 تقارير وتحقيقات

المتحف الوطني – دمشق

زينب ساطع عباسسوريا /صيف / 2019

المتحف في كل بلدان العالم ..

تلاحق أزمان .. وتلاقح عصرين ..

قطعة من نفح الماضي.. وضوع التجارب السحيقة ..

استحضار اجواء لقرون انصرمت ..

اختراق جدار عبر الزمن ..

قطعٌ كانت شواهد لما سبق وتجهد بصمتها البليغ الآن لتحكي ما عاصرت ونقل صورة من الأزل ..

أكثر الحملات التي تذهب للسيدة زينب (ع) حملات اما تقوم لغرض الزيارة او العلاج، لذا تبقى الاماكن السياحية في سوريا تشكو عدم التفقد من قبل المسافرين العراقيين، وكسرا لنمطية تلك الحملات ركبت من السيدة للشام حتى وصلنا المتحف الذي يقع قبالة اكبر فندق في سوريا واسمه (لكل المواسم) حتى اني حسبته اول الامر مبنى حكوميا بسبب علوه وتصميمه ولونه الابيض المطعم بالفخامة .. وعلى الجهة الاخرى من المتحف تصافحت العينان مع جبل طالما سمعت عنه انه احد الاماكن الالمعية للسياحة سابقا اما الان فقد حلت الاطلال وغدا السفح مأتما طويل الامد ..كان الجبل اسمه (قاسيون) وكم قساة اولئك الذين سلبوا الجمال منه ومن سوريا بشكل عام ..

دخلنا المتحف بعد دفع 2000 ليرة سورية بما يعادل اربعة الاف عراقي، لتستقبلنا حديقة متسقة الورود والزروع والاشجار العالية التي بددت حرارة الظهيرة .. تلك الحرارة التي لا تتجاوز 38 في سوريا في قمة ارتفاعها، وبالرغم من اني قد زرت متاحف بالعشرات لكن وهذه اول مرة ارى الاثار في الحديقة وان كانت آثارا ثقيلة وبحجم الانسان واكبر، دخلنا المتحف فوجدت في اجنحة الاستقبال صورا كثيرة باد من هيأتها والوانها انها ليست لسوريا لأني لم اقرا تلك البنايات العملاقة في كل الرحلات التي كانت عن سوريا، وبالتدقيق فيها عرفت ان هناك مبادرة من دولة جيكوسلفاكيا لعرض معالمهم في الرواق المستقبل للزائرين إثر اتفاقية بينها وبين سوريا، فمررت الصور سريعا لأنها بدت لي بالرغم من جمالها صورا مكررة قد استحضرتها ذاكرتي بيسر .

خرجت من هذا المدخل لأدخل جناحا آخر كان يعرض تماثيله ولوحاته تحت اضاءة جميلة وشرح واف مع وجود حرس ولافتة كل بضعة امتار تأمر بعدم التصوير .. تلك العبارة التي امقتها .. يعني كيف لا اصور .. انا اتيت لأصور اساسا وما التأمل الحاصل في المتحف الا وقتي انما الحقيقي هو مع استرجاع الصور واستذكارها .. كانت الصور الضخمة المعروضة حين تقترب منها تعرف انها ليست مرسومة ولا حتى بأصباغ بل هي كما اخبرنا الدليل انهم كان يختارون احجارا ملونة يقومون بتقطيعها صغارا ثم رصفها بالشكل الذي يريدونه، كنت اتنقل وقلبي في خصام شديد معي لأني لم التقط الصور حتى رضخت له أخيرا وما ان وجدت زاوية بعيدة عن اعين الحرس متجاهلة عيون عدسات المراقبة واذا بجهازي لا يستقبل ايعازات التصوير ليخبرني انه ممتلئ ويجب الحذف .. فمرت ببالي خاطرة ان يكون هذا الامر عقابا لي لأني لم التزم بالقوانين .. طلبت من احمد ان يقوم بالتصوير فرفض قطعا وقال مفتعلا الغضب:

- تريدين تسوين مشكلة هنا .. وتصير أزمة بين البلدين ويسووك داتراقبين آثارهم ..

فتظاهرت اني اقتنعت لأنه لا سبيل لتغيير رأيه بكل حال فقلت له سأنزل للطابق التحتي .

 

وحين نزلت وجدته اصغر من الطابق المتوسط والعلوي .. وكان عبارة عن متحف للرومان فيما يختص بالمدفن الروماني، اخبرني المرشد ان المدفن الذي لقوه تم نقله للمتحف بمدة عشر سنوات حرصا على الاثار من التهشم والتكسر وانهم بالرغم من انها اثار حجرية يرفضون ان تُلمس بل الاغرب من ذلك ان بعض الاثار كانوا قد اخفوها في البرادات لان الجو العام حار وقد لا تتحمل الحرارة.

هو يتحدث عن حرارة (لا تتعدى العظمى فيها 38) .. في حين ان آثارنا متروكة للأسف الشديد بالرغم من درجة الحرارة المضاعفة في العراق ! ..

وكان مما اخبرنا الدليل كذلك ان المدفن قسم لثلاثة اقسام الاول للملك وعائلته والثاني لحاشيته واقاربه والثالث لرجال الدولة ووجهائها، يُدفن الشخص ومعه اموال وكنوز ويعملون له تمثالا لقبره .. فسألته والناس الاعتيادية اقصد بقية الشعب اين قبورهم ؟؟

- يا ست الشعب مغيب وهو بالحياة فكيف تريدين ان تجدي مدفنا لهم .. وهذا شأنهم من بدء الخليقة ..

كان جوابه سلبيا جدا وسبب لي الحنق لحال الانسانية حين تضبب عن عيون الدولة .. ثم تذكرت اني هنا لأتعلم وارى شيئا جميلا .. لا لكي اكتئب واتألم .. ثم ان ما يخلد الانسان عمله وحسن اخلاقه لا غير .. والقرآن زخر بالعمل الصالح فهو عشبة الخلود لمن يحسب ان الخلود بمال او منصب او جاه .. لذا لن يكون شكل القبر مهما ً بكل حال .

وفيما يبدو ان الدليل فرح لاهتمامي و اسئلتي التي (بوقتها) كانت كثيرة لذا قال لي سأسمح لك بالتصوير لكن رجاءً انتظري لحين اخرج وصوري براحتك .

فكانت موافقته شيئا لم احسب له وقتها نظرت لأحمد نظرة انتصار .. وهمست له اخبرتك ان الله تعالى دوما يحقق امنياتي فابتسم وقال : الله حقق امنياتك عن طريقي لأني من طلبت منه ان يسمح لك بالتصوير والا ما ادراه هو الغريب برغبتك .

قمت من فوري بحذف الصور الزائدة ورحت التقط بسرعة وبخفة يد لا اعرف من اين اتيت بها ؛ ربما لخوفي ان يتراجع المرشد او لخوفي عليه ان اتسبب له بالمشاكل لا ادري المهم ان الامر جرى بنجاح والدليل الصور التي انزلتها لتقرب لكم الحدث كما رأيته لا كما شعرته فالشعور امر معقد يصعب نقله للآخرين مهما رصفت للقارئ الكلمات والجمل الجميلة تبقى المشاعر قرينة الشاعر، والمتحف خير مكان لينسى الانسان صخب اليوم المعيش وضوضاءه اللعينة ويتنقل في اروقته الهادئة .. آه هو الهدوء ضالتي اذ اني انتمي لكل شيء هادئ وشفيف وربما صامت .. لكن هناك جلبة ما في المتحف كانت ترتفع وتختفي بين حين وآخر حتى عرفت سببها كانت احدى حملات المدراس الابتدائية وهم يتجولون بتلاميذهم لرؤية تاريخهم واستشعار حضارتهم ..

خالطتني رغبات كثيرة بضرورة اطلاع طلابي وان كانوا اكبر عمرا على ثقافة المتاحف .. المتاحف بعراقنا الجميل امرٌ ملغي من المناهج الدراسية بالرغم من ان بغدادنا وسماوتنا بل جميع محافظاتنا مكتنزة بالآثار داخل المتاحف وخارجها .. لكنها نعمة حرمت منها المدارس العراقية شأنها شان ثقافة المكتبات وثقافة الرسم وغيرها .. ثم انا عن اي ثقافة اتكلم واحلم .. والاولى ان توفر للمدارس مستلزمات الصفوف الهانئة لا ان يعج الصف بستين طالبا ثم يطلب منه ان يحب التعليم ويبحث عن نشاطات أخرى ..

***

خرجنا من المتحف بعد ثلاث ساعات كانت كافية للأروقة المفتوحة حالياً، في حين اخبرنا مرشد آخر ان هناك مئات الآثار في طور الترميم فهم يعالجون الكسور التي طالتها بسبب الحرب وداعش، خرجت ومشاعر النقمة على الحرب تتصاعد بدمائي .. كم لعينة الحروب فهي تسلب شباب الشعب وترديه جثة غير هامدة .. تسحب بكل برود موارد البلاد وزينته وتعطيه الدمار بكرم .. راسمة حدود الخراب بشكل لاحد له ..

ومع ذلك ليس بوسع السائح الا ان يرفع قبعة الاحترام بل الاكبار لهذا الشعب الذي يعالج جروحه بنفسه، ومن يزر المتحف يرَ كيف انه (وفي زوايا كثيرة منه) تم استحداثها والجدة الواضحة تحت إنارات المتحف الذكية ما بين ابيض واصفر، وغرف معتمة الا من اضواء مسلطة على الشيء الأثري، والنظافة المقرونة بالأناقة في التصميم بالرغم من خروجهم من الحرب حديثا .. فعلا هم يستحقون الإكبار .. اكتب لكم عنهم وانا اشعر باني اغبطهم جدا.. واشعر كذلك بان قلبي المشبوب بحب بلدي يوجعني والسبب انه وعلى بعد كيلومترات مني تقع مدينة كاملة تحت الرمال من غير اي اهتمام يذكر ..

 

د . زينب ساطع

........................

المتحف الوطني السوري .. شكرا لأنك تمثل استنهاض بلد جريح لايزال يبتسم بالرغم من خسائره ..

مدينة الوركاء الاثرية في سماوتنا الحبيبة تقبلي اسفي لأنك لست في سوريا 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

أدب الرحلات أحد أقدم الأجناس الأدبية ، وقد عرفه العرب قبل قرون وقرون ، وعرفه غير العرب ، فمنه أدب لرحلات مُتخيّلة كرحلات السندباد البحري ، ومنه أدب رحلات حدثت فعلا كرحلات ابن بطوطة . وقد شهد أدب الرحلات انحسارا في القرون الأخيرة رغم كونه أحد أقدم الأجناس الأدبية في تراثنا العربي ، غير أن السنين الأخيرة شهدت عودته عراقيا ، من خلال رحلات قام بها أدباء ، نقلوا من خلالها مشاهداتهم ، أمثال الأديب الراحل محمد القيسي وغيره ، والأديبين باسم فرات وبدل رفو ، والأديبة د . زينب ساطع التي استطاعت تجسيد رحلاتها في كتابات آختْ فيها بين السرد والجغرافيا بأسلوب حافظ على الحقيقة الموضوعية لما شاهدت ، وفي نفس الوقت أدخلت فيه المونولوج الداخلي لإمتاع القارئ
مستفيدة من تجربتها الإبداعية كقاصة مبدعة .
أحيي سيدتي الإبنة / الأخت الأديبة المبدعة والباحثة الأكاديمية د . زينب ساطع .

يحيى السماوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4999 المصادف: 2020-05-13 03:24:08