 تقارير وتحقيقات

اعمال الموكب الأدبي في مدينة وجدة المغربية في نسخته الخامسة

balqies hamedhasanمنذ مدة طويلة أقلعت عن عادة تغطية النشاطات التي أُدعى لها معتبرة هذه التغطية ليست من مهامي وهناك من هو اأكثر دقة مني في تغطيتها، لكنني في هذه المرة دفعني أعجابي الشديد بنشاطات الموكب لكتابة هذه التغطية حيث انبهرت بالمعرض الذي أعده وقدمه مجموعة من الفنانين والمثقفين وكان بادارة وإشراف الفنان المبدع اليزيد خباش  وعرض بأبهى إطار جعلني اتمنى - وهذا ماقلته في الافتتاح - ان يعرض معرض (كتاب الفن) هذا بشارع المتنبي .

قد يذهب ذهن القاريء الى أن المتنبي شارع الكتب فكيف أتمنى كتبا تعرض فيه وما الجديد في ذلك.

من لم ير معرض (كتاب الفن) في قاعة رواق الثقافة يوم ١٥--٩-٢٠١٧ حتما لايعرف قصدي لكنه سيفهم ذلك حينما يرى الأشكال الفنية والابداعات التي تملأ طابقي الرواق بشكل أنيق ومبهر، تلك الأفكار التي زاوجت اللون بالكلمة بالخشب، والورق، والروح، والعقل، والعشق بذلك المعرض.

فبعد ان افتتح المعرض بكلمات قصيرة لرئيس الموكب الأدبي الشاعر سامح درويش وبقية أعضاء الموكب الذين ساهموا بشكل فعال في انجازه، تم تقديمنا بشكل أنيق من قبل الشاعرة الجميلة دنيا الشدادي حيث قرأنا لهم بعض القصائد لدقائق وكان لي الشرف بأنني أول من افتتح المعرض شعراً وقرأ أيضا الشاعر السوري محمد القاطوف بعض اشعاره.

وكان الموكب الأدبي قد دعى معي الشاعر أحمد الفلاحي من اليمن، والشاعر محمد القاطوف من سوريا، والتشكيلي الشاعر يوسف أشكال من المغرب .

كان المعرض أشكالا فنية تجعل الكتاب هدفا أولا للشاب وتدفعه لتطبيق المزيد مما رأى وسمع وقرأ في ذلك المعرض وبشكل ممتع.

أشكال فنية حرة وحية، فيها ماء يجري تقرأ معه حكمة أو ومضة شاعر تقول:

(إقرأ

 كما أنت تشرب الماء)

جعلني انبهاري بالأفكار الجديدة أصور كل العروض لأن الكل يحمل جديدا، وكلها يحكي جمالاً مختلفاً مثلما مدن المغرب المتنوعة الجمال والتي لاتشبه إحداها الأخرى.

اتنقل وأنا فرحة بهذا الجمهور الواسع الذي يصور ويصعد وينزل بين طابقي المعرض حيث يركن في زاوية منه الشاي الأخضر بالنعناع والحلويات المغربية اللذيذة، فتجد أربعة مثقفين يناقشون لوحة معروضة أو فكرة تشكيلية جديدة ومدى تفاعل الجمهور معها ومدى قوة تأثيرها على العقل لتبقى القراءة والتحفيز لها هدف هذا المعرض وغايته النبيلة، وينشغل مثقفون آخرون بشرح معنى لوحة أخرى لمجموعة من الجمهور .

كانت فكرة القراءة والكتاب هي الدافع لكل عمل في هذا المعرض، أتجول ليمتد بي الخيال حيث الطفولة وأول كتاب قرأت فأجد لوحة تقول :

إقرأ خير لك

لكنها لاتعرض بطريقة كلاسيكية معتادة ومملة، إنما بثوب لا يجعل المشاهد والقارئ يمتعض من نصيحة أو حكمة بل يشعر وكأنه يكتشف القراءة من جديد.

في المعرض أعمال جعلت الكتاب تحفاً فنية حيث لوحة تدور بفعل بطارية وهي تفتح لك صفحات من هايكو الشاعر سامح درويش . تدورالصفحات والنجمة المغربية تدور بشكل مبهج وكأنها تقول لكل الشعب:

 طريق القراءة والثقافة هو الطريق الوطني الحق وهو طريق الخلاص من كل أشكال التمزق والعصبيات.

أتنقل بين المعروضات فأجد جلال الدين الرومي وابن عربي بكل أفكارهم العظيمة، وأرواحهم الجليلة وقد أصبحت كلماتهم لوحاتٍ ونقوشا وفنونا أرقى من الجميلة بل هي فنون مبهرة وهي فنون للحياة وبناء الانسان.

رأيت عملاً به تحتجز نصوصا للشاعرة دنيا الشدادي مع صورتها وكأن الكتاب قد احترق فأنقذت بقاياه، إنها شاعرة امرأة، في مجتمع ذكوري شرقي، والمرأة عندنا تحترق يوميا لتكتب روحها ووجعها ومعاناتها.

قريبا من هذا وجدت شجرة قصائد مكبلة بالأسلاك الشائكة، فالقراءة ليست نزهة فقط بل هي كسر للتابوهات العتيقة وبها نضال من أجل حياة أرقى وأرفع، تخبرنا تلك التحفة انه مكبل بالقيود الشائكة من لم يستطع القراءة، فبالقراءة حرية، وتحليق في الأعالي.

أسير بين أعمال المعرض كمن يسير بين الأوابد ويكتشف التأريخ، وهنا أنا أكتشف الرغبة الحقيقية بالتغيير وصنع الحياة العصرية التي نتمنى، وقد اكتشف مستقبل الجيل الذي يتأثر بما في المعرض.

السلام بين البشر يحيط بالمعرض بأعمال عديدة فهذا نصب تتعانق به الرموز، الهلال والصليب والنجمة، وتلك لوحة لفلسطين وعلمها ونضالها، وتلك لوحة لسلام العالم وأخرى حكمة للحياة يرسمهاالفنان اليزيد خباش بلهجة مغربية يشرحها لي فأعجب بانسجام الرسم مع الشعر .

الحياة كتاب.

هكذا تكون حياة واعية وبيضاء كالورق، راقصة كالحروف في هذا المعرض البهي، الذي رأيت الإعداد له قبل الافتتاح حيث الفوتوغرافي باهي الرحال، والفنانون جواد امباركي، ومحمد بن حمزة، واليزيد خباش، وزينب نصري، يرتدون ملابس العمل التي تعلوها الاصباخ والتعب لينجزوا عملا جبارا ورائعا في ذلك الرواق المبهج والذي منحني الأمل ببناء مجتمع عربي أرقى وحيث النصب الخشبي في ساحة الرواق الخارجية تقول بالخشب المصنوعة منه:

خذ الكتاب بقوة

بعد افتتاح المعرض كنا مدعويين على العشاء في دار السبتي وهو قصر تراثي ساحر الجمال مبهج بأعمدته وثرياته وفسيفسائه البهي الناطق بعظمة التأريخ وأصالة المدينة . هناك عزفت لنا الفرقة الموسيقية أنغاما أندلسية أطربتنا بعدها فاجأتنا فرقة الرقص الشعبي للمدينة فصنعت لنا ليلة من ألف ليلة وليلة لاتنسى حيث الموسيقى بالرقص وحيث قرأ قبل ذلك الشعراء أحمد الفلاحي ويوسف اشكال قصائد لهم وقرأت الشاعرة دنيا الشدادي من شعرها إضافة الى انها هي التي قدمتنا جميعا كشعراء، كما قرأ شعراء أخرون من مدينة وجدة ثم ختمته أنا بقصيدة ..

 في اليوم الثاني يوم ١٦-٩ كنا على موعد مع الجلسة النقدية في قاعة من قاعات مسرح محمد السادس وهو صرح حضاري كبير وجميل .

حين دخولنا القاعة وجدنا كيسا أمام كل كرسي كان كنزا من عشرة كتب بيضاء أنيقة قام الموكب الأدبي إصدارها بهذا العام لأدباء مغاربة وقد وضعت الكتب الجميلة في إهاب فني خشبي شكل تحفة فنية حملت اسم الموكب الأدبي مع لوازم هذه الجلسة ..

أعجبت كثيرا بهذا الترتيب والذوق والكرم الذي قدمت به هذه الهدايا الثمينة بصمت..

لقد استضيف بالجلسة الدكتور عبد الواحد عرجوني

وكانت حول اصدارات أدباء جهة الشرق المقيمين بالمهجر : جرد بيلوغرافي ودراسة تحليلية .

 والدكتو جمال الدين الخضيري

وكانت حول الرواية المغربية المكتوبة باللغة الاسبانية نجاة الهاشمي انموذجا

أدار الجلسة الشاعر سامح درويش

وقد تفاعل الجمهور كثيرا مع النقاد واستفدنا مما عرضوه لنا باللغة العربية وتداولنا الأفكار وكان النقاش ناجحا وممتعا.

ثم وبعد الاستراحة والحلويات والقهوة والشاي كنا على موعد مع الجلسة الثانية وشارك بها كل من الدكتورة جميلة رحماني

وطرحت صورة الأنا والآخر في المنجز الإبداعي لمحمد ميلود غرافي

والدكتور محمد دخيسي وكانت حول رواية الواقع وخصوصية التخيل؛ قراءة في تجربة أحمد حضراوي الروائية .

ثم الدكتور فريد أمعضشو

وكانت حول الوصف في رواية الذئب الأصهب لمصطفى الحمداوي

ايضا كانت هناك مناقشة عامة اغنت المواضيع وقد امتعتنا المواضيع وأضافت لنا الكثير .

كان يوم ١٧-٩ هو آخر يوم لأعمال مهرجان الموكب الأدبي فكنا على موعد مع مجموعة كبيرة من المثقفين برحلة رائعة لمنتجع تكفايت الجميل حيث الشلالات والخضرة وهناك ذهبنا الى نصب الضفدع الذي أقامه نادي الضفادع وهو مجموعة من المثقفين الذين استمدوا التسمية من ضفدع شاعر الهايكو الياباني باشو وتيمنا به حيث قال:

بركة قديمة

نطّة ضفدع

صوت الماء

وقد وضع هذا الهايكو على نصب الضفدع باللغتين العربية واليابانية .

لقد أعجبتني الفكرة كثيرا والنصب الكبير الذي ينتصب بين الخضرة على سفح جبل من ذلك المنتجع الخلّاب فانتميت لنادي الضفادع روحا وعقلاً.

أخذنا الصور واستمتعنا بكل مالذ وطاب من الطعام المغربي اللذيذ كما في كل يوم وليمة.

ثم قرأنا الشعر في مقهى بذلك المنتجع، وكان غالبية الجمهور من المثقفين المنضوين بالموكب الأدبي والمساهمين في هذا الملتقى الابداعي.

لقد كانت أياما لاتنسى،مليئة بالروح والجمال والنقاء والصداقة الحقة .

ممتنة للموكب الأدبي ونادي الضفادع ولمدينة وجدة الجميلة وأهلها، وجدة تشبه روح بغداد، لقد تأصلت لي بها صداقات عميقة حتى شعرت انني كنت فيها قبل أن أولد ..

نتمنى للبلد الحبيب المغرب دوام الاستقرار السياسي الذي لولاه لارتبكت الثقافة واختلت موازينها، ونتمنى الرخاء لهذا الشعب الكريم الطيب ..

باقات الورد لوجدة ولموكبها الأدبي..

والبقاء للثقافة صانعة الجمال والمحبة..

 

بلقيس حميد حسن

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعرة والروائية المبدعة بلقيس حميد حسن
ودّاً ودّا
شكراً لك سيدتي على هذا العرض الشيّق لأعمال الموكب الأدبي
في مدينة وجدة المغربية .
نطمع أيضاً نحن قراء المثقف في قراءة نصوص ابداعية للشاعرة بلقيس .
دمت في صحة وإبداع سيدتي الشاعرة .

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4042 المصادف: 2017-09-29 13:31:54