 مرايا حوارية

مرايا: محاورة ثقافية - فكرية مع الباحث والاديب د. محسن العوني

salam kadomfarajmohsen ouniالمثقف تستضيف الاستاذ الباحث والاديب د. محسن العوني ضمن مرايا ثقافية – فكرية لتحاوره حول مجموعة من القضايا الراهنة، ذات البعد الفكري والثقافي والسياسي، فاهلا ومرحبا به.

 

 تونس الخضراء في ماضيها وحاضرها والآفاق التي تنتظرها..

سلام كاظم فرج: تونس الخضراء ترتبط في وجداني بالشاعر الشابي الذي سمعت باسمه وأنا بعد في مرحلة طفولتي..كنت أتأمل صورته على ديوانه المطبوع وأقارن بينها وبين صوت حليم الرومي الدافئ وهو يغني قصيدته المعروفة.(إذا الشعب يوما أراد الحياة..).. وحين انشغل جيلنا بشجون السياسة تعرفنا على فلسفة بورقيبة ورؤيته .. وموقفه المغرد خارج السرب الذي كان يقوده المرحوم عبد الناصر.. لكن تونس ظلت في خاطري عنوانا للجمال والهدوء والرقي.. قرينة البحر المتوسط.. والخضرة.. والطيبة. والتحضر..

 ومساحتها الصغيرة وشعبها القليل العدد والكثافة مقارنة بجيرانها المغاربة والجزائريين..

 وتونس في ذاكرتي كهلا.. تقترن بأعظم مفكر في علم الاجتماع بل هو مؤسسه وواضع لبناته الأولى وما سمي لاحقا بعلم الاجتماع السياسي تعود جذوره إلى شذرات وآراء تناثرت في مقدمة ابن خلدون والذي سبق كونت وماركس في قراءة التأريخ قراءة علمية وله يعود الفضل في فصل الخرافة عن علم التأريخ. وله يعود الفضل في تشخيص قيم البداوة وتفاعلها مع قيم التمدن في صناعة الحدث السياسي والاجتماعي...وما سمي بالتفسير المادي لحركة التأريخ تجد خطرات خلدونية منه في كتابه الفخم (المقدمة)..

 بعد لقائي بالمفكر الدكتور محسن العوني وتعرفي عليه من خلال صفحات المثقف الغراء وإطلاعي على شذرات من فكره النير وترجماته الرصينة لعيون الأدب العالمي. انتبهت إلى عمق مداخلاته على كتابات الأصدقاء وشخصت فيه تواضع الكبار ورقة الأديب الانسانوي .. وعمق المثقف العضوي الحريص على إرتقاء شعبه وأمته والانسانية جمعاء.

 وكانت لي مراسلات عميقة معه نتبادل فيها التهاني في المناسبات ونستغرق في أحاديث طويلة في شؤون الفكر والأدب والفن .. وكنت حذرا من الخوض في شؤون السياسة معه تجنبا لإحراج قد اسببه لصديقي لخوف كامن من تداعيات العيش في ظل نظام قمعي كنظام (بن علي) .. وعندما بدأت تباشير ثورة الشعب التونسي زاد قلقي على صديقي الدكتور حتى عاد للكتابة في صحيفة المثقف..

 

ارهاب السطلة

س1: سلام كاظم فرج:أستاذنا العوني. سأبدأ بسؤالكم سؤالا أتمنى أن لايكون محرجا.. هل ما زال الخوف الكامن..من تبعة إبداء الرأي.. وما كنا نسميه بسجناء الرأي يمتلك حضوره ام اننا قد تجاوزنا محنته؟؟

ج1: د. محسن العوني: الشاعر المفكر والمثقف الكبير والإنسانوي الرائع العزيز سلام كاظم فرج .. أيها المحاور السامق

كم كنت كبيرا وعميقا وأنت تموضع تونس في التاريخ والجغرافيا وفي قلبك ووجدانك ..لا غرابة في الأمر فأنت الشاعر المفكر الذي يرى بعين التاريخ وقد تبوّأت الحضارة والإنسانية لديه مكانا عليّا ..

ألف شكر ومحبة لنبلك وكرمك أستاذي الكريم ..

أسئلتك أثارت في الفكر والنفس أشياء وأشياء كانت ثاوية تنتظر محاورا بقامتك وعمقك.........

جمهورية الخوف تركت بصمتها وثقافة الانسحاب لا يمكن أن تختفي بسهولة والخوف من إبداء الرأي وخاصة الرأي الذي يصنّف ضمن خانة "التغريد خارج السرب".. ما يزال قائما والرقابة الذاتية ما تزال قوية نظرا لطول أمد الاستبداد وقسوة وتوحش النظام البوليسي الذي ظل حاكما بأمره لعقود.. الطاغية المستبد رحل غير أن إفرازات نظامه لم تضمحل وما يزال لها حضور ملحوظ وهي تتحرّك وفقا للمتغيّرات على الأرض.. والعقل الجمعي والنفسية الجماعية لم تتخلص بعد من شبح التسلط.. يحضرني مثل ذلك الطائر الذي تربّى وترعرع في القفص فأدمن المشي وفقد القدرة على الطيران والتحليق أو كاد بعد أن تعطلت فيه الأجنحة.. التربية والتنشئة والثقافة.. هنا مكمن الخطر.. الثقافة يمكن أن تشوّه الطبيعة وتحوّل وجهتها وتضعف نداء الأقاصي.. يحضرني مشهد المواطن التونسي أحمد الحفناوي الذي صار يعرف باسم أحمد هرمنا.. في لقطته التي تحوّلت إلى ما يشبه الطـغراء بعد أن رسّختها قناة الجزيرة وهو يقول : "هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية" الاستبداد والفساد سرق الأعمار كما سرق الفرح.. وشعوبنا لم تعد تعرف متى تفرح ومتى تحزن وهي تحتاج إلى علاج نفسي سيكولوجي طويل المدى.."الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم لهم الأمن وهم مهتدون"..

 

تونس والانتخابات

س2: سلام كاظم فرج:كيف تقرأ نتائج انتخابات المجلس التشريعي في تونس العزيزة...؟؟

ج2: د. محسن العوني: في هذا السياق لعله من المفيد الوقوف عند عبارة لافتة وردت في كتاب "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان" للمصلح التونسي المؤرخ أحمد بن أبي الضياف (1802 – 1874) "ومن المعلوم أن شدّة الملك القهري تفضي إلى نقص في بعض الملكات الإنسانية من الشجاعة وإباء الضيم والمدافعة عن المروءة وحبّ الوطن والغيرة عليه حتى صار بعض الجهات من المسلمين عبيد جباية ليس لهم من مسقط رؤوسهم وبلادهم ومنبت آبائهم وأجدادهم إلا إعطاء الدرهم والدينار على مذلة وصغار والرّبط على الخسف ربط الحمار حتى زهدوا في حبّ الوطن والدّار وانسلخوا من أخلاق الأحرار وهذه أعظم الأسباب في ضعف الممالك الإسلامية وخرابها" بعد مضيّ قرن ونصف على نصّ المؤرخ ابن أبي الضياف.. هل تغيّرت هذه الوضعية ؟.. لعلها لبست لبُوسا حديثا !؟.. ثنائية المواطنة (الوجه الآخر للحقوق المدنيّة والسياسيّة) و.. الحرّية تبدو متلازمة في فكر المصلحين.. خير الدين التونسي في كتابه "أقوم المسالك" يؤكد بدوره على أهمية الحرية وحيويتها في تحقيق التقدم الذي حققته أوروبا .. قائلا "الحرية هي منشأ سعة نطاق العرفان والتمدّن بالممالك الأوربّاوية".. وهاهو سلفهم العظيم عبد الرحمان بن خلدون يؤكد بعبارة واضحة يقولها بلسان التاريخ :"العدل أساس العمران والظلم مؤذن بخراب الأمصار".. ابن خلدون / ابن أبي الضياف / خير الدين التونسي.. ثالوث إصلاحي من نور في الحركة الإصلاحية العربية..

قبل الانتخابات استيقظ سكان حلق الوادي الضاحية الشمالية للعاصمة تونس غير بعيد عن قرطاج على صورة عملاقة لبن علي معلّقة على جدار معلم تاريخي هو الكرّاكة سجن قديم يشبه القلعة بناه الإسبان تحوّل إلى مسرح

وقد اجتمع الناس أمامها والذهول يملأ منهم العيون والأفواه فاغرة وهم يتساءلون بحيرة: هل هي الكاميرا الخفية أم مقلب للضحك والفكاهة أم.. تقدّمت فتاة تونسية شجاعة ومزقت الصورة العملاقة بمساعدة بعض الحاضرين وسط تصفيق المواطنين وبسقوط الصورة وجدوا تحتها العبارة التالية : " أَفـِقْ.. الديكتاتورية يمكن أن تعود.. سيعود بن علي إن أنت لم تصوّت يوم 23 أكتوبر !!!؟؟؟.. " واكتشف الناس أن جمعية تونسية قامت بهذا الأمر في إطار حثها التونسيين على الذهاب إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات بعد الثورة المجيدة.. طالما حوّل بن علي الإسلاميين في تونس إلى فزاعة وبهم وعن طريقهم وصل إلى السلطة وكان يقضي ليله في الشراب واللهو و..مع حلقة من رفاقه حتى مطلع الفجر وعند الصباح الباكر يضع بعض الأسلحة والعبوات والمتفجرات في سيارته ويذهب إلى بورقيبة في المنستير ويقول له : بتّ ليلتي أمس أطارد الإسلاميين في ضواحي منوبة والدندان وحي الزهور وقصر السعيد وباردو ...إنهم يسعون إلى إسقاط نظامك العلماني وإقامة النظام الإسلامي ومحاكمتك!!؟؟؟ فيصدّقه بورقيبة وهو في ضعف الشيخوخة وعجزها وكل قوّة إلى الضعف راجعة ..ويقول له: أنا بحاجتك واصل تتبّعهم وسنحاكمهم ونعدمهم؟؟؟ وها هو اليوم يتحوّل بدوره إلى فزّاعة وعلى الباغي تدور الدوائر؟؟؟.."ويريكم آياته فأيّ آيات الله تنكرون ".. التونسيون اختاروا مواطنتهم وأسقطوا رموز الطاغية وكل ما يذكرهم به وبعقوده بعد أن أسقطوه.. ومن خلال خروجهم للانتخابات منذ الصباح الباكر قالوا عبارة تأسيسية : "نحن مواطنون بحقوق كاملة وكرامة غير منقوصة .. لسنا رعايا ولا غبارا بشريا تذروه رياح الاستبداد والأهواء والجهالات".. أجمل ما في هذه الانتخابات.. تلك الروح وتلك الشعلة الزرقاء التي رأيتها في العيون.. روح المواطنة والمحبة والسلوك الحضاري.. وشعلة الإرادة والعزم على عدم الرجوع إلى الوراء.. رأيت يوم الانتخابات في عيون التونسيين والتونسيات وعلى وجوههم الفخر والاعتزاز والفرح والتأثر(émotion) .. أظهرت انتخابات المجلس التأسيسي نضجا سياسيا لدى المواطن التونسي وتقبلا لثقافة الديمقراطية.. كانت النكتة السياسية الذكية حاضرة والحوار الودي الباسم بين المواطنين والمواطنات وهم يقفون صفوفا أمام مكاتب التصويت ولو شاهدت جولدا مائير طوابير الاقتراع في تونس يوم 23 أكتوبر لأغمي عليها حزنا وأسفا وخوفا وهي القائلة : "يبدأ الخوف من العرب حينما يتعلمون الوقوف في الصف دون عراك".. رغم كثرة الأحزاب وقلة الخبرة السياسية لدى كثير منها فإنها تجاوبت مع استحقاقات المرحلة لكسب رهان الحوار الديمقراطي وهذا ما يخوّل للأحزاب أن تتعايش في ظل الاختلاف أو أن تختفي..رغم أن ظاهرة كثرة الأحزاب لم تكن بريئة وكان الغرض منها تعويم الساحة السياسية والتعمية على المواطنين وتعميق ظاهرة العزوف عن السياسة ومقاطعة الانتخابات.. فالأحزاب الحقيقية ذات الوزن لا تتعدّى (5-6) أحزاب.. الشعب التونسي بعث برسائله مضمونة الوصول من خلال الانتخابات وكان حاسما في ذلك :

- لا لبقايا التجمع وفلوله مهما أمعنوا في التخفي.. فالشعب يرفض أن يجد مجرّد رائحتهم.

- لا لمن يرغب في شراء الذمم بالمال السياسي..

- نعم للمحاسبة والمكاشفة والقطع مع ممارسات الماضي..

- نعم للدولة المدنية التي تحفظ حقوق المواطنين وحرياتهم الخاصة والعامة..

- الشعب يكتب تاريخه الكبير وديوان عبره وقد انخرط في كتابة المقدمة.. الدستور.

خروج الشعب التونسي من دائرة السلبية إلى مرحلة المشاركة السياسية الفاعلة أظهر حقيقة دامغة جاءت نتيجة للثورة وهي أن الشعب قد حقق سبقا على الأحزاب السياسية في استيعابه الديمقراطية واستحقاقات المرحلة..

بعد الانتخابات التونسية لن يكون الحاكم إلا محكوما بمواطنيه وتلك النكتة السياسية الجارحة الرائجة في أوساط المهاجرين "الفرق بين رئيس عربي ورئيس غير عربي أن الثاني يعتبر نفسه في خدمة شعبه ومواطنيه بينما الأول يعتبر الشعب في خدمته!!؟.." ستصبح نكتة تاريخية وتدخل متحف الثورة مثل نكتة ماري أنطوانيت..

 

س3: سلام كاظم فرج:حزب النهضة.. من أكثر الأحزاب التي لقيت عنتا من النظام السابق. وكان في طليعة المتصدين له. واعتقد أن سبب شعبيته المتنامية تعود إلى ذلك التصدي.. هل ترى إن قراءتي قريبة من الواقع. أم أن إسلاميته منحته تلك الشعبية؟؟..وهل ترى تناقضا بين (الإسلامية) والحداثة؟؟.

ج3: د. محسن العوني: حزب النهضة لا يقدم نفسه كحزب دينيّ وقد نفى ذلك في أكثر من مناسبة وعلى أكثر من منبر.. فهو حزب مدني أو حركة سياسية ذات خلفية إسلامية تجمع أطيافا من الرؤى والتصورات تجتمع على كلمة سواء تتمثل في: عدم التشكيك في الإسلام.. الإيمان بالمساواة بين المرأة والرّجل في القيمة الإنسانية والكرامة والحقوق والواجبات.. الإيمان بالخيار السلمي وعدم اللجوء إلى العنف.. الإيمان بحقوق الإنسان.. السجون والمنافي والتعذيب والملاحقة غيّرت رؤية حزب النهضة لنفسه ولغيره وطوّرت طروحاته.. ومن رحمة الله بالمجتمع التونسي أن حركة النهضة لم تتحوّل إلى حركة مسلحة كنتيجة حتمية للعنف والتوحش وسياسية تجفيف المنابع والذبح بغير دم كما نقول في تونس الذي قوبلت به على مدى عقود من زمن بورقيبة الذي أطلق عليه الأستاذ راشد الغنوشي ذات برنامج "المخلوع الأول" إلى عهد بن علي "المخلوع الثاني"..

الخطأ القاتل الذي ترتكبه أنظمة الاستبداد أنها تستغفل شعوبها وتتعامل معها بالمكر والخديعة ولا تحترمها وهو ما يجعل الشعوب لا تتوقف عن التعبير عن احتقارها وعدم اعترافها بهذه الأنظمة الساقطة أخلاقيا قبل سقوط شرعيتها بفعل التزوير والغش والفساد والاستبداد.. أذكر أني خلال العام 2002 كتبت مقالا حول واقع حقوق الإنسان في العالم العربي (أغلب المقالات التي كنت أكتبها حول موضوع حقوق الإنسان أو دعم سجناء الرأي أو أدب السجون.. كانت تمنع بحجة أو بأخرى وإن كانوا غير محتاجين إلى تبرير المنع فالمسألة واضحة ومفهومة ومن لا يرى من الغربال يسمى أعمى). وقد وردت في هذا المقال العبارة التالية :"حرمة الذات الإنسانية أكبر من تقرير تكتبه يد مرتجفة.. " فما كان من مدير مكتب الصحيفة في تونس المعيّن من قبل النظام وهو يعرفني جيدا ويعرف قناعاتي الفكرية.. إلا أن جمع بعض المحرّرين في مكتبه وقرأ عليهم المقال وسألهم: ماذا يقصد كاتب المقال بالعبارة.. هل يقصد الدفاع عن الإسلاميين!!؟.. فأجابه بعضهم.. إن دلالة العبارة واضحة في إدانة أخذ المواطنين بالشبهة والكيد للانتقام من الخصوم والمعارضين وتصفيتهم.. واتصلوا بي هاتفيا من مكتب الصحيفة ليسألني مدير المكتب سؤالا محدّدا.. من تقصد بالعبارة؟ فأجبت : أقصد جميع الناس بلا تخصيص.. الذات الإنسانية كما هو مذكور في المقال بلا ألوان سياسية ولا انتماءات.. يسار.. يمين.. وسط.. بلا انتماء.. قال : ولكن اليساريين كانوا يعذبون ويضيق عليهم في الستينات والسبعينات أما اليوم فعبارتك لا تصح إلا على الإسلاميين.. فهل تدافع عنهم!!؟.. (هكذا).. قلت: أليسوا بشرا.. ألا ينتمون إلى العائلة الإنسانية!!؟.. وكأن سلخ الإسلاميين قبل قتلهم وتصفيتهم أمر جائز أو بالعبارة التي يعلقها بعض الجزارين "كاشير" حلال..!!!. وكأن من يدافع عن إنسانيتهم يقترف جرما لا يغتفر أو يتطوع للدفاع عن الشيطان..!! هكذا هي طبائع الاستبداد..

إن معاناة حزب النهضة من القمع لعقود طويلة وصراعه المرير والعنيف مع نظام الاستبداد الوالغ في الدم وخروجه إلى المهاجر والآفاق.. أكسبه خبرة ومرونة جعلته يتأقلم مع واقع مجتمعه ويغلب السياسي/الآني/ اليومي على الديني الغيبي.. يلتقي الشعب التونسي مع حزب النهضة في أكثر من نقطة:

- كلاهما كان ضحية النظام..

- عدم الثقة في النظام..

- الخوف على الهوية والقيم الحافظة لكيان الأمة..

- السعي إلى انتهاج خطاب براغماتي يجمع بين العقلانية والبعد الروحي والأخلاقي القيمي..

حركة النهضة ليست حركة نخبة كما أنها ليست قالبا واحدا.. هي حركة شعبية واسعة متغلغلة في المجتمع وهي إطار واسع وأمزجة وتلوينات منسجمة وغير متنافرة.. وتراث الاعتدال والوسطية في تونس تراث أصيل وعريق والإسلام ليس جملة من الزواجر والممنوعات والحدود.. بقدر ما هو أفق ورؤية تتجلى في كل عقل بما يناسبه وذلك من دلالات ختم النبوّة "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا".. إن الإقامة في الحداثة لا تتأتى إلا لمن بنى حداثته بنفسه وتعب عليها.. "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها". الأصل الثابت أساس وشرط الفرع الذي في السماء.

 

س4: سلام كاظم فرج:أراه قريبا من الاردوغانية التركية في تبنيه الإسلام السياسي وقبول التفاعل مع الديمقراطية ؟؟

ج4: د. محسن العوني: رئيس الوزراء التركي السيد رجب طيب أردوغان كان أول المهنئين بفوز حزب النهضة في الانتخابات والنموذج التركي التنموي والديمقراطي ومنهج التحوّل من نظام عسكري إلى نظام مدني وبناء المصالحة مع الهوية والتاريخ وتجاوز أخطاء الماضي.. ماثل وحاضر في الأذهان وإن كانت النماذج لا تستنسخ.. وقد ذكر الأستاذ راشد الغنوشي ذات لقاء أن الأتراك يشهدون أن فكر النهضة كان حاضرا في تجربتهم الديمقراطية وهم يستفيدون من طروحاته.. كما ذكر أنه خلال كل زيارة له إلى تركيا يلاحظ أنهم ترجموا له كتابا جديدا إلى اللغة التركية..

التشابه بين حزب النهضة التونسي وحزب العدالة التركي يشبه التشابه بين العلم التونسي والعلم التركي.. كما نلاحظ تقاربا وتشابها ونقاط اتفاق بين التجربة التركية والتجربة التونسية (أتاتورك/ بورقيبة.. القرب من أوروبا، البراغماتية، ثقل التاريخ والتحديات).. حزب النهضة لا يتوقف عن ترديد مقولاته ونداءاته :" اسمعونا ولا تسمعوا عنا.." لا تناقض بين الدين والعقل والحداثة والديمقراطية" "لسنا حزبا دينيا" "الدولة ليست جهاز قمع أو قسْر وليس من مهمتها فرض نمط معين من العيش.. ليس من مهمة الدولة تفكيك المجتمع وإعادة تركيبته، بل تجسيم إرادة المواطنين وحماية الحريات الخاصة والعامة".

"نحن حركة ذات خلفية دينية بتصور حديث" "الثورة التونسية ليست صنيعة أحد .. هي صنيعة شعبها".

- "سنحترم حقوق الإنسان لأننا نؤمن بحقوق الإنسان لا من أجل فرنسا أو أوروبا أو الغرب ولا نقبل مساعدات مشروطة".

- نسأل الله أن نكون عند حسن ظن شعبنا وأن تتحول الدماء والتضحيات التي بذلها إلى سلم وعدالة وتنمية لجميع أبنائه".

- "الإسلام يشجع على الإبداع لأنه قطعة إبداعية وآية فنّية ومعجزته قطعة أدبيّة (القرآن الكريم) قبل أن تكون تشريعا.."

- "المؤسسة التشريعية هي التي تترجم التدافع بين قوى المجتمع.."

- "الهوية لا توكل للحكومة أو لحزب حاكم بل للمجتمع وقواه الحيّة.."

- "الإسلام فاعل أساسي في السياسة الدولية وهو بحالة صعود والعلمنة بحالة تقلّص وفي المستقبل سيأتي إلينا سفراء مسلمون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها.. ووزراء وعلينا أن نستوعب ذلك.."

- "الصخر لا يتطور أما الإنسان فيتطور.."

- "للمرة الأولى تجتمع مصلحة الداخل (المجتمعات) مع مصلحة الخارج في الديمقراطية وحقوق الإنسان ليتهم تمسّكوا بحقوق الإنسان وحكـّموها مع الأنظمة المتهاوية ولم يدعموها كما كانوا بفعلون.."

- "بين الجلاد والضحية ثمّة مشكلة والتعذيب طال أجيالا.. هذا الجرح المتعفن يجب أن ينظف ويخاط ونمضي إلى الأمام.."

- "ضحايا التعذيب بالآلاف ومن خضع للتعذيب يعرف جلاده وأحيانا يعرف داره ومسكنه ولكن لم نسمع عن حادثة واحدة للانتقام أو الثـأر، وهو ما يحيل على الالتزام.. (رسالة لها أكثر من معنى!!؟؟..)"

- "خبراء الظواهر الإسلامية لهم من المعرفة والخبرة ما يجعلهم يفرقون بين تيار وتيار".

- "لن نعطي شهادة وفاة لأحد وإن أعطونا طيلة ثلاثين سنة شهادات الوفاة.. وعلينا أن نستوعب حركات اليمين المتطرف.. وفي أوروبا تجد كتلة لأقصى اليمين وأخرى لأقصى اليسار.. هؤلاء كانوا خلال الستينات مسلحين ويشكلون خطرا على مجتمعاتهم".

- "من فضل الله أن الثورات اندلعت في وقت كانت فيه السياسات الغربية تتجه نحو التقشف والانحسار".

- "لم يبق أمام الغرب طريق للمحافظة على الاستقرار إلا بصناديق الاقتراع بعد أن استنفدت الطرق الأخرى أغراضها فضلا عن كونها لم تعد مضمونة."

- "تحقق الاستقرار والديمقراطية فيه مصلحة للشمال والجنوب".

- "تضخيم الدور الأمريكي وكأنه من عالم السحر غير موضوعي وكثير مما يحصل في العالم ليس بإدارة الولايات المتحدة ويتم رغما عنها.. كما أن تهوين دور الشعوب وما قدمت من الدماء والشهداء والمنافي والنضالات وكأنها لا شيء.. عيب واحتقار مرفوض."

- "الثورة التونسية صنعت شرعية وفتحت أفقا وشقت طريقا."

- "لا نحتقر ثوراتنا ولا نستكثر على أنفسنا هذا الشرف والفعل الحضاري."

- "40 سنة قمع 40.000 سجين سياسي هذا هو رصيد حركة النهضة التونسية."

معاناة حزب النهضة من الاستبداد والظلم ضمانة أخلاقية للشعب التونسي - أو يجدر بها أن تمنع حزب النهضة- من إعادة إنتاج ما لاقاه من عنت مع هؤلاء الذين صوّتوا لصالحة أو لم يصوّتوا له.

بعضهم يراهن على فشل حركة النهضة لأسباب وغايات وخلفيات إيديولوجية ونفسية ومصلحية ضيقة وحتى شخصية.. معتمدين في ذلك أسلوبا غير أخلاقي مثل التشويه والتخويف والدس وتضخيم الأمور واستعجال السيئة قبل الحسنة وهم يرددون :"دعه يفشل.. دعه يموت" وبعضهم يتهم النهضة بأنها استفادت من اضطراب التونسيين وقلقهم على المستقبل ويذهب إلى أن اليسار كان ضحية تشتته وتفككه ويطرح تساؤلا ماكرا كأنه يتمناه :"هل يكون عمل الغرب مع الإسلام السياسي من قِبيل دفع المتباهي بالشجاعة إلى مقدمة المعركة ليموت!؟.. ولكن ماذا إن أيده الله بنصره وكتب له الحياة والعزّة والتمكين؟..

ولا أحسب أن حركة النهضة غافلة عن ذلك بعد هذه الخبرة وهذا الرصيد.. وإن كان فشل حركة النهضة -لا قدر الله- ليس في مصلحة أحد .. ولله درّ الإمام علي عليه السلام وهو يضرب مثل "الطاعن نفسه ليقتل ردفه".

إن تصميم حزب حركة النهضة أن يكون مشاركا فاعلا في الحياة السياسية وإدراكه لخطورة وجدية الإسلاموفوبيا لدى الغرب وضرورة إسقاط أسبابها وتكذيبها ووعيه بأن نجاحه لا يمكن أن يكون خارج المعادلة الدولية والمعطيات الجيو سياسية.. مما يدفعه إلى انتهاج خطاب منفتح إلى الحدّ الذي يجعله غير مختلف عن كثير من الحركات السياسية.. قاسمة المشترك مع حزب العدالة التركي أن نجاحه سيكون في التركيز أكثر على الجانب الاقتصادي واعتماد خطاب ديني لين مرن منفتح يقبل التعايش مع الألوان السياسية والفكرية الأخرى.. يجدر بالأحزاب اليسارية والعلمانية أن تقف موقفا ناضجا ومسؤولا ومتعاونا.. فلا يوجد في الديمقراطية منتصر دائم ولا خاسر دائم.. وإذا كانت المحاذير والخطوط الحمراء هي حقوق الإنسان والمساواة بين جميع المواطنين وحرية الإعلام واستقلالية القضاء واحترام الحريات الشخصية وعدم فرض نمط عيش على المواطنين.. فإذا ضمنت جميع ذلك فلم ترفض حزب النهضة!؟.. هل هي حساسية مفرطة من صفتها الإسلامية؟ في جميع الأحوال ما يمكن قوله هو أن حزب النهضة لم يسرق فوزه وانتصاره.. وصناديق الاقتراع صارت قادرة على تغيير السلطة بعد خمسة عقود كاملة كان خلالها جهاز القمع شغـّالا وقد حكم على الناس أن يسمعوا بأذن واحدة؟ ثم إن على الأحزاب اليسارية والعلمانية أن تتعلم من براغماتية الغرب..

 

س5: سلام كاظم فرج:الكارزما السياسية للزعماء هل ما زالت مؤثرة؟ وهل تحتاج الشعوب الى كارزيما؟؟

ج5: د. محسن العوني: سؤال وجيه.. الكاريزما هي قوة الحضور وشدة التأثير وامتلاك الجاذبية الشخصية.. وهي في أصلها إيجابية غير أننا حمّلناها فوق ما تتحمل حتى غدت بعض المجتمعات ترزح تحت وطأة الزعيم الرّمز والزعيم الأوحد حامي الحمى والدين والقائد الملهم.. ومن هنا تبدأ الديكتاتورية وأحسب أننا في المرحلة القادمة نحتاج إلى كاريزما الشعب.. كاريزما الشباب.. كاريزما المثقفين.. كاريزما القوى الحيّة.. من أجل الخروج من دائرة المطلبيّة إلى دائرة المشاركة الفعليّة في أخذ القرار وتحديد الأولويات وهذا يتطلب مبادرة واستشرافا.. مفهوم الدولة التقليدية ولى وانقضى عهده.. علينا أن نعدّل الساعات على التوقيت العالمي..

فوق المربعات التي ألصقت عليها القوائم على جدار بعض المعاهد التونسية في الضاحية عمد أحدهم إلى كتابة العبارة التالية بالبند العريض :"صوّت لنفسك" إنها كاريزما الشعب.. والأوطان يبنيها ملايين من الرّجال والنساء الأحرار ولا يصنعها قائد مهما كان مُلهما وعبقريّا أو حفنة من المستفيدين والانتهازيين..

 

الثورة والانتماء الطبقي في تونس

س6: سلام كاظم فرج:الشريحة التي ينتمي إليها الشهيد بوعزيزي (الفقراء والمهمشين). هل وجدت او ستجد من يأخذ بيدها؟ وما هي السبل لتحقيق ذلك؟؟

ج6: د. محسن العوني: شريحة الفقراء والمهمشين الذين ينتمي إليهم الشهيد محمد البوعزيزي شريحة ضاغطة على الدولة وكان لها شرف إعلان الثورة المجيدة سواء في منطقة سيدي بوزيد أو القصرين أو غيرها من المناطق الداخلية المحرومة البعيدة عن الشريط الساحلي.. وهي شريحة يقرأ لها حساب.. أكثر حتى من الطبقة المثقفة.. ويظهر أن النية تتجه نحو تمتيع هذه المناطق بالأولوية في التنمية لتعويضها عن الحرمان الذي قاسته طويلا واعترافا بفضلها وما قدمته من شهداء وتضحيات..

إن مجرّد تشديد إجراءات مكافحة الفساد يزيد إيرادات الدولة وهو ما يسمح بالاستثمار في تلك الجهات لصالح الشرائح الأقل حظا كما أن برامج مؤسسات المجتمع المدني ستوجّه لفائدة الطبقة المتوسطة والمحرومة.. هذا ما يصرّح به أما من الناحية العملية فهو يتوقف على أداء الحكومات التي ستتعاقب على الحكم وعلى فاعلية مؤسسات المجتمع المدني.. وعلى كاريزما الشعب.. خاصة وأن عبارة "الشعب يريد إسقاط النظام" خرجت أول ما خرجت من تونس.. " إن أعداء المجتمع الحقيقيون ليسوا هؤلاء الذين يستغلهم أو يطغى عليهم.. إنهم هؤلاء الذين يهينهم ويذلهم.. لهذا تجد بين صفوف الأحزاب الثورية أعدادا كبيرة من حملة البكالوريا الذين يبحثون عن عمل" جورج برنانوس.

 

س7: سلام كاظم فرج:الاقتصاد التونسي يعتمد على السياحة والزراعة.. ما هي آفاق الاستثمار .. في تونس..؟؟

ج7: د. محسن العوني: آفاق الاستثمار في تونس واعدة جدا.. يوم 24 أكتوبر ا مؤشر البورصة في تونس بنقطة واحدة مما دفع إدارة البورصة إلى عقد جلسة عمل مع حزب النهضة وسمعوا منهم بخصوص البرنامج الاقتصادي الذي يرونه :

- تشجيع الاستثمار وتقديم ضمانات للمستثمرين لأنّ الاستثمار انكمش نظرا لهروب رؤوس الأموال بسبب الفساد.

- وضع تشريعات تحمي الاستثمار وتشجع عليه لأن نموذج الإسلام هو الغني لا الفقر.. "لو كان الفقر رجلا لقتلته" (الإمام علي عليه السلام).

- رجال الأعمال الجديون يقبلون على الاستثمار والمخاطرة.. لا على مجرّد الربح السريع.

- الدينار التونسي قابل للتحويل.

- الدولة توفر الضمانات والتسهيلات.

- تنويع المنتوج البنكي وكل يختار ما يساعده.

بعد جلسة العمل هذه وخلال اليوم الموالي ارتفع المؤشر بثلاث نقاط كاملة بالنظر إلى حساسية الوضع المالي وتأثره بالوضع السياسي في البلد.

إن موقع تونس في قلب المتوسط وتنوع مواردها الطبيعية وبنيتها التحتية الجيدة وانفتاح شعبها يجعل منها منطقة جذب للاستثمار كما أن السياحة والزراعة ليست القطاعات الوحيدة المرشحة.. فهناك قطاعات الصناعة والتقنيات والعقارات والبحث العلمي وربطه بالاقتصاد والصناعة من أجل صناعة قابلة للحياة وقادرة على المنافسة مع التركيز على الجودة..

 

اليسار في تونس

س8: سلام كاظم فرج:يسار الوسط فشل في الحصول على أصوات كنا نتوقعها.. واللبراليون العلمانيون كذلك؟؟ كيف تقرأ واقع اليسار العلماني وآفاقه؟.

ج8: د. محسن العوني: بعض الأحزاب دخلت انتخابات المجلس التأسيسي ببرنامج يمكن اختزاله في عبارة واحدة :"رفض حزب النهضة مناصبته العداء!!؟" وقد نسوا أو تناسوا أن ذلك ليس برنامجا فضلا عن كونه يكشف نقصا في النضج السياسي وكأنهم يطلبون من مواطنيهم أن يصوّتوا لهم لا لشيء أو لفضيله إلا لكونهم يناصبون ذاك الحزب أو التوجه ورموزه العداء..

رغم فاعلية اليسار بجميع أطيافه في المجال الفكري والثقافي إلا أن خطابهم يغلب عليه التشنّج وهو غير قادر على استقطاب الجماهير بالكثافة المطلوبة ولعل ذلك عائد إلى تبنيهم أفكارا جاهزة مستوردة لا تجد قبولا لدى عموم الشعب.. اليسار دفع ضريبة نخبويّته.. الليبرليون والعلمانيون لم يكونوا فاعلين .. الشعب التونسي منذ القديم منفتح على جميع الديانات والأفكار والثقافات غير أنه في جوهره يميل إلى نوع من المحافظة سقفها الأدنى المحافظة على الهوية لغة ودينا وثقافة وقيما وهو ما لم يستوعبه اليسار في تونس.. فاليسار إذا ما أراد أن يتقدم في المنظومة الانتخابية عليه ألا يحتقر البعد الأخلاقي وألا يتجنب البعد الديني وألا يخضع إلى المنهج المادي الذي يفسّر كل شيء بالعودة إلى المحدّدات الاقتصادية والمادية فالفكر يلعب دورا يكون أحيانا رئيسيا في اختيارات الأمة وللوجدان نصيب كبير في السياسة والفعل.. كذلك الشأن بالنسبة إلى الدين الذي ما يزال المحرك الرئيسي في مجتمعاتنا باعتباره الضامن لسلامة الأخلاق والتعامل نبذا للفساد والقهر والطغيان.. إلى هذا ذهب المفكر التونسي فتحي التريكي في تأملاته الأولية في الانتخابات التونسية.. لقد أفرزت الانتخابات التونسية تفوّق منظومة النجاعة على منظومة الحقيقة وهو ما سماه البعض انكسار أحزاب الإيديولوجيات التي تقوم على تدقيق حقائق النظريات وتحاول تطبيقها على الواقع.. فالأحزاب التي كانت ناجعة في ممارساتها ونظرياتها هي التي تحصلت على أصوات الناخبين.

والنجاعة تتطلب جرأة في أخذ قرارات أحيانا منافية للبناء الإيديولوجي المتعلق بالبنية الأساسية للحزب كأن يتخذ حزب ذو مرجعيات إسلامية قرارات تحرّرية في ميادين شخصية أو اجتماعية.. كما تتطلب النجاعة دراية دقيقة ببنية المجتمع وبمطالب شعبية وتكوينية وخصوصياته ومطامحه أمراضه.. وقد فازت الحركة بـ91 مقعدا في المجلس التأسيسي وشكلت بذلك الأغلبية، يليها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وهو حزب عانى بعض زعمائه ورموزه خلال العهد البائد مثل مؤسسه الدكتور المنصف المرزوقي والمحامي محمد عبّو.. وهو ينادي بالدولة المدنية التي تكفل الحريات للمجتمع ويحقق التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية.. وفاز بـ30 مقعدا يليه التكتل الذي فاز بـ21 مقعدا.. أما العريضة الشعبية فتنتظر حكم المحكمة.. ومن خلال قراءة أولية لهذه النتائج يظهر أن الناخبين كانوا حاسمين مع الأحزاب المشبوهة سواء من جهة فلول وبقاياة التجمع أو التمويل أو أحزاب الالتفاف على الثورة أو تلك الأحزاب التي ظهرت فجأة كالفقاقيع وليس لها تاريخ نضالي أو برامج مقنعة فضلا عن أن الناخبين كانوا ينظرون إليها بريبة بعد أن هاجمتها الأحزاب ذات التاريخ والوزن النضالي.

 في هذه المرحلة تتجه جميع شرائح الشعب إلى تأمين استحقاقاتها في التنمية العادلة بين الجهات وتوفير الشغل للجميع والتوزيع العادل للثروات وإثارة المسائل الحساسة التي تثير مخاوف الشعب على هويته وثقافته وعقيدته من المسائل التي أساءت إلى اليسار عموما وإلى العلمانيين على وجه الخصوص لازدواجية الخطاب.. ففي الوقت الذي ينادي فيه بفصل الدين عن السياسة تراهم يحاربون بلا هوادة تاريخ أمتهم وثقافتها ومقدساتها من خلال خطاب متشنج تكتنفه الريبة ولعل ذلك هو السبب الحاسم الذي جعل الشرائح العريضة للشعب تنتخب حركة النهضة ولا تتحمس لليسار لأنهم يرونها الأسلم.. وفي الأمثال التونسية "إذا اختلطت الأديان.. فعليك بدينك".

 

س9: سلام كاظم فرج:هل تؤمن استأذنا العزيز.. بمقولة اليسار الإسلامي؟؟

ج9: د. محسن العوني: مقولة اليسار الإسلامي تجاوزتها الأحداث وإن تشكلت لها ملامح مميّزة في التاريخ الإسلامي.. فالإسلام واحد يتجلى في كل ذهن بما يناسبه وأصالته عنوان حداثته.. العلم والإيمان يغذي ويفعّل أحدهما الآخر وأول كلمة من الوحي دعت إلى رفع المستوى والتأهيل الشامل لأن ذلك هو الذي يحدّد فاعلية الإيمان وإن كانت حضارتنا تحتاج إلى تصفية وتنقية من تاريخ طويل من الجهل والخرافة والاستبداد .. اليسار مرتبط بثقافة غربية كانت لها ذكريات أليمة ودمويّة مع مؤسستها الدينية التي تطرّفت في قمع العلم والعلماء.. مما أدى إلى تطرف خصومها في القول بالمادية الشيء الذين جعل الحداثة الغربية تنبني على التقابل النقضي بين العقل والإيمان.. وإنكار البعد الغيبي والمطلق والتعلق بالعبارة اللاتينية :"الآن وهنا".. إن فهم وإدراك هذا التماس والتمفصل بين العقلي والرّوحي والوجداني.. سرّ من أسرار الحضارة والفكر الإنساني.. وهي من مناجم الحياة التي يمكن أن تفتح الطريق أمام مستقبل أكثر إنسانية وتسامحا..

 

ابن خلدون عالم الاجتماع

س10: سلام كاظم فرج: هل كنت موفقا في قولي إن ابن خلدون سبق كونت في تأسيس علم الاجتماع؟؟. في الترجمات العربية نقرأ اسم مؤسس علم الاجتماع أوغست كونت.. أخبرني صديق فاضل ان قراءة اسمه. الصحيحة (كوميت)..؟؟ . ماهي إضافات كونت؟ وهل حقا إن الفهم المادي لحركة التأريخ بدأ من ابن خلدون.

ج10: د. محسن العوني: ريادة العلامة ابن خلدون لا شك فيها.. فقد ولد في وسط ثقافي إسلامي عريق واستوفى عدّته العلمية وارتحل وشغل الوظائف وتمرّس في السياسة واختلط بالملوك والأمراء واطلع على الخبايا وعرف التقلبات وحُبِسَ واختلى بنفسه للتأليف والتصنيف ودرّس الفقه وتولى القضاء وفاوض تيمورلنك على مصير دمشق ووجد فكره في تلك الحياة المضطربة مادة للتحليل وأراد أن يقدّم نقدا واقعيا يكون أشبه بالضوء المبدّد للظلمات في عالم الإسلام الوسيطي المأزوم.. وحدّد في المقدمة التي هي مدخل كبير لتاريخه الكوني "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" هدف بحثه ومنهجه "فالتاريخ في ظاهر لا يزيد عن الإخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى تنمق فيها الأقوال وتضرب الأمثال وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق.. فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق" ابن خلدون لم يقدم جردا بأحداث التاريخ كما فعل المتقدمون بل تبنى المبادئ المنهجية الواقعية للعلوم الدقيقة طلبا للموضوعية.. الحديث عن ابن خلدون يطول.. فهو فيلسوف عظيم وشخصية بالغة الثراء وباقياته الصالحات من الأصالة والكثرة بحيث لا يمكن تبسيطها واختزالها.. منها تأكيده على "قيمة العمل" مما جعل بعضهم يعدّه رائدا للمادية التاريخية.. ومنها تأكيده على الجمال بمعنى التناغم مما جعل بعضهم يعتبره من فلاسفة الجمال.. وحديثه عن ظاهرة تعاطي السلطان للتجارة ومنافسة أهلها واعتبار ذلك من مؤشرات الفساد.. مما جعل بعضهم يتحدث عنه كعالم اقتصاد.. بالإضافة إلى وضعه أسس "علم العمران البشري" وخصائص المجتمع البدوي والمجتمع الحضري والمعاش والكسب والمهن والعلوم وتطورها والسلطة وهرميّة الدولة و..العصبية.. الفهم المادي لحركة التاريخ لم يبدأ مع ابن خلدون ولا يمكن لأحد أن يقول ذلك.. إنما إضافة ابن خلدون أنه وضع نظرية متكاملة بصرامة تحليلية للظواهر الاجتماعية السياسية.. ابن خلدون (1332م – 1406م) سابق على كانط (1798 م – 1857م) بما يقرب من أربعة قرون.. وريادة كانط وإضافته لم تكن محل إجماع من الفلاسفة والمفكرين الغربيين وكان محل انتقاد شديد من رينان ورينوفييه ودوركهايم وجورج بوليتزر..

الفرق بين ابن خلدون وكانطA. Compte /Auguste Comte هو تماما الفرق بين "علم العمران البشري" الخلدوني و"علم الاجتماع" الكانطي.. فالأول ثمرة ناضجة لرسوخ قدم ابن خلدون في العلوم الإسلامية وعلم المنطق والثاني ثمرة للفلسفة الوضعية (Positivisme) القائمة على قانون الأدوار الثلاث(trois états) وتجاوز الإنسانية لثلاثة أزمنة : الزمن اللاهوتي، الزمن الميتافيزيقي والزمن الوضعي وفي الزمن الأخير (الوضعي) يدشن منهجا علميا يهدف إلى إحلال البحث عن القوانين محلّ تحديد الأسباب الذي لا يمكن تحقيقه (التحديد) وهو ما خلص به إلى وضع مبادئ علم جديد هو علم "الفيزياء الاجتماعية" أو "السوسيولوجيا" بما هي الزمن الوضعي وسوف تهتم بالواقع والإنسان بما هو مفيد له لتغيير ظروفه وفي نهاية حياته ابتكر كانط دينا وضعيا مكرّما الكائن الأعظم للبشرية لأن الإنسان يحتاج إلى حبّ ويكون أعلى منه يشده إلى فوق ويمنحه القوّة الروحية.. وكان الحل في نظره هو أن تحبّ الإنسانية ذاتها(la Religion de l’humanité) ويوجد في مدينة ريودي جانييرو البرازيلية معبد الإنسانية وعلى جبينه فوق أعمدته الشعار المشهور للكنيسة الوضعية.. بين ابن خلدون وكانط يتجلى الفرق بين الثقافة الإسلامية حيث يحتل العقل مركز المؤسسة.. والثقافة الغربية التي ترتبط بذكريات أليمة مع مؤسستها الدينية .

- إن ابن خلدون، الفيلسوف وعالم الاجتماع والمؤرخ الأول للعمران البشري، يحتل مكانة اليوم في مصاف كبار الرواد للعلم التاريخي الحديث (هيلين بروتون).

- إن أصالة ابن خلدون غير القابلة للاختزال في تاريخ الفكر الإسلامي تكمن في أنه استبدل سرد أحداث الماضي ببحث، تحليلي تارة وجدلي طورا، عن علة وجود الظاهرات الاجتماعية، وهو يمثل بنوع ما حالة مفردة بوصفه مكتشف منهج جديد يتطلب رؤية جديدة لتاريخ البشر المنضوين في مجتمع (لوي غارديه).

- أول من وضع بمثل هذه القوة وهذا الشموخ، منذ ثوقوديدس، مبادئ فلسفة في التاريخ (أندريه ميكيل)

 

س11: سلام كاظم فرج: هل هنالك صرح يخلد ابن خلدون في تونس. ضريح أو تمثال. أو مزار؟؟

ج11: د. محسن العوني: ينتصب تمثال العلامة عبد الرحمان بن خلدون شامخا في الشارع الرئيسي للعاصمة تونس بين الكاتدرائية والقنصلية العامة الفرنسية.. عمامة العلماء فوق رأسه المهيب وعلى كتفيه البرنس التونسي وهو يحمل سفر تاريخه وينظر باتجاه الشرق.. وهو من عمل الرسام والنحات التونسي الزبير التركي رحمه الله.. وقد رأيت في بداية التسعينات الفيلسوف الفرنسي روجيه رجاء غارودي وهو ينقل بصره بين تمثال ابن خلدون والكاتدرائية في لقطة مثيرة دالة.. وكان مرفوقا بزوجته الفلسطينية سلمى الفاروقي وهي تضع فولارا فوق رأسها على طريقة بينازير بوتو وكان يتقدّمها بخطوات.. كما يوجد وسط مدينة تونس العتيقة في منطقة تربة الباي البيت الذي ولد فيه العلامة وهو بيت تونسي جميل على الطراز الأندلسي عليه لوحة من رخام كتب عليها ما يفيد ذلك.. وقد تحوّل إلى مقر لجمعية صيانة مدينة تونس وعلى بعد مسافة منه توجد المدرسة القرآنية أو الكتاب الذي حفظ فيه القرآن الكريم تعلوه قبة وبه مصلى صغير.. كما أن الورقة النقدية التونسية من فئة العشرة دنانير (القديمة) تحمل صورة رأس العلامة ابن خلدون بتلك العيون الواسعة وتلك العمامة المهيبة وهي عمل الرسام حاتم المكي رحمه الله (الورقة النقدية الجديدة من فئة العشرة دنانير تحمل صورة نصفية لعليسة) كما يوجد في العاصمة حيّ يحمل اسمه.. أما المؤسسات التربويّة والثقافية والمحطات وقاعات العرض وقاعات المحاضرات والشوارع والجوائز التي تحمل اسمه فهي أكثر من أن تحصى..قرأت في مجلةLeaders التونسية الصادرة بالفرنسية.. أن أعضاء تجمّع التونسيين بالولايات المتحدة قرّروا تكريم مواطنهم المهندس محمد الصالح بالحاج قاسم الأستاذ بجامعة فرجينيا بإسناده جائزة العلامة ابن خلدون.. وزير الثقافة المغربي الحالي بن سالم حمّيش كتب رواية بديعة استلهمها من حياة ابن خلدون وسيرته عنوانها "العلامة".. من الطريف أنك تجد ملامح من البيئة التي عاش فيها العلامة في مؤلفاته.. من ذلك ميزان الذهب الذي كان يراه وهو يمرّ أمام دكاكين تجار الذهب والمجوهرات والمصوغ في سوق الصاغة أو البركة (بكسر الباء وسكون الراء وفتح الكاف) كما تعرف عند أهل الحضارة تونس قريبا من الجامع الأعظم جامع الزيتونة المعمور – عمّره الله بدوام ذكره – كما في هذه الفقرة من المقدّمة "العقل ميزان صحيح وأحكامه يقينية لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوّة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره فإن ذلك طمع في محال ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال.." فهو يؤكد قيمة العقل ودوره في المعرفة وكونه ميزانا صحيحا مع إيمانه بحدوده.. ويحتاط حتى لا يقع في خلف حينما يستخرج بالعقل قرائن وبراهين تؤكد محدودية العقل!!؟.. وكيف يقع في الخلف وهو يدرك أكثر من غيره شرف العقل ودوره!!؟. "إن عظمة الإنسان بالفكر" أندريه مالرو.

 

الكنيسة الكاثوليكية

س12: سلام كاظم فرج: لكم اهتمامات بحثية عن الكنيسة الكاثوليكية في تونس. وعن المسيحية في شمال افريقية.. . اطمح أن اعرف وقراء المثقف الغراء شيئا عن تلك الأبحاث..؟

ج12: د. محسن العوني: هتمامي بالكنسية الكاثوليكية في تونس والمسيحية في شمال إفريقيا نابع من إيماني بضرورة تحقيق المصالحة مع ذاكرتنا التاريخية وأهمية قراءة تاريخنا القراءة الصحيحة التي تعزّز إيماننا بقدرتنا على تقديم الإضافة حاضرا ومستقبلا كما كان شأننا في الماضي.. تونس وإن لم تكن تملك موارد طبيعية ومدخرات من البترول والغاز الطبيعي ذات عائدات ضخمة.. إلا أنها تملك ما هو أهم من ذلك إن أحسن شعبها استغلاله وتوظيفه.. فهي تملك حضارة بالغة الثراء.. أذكر كتابا قرأته منذ الثمانينات حول تاريخ تونس عنوانه "تونس كوكب صغير" ألفه بالفرنسية يوناني مولود في تونس "كاتزاراس".. بقيت في ذاكرتي منه العبارة التالية :"لا تكاد تقطع مائة متر في تونس من غير أن تعثر على موقع أو معلم أو آثار.. ثلج في الشمال.. صحراء في الجنوب.. بحر وجبال.. واجهة على الشرق وأخرى على الشمال.. زخم حضاري كبير.. إنها متحف حضاري وطبيعي مفتوح.. في كلمة إنها كوكب صغير" .. المنطقة الممتدة بين قرطاج وعنابة (كان لتونس منذ القديم امتداد في العمق الجزائري ) لعبت دورا أساسيا في تاريخ المسيحية اللاتينية حيث كانت الكنيسة الإفريقية هي الكنيسة الأم التي قدّمت أقدم ترجمات الكتاب المقدس إلى اللاتينية وكبار آباء الكنيسة ينتمون إلى هذه المنطقة : البابا فيكتور الأول.. الأسقف الشهيد سيبريانوس .. الأسقف تيرتيليانوس، القديس أوغسطين.. هذه الروح المبدعة الأصيلة لم تغادر منطقتنا وإنما تحولت إلى الإسلام وأبدعت من خلاله.. إنه منطق التاريخ الذي لا تتوقف دورته.. تونس كانت مهدا للمسيحية هذا الدين الجليل وقدمت قوافل من الشهداء والعلماء والرجال الأفذاذ الذين قدّموا أمثلة في الثبات والتضحية في سبيل المبدإ والقدرة على التأثير والإشعاع.. وذلك مما يعزّز ويؤكد دورها في الإسلام وبصمتها الخاصة في حضارته العظيمة.. القراءة الصحيحة لتاريخنا من شأنها أن تحوّله إلى تاريخ حافز بعبارة قسطنطين زريق.. فالحضارات والأمم تعطي وتضيف وتسهم بقدر إيمانها بقدرتها على ذلك.. تونس ودول المغرب العربي عموما مرشحة أن تقوم بالوساطة الحضارية بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي والإسلامي.. هذا الدور قامت به تونس منذ القديم.. يقول دومينيك دوكورسال في كتابه "أوغسطين أو عبقرية أوروبا" .. "لم يقابل نتاج كاتب مسيحي باللغة اللاتينية في أوروبا المسيحية مثل الإعجاب والإكبار والانشغال الذي قوبل به نتاج أوغسطين ولا عرف مجدا كمجده".. يعلق هنري تيسيي أسقف الجزائر على عبارة دومينيك دوكورسال في بحثه الذي قدّمه في ندوة نظمها معهد الدراسات الأوغسطية بباريس 2003 تحت عنوان "أوغسطين، المتوسط، أوروبا" قائلا "مع وعيه بأنه بصدد الحديث بعبارته الخاصة عن "بربري مسيحي" يطلق على عمله "أوغسطين أو نبوغ أوروبا" وهذا النبوغ كان نوميديا من الإمبراطورية الرومانية.. يا له من انتقال للحكمة من جنوب المتوسط إلى شماله!؟.." ويقول جون كلود أسلن في كتابه "القديس أوغسطين الرجل الغربي" :"من وجهة نظرنا عمل أوغسطين يرتكز على قدرته على أن يصنع من خلال نتاج يضم أكثر من 90 كتابا تمفصلا مستحدثا لم يسبق إليه بين عالم العصور القديمة والعالم المسيحي الذي يعطيه شكلا جديدا.. بهذا المعنى يمثل أوغسطين أول رجل غربي.. أول رجل حديث.. لأنه أول من جرّب وحاول ذلك التمفصل بعبارة معقولة فلسفيا وواضحة جلية، ولأنه فعلها قدّم لوجهة نظرنا وحساسيتنا نموذجا مجسما لقرون.. بالنسبة للإمبراطورية الرومانية كذلك بالنسبة لمسيحية الشرق وبالنسبة لاستقرار قيم هذا العالم وقيم الرجل القديم الواثق من نفسه في ظروف غير مستقرّة، إنه يسجل قطيعة.. إنه يمثل اللحظة التأسيسية في ما يشيده.. لحظة القلق الغربي.. أشاع حالة عدم استقرار بناءة في السياسة والحياة الخاصة.. دينامية لم تهدأ ولم تسكن بعد خمسة عشر قرنا.. أوغسطين هو قلق الفكر حتى وهو في عقر المرفأ الذي كان يبحث عنه" قامة بهذا الوزن والإشعاع من منطقتنا مولود في سوق أهراس/ طاغست مدينة حدودية بين تونس والجزائر.. درس في أكاديمية قرطاج .. لا يوجد متخصص واحد فيه من تونس أو المغرب العربي.. ما هذه الاستقالة.. ما هذا التفريط وهذه اللامبالاة !!؟.. لدى تونس أكبر مجموعة من الفسيفساء (الموزاييك) في العالم.. لوحات رائعة توحي بالعتاقة.. تموج بالشعر والجمال.. لوحة فرجيل وملهماته.. لوحة الرّبة أفريكا.. لوحة أوليس وعرائس البحر.. فصل من الأوديسا.. لوحة انتصار باخوس.. لوحة دينا آلهة الصيد.. لوحة المصارعون والوحوش.. لوحة ضيعة السيد جوليوس قرطاج..رقة تلك الرّسوم وثراء و دقة تلك الملامح والوجوه وفرادة وتميّز تلك الحركات وتقنية الضوء والظل وتلك الألوان الرائعة ..تجعل من تلك الرسوم واحدة من أجمل رسومات العالم القديم..وقد حدّثني الصديق الفنان صلاح الدين المقراني أن تونس قدّمت لوحة من الفسيفساء هدية للأمم المتحدة أيام كان المرحوم الأستاذ المنجي سليم ممثلا لتونس في المنتظم الأممي ..هدية غالية بلا شك ..أرجو أن تكون الجهة التي قدمت الهدية - وزارة الثقافة أو المعهد الوطني للآثار- قد احتفظت بنسخة من هذه اللوحة البديعة ..الآثار ملك الأجيال.. أرجو أن أكتب إن شاء الله عن هذا الفن العريق الفسيفساء مقالا يرفق بنماذج منها وينشر في المثقف..

 

الحركة الادبية في تونس

س13: سلام كاظم فرج: محمد ديب.. كاتب ياسين. الطاهر وطار. الطاهر بن جلون..عبد اللطيف اللعبي.. أسماء في وجداني. تحيلني دائما الى شمال افريقية.. الى م.. تحيل هذه الأسماء الأستاذ العوني؟؟

ج13: د. محسن العوني: أستاذي الرائع.. وأنت تسألني عن محمد ديب ومالك حداد ومولود فرعون والطاهر وطار والطاهر بن جلون وعبد اللطيف اللعبي وإدمون عمران المالح وألبير ممّي وعبد الحق سرحان وكاتب ياسين وعبد الكبير الخطيبي ومحمد خير الدين.. تعيدني إلى أوقات طافحة بمتعتها كنت أقضيها في قراءتهم ورفقتهم .. كلما اقتنيت بعض كتبهم ورواياتهم ومجموعاتهم الشعرية ودراساتهم.. جلست لساعات في الحدائق العامة لأقرأها ولم أكن أصبر حتى أعود إلى المنزل لأختلي بها .. كنت أقرأها بغاية التأثر.لأني أفهمهم وأفهم أجواءهم وأستوعب شرطهم الإنساني وجرحهم ومأزقهم وصدقهم الجارح.. أعرف عاشقا آخر لهؤلاء هو الراحل الكبير المرحوم الطاهر قيقة صاحب "نسور وضفادع " و"كاليبسو "و"الصخرة العالية" ..

دور النشر الفرنسية أدركت أصالة هذا الأدب وإنسانويته التي جاءت نتيجة بلوغه درجة عالية من الصدق والفنية فهو أدب صادق، بل طافح بصدقه وهو مقنع فنيا.. فتلقفته وتبنته وادعت نسبته إلى الأدب الفرنسي خاصة وإلى الأدب الغربي عامة.. وهو أدب عربي صميم روحا وأسلوبا والتزاما وإن كتب بلغة غير عربية لأسباب معلومة ومفهومة.. حتى أن مجلة "الأخبار الأدبية"(les nouvelles littéraires) قامت عام 1953 باستفتاء حول هذا السؤال "هل هناك مدرسة أدبية شمال إفريقية؟" واضع السؤال يتصوّر أن الأدب الذي يبدعه كتاب شمال إفريقيا باللغة الفرنسية إنما هو جزء من الأدب الفرنسي ولكن يتميز بطابع خاص يجعله خليقا بأن يُعدّ مدرسة قائمة بذاتها من مدارس الأدب الفرنسي..

وقد كتب ناقد فرنسي مقدمة لرواية من روايات كاتب ياسين قائلا :"يجب أن نعدّ هذا الكتاب رواية عربية مترجمة إلى اللغة الفرنسية، لا لأن أبطالها عرب، ولا لأن أحداثها تجري فوق أرض عربية، ولا لأنّ مدارها على الآلام التي يتحمّلها العرب في الجزائر وعلى الآمال التي تجيش بها صدورهم بل أولا وقبل كل شيء لأن العقل الذي أنجبها عقل عربي له أسلوبه الخاص في كل شيء، في النظر إلى الأمور، في الإحساس بالمشكلات، في معاناة الحياة، بل حتى في تصوّر الزمان والمكان" الحديث عن الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية يطول لأنه ظاهرة لغوية فنية إبداعية مركبة مثلما هو ظاهرة سوسيولوجية نفسية إنسانية بالغة الثراء والخصوصية..

منذ أيام وبينما كنت أبحث في مكتبتي عن كتاب وجدت بين يديّ رواية "الحريق"(l’incendie) وهي الرواية الثانية في ثلاثية "الدار الكبيرة" لمحمد ديب الصادرة عن منشورات لوسوي ضمن "مجموعة المتوسط" (1954Collection Méditerranée Aux éditions Du Seuil /) فكنت كمن عثر عن لؤلؤة في أعماق البحر.. يجمعني بهذا الأدب رابط وجداني خاص وحميم.. إنه أدب محبّة الإنسان والتعلق بالأرض والحرية والحلم وحق الإنسان أن يكون مختلفا.. أن يكون هو بلا عقد ولا دم مغشوش .. هل ثمّة أروع!!؟.. في هذا الأدب لوحات إنسانية رائعة طافحة بالشعر والجمال والمحبة فوق أرض جميع ما فيها يوحي بالشباب والنضارة.. أرض الشمس والسماء الزرقاء والبحر الزاخر.. فرنسا الاستعمارية حاولت دائما تحويل وجهة واقتطاع مكوّنات(composantes) من المجتمع والثقافة المغاربية إيمانا منها بقوّة وقدرة هذا الكيان وسعيا لإضعافه.. وهي لا تتوقف عن إحداث ذلك الشرخ وتعميقه بين العرب المسلمين والأمازيغ واليهود والفرنكوفونيين ذوي الثقافة الفرنسية.. وتلك بعض جرائمها الموصوفة الثابتة..

 

س14: سلام كاظم فرج:لك قراءات متقدمة وتراجم لمقالات المفكر انتونيو غرامشي.. مفهوم المثقف.. والكتلة التاريخية ..والعوامل المؤثرة في صناعة الكتلة.. لو تفضلتم بتقديم نبذة عن تلك القراءات.. وهل يمكن قراءة الواقع التونسي وفق معطيات غرامشي؟؟

ج14: د. محسن العوني: أنطونيو غرامشي سياسي وفيلسوف إيطالي ماركسي ولد في سردينيا (1891) في الجنوب الايطالي الفقير هاجر إلى تورينو حيث أتم دراسته الجامعية (فلسفة وتاريخ وفيلولوجيا) انتسب إلى الحزب الاشتراكي وأصبح من قادة الجناح اليساري.. يعتبر من ضمن قادة ومنظّري الدولية الثالثة وهو يحظى مكانة خاصة.. شغل منصب أمين عام الحزب الشيوعي الإيطالي وأسس صحيفة (يونيتا)(unita) انتخب نائبا عن مدينة تورينو (1924 – 1926) لكن الحكومة الفاشية جرّدته من هذا المنصب وحاكمته وبعد عامين حكمت بسجنه عشرين عاما تأثر في شبابه الأول بجيوفاني جنتيلي مؤلف كتاب "فلسفة ماركس" وشدّته معارضته للحتمية وفلسفة العمل والفعل (l’antidéterminisme et philosophie de l’action ) تحمّس ومجّد سلطة الإرادة الجماعية لدى البلشيفيين الروس وهو يعتمد عبارة مرجعية لانطونيو لا بريولا في تعريفه للماركسية بكونها "فلسفة البركسيس" « philosophie de la praxis » مطابقا بين الفكر والعمل وبين الفلسفة والتاريخ.. أخذ غرامشي كذلك عن جنتيلي التصوّرات التربويّة.. فإذا كانت الاشتراكية رؤية شاملة للحياة فإنها تتطلب عملا تربويا في الطبقة العمالية حيث لا مجال لطغيان المفكرين والمثقفين وإنما تتأسس مسيرة "سقراطية" « socratique » حيث العمال والمفكرون يكونون في نفس الوقت تلامذة وأساتذة.

استغرق في سجنه في تأمل عقلي عميق كشف عن فكر موسوعي.. وقع فريسة مرض خطير بسبب ظروف السجن فارتفعت صرخات الاستنكار في عدد من عواصم العالم الأمر الذي اضطر الحكومة الفاشية إلى إطلاق سراحه لا سيما وأنها كانت واثقة من دنو أجله ونقل إلى أحد مستشفيات فورميا ثم إلى روما حيث توفي (1937) استخلصت من الكتلة الهائلة من دفاترة في السجن (32 كراسا) كتب عدة صدرت بعد وفاته "دفاتر السجن" 1947 "المادية التاريخية وفلسفة بنديتو كروتشه" 1948 "المثقفون وتنظيم الثقافة" 1949 "الأدب والحياة القومية" 1950 "ملاحظات حول ميكيافلي والسياسة والدولة الحديثة" (1949) إلى جانب رسائل السجن (1947).

- كان معارضا للستالينية والتروتسكية ملاحظا أن الماركسية لم تدافع عن البروليتاريين ضد الفاشية.

- أولى أهمية لدور الإيديولوجيا التي كان منظرها الماركسي الأكثر تميزا

- الدولة بنظره "أداة ذات صفة قمعية غالبة"

- الكنيسة والأحزاب السياسية هي "أدوات ذات صفة إيديولوجية غالبة"

- ينبغي على المثقفين أن يلعبوا دورا عضويا في البركسيس.

- وظيفة البركسيس أو التطبيق العملي هي نسج الروابط الضرورية بين الاقتصادي والأخلاقي السياسي.. (البركسيس في الفلسفة الماركسية هي محاولات تغيير العالم وخاصة وسائل الإنتاج التي تقوم عليها البنية الاجتماعية).

- تناول من جديد العلاقة بين البنية التحتية الاقتصادية والبنية الفوقية الإيديولوجية وقد أعاد إليها القيمة التي كانت الآلية الستالينية قد أنكرتها عليها.

- ماركسية غرامشي تدخل من جديد الإنسان بكل تعقيداته داخل السيرورة الديالكتيكية وإذا كان بقي ماديا فقد عرف كيف يحفظ فعالية الفكرة شريطة أن تندمج في ظروف الناس الفعلية الذين يتصورونها ويستخدمونها.. كل هذا من الدقة والفطنة بحيث يعجز الستالينيون على فهمه.

"الغرامشيزم"((gramscisme المركب والمتناقض حل محل عمل الفيلسوف الايطالي مولـّدا ازدهارا معتبرا للبحث النظري التاريخي حول مسيرة هذا السرديني التي تجاوزت إيطاليا وشملت جميع أوروبا وأمريكا اللاتينية وحتى العالم العربي.. نادى غرامشي بنمط جديد من المثقفين يملكون تصورا إنسانيا للتاريخ تصوّر يظلون بدونه مجرد "أخصائيين" ويستحيل عليهم أن يصبحوا يوما "مرشدين".. كما رسم الخطوط العريضة لنظرية الحزب السياسي الطليعي وكتب نقدا عاما لجميع التشوهات والتحريفات التي فرضت على "فلسفة الممارسة" باعتبار هذه الفلسفة هي الشكل العصري والراهن للمذهب الإنساني.. كما اقترن نقده بتعميق المفهوم الليليني عن "الهيمنة" أي تطوير البنى الفوقية بقيادة الطبقة العاملة والعناصر التقدمية في المجتمع.. الجدير بالذكر أن غرامشي وخاصة بعد فشل الثورات العمالية في أوروبا الغربية خلال السنوات (1917 /1923) اقتنع بضرورة ملاءمة الإستراتيجية البلشيفية للواقع الايطالي مؤكدا على الدور المخصوص للبنى الفوقية الثقافية والسياسية.. المجتمع المدني يلعب دورا محدّدا بالنسبة للمجتمع السياسي والنضال من أجل قلب الكتلة الاجتماعية المهيمنة الذي يمر عبر "حرب مواقع" ... حيث يجب غزو مختلف "كازيمات" المجتمع..

إن ما يشدني في فكر غرامشي قبل كل شيء.. تلك المبدئية الثابتة وتلك الروح المتوهجة التي هي خاصية الجنوبيين الحالمين المثاليين.. كرّس فكره لدراسة مشكلات المادية التاريخية وشغف بعلم الجمال وعلم الاجتماع وتاريخ الفلسفة ولدراساته في تاريخ الثقافة الإيطالية ولنقده للكاثوليكية أهمية كبرى.. وقد تناول مسألة علاقة القاعدة بالبناء الفوقي والبروليتاريا بطبقة المثقفين كما تناول مسألتي الثورة الثقافية ودور الإيديولوجيا في التطور.. كما كافح ضد التيارات الاجتماعية والفلسفية المثالية.. كان يمكنه الاكتفاء بما وصل إليه عبر مهادنة الفاشية وقد أرسل إليه موسوليني من يقترح عليه أن يتخلى عن فكره المثالي ويتبنى الفاشية ويعده أن يتحوّل إلى فيلسوف محور روما برلين (الفاشية / النازية) فكان ردّه الساخر:" كان يمكن أن أنظر في عرضكم لو كان لحركتكم أمل حياة يتجاور العشر سنوات ؟؟؟.." من هنا كانت عبارة النائب العام الناطق باسم الفاشية "يجب منع هذا العقل عن الاشتغال عشرين سنة"..وقد تابعت على القناة الإيطالية خلال الثمانينات برنامجا وثائقيا عن حياة غرامشي وقد صوّروا الزنزانة التي قضى فيها سنوات والفراش البسيط الذي كان ينام عليه ولا ينام قلبه المفعم بالحلم والأمل والطاولة التي كان يكتب عليها .. بخصوص إمكان قراءة الواقع التونسي وفق معطيات غرامشي.. فإن أي واقع هو أكبر وأكثر تعقيدا وتركيبا من أن تستوعبه نظرية واحدة.. أو حتى نظريات.. أحيلك على عبارة غوته التي أوردتها أكثر من مرّة في تعاليقك الرائعة.. "النظرية رمادية، بينما شجرة الحياة خضراء" وإن كنت ألاحظ حضور وقوّة بعض طروحات غرامشي في الثورة التونسية تتجلى خاصة في أهمية توحّد جبهة المجتمع المدني وتحرّكه واحتضانه وتأطيره لحركة الشارع ووقوفه في وجه الفلول ومحاولاتهم اليائسة.. ودوره المحدّد الحاسم في القطع مع الاستبداد والفساد..

الواقع التونسي نتيجة معايشات ومعاناة على الأرض وقد مرّ بمراحل أساسية.. مرحلة البحث عن الذات وبناء الدولة.. ومرحلة التنمية ومرحلة التوفيق بين الحاجات الأساسية الداخلية والبحث عن منظومة تضمن الفاعلية على مستوى الشريك الحضاري واستحقاقات ذلك.. في هذا الإطار تتنزل خصوصية الثقافة المغاربية ذات الطابع العقلاني.. ولأن تونس في قلب المتوسط كان تاريخها قائما على الصراع الحضاري مع الوافد مما كوّن لديها حصانة في التعامل مع الآخر.. فالشخصية التونسية قابلة للتحوّل والتشكل الدائم في كنف الخصوصية التي تجعلها تتقبل الآخر وتتفاعل معه من غير أن تذوب فيه.. إنها أرض المزج والنار كما أطلق عليها بعض المؤرخين.. حارقة الأكباد كما قال بيرم التونسي..

"المجتمع المدني وليس الدولة هو الذي يمثل لدى كل من ماركس وغرامشي اللحظة الايجابية في التطور التاريخي إلا أن هذه اللحظة الايجابية بنيوية لدى ماركس، بينما هي بنيوية فوقية لدى غرامشي" (نوربرتو بوبيو).

"إنما في إبراز وظيفة المثقفين في قطاعات النشاط الإنساني قاطبة تكمن أصالة فكر غرامشي" (أ.ر.بوتزي)"

"يقصر ماركس دور المثقف على وضع إيديولوجيا الطبقة السائدة، لكن هذا المثقف يمارس في تقدير غرامشي وظائف الباحث وناشر المعرفة والمنظم على مستويات الاقتصاد والسياسة والثقافة. ويؤلف المثقفون من منظار ماركس جزءا من الطبقة البورجوازية (باستثناء المنشقين الملتحقين بصفوف البروليتاريا)، أما في منظار غرامشي فيؤلفون شرائح مرتبطة بمختلف الطبقات الاجتماعية ومستقلة عنها ذاتيا، وتعريف ماركس الضيق يقوده بطبيعة الحال إلى تعليق أهمية طفيفة على المثقف بالمقارنة مع تلك التي يعلقها على "الأعضاء الفعالين" في الطبقة السائدة أي الرأسماليين، وبالمقابل يتلبس المثقفون أهمية عظيمة في التصور الغرامشي" (جان مارك بيوتي)

"لقد أخذ غرامشي على عاتقه أن يؤوّل المضمار التاريخي بمفردات الأفكار – الإرادات، بحيث يكون الانتقال متصلا من تصوّر العالم إلى الأخلاق ومن المعاينة إلى العمل ومن الفلسفة إلى الفعل" (نيقولا بادالوني).

 

س9: سلام كاظم فرج: الفن والأدب . الشعر. المسرح. الكتاب المطبوع. الترجمة.. السينما..الموسيقى . التشكيل.. الصحافة.. (الماضي. الواقع.. التوقعات).. كيف تقرأون المشهد الثقافي لشعب تونس الخضراء؟؟

ج15: د. محسن العوني: الاستبداد ألقى بظله الثقيل على كل شيء والمشهد الثقافي عموما تأثر سلبا كغيره بسياسة الاستبداد ومركزية الحكم والفساد الذي عمّ جميع القطاعات مما أوجد لدى المثقفين رقابة ذاتية قويّة إلى جانب رقابة أذرع الاستبداد في القطاع الثقافي والإبداعي.. كما أوجد لدى البعض الآخر نوعا من الانتهازية واغتنام الفرصة للاستفادة من النظام الفاسد.. ظلت الثقافة والفنون مسيّستان لعقود طويلة حتى صار من الصعب تخليصهما من سلبيات هذا الداء العضال الذي يتنافى مع روح الإبداع.. كثير من الأحزاب السياسية سعت إلى استقطاب المثقفين ولم تستفد من ذلك لأن ذلك الاستقطاب كان بعقلية الاحتواء وضمان الولاء وهو نفس الخطأ الذي وقع فيه النظام السابق وحزبه التجمع.. تجمّع الانتهازيين والفاسدين.. خلافا لحركة النهضة التي سعت إلى استقطاب الشرائح الشعبية والطبقة الوسطى وكان لها نصيب من المثقفين والفنانين والأكاديميين والمفكرين.. الثورة التونسية ثورة حرّية وكرامة.. فلا يجوز أن تعود الأحزاب إلى ممارسات السابق عندما كان التجمع يعمل إلى تلك الممارسات المهينة للكرامة الإنسانية فيقدّم للمواطنين ضعفاء الحال في المواسم الدينية وعند اشتداد البرد والفيضانات.. مساعدات غذائية لا تكفيهم أسبوعا واحدا بل أياما.. ويحتفل بذلك على طريقته فيصوّرهم وهو يستلمون كرتون المؤن والأغطية والكاميرا تصوّر وتسجل التصريحات التي تنتهي دائما بالدعاء لصانع التغيير ولعلكم تعرفون بقية القصة.. نهب وفساد واستبداد وذراعك يا علاف.. متى أحسّ المثقفون والفنانون باستقلالية الرأي وتصالحوا مع واقعهم وثقافتهم وحققوا المعادلة الصعبة التي يتطلبها الظرف الراهن ويستوجبها العصر دون جمود ولا تبعية ومن غير أدلجة.. أمكنهم أن يكونوا طرفا فاعلا في القيام باستحقاقات الثورة التي لا تتحقق بمجرد التخلص من الدكتاتورية وممارساتها المتخلفة.. بعض الصحافيين لم يستوعبوا بعد دور الصحافة بعد الثورة.. من ذلك أنهم ظلوا على عدائهم للمعارضة لا يتوقفون عن مهاجمتها كما كانوا يفعلون قبل الثورة.. غير مدركين دورها.. بعد أن كانوا يسبّحون بحمد الاستبداد ورموزه.. والحال أن البلاد خرجت من انتصار ديمقراطي حقيقي.. تونس الآن ورشة حوار ونقاس وجدال بعرض الخارطة على القنوات والإذاعات والصحف والمجلات والمواقع والفيسبوك والمقاهي والمحطات والشارع.. وهذا بحدّ ذاته ظاهرة صحية.. لا ضمانة سوى :"الشعـــب يـُريــد.........." لا يوجد مجتمع ديمقراطي يحترم نفسه حيث لا نجد معارضة للنظام والحكم القائم.. لأنّ كل سلطة ذات طابع قمعيّ بالضرورة (عودة إلى غرامشي).. المعارضة موقع وموقف لا يقتصر على المعارضة السياسية بل يتجاوزها إلى المعارضة الفكرية والفلسفية والرؤية المغايرة للرؤية السائدة.. إنها فكر يفكر ويبحث وحالة قلق خلاق.. المتابع للشأن الثقافي في تونس بعد الثورة يلاحظ حركة نشر واسعة.. مذكرات ويوميات وذكريات وتجارب ومعاناة ومواقف من سنوات الجمر.. سنوات الفساد والاستبداد وتعطيل القانون والهيمنة على مقدرات الوطن وغياب الدولة في الفئة الفاسدة التي اختطفت البلد ولولا ألطاف الله لوقع المحظور وحصل حمّام الدم.. دواوين شعرية.. روايات.. مجموعات قصصية.. أفلام وثائقية وروائية ومسلسلات.. أغاني الراب التي أذكت الثورة وفضحت الفساد والظلم.. صحف ومجلات جديدة ناطقة بالعربية والفرنسية.. بعث إذاعات منها إذاعة "إبتسامة"Lol & Hits  (Le meilleur du rire et de la Musique) للإذاعي والإعلامي الصديق حامد السويّح صاحب التجربة الطويلة في إذاعة فرنسا الدولية والمراسل الإذاعي الذي ساهم في بعث أول برنامج إذاعي يومي فرنكوفونــي بعاصمة كمبوديــــا (Phnom Penh / Combodge) إذاعة تتوسل الهزل والموسيقى للوصول إلى المستمعين وتحرص على تقديم برمجة جديدة مغايرة لنوعية البرامج التي تبثها الإذاعات الأخرى "الضحك ميزة الإنسان وخاصته" و "الموسيقى لغة العالم وصوت الحقيقة" الكتب والإبداعات التي تشد الانتباه كثيرة.. لفت انتباهي كتاب الدكتور عبد السلام المسدي "تونس وجراح الذاكرة" الذي روى فيه قصته مع بن علي ونظامه حيث كان شاهدا على تركيز دعائم دولة القمع والفساد.. أفكر في إجراء مقابلة مع الدكتور المسدّي تنشر إن شاء الله على المثقف.. ظاهرة سوسيولوجية لافتة.. البعض ممن كانوا محسوبين على النظام في الإعلام والثقافة والجامعة والمحاماة والقضاء.. يمارسون مراسم البراءة من النظام الفاسد الذي دعّموه واستفادوا منه ونظـّروا له ودافعوا عنه حتى آخر لحظة.. معتمدين في ذلك فلسفة الحرباء الخالدة.. هذه التحولات الكبرى على أكثر من صعيد رصيد ذهبيّ لفعل إبداعي قد يستمر عقودا..

 

تونس والحرية

س16: سلام كاظم فرج:كنت اعرف ان خدمات الفيسبوك والانترنيت تخضع لرقابة صارمة في تونس قبل الثورة... التلفزيون والإذاعة.. هل ما زالت ترتبط بالإدارة الحكومية.. ام ان خصخصتها او دمقرطتها قد بدأت. ومتى؟؟

ج16: د. محسن العوني: ثقافة تلقى الأوامر من التشوهات التي خلّفها الاستبداد ويتطلب التخلص منها وقتا.. تمت مصادرة الإعلام من قبل الدولة/ السلطة / الحزب الحاكم / الفئة المستفيدة.. فلم يكن بالمرة إعلام الشعب.. عقلية انتظار الأوامر تجعل البعض ينتظر الحاكم الجديد والسلطة الجديدة حتى يأتمر بأمرها كما كانوا يفعلون مع سابقتها وتجعلهم بالتالي غير قادرين على المبادرة.. ثمة جدلية ثابتة :المجتمع المدني الضعيف يعطي دولة مدنية ضعيفة.. والعكس بالعكس.. الانتخابات آلية للديمقراطية وليست الديمقراطية.. من هنا ضرورة التربية على الديمقراطية باعتبارها أمرا أساسيا.. إن مثل هذه التحولات لا تأتي بين عشية وضحاها ولا يمكن لوسائل الإعلام أن تتخلص من عقدة الرقابة والرقابة الذاتية بعد أن كرّستا لأكثر من نصف قرن .. الثورة كما الولادة الروحية والعقلية .. تتمّ على دفعات ومراحل.. خروج نسبة كبيرة من المواطنين للانتخابات له معنى واحد.. وهو أن هذه النسبة إنما خرجت لتحمّل المسؤولية للمترشحين ويضعوا الأمانة في رقابهم قبل أن يحاسبوهم.. الفيسبوك والانترنت والمواقع.. تعني الديمقراطية التشاركية لأن وراءها ذهنية وعقلية تراقب وتلاحظ وتقيس الأداء وتحتج وتضغط قبل أن تحاسب.. في بعض دول أمريكا اللاتينية تعتبر مراقبة الانتخابات السلطة الخامسة فهي سلطة من بين السلط وتسمى البودار « El Podar ».. خوصصة القطاع الإعلامي سلاح ذو حدّين يمكن أن تتحوّل إلى خطر يهدّد هوية الشعب وثقافته واستقرار المجتمع إذا لم يتقيد بميثاق أخلاقي ومناقبية إعلامية عالية.. كما يمكن أن تساهم في ازدهار القطاع وتطويره.. المهم أن لا تقوم على مبدإ الربحية والكسب السريع..   

 

س17: سلام كاظم فرج:العلم. التكنولوجيا. الهندسة.. الاستثمار.. الطب والصحة. الطفل وحقوق الانسان. المرأة ودورها... هذه المفردات. كيف يقرأها الاستاذ الدكتور العوني في حاضر تونس ومستقبلها؟؟

ج17: د. محسن العوني: مفردات أساسية في معجم المستقبل.. كما كانت دائما في واقع المجتمعات ونوعيّة الحياة فيها.. مفردات عليها مدار التقدّم لأنها تصبّ في التأسيس لذاكرة الفجر لو استعرنا عبارة فريدريكو مايور.. تونس رائدة في إدراك حيوية هذه المفردات التي كانت حاضرة في فكر المصلحين والرواد على مدى تاريخها الحديث ولديها خبرة في التعاطي معها وقاعدة لا بأس بها غير أنها تحتاج إلى رؤية مستقبلية استشرافية وتخطيط مع مزيد التأسيس.. خاصة وأن الإنسان في تونس هو الغاية والوسيلة وهو الثروة ورأس المال.. كما تحتاج إلى تأهيل شامل حتى تكون بمستوى انتظارات شعبها المتطلع للغدي الأفضل المتعلق بالتقدم وجودة الحياة في عالم تسابق فيه الأمم عقارب الساعة وتقارن نفسها بمن هو أفضل .. تونس تستلهم شاعر النور والحياة والصباح الجديد.. الشابي الخالد :

 ألا انهض وسر في سبيل الحياة      فمن نام لم تنتظره الحياة

إلى النور فالنور عذب جميـــــل      إلى النور فالنور ظل الإله

أيها السامق.. بمناسبة استمتاعك بكلمات الشابي يؤديها صوت الفنان حليم الرومي.. رأيت مرة الولد الأكبر لأبي القاسم الشابي وهو شيخ مهيب تجاوز السبعين كان يعتمر شاشية حمراء ويلبس الجبة التونسية وكنت وأنا أراه استحضر صورة والده شاعرنا الكبير.. فيبدو لي أكثر شبابا وإشراقا ونضارة من ابنه الشيخ الوقور.. هكذا الشعر شباب دائم ونضارة وثورة وتجدّد .. لعل الشابي قضى في شرخ شبابه ليظل شابا إلى الأبد.. أليس هو القائل :

أنا من عشقت الحياة     وعمر الورود قصير (Hélas)

بقدر ما نؤجل التأدلج لدى الشباب بقدر ما يتواصل نموّه ويتحقق توازنه وتقل وتضعف معطوبيته ومجروحيّته وحساسيته، الإيديولوجيا توقف نمو الشباب وتضع له سقفا واطئا.. كل مربّ أومدرّس أوأستاذ في أي مستوى من مستويات التعليم.. يلقي بظله الإيديولوجي الثقيل على عقول طلابه وقلوبهم الغضة الطريّة الخضراء.. إنما يقترف في حقهم جريمة أخلاقة (كم من الجرائم الأخلاقية لا يعاقب عليها القانون!!!؟) فضلا عن سوء تقديره وقلة خبرته حين يحسبهم جمهورا سهلا ولا يحترم اختيارهم وقناعتهم ولا ينهض بدوره العلمي والمنهجي بتجرّد العلماء ونزاهتهم .. الطالب ضيف عندك أيها المربي الفاضل الكريم..فأكرمه واحتفل بعقله وبقلبه وأحبّه واصبر نفسك معه ولا تمنع عنه النور والهواء النقيّ قوت الأرواح الحية.. فهو نبات وهو بحالة نموّ وملكاته بمثابة حبّة تبحث عن الماء لتشق التربة وتصافح الشمس والنور.. "اتهموا أنفسكم بعدم الأهليّة !!!؟" هكذا كتب ستيفان هاسّلStéphane Hessel « Indignez-vous ! » بعد ذلك ابنوا ذواتكم وشيّدوها.. أذكر ذلك الأستاذ الذي كان يدعو طلابه إلى قراءة جميع الكتب السماوية وعدم الاقتصار على القرآن الكريم رغم أنها لا تملك بلاغته.. لأنّ تلك القراءة بحدّ ذاتها درس عملي في التسامح.. أذكر تلك المربية الفاضلة التي كانت توصي طلابها وتذكرهم: "لا وجود لتربية من غير ثقافة كما لا وجود لثقافة من غير تربية" " نسّبوا الأشياء والظواهر.. « Relativiser » كونوا متواضعين.. (être humble) احترموا الغيريّة والتنوّع والاختلاف.. (respecter l’altérité, la diversité) شاركوا وتقاسموا.. (Partager)

 

نظرية المؤامرة

س18: سلام كاظم فرج:في العراق وبسبب تسيد الدكتاتورية القاتمة لعقود طويلة وبسبب ملابسات التغييرات التي شهدناها.. تهيمن نظرية المؤامرة على عقول جمهرة من المثقفين ويجري تحليل المتغيرات وفقها؟؟

 ما هو تحليلكم لنظرية المؤامرة؟؟ اجتماعيا وسياسيا؟؟

ج18: د. محسن العوني: نظرية المؤامرة التي تهيمن على عقول قطاعات واسعة من المثقفين في العالم العربي وليس في العراق وحده.. والتي ترجع جميع عللنا إلى الآخر سواء كان مستبدا أو مستعمرا أو ظروفا أو مؤامرة تنبئ عن وجود أزمة تحوّلت إلى ما يشبه عقدة الضحية .. لا تخدم هؤلاء الذين يحملونها وإن أقررنا بوجود ما يبرّرها.. لأنها طريقة غير سليمة في التفكير..تصل إلى حد القول بأن الثورات العربية صنيعة غربية أخرجتها الولايات المتحدة بالتعاون (أو التواطؤ..) مع الإسلام السياسي وقناة الجزيرة و رجب طيب أردوغان ..فهي بعبارة بعضهم "طبخة حصى غربية تتحول إلى وجبة تحليلية تستقرّ في عقول أصحابها !!؟؟؟.. فهي تحيل على عقلية التابع الضعيف الذي لا يملك أمر نفسه.. ويصرّ على إدانة الآخر الذي لن يهبه ما يتصوّره حقه على وجه الصدقة والفضل!!؟.. وهو يقف أو يجلس مكتوف اليدين.. الواقع أن ما نحن فيه من ضعف هو الذي يغري بنا الآخر.. وأزمتنا كامنة في أننا نردّ الفعل بطريقة سيئة ولا نفعل.. رد الفعل انفعال غير مدروس ومتشنج.. أما الفعل فينهض ويتأسس على التخطيط والعقلانية والبناء.. وفي المثل الفرنسي " الثأرصحن (أكلة ) يؤكل باردا ".. وإن كنا لا نشجع على الثأر.. اللهم إلا من تخلفنا وضعفنا.. "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" في علم النفس التربوي.. الطالب الذي يرجع أسباب فشله إلى أسباب خارجية لا يتجاوز أسباب فشله.. أما ذاك الذي يرجعها إلى أسباب ذاتية كعدم اجتهاده وقلة انتظامه وإهماله فإن النجاح يكون حليفة في المرّة القادمة.. عبارة كان قسطنطين زريق يردّدها دائما على مسامع طلابه : "علينا دائما أن نستحق حقوقنا" التساؤل الذي نطرحه على أنفسنا :"هل نستحق حقوقنا..؟؟؟"

 

س19: سلام كاظم فرج:تفاعل الغرب مع الربيع العربي كان ايجابيا على العموم.. البعض يتخوف من علاقات وثيقة مع الغرب.. هنالك خوف كامن من عقود طويلة من الهيمنة الاستعمارية والخطاب الوطني التقليدي كان متقاطعا مع معطيات الغرب السياسية؟؟

ج19: د. محسن العوني: الثورات العربية أو الربيع العربي.. نتيجة موضوعية لواقع على الأرض سواء في ذلك واقع الاستبداد والفساد.. أم واقع "الثورات.. وهذه الثورات جاءت تدق ناقوس الخطر.. والعالم العربي في حاجة إلى مواكبة المتغيرات العالمية، القول بأن هذه الثورات صنيعة غربية أو جاءت بتوجيه خارجي.. إهانة للشعوب واستخفاف بتضحياتها.. فضلا عن كونه سفه وقلة عقل وانعدام حيلة .. لا يمكن إنكار وإغفال علاقة هذه الثورات بالغرب لأنه ركب القطار وهو يسير وسرّع وتيرة سيره ليوجهه نحو ما يخدم مصالحه.. الغرب ذرائعيّ إلى ابعد الحدود وهو استباقيّ واستشرافي وهو لا يعطي شيئا مقابل لا شيء.. وقد استعان على أمره بما مهّد له من أفكار تحرّرية تشبّع بها مثقفون عرب في الهجرة وجدت تفاعلا وترحيبا في الداخل.. وعلى أصحاب الثورة – أصحاب الشأن - أن يسيروا بها نحو ما يحقق آمالهم وتطلعاتهم وأن يجعلوها مثل ابن لبون لا ظهرا فيركب ولا ضرعا فيحلب ..إحالة على قول الإمام علي عليه السلام..

 

س20: سلام كاظم فرج:لديك تنظيرات رائعة حول مفهوم بدائل العولمة على صعيد الفكر والفن والأدب. . . العولمة.. ما تعريفها الدقيق؟؟ والبدائل . بدائل العولمة. كيف تقدمها للقراء؟؟

ج20: د. محسن العوني: العولمة نظام اقتصادي رأسمالي حقق توحيد العالم اقتصاديا بعد نهاية الحرب الباردة بثقافة استهلاكية على علاقة مباشرة مع إنتاج البضائع كل همّها إنتاج مستهلكين لبضائعها وأفكارها.. وهي ثمرة للإمبريالية الاستعمارية الساعية إلى الهيمنة على العالم لترويج بضائعها وتوفير المواد الخام.. هي إمبريالية جديدة.. العولمة وأمركة العالم بدأت قبل انهيار جدار برلين بخمس سنوات وتمتد جذورها إلى القرن 17.. والرجوع إلى التاريخ هام لفهمها واستيعاب خطرها .. ارتبطت بالشركات متعددة الجنسيات واشتغلت المخابر والمخترعات لصالحها وقامت بإحداث لبس ومغالطة للمشروع الإنساني من خلال إيديولوجيتها لإعطاء صبغة شرعية وغطاء أخلاقي لسعيها اللاهث من أجل توحيد العالم تحت راية الدولار واللغة الانجليزية والموضه ونمط العيش ..

العولمة تشي بالافتعال والتصنع وقد استغلت المجتمعات المدنية أبشع استغلال :

دعم أناس وتنصيب آخرين واستشعار وتحكم عن بعد واستباق وتدخل واستقطاب الحركات الوطنية أثناء المرحلة الاستعمارية.. تفريغ المجتمعات من رصيدها الثقافي باسم الموضة.. تآكل الهوية الثقافية عن طريق الفضائيات والبرامج والسينما.. قولبة الإنسان وتسليعه ومسح ملامحه المميّزة .. وراء كل ذلك فاعل ومخطط يعتمد أداة الثقافة الاستهلاكية لتجريد الإنسان من هويته وخصوصيته معقله الحصين قبل أن تصنع منه شيئاObjet .. المضمون الثقافي للعولمة خطير وأهدافه وغاياته تجعل منه مشروعا مضادا للمشروع الإنساني الكوني.

ما هو موقف الفكر العربي المعاصر من هذا الخطر الداهم الذي تحوّل إلى واقع يهدّد الثقافة المرجعية.. هل يوجد مشروع مضاد يحمي المجتمعات.. كيف يمكن أن تستغل الثقافة المرجعيّة لخدمة الثقافة الإنسانية؟..مشروع إنتاج المعرفة وتوظيف العلوم الإنسانية والدينية وحوار الأديان والثقافات في خدمة المشروع الإنساني المضاد للاستهلاك من أجل التأسيس لإنسانية الإنسان وإنسانية المجتمع وتحقيق النهضة والمعاصرة والعالمية والكونية.. وفي هذا الإطار تتنزل بدائل العولمة وهي جبهة معارضة للعولمة برزت مكان الأحزاب اليسارية الاشتراكية في العالم وجمعت كل الحساسيات التي لها مصلحة في الإنسانية وتشترك في قيم واحدة كونية وهذه الجبهة تبحث عن إيديولوجيا والأشكال الجديدة التي أخذها الصراع سيولد أشياء جديدة في مستقبل الأيام وخاصة في أمريكا اللاتينية ودول الجنوب..الأوار ما زال كامنا .. نرجو أن تكون التحوّلات نحو الأحسن لأن الضحايا دائما هم الضعفاء ولأنهم يموتون في صمت ومن غير أن يشعر بهم أحد لأنهم على هامش الظل.. بروز قوّة جديدة مناهضة لأمركة العالم تتشكل يوما بعد يوم لتحل محل المعارضة الاشتراكية التي كان يحتلها الاتحاد السوفياتي وهي معارضة مدنية سلمية ولها صمود ونضال بدأ في بلدان الجنوب ضد سياسة التجويع (البنك العالمي) عبر إغراق العالم الثالث في الديون "مظاهرات اكتسحت العالم ضد صندوق النقد العالمي وضد التداين" كما ظهرت حركات معارضة تضامنية في بلدان الشمال ضد العولمة والظلم الاقتصادي والحيف في عالم قدره أن يكون واحدا.. حركات الصمود ضد العولمة لها مستقبل واعد في التصدي للإقطاع الجديد المتمثل في العولمة.. مرجعيتها دينية وتراث الإنسانية وفلسفة الأنوار وحقوق الإنسان.. حركة الإنسان والبضائع والأفكار لم تتوقف عبر التاريخ.. والقواسم المشتركة : العلم والقيم والمهارات (الصواب).. الممانعة الثقافية وجه من وجوه العولمة المضادة (البدائل) مع الخوف من أن تتحوّل إلى انغلاق وتشرنق على الذات.. كما أن العالمية والكونية تغتذي مباشرة من الخصوصية.. العالم يبدأ من عتبة بيتنا.. بل من المكان الذي نحن فيه والعالمية هي المحلية تنقصها الجدران ومن يتنكر لبقعة من الأرض تتنكر له الأرض جميعا لأنها وفية لنفسها..

العولمة مناقضة للمشروع الانساني لأنها تؤسس لنظام إقطاعي جديد وتفصح عن نواياها وتظهر وجهها الحقيقي من خلال سياسة الولايات المتحدة.. كما أن التأسيس لإنسانية الإنسان وإنسانية المجتمع وتحقيق النهضة والمعاصرة والحداثة والانخراط في العالمية والكونية ..في العالم العربي أشبه بالورشات المفتوحة..يالها من ورشة ؟؟؟..

 

الجامعات في تونس

س21: سلام كاظم فرج: الجامعات التونسية ودورها في البناء. . هل هي مواكبة للتطور المتسارع في العلوم والفكر؟؟

ج21: د. محسن العوني: مرّت الجامعة التونسية بمرحلتين أساسيتين.. مرحلة بناء المؤسسات حيث كانت الإنسانيات والاجتماعيات والأدبيات غالبة.. ثم مرحلة تحويل التوجه من الإنسانيات إلى العلوم الصحيحة.. الجامعة التونسية في أمس الحاجة إلى المراجعة والإصلاح رغم مواكبتها للتطور المتسارع في بعض التخصّصات العلمية وخاصة الطب وعلوم الحياة والتطبيقات.. تحتاج الجامعة التونسية إلى منظومة بحث علمي تستشرف الآفاق التي فتحتها الثورة المجيدة و تستفيد من خبرة تتجاوز نصف قرن .. وهي في حاجة إلى عمل تصحيحي وإعادة بناء المناهج من أجل مزيد رفع كفاءة الخرّيجين واستقطاب الكفاءات التونسية المهاجرة التي يمكن أن تقوم بدور هام في هذا الاتجاه.. الدور المنتظر للجامعة هو أن تتحوّل إلى قاطرة للتقدّم من خلال ربط مخابر البحث العلمي ووحدات البحث ومراكز الأبحاث بالمؤسسات الصناعية والاقتصادية ومراكز القرار.. البحث العلمي يمكن أن يحوّل تونس إلى قطب استشفائي متوسطي ومركز إقليمي للتقنيات الدقيقة وعلوم الاتصال وهو ما يتطلب وقف نزيف حقيقي يتمثل في الكفاءات التونسية العالية سواء في العلوم والتقنيات أو الإنسانيات التي تستقطبها الجامعات الكبرى في العالم..

 

س22: سلام كاظم فرج:رؤيتك لمستقبل الإنسان. مستقبل الأرض؟؟ مستقبل الكون؟؟ والإنسان العربي والتونسي؟؟

ج22: د. محسن العوني: نقرأ في كتاب "كيف أصبح الإنسان إنسانيا" "Comment l’homme devint humain" لروجيه غارودي .. في فصل "ولادة الإنسان" العبارة التالية :"وأنت تراها من هنا.. تبدو الأرض جميلة، مضيئة، إنها واحدة ومسالمة.. كان رائد الفضاء الذي يقول هذا الكلام..وهو يمشي فوق سطح القمر أول إنسان يلمح الأرض في كليتها في الفضاء، بلا حدود في وحدتها" خصّص غارودي في كتابه المذكور ست صفحات لميزوبوتاميا "La Mésopotamie" طرّزها بصور بديعة ووضع حضارة العراق في صدارة ما أسماه "المهود والشبكات الأولى للحضارة" Les premiers berceaux et les premiers réseaux de civilisation" منها صورة لزاقورة أور وصورة وجه رجل بحالة صلاة بعيون ذات نظرة فوق طبيعية "vision surnaturelle" تعود إلى نحو 2600 – 2700 قبل الميلاد / تل أسمر.

 مستقبل الإنسانية في المنابع الصافية الكفيلة بشفاء غلتها وعطشها الشديد إلى المعرفة والعدل والمساواة والتواصل والتعارف والمحبة والأخوّة الإنسانية.. وأن يكون الدين لله وحده والحبّ والخير للجميع.. شدّني مشهد العازفين وهم يعزفون ويحتفلون بسقوط جدار برلين.. الجدران المرشحة للسقوط كثيرة وفي مقدمتها الجدران الداخلية.. جدران الخوف والخنوع والرضا بالدون والعقد .. التفاؤل العقلاني مطلوب والمثل الأعلى الذي تكدح نحوه الإنسانية لا يتحقق إلا في المستقبل.. العائلة الإنسانية تكدح نحو وحدتها وتحلم بغدها المنشود الذي تعدل فيه بين أبنائها وفلذاتها.."فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون" السجدة 17.

 "خذ من غدك زادا ليومك" ميخائيل نعيمة .. "الله ليس هو الماضي.. الله هو الآتي" أندريه جيد..

فطوبى لهؤلاء الذين يبشرون بالصباح الجديد ولا يتوقفون عن الغناء لأيامنا الآتية.. مستقبل الإنسان العربي والتونسي في التعلق بالقيم الإنسانية الكونية والدفاع عنها وإيمانه بقيمة العطاء وشرفه ونبله وكدحه من أجل أن يكون مستحقا لحقوقه.. "ما تأخذ فذلك ما به تعيش.. أما ما تعطي فذلك هو الحياة" إيليا كازان ..

أذكر إني كتبت في المقال الذي قدّمت به لبحث نشر خلال العام 1990 على صفحات مجلة الفن السابع تحت عنوان "القضية الاجتماعية في السينما العربية" عن حاجة المجتمعات العربية الحيويّة الملحة إلى عقد اجتماعي وأخلاقي يوقف حالة الهدر التي تعيشها هذه المجتمعات.. هدر للطاقات.. هدر للمقدرات.. هدر للمجهودات.. وكأن هناك من يراهن على عجزها وضعفها بل يريد لها ذلك ويسعى إليه .. لا غنى عن التربية الجديدة ولا يوجد مجتمع محكوم عليه بالعجز الفكري.. إذا طمحت للحياة النفوس..

 

س23: سلام كاظم فرج:ما شدني إليك أستاذي العزيز. تلك التوليفة الرائعة بين قبول كل معطيات الحضارة العالمية والاطلاع على معظم النظريات والحركات الفكرية. ورؤيتك المتسامحة في قرائتها.. وبين إيمانك العميق بوجود خالق حكيم مدبر لهذا الكون. ما شدني اليك ذلك التفاعل الذي افتقده في تبني منظومة افكار متحررة وعلمانية ويسارية وبين الاحتفاظ بالإيمان الديني . وعدم تخليك عن الارتباط بالمطلق الذي هو اقرب اليك من حبل الوريد.

 هل ان إنشدادي كان في محله في تشخيص جوهر فكر الأستاذ العوني. ام انني قد بالغت في قدرتي على قراءة مواقفه فكريا؟؟

ج23: د. محسن العوني: نور قلبك وبصيرتك وإنسانويتك وفكرك النير أجمل الجسور إليك وهي لا تخطئ أبدا ولا تبالغ لأنها قسطاس ذاتها.. والقلوب سواقي كما في اللهجة العراقية الجميلة.. أشكرك على هذا السؤال / اللوحة الذي يجمع بين العمق والجمال والذوق الرفيع .. لا يطرحه إلا شاعر مفكر ومثقف كبير وإنسانوي فذ.. صديقك أيها السامق.. إنسانوي يتوسّم الخير في الإنسان.. يحسن الظنّ بالله تعالى ويبتغي إليه الوسيلة بما يراه نافعا لخلقه ويرجو منه التوفيق والقبول.. أذكر دائما عبارة الفخر الرازي في تفسيره وهو يعرّف معنى العبادة في قوله تعالى :"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".. "العبادة تعظيم أمر الله والشفقة على الخلق.." كما أذكر أنّ أول يوم ذهبت فيه إلى المدرسة درست حصّة لغة عربية وحصّة لغة فرنسية.. ولا أذكر أي الحصّتين كانت الأسبق.. كنت أتردّد على المركز الثقافي الفرنسي والمركز الثقافي الرّوسي كما أتردّد على مكتبة العطارين ومكتبة الديوان.. أقتفي أثر عبقرية الفكر الإنساني.. التونسيون يشاهدون القناة الإيطالية الرّاي أونو وبرامج القنوات الفرنسية حتى قبل بعث التلفزة الوطنية التونسية ولديهم برامجهم المفضلة التي يحرصون على مشاهدتها.. منوعات.. برامج وثائقية.. حوارات سياسية.. رياضة..مسلسلات واستطلاعات.. سينما وفنون.. أدب وثقافة وفكر ومنشورات ومقابلات وحتى برامج دينيّة.. علما بأن التلفزة الإيطالية من أثرى تلفزات العالم بطاقم مراسلين من كافة أنحاء العالم.. هذا التعدّد والتنوع الكبير عامل ثراء واعتدال وانفتاح.. وهو لا يصطدم ولا يتنافى مع الثوابت والخصوصيات بقدر ما يقوّيها ويعزّزها.. فالهوية والخصوصية لا تتأسس على إلغاء الآخر ونفيه بقدر ما تتأسس على معرفته بما له وما عليه في تاريخيّته وحاضره وآفاقه.. وإذا أردت أن تكون أنت فعليك أن تكون الآخر.. هكذا كان جاك بارك يردّد.. قراءاتي متنوعة إلى أبعد الحدود خاصة في مجال الإنسانيات والحضارة.. المرء حين يستوفي عدّته الفكرية والنفسيّة والعقلية وأدواته.. تنتفي لديه أسباب التوتر والتحفز والخوف من الآخر.. بخصوص الأفكار العلمانية واليسارية.. فإني أفهمها وأتفهّم دواعيها وأسبابها وسياقاتها وظروفها .. ولا أتبناها بالضرورة.. والإيمان الدّيني عامل توازن ونقطة ارتكاز لا بدّ منها وأحمد الله أن إيماني لم يتأثر سلبا بقراءاتي ومعايشاتي ومعاناتي.. بل لعله وجد فيها تثبيتا ومددا كما أعتقد أن للتنشئة دورا في ذلك.. أو بعبارة الصديق الدكتور محمود الذوادي.."المناعة الثقافية واللغوية".. كما أني أجد في الارتباط بالمطلق انشدادا وتعلقا بالجوهر وارتفاعا وتساميا فوق الأعراض.. أذكر أني كنت من وقت لآخر أتفرّغ لقراءة كتب الصّوفية وأشعارهم أتفيّأ تلك الظلال و أجد متعة تلك الأوقات.. ابن عربي.. ابن الفارض.. النفري .. الحلاج .. سهل التستري.. الغزالي.. الإمام القشيري.. أبو الحسن الشاذلي.. السهروردي.. ابن عطاء الله.. جلال الدين الرومي.. عبد الحليم محمود... إنها من التجارب التي تعاش ولا توصف.. العقلانية والحداثة لا تعني بالضرورة المادية ويحضرني بيت المعري "أثبت لي خالقا حكيما ولست من معشر نفاة..".. يذكر الغزالي في كتابه الذي يعتبر من أجمل السير الذاتية "المنقذ من الضلال" أنه في رحلته نحو الله.. تلك الرحلة الشيقة الفريدة الحافلة بالعذاب والعذوبة.. كان لا يرى يهوديا إلا أراد أن يقف على سرّ يهوديته.. ولا نصرانيا إلا أراد أن يقف على سرّ نصرانيته.. ولا معطلا إلا أراد أن يقف على سرّ تعطيله.. ولا زنديقا إلا أراد أن يقف على سرّ زندقته وهكذا.. وهو أمر يصحّ مع كلّ روح متوهج وفكر حيّ.. غير أن الغالبية لا تملك من الصبر والدأب والقوّة ما يجعلها تواصل البحث فتتوقف ويتوقف نموّها.. والحمد لله الذي لا يكلف نفسا إلا ما آتاها .. الإيمان أنقذني من مآزق عقلية ونفسية وحالات لا يعلمها إلا الله.. فلله الحمد والمنّة.. ما أروع الدعاء القرآني ينساب في الداخل كالسلسبيل "رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين" 15 الأحقاف.

 

س24: سلام كاظم فرج: آخر كتاب قرأته؟؟ آخر فلم شاهدته؟ آخر مسرحية؟. آخر نص ترجمته؟؟ آخر نص كتبته. آخر درس درسته؟؟

ج24: د. محسن العوني: من عادتي أن أقرأ بالتوازي أكثر من كتاب وأحرص على أن أحتفظ في ذهني بفكرتها المحرّكة وعناصر الجدّة والإضافة فيها وأثبّــتها بكتابة ملاحظات وشواهد.. بعض الكتب تدعوني أصالتها وإضافتها إلى الكتابة عنها.. فأسجل بعض الخطوط العريضة وأكتب مخططا أوليا وقد أعود لقراءتها .. آخر ما قرأت كتاب المؤرخ التونسي الأستاذ محمد الطالبي الذي كتبه بالفرنسية "Goulag et démocratie" "غولاك والديمقراطية" وكتاب تيري ماك لوهن المترجم إلى الفرنسية عن الأنجليزية "Cathédrales de l’esprit.. l’appel des sites sacrés" "كاتدرائيات الروح ..نداء المواقع المقدسة " وكتاب "علم الأديان ..مساهمة في التأسيس" لميشال مسلان ترجمة الدكتور عزالدين عناية.. آخر فيلم شاهدته.. فيلم وثائقي عن حياة نلسن مانديلا .. آخر مسرحية.. مسرحية مفتوحة انطلقت مع الربيع العربي في جميع البلاد العربية.. عنوانها :"فهمتكم!!".. من يقرأ بين سطورها ودلالاتها البعيدة يدرك أن ما لم يقل فيها أهم بكثير مما قيل.. وهناك مكمن سرّها.. آخر نصّ ترجمته.. نصّ لفيكتور هوجو "كلمات فوق الكثبان".. آخر نص كتبته .. نص "الجبل المزهر" أو "مونفلوري".. أجمل اللحظات في كل درس.. تلك التي يستغرقها التأمل.. وهو جزء لا يتجزأ من الدرس.. بل هو روح الدرس ومداه الفكري والنفسي والعرفاني.. ارتباط العلم بالقيم سرّ من أسرار عظمة الإسلام.. حتى لا يتحوّل العلم إلى أداة ابتزاز وفساد في الأرض.. ويشدني دائما انحياز العلماء للعلم "كونوا ربّانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون".. تحضرني عبارة لأبي الأسود الدؤلي :" ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكـّام على الناس والعلماء حكـّام على الملوك" قول ينطوي على شجاعة نادرة.. العلم قيمة ثابتة.. بهذه القيم والمعاني فتح الإسلام العقول والقلوب قبل أن يفتح الأمصار والبلدان.. ويوم القيامة تقوم الموازنة بين دماء الشهداء ومداد العلماء.. إنها بورصة القيم الحقيقية.. فطوبى للصادقين ..

 

شكرا استاذنا الفاضل المفكر الدكتور محسن العوني. في الختام اجد من المناسب ان اذكر اني كتبت اسئلتي هذه وانا استمتع بصوت حليم الرومي وهو يشدو (كذلك قالت لي الكائنات وحدثني روحها المستتر..). ودمدمت الريح بين الفجاج وفوق الجبال وتحت الشجر: إذا ما طمحت إلى غاية ركبت المنى ونسيت الحذر

 

خاص بالمثقف

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1944الجمعة 18 / 11 / 2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1901 المصادف: 2011-11-19 13:14:22