 نص وحوار

نص وحوار: مع الشاعر مكي الربيعي ونصه: هذا ماكنتُ أخشاه

mayada aboshanabmaki alrubaiiالمثقف تستضيف، ضمن برنامج نص وحوار، الشاعر مكي الربيعي لتحاوره حول نصه:

(هذا ماكنتُ أخشاه)، فاهلا ومرحبا به.

 

 

 

 

جلال جاف:الشاعر مكي الربيعي اهلا وسهلا بك في نص وحوار في صحيفة المثقف

بعد ان قرأت نصك (هذا ما اخشاه) وجدت فيه من عناصر الاثارة والتأويل ما دفعني لاختيار النص لصفحة نص وحوار في المثقف لمحاورته من خلال اسئلة ساطرحها عليكم

لاشك ان هذا النص يثير اسئلة جديدة في كل قراءة وهنا نكتفي بما نراها كافية لاثارة اسئلة اخرى ومداخلات من قبل القراء الاعزاء.

مكي الربيعي: اهلا وسهلا بكم وشكرا لصحيفة المثقف على اتاحة الفرصة للحوار.

 

س1: جلال جاف: هل هذا النص محاولة لحث أصحاب القلم وخاصة الشعراء لفتح ممر في الظلام؟ ماهي صفات هذا الفاتح برأيك؟

(أرى يداً تحاول أن تفتح ممراً في الظلام)

مكي الربيعي: كل الشعر يشكلُ علامة فتح، سواء كان ذلك الفتح ينسجم مع رؤانا أو يتقاطع معها.

الأول وأعني الجيد يحاول أن يثقب الماضي للوصول لحاضر محرضْ، والثاني وأقصد الذي يقف بالضد من الأول يثقب الحاضر لكي يطل الماضي بكل ملابساته علينا.

كيف يمكن لنا أن ندعي أن هذه القصيدة أو تلك تسعى لفك المغاليق، إذا لم تقف بالضد منها أُخرى تسعى لغلق ما تحاول فتحهُ الأولى؟

بمعنى لو لم يوجد هذا الصراع لما كانت هناك حاجة للبحث عن منافذ نحاول من خلالها تسريب الضوء نحو المكانات الأشد إيغالاً في الظلام.

نحن لا نريد للقصيدة أن تحمل على كتفيّها وسائل إيضاحها لتلامس ذهن القاريء من غير أن يبذل جهداً لإكتشاف ماوراء الكلمات، مثلما لا نريد لها أن تكون طلسماً أو حزورة تموه القاريء وتدفعه نحو الملل والعزوف عن قراءة الشعر.

نريد قصيدة تدعو القاريء للتغلغل في دمها ليستخرج ما تستبطنه من معانٍ وإحالات، وهذا أول الفتح، إن حصل أسقطنا العوائق ورفعنا الموانع التي يراد لها أن تبقى ستاراً بين الكلمة وخالقها.

ألا ترى معي أن الاكثار من المعميات والنزوح نحو التضليل والمواربة في لوحةٍ، أي لوحةٍ، يخفي وراءه فشل منتج اللوحة؟

الإمساك بروح الكلمة يجعل الشاعر يمتلك مفاتيح كثيرة، أولها أن تسلسل الكلمات وتراتيبيتها لا تعني شيئاً إلا إذا كانت مشحونة بالطاقة الشعرية.

وثانيهما المعنى الذي تنطوي عليه الجملةَ، أي ليس المقصود بالمعنى ما هو ظاهري وفاقع، وإنما ما هو راكس وغير مرئي.

هناك أحلام شعرية قد تبدو لعين الآخر هلامية لا تمسك فيما يراها الشاعر حقيقة تتحرج بين قدميه.

رؤية اليد هنا في القصيدة ليست كلمة عابرة وانما هي دلالة أكيدة، انها الأمل الذي نتذرع به لإسقاط ما لاينسجم وأحلامنا.

قيل في الفراسة قديماً: ان بمستطاعك معرفة اخلاق الكاتب من خلال كتاباته من دون رؤيتهُ، وفي علم (الجرافولوجي Grapholgy) والذي يعني علم الشكل والرسم: ان الخط هو عبارة عن قراءة للمخ، أو قراءة الجهاز العصبي والحركي على الورق لدى الإنسان.

اذن الكتابة ليست معناها إلقاء أحمال ثقيلة من على كتف الكاتب، وإنما درس لتلقين الحياة معنى وجود الإنسان فيها، من هنا يمكن معرفة وظيفة اليد في عملية خلق ردة الفعل على فعل مضاد.

هناك ادانة واضحة يشكلها مفتتح القصيدة لكل ما هو منحرف سواء كان هذا الانحراف في الشعر أو في غيره.

الانحراف بمفهومه العام كما نعرف سلوك وممارسة، في الشعر الانحراف عن الهدف الشعري الحقيقي جريمة أعظم وأكبر.

هناك كم هائل من التضليل مبثوث في كتابات الآخرين يراد منه زحزحة قناعتنا، وذلك بتبديل أسماء الألوان حيث يصبح فيه اللون الرمادي محيل الى لون مشرق علينا التعايش معهُ وقبوله والإندماج الكلي مع سحنته الكالحة، ألا ترى معي أن كلام تضليلي مثل هذا يدور على صفحات الإنترنت؟

كلام يبدو في شكله بريئاً، لكنه مغرض ونذل، يحاول أن يضع على عيوننا شريط لاصق لكي لا نرى الحقائق القائمة على الأرض، وأول تلك الحقائق ما يجري من دمار منظم في بلدنا العراق.

من هنا تبدأ الدعوة لفتح الممر، أعني كشف واسقاط الأقنعة عن تلك الدعوات المضللة النفعية التي تريدنا أن نرجع القهقري بعد كل ذلك الكم الهائل من المعانات والتضحيات.

انها محاولة للعودة بالكلمة لنبعها الصافي بعد أن تلوثت ووصلت الى تمجيد الإستعمار، والقتل، والذبح، والنهب، والطائفية، والمدينة، والعشيرة، ومن ثم الإطاحة بكل ما من شأنه أن يؤسس لحياة حرة كريمة.

أما صفات الفاتح فهي صورة موجودة تتجسد في الكتابات التي تدافع عن إنسانية الإنسان والإرتفاع به الى مصاف آدميته.

 

س2: جلال جاف: العناصر الأساسية الأربعة، الماء، النار، الهواء، التراب، (الغبار في النص) تتحد لتشكل الطبيعة، ما مدى مساهمة هذه العناصر في تشكيل (طبيعة هذا النص)؟

مكي الربيعي: أنت تتحدث هنا عن الاتحاد بين الإنسان والطبيعة، فكلاهما تشكلا من تلك العناصر، ولذلك ليس بالامكان اسقاط أي عنصر من تلك العناصر، حيث بمجرد اسقاط أي عنصر منها، سيبدو رسم الأشياء ناقصاً وضبابياً.

هذه العناصر الأربعة تجدها تقريباً اذا لم تكن بشكل مطلق في جميع قصائدي، ليس لأهميتها كعناصرٍ فقط، ولكن لأهمية دلالاتها واحالاتها، حيث لكل منها دلالاته، فعندي الماء يدخل في عشرات اذا لم أقل مئات الدلالات، ليس كعنصر يديم الحياة، وأنما يعني عندي مثلاً الموت، اليس الفيضانات قتل ومحو وتدمير، مثلما هي غرق وانتهاك؟

كذلك النار عندي تمثل حياة أخرى يتطهر بها الجسد من خطاياهُ، بل هي كيّ وعلاج لأمراض كثيرة، وقد يكون الهواء الذي أتناوله هواءً ملوثاً وليس بالضرورة أن يكون هواءً نقياً، وكذلك التراب، ألم يخضبهُ القتلة الأميركان باليورانيوم المخصب وملوثات شتى؟

اذن الدلالات في الشعر لا يمكن أن تستقر على شيء بعينه، كل شيء يحمل دلالته ونقيضها، وهنا تكمن الخصوبة التي تنتجها المخيلة السليمة.

أقول هذا ليس تعميماً، من السهولة بمكان، أن يكتشف شاعراً آخر معافى المخيلة دلالات لم تخطر ببال أبليس الشعر.

الإنفتاح على تأويل الأشياء واحدة من الأسلحة التي يجب على الشاعر أن يعرف كيفية استخدامها.

أنا مثلاً أقرأ كل شيء يقع تحت يدي، أقرأ مثلاً الأبراج التي لا أُأمن بها قطعاً، ولكن أجد في قراءتها متعة واسترخاء، مثلما أكتشف خصوبة مخيلة منجمها الى أين تقودهُ وهو يلج هذه العوالم البويهمية.

أقرأ وصفات الأعشاب الطبية التي تجاوزتها الأكتشافات العلمية، لأتعرف على كيفية تفكير الإنسان قديماً، وهو يتخذ من الطبيعة سقفاً لحياته.

أقرأ تفاهات الأولين ومناكدات اللاحقين بهم.

أتأمل طويلاً كلمة (نار) أينما صادفتني، وأسال لماذا أختارها الله سبحانه لتخويف البشر منها مع ان الإنسان يستخدمها لعلاج الكثير من الأمراض؟ وحتى النار هناك في الآخرة تطهير للجسد من خطاياه، واسأل هل لأن الله أرادها كذلك يقوم البوذيون بتطهير أنفسهم بها قبل الوصول اليه؟

انظر: كيف تنفتح أبواب التأويل أمامنا واسعة، عندما نريد أن نتأمل وندقق ونستقصي، لو تقاعسنا لما رأينا في النار أكثر من شيء ينضج الرغيف.

هكذا أقلب العناصر بين أصابعي، لأستخرج دلالاتي الخاصة التي بالتأكيد سوف تتناسل عنها دلالات أخرى.

تذكر، لا يمكن أن نعرف ماتحت باطن الأرض، اذا لم نقم بحفر ممر طويل أو بئر عميقة، هكذا علينا أن نحفر في الشعر، لنتماهى مع المستحيل ونسقطه.

اذن الماء = حياة ويساوي أيضاً الموت، النار كذلك = موت وكذلك تساوي حياة، ومابين الاحالتين بحر هائل من التأويلات التي لا يمكن حصرها.

عين الشاعر الحقيقي مرايا مقعرة تلتقط الصورة باشكال مختلفة، فأن رأيت شاعراً تلتقط عينهُ الشارع بنايات وأرصفة، أقرأ على مخيلته السلام.

الغبار كذلك حامل اللقاحات التي تنضج الخضرة في رغيف الأرض، مثلما هو حاملٌ للمكروبات وناقلٌ للعدوى، وحامل الأشعاعات القاتلة بين ذراته.

كل شيء ثابت يقابله شيء متحرك آخر غير مرئي لا تمسكه العين الإعتيادية، وأنما تمسكه العين الشاعرة فتستدرجه الى حيث تريد، تلك مخيلة الشاعر المتعافية الناضجة المليئة بالحيوية والانتاج.

 

س3: جلال جاف: هل النص متشائم، متفائل، أم متشائل، آخذين بنظر الاعتبار عنوان النص (هذا ما كنتُ أخشاهُ):

(لأن الثقب لا يسمح، هذا ما كنتُ أخشاهُ، ويسقط الليل طيوره الميتة تحت قدمي، على ضيق يده يتسع الظلام، أنا المتورط بحمل جنازة الكون، لم تعد القصيدة غير حلم يدنو من شيخوخته،، هناك جثة، كم هو عميق حزن الماء، لم يعد هناك شاعر، لم تعد هناك قصيدة).

مكي الربيعي: التفاؤل والتشاؤم وما بينهما التشاؤل مسميات لها علاقة مباشرة بسايكولوجية الإنسان وطبيعته النفسية، أي أنها تدخل في باب علم النفس، وهنا تكمن أهمية الإشتغال عليها، حيث يتوسع الشاعر وهو يلج إختصاصات أخرى غير اختصاصه (ولو هذه مهمة نقدية أكثر منها شعرية) وبذلك ترتفع لديه درجة الدراية في ما يتناوله من مسميات تحيل الى مصطلحات في اختصاصاتها، بمعنى ان على الشاعر أن يعرف جيداً أثر وانعكاس تلك المسميات وما تتركهُ من انطباع لدى القاريء، ولذا عليه أن يكون منتبهاً وهو يمر بها.

(هذا ما كنت أخشاه) انها الصدمة التي أنزلت مطرها الأسود دفعة واحدة.

انظر: كيف استخدمنا المطر هنا كدلالة للكارثة وليس للخير، هكذا يُنَضَجْ التأويل ويمضي بعيداً.

قديماً كان العربي يتشائم حينما يعترض طريقه الغراب.

(لا حظ الغراب يمثل علامة تشاؤم لدى العربي) هنا في الغرب وحصراً في استراليا، الغراب لديهم رمز وطني جالب للفأل الحسن، وهو دليل للجمال والرقة والوداعة.

أسوق هذه المفارقة لكي نستدل على استبدال الدلالات لمعانيها من مكان لآخر، لا شيء ثابت في هذه الحياة على لون بعينهِ على الإطلاق.

اذن التشاؤم مسألة نسبية كذلك التفاؤل وما يقع بينهما.

للثقب في القصيدة دلالته هو الآخر، انه هنا، ثقب مهمل لايسمح لك برؤية العالم كما تريد أن تراه أو كما تتمنى، وعليه يجب أن لايكون بديلاً عن النافذة التي يطل منها الشاعر على العالم ، هذا البديل تمويه للحقيقة، وقتل للصورة المخضبة بالدم مرة أخرى أي قتل ثاني يمارسهُ الكاتب ضيق الأفق، أو النفعي الى جانب القاتل حامل السلاح.

أما الليل فكما تعرف لدى الشعراء العرب قديماً يمثلُ تارة الشر وتارة أخرى الوداعة والسكينة، وقد اقترن لديهم بالنار، فما من ليل إلا وهناك نار تمحوه.

الليل هنا في النص مصدر قلق للشاعر، وما طيوره الميتة إلا إحالة الى موت اليوم بين يديّ الإنسان، ورغم هذا أردت في النص أن أنتصر عليه بجعل طيوره تتساقط تحت الأقدام، وهذا دليل على هزيمته وليس انتصاراً له.

السؤال بما يحتويه من تفرعات يمكن الإجابة عليه بسؤال: اليس في علم الطب هناك قاعدة: اذا شُخص المرض يمكن وبسهولة القضاء عليه؟ ها أنذا أُشخص وعلى الشعر الحقيقي أن يجتث الطحالب والأورام.

 

س4: جلال جاف: هل أنت راضٍ عن الشعراء ونصوصهم الشعرية؟

(لم يعد هناك شاعرٌ، لم تعد هناك قصيدة).

مكي الربيعي: هناك شعر حقيقي كثير، وهناك لا شعر أكثر، هناك تراجع مخيف في كتابة الشعر حتى من قبل اسماء مهمة ولها حضورها القوي في الساحة الشعرية سابقاً، هناك أصوات جادة ورصينة يمكن لها لو أن النقاد أنصفوها أي تلك الأصوات لأسقطت الأقنعة عن وجوه أسماء كثيرة تتسيد الساحة الشعرية من دون أن تكتب ما يعزز وقوفها على رأس الهرم.

العلة ليست في الشعراء، العلة تكمن في النقاد الذين يدورون بتعبد في معابد هرمت وتآكلت جدرانها، هؤلاء هم الكارثة الحقيقة التي أدت الى تراجع الشعر، والى عزوف الكثير من الشعراء الحقيقيين عن الكتابة.

نقاد الموائد والأخوانيات، نقاد الرشى والمهرجانات مدفوعة الثمن، نقاد أدفع تطلع، نقاد أنشر لي وغداً سأكتب عنك، نقاد الأمراء الذين يشترون الشعر من شعراء بمبالغ تافهة، نقاد متخصصين بالنقد في كتابات شاغلي الوظائف الثقافية في بلدان عربية من الذين هم أقل من كلمة شعراء بكثير، نقاد رؤساء تحرير الصحف والمجلات من الذين يعتقدون أنهم شعراء.

نعم هناك لا شعر وهذه لا تحتاج الى خبير ذرة يدلكَ عليه، اللاشعر الآن يجيئك من كل مكان حتى وأن حاولت أن تغمض عينيّك عنه، انه العمى الأخلاقي الذي ما عاد يخجل اولئك الذين يصفطون الكلام ويطلقونه على عواهنه، تصور صحفي شغلته في الحياة طوال الأربعين عاماً الماضية يكتب التحقيقات الحربية انقلب بين ليلة وضحاها الى مصفط كلام (بين قوسين شاعر) اليست هذه مأساة؟

العلة الأكثر ايلاماً تأتيكَ من اولئك الذين يحفظون أوزان الخليلي ويعتقدون أن حافظاتهم ومعرفتهم بالأوزان تجيز لهم كتابة الشعر، وهؤلاء كارثة حقيقة على قصيدة الشعر العمودي العظيمة.

نريد شاعراً عمودياً يجاري قصائد الشاعر يحيى السماوي الكبيرة، مثلما نريد نصوصاً تستشرف المستقبل كما يراه ادونيس وأنسي الحاج.

لقد مللنا من دخول الطارئين على خط الشعر، فلا عجب أن صرخت أنا أو صرخ غيري من الشعراء (لم يعد هناكَ شاعرٌ، لم تعد هناك قصيدة)، انها تبقى صرخة احتجاج تمكث في هذه البرية المترامية الأطرافْ.

 

س5: جلال جاف: أنا ملك الشوارع، كيف تريد (لمملكتك) أن تكون؟ (أنا ملك الشوارع).

مكي الربيعي: اليوم، وغداً، وقبل، كان الشاعر ومازال ملك الشوارع بجدارة ومن دون منافس.

المملكة التي أدعيها مملكة (معرفية) انها المجاز الشعري الذي يمكن تأويلهُ، حيث ليس هناك من يثور عليك لينتزع منكَ هذه المملكة إلا بالكلمة التي يعلو كعبها على ما تقولْ.

ملك الشوارع ممثل شرعي للمهمشين والمشردين من ديارهم، وللكادحين، والناطق الرسمي بإسم رواد البارات والخائضين جنون الليل وشراسة الألم، انهُ أنا، انهُ أنتَ، انهم الجميع، وربما لا أحدْ.

 

س6: جلال جاف: هل تعتبر نفسك من جماعة اختلاف هل هذا النص مختلف؟

مكي الربيعي: صديقي الشاعر، عن أي اختلاف تتحدث، الاختلاف في الاسلوب، في المنهج، في التصور، في طريقة تناول الأشياء أو في شكل رسم الحرف؟

الاختلاف موجود اينما وليت وجهك، ابتداءً من تفاضلك بين الألوان وانتهاء بطريقة نومك.

هذه كلمة فضفاضة لا قرار لها ومنفتحة على تأويلات عديدة، يراد من الإختباء وراءها تمويه القاريء وتضليله، واعطاء حجم لما يكتب غير الحجم الحقيقي الضئيل الذي هو عليه.

ان كلمة اختلاف وكما قلت في موضع سابق، ليست منهجاً أو تجنيساً، لذلك لا يصلح أن نطلقها على جنس كتابي، الكلمة الفضفاضة القابلة للمط لا يمكن لها أن تجنس شيئاً، وحتى التنظير لها يبدو شيئاً مضحكاً.

الاختلاف حجر زاوية يمكن وضعه حيثما تريد من دون أن يميّزك عن الآخر، بإعتبار أن الآخر يستخدم نفس الحجر في مواده البنائية، من الممكن استخدامه في الأشياء الثابتة منها والمتحركة على حد سواء، أقصد في الأطرزة المعمارية وفي حركة الإنسان.

يمكن أن تجد هناك نقاط اختلاف، حتى في التوأم اللذين يخرجان من بطن واحدة.

انظر كيف تأتي الكلمة بثوب فضفاض يكاد يكون أكبر من مقاسها، في وقت تكاد تكون فيه ضيقة كمثل اختلاف خرم الأبر نفسها.

هذه الكلمة لا تستحق أن نضيع وقتنا من أجلها، لأنها ستعيدنا الى الجدل البيزنطي، هل البيضة من الدجاجة أم الدجاجة من البيضة.

المدارس الأدبية تمر بسلسلة شائكة من التجارب العظيمة والكتابات والتنظيرات المهمة وبالكاد تستطيع أن تقنع مجموعة برؤاها وتشذ عنها أخرى أكثر اصراراً وتعنتاً في رفضها، فكيف الحال مع كلمة عائمة لاقرار لها، ليس لها رأس ولا ذيل، هذا ضحكُ على الذقون، والأكثر اثارة للضحك، اولئك الذين يدعون المعرفة، يتشبثون بها ويحاولون أن يصنعوا منها بردعة يضعونها على ظهر حمار.

الاختلاف في الرأي أو التصور، لم يؤسس يوماً من الأيام فضيلة تقدم أحداً على أحد، مثلما لم يكن مكسباً يرفع المُختلِف عن المُختَلَف معه درجة، وهكذا الحال في الشعر، انه من البديهي القصائد الرديئة تختلف عن القصائد الجيدة، وهنا يمكن أن تكون الكلمة أخذت معناها المناسب.

(هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) اليست هذه الآية تتحدث عن الاختلاف؟

ألم يكن تعاقب الليل والنهار اختلافاً؟

الم يبث الله سبحانه وتعالى الاختلاف في أشكال خلقة وفي هيئاتهم؟

هل نحن متشابهون؟ قطعاً لا.

لاحظ وكما قلت: كيف تنفتح الكلمة على تأويلات لا نهائية، حتى يمكننا التحدث عنها من دونما توقف.

جلال جاف: شكرا لك مجددا استاذ مكي الربيعي، وشكرا للحوار الممتع، والان نترك الباب مفتوحا لمداخلات السيدات والسادة، لاثراء الحوار اكثر مع جزيل الشكر والاحترام

جلال جاف

صحيفة المثقف

 

..........................................

 

هذا ماكنت أخشاهُ

 

مكي الربيعي

 

maki_alrubaiiانظرْ،

سربٌ من الغبار يتسللُ،

يحفرُ جحراً في نخلة الليل ويضعُ بيوضه اللزجة،

يبني اسطبلهُ من رماد الحروف، ثم يقررُ أن يكتب قصيدة.

لن الومكَ،

لأن الثقب لا يسمحُ لكَ برؤيةٍ أكثر مما تتسعُ حدقته،

لذلكَ، سأعيد العبارة إلى محبرتكَ،

لأبعدَ عنكَ الشبهاتْ.

أنا المتورط بحمل جنازة الكون على كتفي،

أتوضأ بالماء،

تشتعلُ يدي بالأنهار،

ياهذا القارب الموشك على الغرق بين أصابعي،

تمسك بحبل قلبي الممدود اليكَ،

هذه رسالةٌ من حجر، القيها في بريد الزجاج / ليتشظى.

كل شيء قابل للإختراق:

البيت المتحصنُ بنار المدفأة،

الشارع المطلي بالمطر،

الحديقة المختبأة تحت جنح فراشةٍ،

منجم الذهب المتساقط من فم الشاعر،

خطوط يدي التي أضاعتني،

الموجة التي تقد اللحم من جسد البحر وتلقيه الى النوارس،

وخصلة شعركِ التي بكت بين يدي ذات لقاء.

أيتها النار:

ارفعي نهديكِ قليلاً،

لأرى الأشياء بوضوح.

2

أرى يداً تحاول أن تفتحَ ممراً في الظلام،

لأستدل على حانةٍ في بغداد

محمولة على أكتاف قصائد الشعراء.

يخبئونها بين الحروف وفي كؤوسهم يتوهجُ جمر الكلام.

على امرأةٍ أعادت لشارع الرشيد وقارهُ،

على سنارة تجرُ ثقالتها المساء إلى أعماق دجلة.

أنا ملكُ الشوارع،

تتناسلُ الارصفة بين أصابعي، ويُسقطُ الليل طيورهُ الميتة تحت قدمي.

لن الومكَ:

قطيعُ الخراف أسيرُ عصا الراعي، لن يتحرر منها إلا بالذبح.

عليكَ أن تصنعَ آلهتكَ بيديكَ، لتعرف أنكَ تعبد منْ.

لو لم تُقطَعْ يدُ الحلاج،

ماعرفنا أن الدمَ يصلحُ مكياجاً للوجوهِ المصفرةِ،

يا إلهي،

كم هو عميقٌ حزنُ الماء،

لا تدركه، إلا المراكب الراكسة في أعماقه.

هذا صوتي، شجرة تتدلى من أغصانها الحناجر المليئة بالمصابيح.

حشدٌ من الأصدقاء يتسلقون السلالم، ليندسوا في نسغ الجملة، ويضيئون.

3

القصيدة غزالتي المشدودة إلى يدي بحبل نبعها

الأخضر،

أنفردُ بقميصها، لأشعل الحرائق في أزراره.

أيتها النار:

امسكي يدي، ها أنذا انزلقُ قلادة بين نهديك.

أنا ملكُ الشوارع،

أستضيفُ العواصف في جيّبي الخالي من النقود،

وأمدُ يدي في زيق الهواء لأسرق محفظته.

يقتلني، من يترك الكلام يترملُ في أوراقهِ،

يقتلني، وغداً أعترضُ طريقهُ بالمطر، حتماً سيصل الى المللِ، حيثُ كل ما قتلني، يراني أرتدي نفسي معطفاً وأقابلهُ.

على اتساع يدي يتساقطُ الضوء،

على ضيق يده يتسعُ الظلام.

قلتُ لهُ:

لا تفتح درج أوراقكَ،

هناكَ جثةٌ،

دعها ترقدُ بسلام.

قلتُ لهُ:

الهواء الذي بقيَ يعدو ورائي، لم يكن صالحاً للإستخدامْ.

هذه روحي،

قلقة مثل موجٍ تدفعهُ الرياح،

كل ما وضعتْ السفينة رأسها فوق وسادتهِ،

ترتبكُ المجاديف.

أيتها النار:

اطفئيني بحليب نهديكِ الشاخب،

لا أريدُ أن أمكث في حديقة السؤال طويلاً،

أنا ضد الأبدية.

4

هذا ما كنتُ أخشاهُ،

لم يعد هناك سقفٌ أطمئن اليهِ،

لم تعد القصيدة غير حلم يدنو من شيخوخته،

غير طعنة تكتسي بدم قتيل.

نتساقطُ،

يالهذا البهاء الذي يحملُ رائحة موتنا،

لم يعد هناكَ شاعرٌ،

لم تعد هناكَ قصيدةْ.

بحارةٌ يضعونَ على رؤوسهم قبعات زرق،

ويجرون حطام سفينة عاطلة.

أيها الشاعر:

التقط النار من الموقد لتعيد الشجرة لأصلها الأخضر،

وتذكر:

أن الفراغ ندبة في جبين الوقت،

تذكر:

حين تفل حبيبتكَ جدائلها،

يتساقطُ الليل قتيلاً.

تعال، نقتطف نجمة من حقل السماء، نأخذها زوادة في طريقنا الطويلة،

قبل أن يجف دم الطير فوق قميص الشجرة.

أيها الكلام:

دلني على منطقة وقوفي،

كن فاصلة بين الألوان،

الأبيض: أبيض،

الأسود: أسود،

ومابينهما الغموض يدفعُ عربتهُ الفارغة.

 

سيدني/ استراليا

 

خاص بالمثقف

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1885 الثلاثاء: 20 / 09 /2011)

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

جميله هذي القصيده..هل عرفتني اريد اعرف اخبار كريم هارون ا هارونني زينب زوجت الشهيد محمد

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1841 المصادف: 2011-09-20 09:27:38