نص وحوار

نص وحوار: مع الشاعر يحيى السماوي ونصه: اربعة زهور برية / ميادة ابو شنب

mayada_aboshanabyahia_alsamawiالمثقف تستضيف، ضمن برنامج نص وحوار، الشاعر الكبير يحيى السماوي لتحاوره حول نصه :

"أربعة زهور برّية"، فأهلاً ومرحباً به.

 

 

يحيى السماوي شاعر ورمز أدبي، اصدر تسع عشرة مجموعة شعرية. له حضور دائم في صحيفة المثقف    

تم تكريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي، وحاز على شهادة تقدير منها، كما اصدرت له المؤسسة كتاب تكريم. ثم حاز على جائزة الابداع لعام 2011 الصادرة عنها، وذلك عن منجزه الادبي.

 

ميادة أبو شنب:الشاعر يحيى السماوي بعد قراءة نصك: "أربعة زهور برّية" تجلت فيه تجربة حياة مرتبطة بقضايا تمسّ وجدانك وتغمرك بالقلق الوجودي على الانسان والوطن، ما دفعنا لاختياره لصفحة نص وحوار في المثقف ومحاورته من خلال طرح بعض الاسئلة.

أهلاً وسهلاً بالشاعر الكبير يحيى السماوي في المثقف، في باب نص وحوار.

 

يحيى السماوي: وأهلا بك شاعرة مبدعة وفلاحة فاضلة في بستان المثقف، ووتدا من أوتاد خيمتها المخضّبة بظلال ثقافة المحبة والتسامح.

 

 س1: ميادة أبو شنب:أن المبدع يستمد نصه من البيئة، المعرفة والخبرات المكتسبة من مشارف الوعي واللاوعي، ولا يمكن إنكار أن نصوصه السابقة او نصوص أدباء آخرين تتقاطع بكيفيات مختلفة لتصنع نصاً جديداً. وتميز صاحب النص يعطيه نظرة خاصة وتفاعلا خاصا لهما نصيب في إنجاز العملية الإبداعية.

 (النص: حيناً أرى - في الحلم - بادية السماوة .. واحة .. / وآل دجلة يسمرون على الضفاف .. / أرى بيوت الطين ضاحكة ..) هذه صور مشرقة وبالمقابل هناك صور داكنة (النص: وعن سر انطفاء العشب في مقلي .. وعن سبب الرحيل / أمضيت عمري واهماً .. / فإذا بيومي يلطم الشمسين من جزع .. على غدي القتيل)

ترسم بالكلمات لوحة بالوان الباستيل المشرقة لما يتمنّى أن يراه كل إنسان رغم تلبّد سماء الوطن بالسحائب الداكنة كما صوّر ذلك مبدعون آخرون نزفت ارواحهم شعراً ونثراً.

ما مدى تفاعلك مع نصوص شعراء آخرين في كتابة هذا النص ولأي مدى يساهم الشعراء في إزاحة الستارة الدّاكنة؟

 

يحيى السماوي: كلّ أديب فردٍ هو نتاج عدد كبير من الأدباء، لأن نبتته الأدبية نمت نتيجة استسقائه من نمير عدد كبير من الأدباء تأثر بهم أو تعلم منهم .. الأديب ليس " كمأ ً " ينبت في الصحراء من تلقاء نفسه .. إنه بذرةٌ ترعى نفسها ويرعاها غيره حتى تستقيم فتأتيه بالجنى .. على الصعيد الأدبي: أنا نتاجُ الذين تعلمت منهم وتفاعلت مع نتاجاتهم، لذا بقيت محافظا في كهولتي على طبيعتي التي جُبِلت عليها في طفولتي الأدبية، وسأبقى عليها ماحييت لأنني سأبقى أتعلّم ماحييت .. سأبقى مجرّد كلمة تسعى أن تكون جملة تامة في كتاب الشعر العربي الضخم .. أتعلّم من نصوص الآخرين وأتفاعل معها لكن لا أسمح لنفسي الذوبان فيها بحيث أغدو ظلا ً باهتا ً لأشجارهم أو صدىً لحناجرهم، فأنا أنشد مع السرب، غير أنني أنشد بحنجرتي الخاصة، لقناعتي بأنه من الأفضل للأديب أن يكون سعفة صغيرة تحمل ملامحه، خيرٌ له من أن يكون ظلا ً لشجرة حتى لو كانت هذه الشجرة أكبر من الأفق كشجرة المتنبي العظيم مثلا .

 أما فيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، فالذي أعتقده أنّ بمقدور الشعراء المساهمة في تجميل الواقع وليس في إعادة صنعه .. المساهمة في إضاءة زاوية من كهف العتمة، أو الإرشاد إلى نافذة ضوئية .. عصرنا ليس عصر جان جاك روسو وفولتير ومونتسكيو حين كان للكلمة دورها الفاعل في تغيير الواقع .. نحن نعيش الان في عصر " أسبرطة الجديدة " .. ليس أسبرطة قوى " بيتاني وكينوسورا وميسوا ولمناي " التي أرادت تركيع " أثينا " لجبروتها، إنما: عصر أسبرطة البيت الأبيض الذي يريد تركيع العالم لجبروته، لذا فمواجهة هذا الديناصور لاتتم بغزلان الكلمة إنما بنضال الشعوب والأمم ـ ومن دون شك فبمقدور الكلمة أن تكون أداة من أدوات ذلك النضال وليس الأدوات كلها كما في عصر جان جاك روسو .. بمقدور الكلمة أن تكون قنديلا للمساهة في إزاحة الستارة الداكنة، لكنها لن تكون الشمس .. نضالات الشعوب هي الشمس .

 

jalal_jafس2: جلال جاف:(النص/ حين أفقت على: الملثّم .. والفقيه الزّور.. والسيّاف .. والحامي الدّخيل/ ناطورنا لصّ .. وأمّا حارسو مرعى المدينة فالذّئاب / "أبرهة الجديد" في الكرخ .. وفي الرصافة الذّئاب).

أجتمعت قوى الشّر كلها بهدف سلب الأنسان كقيمة والوطن كوجود، كيف تردّ لهما الاعتبار؟

 

يحيى السماوي: لقد غفونا حالمين بعرس سومري يضع حدّا ً للديكتاتورية وتحطيم الصنم المؤلّه قسرا ً علينا .. لكننا أفقنا على مأتم ٍ هاشميّ، فالصنم قد تحطّم، لكن الصنمية بقيت .. إختفى ذوو البدلات الزيتونية، لكن ظهر الملثمون .. انتهت حكومة المركز الدموية، لكن ظهر أرخبيل حكومات تناسلت من رحم المحاصصة .. إختفى اللص الكبير، ففوجئنا بلصوص أكبر وأكثر جشعا .. أزيل الحصار الجائر عن العراق، لكن أصبح العراق بيتا مُخلّع الأبواب تسللت إليه قوى الشرّ من كل مكان ..

أما كيفية ردّ الإعتبار للعراق وطنا وشعبا، فأعتقد أنّ على أولي الأمر ردم مستنقع المحاصصة أولا، وأن يُعاد الإعتبار لمبدأ المواطنة بعيدا عن أي شكل من أشكال التمايز الفئوي والمذهبي والحزبي والمناطقي والعشائري (وأن يتزامن ذلك مع إجراءات ردع حازمة وصارمة بحق اللصوص والفاسدين إداريا ومؤسساتيا، وبحق الإرهابيين وحواضنهم ـ فلا يُعقل أن عشرات مليارات الدولارات تُختلس دون أن نشاهد المختلسين في قفص الإتهام .. ولا يُعقل أن تُصرف مليارات الدنانير لتأثيث قصر من قصور هذا المسؤول أو لتغطية رحلة ذلك المسؤول في وقت  تقلل فيه الحكومة مرة بعد أخرى مفردات البطاقة التموينية .. ولا يُعقل أن يبقى الإرهابيون في السجون مددا طويلة دون تنفيذ الحكم الرادع بهم لنفاجأ بإطلاق سراح بعضهم أو هروبهم بعد حين ..

 

س3: ميادة أبو شنب:(النص/

من حسن حظي

أنني أبدلت:

بالوطن المدينة ..

بالمدينة منزلاً ..

بالمنزل الطيني ركناً من بقايا حُجرةٍ ..

بالحجرة الشبّاك

أفتحه على نهرٍ بلا ماءٍ

وبستانٍ بلا شجرٍ

وفاختةٍ تفتش في الفضاء عن الفضاء)

بهذا التسلسل تأخذنا في رحلة مؤلمة من الأعلى (الوطن) لننتهي بالأسفل (ركن في حجرة البيت الطيني). تحاول أن تَقْنَع بالقليل كلما إشتد الطوق والحصار، حتى أنك ترضى بركن من بقايا حجرة لها شُبّاك على أمل بأن تحظى بالسكينة والسلام.

الإنتقال من الأوسع إلى الأضيق يمثل عدم الإستقرار ويتفاقم الوجع اليومي بفتح الشُباك على نهر بلا ماء وبستان بلا شجر وفاختة تفتش عن فضاء.

كانت هذه شهقة ألم من واقع مرير، ولا بدّ أن روح الشاعر المرهف تفاعلت معه وشكّلت نقطة تحوّل أنتجت نسيجا من الصور الشعرية. للوصول الى الصورة الشعرية لانفعال الروح يمرّ الشاعر بلحظة معرفية تدمج الحاضر والماضي معاً.

من أي دمج توالد هذا النص؟

 

 يحيى السماوي: كنت مدرسا في إعدادية السماوة .. وزّعت النقابة (بإشراف حزب السلطة ومديرية الأمن طبعا) قطع أرض على المعلمين والمدرسين .. لكني لم أحصل على متر مربع واحد (أنا وكثيرون غيري) .. فاكتفيت من كل مساحة العراق بغرفة في بيت أبي قبل أن أستأجر حجرة وصالة صغيرة لمكتبتي من بيت يُطل على أخدود كان يوما مجرىً لمياه الأمطار .. في هذه الحجرة ولدت طفلتي البكر .. وفي هذه الحجرة كنت أخطط للهرب من العراق فكان جوابي لأبي حين يوبّخني لنيتي في الهروب: ما الذي سأخسر لو هربت مادمت لا أملك في وطني بضعة أمتار؟ فيجيب: ستخسر الأصدقاء .. فأجيبه: إن لم يهربوا فسيعدم أكثرهم (وهذا ما حدث فعلا) ولكن المفارقة أنني هربت من العراق بعدما امتلكت بيتا جميلا بناه لي أبي رغم أنني وزوجتي كان لنا راتبنا كمدرسين قبل طردي من مهنة التدريس (طبعا سامي العامري يعرف ليش كان راتبي ما يكفيني ثلاث أسابيع) .. هذه الخلفية كانت حاضرة حين كتبت القصيدة سيدتي الأخت الشاعرة المبدعة .

 

س4: جلال جاف:(النص/ أنَّ نـخـيـلَ دجـلـة َ لايُـجـيـدُ الإنـحـنـاءَ

ولا يـمـدُّ ظِـلالـهُ لـلـمـارقـيـن َ.. وأنّ بـاديـة َ الـسـمـاوة ِ لا تُبـادِلُ بالـرّمـالِ

الـتـبـرَ والـيـاقـوتَ ..)

بالرغم من القهر والاستلاب فإن الارض/الوطن، الممثلة بدجلة ورمال السماوة والنخيل، لا تتحمل قوى الشّر ولا ترضى بغير عاشقها.

من هو هذا العاشق الذي يعيد الكبرياء للوطن؟

 

 يحيى السماوي: لست متفائلا فأقول إن العراق سينجب في الغد القريب " عبد الكريم قاسم " جديدا، يكون هو العاشق الذي يعيد الكبرياء للوطن .. أعني قائدا له نزاهة عبد الكريم قاسم وبياض يده وتغليبه مصلحة الوطن والشعب على نفسه وأسرته وعشيرته .. لكن العراق يبقى ولودا حتى لو عقم الزمن .. الأمهات العراقيات اللواتي أنجبن عبد الكريم قاسم وسلام عادل وآية الله العظمى المفكر محمد باقر الصدر ـ كأمثلة وليس حصرا ـ سينجبن أفذاذا آخرين حتما .. ثمة في النخبة السياسية التي تتصدر واجهة المشهد السياسي حاليا، وطنيون أبرار .. لكن وجود الكثير من غير الوطنيين الأبرار يحول دون إنجاز ما يطمحون، أو يعرقلون المسيرة ـ ومثل هؤلاء من إفرازات نظام المحاصصة المقيت

الحاضر العراقي ليس بهيا، لكنه أيضا ليس معتما تماما .. الواقع العراقي الراهن أفضل بما لايُقاس مما كان عليه في ظل النظام الديكتاتوري السابق .. هو رأيي الشخصي ورأي غالبية الشعب العراقي ربما .

 

س5: ميادة أبو شنب:في نصك كلمات إزدادت وهجاً كلما قرأته. كلمات عبارة عن شاطيء خلفه بحر من المعاني. طاردتني فلاحقتها حتى حاصرتها بإطار السؤال.

ماذا تُخفي هذه الصدفات من لآليء؟

 

يحيى السماوي: الفتيل: الشرارة التي يمكن أن تحرق الغابة فيعجز النهر عن إطفاء الحريق إلآ بعد أن تأكل النار حطبها فتخمد من تلقاء نفسها ـ كفتيل بوسعيدي مثلا ..

الرحيل: البحث عن مكان آمن أنصب فيه خيمتي لأغفو دون الخشية من سيارة مفخخة أو ساطور ملثم أو مسدس كاتم ..

أبوعوف: المواطن العراقي العظيم " عثمان " الذي أنقذ حياة عدد من زوار الإمام الكاظم عليه السلام الذين سقطوا في نهر دجلة، ولم يتوقف عن الإنقاذ رغم التعب فآثر أن يغرق وهو يحاول إنقاذ المزيد .. إنه النموذج الأمثل للمواطنة الصالحة .. ليت أولي الأمر يقيمون له نصبا تذكاريا في موقع الحدث ويُطلقون اسمه على الكورنيش الذي استشهد في نهره .

الشمسان: هما الشمس والقمر كناية عن النهار والليل باعتبارهما الشفتين اللتين يتكون منهما فم اليوم الواحد .

المنزل الطيني: رمز لبيوت الكادحين مثلما هو رمز للريف شغفت به طفلا وصبيا وشابا ولازلت ..

الفاختة: الأنثى بتجلياتها وهديلها ووداعتها وبياض روحها لا أجنحتها ..

نخيل دجلة: دجلة هي العراق كله، ونخيلها شعب العراق ..

طفل مشمس العينين: الطفل المعافى لا الطفل الشائه الذي شاع في الولادات العراقية الجديدة نتيجة تلوث البيئة باليورانيوم المنضب الذي استخدمه الوحش الأمريكي لاحتلال العراق .. هذا الوحش المجرم الذي اتخذ من العراق مختبرا لتجربة آخر مبتكراته لآلة القتل والتدمير والإبادة الجماعية .

بـاديـة َ الـسـمـاوة: هي الطبيعة العذراء وهي السموأل والمتنبي كما هي سجن نقرة السلمان حيث كان خيرة مناضلي العراق يرزحون في عنابره .

التي صارت تسمى: هي " الحبيبة الزوجة " التي أكرمني الله بها فعقدت على تويجات روحها البتول قِران مياسم قلبي، وطردتْ بملائكة طهرها شياطين جسدي .

 

س6 جلال جاف:كتبت الشعر العامودي وأعتقد أن شعر التفعيلة هو الأغلب في شعرك. وكتبت ما يُسمى بقصيدة النثر (وتسميه النثر الفني) ولك فيه "جرح بإتساع الوطن" و "مسبحة من خرز الكلمات" و "شاهدة قبر من رخام الكلمات".

هل يجد "البوح السماوي" نفسه في ما تسمّيه "النثر الفني"؟ ولمَ لا تسمّيه "قصيدة"؟

 

يحيى السماوي: قد تستغرب لو اعترفت لك يا صديقي بأنني أقرأ النثر الفني ـ في السنين الأخيرة خاصة ـ أكثر من قراءتي الشعر البيتي والتفعيلي .. أنقل لك التالي:

أنا كثير السفر .. وفي كل سفرة أعود محملا بالكتب .. حدث يوما أنني لم يبق معي من النقود غير القليل وكنت بحاجة لديوان المتنبي شرح العلامة البرقوقي .. دخلت مكتبة دمشقية في الحلبوني فاشتريت الديوان، لكنني وجدت ديوان محمد الماغوط " شرق عدن .. غرب الله " وديوان سنية صالح، فأعدت ديوان المتنبي واشتريت ديواني الماغوط وسنية صالح، وحين وصلت استراليا طلبت من صديقي الشاعر والناشر سامي أحمد أن يبعث لي ديوان المتنبي فأرسله . .. هذا لا يعني أنني أفضل الماغوط على المتنبي ـ حاشاني من ذلك، فالمتنبي شاعر العصور كلها .. لكنه يعني أن منزلة النثر الشعري أو الفني أو قصيدة النثر عندي، كمنزلة الجفن من الأحداق .

أما لماذا أتعمد وضع جملة " نصوص نثرية " على صدر إصداراتي النثرية، فلسببين، أولهما أنني لا أعتبر النثر أقل منزلة من الشعر ـ فعصر الجاحظ كان يزخر بآلاف الشعراء، ومع ذلك خلد نثر الجاحظ ولم يُخلّد شعر المئات من مجايليه .. وثاني السببين هو أن المُسمّى أو عنوان الجنس الأدبي لا يعني شيئا حيال محتوى الجنس الأدبي .. نحن نحب من البرتقالة اللب وليس القشر يا صديقي .. التسمية لا تعني شيئا في ضوء هذا الخلاف الهامشي على العنوان .

 ثمة سبب ثالث ليس دقيقا تماما، وهو أنني لا أزعم بكوني قد امتلكت ناصية مستلزمات قصيدة النثر .. إذ مازلت أحبو في دربها الشائك والطويل ياصديقي الشاعر المبدع .

أصدقك القول إنني أجد نفسي فعلا في البوح النثري .. حين أكتبه أشعر بخدر لذيذ يملأ روحي فأنتشي حبورا ..

 

جلال جاف: شكرا لك مجددا الشاعر القدير يحيى السماوي، وشكرا للحوار الممتع، والان نترك الباب مفتوحا لمداخلات السيدات والسادة لطرح المزيد من الاسئلة لاثراء الحوار أكثر.

 

مع جزيل الشكر والاحترام

ميادة أبوشنب / جلال جاف

صحيفة المثقف

نص وحوار

..............................

 

أربع زهور برية

يحيى السماوي

 

yahia_alsamawi(إلى إبنتي الشاعرة والقاصة القديرة بلقيس الملحم: هدية متواضعة أقدمها بحياء ريثما أردُّ على قصائدها المهداة لي ولأم الشيماء والشيماء بقصيدة  بمستوى ما أهدت)

 

 (1)

 

لابـدَّ أنـكِ تـسـألـيـن الان

عـن أسـبـابِ إيـقـادي الـفـتـيـلْ

 

فـي ورد أحـلامـي ..

وعـن سـرِّ انـطـفـاءِ العـشـبِ

فـي مـقـلـي ..

وعـن سـبـبِ الـرّحـيـلْ

 

أمضـيـتُ عـمـري واهِـمـا ً..ً

حـيـنـا ً أرى ـ فـي الـحـلـم ِ ـ بـاديـة السـمـاوةِ

واحـة ً ..

والـنـخـلَ ـ وهـو مـآذنـي الـخـضـراءُ ـ

يـرفـلُ بـالـهـديـلْ

 

وأرى " أبا عـوفٍ " و " عـمّـارَ بن يـاسِـرَ "

يـثـردان ِ الـخـبـزَ فـي صـحـن ٍ

ويـقـتـسـمـانِ مـا فـي الـكـوز ِ مـن دمـع الـسـمـاءِ ..

وآلَ دجـلـةَ يـسـمـرون عـلـى الـضـفـافِ ..

أرى الـخـلـيـلـة َ والـخـلـيـلْ

 

يـتـنـاغـيـان ِ ..

أرى بـيـوتَ الـطـيـن ِ ضـاحـكـة ً ..

أرى الـعـشـاقَ

يـفـتـرشـون سـاحـاتِ الـمـدائـن ِ فـي الأصـيـلْ

 

حـتـى أفـقـتُ عـلـى:

الـمُـلـثّـم ِ ..

والـفـقـيـهِ الـزُّور ِ ..

والـسـيّـافِ ..

والـحـامـي الـدخـيـلْ

 

فـإذا بـيـومـي يـلــطـمُ الـشـمـسـيـن مـن جـزع ٍ

عـلـى غـديَ الـقـتـيـلْ

**

 

(2)

 مـاذا سـأخـسـرُ

حـيـن يـقـتـحـمُ الـخـرابْ

 

كـهـفَ الـكـهـولـة ِ

حـيـث جـثـمـانُ الـشـبـابْ؟

 

لا شـيءَ يـخـسـرُ شـوكُ أيـامـي

إذا انـحـسَـرَ الـسّـرابْ !

 

الـمـاءُ مـن حـجـر ٍ ..

وأرغـفـة ُ الـمـديـنـة ِ مـن ضـبـابْ

 

نـاطـورُنـا لـصٌّ ..

وأمّـا حـارسـو مـرعـى الـمديـنـة ِ فـالذئـابْ

**

 

(3)

 مـن حُـسْـنِ حـظـي

أنـنـي أبـدلـتُ:

بـالـوطـنِ الـمـديـنـة َ ..

بـالـمـديـنـة ِ مـنـزلا ً ..

بـالـمـنـزل ِ الـطـيـنـيِّ ركـنـا ً مـن بـقـايـا حُـجـرة ٍ ..

بـالـحـجـرةِ الـشـبّـاك َ

أفـتـحُـهُ عـلـى نـهـر ٍ بـلا مـاء ٍ

وبـسـتـان ٍ بـلا شـجـر ٍ

وفـاخـتـة ٍ تـفـتـشُ فـي الـفـضـاءِ عـن الـفـضـاءْ

 

مـن حـسـنِ حـظـي

أنـنـي هـيّأتُ:

حـقـلـي لـلـخـريـفِ ..

ولـلـحـريـق ِ الـسّـنـديـانـة َ ..

والـحـديـقـة َ لِـلـيـبـاب ِ..

ولـلـفِـراق ِ الأصـدقـاءْ

 

مـن حـسـنِ حـظِ الـعـشـق ِ

أنَّ نـخـيـلَ دجـلـة َ

لايُـجـيـدُ الإنـحـنـاءَ

ولا يـمـدُّ ظِـلالـهُ لـلـمـارقـيـن َ..

وأنّ بـاديـة َ الـسـمـاوة ِ لا تُبـادِلُ بالـرّمـالِ

الـتـبـرَ والـيـاقـوتَ ..

والمعـصـومـة َ الأعـذاق ِ تـنـسـجُ سـعـفـهـا كـوخـا ً..

تُـبـايـعـنـي أمـيـرا ً فـي بـلاطِ الـوردِ ..

عـرشـي قـلـبُـهـا

والـصّـولـجـانُ الـكـبـريـاءْ

 

وإذن؟

سـأطـبـقُ مـقـلـتيَّ عـلـى غـدٍ عـذب ٍ

أرى وطـنـا ً بـلا قـهـر ٍ

ومـئـذنـة ً تُـكـبّـرُ لـلـهـوى

فـيـؤمّ بـالـعـشـاقِ طـفـلٌ مُـشـمِـسُ الـعـيـنـيـن ِ

يـلـبـسُ بـردة ً خـضـراءَ مـن عـشـب ٍ ومـاءْ

 **

 

(4)

 حـلـمـتُ يـومـا ً

أنـنـي

جـنـاحْ

 

وكـان مـا بـيـنـي

وبـيـن

الـوطـن ِ الـمُـبـاحْ

 

مـشـنـقـة ٌ

تـمـتـدُّ مـن سِـتـارة ِ الـلـيـلِ

إلـى

نـافـذة ِ الـصّـبـاحْ

 

وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ

كـانـت الـسـمـاءُ صـهـوةً

وسـرجُـهـا الـرّيـاحْ

*

 

حـلـمـتُ يـومـا ً أنـنـي صـرتُ

أبـا نـؤاسْ

 

وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن الـوطـن الـجـريـحِ

جـوعٌ ودمٌ

يـسـيـلُ مـن مـئـذنـة ٍ

وروضـة ٍ مـذبـوحـة ِ الأغـراسْ

 

وحـيـنـمـا هـاجَـرَ مـن أحـداقـيَ

الـنـعـاسْ

 

رأيـتُ جـفـنـي زِقَّ أحـزان ٍ

وجـرحي كـاسْ

 *

 

حـلـمـتُ يـومـا ً أنـنـي

قـنـديـلْ

 

وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن الأهـلِ

صمـتٌ عـارمٌ

وصـرخـة ٌ تـنـبـئُ عـن قـتـيـلْ

 

وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ

كـانـت الـفـراشـاتُ عـلـى نـافـذتـي

تـنـسـجُ لـيْ مـن كـحـلـهـا

مـنـديـلْ

 *

 

حـلـمـتُ يـومـا أنـنـي

بـسـتـانْ

 

وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن الـعـشـبِ

جـمـرٌ

يـنـفـثُ الـدُّخـانْ

 

وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ

كـانـت الـعـصـافـيـرُ عـلـى نـافـذتـي

تـزقُّ روحـي بـنـدى الأغـانْ

 *

 

حـلـمـتُ يـومـا ً أنـنـي

الـعـراقْ

 

وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن الـلـهِ

والـمـحـرابْ

 

" أبـرهـةُ الـجـديـدُ " فـي الـكـرخ ِ

وفـي الـرصـافـةِ الذئـابْ

 

وحـيـنـمـا فـركـتُ أحـداقـي

تـخـثّـرَتْ عـلـى أجـفـانِـهـا الأهـدابْ

 *

 

حـلـمـتُ يـومـا ً أنـنـي

ربـابـةْ

 

وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن مـعـزفـي

حـنـجـرةٌ تـنـهـلُ مـن بـحـيـرة ِ الـكآبـةْ

 

وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ

سـال الـضـوءُ مـن أصـابـعـي

وأمـطـرتْ حـديـقـتـي سـحـابـةْ

 *

 

حـلـمـتُ يـومـا أنـنـي

سـادِنُ مـحـرابِ الـتـي صـارتْ تـسـمـى

نـخـلـة الـلـهِ بـبـسـتـانـي

وظِـلَّ الـلـهْ

 

فـي جـسـدِ الـتـرابِ والـنـيـران ِ

والـمـيـاهْ

 

وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ

كـانـت لـغـتـي

تـخـلـو مـن الـشـوكِ

وجـمـر الآهْ

 **

 

 http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=56174:2011-10-25-03-31-29&catid=35:2009-05-21-01-46-04&Itemid=55

(العدد:1920 الثلاثاء 26 / 10 / 2011)

 

خاص بالمثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1930الجمعة 04 / 11 / 2011)

  

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1886 المصادف: 2011-11-04 13:19:13