 مدارات حوارية

يضع الحروف بين فواصله .. حوار مع الاديب والباحث د. علي السعدي (4)

hamodi alkenaniali saediالحلقة الرابعة من مدارات حوارية حيث يستضيف الاستاذ حمودي الكناني، الاديب والباحث د. علي السعدي في حوار شامل وصريح  فاهلا وسهلا به في صحيفة المثقف.

س7: حمودي الكناني: كيف للشيعة أن يخرجوا من حالة التفجع والنواح والشعور بالمظلومية والتوجه الى المشاركة الفاعلة في بناء وطن تسود فيه العدالة الاجتماعية ويكون انموذجاً؟؟

ج7: د. علي السعدي: قد يكون الجواب بالإيجاب، هو الأقرب، فالالتزام الشيعة يغلب عليه الوجداني أكثر من الإيماني، بمعنى أن الارتباط بالكثير من المقولات عن الحقّ الإلهي بالخلافة والإمامة المعصومة والثورة ضد الظلم التي قادها الإمام الحسين، كلها ذات إحالات وجدانية لاتدخل بالضرورة ضمن المقدس الإيماني كما هو منصوص عليه في مصدريه الرئيسان (القرآن والحديث الشريف)، ويمكن الاستدلال على ذلك بدءاً من السلوكيات المتعلقة بالممارسة السياسية الملتبسة ذات الإحالات المعتقدية لدى الفئة الأكبر عددياً في المجتمع العراقي ـ أي الشيعة ـ فحركة التشيع في العراق وعلاقتها بالعمل السياسي ومشروع بناء الدولة، لم تشكل عاملاً محورياًً في حركتها وتوجهاتها كما كان عليه الحال في حركات التشيع الأخرى، ذلك لأن التشيع في العراق، أنبثق وترعرع كحركة شعبية وجدانية أخذت بعدها السياسي في المراحل الأولى لأنطلاقتها بعد واقعة كربلاء، وقد تمثل ذلك في المطالبة الصريحة بالإنتقام لمصرع الإمام الحسين وآل بيته، وإعادة الأمور الى نصابها في موضوع الخلافة، ومن ثم تمحورت الثورات المتعاقبة للشيعة على هذه المطالب بشكل أساس، وإستمرت كذلك الى حين غيبة الإمام المهدي ـ حسب المعتقد ـ مما أحدث تحولاً في المسار الشيعي أدى الى الإبتعاد ـ كلياً أو جزئيا- عن الفعل السياسي المباشر، ومن ثم دخل الفكر السياسي عند شيعة العراق، بنوع من الكمون الذي تحول الى ضمور فيما بعد، فغيبة الإمام أفقدتهم الدافع المحرك للثورة، ومع عمليات القمع المتواصلة التي تعرضوا لها من قبل السلطات المتعاقبة، توالدت القناعة بإستحالة المواجهة، وبالتالي الإكتفاء بالمحافظة على الذات .

وهكذا نشأ ذلك الوضع الإشكالي الذي أفقد الشيعة المهارة والقدرة على إدارة صراع ذي طبيعة سياسية، وتوالى زخم الإجتهادات والفتاوى التي تحرم التعاطي مع الدولة ومؤسساتها، أنتظاراً لمشروع دولة العدل الإلهي التي ستقام بظهور المخلّص .

ولما كان الفكر السياسي لا ينشأ ويتطور الإ من خلال الحراك السياسي والإنخراط المباشرفي مشروع الدولة بكل مكوناتها ـ هيئات مدنية أو سلطة أو معارضة تقدم بدائل سياسية ـ كما اسلفنا، لذا تحولت حركة التشيع في العراق من ثورة تطرح مطالب سياسية واضحة ترفدها إيمانيات ومعتقدات راسخة وقوية، الى حالة وجدانية تفجعية مجردة، إنطلاقاً من واقعة كربلاء التي أضفى اليها المخيال الجمعي، سمات أسطورية تجسدت حتى في التشكل النفسي لدى الإنسان الشيعي في العراق، ذلك التشكل الذي ساهم الى حدّ كبير في إستمرار وصمود حركة التشيع العراقي، التي لم تنجح معها تبعاً لذلك، حالات الإستئصال والإنحسار كما حدث في الدولتين الحمدانية والفاطمية، لكنها بقيت عند هذه الحدود .

وعليه أخذت تلك المتراكمات في النظرة الى العمل السياسي لشيعة العراق، دورها ومسؤوليتها فيما آلت إليه الأمور لاحقاً، بدءاً من تشكل العراق الحديث بعد ثورة العشرين، فلم يكن هناك ما يمنع الشيعة من رفع مطالب المشاركة بالحكم، أو حتى إجراء مساومات مرحلية كانت تفرضها المعطيات والظروف القائمة آنذاك، لو أحسنوا قراءة الأحداث بدقة كانت تتطلبها معرفة ومراس سياسيين، وثمة أزمنة مفصلية وتجارب دامية مرت قبل ان تتموضع اللبنات الأولية لفكر سياسي ينشدّ إلى التبصر والإتعاض والنزول الى عالم المحسوسات .

 

س8: حمودي الكناني: لو احصينا الذين يحملون شهادات عليا في العالم العربي بصورة عامة والعراق بصورة خاصة لوجدنا العدد مهولا لكننا بالمقابل لا نجد لهم منجزا على مستوى الفكر والنظرية، أي ما زلنا امة مستوردة للفكر والنظريات ....أين يكمن الخلل ؟؟

ج8: د. علي السعدي: في سياق الحديث عن الجانب المعرفي عند العرب، يلاحظ كثرة إختلاط المفاهيم المستخدمة في الفكر العربي عموماً، حيث يجري تناول مفهومين مختلفين ووضعهما من ثم في معنى واحد، على رغم الفارق بينهما، ما يقود بمحصلته إلى إرباك في الفكرة وتشوش في المضمون.ِ

مما لاشك فيه ان المعرفة بمفهوم الحداثة، مرتبطة بنتاج الفكر، إذ يصعب فصل المعرفة عن كونها منتج قابل للتحول إلى معلومة تؤثر بدورها على تطوير المنتج المعرفي، وبالتالي فالمعرفة ليست تراكمية بالضرورة، بمقدار كونها إبداعية .

إذا أتيح لنا قبول مفهوم كهذا عن المعرفة، يمكن من ثم الدخول في شروط إنتاج المعرفة أو العوامل الدافعة إلى أو المساعدة في حصول ذلك المنتج ونوعيته وجودته، حيث يشكل توافر المعلومة وتراكماتها، المناخات الملائمة لإنتاج المعرفة، لكنها لاتقود إليها بصورة آلية .

لابد أن هناك مجموعة من العوامل التي تلعب دوراً فاعلاًً في الإنتاج المعرفي، يأتي في مقدمها مفهوم الحرية، سواء في أنساق المعرفة وأنماط الفكر، أو في تحويل المنتج المعرفي إلى معلومة متحصله أو يمكن تحصيلها، وعلى هذا ينبغي التفريق بين استخدام المعلومة كنتاج للمعرفة، وبين تحصيل المعرفة ذاتها، ففيما يبدو الأمر الأول متيسراً، يظهر الثاني بكونه مستحيلاً إذا فصل عن شروط إنتاجه الموضوعية .

مايعانيه العرب في حالتهم الراهنة، يقع في تلك الإشكالية المفهومية، فهم حين يستحصلون على المعلومة - دراسة أو إمتلاكاً للتكنولوجيا أو إطّلاعاً عليها - فإنهم ينزعونها من عوالمها المعرفية التي ساهمت في إنتاجها، ليدخلوها من ثم في قوالبهم الآيديولوجية أو الدينية المحدودة أو المحددة في تفسير النصّ، وهو ماتظهر محصلته في معادلة : إستخدام المعلومة لمحاربة المعرفة .

تلك حالة كانت وماتزال موضع بحث عند المشتغلين العرب في توليد الأفكار والنظريات التي تقولبت بمعظمها في نظرية مؤامرة تتعرض لها " الأمة " في ماضيها كما في حاضرها، وهي مقولة أراحت الفكر العربي عن بذل جهد في البحث عن مجالات أخرى خارجاً عن ملامس تلك المقولة .

ينقسم العرب بصورة عامة حسب أنظمتهم السياسية إلى : أنظمة راكدة وأنظمة مضطربة، يشمل الصنف الأول بصورة أساسية : الملكيات والإمارات، كالسعودية والمغرب وإمارات الخليج والأردن، وهذه الدول رغم استهلاكها المفرط للمعلومة في تحسين أوضاعها المجتمعية، ورغم الإستقرار الظاهري – سياسيا واقتصادياً – الذي تتمتع به، إلا إنها في واقع الأمر راكدة معرفياً وبالتالي فهي الأكثر

(إنتاجاً) لدعاوى التطرّف المناهضة لعوالم إنتاج المعرفة والداعية إلى محاربتها، ذلك لأن هذا النمط من الأنظمة قد يتسامح في أخذ الليبرالية بصيغتها الإقتصادية، لكنه يفصلها عن ليبراليتها الفكرية، كما يرفض بشكل مطلق منهج العلمانية في السياسة، التي نشأت الليبرالية وتطورت كأحدى نتاجاتها أو في ظلّ تأثيرات أحداهما على الأخرى .

إن الفارق بين الاستقرار والركود، هو كالفارق بين النهر الجاري والبرك الساكنة، ففيما يمثلّ الأول مبعثاً للإخضرار، تكون الثانية مصدراً للتأسن، لذا يلاحظ غياب الإنتاج المعرفي بصورة شبه تامة عن تلك المجتمعات، فيما تتصدرفيها دعاوى التكفير وأفكار التطرف وظاهرة الإنتحاريين، واجهة المشهد، لتبرز بإعتبارها المصدر والحاضنة لظاهرة باتت تتصادم والمجتمعات البشرية برمتها، وهي مسنودة بفتاوى دينية ودعم مالي وإنتحاريين منفذين، تأتي بمعظمها من الدول الراكدة معرفياً -.

في جانب آخر، تنظر تلك الأنظمة إلى الحرية باعتبارها امتيازاً خاصاً لاينبغي منحه الا لطبقة معينة في الحكم أو قريبة منه، وعليه ففي الوقت الذي تستأثر فيه الطبقات الحاكمة بكامل منسوب الحريات السياسية، فأنها تقنن ذلك النوع من الحريات على المجتمع أو تسيطر عليها بشكل مطلق، إنها تعمل بوجه الأجمال وفقاً لمقولة ولي الأمر الواجبة طاعته مادام يملك قوّة الشوكة " من قويت شوكته وجبت طاعته " وبالتالي فبعض الأشكال من الممارسة الديمقراطية المسموح بها في بعض الكيانات السياسية – الكويت، الأردن – البحرين - قطر – لاتتجاوز في الواقع سقف الحقّ المطلق للأسرة الحاكمة، لذا تبقى الديمقراطية تعمل على مبدأ " الهبة " التي تمنح بقرارمن الملك أو الأمير غير المستمدة شرعيته من صناديق الاقتراع، إنما يستند الى قاعدتين لاعلاقة لهما بالمجتمعية المحكومة : " التفويض الإلهي " وإرث العائلة المالكة، تلك التي أسست أو ساهمت في تأسيس ذلك الكيان (آل سعود – آل نهيان – آل تيمور – آل ثاني – آل القاسمي --- الخ) وبالتالي فتلك "الهبة" يمكن إلغاؤها إذا لم تستخدم وفق إرادة الواهب، لأنها ليست حقّاً إجتماعياً مكتسباً دستورياً .

على ذلك، لم يسجّل في ذلك الجزء من المجتمعات العربية، أية ظاهرة للإنتاج المعرفي، مقابل ظهورها كمستهلك نموذجي لنتاج المعرفة المتمثل بتحصيل المعلومة واستخدام التكنولوجيا – الجانب التطبيقي العملي – مع عزل شبه تامّ للجوانب الفكرية، لذا ندر ظهور مفكرين أو علماء اجتماع أو فلاسفة أو ماشابه، أثروا الفكر الإنساني أو ساهموا بصنعه، وكل من ظهر على هذه الشاكلة، كان أقرب لإستهلاك المادة الفكرية، منه إلى مبدع أصيل للمعرفة، رغم مايمكن ان توفره المجتمعات العربية من مادة أولية للإنتاج المعرفي، لذا امتلأت البحوث والدراسات والمؤلفات العربية، بهوامش واقتباسات واستشهادات وإحالات واسعة لمفكرين غربيين في مختلف العلوم.

الثنائية المقابلة في النظم العربية، هي مايمكن أن يطلق عليه : الأنظمة المضطربة، وهي كلّ الأنظمة الجمهورية – عدا لبنان والعراق – التي تحكم بقية الأقطار العربية، إستناداً الى قوتها في أجهزتها العسكرية، التي أعدّت أساسا لحراسة النظام .

وعلى رغم أن تلك الأنظمة لا تختلف في الجوهر عن الأنظمة الراكدة، إلا ان مجتمعاتها تبدو أكثر قدرة على الحراك، فهي في مستوى إقتصادي متدن قياساً بمجتمعات الأنظمة الراكدة، وبالتالي فما تستطيع الأنظمة الجمهورية تقديمه من خدمات إلى مواطنيها، ليس متكافئا بما " تقدمّه " من قمع بالمقابل، حيث لاتمتلك وسيلة أخرى للحفاظ على الإنتظام العام، في وقت تفتقد فيه ماتملكه الأنظمة الراكدة من متكئات الحكم (الحقّ الإلهي ومفهوم العائلة المالكة) كما أسلفنا، لذا كان التمسّك بالسلطة، أكثر قابلية للإضطراب، بإعتبار ان القوّة وحدها يمكن أن تكون مصدراً لشرعية الحكم، وهو أمر بإمكان أي مغامر توفيره، لذا كان هاجس الإنقلاب العسكري دائم الحضور في النظم الجمهورية العربية، فيما يندرذلك الإحتمال في النظم الراكدة إلا في الأسر المالكة نفسها، كما حدث مع ملك البحرين الذي انقلب على والده (يذكر هنا الإنقلاب الفاشل للجنرال محمد أوفقير في المغرب ضد الملك الحسن الثاني) .

كان إنقلاب عام 1958 في العراق، هو أحد ثلاثة إنقلابات ناجحة ضدّ الملكيات (إنقلاب 1952ضد الملك فاروق في مصر – وانقلاب القذافي ضد إدريس السنوسي في ليبيا عام 1969) كذلك كان هو الانقلاب الوحيد في الجزء الآسيوي من العرب - الذي يحمل أكبر قدر من الممالك والإمارات - وربما كان للوضعية الاستثنائية للأسرة الحاكمة في العراق دور في ذلك، فهي الأسرة الوحيدة التي كانت تحكم بلاداً ليست منها، لذا سقطت بالسهولة التي جاءت بها لأنها لم تجد من القوى الإجتماعية، من هي على استعداد للدفاع عنها .

خلاصة القول أن تزايد حملة الشهادات العليا هو تراكم كمي بقي على ماهو عليه من دون أن يفرز حجماً نوعياً إلا مانادر، اذ غالباً ما اقتصر على اكتساب المعلومة دون إنتاج المعرفة .

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ د. علي السعدي , معروف بالاراء الجريئة , التي تنم على حصيلة فكرية وثقافية واسعة , ولا يعرف المهادنة والمماطلة او طبطبة الاكتاف او جبر الخواطر . لذلك استاذنا القدير الكناني , استغل هذه الخصلات المتوفرة في الكاتب والباحث , في طراح الاسئلة الساخنة والحساسة والحيوية , والتي يخشى البعض الخوض فيها , عدة اسباب , منها تجلب وجع الرأس , واعتقد ان هذه الحوارات ستستمر , لانها مثل البطاطة الساخنة , اذا تبرد ينتفي طعمها الحلو
تحية الى قديرين في حوارها الثقافي والفكري الشيق

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي جمعة - يسرني تلك المتابعة والتعليقات منك ،ما يدل على مدى اهتمامك بما يخص الفكر وماينتج عنه ،ليتنا نجد آخرين يتمتعون بالمواصفات ذاتها ،فاعتقد ان قضايا كهذه التي اوردها الحوار - تستأهل النقاش الجاد حولها وفيها ،والمشكلة ان اسم الموقع (المثقف)وهو يمتليء بكبار المثقفينفعلا ،لكن مايؤسف له اننا قلما نجد أحد يهتم بما ينشره الآخر وكأن المثقف هنا ينشر لنفسه أو لمن يعرفونه شخصيا ومن ثم يتبادلون المجاملات ،من هنا كان دور المثقف شبه معدوم في التأثير بالاحداث - تحياتي لك

علي السعدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2832 المصادف: 2014-06-07 11:00:25