 تقارير وتحقيقات

العراق والعالم العربي بعيون أربع كاتبات غربيّات

adnanhusan ahmadنظم مركز الحوار الأنكَلو- عراقي بلندن محاضرة بعنوان "العراق والعالم العربي بعيون أربع كاتبات غربيّات" للباحث نديم العبدالله، وساهم في تقديمه وإدارة الندوة كاتب هذه السطور. قبل الولوج في تفاصيل هذه المحاضرة لابد من الإشارة إلى أنّ الأبحاث والدراسات التي يقدّمها نديم العبدالله تعتمد دائمًا على المنهج العلمي الرصين الذي يهدف إلى ملامسة الحقيقة، أو الاقتراب منها، أو التعرّف على بعض جوانبها في الأقل. وفي هذه المحاضرة يحاول العبدالله تقديم إطار ثقافي يهدف إلى التعريف بالمنجزات الفكرية والثقافية لأربع كاتبات بريطانيات هُنَّ غيرترود بيل، فريا ستارك، إِثِل دراوور، وأغاثا كريستي اللواتي كتبن أكثر من 60 كتابًا عن العراق لم يُترجم منها إلاّ القليل النادر. وقد دعا المحاضر ليس إلى ترجمتها حسب، بل إلى دراستها، وتحليلها، ونيل الشهادات العليا فيها لما تنطوي عليه من معلومات مهمة في السياسة، والأدب، وعلم الاجتماع وما إلى ذلك.

استهلّ العبدالله محاضرته بالحديث عن المس غيرترود بيل (1868-1926) وأشار إلى أنها كاتبة بريطانية، وأنثروبولوجية، ورحّالة، ودبلوماسية عُرِفت بانهماكها في خلق العراق ككيانٍ سياسيٍ جديد عام 1920. سافرت إلى بلدان عديدة في الشرق الأوسط وخاصة العراق، إيران، فلسطين، سوريا، لبنان والجزيرة العربية. عملت مع العديد من الضباط والمستشارين البريطانيين في العراق  مثل بيرسي كوكس، توماس إدوارد لورنس وغيرهم، وقد بذلت قصارى جهدها بغية تنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكًا على العراق، وأعتبرت تتوجيه على عرش العراق نصرًا شخصيًا لها حيث تحول الحلم إلى حقيقة دامغة بعد أن أزاحت عن طريقها كل المعارضين لتأسيس نظام ملكي في العراق. ومن أبرز إنجازاتها الأخرى هو تأسيس المتحف العراقي، والمكتبة الوطنية.

أصدرت بيل أكثر من ثلاثين كتابًا لكن المُحاضر اكتفى بذكر الكتب التي تتعلق بالعراق والشرق الأوسط تحديدًا مثل "صور فارسية"، "قصائد من ديوان حافظ"، "قصر وجامع الإخيضر"، "عرب بلاد ما بين النهرين"، "مراجعة للإدارة المدنية لبلاد ما بين النهرين"، "ألف كنيسة وكنيسة" و "الصحراء والمعمورة" و"رسائل غيرترود بيل".  ثم توقف المحاضر عند بعض الكتب مثل "قصر وجامع الإخيضر" الذي يتضمن وصفًا للعمارة الإسلامية المبكرة، وكتاب "عرب بلاد ما بين النهرين" الذي كتبته المس بيل بطلب من الحكومة البريطانية كي يكون دليلاً للضباط العسكريين والموظفين المدنيين في محاولة لخلق حكومة عراقية جديدة عام 1920 بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية. أما الكتاب الثالث فهو "نظرة عامة للإدارة المدنية لميسوبوتاميا" الذي يتمحور على مساعدة الحكومة البريطانية في استعداداتها لتأسيس حكومة عراقية جديدة.  كما توقف المُحاضر عند الأفلام الثلاثة التي أنجِزت عن المس بيل وهي "رجل خطير: لورنس خلف الجزيرة العربية" إخراج كريستوفر مينول، و "ملكة الصحراء" لفيرنر هيرتزوغ،  و "رسائل من بغداد" لزيفا أولباوم وسابين كراينبول. جدير ذكره أن المس بيل كانت تجيد عدة لغات من بينها الفرنسية والألمانية والفارسية والعربية التي ساعدتها سواء في عملها اليومي أو في ترجمة الأشعار الفارسية على وجه التحديد.

أما الكاتبة الثانية فهي فريا ستارك (1893-1993) التي لم تكن إنكَليزية خالصة، فأمها فلورا إيطالية من أصول بولندية- ألمانية. تلقّت فريا كتاب "ألف ليلة وليلة" كهدية في عيد ميلادها التاسع فأشعل ولعها بالشرق، وساعدها في ذلك إتقانها للغات العربية والفارسية والتركية إضافة إلى اللغات الأوروبية كالفرنسية والإيطالية والإنكَليزية. درست فريا في جامعة "سواس" بلندن، ثم أمضت 30 عامًا "مسافرة ومقيمة" في عدد من الأقطار العربية والشرق أوسطية كما زارت اليمن والجزيرة العربية ومصر والهند وتركيا وأفغانستان. عُينت من قِبل وزارة الإعلام البريطانية كخبيرة في الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الثانية. أشار المُحاضر إلى ثلاثة من كتبها التي تتعلّق بالعراق وهي "سكتشات بغداد"، "رحلة إلى دجلة" و "روما على ضفة الفرات". وقد تضمن "سكتشات بغداد" وصفًا للتركيبة الثقافية والدينية للعراق، فيما صوّرت فريا في كتابها الثاني رحلتها إلى دجلة على ظهر جواد بين "الجزرة" في جنوب شرق تركيا إلى نهر دجلة في العراق عبر جبل هكاري. أما في كتابها الثالث "روما على ضفاف الفرات" فقد صوّرت فيه جزءًا من العراق الذي يشير إلى الحافات الجنوبية للإمبراطورية الرومانية عام 200 ق.م. أصدرت فريا 25 كتابًا من بينها "رسائل من سوريا" الذي وصفت فيه الحقبة الزمنية التي أمضتها هناك خلال الحرب العالمية الثانية، و "ماوراء الفرات" الذي اشتمل على رحلاتها في الشرق الأوسط، و "الشرق هو الغرب" الذي أوجزت فيه تجاربها خلال الحرب العالمية الثانية حيث سافرت إلى سوريا وفلسطين ومصر والجزيرة العربية والعراق وإيران.

لا تقل شهرة إثيل دراوور (1879-1972) في العراق عن مواطنتها المس بيل فقد عرفناها كخبيرة أنثروبولوجية درست الشرق الأوسط وثقافاته وتخصصت بالديانة المندائية وأنجزت عنها كتابًا مهما يحمل عنوان "الصابئة المندائيون" ترجمه إلى العربية نعيم بدوي وغضبان الرومي ويُعتبر هذا الكتاب أحد المصادر الرئيسة عن الديانة المندائية. أقامت دراوور في العراق مدة ربع قرن وكتبت عن ثقافته وأديانه. أنجزت دراوور أكثر من ثلاثين كتابًا من بينها "حكايات شعبية عراقية" و "مندائيو العراق وإيران" و "طاووس ملك"، و "القاموس المندائي" بالاشتراك مع الخبير السلوفاكي رودولف ماسوخ. كما كتبت عن سوريا ولبنان والسودان وتونس ويكفي أن نشير هنا إلى كتابها "سنتي في السودان" الذي وصفت فيه ثقافة الشعب السوداني، وأناسه، وطريقة حياة هذه الأمة.

توقف الباحث نديم العبدالله عند الكاتبة الإنكَليزية الرابعة وهي أغاثا كريستي (1890-1976) التي تعتبر أعظم مؤلفة رواية جريمة في التاريخ حيث بِيعت أكثر من مليار نسخة من رواياتها التي تُرجمت لأكثر من 103 لغات من بينها اللغة العربية. تزوجت كريستي عام 1930 من عالِم الآثار المعروف ماكس مالوان بعد أن التقت به في إحدى سفراتها إلى الشرق حيث عاشت معه في سوريا والعراق عندما كان يقوم بأبحاثه هناك. أصدرت كريستي 66 رواية بوليسية و 14 مجموعة قصصية. وقد انعكس ولعها بالآثار فكتبت عدة روايات من بينها "جريمة في بلاد الرافدين"،  "لقاء في بغداد"، "جريمة في قطار الشرق السريع"، "موعد مع الموت"، و "تعال وقل لي كيف تعيش". وأشار العبدالله إلى أن "جريمة قتل في بلاد الرافدين" تركز على مقتل زوجة أحد الإركيولوجيين الغربيين، وقد ترجمها إلى العربية محمد عبد المنعم جلال، فيما تدور رواية "لقاء في بغداد" حول قمة سريّة عقدت في بغداد حيث ترسل القوات الغربية ممثلها إلى هناك كي يهيمن على مسارات اللعبة السياسية. أما الرواية الثالثة فهي "جريمة في قطار الشرق السريع" فهي تتمحور على مقتل مسافر في قطار الشرق السريع من إستانبول إلى لندن. تركز الروائية على شخصيات المسافرين، وثقافتهم، ومعتقداتهم، وطرق حياتهم. ومن بين الكتب التي أشار إليها الباحث هو كتاب "تعال وقل لي كيف تعيش" الذي دوّنت فيه مذكراتها في سوريا والعراق وقد ترجمه إلى العربية أكرم الحمصي.

عودًا على بدء، نوّه الباحث نديم العبدالله على ضرورة دراسة هذه الكتب، وتحليل موادها الثقافية والفكرية والاجتماعية وترجمتها إلى العربية كي يُحيط القرّاء علمًا بكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة التي حدثت في العراق منذ الحرب العالمية الأولى وما أسفرت عنه من تفكيك الإمبراطورية العثمانية وولادة العراق الحديث بنظامه الملكي الذي ينطوي على قدر معقول من الديمقراطية، والحريات العامة والخاصة، والتبادل السلمي للسلطة ثم مجيء الأنظمةالعسكرية التي أجهزت على الدولة المدنية وجعلتها أثرًا بعد عين. وعلى الرغم من القمع الذي عاشه العراقيون على مدى أربعة عقود أو يزيد عاد التحالف الغربي بقيادته الأنكَلو-أميركية ليعيد الأمور إلى نصابها الديمقراطي الصحيح وإن شابته أخطاء قاتلة مثل الفساد المهول الذي لم يسبق له مثيل، وتكريس النزعة الطائفية، وعسكرة البلاد وما إلى ذلك من مخاطر جديّة قد تضع العراق على كفّ عفريت إن لم يتم تداركها قبل فوات الأوان.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4131 المصادف: 2017-12-26 23:02:01