نص وحوار

نص وحوار: مع الشاعر سامي العامري ونصه: فناجين تحتَ نعاس الشموع / ميادة أبو شنب

mayada_aboshanabsamey alamriالمثقف تستضيف، ضمن برنامج نص وحوار، الشاعر والقاص سامي العامري لتحاوره حول نصه:

(فناجين تحت نعاس الشموع)، فأهلا ومرحبا به.

  

 

 

سامي العامري شاعر وقاص له حضور دائم في صحيفة المثقف، نشر العديد من المجاميع الشعرية، منها: السكسفون المُجَنَّح 2004 (طبعتان، العالَم يحتفل بافتتاح جروحي2010، أعراض حفاوتي بالزنبق 2010، أستميحك ورداً

2010 بالإضافة الى: حديث مع ربة الشفاء (رواية بلغة حديثة)2010، النهر الأول قبل الميلاد (مجموعة قصصية) 2010 .

 

ميادة أبو شنب:الشاعر سامي العامري بعد أن قرأنا نصك "فناجين تحت نعاس الشموع" وجدنا فيه رسائل فكرية انسانية تبثها بلغة رمزية ما دفعنا لاختياره لصفحة نص وحوار في المثقف ومحاورته من خلال بعض الاسئلة تاركين الفرصة للقراء الكرام لطرح المزيد منها وإغناء الحوار بمداخلاتهم

أهلاً وسهلاً بالشاعر سامي العامري في المثقف، في باب نص وحوار.

 

سامي العامري: كل الإمتنان للشاعر الجميل جلال جاف والشاعرة الراقية ميادة أبو شنب على هذا الحرص واللطف ومن خلالكما أشكر موقع المثقف العربي الثر كل الشكر وهو يتيح لي فرصة طيبة للإطلالة على القراء الذين أحبُّ وأحرص على تقديم ما يسرهم ويرضيهم، وأما عن نصي هذا فهو ينتمي لمجموعتي التي صدرت العام الماضي عن دار سندباد في القاهرة والتي بعنوان: أعراض حفاوتي بالزنبق .

 

س1: ميادة أبو شنب:(النص/ ألا شجرة صنوبر .. رأيتها تمر بلباسها الكهنوتي .. على صفوف ألأشجار) كشاهد على شجرة الصنوبر حين تمّر، بلباسها الكهنوتي، ببقية الاشجار أثناء غفوتها الشتوية. ما هي النصيحة التي تسديها لشجرة الصنوبر كي تبقى في كنف خليلاتها خلال بقية الفصول؟

سامي العامري: نعم شكراً لك، ليست عندي نصيحة ! ففي هذه القطعة كما هو واضح ثمة دعوة للإستمرار بالخضرة أو العطاء وترك السبات مهما كانت قسوة الظروف وكذلك ثمة دعابة متمثلة باعتداد شجرة الصنوبر بنفسها وتعنيفها للأشجار الأخرى كون الصنوبر دائم الخضرة خلاف بقية الأشجار، وما في تعبير الكهنوت من سطوة التقاليد والطقوس حيث الأشجار تقف مصطفّة وشجرة الصنوبر تمر أمام الجمع ما يوحي بجو من الهيبة أو الرهبة والأوامر القريبة من الإنضباط!

 

س2: ميادة أبو شنب:(النص/ أما الشموع فقد أنعسها بخار القهوة ......) أدمنت الشموع على بخار القهوة لينقلها الى عالمها السحري الخاص. أما القهوة فهي التي أدمنت على عالم إبداعك. كيف أغريتها بالادمان عليك؟

سامي العامري: نعم، سؤال لطيف، هنا محاولة مني لتوضيح ما هو واضح ! لأنّ عناء المبدع وسهره أمر ملازم للعملية الإبداعية فالكتابة ليست مهنة بالطبع وكذلك لا وقت محدداً يدق الجرس فيه لدخول صومعة التأمل ولا وقت يشير لانتهاء الحصة وأنا كثيراً ما أمارس الكتابة بصحبة القهوة حتى يخال لي أحياناً أنها حبرٌ آخر !

أو أن الحبر هو الذي ينبعث منه البخار !

وأما الشموع فأنا هنا أحتفي بميلادها وهذه مشاكسة للمعنى المتعارف عليه حيث الأصل أن يحتفي المرء بميلاده وذلك بإشعال الشموع وكل هذا اللف والدوران من أجل أن أقول بأن لا أحد عليه التدخل في نمط حياتي فأنا مسؤول عن صحتي التي قد يتعبها السهر والقهوة ثم إن صحتي أساساً أصابها التعب وجسدي أنحله الحب وعبرت عن الحب بطائر البجع وهو من العبارات التي أكثرْنا من استخدامها في الشعر والتعليقات منذ عدة سنوات أنا وبعض الأصدقاء كرمز للحبيب أو المرأة!!

 

س3: جلال جاف:(النص/ ولكنه كيأس الشاعر من قلمه..... بعد أن نضب مداده.....) يتملك المبدع، لحظة الالهام، شعور جارف للتعبير، وعدم يأسه من إستنفاذ ادوات الكتابة يحيله للاختراع "الحاجة أم الاختراع".كيف تبلورت فكرة الاظافر والمبراة بمخيلتك؟

سامي العامري: شكراً، سؤال جميل، في إحدى مراجعاتي لدوائر الدولة في مدينة كولونيا قبل عدة سنوات برقت في خاطري أو مخيلتي فكرة حسبتها خليقة بالتدوين وهي بالفعل كانت في وقتها إلهاماً مبهجاً فسحبت القلم وجلستُ محاولاً صياغتها وفي نوبة استغراقي بالتعبير عاندَ قلمي معي ! والطريف أنه لا أحد من المراجعين كان يحمل قلماً والأكثر مدعاة للبكاء وربما الغضب أن الموظفة التي كنا ننتظر دورنا لندخل غرفتها كانت هي الأخرى منهمكة بالكتابة وربما بسبب ضغط العمل والمراجعين اعتذرتْ بسرعة من أنها لا تملك قلماً أو لا تستطيع، وحينها تمنيتُ فعلاً لو أني أستطيع الكتابة بأظافري ! وحصل مثل هذا عدة مرات في حياتي وأعني حاجتي المفاجئة والملحة لقلمٍ أو ورقة وأذكر أن الروائي الكبير نجيب محفوظ قال مرة أنه كان مسافراً بالقطار إلى إحدى المدن

فباغتته فكرة وانتبهَ إلى أنه لا يملك أوراقاً معه فكان أن كتبَ هذه الفكرة على سيجارة من سجائره ! 

س4: جلال جاف:(النص/ بشرط ان تتناول ... توليفة جهنمية من العقاقير..... بل وسترى وطنك ثرياً) علينا الانزلاق الى عالم الهذيان كي نحيا بوطن عصري وثري بأطياف الوهم.

لِمَ وصلت خيبة املك من إمتلاك الوطن الحقيقي حد اليأس الابدي؟

سامي العامري: شكراً جزيلاً، لا أعتقد أني وصلتُ إلى اليأس المطلق ولكن تعبيري عن المخدر يتضمن الحث والإستفزاز للساسة الأنقياء لدينا من خلال تذكيرهم بأن العملية الساسية لدينا برمتها بحاجة إلى إعادة نظر وأولها التمثيل البرلماني والمحاصصة المقيتة ومحاسبة سُرّاق الشعب وبأنَّ لصبر الشعب حداً ينتهي عنده وأن الدجل الإعلامي الذي يصور العراق الحالي فردوساً للديمقراطية والعدل لا يصمد ولا يستطيع الناس تصديقه وهم تكتوون بالمعاناة اليومية من واقع مزرٍ وتبعاً لذلك لن يصدق أحدٌ دعاوى الكثير من السياسيين وما تصرح به فضائياتهم ووسائل إعلامهم إلا إذا تناول المرء أفيوناً !

 

س5: ميادة أبو شنب:كتب "جبران خليل جبران" عن المحبة: "وتعجنكم بدموعها حتى تلينوا، ثم تعدّكم لنارها المقدسة، لكي تصيروا خبزاً مقدساً يُقرّب على مائدة الرب المقدسة. كل هذا تصنعه المحبة بكم لكي تدركوا أسرار قلوبكم. فتصبحوا بهذا الإدراك جزءاً من قلب الحياة."(في نصك / الحب هو أن تجعل من البرد والحر..... قارورة دفء..... تهديها إلى العالم.) ما هي المكونات الاثيرية لأفخر قارورة دفء يهديها المحب للعالم؟

سامي العامري: شكراً جزيلاً ... وفي نفس السياق هناك مقولة أخرى لجبران أرددها كثيراً حتى أنني ضمنتها مجموعتي القصصية التي صدرت عن نفس الدار والتي تحمل عنوان: النهر الأول قبل الميلاد ... العبارة الجبرانية تنطوي على تصوف عميق وحكمة وجزالة أو سلاسة تعبيرية نادرة حيث يقول:

أحببتُ البشرَ، أحببتهم جميعاً

والبشرُ في عرفي ثلاثة:

الأول يبارك الحياة

والثاني يلعنها

والثالث يتأمل فيها،

أحببتُ الأول لسماحتهِ

والثاني لتعاستهِ

والثالث لمداركهِ ....

وأتذكر أني قبل هذا وتحديداً في بداية تسعينيات القرن الفائت قد هزني بعنفٍ مقالٌ لجبران كتبه في باريس وهو مقال فريد في روحانيته وإدراكه المتقدم لمعنى الوجود ومعناه هو على الأرض كشاعر وكإنسان وتمجيده للحياة، إنه مقال: يوم مولدي ... وما يدعو للإعجاب أكثر أنه كتبه وهو في الرابعة والعشرين من العمر وقد حفظتُ ومازلتُ أحفظ الكثير من مقاطعه رغم أن المقال استغرق سبع صفحات من القطع الكبير وأما عني فأنا رغم كوني أحيا في هذا العصر المادي الإستهلاكي وقسوته وما فيه من توجّهٍ محموم لكل ما هو حسي آني ورغم معرفتي بأني قد أخطأت في حياتي فالحب عندي يبقى أقرب إلى العرفان وأحسه في تائية إبن الفارض وعينية إبن سينا الفلسفية ووحدة الوجود عند ابن عربي وبديع أبيات رابعة العدوية المعبر عنه في عشقها الإلهي وفي طواسين الحلاج وألمسه أيضاً في مراثي ريلكه وانفعالات بيتهوفن وهو برأيي أجمل وأنبل ما يمكن أن يحمله الشاعر والفنان من رسالة للناس وللأرض وقد عبرتُ عنه بصيغ كثيرة شعراً ونثراً فهو جوع الحياة إلى الحياة، نشيدها، وأخر أبيات قصيدتي العمودية الأخيرة والتي تحمل عنوان: لوائح الحُب، هي التالي:

   ليس حباً ذلك الصوتُ الذي

لا يُدوّي طارداً كلَّ رقادْ

 

طارداً معنى اشتياقي لِسِوى

قَدَرٍ يَقلبُ كوني إنْ أرادْ

 

أنا في الحُبِّ فؤادٌ مُعجِزٌ

! حيث ما من خفقةٍ إلا فؤادْ

 

جلال جاف:شكرا لك مجددا الشاعر القدير سامي العامري، وشكرا للحوار الممتع، والان نترك الباب مفتوحا لمداخلات السيدات والسادة، لاثراء الحوار أكثر مع جزيل الشكر والاحترام.

سامي العامري: كل الشكر مرة أخرى وأخرى لكما ولصحيفة المثقف المرموقة وسعادتي كبيرة بأسئلتكما العميقة الرقيقة .

 

 جلال جاف / ميادة أبوشنب

صحيفة المثقف

نص وحوار

 

......................

 

فناجين تحتَ نعاسِ الشموع

سامي العامري

 

قيلَ:

المرءُ مخبوءٌ تحت لسانهِ

قلتُ:

نعم إلاّ حينما يعشق

فهو لا يستطيع الإختباءَ طويلاً

وهناك الطبيبُ ينتظر قراءة المِحرار !

 

حلُّ الشتاء،

الأشجارُ عاريةٌ كلُّها

إلاّ شجرة صُنوبر ...

رأيتُها تمرُّ بلباسها الكهنوتي

على صفوف الأشجار

ناعِتةً الجميعَ بعدم الحياء !

 

فَضْلٌ وكَرَمٌ أن يبسمَ لوردةٍ

إنسانٌ بذاكرةٍ مُعذَّبةٍ

أمّا مَن عاشَ في سعادةٍ مُبَوَّبةٍ

فلا عبيرَ لبسمتهِ

مَرَّ على الوردةِ

أم لم يمرَّ !

 

شاكسَني صاحبي قائلاً

رأفةً بالشموع،

رأفةً بالقهوةِ

وأخيراً رأفةً بصحَّتك

قلتُ لهُ:

أمّا الشموعُ فقد أنعسَها بخارُ القهوةِ

 فهي لا تكاد تُحسُّ

وأمّا القهوةُ فهي التي تسعى إليَّ

كلَّما تصفحتُ كتاباً

أو أمسكتُ بقلمٍ

وأمّا صحَّتي فغادرتْ منذ البدايةِ ...

صحَّتي رياحٌ كوَّمتُها

على أجنحةِ البجع

 

للحُبِّ حصانةٌ ضد اليأس ...

قد يكون هناك يأسٌ

ولكنه كيأسِ الشاعر من قلمهِ

بعد أن نَضبَ مدادُهُ

فهو هنا ينظرُ إلى أظافرهِ

ويُفكِّرُ بالمِبراة !

 

المرءُ في شبابهِ

ينسى أنَّ طفولتَهُ

تبكي حزناً على فراقهِ

وشيخوختَهُ تبكي لَهَفاً للقائهِ

فهو بين هذه وتلك

بسمةٌ مسافرةٌ

قطارُها الآلام

 ومحطاتُها الآثام !

 

عشقُ اللذة

كثيراً ما يوصلُ إلى الندم

ولكنْ دون طائلٍ

فالثمرةُ لا يمكن إرجاعُها

إلى غصنها بعد القطف

أمّا لذةُ العشق

فهي ثمرة أخرى

أو شمعة تولد باستمرار

وهناك مَن يحتفل بميلاد الشموع !

 

بلبلُ الأنهار هنا

أسودُ الريش

أحمرُ المنقار

فإذا كان الريشُ هو الليل

والمنقارُ هو الهلال

فإنكَ لن تتعثَّر

حين تسير على الضفاف

فالمناقيرُ يحاصرُكَ ضياؤها

بل لن تتعثَّر

حتى وإنْ سرتَ على الماء !

 

سألتُ النعامةَ:

لِمَ تُخفين رأسكِ في الرمال؟

قالت:

لكي أرى كم من القصور والكنوز

حَمَلَها البَشَرُ معهم

إلى عالَمِهم الآخر !

 

بوسعكَ أن تُصدِّقَ

أنَّ لنا برلماناً ودولةً عصريةً

بشرطِ أن تتناولَ

توليفةً جهنميةً من العقاقير !

بل وسترى وطنك ثرياً

وخيراتهِ بيد أبنائه

وبَناتهِ

لا بَناتِ آوى

 

ظلَّتْ تفتِّشُ عنه منذ طفولتها

إلى أن عثرتْ عليه يوماً ...

كان يمشي بثباتٍ على حبلٍ شاهقٍ

ولكنه ما أنْ رآها حتى اختلَّ توازنُهُ

فسقطَ

وكان يصغرُ كلَّما ازداد اقترابُهُ من الأرض

وأخيراً استقرَّ بين ذراعيها

فراحتْ تُهدهِدُهُ بفرحٍ

قالت:

ما أجملَ السقوط

سألها:

ولكنْ مَن تكونين؟

أجابتْ:

طفولتكَ

قال:

آه

علامَ إذاً يُعِيبون على آدمَ سقوطَهُ !؟

 

الخيرُ والشَّرُ

جوادانِ أصيلان

يَجُرّان عربةَ الحياةِ بتُؤَدةٍ

إنهما متفاهمان منسجمان

إلاّ مَن بيدهِ اللُّجام

فهو وحدهُ حائرٌ مُوزَّع !

 

 

الموتُ ليس قديماً جداً

وُلِدَ الموتُ لحظةَ ولادةِ الإدراك

وهو أشبهُ بالحريةِ

إحتاجَهُ الإنسانُ لتطوير مداركهِ

 

إذا هُم يُصرّون

على جعلِ القمرِ

عملةً نقديةً زائفةً

فبكِ تُشرقُ الحياةُ، بسماحتكِ،

بنسيمكِ الذي كلَّما تلَهَّفتُ لِلَمسهِ

مَدَّ أناملَهُ ليسدلَ على لهفتي

ستارةً من نعناع !

 

الحُبُّ ليس نافذةً

تغلقُها متى ما شعرتَ بالبردِ

وتفتحُها متى ما شعرتَ بالحَرِّ ...

الحُبُّ هو أن تجعلَ من البَردِ والحرِّ

قارورةَ دفءٍ

تُهديها إلى العالَم !

.........................

من مجموعة: أعراض حفاوتي بالزنبق .

دار سندباد - القاهرة 2010

(العدد:1909 الجمعة 14 / 10 / 2011)

 

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=55733:2011-10-14-12-40-25&catid=35:2009-05-21-01-46-04&Itemid=55

  

خاص بالمثقف

  

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1920الثلاثاء 26 / 10 / 2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1876 المصادف: 2011-10-25 04:37:20