 أوركسترا

علاقة البنت بأُمِها مسلسل من الصراعات..

تعتبر علاقة الأم بابنتها من أقوي العلاقات الطبيعية لدي الإنسان وأمتنها علي الإطلاق، فالفتاة لا تستغني عن دور الأم في حياتها، حتي بعد أن تصبح هي نفسها أمًا وحتي في مرحلة الزواج تصبح الأم مستشارًا لا بديل عنه وملاذًا آمنًا تلجأ إليه المرأة الابنة في حين يقول الخبراء رأيا مغايرًا فهم يرون علاقة الأم بابنتها تمثل مسلسلاً من الصراع والمماحكات الممتدة منذ بواكير تفتح الفتاة علي الحياة، إذ يكون للأم في الأصل دوران، أحدهما يمثل الحب والحنان، والآخر يمثل الهيمنة والسيطرة وبقدر ما تقاوم الفتاة سيطرة الأم من أجل الحصول علي الاستقلالية، فإنها أيضًا في حاجة ماسة إلي الحب الكبير من جانب الأم. ويزداد التأزم كلما كانت العلاقة بين الأم وابنتها أقوي، وكثيرا ما تسول نفس الفتاة لها بأن الزواج هو نوع من الخلاص من هيمنة الأم، لتكتشف سريعا أنها لا تستطيع العيش بعيدا عن أمها، ولكن استقلال البنت في بيتها الزوجي لا يكفي لمنع الصدام مع الأم، وبالأخص حين تكثر اللقاءات بينهما. وبعد مدة من الزمن تتخذ العلاقة شيئا من الاستقرار النسبي، إذ ترسم الفتاة درجة التقارب أو التباعد مع أمها وفق المعادلة التالية: استقلال أكثر يساوي اتصالا أقل، وبالتالي حماية عاطفية أقل، وعلي العكس فإن تواصلا زائدا علي الحد يعني "حكماً ذاتياً منقوصا".

 

ويري خبراء في علم الاجتماع إن الفتاة تهرب أحيانا من فرط الحب الذي تبديه أمها تجاهها، ولكنها ما إن تبتعد لبعض الوقت حتي تعود تحت التأثير القوي للصراع الدائر في داخلها، وفي مرحلة ما تتوصل المرأة الابنة، إلي قناعة راسخة بأن حب الأم بالنسبة لها حاجة سيكيولوجية ماسة، لا تقلل عن حاجتها لذلك الحب عندما كانت طفلة. وربما تتأخر تلك القناعة نتيجة مقاومة المرأة لمبدأ الاحتياج للحنان، لكن العلماء يقولون إنه بقدر ما تكبح المرأة حاجتها للتواصل مع أمها، فإن جانب الاحتياج في نفسها يلح عليها بصوت أكثر دويا لكي تعود إلي استقاء الحنان من الأم. وتكمن المشكلة في كيفية فرض حالة من التعايش في داخل المرأة بين رغبتها في أن تكون لها شخصيتها الخاصة في هذا العالم، وبين حاجتها الماسة لأخذ النصح والإرشاد من أمها التي تمثل بالنسبة لها سلطة، وإن كانت سلطة حنونة.

 

ومن روعة العلاقات الإنسانية عموما أنها خاضعة للتقدم والانسحاب، وللتقارب والتباعد ومن الطبيعي أن الناس الذين نحبهم ويحبوننا بشدة هم الذين يدفعون بنا أكثر إلي حافة الجنون، من كثرة الاستفزاز والحنق والفتاة التي تتشاجر مع أمها وتملأ الدنيا صراخا ونواحا، لا تعود للتراضي إلا لأنها علي قناعة راسخة بأن الحب الصادق كان هناك ولم يغادر القلوب حتي في أشد اللحظات احتداما. وفي أحيان كثيرة ينبع السبب الخفي للمشاجرة من إخفاق الأم في حل مشكلة تواجهها ابنتها، سواء أباحت بها أم لا تبح،وربما تنشأ حالة التأزم بين الأم وابنتها من كون الابنة تري في نفسها صورة مستنسخة عن أمها، وبالتالي فإن أي نواقص في شخصية الأم تسبب لها أزمة نفسية، فتكره صورة أمها بقدر ما تكون صورتها الخاصة! وفي هذه الحال تكون المشاجرات من النوع الذي يحتدم دون أن تعرف المرأة سببا له علي الرغم من كونها الطرف الذي أطلق شرارته. ولاشك أن الأم تخوض ذلك الصراع بقدرات أكبر نتيجة خبراتها الطويلة في الحياة، ولمعرفتها بابنتها التي أنجبتها وربتها منذ الصغر، فتلجأ الأم أحيانا إلي كبح عاطفتها والقسوة علي ابنتها وهي تدرك فقرارة نفسها أن الابنة تعاني لكونها في أمس الحاجة للأم مثلما كانت أيام الطفولة، وقد تلجأ الأم لهذا الأسلوب من أجل دفع الابنة إلي مراجعة الذات، وتعديل أسلوب تعاملها مع الأم بما يضمن درجة أكبر من الاحترام. زعل غير حقيقي ولا يمكن اعتبار قسوة الأم إلا امتداداً لدورها كمربية دائما، فهي غير قادرة عملياً علي مقاطعة ابنتها، ومع ذلك تتظاهر بالزعل الشديد والمقاطعة، وهي تدرك تماما مدي مقدرة الابنة علي الصمود بعيدا عنها، وغالبا ما تكسب الرهان الذي خاضته مع نفسها، إذ تعود البنت إلي مظلتها كما كانت تفعل عندما كانت في الثالثة من عمرها!وفيما يأتي بعض نصائح الخبراء لكل امرأة تعيش علاقة مضطربة مع أمها:

- أيا كانت درجة الانسجام و"الصداقة" بينك وبين أمك، فهي بحاجة إلي قدر كبير من الاحترام.

- التداخل والتقارب الشديد أمران مقبولان في صلة الأم بابنتها، ولكن ليس في كل جوانب الحياة، إذ تدعو الحاجة لوجود نوع من الحدود، التي تتيح لكل منهما كياناً مستقلاً.

- عندما تتعرضين للاستفزاز من أمك، فعليك ببساطة أن تعضي شفتيك وتبتعدي عنها، لأن الرد الفوري يعيد أيام المشاجرات القديمة، التي تذكرنا بلاشك بأيام الطفولة وبدايات الشباب.

- تذكري دائما أن المشاجرة الحامية مع والدتك، ستترك في نفسك شعوراً بالخجل والمرارة، وسوف يظل ذلك الشعور ملازما لك حتي تتأكدي من أن أمك قد سامحتك.

- أمك هي أمك، ومن المستحيل أن تتغير، وكل أم في الدنيا تشكل مصدر استفزاز لبناتها في بعض الأحيان، وهذا أمر طبيعي يدل علي تعايش الحب الصادق، مع الصراع النظيف.

- من الظلم أن نتعامل مع الأم باعتبارها فوق الخطأ، فهي كائن بشري يصيب ويخطئ، وهي جديرة بالصفح والتسامح، لأنها ببساطة ليست إنسانا "سوبر" ويكفي أنها كتلة من الحب وينبوع من الحنان الذي لا ينضب، تمد به ابنتها في أي وقت تتعطش فيه لتناوله.

 

المصدر: خاص

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1683 الثلاثاء 01/03 /2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1638 المصادف: 2011-03-01 08:56:48