 تقارير وتحقيقات

أصوات سورية تضيء المشاعل، وتحنّي عَتبات البيوت

عدنان حسين احمداحتضن غاليري  P21 بلندن فعّالية ثقافية وفنيّة منوّعة نظّمتها منصة "أصوات سورية" في المملكة المتحدة، وقد اشتملت الفعّالية على معرض شخصي للفنانة الكاليغرافية لمى أندورة، ومعرض آخر للفنان طارق طعمة، إضافة إلى لوحة غرافيتية واحدة للنحّات والغرافيتي ابراهيم فخري. كما تضمن النشاط قراءة شعرية للشاعر بشار  فرحات، ثم أعقبها الحفل الغنائي الذي أحياه الفنان عمران زين بمصاحبة عازف العود باسل صالح، وعازف الرقّ وليد زيدو.

اشتركت الكاليغرافية لمى أندورة بـ 11 لوحة و 5 جزادين مصنوعة يدويًا. وقد غطّت هذه الأعمال الفنية الستة عشر صالة بكاملها. ما يلفت الانتباه في هذه الأعمال الفنية كلها أنها منفّذة بالخط الكوفي. وكما هو معروف فإنّ الخط الكوفي الذي ظهر إلى الوجود في أواخر القرن السابع الميلادي هو "صيغة معدّلة عن الحروف النبطية"، وقد استُعمل أول الأمر في كتابة المصحف الشريف قبل أن يجد طريقة إلى جدران المساجد وقببها ومناراتها، ثم توسّع لاحقًا ليشمل القصور والعمارة الإسلامية، ويحتل مساحة كبيرة من الأثاث المنزلي، بل وصل الأمر في بعض الدول أن تحتفي بهذا الخط لتتوّج به عَلَم الدولة كما هو الحال في العراق وإيران.

الخط العربي فيه صنعة ومهارة وإتقان لكنه ينطوي في الوقت ذاته على تنسيق وتكامل وإبداع وربما تذهب الفنانة لمى أندورة أبعد من ذلك حينما تنتقي الكلمة أو العِبارة، وحينما تختار صدر البيت الشعري أو عجزه لكي  يتماهى المضمون في الشكل الكاليغرافي الفنيّ فيرز التنميق في أقصى تجلياته الإخراجية خاصة إذا كان الحرف الكوفي لينًا ومطواعًا لا يتسلل إليه التقعّر واليباس. انتقت لمى أبياتًا شعرية لشعراء بارزين أمثال المتنبي، والحلاج، وابن الخِيَمي، ومحمود درويش، وأدونيس، كما وقع اختيارها على بضعة أبيات وصور شعرية لزوجها بشّار فرحات، وهو شاعر مجوِّد، جميل العبارة، تحتشد صوره الشعرية بالشجن رغم حداثة تجربته الشعرية، وفي السياق ذاته فقد انتقت الفنانة بضعة كلمات مهمة مثل "الحريّة" و "الأمان" و "الكرامة" و "السلام" وصنعت منها أعمالاً فنيّة قائمة بذاتها. من قصيدة المتنبي المعنونة " كفى بك داء أن  ترى  الموت  شافيا" اختارت لمى عجز البيت الذي يقول فيه الشاعر "وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا" وصنعت منه مشهدية بصرية مريحة للناظر وقد أضاف إليها التنقيط والتشكيل إيقاعات جديدة أخرجتها من الرتابة الهندسية الصارمة. بينما تأخذنا الفنانة إلى عالم الحلاج من خلال صدر البيت الذي يقول فيه: "أكادُ من فرط الجمـــــــــال أذوبُ" ولعل هذا الجمال يتقمّص لونين فقط يتناغمان مع الإقرار سلفًا بهيمنة الأصفر على الرمّاني مع بضعة نقاط تكاد تذوب هي الأخرى بين هندسة الحروف المتناسقة المتماثلة.

ما أحلى الصورة التي يبتدعها أدونيس حين يقول:"رَسَمَتْ وجهَك أزهارُ الطريق" وهي صورة شعرية باذخة تنمّ عن عبقرية واضحة بعيدًا عن التزويق اللغوي، والبهرجة الكلامية التي لا تقول شيئًا. تنسب لمى هذا البيت إلى ابن الخِيَمي الذي يقول في صدره:"ضاع في آثارهم قلبي فلا /  معهم قلبي ولا قلبي معي" وتزيّنه بنقاط مدروسة جدًا يروّضها الشكل المستطيل برصانته الهندسية التي تتفادى الحركات الإعرابية التي قد تُربك البصر والباصرة. وبالمقابل فكأنّ بعض الصور الشعرية يحتاج إلى التشكيل ولا يستقيم من دونها ومنها صور الشاعر الراحل محمود درويش الذي يختصر اشتياقه إلى الأم حين يقول:"أَحِنُّ إلى خبزِ أميّ" وقد جسّدت لمى هذا الحنين بالهمزة التي تقطع الأنفاس، والتواء الواو، ووجع الشَدّة. أما صور الشاعر بشّار فهي الأكثر قربًا للفنانة لما تتوفر عليه من شجنٍ، ومصداقية، وحنين أبدي يلخّصه بجملة واحدة تقول كل شيء: "لا مينا سيُدركني سواكِ".

تُشكِّل الحقائب اليدوية أو "الجزادين" لوحات فنية متنقلة حقًا حين تحملها النساء في زحمة النهارات وفي الأماسي المبهجة وربما تكون حقيبة "بقلبي دمشق" هي الأكثر شجنًا من الحقائب الأخرى لأنها تشدّ الأبصار إليها، ولعلها تتجاوز حاجز اللغة فيفهما الغريب قبل النسيب.

للموروث الشعبي السوري حصته أيضًا في الخط والشعر والغناء إذ أبدعت لمى في خطّ هذه القصيدة التي يقول مطلعها: "يا نجمة الصبح فوق الشام علّيتِ / الأجواد أخذتي، والأنذال خليتِ" فالأجواد هم خيرة شباب البلد الذين التهمتهم حروب الدكتاتور، ووحشيته الجلادين، وأشداق البحار النهمة، فيما يتنعّم الأنذال بثروات البلد، وخيرات الشعب السوري الذي تناثر في المنافي القريبة والبعيدة بحثًا عن الحرية، والأمن، والعيش الكريم، لكن الفنانة والشاعر والمغني يتآزرون جميعًا، ويصدحون بصوت واحد:"نذراً عليّ إن عادوا أحبابي لبيتي / لضوّي المشاعل وحَنِّي العِتاب" ولا شكّ في أنّ هذين الحدثين، إضاءة المَشاعل، وتحنية عَتَبات المنازل، يبعثان على الأمل الكبير الذي يُعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.

في القاعة ذاتها ثمة لوحة غرافيتية تحمل عنوان "الرحيل" استوحاها الفنان ابراهيم فخري من التهجير القسري الذي قام به نظام الأسد القمعي في مدينة حلب في ديسمبر 2016، واستمر بارتكاب هذه الجرائم الوحشية على مدى ثماني سنوات لاحقة جرّدت الأطفال الصغار من طفولتهم حيث وجدوا أنفسهم وحيدين في متاهة الحياة التي دفعتهم إلى دوّامة التبعثر والشَتات. أما الفنان التشكيلي الثالث والأخير فهو طارق طعمة الذي اشترك بخمس لوحات تشخيصية طعّمها الفنان بلمسات رمزية، فيما أخذت اللوحة السادسة وهي الأكبر حجمًا طابعًا تعبيريًا، وقد خلت اللوحات الست من العناوين الأمر الذي أعاق عملية التلقي أو أربكها في أقل تقدير، فالاسم أو العنوان هو العتبة التي نلج من خلالها إلى النص البصري، ونستمتع بالعناصر المُؤسسة للسطح التصويري.

يعِد الشاعر المبدع بشار فرحات بالكثير إن هو استمر على زخمه الأدبي، وغذّى تجربته الشعرية بالمُعطيات المطلوبة التي تعتمد على التأمل، والقراءة النوعية، وتعميق التجربة الحياتية. لقد لامست كل القصائد التي قرأها وترًا حساسًا ومرهفًا لدى المتلقين لكن قصيدة "رسائل بعد فوات الأوان" كانت الأكثر وقعًا على غالبية الحضور لذلك سنقتبس منها الأبيات الآتية:

"لم يحارب أبي

حين مرّ الجنود على الحلمِ،

خبَّأَنا بين كفّيهِ،

أخفضَ صوتَ الرصاص، وسقف السؤالِ،

وشذّبَ آمالنا

قال: دوماً تأنّوا،

احذروا شوك أحلامكم، واعبروا الليل، برداً سلاماً...

لم يحارب أبي

حين عاد الرواة من الحرب،

عايَنَ كلّ جروح الكلامِ،

تفقّد من غاب في السجن من مفردات

وشيّع بعض القصائد (مرميّةً يالرصاص) بصمت

وعلّمنا ما يصحّ وما لا يصحّ،

بـ" فقه الطغاة" و "نَحوِ السجون"

أُختتمت الفعالية بحفل غنائي أحيّاه الفنان عمران زين وتألق في أداء العديد من الأغاني السورية التي تفاعل معها الجمهور الذي غّصت به القاعة الأمر الذي دفعه لإعادة بعض المقاطع الجميلة والمؤثرة. كما نال العازفان المحترفان باسل صالح ووليد زيدو إعجاب الحضور لمهارتهم الفنية الواضحة التي لا تُخطئها الأذن الطربية المموسقة.

 

عدنان حسين أحمد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4576 المصادف: 2019-03-17 14:40:31