 أوركسترا

فناء الجاذبية الأرضية .. حُلم بابسون المستحيل..!

13-saraبينما كان العالمُ مأخوذا بالاسلحة الذريةِ والنوويةِ، وتداعياتهما الخطيرة، خاصة بعدَ قصفِ مدينتي هيروشيما وكنزاكي بالقنابل الذرية، لفت انتباه روجر بابسون منحى آخر مختلف تماما، ألا وهوَ، الجاذبيةُ الأرضية..!

فبعدَ غرقِ شقيقتهِ في نهرِ انسكوام بغلوستر في ولايةِ ماساتشوستس بأميركا وحفيدهِ في وقتٍ لاحقٍ، واصفاً المياهَ التي أخذتهما الى أعماقها بـ" كأنها وحشٌ كاسر"، أخذَ بالتفكيرِ في إيجادِ حلٍ (عازل) ولوجزئي لإنقاذِ أرواح الملايين ومنعِ أمثال تلكَ الحوادث، معتبراً الجاذبيةَ الأرضيةَ (العدوةَ رقم واحد)..!

فقد بدأ عام 1949 وبعد 55 سنة على غرق شقيقتهِ ، بتأسيس مؤسسة تعنى بأبحاث الجاذبية الأرضية، وأخذَ بتوزيع الجوائز النقدية على أصحاب الأفكار الجادةِ والجديدة معولاً بذلكَ على ثروتهِ الكبيرة، إلا أن جميعَ تلكَ الأبحاث والمساعي لإيجادِ حلٍ للغزِ الجاذبيةِ انتهت بالفشل الذريع..!

واليوم، لم تعد تلكَ المؤسسةُ، التي لاتزالُ قائمةً، تأملُ التغلبَ على الجاذبية فقد تم فهمُ مبدأ الجاذبيةِ على أنهُ أحد أهم أركان الزمن الفضائي، وأمرٌ لافكاكَ منهُ لاستمرار الحياةِ على كوكب الأرض.. وعلى مرِ السنين، شملت الجوائزُ أسماءً لامعةً سعت لصقلِ نظريةِ الجاذبيةِ وفهمها من أمثال: ستيفن هوكنغ، فريمان دايسون، روجر بنروز، ومارتن ريس.

 

نظريــةُ الطبيعة:

13-sara2ما من شخصٍ سبقَ أن وصف الجاذبيةَ الأرضيةَ بأناقةٍ وكلماتٍ منمقة كما فعل آينشتاين عبرَ نظريتهِ النسبية العامة قائلاً: " أن كتلةً مثل الشمس تجعلُ الكون ينثني جاعلاً الكُتلَ الأصغر تتجهُ اليها"..!

إلا أن القوى الثلاث الأُخرى قد تم تفسيرها ووصفها بأسلوب مختلف تماماً عن طريق ميكانيكا الكم .. ففي هذا النظام، يجري نقل القوى عبر الأجزاء، والفوتونات (وحدات الكم الضوئي) التي هي أفضل مثال مألوف، هي الحاملة للضوء. وبالنسبة إلى الكثير من العلماء، فإن الجائزة النهائية هي إثبات أن الجاذبية يجري حملها عن طريق الـ«غرافيتون» graviton (الاسم كما نرى مأخوذ من كلمة الجاذبية gravity)، مما يجعلها تتناغم بدقة مع بقية هذه الآليات.

وقد بقيَ ذلكَ الأمرُ مشكلةً لاتقهرُ ومعضلةٌ لعلم الفيزياء ولغزاً لاحلَ لهُ كما كانَ حلم بابسون من قبل..إلا أن قرناً من التجارب قد جاءَ لعلمِ الفيزياء بأفضلِ نظرياته ألا وهيَ (نظريةُ الأوتار الفائقة المتسقة superstring theory ) والتي تعتمدُ على وجود أبعاد اخرى توحي بأن كوننا ماهوَ ألا جزء من أكوان كثيرة كُل منها غير معروف للآخر.

إنَ الأمرَ الأكيد اليوم بأن الإنسان برغم كل مساعيهِ وإنجازاته قد وصلَ الى نهايةٍ مسدودةٍ في ما يخصُ هذا الشأن، ولكن طموح النفس البشرية تدفعها الى الاستمرار والمضي قدماً. فقد حصلَ كُلاً من لورانس كراوس وفرانك ويلزك على الجائزة الكُبرى لهذا العام والبالغ قيمتها 4000 دولار. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن فرانك ويلزك قد سبق له وتشارك في جائزة نوبل عام 2004 لدوره في تطوير القوة النووية الكبيرة التي تمسك بالكواركات معا لتشكل قلوب النوويات.

هنالكَ أيضاً لغزٌ غامضٌ آخرَ حيَّرَ العلماءَ كذلك، وهوَ سبب كون قوة الجاذبية اضعف بكثير من القوة الكهرومغناطيسية. فلو قمنا على سبيل المثال بالامساكِ بمشبكٍ معدني ووضعناه تحتَ قطعةِ مغناطيس لرأينا إنهُ يحلق الى القطعة المغناطيسية بعيداً عن جاذبية الأرض. ومن هنا، يعتقد الفيزيائيان ليزا راندال ورامان ساندروم، أن قوى الجاذبية تضعف وتتبدد، لأنها ترشح إلى الكون الموازي أو المحاذي.

13-sara3هذا ويذكرُ بيدرو فيرارا في كتابه الجديد بعنوان (النظرية المثالية) حول النسبية العامة، أن برايس دي وت، أحد المنظرين الشباب الذين ساهموا في تحرير بابسون من حلمه في القضاء على أحد أهم قوى الطبيعة الهائلة، قد أرغمتهُ حاجتهُ الى تسديد أقساط منزلهِ عام 1953 الى المشاركة في مسابقة بامبسون الخاصة بابحاث الجاذبية عن طريق تقرير يظهر أن أي محاولة لاستنباط نظام يقاوم الجاذبية الارضية هوَ مضيعة للوقت والجهد..!!

ولتصبح مؤسسةُ بانسون المختصة بأبحاث الجاذبية أكثر مصداقيةٍ فازَ دي وت بالجائزة الكبرى ليُصبحَ بعد ذلكَ واحداً من أهم المنظرين في النسبية العامة.

كانَ حُلم روجر بابسون في القضاء على هذهِ القوة الكونية الهائلة مهب الريح، رغمَ إنهُ قد أفنى حياتهُ في سبيلِ تحقيقهِ، فقد قضى نحبهُ عام 1962 بعد 100 رحلة سياحية بارزة على أهم جامعات العالم في حادث طائرةٍ بباريس بعد أن قدم هبةً بقيمةِ 5000 دولار لجامعة ايموري بأميركا مرفقةً بنصب مرمري لتذكير الطلاب بكل البركات والحياة الهانئة القادمة بعد القضاء على ماأسماها بمشكلة الجاذبية..!

أصبح روجر بامبسون من أهم أعلام الفيزياء بعد ذلكَ رغم كل مساعيهِ المُفندة لإبطالِ قوى الجاذبية، فقد تم إنشاء نُصب مشابهه لنصبه المرمري في أكثر من عشرة حرم جامعية بما فيها جامعة (تفتس)، حيث يعمد الحاصلون على شهادة الدكتوراه بالفيزياء الكونية اليوم بدخول مراسيم تقتضي الانحناءَ أمامها وإسقاط تفاحة على رؤوسهم إحتفالاً بتخرجهم وحصولهم على الشهادة.. كما وإنهُ صاحبُ المقولةِ الشهيرة التي تحفزُ الطموح والمضي قدماً رغمَ عثرات الفشل: ( تَيَقن بأنَ كُلاً من النجاحِ والفشلِ لاينتهيانِ أبداً

Keep in Mind That Neither Success Nor Failure is ever Final...(

 

ســـارة الدبونــــي

صحيفة المُثقف

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2893 المصادف: 2014-08-07 12:18:21