 أوركسترا

حينَ تصبحُ ساحاتُ الحربِ والمجازر أماكنَ للسياحة والسفر..!

sara falihaldaboniلطالما كانت الوجهاتُ السياحية المترفه والمريحة هي أكثر الاماكن قصداً من قبلِ الالاف والالاف من السياح الباحثين عن المتعه والراحة والاستجمام، ولكن، لم يكن ليخطر في بالِ أحد أن هنالكَ من يسعى الى المتعةِ عوضاً عن ذلك بالتوجه سياحياً الى مناطقَ كانت في مامضى ساحاتِ للحروبِ والمعارك..!

نعم، فهناكَ من يسعى الى خوضِ غمار المخاطرة والتشويق عبرَ زيارةِ تلكَ الاماكن، حتى بات يُطلقُ عليهم (سيّاحَ الحرب).

وتعدُ الأوضاع الشائكةُ في المنطقةِ العربيةِ سبباً وجيهاً يجعلُ منها منطقةَ سياحةٍ حربيةٍ بالدرجةِ الأولى للباحثينَ عن السياحة من هذا النوع، أما بدافع التشويق والمغامرة، أو لغرض الدراسة.. وكمثالٍ على ذلك، حظيت سوريا بالنصيب الأكبر من التغطيةِ والاهتمام خلال السنوات القليلة الماضية بفضل مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت.. حيثُ ساهمت ملايين المواقع الاجتماعية على شبكة الإنترنت وخصوصا «فيسبوك» من ارتفاع عدد السياح الحربيين الى سوريا واستعادة الظاهرة وهجها عند الجيل الجديد من الشباب..

21-sara1

وقد جاء أحد عناوين «ديلي ميل» البريطانية في تشرين الأول من العالم الماضي على الشكل التالي: «بطاقة بريدية من خط المواجهة - سياح الحرب يقفون أمام المدينة السورية المحاصرة من قبل تنظيم داعش، بينما تتعرض للغارات الجوية الأميركية»، وهذا في إشارة إلى الأتراك الذين كانوا يراقبون الحرب التي دارت بين تنظيم «داعش» والقوات الكردية المدعومة من الطيران الحربي الأميركي في مدينة عين العرب (كوباني) المحاذية للحدود مع تركيا. وقد نشرت الصحيفة صورًا للكثير من الناس والأتراك الذين تجمعوا في القرى التركية القريبة للحدود مع سوريا والذين كانوا يلتقطون صورهم أثناء الغارات على المدينة وهم يصطفون لمشاهدة ما يحصل على الأرض عن بعد مستخدمين الكاميرات والهواتف الذكية.

وقد علقت الصحيفةُ على موقف الأتراكِ المصطفينَ لغرضِ تصوير احداثِ الحربِ في تلكَ المنطقةِ بقولها: «إن هؤلاء الرجال الأتراك الذين يرتدون الـ(تي شيرت) الصيفية مهتمين بتوثيق اللحظة على هواتفهم الجوالة وكاميراتهم الرقمية أكثر مما هم مهتمون بالواقع المرير لما يحصل أمامهم هذا الصباح، وكأنهم يشاهدون معرضًا للألعاب النارية، أخذ المشاهدون صورهم لانفجار بعد الآخر كلما أغارت القوات الجوية على مواقع الإرهابيين في المناطق الشرقية والجنوبية الغربية من المدينة». كما وأضافت : «لم يكن هؤلاء الأتراك وحدهم مسحورين بالصراع الدائر في سوريا، إذ جذبت المعركة التي دارت لمد ثلاثة أيام بين الجيش السوري، وجبهة النصرة و(داعش) في منطقة القنيطرة الجنوبية، الكثير من الجماهير المهتمة بمشاهدة الحرب، وذلك في إشارة إلى سكان المستوطنات في هضبة الجولان المحتلة على الجانب الإسرائيلي لمراقبة المعركة والحرب الدائرة هناك. جاء سكان هضبة الجولان إلى الجبال بقمصانهم الصيفية والسراويل القصيرة ونظاراتهم الشمسية لمشاهدة المعارك الدموية الدائرة في مدينة القنيطرة عبر الحدود السورية تحتهم».

21-sara2

هذ وقد تعرضت صحيفة «ديلي بيست» الأميركية بالتفصيل لرحلة ثلاثة طلاب (تايلور سميث، وكرار موسى، وجوي إلينكار) في العشرينات من العمر من شيكاغو في الولايات المتحدة إلى محافظة حلب وأحد معسكرات تدريب الجيش الحر في مدينة الباب بالتحديد بداية عام 2013. حيث خاطر هؤلاء الشباب بحياتهم ليرسلوا صورًا لهم مع الكلاشنيكوف وليتعرفوا على ما كان يثيرهم في الربيع العربي.

أما موقعُ (ذي أتلانتك) الأميركية فقد تصدرتهُ مقالةُ لمستوطني الجولان بعنوان: (صعود السياحة السوداء - عندما تصبح مناطق الحروب وجهات للسفر)، حيثُ علقَ الكولونيل الاسرائيلي على ذلكَ بقولهِ: "يأتي الناس إلى هنا لمشاهدة العرض. وفعلا فقد كانت المجموعات السياحية التي تزور مزارع العنب وأسواق الكرز تتوقف في المناطق المطلة على القنيطرة بحملة بالمناظير والكاميرات الرقمية متلهفة لكل هبة دخان أسود وحتى للمذبحة"، حسب تعبير الموقع..!

كما وقد لفت انتباه المراقبين للسياحةِ الحربيةِ والصحفيين أيضاً موقف السياح الحربيين الاسرائيليين وهم يشاهدونَ ويستمتعونَ بمشاهد ضرب وتدمير ومسح الاراضي الفلسطينيةِ في غزة كما لو كانوا يشاهدونَ أفلاماً من نوع الـ 5D..!! حيث وصف مراسل إحدى الصحف الدنماركية ألين سورينسون على حسابه الخاص على «تويتر» المشهد قائلاً إنها «سينما سيدروت»، إذ كان المستوطنون يهللون للغارات الجوية من فوق كراسيهم البلاستيكية وهم يتناولون الفشار.!!

وفي الوقت الذي اتهمَ فيهِ المراسل الدنيماركي بتلفيق المشهد لاسبابٍ سياسية، كتب الصحافي نيكولاي كراك الذي شهد على ما كان يحص ،بأن التلة التي كان عليها المستوطنون تحولت إلى ما يشبه الصف الأول من المسرح، إذ توفر مشهدًا مباشرًا لغزة المكتظة بالسكان. ولقد جاء الناس بكراسي المخيمات والأرائك إلى أعلى التلة، بينما كان البعض يجلس على أكياس الفشار يدخنون الشيشة ويتحدثون بمرح.

21-sara3

بالتأكيد، لاتعدُ السياحةُ الحربيةُ أو ماتسمى بـ(الساحةِ السوداء) أمراً جديداً، فمن الجديرِ بالذكرِ، أن يعتبر الرسام البحري الهولندي ويليام فان دي فالي إيلدار، هو أول السياح الحربيين في العالم الحديث، إذ استقل قاربًا صغيرًا لمشاهدة معركة حربية بين الأسطول الهولندي والأسطول الإنجليزي عام 1653 وقد تمكن من وضع بعض الرسوم لتلك المعركة التي كانت من معارك كثيرة بين الجانبين للسيطرة على طرق التجارة العالمية، ولو توفرت الكاميرا آنذاك لتمكن إيلدار من التقاط بعض الصور.

كما كان هنري غيز أول وكيل سفر حربي حسب ما تؤكده الموسوعة الحرة، حيث بدأ بترتيب أولى الرحلات السياحية إلى موقع معركة واترلو الشهيرة في منتصف القرن التاسع عشر، وتبعه في ذلك الكثير من الشركات الخاصة برحلات الطلاب إلى الموقع للغايات التعليمية مما ساهم وساعد في انتشار ظاهرة تجارة التحف والهدايا التذكارية، كما ذكرت شركة «توماس كوك» بداية القرن الماضي في أحد إصداراتها.

وفي الوقت الذي كثرت الرحلات السياحية أثناء الحرب الأهلية الأميركية وبشكل خاص من أوروبا وبريطانيا، نشطت شركة «توماس كوك» البريطانية المعروفة أكثر فأكثر بالترويج للسياحة الحربية، في حرب البوير الثانية بين الإنجليز والهولنديين في جنوب أفريقا نهاية القرن التاسع عشر. وكانت الشركة المعروفة وقبل ذلك، ترسل السياح أيضًا إلى منطقة كورنويل الجنوبية الغربية في إنجلترا لمشاهدة عمليات الشنق في منتصف القرن التاسع عشر.

استمرت الحروبُ رموزاً للعشقِ عندَ البعضِ من الناس حتى نهايةِ الحربين العالميتين، حيث تحول من تراث فردي للتشويق والمخاطر إلى تراث ديني للحج وزيارة الأماكن التي شهدت معارك عنيفة أو مجازر أو مقابر جماعية، ومن هنا ارتبطت السياحة الدينية بالسياحة الحربية، كما يحصل الآن مع ظاهرة زيارة معسكرات الهلوكوست النازية التي قتل فيها اليهود بأفران الغاز، للترويج للسلام والتسامح بين الشعوب. ولذلك كان بين الكثير من السياح بعد الحرب الكثير من أبناء الطائفتين الكاثولكية والإنجيلية، وخصوصًا في فلسطين واليونان وإيطاليا، لغايات شخصية ونتيجة علاقات أهلية مع الجنود الذين شاركوا في المعارك، وأحيانًا لغايات فضولية بحتة.

وحتى العراق في ظل الحربِ الراهنةِ ضد تنظيمِ داعش، فقد أصبحَ أيضاً ساحةَ سياحةٍ حربيةٍ للراغبينَ بزيارةِ مواقعِ المجازرِ الارهابيةِ التي ارتكبها التنظيم بحقِ العراقيين بعدَ تطهير المناطقِ من الدواعش، كما هو الحالُ بزيارةِ الكثيرِ من المهتمين لموقعِ مجزرةِ سبايكر التي تشهدُ على قتلِ أكثر من 1700 شاب عراقي في وقتٍ واحد..!

 

سارة فالح الدبوني

اوركسترا - المثقف

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3351 المصادف: 2015-11-08 03:59:50