة ما نزل على هاشم كما في قول الوليد بن يزيد " لعبت هاشم بالملك فلا- خبر جاء ولا وحي نزل " .

وفي الوقت الذي كان فيه الحاكم يحرص على إضفاء المشروعية الدينية لحكمه، فأنه قد فصل في واقع الأمر وبشكل شبه تام بين الدين كمعتقد وأحكام سماوية وبين ومفردات العمل السياسي وإدارة الدولة الذي أصبح تبعاً لذلك نخبوياُ صرفاً، وفيما عدا جوهر البناء الروحي والمعتقدي الذي أدخله الإسلام على حياة العرب - فأن المتغيرات العاصفة التي شهدتها تلك الحقب لم تتحول بدورها الى معطى ناجزلأنماط عيش وعلائق إقتصادية مختلفة جذرياً، بل لامست الشكل دون المضون، فالقبائل التي كانت تعتمد في تحصيل عيشها على الغزو والنهب من بعضها البعض للإستيلاء على قطعان الماشية وأماكن الكلأ، صارت ترسل محاربيها للإنتظام في جيش يتبع حكومة مركزية شديدة البطش تقوم بواجبات الفتح الذي يرفده أو يدعو اليه واجب ديني ملزم إيمانياً ومنّفذ سلطوياً، وهم على هذا لا يملكون خياراً حقيقياُ في التقاعس أو رفض أمر الحاكم المركزي ذي الصلاحيات المطلقة التي لا تقبل رداَ، وقد قمعت بقسوة كافة الحركات المناوئة التي إستهدفت النيل من شرعية الحاكم وأساليب حكمه، وعليه لم تجد هذه القبائل أمامها فرص حقيقية للتحول من حياة الحلّ والترحال المرافقة لحياة البادية الى حياة مدينية مستقرة مع كل ما يعنيه ذلك من مترتبات ونتائج، إذ أن رحلة المقاتلين إتسعت خارج نطاق جزيرة العرب الى أماكن وبلدان بعيدة، ولما كان أولئك المقاتلون يصحبون في الغالب أسرهم في تنقلاتهم المتواصلة، نشأت أثر ذلك وكمحصلة له، أجيال برمتها لم تألف معنى الإستقرار وما ينشأ عنه أو ما يسهم فيه من بناء عام لمفاهيم الكيانية الوطنية بمعانيها السياسية والحقوقية والإجتماعية والإقتصادية وغيرها أي بكل المعاني والمصطلحات المؤدية الى قيام ما يمكن تسميته ب " وطن ومواطنة ".

وعلى هذه الخلفيات الإشكالية في العلاقة بالدولة ومشروعها، حملت القبائل المهاجرة إلى العراق موروثها ومحمولها السياسي والإجتماعي لتستقر هناك، وقد حصلت الكثير من تلك القبائل على بعض ما كانت تصبو اليه، فقد إنتشر معظمها في الأرياف العراقية الخصبة وأمتهن الزراعة بديلاً للرعي، ومع تراكم الأنماط والسلوكيات الجديدة التي تتطلبها العلاقات الريفية المختلفة في الكثير من يومياتها عن حياة البداوة وأخلاقها، دخلت تلك القبائل في مرحلة حرجة وقفت فيها على تخوم منطقة وسطى ما بين المدنية والبداوة، فالريف يختلف عن البادية بشكل كبير، صحيح أنه أكثر قابلية للتطور والنمو لكنه لم يصل الى مرحلة المدنية بعد " أن حياة الأرياف هي حالة تقدم نحو المدن وهي حلقة وسطى بين البداوة والمدنية، كما ان القرية تقرب كثيراُ من المدينة " – عباس العزاوي، عشائر العراق ج3)، أن الريف و الحالة هذه يلعب دوراً مركباُ وملتبساً في الوقت عينه، فهو قد يكون حلقة وصل إيجابية تؤدي كثافتها أوضرورة المرورعبرها للإنتقال الى مرحلة أكثر تطوراً في سبيل الوصول الى منطقة الحضارة، لكنه أيضاً قد يشكل حاجزاً يصعب إختراقه نحو المدنية لتبقى حالة الإلتباس قائمة بإنتظار بروز عوامل ومسارات محفزة للدفع بهذا الإتجاه أو نحو هذا المستوى من الرقي، أن إستمرار حالة التأرجح هذه يخلق مشكلات لا حصر لها خاصة في المنعطفات المحورية التي يمكن حصولها عند مرحلة تاريخية حرجة ينهار فيها مشروع الدولة بالكامل جارفاً معه مشروع بناء الوطن وكينونة المواطن والعودة إلى العرف بديلاً للقانون .

وكمحصلة إجمالية في النظرة الى واقع التشكل الإجتماعي في العراق إستناداً الى قراءة خارطة العشائر العربية أولاً، كونها تمثل ما يقرب من ثمانين بالمئة من عموم الشعب العراقي، ومع حساب المعطيات الأخرى بسماتهاالرئيسية، يمكن إيراد الإستنتاجات التالية:

1: أن وجود التنوع المذهبي في العشيرة الواحدة وأحياناً داخل البطن الواحد منها– خاصة عند مجموعات العشائرالكبرى - ربما ساهم الى حدّ ما في حقيقة أن التاريخ العراقي المعاصريكاد يخلو من وجود إنقسامات وصراعات مذهبية حادة، فالروابط العشائرية عند العراقيين ما زالت على تماسكها وقوتها وبالتالي فمن المألوف أن يجتمع أبناء العشيرة تحت راية واحدة لا سيما عند مواجهة القضايا الحاسمة متجاوزين الإختلاف المذهبي الذي قد لا يشكل والحالة هذه عائقاً كبيراً في هذا السبيل .

2- المجتمع العراقي عبارة عن لوحة " موزاييك " كثيرة التنوع، وهذه اللوحة تجمعها متوازنات شديدة التشابك والتعقيد ربما أدى إختلالها الى " فرط " القاعدة وبعثرة المحتوى، فالعشيرة وحدة أجتماعية ناجزة تمتلك مقومات البقاء- روابط القربى والدم والراية والشعورالمشترك – الخ --، وقد تبحث عن ظروف ملائمة لتحولها الى سيادة سياسية وكيان خاص – وهو ما شهده التاريخ العراقي مع تجربة قيام الإمارات- لكنها في الطرف المقابل متداخلة الى درجة الإلتصاق مع عشائر أخرى في الأرض والسكن ووسائل العيش والإنتساب، وقد حققت العشائر نوعاُ من تكافؤ القوى الذي أصبحت معه مشاريع الإزاحة المكانية أو محاولات إخضاع أحداها للأخرى تمثل إنتحاراً جماعياً، وعليه فهي ملزمة بإيجاد سبل عيشها سوية وإستبعاد كل ما من شأنه أن يؤدي الى فرقتها وتناحرها (بما في ذلك مسألة الإستقواء بعوامل خارجية).

3 - العشائر هي المكونات الأولية والإساسية للشعب العراقي، لكنها قد لا تشكل شعباً قائما بذاته إن لم ترتق من مفهوم المكونات الوطنية، الى مفهوم الكيانية الوطنية، ومن رابطة الدم والعاطفة المشتركة، الى رابطة الفكر والرؤية والتوجه والإرادة المشتركة، ومن الإحتماء بالعرف والعشيرة والإنتساب (الجزء) الى الإنتماء للمواطنة والهوية وحماية القانون (الكل) وبغير ذلك ستجهض أية محاولات لبناء وطن وقيام دولة عصرية .

4- يمثل الإنتشار المكاني الواسع لكل عشيرة وإرتباطها العضوي مع غيرها في مجالات العيش كافة، مكمن قوتها وضعفها معاً، تتمثل نقاط الضعف في إستحالة التفكير بمشروع كياني خاص لحتمية إجهاضه وموته الذاتي- وهو ما يلعب دوره لصالح الإنتقال الى مشروع الوطنية والمواطنة، لكنه قد يتحول الى معطى للقوة بحال إنخراطها في مشروع الدولة ومساهمتها بإنجاحه .

5- من المعروف في التاريخ العربي أن القبائل العربية شهدت إنقساماُ بين جيشي الأمام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان في معركة " صفين " ورغم ذلك بقيت بطون القبائل تجلس على طعام واحد حين التوقف عن القتال (6)، وعليه فلا يستبعد ان يكون العامل التاريخي ما زال يسحب نفسه في تنوع الإنتماء المذهبي عند عشائر العراق متفاعلاً مع عوامل اخرى جغرافية وإجتماعية وسياسية .

6: يلاحظ في القبائل العربية أن المذهب الشيعي ينتشر عند أهل الأرياف في العمق العراقي أكثر مما هو عند أهل البادية، وربما كان هذا ناجماَ عن التاثيرات المجاورة لبادية الشام وجزيرة العرب حيث للقبائل العراقية إمتداداتها القوية هناك .

7: رغم قدم المدن العراقية وإزدهارها الحضاري في مراحل تاريخية معينة، إلا أن أعراف العشائر وتقاليدها هي التي طغت عليها في النهاية فوسمتها بطابعها الخاص، ويعود ذلك الى أن القبائل قد دخلت العراق بموجات بشرية كثيفة ومتواصلة فاضت على قدرة المدن من إمتصاصها وإدماجها با لحياة المدنية، - والمدن العربية في كينونتها وسيرورة تشكلها وعلاقاتها الإجتماعية والإقتصادية، هي أقرب الى كونها قرى ضخمة منها الى مدن بالمفهوم الحضاري - هذا الأمر شكل أحد المعالم البارزة في إعاقة بناء مفهوم الدولة والمواطنة وشرعة القانون ليحل محلّ العرف، وإجتماع تلك الحيثيات وتظافرها أدى بالمحصلة الى ملء العراق الحديث برجال سلطة لا بقادة دولة - وهناك فوارق شاسعة بين المفهومين -.

8: أما بالنسبة لخارطة الحركة السياسية بين العشائروالمناطق العراقية، فيلاحظ بشكل عام أن الأحزاب اليسارية كانت أكثرنشاطاً بين أوساط الشيعة والأكراد، فيما كان ثقل الحركات القومية العربية (البعث وحركة القوميين العرب وسواها) يتخذ من المدن والمناطق الغربية والشمالية الغربية وبعض مناطق بغداد – حيث الأكثرية السنية – نقاط إرتكاز للإنطلاق نحو الداخل والجنوب العراقي .

يذكرأن الحركتين السياسيتين - اليسارية والقومية العربية –إلتقتا على فكرة تجاوز المفاهيم العشائرية والمذهبية نحو تحقيق " الوحدة " كل من موقعه وإتجاهاته الأديولوجية والسياسية، لكنهما سجلتا إخفاقاً في الحالتين كانت نتائجه دامية بينهما وعليهما، ومن ثم على عموم المجتمع العراقي، أما الأحزاب والحركات الإسلامية بشقيها، فما زال للمذهبية دور كبير في رسم توجهاتها وأفكارها وإن رفعت شعار الوحدة والخطاب الجامع، لكن لا عوائق مستحيلة أمام قيام حزب إسلامي يستطيع تجاوزمفردات المذهبية والإثنية الى شمولية الوطن ورحابة الإسلام، وهذا يتطلب " إنتفاضة " جذرية وحاسمة في البنية الفكرية كما في معالجة موضوعة المقدس والمباح وعلاقة الأمة بالفرد (إماماً كان أم مرجعية) وتحديد طبيعة الرابط بينهما، كذلك في قراءة معاصرة لأحداث تاريخية أفرزت معتقدات دخلت بإعتبارها يقينات يحول التمسك بها دون قيام الوحدة، و الأهم وضع الضوابط المانعة ل " تفريخ " وإستيلاد المفاهيم المؤدية الى عبادة الشخصية " القائدة " على حساب حرية الناس وأمنها، فحينما يسود (عقل المرجعية)وتغيب مرجعية العقل، فلابد ان تُخلق الدكتاتوريات بكل اشكالها وتتراجع الحرية بكل وجوهها، الشعوب التي تسمح بتوكيل امرها الى (مرجعياتها) لتفكر عنها وتحدد منسوب الحرية عندها، بل تقرر عنها وسائل العيش وانماط الكلام ليقتصر اما على الهتاف والدعاء أو التذّمر والبكاء، من دون التفكير بالمسببات المؤدية الى هذه الحالة اوتلك، ما يؤدي بنتيجته الى مفهوم (القطيع).      

هذه المشاهد وبتفاعلاتها مع عوامل خارجية، خلقت وضعاً مركباً ساهم الى حدّ بعيد في التمهيد لما يعانيه العراق في هذه المرحلة المفصلية الحرجة من تاريخه، لكن إجتماع هذه العوامل ربما إنعكس تأثيراً وقائياً لبدأ مرحلة "عقلنة" خطابية وإجرائية ومؤشرات توحي بتلمس حلول قد تجنب العراق المزيد من الكوارث والويلات في مدى لا يمكن التكهن بإرهاصاته ونتائجه، وبالتالي البدء بتكوين وبلورة فكري سياسي فاعل يأخذ مساراته ومداه في التطور والإرتقاء نحو التعددية والإنفتاح وسن تشريعات عمل سياسي تأخذ في الإعتبار المشكلات التي يعاني منها المجتمع العراقي وإعادة أحقية المواطنة والهوية بصفتها مفهوماُ حضارياً ملزماً لا يجوز التصرف به إنطلاقاً من حسابات فئوية أو إثنية أو حزبية ضيقة -

لاشك ان أمام قوى التغيير مهمات شاقة وعسيرة ينبغي العمل على تجاوزها، فالشروخات والإنكسارات التي ضربت بنية المجتمع العراقي جرّاء سنوات القمع الطويلة، لا بد انها تركت آثارأً عميقة في جسد العراق، تتطلب معالجتها رؤية جديدة تستطيع التخلص من إرث ثقيل سيرّته طويلاً شعارات إدعائية ضخمة لم تكتسب يوماً صفة البناء أو ترسم التجسدات الحضارية الصحيحة لمنهجيات العمل السياسي المعافى .

 

س6: حمودي الكناني: هل هناك فعلا "شعب الله المختار" من أين جاءت هذه الحكاية وكيف وظفها اليهود لصالحهم؟

ج6: د. علي السعدي: شعب الله المختار، سادوم وعامورة، عاد وثمود، صور العقاب الذي ينزله الله بمن يخالف أمره، ذلك ماجاءت به الموروثات الدينية، فما وجه التشابه بينها وبين اساطير الدمار في الالواح السومرية/ البابلية ؟؟ ولماذا قصيدة الرثاء التي ألفها شاعر بابلي (كابت مردوخ) وقد تعني عبد مردوك التي تشابه عبد الله، وهو يرى الحرائق والدمار الهائل الذي حلّ ببابل بعد غزو ها من القبائل الجبلية وتدميرها، وفيها وصف اهوال البلاء الذي ضرب المدينة وكأنه انتقام الهي، وعلى ذلك كتب البابليون اسطورة إيرا إله الدمار (راجع – طه باقر – مقدمة في ادب العراق القديم)

تقول الأسطورة: أن "إيرا" يقرر الإنتقام من بابل لإستهانة أهلها بكلمته ووعيده، وعندما يشرع في عمله يعلن عن ذلك بنشيد طويل (لقد حان الوقت، وأزفت الساعة – سأهيب بالشمس فتترك شعاعها – وأغطي بالظلام الدامس وجه النهار – سأدمرّ المدن، فأحيلها خراباً – سأقتلع الأشجار وغيضات القصب، وأصرع كل إنسان على أرض بابل – سأظهر المزيد من الفتك والإنتقام – فأستلب روح الأبن ويدفنه أبوه، ثم أستلب روح الأب فلا يجد من يدفنه---) الأسلوب ذاته وبتشابه ملفت، هو ما يتبعه "يهوه" في تدمير المدن لعصيان أمره، فلا يترك منها ما يخبرعن مأساتها، كما حدث في سدوم وعامورة، ولايستبعد ان قصة تينك المدينتين قد تكون مما حدث للمدن اليهودية بعد السبي البابلية- (اسطورة ايرا واليورانيوم المنضب – جريدة المواطن – ارشيف)

بعد أن يجعل "إيرا" السماء تمطر "زفتاً وكبريتاً" ويشبع شهوته في الإنتقام من بابل، يتدخل مرافقه "أيشوم" للحد من سطوة غضبه فيخاطبه قائلاً: (إيرا أيها الجليل: قد سقيت التقي الردى كما سقيت الضال الردى، قد سقيت الخاطيء الردى كما سقيت الطاهر الردى، قد سلبت حياة من رفع القرابين للآلهة وسلبت حاشية الملوك، سلبت حياة كبير القوم وسلبت حياة الفتاة الغضة، فما آن لك أن تستريح؟) وفي نفحة ندم مفاجئة يقرر "إيرا" إعادة بناء بابل بأعظم مما كانت عليه، ولكن هذه المرّة بواسطة شعب إختاره بنفسه، شعب كان حتى الأمس القريب مهمشاً وضعيفا، فيطلق وعده لإيشوم (أرض أرض ومدينة مدينة، سينهض الأكاديون فيخضعونهم جميعاً، سيقبض الأكاديون على أعدائهم العظام --) ثم يستمر النشيد معدداً ما سيقوم به الأكاديون"شعبه المختار" من مآثر وإنتصارات، وفي نهاية النشيد يخاطبهم قائلاً: " ستحولون مدنهم إلى خراب، وتؤوبون بابل بثمين الغنائم، وجميع الحكام سيجلبون إلى بابل أتاواتهم، ولأيام طويلة ستسود بابل فوق الأرض)- راجع – يهود العراق من الازدهار الى الاندثار – حزام النار – ص315)

تلك هي القصيدة السومرية التي ألهمت الشعوب ودخلت موروثها ومقدساتها، بل وانتقلت الى فنونها وآدابه، لكنها كذلك أخرجت مقولة (شعب الله المختار) التي ستسود في الأديان السماوية، ومن ثم يصبح الصراع على من هم المقصودين بذلك؟؟ اليهود وحدهم، أم السيد المسيح ثالث ثلاثي القداسة، أم النبي محمد ونسله من بعده؟؟ والأغرب أن كل هذه المنافسات الحادّة حول الشعب المختار، انطلقت من (الساميين) التي قال كل منها بأثرته عند الله، فكان إن ردّ عليهم سكان البلدان المجاورة بمقولة أخرى تتحدث عن تفوق (الآريين) بكونهم أسياد الأرض وعباقرة الدنيا؟؟ فما حقيقة هذه التسميات في جوانبها التاريخية؟؟ وماهي أحقيتها في الاعتماد عليها؟

بات من المتعارف عليه إن التوراة ظهرت بعد سقوط بابل بيد قورش في أواخر القرن السادس ق/م، وإنها أوردت قصة الطوفان والنبي نوح بما يشابه ملاحم رافدينية (زيسودرا) السومرية و (اترا حاسس (واتو نبيشتم البابلية) كما أظهرته لاحقاً المدونات الرافدينية.

حينما جاءت البعثات الاستكشافية الأوروبية بدءاً من القرن الثامن عشر وماتلاه أو مهدّ له، اعتمدت بشكل أساس على ماجاء في التوراة باعتبارها الكتاب الأقدم الذي يروي تاريخ المنطقة، وقد وردت فيه قصة نوح وأولاده سام ويافث وحام الذي قيل انه لم يستر عورة أبيه، فلعنه بأن يكون عبدا لأخويه، لذا كان أحفاده سكان أفريقيا السوداء قد تعرضوا للأسر على فترات متعاقبة في التاريخ ونُظر إليهم كعبيد، وكان آخرعمليات الأسر الكبرى، ما قام به الأمريكيون والأوربيون في قرون خلت، وربما جاء ذلك استناداً الى المفهوم التوراتي المذكور بشكل ما، رغم مبرراته الاقتصادية .

أما سام فقد سكن أحفاده المنطقة من الصحراء العربية والسهول المحيطة بها، امتداداً إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج .

فيما استوطن أحفاد يافث الجبال والهضاب وصولا إلى أوروبا شمالا والهند شرقاً حسب بعض المقولات، ليسموا بالآريين، التي قد تعني المقاتل الشجاع، وهو ما استندت عليه الحركة النازية في دعاواها عن تفوق الجنس الآري – وقصدت به الألمان ومن هم في صفهم – وقد تكون واحدة من دوافعه، الردّ على مقولات اليهود (الساميين) انهم شعب الله المختار، المتشابهة بدورها مع أسطورة بابلية رغم ان اليهود استثنوا أخوتهم من العرب الساميين كذلك، لذا فمن يقرأ بإمعان تلك المقولات عن السامية والآرية والحامية، سيكتشف انها مستمدة من صراع الأخوة كما جسدته قصة قابيل وهابيل التوراتية، وهو ما شهدته الكثير من الحضارات. وفي وقت يتشابه فيه الساميون في الشكل ووسائل العيش، وكذلك الحاميون بلون بشرتهم القاتم، فإن الآريين جمعوا في خليط غير متجانس من الهنود ذوي البشرة السمراء، مع الإيرانيين والقوقازيين والأوربيين بشكل لايجد تفسيراً منطقياً سوى ربطه بغزو الاسكندر المقدوني للمنطقة، التي ربما بدأ منها بتلك التسميات كي يتمكن الإغريق من القول للفرس والهنود إننا وإياكم من جنس واحد ولسنا غزاة، فيما أطلقوا على سكان بابل وما حولها لقب (شروكَية) نسبة الى شروكَي أو سرجون الأكدي، وعنوا بها السكان الأصليين لبابل وما حولها، وقد تكون مشتقة من (شروباك) الموطن كما يذهب د. علي ثويني

تلك المقولة التي اعتمدها الباحثون طوال القرون الماضية، دحضتها التنقيبات والمكتشفات الأثرية بدأ من القرن التاسع عشر، ومن ثم ما ترجم من ألواح حضارة وادي الرافدين من حقائق .فأساطير سومر وبابل عن الطوفان، التي تشابه ماجاء في طوفان نوح حدود التطابق، لم تذكر أي شيء عن أولاد لاوتونبيشتم أو زيسودرا، وما تلك سوى إضافات ظهرت عند كتابة التوراة بعد ذلك بأكثر من 24.. سنة، كما تشير مدونات الحضارة الرافدينية، وقد تكون قد أدخلت اقتباساً من الأسطورة الإغريقية التي سبقتها بحوالي ثلاثة قرون، وهي تتحدث عن (كرونوس) إلهة السماء وتآمر أبنائه الثلاثة زوس وبوسيدون وهايدس، لقتله وتقاسم ملكه، فاستولى زوس على الاولمب (السماء) فيما امتلك بوسيدون البحار، أما هايدس، فكانت حصته مملكة الجحيم، ذلك الثلاثي، تحول إلى سام أكبر الأبناء، ويافث أوسطهم ومن ثم حام أصغرهم، أما الوالد فقد استبدل بنوح .

على هذه الحقائق الجديدة، بدأت التسميات التاريخية المستندة إلى التوراة، تتراجع لتحل محلها اعتماد التسميات الجغرافية فصار يطلق على الاجناس تسميات من نوع (الأفارقة – الاسيويين – القوقازيين – الاروبيين – اللاتين – الخ) أو تسميات حسب اللون (الأصفر – الأبيض – الأسود – الأحمر – وهكذا) كما ان هناك اشكالايات وثغرات كبيرة لم تسطع التوراة اغلاقها، فهي لم تذكر الصينيين واليابانيين والكوريين وما شاكل، كذلك لم تصنف الهنود الحمر ولا اللاتين ولا سكان استراليا الأصليين .

وكان من ذلك ان ارتبكت تصنيفات الآريين والساميين والحاميين طبقا لمروياتها التوراتية، ولم تبق في الاستخدام سوى عند الحركات القومية المتشددة التي تصرّ على تصنيف البشر بما يخالف التاريخ والجغرافيا والانثربولوجيا والسسيولوجيا، بل وكل ماله علاقة بحياة الإنسان والمجتمعات البشرية .

 

حمودي الكناني

صحيفة المثقف

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحليل يمثل الجرأة والشجاعة وعمق المعرفة في تاريخ العرب وحضارة وادي الرافدين , ووضوح الرؤيا في جذب التاريخ القديم الى الحاضر , ولا شك ان الاستاذ المحاور القدير يتربع على قمة الحوارات الساخنة والحيوية , ويتجنب الحوارات التقليدية والمألوفة , لذلك اعتبر الاستاذ القدير الصديق العزيز حمودي الكناني , دون مبالغة بانه شيخ المحاورين , وكذلك الاستاذ الكاتب والباحث القدير علي السعدي , رغم الجواب الثاني نشر في صحيفة المثقف الغراء , لكنه يحتفظ بحيويته وحرارته . بهذا التشخيص الدقيق . واحب ان اطرح استفسار عن الفرق عن السامية والارية , وكيف اجتمعوا على العيش على ارض واحدة ؟

This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق العزيز جمعة عبد الله تحيات واشواق ....شكرا لك ايها الكريم والاديب الاريب على تواصلك المثمر وعمق وجهات نظرك وتفاعلك مع ما تقرأ سواء هنا او هناك ...تمنياتي لك بدوام الصحة والعافية.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2816 المصادف: 2014-05-22 12:39:54