 نص وحوار

نص وحوار: مع الاديب عبد الفتاح المطلبي ونصه: الطفوّ

abdulfatah_almutalibimayada aboshanab2المثقف تستضيف، ضمن برنامج نص وحوار، ألأديب والقاص عبد الفتاح المطلبي لتحاوره حول نصه:

(الطفو)، فأهلا ومرحباٌ به.

 

 

عبد الفتاح المطلبي أديب وقاص له حضور دائم في صحيفة المثقف، يكتب القصة والشعر،والمقال.

 

جلال جاف:الأديب عبد الفتاح المطلبي بعد أن قرأنا نصك "الطفو" وجدنا فيه سياحة فكرية فلسفية في معنى الاشراف على الموت، ذلك السر الرهيب والحدث الحتمي الذي شغل العقل البشري منذ وجوده، ما دفعنا لاختياره لصفحة نص وحوار في المثقف ومحاورته من خلال طرح بعض الاسئلة.

أهلاً وسهلاً بالأديب عبد الفتاح المطلبي في المثقف، في باب نص وحوار.

 

عبد الفتاح المطلبي: شكرا للشاعر الكبير الأستاذ جلال جاف والرائعة الشاعرة ميادة أبو شنب على اختيارهما لنصي (الطفو) ضمن برنامجهما الرائع (نص وحوار) وشكرا ً لصحيفة المثقف وهي تمنحني هذه الفرصة الثمينة بطرح هذا النص للحوار وأهلا بهما متمنيا للجميع الصحة والسعادة .

 

mayada_aboshanab2س1:ميادة أبو شنب:النص/ ما أقوله بعد هذه اللحظة هو الحقيقةُ وما صار ورائها لم يعد كذلك، تموت فيه الحقيقةُ وتتلاشى خلف مربع الذهن منفيةً إلى بُعدٍ ما، ما الفائدة، ما الجدوى مما قرأت وسمعت ورأيت قبل هذه اللحظة التي تقف فيها روحي في موقف الإنتظار والترقب تحتَ خيمة سكونها المطلق ووحدتها دون شيءٍ تستندُ عليه في لحظة ضعف.)

يسبب الاشراف على الموت حالة إنفعالية نابعة من هول الحادثة التي تتمثل بالاقتراب من نهاية الحياة الحافلة بالمشاركة والحيوية والانتقال إلى عالم اخر والذي يتوارى خلف الوحدة، السكون والضعف. بسبب هذا الكم الانفعالي الهائل المرتبط بأحجية الموت، سعى الدين الاسلامي، كبقية الاديان، لتفسير وفك غموض عالم الموت.

فعلى أي موروث ثقافي استند نصك؟

 

ج1: عبد الفتاح المطلبي: شكرا لكِ. كما تعلمين إن الهم الإنساني بشكل عام محصور بين قوسي ثنائية الحياة والموت في كل العصور وفي كل الثقافات، وقد شكل هاجس الموت ظلا قاتما يجاور الحياة ويسير بجانبها حيثما تسير، أدى ذلك إلى لجوء الإنسان إلى إلى اجتراح طرق عديدة لمجابهة هذا الهاجس الممض أو محاولة التقرب منه والتصالح معه عبر اختراع شتى الأساليب وعندما دخل الإنسان في عصوره التنويرية وأمدته السماء بإجابات دعته إلى أن يجعلها يقينية أحيانا ليتفرغ الإنسان إلى بناء حياته والعيش بسلام والحديث يطول عن ذلك وقد استغرقته مؤلفات عديدة تختص بالمثيولوجيا وعلم الأديان، لكنني في نص "طفو" لم أناقش مسألة الموت ولم أقترب منها إنما كان النص يتحدث عن لحظات يقترب فيها البطل من حافة الموت دون الوصول إليه كما هو واضح من سياق القصة،ففي هذا النص استخدمت ما استقيته من بعض التجارب التي قرأت عنها حول أشخاص قد وصلوا لحافة الموت عندما رأوا أنفسهم في ما يشبه الطفو فوق وجودهم وشعروا أنهم ينظرون إلى أجسادهم مسجاة بين أيدي الأطباء دون أن يستطيعوا لأنفسهم شيئا، في نص طفو حاولت استجماع انطباعاتي عن تلك التجارب لأوظفها بسياق النص وتلاحظين أنني لم ألجأ إلى إسلوب التفسير الذي يحتم في هذه الحالة الرجوع إلى مرجعيات معينه، فالموت كما قلت هو غيب تام لا نعرف عنه شيئا ولم يحصل إن عاد ميتٌ من موته وأخبرنا بما يحصل وحتى في الموروث الثقافي لن تجدي نصا يؤكد أو يشرح عالم ما بعد الموت إلا بحدود التصورات،

 

س2: جلال جاف:في النقد الأدبي، يطلق اسم تيار الوعي Stream of consciousness أو سيل الوعي على التقنية الأدبية التي تسعى لإظهار وجهة نظر الشخص من خلال صياغة تسلسل الأفكار بصيغة كتابية، وهذه الأفكار إما أن تكون محادثة داخلية، أو تكون متعلقة بأفعال وتصرفات الشخص.

يعد تيار الوعي نوعاٌ من كتابة الحوار الداخلي للشخص وهذا ما أراه في النص.

 الأهداف التقليدية للّجوء الى أسلوب تيار الوعي هي:

التحرر من شروط الحبكة الواقعية، فسح المجال للترميز والإسقاط والتجريب الجدلي والاستعراض المهاري؛

أرى في النص تصويراٌ لتموجات الحياة الأخرى مع تماهي "الأنا" وظهور عنصر الزمن بشكل نسبي ومتبدّل يذكرني بمحطة أساسية على الطريق التي سارت عليها الكاتبة "فرجينيا وولف" خلال بحثها عن شكل جديد وجريء للسرد الفني،

والتي بدورها تأثرت ب "جيمس جويس" الأديب الآيرلندي صاحب "عوليس" ومبدع المونولوجات الداخلية.

 الى أي مدى تأثرت بهذه التقنية الأدبية وماهي مصادرك القرائية التي أثرت في نصك هذا عالميا وعربيا، وهل تأثرت بالكاتبين المذكورين؟

 

ج2: عبد الفتاح المطلبي: نعم أنا أوافقك على ما ذهبت إليه فنص (الطفو) ينتمي إلى بعض ملامح تيار الوعي وبعض ملامح الواقعية السحرية أو لنقل أنه خليط منهما، فقد عرفت الروائية فرجينيا وولف بكتابها النقدي المهم (القاريء العادي)، عرفت تيار الوعي بأنه أسلوب التسلسل العفوي للأفكارأو هو التداعيات الحاصله في العقل بتأثير حدثٍ ما وبشكل عفوي، أما "جيمس جويس" رائد تيار الوعي عبر رائعته " عوليس" فقد ركز على تفاصيل صغيرة وكثيره في ما يعتمل بداخل الإنسان بما يشبه الرحلة باتجاه الداخل بعدما كان جل اهتمام فن القص على العالم الخارجي وأقصد الخارج عن النفس إذ كانت النصوص تتوقف عند توصيفات السلوك الظاهري ومجريات النشاط الإجتماعي دون الذهاب بعيدا في العمق لذلك كان تيار الوعي هو الإتجاه الآخر المعني بما يعتمل في تداعيات عميقة في النفس البشرية وما ينتج عن هذه السياحة الداخلية من حلول وآراء تساهم في معالجة الأمور والكشف الإستباقي لجذور المشكلة والإعتراف بها ومن ثم إيجاد حلولها المناسبة وفي نص"طفو" البطل هنا يمارس مونولوجا داخليا مع الغربة في البعدين الزماني والمكاني مما يؤدي إلى حالة طفو اللاوعي المهمل في قعر الذاكرة بشكل انتقائي لمحاولة التعبير عن موقف ما بعد إزاحة عوامل ركود الذاكرة عند الوصول لحافة الموت، ولا شك أنني تأثرت بما قٌرأت فرواية "عوليس" لا غنى عن قرائتها لأي متابع في الأدب وتأثرت بالواقعية السحرية وما يمثلها من روادها في أمريكا اللاتينية أمثال "غارسيا ماركيز" وروايته "مائة عام من العزلة" و"خوان رولغو" ورائعته" بيدرو بارامو" الذين تعلمت منهما أنه يمكن إخضاع الظواهر الخارقة والماورائيات وحالات الهيمان والطفو فوق الجسد واستخدامها من أجل الوصول إلى ما يريد الكاتب.

 

س3: ميادة أبوشنب:النص/ يستمرُّ لهاث اللحظات ومجاهدتها لبعضها بطريقة عابثة وعلى نسقها ومن خلالها حضرت ذكرى ذلك الببغاء الأخضر كما كنت أراه في طفولتي وقد وضعه الحاوي في دولاب يدور بفعل ثقل الطائرلا بإرادته أو إرادة الحاوي وكلما دار الدولاب نقل الطائر قدمه إلى قصبةٍ أخرى من الدولاب لتزاح هذه القصبة تاركةً مكانها إلى قصبةٍ أخرى قادمة ٍ يحط الطائر قدمه عليها وهكذا سيدور الدولاب ليبقى الطائر مجبراً على هذا المسير في دربٍ لا ينتهي حتى مشيئة الحاوي بإيقاف ذلك.

التشبيه أداة يستعين بها الكاتب لتوضيح فكرة معينة وتزيدها عمقاً. دوران الدولاب وتعاقب القصبات كان تشبيهاٌ موفقاٌ لتتابع اللحظات اللاهثة، والطائر المُجبر على مواصلة نقل قدميه من قصبة الى آخرى يمثل الانسان المُسيّر في حالة إشرافه على الموت.

وماذا يمثّل الحاوي؟

 

ج3: عبد الفتاح المطلبي: هذا سؤال جوهري. فيما يتعلق بالنص فقد أردت من خلال جعل ذكرى الطائر الأخضر الإشارة إلى أن الجزء الأساسي أو اللبنه الحقيقية في وعي الكائن البشري هو ما اختزنته طفولته من انطباعات أولية عن العالم الخارجي وربطها بتعالق محكم بوعيه المتفلسف فيما بعد لذلك فإن هذه الحادثة وانتقائها لتوجد في تلك اللحظة المقتربة من حافة الموت تعبر عن موقف وجودي مفاده أن الحياة تسير بشروط خارجيه وهذه الشروط ممثلة برجلي الطائر ولكنها أيضا لا تملك من أمرها شيئا فهي قد وضعت في ذلك الموضع من قبل قوة خارجيه أكبر وما أعنيه بالحاوي هنا هو تلك القوة ولاحظي إن كلمة الحاوي تعني فيما تعنيه لفظيا الذي يحوي أي الذي يقدر على الإحتواء وعموما إن الحاوي هنا يمثل تلك القوى التي تسيطر علينا ولا نسيطر عليها.

 

س4 جلال جاف:(النص/ تملأني الرغبة بالطيران من جديد فقد كانت ذكرى الطائر الأخضر أكثر بهجةٍ من حركة المقبض البندوليةِ فوق سرير المشفى وبدت اللحظات ساكنة تماما تدلق لسان زمنها وكأنها كائنات راسبة في قعر ما تنتظر من يحركها لكن دون جدوى فأنا الآن كسمكة أخرجت من الماء لزمن طويل وقد أعيدت الآن لوشلٍ في القعر.)

حين تختارك لحظات متتالية تتوقف عند الزمن الكائن خارج الجسد لتبلور واقعا آخر تمنيت له والديمومة والبقاء فيه.

 لماذا تمنى (الطافي) البقاء هناك عندما أكتشف انه عاد الى الواقع (الحياة)؟

 

ج4: عبد الفتاح المطلبي: لنرجع إلى بداية النص عندما كان الراوي يعبر عن استيائه من جاره المرتد إلى غرائزه المنقرضه وهنا أردت التعبير عن شيئين يتعلقان بمدخل النص كبوابه سببيه للدخول في عالم الطفو واللآخر يتعلق بخاتمة النص وهي الرجوع إلى عالم الوعي المؤلم الذي كان سبباً في الحادثة وحيث يصف الطافي هناك ذلك العالم الذي يكون فيه الطافي وليس جسده أوروحه في سلام شامل بمنأى عن كل ألم وبمنأى حتى عن آلام روحه وهي تعاني من لهاث اللحظات هنا الراوي كان خارجيا حتى لحظة رؤية المقبض المتدلي كبندول حيث امتزج بلحظة الوعي المؤلم وعلى ذلك فقد تمنى بصفته التي كان بها كراو خارجي أن يعود لحالة الطفو كتجربة مقبولة ومرغوبة .

 

س5 جلال جاف:إستخدامك،على صعيد التقنية، للمنولوج الداخلي بمناجاة النفس؛ "ألأنا" الطافي المشدود بخيط رفيع الى "الأنا" الأسفل "الواقع" كمحرك سردي شاعري يحث على الوصف الأنطباعي في" قصة قصيرة" كهذه ليس بالأمر اليسير.

الشائع أن الرواية هي الوعاء المناسب لتحمل هذه التقنية، وهذا يُحسب لك.

هل فكرت في كتابة رواية من هذا النمط؟

 

ج5: عبد الفتاح المطلبي: كما قلت وكما هو معروف أن اسلوب "المنولوج الداخلي" هو التقنية التي ميزت أعمال مهمة على صعيد الرواية العالمية مثل رواية "عوليس" لجويس ومثل روايات كبيره أخرى ك"مذكرات من نجا" "لدوريس لسنغ" التي مثلت نموذجا في ذلك أيضا . والحقيقة إن استخدام ذلك على صعيد تقنية القصة القصيرة أمر صعب يحتاج لدربه طويله في كتابة القص القصير بسبب ضيق المساحة السردية ومحدودية الحدث لكن ذلك لا يعني أن "المونولوج الداخلي" غريب على القصة القصيرة، فقد برع في ذلك كتاب كبار مثل البرازيلي "ماشادو دوأسيس" وعدد من كتاب القصة القصيرة في امريكا الاتينية إذ كانت قصته الرائعة "أفكار طائر الكناري" التي أجرى فيها مونولوجه الداخلي على لسان طائر كناري في قفص مهمل رامزا بذلك لصدره بالقفص ولقلبه بذلك الطائر المتفلسف،، أما بصدد محاولتي استخدام ذلك في مشروع رواية فقد باشرت بذلك منذ وقت قصير وأنجزت منها فصلين لحد الآن ولكني أتقدم ببطؤ لظروفي الصحية الحالية التي تعيقني أحياناً

شكراً لكم وحفظم الله وأدام عليكم نعمة العافية.

 

ميادة أبوشنب:شكرا لك مجددا ألكاتب القدير عبد الفتاح المطلبي، وشكرا للحوار الممتع، والآن نترك الباب مفتوحا لمداخلات السيدات والسادة لطرح المزيد من الاسئلة لاثراء الحوار أكثر.

 

عبد الفتاح المطلبي: شكرا لصحيفة المثقف وللأديبين الشاعرين الكبيرين ميادة أبو شنب والأستاذ جلال جاف على استضافتهما لنص"طفو" في برنامجهما الرائع "نص وحوار" متمنيا لهما التألق في مسعاهما النبيل، أكرر شكري.

 

المثقف

نص وحوار

ميادة أبوشنب / جلال جاف

 ....................................

  

الطفوّ

abdulfatah_almutalibiعبد الفتاح الطلبي

 

قبل الطفوّ

قبل عبوري الشارعَ كان يشغلني التفكيرُ والألمُ من سلوكِ جاري المرتدّ إلى غرائزه الأولى

 التي اندثرتْ في النوع الإنساني منذُ عصورٍ موغلةٍ في القِدمِ، لكنّ جاري لا يريد أن يفهمَ ذلك مصراً على إنه مستوعَبٌ ٌ جيد ٌ لحيوان ٍ ما، ينثر قذارته كخنزيرٍ بري وعند هذه اللحظةِ وأنا أفكرُ بجاري صَدَمتْني سيارةٌ مسرعةٌ فشعرتُ للحظةٍ أنني طائرٌ وفي لحظةٍ أعقبتهَا شعرتُ أنني أتحيّز مكاناً فوق جسدي أراقبهُ بسكون .

 

 الطفوّ

كالمبضعِ يضغط على روحي دون أن تنغرزَ شفرته في هلامها، كان وقوفي في هذا الموقف، لا أملك قدرةً من أي نوع،لا أرجلَ ولا أيدي ولا أجنحة، لا طاقة لي على المشي أو الزحف أو الطيران، لكنني عائمٌ في الفراغ مثل بالونٍ مربوطٍ بخيطٍ واهٍ كلّ ما قيل قبل هذه اللحظة محضُ هراء، كل ما سمِعَتْ أذني تلاشى في العدم كأن لم يكن صوتاً أبداً، كالفكرةِ تحظرُ ثم تذهب ما لها من ذلك غير المرور في اللحظةِ، ما أقوله بعد هذه اللحظة هو الحقيقةُ وما صار ورائها لم يعد كذلك، تموت فيه الحقيقةُ وتتلاشى خلف مربع الذهن منفيةً إلى بُعدٍ ما، مالفائدة، ما الجدوى مما قرأت وسمعت ورأيت قبل هذه اللحظة التي تقف فيها روحي في موقف الإنتظار ِ والترقب تحتَ خيمة سكونها المطلق ووحدتها دون شيءٍ تستندُ عليه في لحظة ضعف، دون أملٍ ترقبه ليهديءَ من روعها أو مكانٍ قد يضمها، دون أيّة أداة للمضيّ قدما أو النكوص إلى حيث كانت في اللحظة التي مرّت للتو، لم يكن ممكنا استقبال أية إشارة من أي نوع لأن كل إشارة صدرت كانت بلا زمن، لم ترق إلى موقف روحي الساكنة المتوحدة، لم ترقَ إلى اللحظةِ التي أقف في حضورها الآن أما اللحظة التي أتت للتو فقد سّبَقتْ تلك الإشارات دونَ هوادةٍ، أشعر بثقلٍ فائقٍ وعدوانيٍ يهيمن على اللحظة الحاضرةِ الآن وليس قبل ذلك، يحولني ذلك الثقل إلى كيانٍ مرتجٍّ يضطربُ فيه السكون فأنقطع عن لحظة الثقل الفائق مسعفا حظورا داخلياً يتوقُ للخروج من كل لحظة إلى لحظة أخرى قادمة، حاولتُ استشعار ماهيتي في اللحظة ولم استطع إكمال المحاولةِ لإن اللحظةَ التي أردتُ فيها ذلك مرت بسرعة وتركت روحي إلى لحظة أخرى ستفعل الفعل ذاته باللحظة القادمة تواً الغريب في الأمر أنني قادرٌ على إخباركم بهذا الذي يجري وكأنني عائمٌ فوقي دونَ تحيّز مكانٍ محدد إذ إنني الذي أخبركم بكل ذلك لستُ شيئا البتتة ولا أمثل ما يجري لروحي تحتَ وطأة هذه السكينة والوحدة، وهكذا فإن اعتياد الموقف والشعور بالإندماج ومعايشته في صلبه وقبوله كما هو في لحظته بدا أنه الهدف الذي ترجوه روحي لكن الأمر يعسرُ أن يكون كذلك فقبل نضج القناعة بما أعايشه في لحظته تبدأ محاولة محمومة لأنتاج شيء مماثل للحظة التي أزاحت ما قبلها محاولا لفت انتباه جسدي المسجى في الأسفل مناديا عليه من فوق هذا الذي هو أنا، لا أمثل منه شيئاً وإذ يعاني هو ما أصفه باعتباري المعزول عن موضوعه أراقب من فوق ٍ مطلقٍ ما يجري له دون أن أسعفه لأنني بالحقيقة لا أمثل إلا دوري دون زمن ودون مكان ولا مرور لحظة إثر أخرى رائيا تلك اللحظات اللاهثة حول جسدي مستوعبا بوضوح محاولة روحي لمسك اللحظة المنتجة تواً لكنها تبوء بفشلها الواضح إذ لا ترقى لمستوى الإندماج بها قبل فوتها وإزاحتها بعيدا من قبل لحظةٍ قادمةٍ تواً من مجهولٍ ما، تدخل أطراف اللاوعي وتغادره دون انفعال شيءٍ مثل الدخول إلى غرفةٍ لا سقفَ لها ولا قاع،و يستمرُّ لهاث اللحظات ومجاهدتها لبعضها بطريقة عابثة وعلى نسقها ومن خلالها حضرت ذكرى ذلك الببغاء الأخضر كما كنت أراه في طفولتي وقد وضعه الحاوي في دولاب يدور بفعل ثقل الطائرلا بإرادته أو إرادة الحاوي وكلما دار الدولاب نقل الطائر قدمه إلى قصبةٍ أخرى من الدولاب لتزاح هذه القصبة تاركةً مكانها إلى قصبةٍ أخرى قادمة ٍ يحط الطائر قدمه عليها وهكذا سيدور الدولاب ليبقى الطائر مجبراً على هذا المسير في دربٍ لا ينتهي حتى مشيئة الحاوي بإيقاف ذلك، ولما التقطت ذلك ضحكتُ أو خيل لي أنني ضحكت، ولم يكن ضحكي كما أنا هنا أراقب روحي وهي تسبح في سكونها المطلق إنما كان ضحك الذاكرة التي يعيش فيها ذلك الطفل في بعض تلك اللحظات اللاهثة المزاحة مدركا إنني كبرتُ بل وهرمتُ وأنا أراقبُ جسدي الذي يحاول امتلاك اللحظة واستيعابها لكنه يخفقُ دائما لقد ميزت ضحك طفولتي بإدراك صارم ذلك جعلني أنتبه إلى أنني وإن هرمت فإنني محض طفل يضحك في ذاكرتي بينما كانت روحي ساكنةً تحاول أن تستوعب اللحظة قبل انزياحها بتأثير لحظة أخرى ولا زلتُ أقاوم إغراءً فذّا بالضحك من ذكرى الببغاء

 

 هبوط إضطراري

 في صباح أحد الأيام انتبهت إلى أنني فوق سريري في المشفى أراقبُ مقبضاً معلقاً فوق رأسي يتحرك كبندول ساعة بدا لي أنه سوف لن يتوقف، قال الطبيب حمدا لله على السلامةِ كاد بالونكَ يطير لكن خيطك الواهي لم ينقطع والآن أنت معنا فأهلاً بك وعندما قال الطبيب ذلك كانت تملأني الرغبة بالطيران من جديد فقد كانت ذكرى الطائر الأخضر أكثر بهجةٍ من حركة المقبض البندوليةِ فوق سرير المشفى وبدت اللحظات ساكنة تماما تدلق لسان زمنها وكأنها كائنات راسبة في قعر ما تنتظر من يحركها لكن دون جدوى فأنا الآن كسمكة أخرجت من الماء لزمن طويل وقد أعيدت الآن لوشلٍ في القعر.

 

خاص بالمثقف

(العدد :1940 الأثنين 14 / 11 / 2011)

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=56896:2011-11-14-00-46-44&catid=35:2009-05-21-01-46-04&Itemid=55

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1949الاربعاء 23 / 11 / 2011)

 

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

نص مستغيث يوقف ببراعة فائقة افتراض الموت أمام افتراض الحياة في ساحة التفكيك الواقعي للتجربة حيث كل شيء يدور في فلك الإنسان . على ساحة الهلع هذه تتكشف حتمية انحياز الإنسان لوقف التجربة بالموت . الطائر الأخضر المتخيل يبدو ملاذا أكثر واقعية في الخيار العفوي من واقعة المقبض المدلى المرعبة . في النهاية نقاط الجمال كانت في مصلحة الطائر الأخضر بقرينة التقهقر من الواقعي نحو المتخيل .نص فذ تمتزج فيه الشفافية بالحيرة لنصبح أمامه مجرد محاولين للتلقي . مهما يكن فإن الشيء الوحيد الذي يستحق الشكر هو لمسة الإبداع التي ترسلنا إلى حدائق الشجن .

أحمد حسين
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لأستاذ الرائي الفذ أحمد حسين على تعليقه الدال والمميز بوعي رصين لمقاصد القصة واعتذاري الشديد لتأخري على الرد والتحية لاطلاعي على التعليق هذا اليوم فقط وبالصدفة شكرا جزيلا.

عبد الفتاح المطلبي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1905 المصادف: 2011-11-23 00:56:44