نص وحوار

نص وحوار: مع الاديب والناقد د.قصي الشيخ عسكر ونصه: الضفادع

mayada aboshanab2qusay_askarالمثقف تستضيف، ضمن برنامج نص وحوار، الاديب والناقد د.قصي الشيخ عسكر لتحاوره حول نصه:

"الضفادع"، فأهلاً ومرحباً به.

 

 

د.قصي الشيخ عسكر: شاعر وروائي وناقد عراقي مهاجر.رائد الأدب المهجري المعاصر له عدد من الاعمال الأدبية المطبوعة منها:

رؤية  شعر

 صيف العطور الخرساء شعر

عبير المرايا  شعر

رحلة الشمس والقمر شعر

المعجزة مجموعة قصص قصيرة

المكتب  رواية

سيرة رجل في التحولات الأولى رواية

شيء ما في المستنقع رواية

آخر رحلة للسندباد روايات قصيرة

نهر جاسم رواية

النفق   روايات قصيرة من الخيال العلمي

روايات وقصص من الخيال العلمي

وأقبل الخريف مبكرا هذا العام  رواية قصيرة

أساطير العرب قبل الإسلام وعلاقتها بالديانات القديمة " بحث أكاديمي"

بعض القصص القصيرة التي نشرها الكاتب في صحف ومجلات عربية وألكترونية.

المنجزات الجامعية عن تلك الأعمال:

رسالة ماجستير عن شعره من جامعة البصرة

رسالة ماجستير عن رواياته من جامعة البصرة

دراسة أكاديمية عن روايته في الخيال العلمي " آدم الجديد" من قبل إحدى الجامعات العربية

 .. .. .. .. .. .. .. .. ..

 

جلال جاف:الأديب والناقد د.قصي الشيخ عسكر أهلا وسهلا بك في نص وحوار في صحيفة المثقف

بعد ان قرأنا نصك "الضفادع" وجدنا فيه كثيرا من عناصر الإثارة، بالإضافة الى أهمية الموضوع الذي تطرحه القصة في تاريخ البشرية المعاصر وهو "العنف" ما دفعنا لاختيار النص لباب نص وحوار في صحيفة المثقف لمحاورته من خلال اسئلة سنطرحها عليكم، تاركين الفرصة للقراء الكرام لطرح المزيد منها وإغناء الحوار بمداخلاتهم

أهلا وسهلا بالأديب الناقد د.قصي الشيخ عسكر

 

د.قصي الشيخ عسكر: شكرا لكم والحق يسعدني أن تكون المثقف ثالث مؤسسة تلتفت إلى قصصي القصيرة فقد كانت الالتفاتة الأولى عام   1989 يوم سمعت مصادفة أن الإذاعة السورية اقامت ندوة على الهواء مباشرة ناقش فيها المستمعون قصتي القصيرة " الصرخة" ثم اختارت مجلة العربي قصتي " اصوات غريبة" لتكون من ضمن أفضل خمسين قصة عربية، وهاهي قصتي القصيرة " الضفادع " تكون محور ندوة من ضمن اختيارات صحيفة المثقف الغراء وهذا مبعث فخر واعتزاز لي.

 

س1: جلال جاف:إستعملتَ تقنية "الفلاش باك " وهي عملية "الإسترجاع الزمني"، أي محاولة خلق تشابك في الجو الزمني للقصة، وضبط النص آليا عبر أدوات قد تؤلف إندماجا حقيقيا لرؤية عميقة تتمثل بالوحدات الزمانية الثلاث (الماضي، الحاضر والمستقبل) ومحاولة الدمج فيما بينها حتى تخلق مرتكزات مهمة في عملية الفهم والتصوير.

ألى اي مدى كانت هذه التقنية في صالح النص فنيا؟

 

ج1: د.قصي الشيخ عسكر: هذا يعود إلى مجموعة عوامل يأتي في مقدمتها مطالعاتي منذ الصبا للمسرح اليوناني وشغفي به لقد اغرمت بالمسرح فكنت اقرأ مسرحية كل يوم تقريبا عندئذ اكتشفت أمرا مهما هو إن الكاتب المسرحي مقيد في نقطة البدء لايستطيع أن يختار أية نقطة يبدأ بها مسرحيته ولا أي مكان خذ مثلا مسرحية أودب كان كاتبها ملزما بمكان معين ووقت معين في حين يستطيع الروائي ان يبدأ من حيث يشاء ومن أي مكان يشاء لذلك كانت تجاربي الأولى مسرحية حيث طبعت في عام 1970 في النجف الأشرف خمس مسرحيات قصيرة سميتها الشاعر أعجب بها ثلاثة مسرحيين معروفين هم صباح الزيدي، والفنان جواد الزبيدي وناقد بصري معروف اسمه بنيان صالح، تقنية المسرح نقلتها إلى رواياتي وقصصي وأذكر اننا في جامعة البصرة درسنا عن حرية اختيار الزمن عند الروائي في أثناء تحليلنا رواية " الحرب والسلام" فلم أفكر فيما بعد أن أكتب عملا مسرحيا. لقد اسعدني جدا اختيارك لكلمتين وزعت في دائرتهما كلمة " فلاش باك" هما " التشابك " و " الدمج" أنا شخصيا أعطي الأولوية للدمج قبل التشابك بخاصة مافعلته في قصة الضفادع وربما تجدني فعلت ذلك في قصص أخرى مثل رواية النفق التي تحدث عنها د صلاح نيازي عام 1996 في إذاعة ال بي بي سي حين اشار إلى أن الزمن في تلك الرواية وهو زمن الماضي جاء وفق مفهوم ابطال الرواية وكأنه اشبه بالحلم في حين احتل المستقبل مكان الحاضر، لكن الزمن نفسه هو الذي فرض عليّ أمورا كثيرة منها:

أولا مادام هناك دمج زمني أو تداخل بين ماض بعيد وحاضر فعلي أن استخدم ضمير المتكلم" أنا" مادام الزمن حضر في ذهني بشكله المألوف في القصة فإن أي اختيار آخر للبطل سوف يجعلها قصة ركيكة ضعيفة، في الماضي أنا وهم وفي الحاضر أنا وهي اي مقدمة البرنامج بهذا الاتساق يتم التوازن أيضا لو كانت العملية مجرد" فلاش باك " لما تحقق التوازن الزمني.

ثانيا الزمن بصفته دمجا واستباقا تدخل في تشذيب الفكرة: هناك صديق أكاديمي سالني ذات خلال حديثتنا عن ثقافة العنف والتفجيرات التي جرفت ومازالت العراق  أتذكر عندما كنا صغارا كنا نلتقط الضفادع من السواقي ونربطها بخيوط ثم نرميها باتجاه اسلاك الكهرباء ونرجمها بالحصاة حتى تتهرأ . أنا شخصيا لم أمارس هذا العمل لكن الزمن الذي اندمج بين الماضي جعلني أعود إلى مشاهد العنف التي مورست من خلال طفولتنا: هناك مشهد قتل العصافير أو صيدها مشهد صيد البلابل .. مشهد صيد الحمام بصفة عامة أو صيده من قبل بعض الأطفال بمصائد الفئران .. مطاردة الكلاب والقطط .. وهناك بعض الأطفال في المغرب رأيتهم ينقعون بعض الشعير في مخلفات بعض الجعة التي يكرعها آباؤهم ثم ينثرون الحب فوق السطوح فيأتي الحمام ويلتقطه فيصطادونه وهو دائخ.قضية قتل الضفادع فتحت مشاهد العنف التي شاهدتها. أنا شخصيا كنت مغرما بصيد حشرة نسميها بلهجة البصرة " بازنينو" وعند أهل بغداد " مغيزل" أدسها فيها السنارة واجعلها طعما للسمك. كنت مغرما بصيد السمك في نهر جاسم وشط العرب. لكن أي مشهدمن هذه المشهد يختاره الكاتب؟في هذه الحالة يجب أن يكون المشهد الأعنف القريب بعنفه مما يجري في البلد والعالم تأتي بعد ذلك المسألة الأخرى ألا وهي كيف أواصل ذلك العنف القديم بالعنف الحالي لأن إبقاء المشهد في الزمن الماضي فقط يجعله لاقيمة له مثلما يجعله اختيار ضمير غير " الأنا" مباشرا تعليميا فقط.

ثالثا الدمج الزمني فرض ثلاثة أمكنة مهمة: مكان الجريمة ومكان العقاب " المدرسة" والمكان الحالي مكان الندوة أو استوديو التلفاز الذي محوره صاحب ضمير الأنا وهو الشخص الذي مارس العنف ذات يوم.

 

mayada_aboshanab2س2: ميادة أبو شنب:(النص / أمّا أن يطلب المعلّم منّا الوقوف فجأة حالما يبدأ الدوام، ويأمرنا أن نبسط الأيادي إلى الأمام، كي يهوى على راحتي كلّ منّا بعصاه الرفيعة .. وصوت المعلّم يتهادى معنّفا:

- يحيى .. نعيم .. صباح .. حسين .. عبدالله .. أحمد .. ماجد .. راضي .. كامل .. جميل .. والله لو شاهدتكم تطاردون الضفادع مرّة أخرى لكسرت أيديكم ورميتها للكلاب! .. . كان المعلّم يزعق، وعصاه تنهال على أيدينا .. لم نعد للعبة فيما بعد، خشينا من المعلم)

قال امير الشعراء أحمد شوقي :

قف للمعلم وفّه التبجيلا        كاد المعلم أن يكون رسولا

في نصك حاول المعلم، الذي يمثّل الشخصية المرجعية لتلاميذه، أداء رسالته السامية في توعيتهم وتوجيههم للقيم والمعايير الاجتماعية.

ما مدى مصداقية الوسيلة التي استعملها المعلم - العقاب الجسدي وهو عبارة عن عنف - لردع الصبية عن ممارسة العنف ضد الضفادع؟

 

ج2 د.قصي الشيخ عسكر: طرق التعليم في المدارس كانت تقريبا موحدة في العالم كله بما في ذلك أوروبا. كانت في زمننا المدرسة مركزا للتعليم والعقاب. نحن مارسنا العنف تجاه حيوان ما أو تجاه بعضنا البعض فالمدرسة تعاقب المعتدي بقسوة. لقد رأيت مدير مدرستنا عام 1958 يعاون الفراش على تثبيت يدي وقدمي تلميذ مشاكس بالأرض ليجلده معاون المدير بالعصا – الفلقة- نسميها بلهجة البصرة – زوبة – وعندما خالطت الدنماركيين أخبرني شخص اسمه بغيبن هانسن مولود عام 1947 أنه في عام 1963 كانت المدارس تمارس الضرب بحقهم، وهناك افلام وثائقية تظهر المعلم وبيده عصا، وفي عام 2006 حدثني شخص إنكليزي اسمه آندي عن الفلقة التي مورست معه من قبل المعلم عام 1965، العقاب الصارم سقط من مدارس اوروبا بعد ثورة الطلاب عام 1968 التي اشتعلت في فرنسا وأسقطت حكومة الرئيس ديغول فتغيرت المناهج ثم عقوبة الإعدام التي كان آخر تصوير فني لها فلم " رجلان في مازق" من بطولة آلن ديلون لكن إيقاف العنف بصفته عقوبة في مدارس أوربا ومن قبل الآباء لم يتحقق في مراكزنا التعليمية ومنها المدارس إلا من الناحية الشكلية فقط أو الرسمية. القرار لم ينبع من المجتمع كما في فرنسا وأوروبا – ثورة طلاب- بل من رئيس الجمهوريةأو الملك والأمير و في الواقع بقي العقاب الصارم  موجودا بشكل واسع.لنأخذ حكمة مشهورة عندنا في العراق عندما يصطحب الأب ابنه ليسجله في المدرسة الابتدائية يقول للمدير العبارة التقليدية المشهورة" اللحم لكم والعظم لنا" معنى هذا اضربوه شرط ألا تكسروا عظامه  وأنا حين صورت المعلم وهو يعاقب التلاميذ بالضرب لقسوتهم على الضفادع فإني وضعت في بالي عدة احتمالات: عقلية المؤسسة التعليمية حينذاك وهي جزء من عقلية عالمية تنتهج هذا الاسلوب.عقلية الرقابة فالاطفال طاردوا الضفادع خارج المدرسة وفي وقت غير وقت الدرس.

إن أوروبا حين تخلت عن العقوبة العنيفة في مدارسها أوجدت البدائل: نوادي الأطفال .. حقوق الطفل .. ترسيخ الديمقراطية لكي لايشعر المواطن أنه مراقب بل حولته من مراقـَب إلى مراقـِب أي يراقب الدولة فبنت ثقة الطفل والإنسان بنفسه . نعم كانت مدارسنا تشترك معهم في المنهج لكنهم غيروه تغييرا جذريا أما نحن فقد غيرنا منهجنا من الناحية الشكلية أو الرسميه لكننا أبقينا على جوهره من دون أن نتلاعب فيه.

 

س3 جلال جاف:إستخدمتَ تقنية "تيار الوعي" أو"المَونولوج الداخلي" إذ تجري الشخصية مع ذاتها ووظفتها بشكل أساسي في الكشف عن خبـايا النفس و ما يتفـاعل داخل كـل شخصية من نـوازع و ميول وهنا العنف في شكله البدائي.

هل أفلحت هذه التقنية هنا في الكشف عن حالة مرضية نفسية لدى شخوص القصة.

 

ج3: د.قصي شيخ عسكر: إنها حالة موازنة بين الماضي والحاضر أن تجعل الماضي حاضرا في الحاضر والحاضر مندمجا فيه. دعني ألغي دور المجتمع الآن وأنظر إلى المسألة نظرة علمية طبية نفسية بحتة .. قبل كتابة القصة راقبت عالم الحيوان في إحدى القنوات إني بالمراقبة أحتاج إلى زمن حيادي . البرنامج أظهر لي أن الأسد حين يكبر ويصعب عليه الصراع مع الاسود يذهب إلى المواليد الجديدة فيمزقها إما ليفترسها أو ليحقق انتقامه وهناك عامل آخر هو أن اللبوة أم المواليد المقتولة تبقى معه ليحقق ذاته عبر ممارسته الجنس معها.وهناك الضفادع الكبيرة التي تلتهم الضفادع الصغيرة لكن الضفادع الصغيرة في كثير من الأحيان تغتنم غفلة من الضفادع الكبيرة فيدب الصغير خلف الكبير ويحاول التهامه فلا الكبير يستطيع أن يخلص نفسه ولاالضفدع الصغير يتمكن من ابتلاعه عندئذ يموت الإثنان وهما من فصيلة واحدة. هذا السلوك دفع علماء الحيوان إلى اكتشاف جين سموه جين الـ "أنا" عند الحيوان هو الذي يدفعه لقتل أبناء جنسه بسبب أو لاسبب . أنا بعد مراقبتي لهذا البرنامج استبعدت أن يكون حب العنف مرضا نفسيا بقدر ما هو جين داخل الإنسان على أننا يجب أن نتحكم في هذا الجين . زمن الاستراحة نفسه الذي دفعني لمراقبة البرنامج استدعى في ذاكرتي زمنا آخر هو ماتعلمناه من أسلافنا هناك حيوانات يجب أن تقتل لأنها تقوم بأفعال شريرة: الحيات .. الجرذان .. فالعنف يتخذ في هذه الحالة اسلوب الدفاع عن النفس، وهناك عنف تدعو إليه الحاجة:ذبح الدجاج في البيت أو الخروف أو صيد السمكة بالسنارة والتلذذ والفرحة برؤيتها وهي تتحرك بين يديك خارج الماء أو الذهاب إلى محل بيع اللحم ورؤية الجزار وهو يحز رأس العجل ويقطعه لك وفقما تشاء، هذا العنف يحتاجه الإنسان سواء كان مؤمنا بالله أو غير مؤمن، طيبا أم شريرا.إنه العنف المتحقق من الحاجة إلى الطعام.شاهدت مرة قناة دنماركية أجرت مقابلة مع مزارع يأكل من خيرات مزرعته. رايته يمسك بالدجاجة وهي حية ويضرب راسها بصخرة ضربة قوية كي تموت من لحظتها، هذا عنف أيضا لكنه زمن ماض وقفت فيه ذات يوم مراقبا، كل هذه الأزمان تكثفت في قصة الضفادع صحيح هناك استدراج للزمن الماضي ودفع للحاضر باتجاه الماضي لكن هناك أزمانا مخفية أخرى حددت مسار القصة بالتالي كان تيار الوعي والمنولوج الداخلي كانا جزءا موحدا من مشاهد خلفية رسمت صورة القصة النهائية وكأني سألت نفسي وحاورتها بعد متابعتي لبرنامج الحيوان واستحضاري لصورة المزارع الدنماركي وربما كانت هناك صور أخرى لامجال لذكرها هنا هي المنولوج الأساس : البطل مختص في علم النفس والعالم أمامه يعيش حالة من العنف مفخخات عبوات ناسفة اغتيالات . العلم يقول العنف جين، وهناك قتل يحتاجه" مثل قتل الحيوان لأكله".أقرب زمن إليه في هذه الحالة يستدعيه المنولوج الداخلي هو أبعد زمن عنه أي زمن الطفولة الذي مارس فيه البطل القتل مثل بقية الأطفال، لكن أي قتل هذا .. ؟

 

س4: ميادة أبو شنب: (النص / أهلنا حذّرونا من الضفادع قالوا إنّ من يمسكها يصاب بالثالول المرض الجلديّ الكريه، أحد شيوخ المحلّة أخبرنا أنّها مخلوقات طيبة حملت الماء بفمها لتطفيء نار النبيّ إبراهيم)

الافكار الموروثة مستمدّة من تجارب الناس في مجالات مختلفة في الحياة، منها ما هو حقيقي ومنها ما هو ليس إلا معتقدات خاطئة نتيجة عدم الوعي التام بالامر.

التطوّر الحضاري والاطلاع على ثقافات أخرى يثبّت أو يدحض هذه الافكار.

 

هل هناك تأثير للظواهر الديموغرافية أو الاجتماعية على الافكار الموروثة لدى المجتمع التقليدي الذي ترعرع فيه الدكتور في نصك؟ وكيف تعرّف ذلك؟

 

ج4: د.قصي شيخ عسكر: فيما يخص الموروث يمكن أن أصنف جزيئاته إلى ثلاث حالات: موروث خير مثل الفراشات فالفراشة خير محض وجمال محض لذلك كانت الفراشة بتصور منطقتنا وسادة أو مخدة النبي " ص" قوس قزح الظاهرة الطبيعية الجميلة يقول عنها الناس إنها زنار فاطمة الزهراء " ع "، وهناك حيوانات شريرة أبرزها الوزغ . الوزغ من الحيوانات الكريهة المزعجة بخاصة خلا ل فصل الصيف وقت نشاطها بعد سبات الشتاء . برأي أهل البصرة أو على الأقل منطقتنا منطقة شط العرب إن من يقتل وزغة له سبع حسنات وهذا تشجيع للطفل على العنف هذا الاعتقاد لم يأت عن عبث إذ حين تراجعين كتاب الحيوان للجاحظ تجدينه يقول مامعناه: يروي الناس أن الوزغة كانت تدب نحو النبي إبراهيم " ع" وتنفخ على النار التي أراد النمرود حرقه عليه السلام بها كي تزيدها استعارا ثم يتساءل الجاحظ إذا كانت الوزغة جدة الوزغ الحالي فعلت ذلك فماهو ذنب الوزغ الحالي كي نطارده ونقتله؟ اعتقد أنه سؤال منطقي ورد على لسان مفكر عاش قبل أكثر من ألف عام.

وهناك اشياء أو حيوانات تحمل الخير والخير مثل الضفادع. يعتقد الناس أن الضفدع سلك سلوكا رائعا مع النبي إبراهيم " ع " بعكس الوزغ. فقد كانت الضفدعة تحمل في فمها ماء وتجري نحو النار لكي تلقي الماء عليها من أجل أن تطفأها ولو راجعنا كتبا مثل الحيوان، وربيع الأبرار، ومجمع الأمثال لوجدنا أن الضفدع فضلا عن محاولته إنقاذ النبي إبراهيم فإنه كان جار الله في الماء، وقد كلم الضفدع النبي داوود كونه سبح الله عشرين سنة لأنه أنقذ بيضته، مع ذلك يخاف الناس من الضفادع لأنها وفق تصورهم تسبب - مجرد لمسها - انتشار الفألول على الجلد في حين أثبت العلم أن لاعلاقة بين الضفدع والفألول كذلك السلاحف حكى لنا أجدادنا أن الله مسخ قوم فرعون حين هاجموا موسى " ع" وهو يعبر بقومه البحر سلاحف، فكان أي طفل تعلق سلحفاة في شصه يقتلها ويعلقها بسعفة متدلية من نخلة تشفيا من قوم فرعون. إن الموروث يؤدي دورا مهما في وزيادة العنف أو قمعه و فق الطريقة التي وصل بها إلينا من الأسلاف.إضافة إلى ذلك نجد أننا نتعامل مع الموروث الروحي بصورة ظاهريّة بصفتنا يهودا ومسيحيين ومسلمين. في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم مشاهد لو أخذناها وفق فهم الآيات ظاهريا لوجدنا أن هذه الكتب تساعد على تنمية روح العنف. مثل مشاهد تدمير العالم في العهد القديم ومشاهد الرعب في الرؤيا والكشف في العهد الجديد ومشاهد التقطيع من خلاف والقتل في القرآن أو عذاب الآخرة .يجب ألا نفهم تلك الآيات ظاهريا، ونتجنب تدريسها في المدارس الابتدائية يجب أن نختار الآيات بدقة مثل تلك التي تشيع روح المحبة والتسامح وفي مراحل لاحقة أي الثانوية والجامعية يمكن أن ندرس بقية السور الكريمة. هناك أيضا الموروث المنقلب. قد يكون هذا الموروث المقدس روحيا يتعلق بالتوحيد فينقلب من رمز خير إلى رمز شرير لانحبه.نحن المسلين نسمي ابناءنا بأسماء مثل موسى وعيسى ويعقوب وإبراهيم. بعد قيام إسرائيل لم يكن هناك من أحد ليجرؤ نفسيا على أن يسمي مولوده باسم " إسرائيل" وهو نبي معصوم مقدس وفق التعاليم التي تعلمناها من القرآن الكريم كتابنا المقدس.هذه الكلمة اختلطت بالصهيونية وصهيون أيضا كلمة مقدسة ونشوء دولة إسرائيل حيث قلب المفهوم السياسي المفهوم الروحي من خير إلى شر فكان علينا نحن الصغار جيلنا والجيل الذي قبلنا ومن جاؤوا بعدنا أن نتعلم أننا أصحاب حق وأن أرضنا اغتصبت وعلينا أن ندافع عن حقنا ونتعلم التدريب على السلاح." أي العنف" هذا من حقنا فالمقدس الذي عرفناه طاهرا أصبح بشكل آخر فأ ُجبرنا ونحن صغار أن نتعامل معه بعنف كونه اغتصب حقوقنا.وإلا هل يكون مقبولا لدينا أن يسمي شخص ابنه إسرائيل مثلما يسمي موسى. إن الموروث الخير انقلب بسبب حدث سياسي إلى عدو دخلت معه في صراع من أجل البقاء فإما أنا أو هو.

 

س5: جلال جاف:(النص/ كانت هناك أمامي وخلفي أكثر من صورة غريبة، مجسمات .. رسوم توضيحيّة أشرطة فيديو .. . جداول .. بدت الندوة كبيرة بذل مضيفونا مجهودا ضخما لإنجاحها .. . وحدي أجلس أمام الحشد الضخم.أواجه آلات التصوير، و المذيعة تقدمني :- الدكتور .. المحاضر .. . سوف أتحدّث وأحاور الحاضرين وأناقش من يتصل بي عبر الهاتف)

 يعطي "الاستباق" الوجه الآخر لزمن السرد وهو "الاسترجاع" الذي يعنى باسترجاع ماضي الشخصيات أما (الاستباق) فهو على العكس، منه يخبرنا فيه الراوي مقدماً بما ستؤول إليه الأحداث أو الشخصيات، وهو أقل انتشاراً من "الاسترجاع"، ولكن ليس أقل أهمية. لقد ناسب هذا التكنيك الراوي باعتباره الشاهد الرئيسي أو المتفاعل مع حدث مضى يعرف هذا الراوي أهميته المستقبلية في حياة الانسان.بدأ القاص في تحريك هذا العنصر من خلال الشخصية الرئيسية بحسب مقتضياته جذبا لاهتمام المتلقي، فضلاً عن إستثارة ذكائه والإستحواذ على فضوله لمعرفة ماستقوم به الشخصية الرئيسية.

لماذا كانت هذه التقنية مهمة في كتابة هذه القصة بالذات؟

 

ج5: د.قصي شيخ عسكر: في القصة القصيرة ضمن التقنية التي أتبعها يكون الاستباق أكثر أهمية في حين يكون الاسترجاع في الرواية القصيرة والرواية أي الفلاش باك هو الذي يحتل الأولوية والسبب هو أن الرواية اكثر اتساعا من حيث المكان والزمان في حين يجب أن تكون القصة القصيرة مركزة مكثفة ربما يستفيد الكاتب في القصة القصيرة من تقنية المسرح وأنا اقول لاي كاتب أن يضع نفسه بين كتابين ويقارن: تقنية مسرحية " اودب" وتقنية رواية " الحرب والسلام" أو رواية " أنا كارنينا" كفة القصة القصيرة ستميل حتما نحو المسرحية فهي تستطيع أن تمتص زمن المسرح لكنها تبدو مفتعلة إذا استندت إلى زمن الرواية وهنا يجب على الكاتب أن يستفيد من خبرته في المسرح والرواية بالقدر الذي يمكنه من كتابة قصة ناجحة. أنت ياسيدي في سياق سؤالك قلت لقد ناسب هذا التكنيك الراوي .. نعم لماذا؟ لأن القصة تحدث فيها الراوي بضمير الأنا والحديث بضمير الأنا يمنح القص عمقا في التوغل نحو الذات وفي الوصف السريع وفي الاستباق.من دون هذه التقنية ستتحول القصة إلى نص مباشر وتبدو غايتها التعليمية واضحة مثل القصص والروايات الواقعية والرومانسية التي كانت تسحرنا في زمن ما لأن الكاتب ليس مشرعا وليس من واجبه أن يقدم حلولا بل أن يقدم اية مشكلة بصيغة راقية وثوب فني يجتذب القاريء أو المشاهد.

 

س6: ميادة أبو شنب:كتب الكاتب والباحث القدير ماجد الغرباوي في كتابه "تحديات العنف" : " أن العنف ثاوٍ في اعماق النفس البشرية، وينتظر شروط فاعليته. فهو موجود سواء كانت الذات عربية مسلمة أو أجنبية غير مسلمة. كل إنسان يحمل استعدادا كامنا للعنف، متى توفرت شروطه يتحول الى فعل خارجي. ومناشيء العنف متشابهة في أغلب مصادرها. فالروح الاستعلائية لدى الرجل والشعور الذكوري موجود، يلازم الإنسان، لكن يختلف من شخص إلى آخر كلا حسب ثقافته وخلفيته."

الفعل الخارجي لدى الصبية في نصك، والذي يتمثل بالعنف ضد مخلوقات ضعيفة وهي الضفادع، وإكتساب القيم والمعايير الاجتماعية في البيت والمدرسة، طوّر توجهات مختلفة لدى الصبية في إختيار وكلاء التهيئة الاجتماعية الاخرين في المستقبل. فبعضهم يستمر بالانحراف للاجرام وبعضهم يأخذ على عاتقه توعية المجتمع من خلال الدراسة والبحث عن طرق الاصلاح.

الدكتور المختص بعلم النفس، في نصك، هو احد افراد الفئة الثانية.

ماذا أضاف الدكتور عن آفة العنف، ولم تذكره في نصك؟

 

ج6: د.قصي شيخ عسكر:

سيدتي الأديبة ميادة أبو شنب

استوقفني السؤال السادس الذي استشهدت فيه بقول الباحث السيد ماجد الغرباوي حيث كتب في كتابه تحديات العنف "إن العنف ثاو ٍ في أعماق النفس البشرية وينتظر شروط فاعليته ..." الحق إن السيد الغرباوي كان موفقا جدا في اختيار كلمة " ثاو ٍ" فهي كلمة حساسة مؤثرة جاءت وصفا للعنف، هذه الكلمة جعلتني أعود لقواميس اللغة ومصادر الأدب فذكرتني بمطلع إحدى المعلقات:

آذنتنا ببينا أسماء  رب ثاو يمل منه الثواء

تقول المعاجم اللغوية: ثوى بالمكان أطال الإقامة به، أثويته ألزمته الإقامة، المثوى: المنزل، وثوى تثوية : مات ، وثواء طول المقام، وفي الحديث الشريف: إن رمح النبي " ص "كان اسمه المثوى لأنه يثبت المطعون به، وفي القرآن الكريم : النار مثواكم أي مقامكم.

إذن الباحث الغرباوي يعني في حديثه عن العنف إنه: متأصل في النفس وكونه لايتحدد بزمن قصير مثل البيت للإنسان، لأن الإنسان مخلوق من مجموعة متناقضات. في كتيب لي عنوانه " القصص في نهج البلاغة" مطبوع عام 1988 عن دار البلاغ ذكرت نوعا من القصص في نهج البلاغة سميته القصص العلمي وهو ماذكره الإمام علي " ع " عن خلق الإنسان، يقول:

" ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها تربة سنها بالماء حتى خلصت ولاطها بالبلّة حتى لزبت  فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول وأعضاء وفصولن اجمدها حتى استمسكت وأصلدها حتى صلصلت  لوقت معدود وأمد معلوم ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا...معجونا بطينة الألوان المختلفة...والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية، والأخلاط المتباينة من الحر والبرد والبلة والجمود...."الإنسان وفق هذه الصورة مخلوق من مجموعة متناقضات سواء أكان مخلوقا من قبل الطبيعة كما يرى العلمانيون أو من الله تعالى وفق رأي المؤمنين. إن هناك سلاما وأمنا وطمأنينة في نفس الإنسان يقابلها عنف وقسوة وهذا مايعنيه الأخ الغرباوي بكلمة " ثاو" أي إن رأيه يتفق مع الراي القائل إن العنف موجود داخل النفس البشرية لكن العبرة تكمن في تخفيف وطأتهن والتحكم بهإلى درحة إلغائه،تاريخنا الإسلامي يروي أن هناك صحابيا قدم على النبي فسأله عن اسمه فأجاب: صعب فقال له النبي بل غير اسمك إلى " سهل" فرفض الصحابي تسمية النبي " ص"يقول أصحاب الكتب القديمة إن القسوة بقيت في هذا الرجل وفي عقبه. ماذا يعني هذا يعني أن العنف الثاوي مقيم إقامة دائمة في نفس هذا الشخص أما النبي " ص" فأراد أن يعالجه عبر علم الجمال فيغير اسمه إلىاسم جميل أي يقدم لهذا الشخص مفتاح الحل الذي هو أشبه بالتشذيب والتعليم لكن ذلك الشخص رفض التسمية الجديدة هذا من ناحية أما من ناحية من ناحية ثانية إن والد الصحابي أطلق عليه أسم " صعب " من يوم ولادته فتعامل معه المجتمع على كونه شخصا صعبا فضا لايقهر فنمت في نفسه هذه العقدة التي هي في نفسه موجودة أو مقيمة لتحقق التوازن مع صفة أو جين السهولة لكن عمرا مديدا مع الصعوبة وما اعتاده من أحكام الناس عليه جعلته يرفض أي تغيير جديد.

إننا بكثير من الوسائل نستطيع أن نخفف من سطوة جين العنف فينا من هذه الوسائل إن " الروعة" و " الرعب" يعدان درجة من درجات الجمال نقول قصيدة رائعة ودخل في روعه .. الروع هو الرعب وهو درجة عالية من العنف. إن لغتنا العربية لغة اشتقاقية وفيها تداخل بين الكلمات مثل روع و رائع  وتلك مسألة عالجتها في كتيب لي عنوانه " فيم جمالية وفنية في نهج  البلاغة "طبع عام 1988 في بيروت عن دار البلاغ، هذا الكتيب ذكرتني به كلمة السيد الغرباوي " ثاو ٍ"فاستفزتني لأقلب الكتيب حيث أقول فيه إن الرعب  شيء جميل إذا ماراقبناه من بعيد . الرعب عنف وهو درجة من درجات الجمال والحسن درجة من درجات الجمال والجمال هو الاساس لهذه المعاني. نصف الحديقة فنقول جميلة . ندخل إليها نتمعن في ورودها وشوارعها ومياهها. نقول امرأة حسناء. يمكن أن نقترب منها. نراها عن قرب. نناقشها. نصافحها.. لكن نحن نخاف الحريق الهائل- مشهد مرعب يدخل في روعنا -  غير أننا نلتذ بمشاهدة عمارة  تحترق من بعيدة. نلتذ بمنظر العاصفة وأمواج البحر ونحن نراقبها من بعيد ولانجرؤ على الاقتراب منها ثم نطلق عليها كلمة رائعة لأنها تحقق التوازن في مكونين متناقضين في نفوسنا هما الميل للهدوء والميل للعنف بتخفيف حدة العنف عبر مشاهدتها من بعيد.

المدى اللآخر لتعبير العنف مقيم " ثاو ٍ" في النفس البشرية جعلني أتأمل المظاهر العامة لسلوك الإنسان فيقع اختياري على كرة القدم. لماذا أصبحت كرة القدم الكرة الشعبية في العالم كله؟ لأنها تحقق التوازن بين الهدوء والعنف أكثر من بقية الرياضات للمواصفات التالية:

الزمن فكرة القدم بشوطيها أطول زمنا من بقية الرياضيات فكأنها تحقق صفة الديمومة.خذ مثلا الملاكمة التي تنتهي بسرعة رغم أنها أكثر عنفا من كرة القدم.

كونها لعبة جماعية وهي لعبة خشنة تمزج بين الخشونة والفن بعكس. المصارعة  الأكثر عنفا التي تعتمد على اثنين أو أربع.

قلة أهدافها إذا ماقورنت بكرة السلة والطائرة واليد.

الحركة السريعة إذا ماقورنت بالشطرنج.

ممارستها بالرجل أي الركل وهو الأعنف.

مساحة أو مكانها الواسع مقارنة بالرياضيات الأخرى.

إن ممارستها أو رؤيتها تشيع في نفوسنا الراحة  لأن كرة القدم عنف أستطاعت الحضارة البشرية تحويله إلى فن يحقق التوازن في نفسية الفرد.

هذا مجمل تعليقي على فكرة الباحث القديرالأستاذ  ماجد الغرباوي  أما الشق الثاني من السؤال وهو: "ماذا أضاف الدكتور عن آفة العنف، ولم تذكره في نصك"

الشيء الذي أضفته في نصي ولم أدخل في تقاصيله هو إني أظنني قدمت نصا لايدخل في التفصيلات بل يصورها من الناحية الفنية.لأن الفن محاكاة للطبيعة والمحاكاة لاتعني التقليد قط فأنت ياسيدتي قد لايعجبك مشهد حصان مقطوع الرجل في الواقع لكن لو جاء رسام ورسم صورة لحصان مقطوع الساق ينزف وفي السماء طائرة ؟ المشهد يدفعنا إلى كره الحرب بالتالي يشذب حدة العنف فينا لأن الواقع نفسه ورؤيته من دون فن أي من دون محاكاته قد لايشذب نفوسنا بل يزيد من مقدار القسوة في داخلنا أو حب الذات والأثرة " الأنانية" مثلا لو حدث وإن سيارة ً ما صدمت شخصا ففي اللحظات الأولى يحمد الشخص الله على أنه ليس هو المصدوم ثم يرتاح حين يعلم أن الضحية ليس أخاه أو ابنه أو.... عندئذ يأتي دور الفن فيشذب هذا الواقع فيلغي الجانب الأناني عند الإنسان عبر التأمل والذوق والحس النقدي. إن هناك معاني كثيرة حاولت إيصالها عبر قصة الضفادع لكن بصورة غير مباشرة لأن دوري أنا الأديب أن أعمل مثل الفلتر يترشح الواقع عبري فألغي وقائع . أثبت أخرى وأضيف من عندي.

الشيء الذي لم أذكره علنا أن القاتل أصبح ضحية الآن. إنه يحاكم نفسه عبر المونولوج الداخلي قبل أن يبدأ الحديث مع المشاهدين بصفته أحد فاعلي العنف ذات يوم.وكأن القصة جاءت لتقول كلنا قتلة.

 

 

 

ميادة أبوشنب:شكرا لك مجددا ألكاتب القدير د.قصي الشيخ عسكر، وشكرا للحوار الممتع، والآن نترك الباب مفتوحا لمداخلات السيدات والسادة لطرح المزيد من الاسئلة لاثراء الحوار أكثر.

 

د.قصي الشيخ عسكر: في الختام أود أن اشكر صحيفة المثقف على إنجازاتها الثقافية الرائعة وسعيها الدؤوب لخلق توازن ثقافي يكاد يكون مفقودا في الساحة الثقافية التي عرف عنها في هذه المرحلة الانحياز والتكتل والتحزب وقد أثبتت هذه المؤسسة حقا أنها تسعى قدر الإمكان لتحقيق توجه موضوعي حقيقي وإنها جادة في وضع منهج راق تسير عليه لأن العمل من غير منهج يصبح فوضى أو يضيع وقت الباحث والمتابع والقاريء كما اشكر السيدة الأديبة ميادة أبو شنب والأديب المبدع جلال جاف وإن أنس فإنني لاأنسى الصديق الفاضل الباحث الأستاذ ماجد الغرباوي فلكم مني جميعا كل تقدير واحترام.

 

المثقف

نص وحوار

ميادة أبوشنب / جلال جاف

 

 .. .. .. .. .. .. .. .. .

 

 

            الضفادع / د. قصي الشيخ عسكر

 

qusay_askarكانت هناك أمامي وخلفي أكثر من صورة غريبة، مجسمات .. رسوم توضيحيّة أشرطة فيديو .. جداول .. بدت الندوة كبيرة بذل مضيفونا مجهودا ضخما لإنجاحها،

 وقد ضحكت من نفسي حين عرفت السبب فيما بعد، فلست وحدي، كلّنا نجهل ذلك فهناك ضمن التلاميذ المشاكسين من يقسم أنّه بريء من ايّة تهمة. لم نصل المدرسة متأخرين أو نقوم بفعل مزعج هذا الصباح، أمّا أن يطلب المعلّم منّا الوقوف فجأة حالما يبدأ الدوام، ويأمرنا أن نبسط الأيادي إلى الأمام، كي يهوى على راحتي كلّ منّا بعصاه الرفيعة الغليظة اللامعة كأنها مصقولة بدهان ذي بريق، فأمر محيّر فعلا لم نجد له باديء الأمر أيّ تفسير.

هكذا والله من دون سبب.

ومثلما شخصت أمامي صور الحاضرين بعيونهم الغريبة، كانت اللحظة تلك تحتلّ المقاعد الأمامية وتغزو جميع الوجوه والأشياء، لحظات وأنا واقف، وجهي إلى الحائط.عقوبة اعتدنا عليها، وهي تبدو بلاشك أخفّ وطأة من غيرها كعقاب اليوم الصارم الذي نجهل سببه، من الجانب الآخر مذيعة البرنامج تستعد لتقديمي. المصور قرب الكاميرا .. الإشارة من المخرج أن أنظر نحو العدسة، وصوت المعلّم يتهادى معنّفا:

- يحيى .. نعيم .. صباح .. حسين .. عبدالله .. أحمد .. ماجد .. راضي .. كامل .. جميل .. والله لو شاهدتكم تطاردون الضفادع مرّة أخرى لكسرت أيديكم ورميتها للكلاب!

عندئذ أدركنا سبب العقوبة وغضب الإدارة علينا إنها هي الضفادع وليس هناك من أمر آخر .. لاأدري كم اسما نسيت.بلاشك غاب عنّي الكثيرون وتلاشت صورهم إلاّ أنّها لم تكن بالهواية الشاذّة بل كانت رياضتنا المفضّلة.مثل أيّة هواية أخرى صيد الحمام .. قنص الأرانب .. أو صراع الديكة .. لاأدري أين هم الآن.وحدي أجلس أمام الحشد الضخم.أواجه آلات التصوير، و المذيعة تقدمني :

- الدكتور .. المحاضر ..

يمكن أن تذكر أيّ اسم.أيّ واحد منّا.لايهمّ.صباح .. حسين .. نعيم .. كلّنا مارسنا الهواية ذاتها والمعلّم عاقبنا جميعا، وهناك الملايين ممن هم خارج الاستوديو يرون صورتي ويسمعون باسمي من دون أن أرى عيونهم تتسلّط عليّ وحدي.أذكر أننا بعد اللعبة قبيل المغرب افترقنا.كلّ ذهب إلى منزله.كنّا نجهل تماما أنّ المعلّم ذا الظهر المقوّس والشفة الغليظة مثل شفة البعير تأخّر في المدرسة يصحح الدفاتر إلى العصر، وحين مرّ من البستان لمحنا نخطر على السواقي ننط كالقرود .. ونتغلغل بين الحشائش نلتقط الضفادع، أمّا الحصى الناعم القاسي فقد امتلأت به جيوبنا، في هذه اللحظة بالذات أتلفَت فلا أرى أيّ أحد منهم.صباح بعد تخرجه من الجامعة هاجر إلى كندا.يحيى أصيب بداء السكّر وفقد القدرة على الإبصار، بعدسنوات وجدت نفسي أجلس منفردا أمام آلات التصوير، كنّا معا نحمل الضفادع الصغيرة، نربط أيّ واحدة من رجلها بخيط من الكتّان المتين، نطوّح بها في الهواء ثمّ نقذفها باتجاه السلك الكهربائي، يظلّ الخيط يلتفّ على السلك ومن بعد تتدلى الضفدعة منكوسة الرأس، فنجعلها هدفا لحصانا المنطلق كالرصاص من المصائد المطاطيّة حتّى تتهرى وتتمزق جلودها، فنعيد الكرّة مع واحدة أخرى!

كان المعلّم يزعق، وعصاه تنهال على أيدينا:

- ألم يركم أهلكم؟هل هم موافقون؟

أهلنا حذّرونا من الضفادع قالوا إنّ من يمسكها يصاب بالثالول المرض الجلديّ الكريه، أحد شيوخ المحلّة أخبرنا أنّها مخلوقات طيبة حملت الماء بفمها لتطفيء نار النبيّ إبراهيم، وقد ضربنا كلّ تلك الأقاويل عرض الحائط لكننا لم نعد للعبة فيما بعد، خشينا من المعلم غير أنّني أجلس هنا وحدي.جميعهم رحلوا بعيدا إلى دول شتّى، ومهما كبرت وطال الزمن بي فذلك اليوم يظلّ عالقا بذهني. آخر يوم نركض حول السواقي نطارد فيه الضفادع. كان الشريط الوثائقي ينبسط لعينيّ قبل أن أتكلّم.شاب في الثامنة عشرة من عمره يقتحم شقّة ما، يهوي بسكّين على عجوز طريحة الفراش، تقول مقدّمة البرنامج إنّها جدّته، وجد في خزانتها 1000 باوند، طعنها وقفز من النافذة كضفدعة تتضخم بحجم الشارع لتطاردني.لم تتركني الأشرطة ألتقط أنفاسي لحظةً ما لاح لي من زمن قريب وجه آخر لمراهق يحمل شيئا مغلّفا.دخل مدرسة، في الممرّ فتح الشيء المبهم، وصوّبه نحو رفاقه التلاميذ، سقط عدد من التلاميذ وجُرِح آخرون ليحتفظ بالرصاصة الأخيرة لرأسه وكان عليَ أن أعود للحديث بعد الفاصل .. .كنت لحظتها أنطّ في البستان أتابع رطوبة الساقية غير عابيء بالطين والشوك فأصطاد ضفدعة أربطها وأرميها على السلك. والحق إنّه مساء غير عادي تحدّثت فيه المذيعة عنّي بصفتي عالما معروفا من علماء النفس، لاأدري كثيرا عن الآخرين الذين عوقبوا من المعلم.أحدهم يمكن أن يكون نعيم أصبح معلما،  شاكر اشتغل في دائرة الشؤون العامة عدا الذين هاجروا أو ماتوا، وبعد عشرات السنين، أمام الجمهور عليّ أن أتحدث على مدى ساعتين في ندوة عن ثقافة العنف، تركوني وحدي، وبعثوا لي ضفادع تنط أمامي وتنظر إليّ نظرات بلهاء، والمذيعة مرّة أخرى تتطلّع فيّ بابتسامتها الرسميّة الباردة فتختصر المسافة الطويلة وتحشرني في جملة واحدة:

- دكتور : ماهي برأيك المسببات الجوهرية لثقافة العنف؟

- نعم العنف!

كانت الذكرى البعيدة لمّا تزل تطاردني، سوف أتحدّث وأحاور الحاضرين وأناقش من يتصل بي عبر الهاتف على الرغم من عصا المعلّم الغليظة التي اقتحمت عليّ القاعة من مكان ما، ووجوه الضفادع المدلاة من الأسلاك، وأصوات النقيق القادمة من بعيد ..

نعم في تلك اللحظة كان عليّ أن أتكلّم!.

 

العدد :1964، الخميس 08 / 12 / 2011

http://almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=57833:2011-12-08-03-10-40&catid=35:2009-05-21-01-46-04&Itemid=0

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1979الجمعة 23 / 12 / 2011)

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

ايها ا لمبدع الدكتور قصي كيف تنسى صديقك المثابروقد بدا معك رحلة الكتابة والادب

This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الدكتور الحبيب صدام فهد الاسدي
تحيتي الخالصة
لا والله أيها الحبيب لم أُنسك قط لكن في كثير من الأحيان لا اذكر بعضا من لأدباء المبدعين حتى لا يتهمني احد بالانحياز احيانا لا اذكر صدام فهد ولا يحيى السماوي والدكتور عبد الرضا علي ومصطفى المهاجر فهناك من يرى في ذكر الكبار انحيازا
ولعلك الان ترى رايي صوابا
مع الف شكر لك أيها الرائع
قُصي عسكر

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1935 المصادف: 2011-12-23 00:11:45