نص وحوار

نص وحوار: مع الشاعر والقاص غريب عسقلاني ونصه: غناء لقمر بعيد14:بين التمرد والمثول

mayada aboshanabgareb_askalaniالمثقف تستضيف، ضمن برنامج نص وحوار، الشاعر والقاص غريب عسقلاني لتحاوره حول نصه:

(غناء لقمر بعيد14/التمرد والمثول)، فأهلا ومرحبا به.

  

 

غريب عسقلاني شاعر وقاص معروف، له حضور دائم في صحيفة المثقف، له مجموعات قصصية عديدة منها: الخروج عن الصمت، غزالة الموج، النورس يتجه شمالا. و12 رواية منها: أزمنة بيضاء، بيت في الأثير، ضفاف البوح، ومجموعة شعرية معدة للنشر باسم: الرقص في باحة الصمت.

 

جلال جاف: الشاعر والقاص غريب عسقلاني، بعد الاطلاع على نصك: (غناء لقمر بعيد 14: بين التمرد والمثول) وجدنا فيه من عناصر الإثارة والترميز والتأويل، ما دفعنا لاختياره لصفحة نص وحوار في المثقف، ومحاورته من خلال بعض الأسئلة تاركين الفرصة للقراء الكرام لطرح المزيد منها وإغناء الحوار بمداخلاتهم.

أهلاً وسهلاً أستاذ غريب عسقلاني في صحيفة المثقف باب: نص وحوار.

غريب عسقلاني: أتقدم بالشكر والامتنان لصحيفة المثقف الغراء التي أتاحت لي هذه الفرصة، للالتقاء بالقراء والمتابعين الأعزاء.

كما أتقدم بجزيل الشكر للزميلة الشاعرة ميادة أبو شنب والزميل جلال جاف، على صبرهما الجليل لاكتشاف خبايا النص.

ويطيب لي أن أشير هنا أن النص متعدد الأصوات حيث يتخفى الراوي في العصفور العجوز في المقطع الأول ليكونا شاهدين على الحكاية، بينما تقوم عصافير المقطعين الثاني والثالث، برحلة استكشاف للعذاب الأزلي في فيافي الغربة والاغتراب والاقتلاع بفعل فاعل، بتتبع حكاية فاطمة اليتيمة والعاشق عود الخيزران، وتنتهي بفجيعة اغتيال الصبي أحمد، العصفور الذي لم يتلون ريشه بالحلم بعد، أما المقطعين الرابع والخامس فنكون مع هناء ابنة فاطمة، التي تعيش المنفى قسرا زادها انتظار وليف غاب في بلاد الثلج، وصور من غابوا وسكنوا براويز الصور، ليكون صمتهم الأزلي ابلغ من كل كلام.

هذا النص المدور يمازج فيه الذاتي مع الموضوعي، في بنية قد تبدو ملتبسة، آمل أن تستفز المتلقي إلى اشتباك جميل مع ما تطرحه من أسئلة.   

 

س1: جلال جاف: في النص كثير من الرسائل الفكرية الإنسانية، من خلال شخصيات رمزية هي العصافير. العصفور شاهد عيان على فواجع الإنسان:

(النص/ حملتني الريح لأشهد موت) فيتألم بصمت حتى الموت (النص / ويخط الشيب ريشها ... صام على سر الحكاية ومات...).

لماذا ناب العصفور عنك للبوح بمكنونات نفسك؟

غريب عسقلاني: يحيلنا النص إلى فضاء يفرض طقوسه ورموزه ويختار شفراته، وفي النص اتكئ على معرفة أن العصافير سبقت الإنسان في التواجد على الأرض،واتخذت من الغناء أبجدية تعزف على العشق والوفاء وتبادلية الرقاد على بيض الحلم، لذلك تؤكد هذه الأبجدية أن الحب رديف الحزن عند الفقد، لذلك تخفى الراوي الأنا في العصفور العجوز حافظ الرواية والذي رجع به إلى فاطمة اليتيمة، التي ذهبت أمها في حالة خشوع صوفي، ليسندها العاشق للبراءة عود الزان الذي ينثني ولا ينكسر، ما يحيل المتلقي إلى البحث عن الأسباب واكتشاف رسائل النص الفكرية والنفسية والسياسة أيضا..

 

mayada_aboshanabس2: ميادة أبوشنب:  في النص عبارات تتصدر أبرز المحطات كإنذار شؤم لفاجعة قادمة.

(النص/ اذا قتلنا الذاكرة نموت... لا يغني قدر من حذر... هل تشيخ العصافير قبل أن تتعلم الغناء؟... هل تخون العصافير الغناء؟)

ما مدى مساهمة هذه العبارات كأسلوب تعبيري في خلق عنصر التشويق والترقب؟

غريب عسقلاني: هذه العبارات تؤكد الفجيعة التي حدثت وما زالت تحدث، ولعل مفردات  مثل النخيل والتمور، وكذا مقطع من أغنية شعبية انتمي إلى جغرافيا محددة، هي العراق الحبيب، كل ذلك يستحضر واقعا داميا ما زالت الفجيعة في جنباته، ومازالت الأحلام معلقة على مذبح المجهول.. الأمر الذي عصف بالغناء وجعل الجفاف والمنفي الداخلي والخارجي حالة حاضرة، وجعل هناء امتدادا لفاطمة بعد سبعين سنة محاصرة بالمنفى القسري ،وبالمصلوبين في إطارات الصور المعلقة على جدران الذاكرة..

وفي تقديري، أن النص قد انتقى هذه التراكيب والصور ونثرها في دروب الحكاية، للتشويق من خلال الالتباس بين المعاش والمأمول..

 

س3: جلال جاف:نجد في ثنايا النص مسافات زمنية متعددة  تتشكل فيها أبرز المحطات في حياة "فاطمة".

(النص/ هبطت طفلة للتو من حضن قمر... في فناء الدار "فاطمة" طفلة تلهو... وخرت الأم ساجدة... "فاطمة" تُرضع "فاطمة"... لم يشخ "أحمد"... وقبل أن ينطق أعادوه داخل تابوت...صامت "فاطمة" عن الكلام...ذبلت حتى سقطت.)

هل هناك ترميز ديني قيمي لمعاناة "مريم العذراء" ومصير ابنها؟

غريب عسقلاني: الذاكرة هنا نقية لم تتلوث بالآثام والخطايا، تذكرنا بالبتول مريم، التي هزت بجذع النخلة فتساقط عليها رطبا جنيا، لكن أي ذاق لرطب نخلة فاطمة التي لم تعصم أحمد من الذبح، هنا ربما تحضر المفارقة بين طاهرتين هما العذراء مريم والنقية البيضاء فاطمة، فمريم ملاحقة بالرجس من قوم اليهود، وفاطمة محاصرة بين الرفض المثول، ولم تتمكن الهرب بأحمد، لذلك تعيش الانتظار في زمن يبدأ بالموت وينتهي به، ما جعل العصافير تشيخ بفعل جفاف الأحلام..

 

س4: ميادة أبوشنب:في النص هناك فاتحة (النص/ الشمس جاءت عليلة ... عصفور عجوز رقد في حضني ... شهق ومات). ونهاية تحيلنا إلى فاتحة النص (النص/ رقد العصفور في حضني ونام ... هل ينال الدفء من شمس عليلة؟)

التحول من الموت في بداية النص إلى النوم في نهايته رغم أن الشمس عليلة في الحالتين، هل هو تفاؤل رغم كل المآسي؟

غريب عسقلاني: حقيقة الحقائق أن الغناء اسبق من النواح، ولأن العصفور العجوز / الراوي قد يذهب إلى الموت، فإن العصافير القادمة عليها أن تشعل شموس المجوعين العليلة، وهذا مع هناء تصعد على آلامها وأوجاعها وتغني لقمرها البعيد/الحبيب / الوطن

 

ميادة أبوشنب:شكرا لك مجددا استاذ غريب عسقلاني، وشكرا للحوار الممتع، وان نترك الباب مفتوحا لمداخلات السيدات والسادة، لإثراء الحوار أكثر مع جزيل الشكر والاحترام.

 

 

جلال جاف / ميادة أبوشنب

صحيفة المثقف

نص وحوار

 

.................................

 

gareb_askalani غناء لقمر بعيد (14) .. بين التمرد والمثول

غريب عسقلاني

 

هذا الصباح، لم تحجب غيوم كانون الشمس عن نافذتي، لكنها جاءت عليلة تجر في أذيالها عصفور عجوز رقد في حضني.. شهقت:

 " هل تهرم العصافير! ويخط الشيب ريشها!! "

مسح العصفور بعينيه المكان وصام.. رفرف حولي سبع دورات.. قبل وجنتيَّ، فهبط من جناحيه عصفوران صغيران.. قال العصفور العجوز:

-  إذا قتلنا الذاكرة نموت..

شهق ومات..

هل صام على سر الحكاية ومات؟!!

غرد العصفوران بصوت واثق:

- في الحكاية، العصافير لا تموت..

***

ركب عصفور ريح الشمال، قطع المسافة بين هجير الصيف وجليد الشتاء، هبط عند بيت حفر على بابه وشم كف تنهض فيه خرز زرقاء، تحيط بها كتابة انبثقت فجأة عن حبل سري، يحمل رائحة بعيدة.

 " لا يغني قدر من حذر.. "

فتح العصفور الباب على حذر، فغزته بدايات رجفة.. رأى طفلة في حضن قمر، تفرد جديلتين من ذهب وشمس، تضحك في وجهها عينان بلون ريحان معتق..

وفي الحكاية أن العصفور قطع من الماضي سبع عقود أو يزيد، ورأى في فناء الدار فاطمة، طفلة تلهو في ظل النخلة، فيما أمها غارقة في بحر الصلاة.. فجأة تسمر الوقت بعد ركعتين ودعاء فخرت الأم ساجدة.. صرخ العصفور لاعنا أقداره: 

- هل حملتني الريح لأشهد موت!!

هتفت الريح:

- الموت قدر.

وهتفت من وجعي:

- لِم يا عصفور عدت إلى أصل الحكاية؟!!

***

كل من يميز بين التمور، ويقرأ رائحة الطلع في مواسم الشوق، يحفظ عن ظهر قلب، أخبار امرأة عاشت في تلك الدار أميرة، ويعرف كيف تغير الفصول ألوانها، وكيف تغير الريح مسارها، وتحرف المجرات مسارها، إذا رجفت لؤلؤ الحقيقة في صدر الأميرة!!

في الحكاية فاطمة كانت أميرة عاشقة، ووليفها ظلها مثل عود الزان عند بهاء الحضور، والأميرة تصبح كائنا من بخور يعبق في الدار فيصير العاشق مهرا، يرى في عينيها المروج ضاحكة والعصافير أسراب أغنيات بعيدة..

" طالعه من بيت أبوها    

رايحه بيت الجيران.. "

تهزج فاطمة ملء عينيها للذي سكن القلب:

- الزان ينثني ولا ينكسر مهما تكالبت الخطوب!!

لِمَ عدت يا عصفور بالذي كان وكان.. هتفت ريح الصباح:

- لم يمت الذي كان!! لا تعذلي فاطمة يا هناء!!

***

وقف العصفور الثاني فوق إطار فضي تسكنه امرأة، عينيها باتساع بحر تطير بين ثنايا الماء..

يا إلهي هل تطير الأسماك في الماء!!

والمرأة تجلس على مقعد من أبنوس مطعم بزخارف من عاج، وأنا في حضنها ابنة شهرين نائمة على شبع من حليب كالعسل..

كل من أدركني من العمات والخالات، يؤكد أني كنت صورة طبق الأصل منها، وأنهن كم هتفن مندهشات:

- فاطمة ترضع فاطمة!!

وانشغلت بسري.. لِمَ تبدلت ولم يبقَ منها فيَّ غير ابتسامتها وجذوة دفء.. حتى كان يوما وكنت على ميعاد معه.. نسيت نفسي أمام المرأة، أطلت عليَّ في المرآة قالت:

- العشاق لا يطيقون الانتظار

- لِمَ تغيرتِ عني يا فاطمة؟!

- لأني لا أكون لأحد غيره

- من هو؟

- عود الخيزران

كان أبي يختلس النظر، ويضحك منتصرا، وكأني به يقول مباهيا:

" مهما تجملتِ يا عناء..فاطمة أجمل.."

هبطت فاطمة من البرواز.،أخذتني إلى صدرها، جاست بأصابعها في شعري تبحث عن أقمار وشموس.. همست:

- لا تقتلي جذوة قلبه بالانتظار

كانت أقرب عماتي إليَّ توشوشني:

- فيكِ جمال أبيكِ وروح أمك..

اصمت تملأني الدهشة، فيما عمتي تستحلب ريقا عذبا وتضحك:

- عندما يدركك العشق تدركين..

أحدق في الصورة المحاصرة داخل الإطار، يطل عليَّ أبي.. مهر يركض على عشب بكر..

***

هل تشيخ العصافير قبل أن تتعلم الغناء؟؟

لم يشخ أخي احمد، رفرف بجناحيه ولما يبلغ الحلم بعد، قبل أن يقلع أخذوه، وقبل أن ينطق أعادوه داخل تابوت ملوث بالخيانة!!

"يدفن دون بكاء.. دون وداع.."

هل تخون العصافير الغناء؟!!

ذهب أحمد، وحطت على الدار سحابة من وجوم، وصامت فاطمة عن الكلام.. ذبلت حتى سقطت بين ركعتين قرأت في الأولى آية التمرد، وفي الثانية آية المثول.. وها هي تحاصرني وهي المصلوبة دائما على الحائط، أو المحاصرة بين دفتي الألبوم، تحبس صرخة مكتومة..

وفي الحكاية رجع العصفور هبط على صدري مع شروق الشمس،  وشوشني:

-  أني رأيتها تتكئ على عود خيزران

رقد العصفور في حضني ونام.. وتساءلت:

هل ينال الدفء من شمس عليلة!!

 

(العدد: 1889 السبت: 24 / 09 /2011)

 

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=55035:-14&catid=35:2009-05-21-01-46-04&Itemid=0

 

خاص بالمثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1908الخميس 13 / 10 / 2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1864 المصادف: 2011-10-13 06:44:23