نص وحوار

نص وحوار: مع الشاعر عبد الستار نور علي ونصه: الرواية الأولى / ميادة ابو شنب

mayada_aboshanababdulsattar_nooraliالمثقف تستضيف، ضمن برنامج نص وحوار،الشاعر عبد الستار نور علي لتحاوره حول نصه:

(الرواية الاولى)، فأهلا ومرحبا به.

  

 

 

 

عبد الستار نورعلي، شاعر قدير، له حضور فاعل في صحيفة المثقف. وله مجموعتان شعريتان منشورتان هما:

1.   على أثير الجليد: بالعربية والسويدية

2.   في جوف الليل

اضافة الى مجموعات اخرى تنتظر الطبع.

 

جلال جاف و ميادة أبوشنب: الاستاذ الشاعر عبد الستار نور علي:

بعد أن قرأنا نصك (الرواية الأولى) وجدنا فيه من عناصر التأويل والاثارة ما دفعنا إلى اختيار النص لصفحة نص وحوار في المثقف لمحاورته. لاشك ان النص يثير أسئلة كثيرة جدا لهذا نكتفي ببعضها، كي نفسح المجال لمداخلات القراء الاعزاء.

فأهلا وسهلا بك استاذ عبد الستار نور علي في المثقف، باب نص وحوار.

عبد الستار نور علي: أشكر صحيفة المثقف على اتاحتها فرصة الحوار مع مبدعين نكنّ لهم المحبة والتقدير والاعجاب جمعاً من مثقفي العراق والعرب الذين يجتمعون على مائدة الابداع والفكر بألوان من ثمار بستان الكلمة الحافلة بالجنيّ من فاكهة الفن وممّا يسيل من شجر تجاربهم من حلو العصير وشهيِّ الجمال وفيتامينات الفكر التي تشحننا بالحياة كي نستمر في ضخّها بما نمتلكه من خزين معرفي وفنيّ جمالي خدمة لمسيرة الانسان في الكون والحفاظ على النوع بأرقى صور الخير والحلاوة والمتعة والمنفعة، آخذين بناصية الكرة الأرضية نحو رقيها روحاً وعقلاً وبهاءً وانساناً يخلو طريقه من كلّ شوائب السوء وأشواك الأذى وضباع الدرب وذئاب الغابات وخفافيش الدجى ومتسلقي الأكتاف.

أرفعُ كأس قلبي نخباً في صحة المبدعين الخيّرين وصحة راعي المثقف أبي حيدر حفظه الله من المكاره وأنعم  عليه بالصحة والنجاح!

 

jalal_jafس1: جلال جاف:يتميز أسلوب هوميروس في "الالياذة" باربع خصائص هامة: أفكاره متلاحقة، مباشرٌ في تطوير أفكاره وفي التعبير عنها وهذا يشمل كلماته وتراكيب جمله، وان مادة فكره صريحة، وانه شديد النبل وهذه الخصائص واضحة  في نصك. هل لقراءتك لهوميروس والملاحم القديمة تاثيرٌ على نصك؟

عبد الستار نور علي: يقول سقراط  بأنّ على الشاعر حتى يكونَ شاعراً بالفعل أنْ يستقي مادة شعره من بعض الأساطير لا من المحاججات والأدلة.

بلا شكّ أنني تأثرت بالملاحم القديمة التي تزخر بالأساطير، بل عشتها بجوارحي ومخيلتي محلّقاً فيها وكأني واحد من شخصياتها شاهداً على أحداثها وشخوصها ورموزها وفكرها وعنفوان تداعياتها وغنى مضامينها وجاذبية طريقة تصويرها وتعبيرها السلس المثير الذي يصل الى نقل الفكرة والصورة والمعنى بما يصدم أحاسيس القارئ والسامع ويثير مخيلتهما ويشدّهما إلى أحداثها . أليس الهدف هو ايصال ما تنقله وتراه؟ إنّ تلاحق الأفكار والمباشرة في تطويرها وعرضها ونقل الفكرة تعبيراً وصراحة هي التي خلّدت الملاحم ولم تكن ولن تكون مما تؤاخذ عليه . وهذا دليل على أنّ المباشرة في النصوص ليست نقصاً أو عيباً فنياً إذا اتقن الشاعر صياغتها بشكل فني راقٍ يدخل نفس المتلقي بسلاسة وانسياب . وها أنتَ تشير الى هذا الجانب في القصيدة والذي كان من سمات نجاحها وقراءاتها التأويلية . وهذه لم تكنْ سمة الملاحم فحسب وانما الشعر عموماً وفي تلك الأزمنة السحيقة، فلنقرأْ معاً مقطعاً من قصيدة (مرثية أور) التي تتألف من خمسمئة بيت لشاعر من شعرائها وهو شاهدٌ حيٌّ يصور المأساة التي حلّتْ بها نتيجة هجوم العيلاميين الذين أسقطوا السلالة الحاكمة فيها وأخذوا آخر ملوكها (أبي ـ سين)  أسيراً الى عيلام في حدود عام 2006 ق.م.:

"أور في داخلها موتٌ وفي خارجها موت

في داخلها نموتُ نحن من الجوع

وفي خارجها نُقتَلُ نحن بأسلحة العيلاميين

لقد أخذ العدو أور

ورفع مزاليج بواباتها، وهاهي أبوايها مشرعة الى اليوم

لقد داسها العيلاميون مثل سيل العرم

فتحطّمت أور بفعل السلاح مثلما يتحطم إناء الفخار"

أليست هذه الحالة ما تعيشه بعض بلداننا اليوم؟ حين قرأت القصيدة هذه بعد الاحتلال كنتُ أشعر وكأنّ الشاعر يصف حال بغداد فأرتعش غضباً وألماً، وقد استلهمت من الأبيات قصيدة !  فهل قلّلت المباشرة من قوتها وعمق الاحساس المتوهج فيها وتصويرها للمأساة مثلما حصلت؟

انه سحرٌ ذلك الولوج الى عالم الملاحم والأساطير الغامض والمنفتح معاً المبهر والمثير . إنها فطرة العقل الانساني في النظر الى الكون والخليقة والحديث عن الصراعات المضطربة والدامية والبحث الانساني عن الأجوبة التي كانت تدور في عقله ووجدانه في تراجيديا مثقلة بالتوتر . ولذا لا تزال تشدّ النفس البشرية الى اعماقها بحثاً وصيداً للمعنى ودهشةً فاغرةً فاهَ الانبهار . أنتَ تعرف كمبدع أنّ التجربة الشعرية هي تراكم وجداني حسّي وتعبيري متعلق باللغة والثقافة العامة ومجمل قراءات الشاعر ومحفوظاته وخزينه ونظره في الكون والحياة، لذلك تجد كلّ هذه سبيلها للدخول في عالم القصيدة لحظة خلقها وبدون تعمد عند الشاعر الأصيل الذي يكتب بعفويته الشعرية وبالطبع دون الصنعة مثلما يرد من مصطلحات البلاغيين القدامى، أو حتى الاحساس بها لأنه لحظة الخلق يغيبُ في عالم المخلوق وهي التجربة التي تولد على الورق بتلقائية الوحي وعفوية الانسياب وكمِّ المخزون الحسي المتعلق بالتجربة التي تضغط للانفجار والولادة . لذا نجد أن اليوت يقول بأنّ قسماً من الشعر يبتدعه الشاعر (اسلوبه الخاص وتجربته الذاتية - المتحدِّث) وإنّ قسماً آخر يدرّ له التراث وأنّ الجزء الحيَّ من التراث يبقى مستمراً عبر الأزمنة لأنه يمثل الانجازات الناجحة والثابتة مما المّ به الشعراء . والملاحم كتراث تاريخي خيالي وفكري وحسي عندما دُوّنت شعراً أضحت منجزاً انسانياً متوارثاً وتاريخاً لأحداث مرّت بالبشرية مُزجتْ بالاسطورة أو خلق أحداث مُتخيلة ترتبط بالآلهة وصراعاتها التي أضفيت عليها الأفعال الانسانية، كما أنها تدوينٌ للفكر الانساني الفطري البدائي في بدايات التأمل في الكون والبحث عن تفسير . والشاعر وفق ما قاله سقراط يتغذّى بها ليقدّم تجربته على صحنٍ من الايحاء والايماء متعلق بالتراث النفسي الذي تعبّر عنه الاساطير والملاحم وهي حلم البشرية الأول حلم اليقظة . أليست أحلامنا عند النوم أساطير ترتدي رداء الأحداث اللامعقولة وبما تقدمه من لوحات غريبة لا نستطيع فكّ رموزها وهي بعيدة عن منطق العقل الظاهر؟  فالملاحم والأساطير بمخيالها وأحداثها عابرة لمنطق الأشياء، وإلا كيف نُفسّر كعبَ أخيل أو نبتة الخلود التي سرقتها الأفعى من جلجامش؟ إنها محاولة تعليلية بدائية اسطورية لسرّ تغيير الأفعى لجلدها حين لم يكن الانسان قد توصّل الى تفسير منطقي علمي للظاهرة فالتجأ الى الخيال؟ وحين دخل العلمُ في التفسير خسرنا جمالية وسحر الاسطوري الخيالي المثير للدهشة، ومع ذلك لا يزال الانسان منبهراً يالملحمة وتفسيرها وما انفكّ الشعراء يستلهمونها في منتجهم الشعري.

وبالتأكيد كانت قراءاتي للملاحم تخطّ ملامحها التأثيرية في القصيدة وفي الكثير مما كتبت واكتب وبضوء ما ذكرتُ .    

 

س2 جلال جاف:تتميز الملاحم الكلاسيكية باعتمادها على التقليد الشفاهي الكلاسيكي. في بنية نصك ومفرداته كثير من الصياغات اللفظية للتقليد الشفاهي في رواية الملاحم:

(وتلك رواية حمراء تروي قصة الماضين في رَهَبِ.أتلك روايتي؟. فهام الفارس النابض على صوت الشجا يروي ملاحمه. وتلك روايتي هزت أسانيد الأحاديث. وتلك روايتي!قالوا:صدقتَ. تروي ظلنا صمتا/النص). ما مصدر هذا التقليد في نصك؟

عبد الستار نور علي: حين كتبتُ القصيدة لم أكن أفكّرُ بكيفية كتابتها ووفق أيّ منهج أو مدرسة أو تأثير أو ظاهرة أو مصدر، إنما أطلقتُ العنان لمشاعري وتجربتي أن تقول ما تريد وبحرية غير مقيدة. وبالمنطق الفني فإنّ المنتج الابداعي هو الذي يتحدث عن نفسه والمؤثرات الكامنة خلف كواليسه من خلال الصورة الفنية والتعبيرية واللغة بألفاظها وجملها وتراكيبها. حين يفكّر الشاعر ماذا يقول وكيف يقوله قد تدخل القصيدة عندها دائرة الصنعة والجمود وبرودة التأثير في المتلقي، لأنني أرى أنّ الابداع الشعري هو أن تترك خزينك المتراكم تجربة وحساً وخيالاً ولغة ومؤثرات أن يُفرغ ما في داخله، وهذا لا يعني طبعاً ابتعاد الشاعر عن النظر فيما يكتب وتقويمه فقد يكون هناك خلل ما تسلل لا شعورياً في لحظات الابحار والانسياب الحرّ في نقل التجربة . المتلقي والناقد والناظر المبدع هم الذين يرون ماوراء النص من مكامن التأثير فيقولون ما يرون. فاذا كانت في القصيدة ملامح التقليد الشفاهي لما في الملاحم فلابد أنّ ذلك أتى عفو الخاطر وبتأثير الملاحم التي قرأتها وعشقتها والتجربة الشعرية التي اكتسبتها من قراءاتي واطلاعي وشخصيتي الابداعية  وإلا لما أشرت أنت اليها . لكنني كما ذكرتُ في لحظة خلق القصيدة لم أكن أرمي لذلك التقليد بقدر ما كنتُ أعبّر عما في داخلي محاوراً شخوصاً وكأنهم جالسون أمامي، آدم وحواء والناس عموماً، ومحاوراً ذاتي وحتى الأفكار والأحاسيس، لذا تجد عنصر المخاطبة والنداء والاستفهام واللغة اليومية فيها وفي عموم قصائدي، وهو مالاحظته أنتَ . وهنا أشير وأنت تعلم جيداً أنّ هوميروس مثلاً كان يدور في الطرقات يروي الملحمة على ايقاع عزفه للقيثارة، بمعنى الرواية الشفاهية، والتي دوّنت بعد ذلك لتبقى خالدة أبد الدهر، حالها حال غيرها من الملاحم .

 

س3: ميادة ابوشنب:أرى خضما من اليأس في قلبه "أمنية" (في قلبه امنية. في عرق أمنية / النص)

هل هذا النص هو إنعكاس لظروف عصيبة سوداوية مؤلمة عاصرتها او تنبأتَ بها؟

عبد الستار نور علي: هذا سؤال مهم لكشف دواخل القصيدة وما وراءها، بالفعل إنها ارهاص تجربة قاسية شديدة الوقع ثقيلة الوطء عشتها،تجربة شخصية وعامة في الوقت نفسه، تجربة الانسان في هذا الكون، حواء وآدم والتيه الانساني الكبير في الكون بعد الخطيئة الأولى، والعشق الحرام، وضياع الانسان على أرصفة شوارع الحياة بحثاً عن عشقٍ غاب مع التفاحة ليكون لعنةً جسديةً وروحيةً، عن معنى الحبِّ المحرّم، عن الظلم الذي يتعرض له الخلق على هذه البسيطة، الانسان الذي خُلق من طين ليأكلَ طيناً . في هذا العالم المضطرب كيف يمكن للأمنية المشرقة أنْ تجد لها ملاذاً آمناً؟ نعم، إنها قصيدة تراجيديا التشاؤم، وها نحن بعد أربعين عاماً من كتابتها لا نزال نحيا في نفس الأجواء القاتمة حيث الفرح غائب أو مُغتال والعدل مخنوق والحبّ لغة الجسد لا الروح، والظلم سائد يُمسك بخناق البشرية . هذه هي تجربة ولادة القصيدة .

نعم سيدتي إنها عصارة ظروف سوداوية عصيبة قاسية ! إنها من أحبّ قصائدي على نفسي، لأنها كانت عصارة أعصابي ومشاعري وابداعي وثقافتي وكان مخاضها صعباً ومؤلماً، ولم أنسها يوماً وأنا في مهجري وهي طيّ دفاتري التي تركتها خلفي خشية أن أفقدها وأنا في طريق هجرتي القسرية، لكنها وصلتني قبل سنتين .

 

س4 ميادة أبو شنب:الى ماذا يوحي احتواء النص على كلمات متشائمة في كل عبارة  ذكرتَ فيها كلمة  الحب أو العشق (رسوم العشق في صحراء أغنية ترابية. أحضان العشق المراق دمه. وتلك رواية عمياء عن حب يلوح على حبال مشانق الرغبة.فلا كانت رياح العشق ولا كانت ولا بقيت / النص)؟

عبد الستار نور علي: لقد أجبتُ عن هذا السؤال ضمن اجابتي السابقة، وأضيف أنّ العشق والحبّ في القصيدة اشارات الى العشق الانساني جسداً والذي على أساسه طُرد آدم وحواء من الجنة لأنهما اكتشفا عورتيهما فعرفا، والى العشق توقاً روحياً مثلما عند المتصوفة وغيرهم من المثاليين الباحثين عن الرقي والصعود الى الأعلى حيث النور والعدل اللذان يُطفَآن في طريق البشرية وفي كلّ زمان ومكان، فيُرمى النقاء (الأمل/ الأمنية) على رصيف الحياة رغبة مشاعة للدهس لكل عابر سبيل يحملُ سوء الطوية ليراق دمه (النقاء) . 

 

س5: ميادة ابو شنب:اتبحث عن تعريفك الخاص لحقيقة الأشياء من خلال تساؤلاتك عن اسمائها: (اسم الطريق.اسم آدم.اسم الخطيئة / النص).؟

عبد الستار نور علي: أنا هنا طارح أسئلة تبحث عن جواب منطلقاً من النص القرآني (وعلَمَ آدمَ الأسماءَ كلّها) والتي عرضها على الملائكة فلم يعرفوها وعرفها آدم لأنّه سبحانه وتعالى علّمها إياها دون الملائكة ليختبرهم ويجيب عن تساؤلهم لماذا خلقته من طين وانا من نار مثلما قال ابليس الذي لُعن، فسبحانه أراد أنْ يبين لهم أنّ مَنْ خلقه من طين هو أعلم منهم فمشيئته وأمره أن يسجدوا له فسجدوا إلا ابليس أبى واستكبر فكان من الظالمين . ومن قوله تعالى أيضاً (إنْ هي إلا أسماءٌ سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزلَ اللهُ بها منْ سلطان)، فهل يا ترى هي نفس الأسماء التي نتحدث بها؟ في النص الديني هي اسماءٌ علّمها الله وأخرى سمّاها الخلق والفرق واضح بين المجموعتين، واحدة حقيقة الهية ثابتة وأخرى بشرية مرفوضة، فهل يحقّ لنا أن نطلق أسماء باختيارنا؟ وما هي؟ وهل أنزل الله بها سلطاناً؟ اسئلة تبحث عن أجوبة والانسان يمضي في الزمن من حال الى حال.

 

س6: ميادة أبوشنب:(وخيل الشوق قد هدت أعنتها. وما خيول الشوق عادت من حصار البيد. الراية الخضراء تسقط في الهزيمة / النص)

هل تعتبر معركة فارسك خاسرة " والقى الرحل في لغة المرارات" واستسلم؟

عبد الستار نور علي: أظنّ أنّ القصيدة تجيب عن نفسها . وأسألك أنا هنا: هل هناك اليوم مثل الأمس شيء جديد يدعو الى التفاؤل أم أنّ الحالَ من سيءٍ إلى أسوأ؟

ومع كلّ هذا الزخم التراجيدي لم أفقد الأمل في انتصار الأمل، فلا يزال الفارس ممتطياً صهوة روحهِ وقلبه وحرفه طائراً في السحاب باحثاً دون هوادة عمّا ينير، وقد قلتُ في قصيدتي (الكلام ممنوع) عام  1976 والتي سأنشرها من جديد لاحقاً:

خلفَ بحارِ الشوقِ والحنين

مدينةٌ تعجُّ بالأطفالِ والزهورْ

وتختفي الأسوارْ

فتحملُ الأمواجُ في هديرها

منابعَ الكلامْ

ومربضَ السيوفْ ...

..........

فهنا الأمل لايزال متوطناً متوهجاً في النفس رغم كلّ ماجرى ويجري متمثلاً بقول الشاعر القديم الطغرائي:

أعلّلُ النفسَ بالآمالِ أرقبُها

ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ

 

س7 جلال جاف:قلت بأنك فكرت كثيراً قبل نشر نصك هذا وترددتَ لأنك كتبته قبل اربعين عاماً .لماذا التردد؟

عبد الستار نور علي: هذا صحيح . تعرف جيداً أنّ نصاً كُتبَ قبل أربعة عقود وكان ولادة ظروفه مضموناً وشكلاً وظلّ رهين المحبسين الدفتر الذي كُتب فيه والمجلة التي نشرته، فتراكم الغبارُ عليه، غُبار الورق وغبار الاهمال والشهرة والانتشار، فكيف سيُستقبَل يا ترى بعد هذا الزمن والتطور الكبير في الشعر واللغة والحياة؟! هذه الهواجس كانت وراء خشيتي . لكنّ الاستقبال الحافل لها أدهشني بل أبهجني، ولا أخفيك أني طرتُ من الفرح وأنا بهذا التاريخ الطويل من الكتابة والكتابة عن الآخرين .

 

س8: جلال جاف:نصك هذا نال مايستحق من استقبال حافل حين نشرته في المثقف. أما زلت تعتقد انك" مُغرم بالشعر ولستَ بشاعر"؟

عبد الستار نور علي: كلمة شاعر خطيرة ! وأنت تنظر الى الوراء في هذا السفر الضخم العظيم اللانهائي من تاريخه عربياً وعالمياً ومن الأسماء التي أنزل الله بها من سلطان الشعر، ثم تنظر الى نفسك فتتساءل: أين أنا من هذا الكم الهائل والمحيط الواسع من الأسماء العظيمة والعبقريات الرهيبة؟! فأجيب مثلما أجاب يوماً العلامة الخالد والقاموس الناطق كما وصفه الدكتور طه حسين يوماً وهو المرحوم اللغوي الدكتور مصطفى جواد حين سئل عن علمه فقال: لا أزالُ طفلاً أحبو .

ويبقى قولي قائماً:

أنا مغرمٌ بالشعر لستُ بشاعرٍ

حتى وإنْ غنّى الكلامُ ندائي !

 

جلال جاف / ميادة أبوشنب: شكرا لك مجددا استاذ عبد الستار نور علي، وشكرا للحوار الممتع، والان نترك الباب مفتوحا لمداخلات السيدات والسادة، لاثراء الحوار اكثر مع جزيل الشكر والاحترام.

 

جلال جاف / ميادة أبوشنب

صحيفة المثقف

نص وحوار

..........................

 

الرواية الأولى

عبد الستار نور علي

 

abdulsattar_nooraliوفي صمتٍ طويتُ البحرَ في عيني

وفي صمتٍ حملْتُ البيدَ في قلبي سرايا

نحو هاجرة الهوى، رُحتُ أصلّي

أرفعُ الراياتِ للعباس، أستجلي

رسومَ العشقِ في صحراء أغنيةٍ ترابيهْ،

رميتُ شِباكَ شوقي اصطدْتُ ريحاً

صرتُ أحصدُها، مررْتُ أناملي فيها

تقصّيْتُ الحقيقةَ عنْ رؤىً في عِرقِ أمنيةٍ سرابيهْ،

 

وتلكَ روايةٌ حمراءُ تروي قصةَ الماضين في رَهَبِ،

صحارى تحملُ الواحاتِ انجيلاً من السَغَبِ،

 

أتلك روايتي؟

قالوا: نعم!

ولكنْ تلكمُ الراياتُ سودٌ، والرماحُ لظىً،

وخيلُ الشوقِ قد هُدّتْ أعنتُها،

 

فهامَ الفارسُ الغافي على صوتِ الشجا يروي ملاحمَهُ

ويحكي قصةَ الانسانِ في حبِّ المرايا

يرتمي في نبضها يغفو على هزِّ الأراجيحِ

فتاهَ وما خيولُ الشوقِ عادتْ منْ حصارِ البيدِ ماعادتْ،

 

يتصلّبُ الهواءُ على وقع سنابكِ الفارسِ المرميِّ في أحضانِ العشقِ المراقِ دمُهُ، ينامُ على فراشِ الثعالبِ تحملُ أوزارَ الشوكِ النابتِ في قلبِ أمنيةٍ تلوحُ على راحةِ الليالي وتختفي في أزقةِ النهارِ الجائع للمصابيح،

أينَ دمُهُ؟

الترابُ يمتصُّ الدمَ قانياً

يروي عطشَ الديدانِ في زوايا ممالك النملِ والعقارب،

 

وتلكَ روايةٌ عمياءُ عن حبٍّ يلوحُ على حبالِ مشانق الرغبهْ،

يموتُ الرسمُ فوق جدار حلمٍ راقصٍ في ساحةِ النشوهْ،

يذوبُ الصوتُ في وهجِ التراتيلِ

تلوحُ الرايةُ الخضراءُ في صمتِ المواويلِ

وتسقطُ في الهزيمةِ خنجراً يُدمي رواياتِ الأناجيلِ

عن الحبِّ، عن الصفعِ، عن الصفحِ،

عن الانسانِ في لغةِ السماحاتِ،

تموتُ دلالةُ الرؤيا، وترتفعُ التراتيلُ الصديديهْ

تنزُّ هوىً بطياتِ الحكايات الطفوليهْ

 عن العشاقِ هاموا في سماء الوجدِ مارجعوا صواباً

غيرَ أنَّ دماءَهم زُفّتْ عرائسَ في حشودِ الموجةِ الكبرى

إلى أرض المواعيدِ

فغابوا في حسابِ الخدعةِ العظمى، وغنوا جوقةً،

عادوا هياكلَ ترتوي طينا

وتشربُ من كؤوس الخدعةِ الأولى،

 

ايا آدمْ،

سليلَ الطينِ، يأكلُ نسلُكَ الطينا،

أيا آدمْ،

لقد ضيَّعتْ فينا كلَّ أسرار الرسالاتِ

وأشبعتْ السلالاتِ

بكلِّ الحبِّ والتوقِ إلى دنيا المراراتِ،

أيا سُحُباً، ومدَّتْ ظلَّها الأجوفَ

في عينيكَ ياحبّي ويا سهري،

هذاكَ الخِصبُ في جسدِ العرايا ضلَّ صاحبُهُ

وجفَّ الغيثُ في قارورة اللهبِ،

 

وتلكَ روايةٌ هزّتْ أسانيدَ الأحاديثِ

 

وتلكَ روايتي!

قالوا: صدقْتَ .

 

غاب الصوتُ في الحلم الذائب في رجع الصدى القادم من بين السطور، فأكل آدمُ التفاحةَ راضياً مرضيّاً ليضيع في متاهات المرئيِّ .

 

منحتُ الفارسَ الغافي تعاويذي

أدارَ يديهِ في قُفلي فما فتحَتْ

فصارَ يطوفُ في شُهُبٍ على روحي

وألقى الرحلَ في لغةِ المراراتِ

وفي حِممِ الخطيئةِ راحَ لونُ الشمسِ منطفئاً،

فيا حواءُ، هذا ابنُكِ قد شُلّتْ بقاياهُ،

تعوّدتِ الخطيئةَ في انطلاق النارِ منْ حَلْقِ الأباطيلِ

ومنْ وترِ الأضاليلِ،

رميتِ ابنكِ في الشارعِ ظلاً للخفايا

رُحْتِ تلتهمين فاكهةَ الخطايا

تحملينَ أجنّةَ الشيطانِ في الحشرِ

وتلتقطينَ نجمَ العشقِ تسليةً وتحتلمين بالبدرِ،

فلا كانتْ رياحُ العشقِ، لا كانتْ، ولا بقيتْ،

فمنذُ تآكلتْ روحُ البريّةِ منْ تماديها

فقد حالَ الرحيقُ العذبُ مُرّاً

تاهَ عزفُ النور في وترِ الأقاصيصِ،

وهذا اسمُ الطريقِ تغرُّبٌ صمتٌ على الأجيالِ يهبطُ ينشرُ الغفوهْ،

وهذا اسمُكَ، يا آدمُ، صنوُ القمةِ الشوهاءِ

في جبلِ الطحالبِ في غروبِ الأمسِ واليومِ ونيرانِ الغدِ،

وهذا اسمُ الخطيئةِ في انحدار السفحِ نحو قرارةِ الوادي المشاعِ

لكلِّ ذي عينٍ تمجُّ اللونَ في خضرةِ أثمارِ

وتنفرُ من بذارِ السعدِ في رَحَمِ المسراتِ

 وفي سِفرِ الرسالاتِ،

 

أيا صوتَ الرغائبِ،

تلكَ ملحمةٌ تئنُّ على صراطِ القلبِ تروي ظلَّنا صمتاً

يداعبُ سمعَنا المشحونَ بالنومِ،

 

صُلِبَ الوجهُ على وجهِ الرصيفِ ومرّتِ العرباتُ وقرعُ الأقدامِ فوقه ... تصبّبَ العرَقُ في شعابِ العينين ... فشربتِ الشفتانِ كأسَ الملحِ ... تصلّبتا على شفيرِ الكأسِ ... سقطتا في مزالقِ التمنّي .....

 

أيا وجهاً رواهُ الحزنُ

طافَ على ملامحهِ اصطخابُ الدهرِ بالأحلامِ والنشوهْ

رحلْتَ على عيونِ الآخرينَ شربتَ

منْ كأس المرارةِ رحلةَ الغصهْ

وعُدْتَ على بساطِ الجوعِ والعطشِ

تحمّلْتَ الشرائعَ فوق كاهلكَ

أخذتَ تهزُّ نشواناً على انشادِ سُمّار السلاطينِ

رجعْتَ مُسمَّرَ العينينِ والشفتينِ والأذنِ

وقد مسخوكَ أغنيةً ومرثيهْ

فتاه الصوتُ في الشفةِ الرماديهْ

وتاهَ عويلُ حزنكَ بين ضحكاتِ الأباطيلِ،

أيا وجهاً رواهُ دمي ونزَّ عليهِ صوتي واقتحاماتي

وروّيْتُ الجفافَ على بقاعكَ خضرةً، خِصبا

ودُرْتُ على ميادينِ المغافلِ رؤيةَ الغاوي

وعشْتُ مع المغانم صورةً خرساءَ

لا لونٌ ولا أُطُرُ

فديسَتْ رحلةُ الأيامِ في حربِ المسافاتِ

وغابتْ طرقُ اللهفةِ في سيلِ الأحابيلِ

فقالوا، ثم زادوا:

آهِ يا قصصَ الحناجرِ في التهامِ العشقِ،

هذا ابنُ المزاميرِ صدى الواحاتِ لم يروِهِ نبعٌ

جفَّ في حلقهِ نبتُ العشقِ،

وانطفأتْ شموسُ الرغبةِ الأولى ...

 

1971

عبد الستار نورعلي

........................

*(القصيدة كُتبتْ عام 1971 ونُشرت حينها في مجلة الثقافة للمرحوم الدكتور صلاح خالص)

 

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=54933:2011-09-22-11-48-02&catid=35:2009-05-21-01-46-04&Itemid=55

المثقف العدد 1887 22/09/2011

 

خاص بالمثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1896السبت 01/ 10 /2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1852 المصادف: 2011-10-01 13:57:30