 أوركسترا

مدينة الاشبونة حضارة وتاريخ عريق / Lisboa

624 لشبونة 2.jpgقلما يتحدث احد عن مدينة الاشبونة الفينيقية العريقة (عاصمة البرتغال) رغم انها تعتبر اقدم مدينة في اوربا وانها ظهرت قبل مدينة روما بعدة قرون . وبعدما حل العرب فيها شيدوها من جديد على غرار الطراز المشرقي وغدت بعد ذلك هي وقرطبة واشبيلية من ارقى المدن الاوربية حضارة وتمدنا .

من تاريخها المجيد

حسب التنقيبات التي اجريت حديثا في وسط المدينة القديمة، وجدوا آثارا تعود الى الفينيقيين وتؤرخ بحوالي 1200 ق م – وقد وجدت هذه الآثار قرب القصبة العربية القديمة . وكان الفينيقيون قد رسوا في مراكبهم في هذا المكان واتخذوه مرفئا لتجارتهم حيث كانت تجري سفنهم شمالا وجنوبا بحثا عن المعادن والملح والخيل الاصيلة التي تعود الى اقوام تسمى لوسيتانوس lusitanos . وقد اطلق الفينيقيون على هذا المكان اسم Allis Ubbo ويعني في لغة الفينيقيين – المكان الآمن – وحسب بعض المؤرخين ان اسم الاشبونة او اشبونة Lisboa متأتي من ذلك الاسم الفينيقي . كما عثر العلماء على آثار قديمة تتحدث عن نهر التاجة Al Tajo وهو اطول نهر في شبه الجزيرة حيث ينبع من وسطها ويمر بعدد كبير من المدن ثم يدخل الاراضي البرتغالية ويصب في المحيط الاطلسي غربا، وفي هذا المصب تقع مدينة الاشبونة، ويذكر ا العلماء ايضا بان اسم Tajo هو من اصل فينيقي، Taghi او Daghi ومعناه –الصيد الوافر – ويبدو ان النهر كان يحوي على ثروة سمكية كبيرة . . ولما حط الاغريق في الاشبونة اطلقوا عليها اسم Olissipona كما سماها الرومان Ulises، ثم شاعت بعد ذلك كلمة اوليسبونا Olissipona، وبقى الاسم يتقلب حسب لفظ لغة الاقوام المختلفة التي حلت في اشبونة لتسهيل لفضها، منطلقة من اسمها الفينيقي الاصلي اليسوبو Allis Ubbo .

624 لشبونة 3.jpg

الاشبونة ايام المسلمين

حل المسلمون في ارض الجزيرة عام 711 م ثم افتتحوا الاشبونة عام 716 م واطلقوا عليها اسم الاشبونة او اشبونة حسب ما ورد في كتاب الروض المعطار للمؤرخ العربي الحميري، وكانت المدينة ايام الدولة الاسلامية صغيرة تابعة الى مدينة باجة Baje ثم اصبحت من اهم المراكز الادارية والسياسية والاقتصادية في الاندلس حيث كانت السفن التجارية تردها من البلدان العربية وشمال اوربا وهي تحمل انواع البضائع والمنتجات الزراعية والصناعية، وقد بلغ عدد سكانها ايام المسلمين 100الف نسمة، بينما مدن باريس ولندن كان يتراوح عدد سكانها ما بين 5 و10 آلاف نسمة . وكانت اللغة العربية هي السائدة ثم تأتي من بعدها لغة شعبية يطلق عليها اسم الرومانثي romance وهي خليط من مفردات عربية واخرى لاتينية مثلا نأخذ كلمة – مجريط (مدريد حاليا) – حيث تتكون من مقطعين الاول – مجرى - وهو عربي والثاني- يط - وهو لاتيني وبالتالي فانها تعني المدينة التي تكثر فيها المجاري . وهذه المعلومة وردت في كتاب – مدريد العربية – للدكتور المصري محمود علي مكي . اما النصارى في هذه المدينة فقد بقوا على تقاليدهم ومعتقداتهم الدينية وكان يطلق عليهم اسم المستعربين muzárabe وقد اندمجوا مع العرب وتعلموا لغتهم ومنهم من درس في المدارس العربية مختلف العلوم .. واما اليهود فكانوا اقلية منذ زمن الفينيقيين ولكنهم اصحاب تجارة وبنوك حيث كانو يتاجرون بالنباتات الطبية والفاكهة الجافة والعسل والجلود وغيرها وشكلوا قطاعا تجاريا مهما في المدينة .. وفي ايام الطوائف كانت الاشبونة تابعة الى امارة اشبيلية ثم الى امارة بطليوس في زمن حاكمها ابن الافطس ثم اصبحت تحت حكم المرابطين ..

624 لشبونة 1

الآثار الباقية

عندما حل المسلون في المدينة شيدوا حصنا او قصبة على قمة الجبل الذي يشرف على المدينة القديمة ويسمى اليوم حصن القديس سان جورج وفي اسفلها شيدت الاحياء العربية والتي اخذت طراز المدن الاندلسية، وكانت المدينة مقسمة الى قسمين الاول يسمى الفاما Alfama والثاني يسمى Al Madam هذا الاحياء العربية ممكن معرفتها اليوم من خلال مواصفاتها التي تشبه طراز عمارة المدن الاندلسية القديمة مثل قرطبة واشبيلية، كالمشربيات والازقة الضيقة والدروب المغلقة والعقود والزخارف ورشاقة الاعمدة المزدوجة والقصور الفاخرة التي تشبه بلاطات الاندلس وغير ذلك، واليوم نجد بقايا آثار القصبة قائما من الاسوار والابراج والعقود وحتى مدخلها الرئسي الذي يمثل عقدا كبيرا .. كما لازالت هناك بعض الاطلال التي تحيط بالقصبة وهي مبعثرة ومتربة . اما الكاتدرائية فتقع على مقربة من الحصن العربي وقد شيدت على المسجد الجامع عندما فتحها الملك الفنسو الاول انريكي . ويوجد بين الكنيسة (المسجد) والقصبة ممرا سريا يستخدمه الحاكم عند حضور الصلاة في المسجد لازال موجودا. كما يوجد اليوم في متحف المدينة بعض الآثار الاندلسية مثل مجموعة من النقود الاندلسية وقطع من الخزفيات، وايضا توجد في المتحف آثار رومانية واغريقية .

وفي عام 1139 انفصلت البرتغال عن اسبانية وكونت لها مملكة مستقلة وعقدوا اتفاق سلام مع ملوك قشتالة وكان اول ملوكها هو الفنسو الاول انريكي، بعد ذلك برزت البرتغال كدولة عظمى لها جيوش قوية ضاربة . استطاعت من التوسع خارج حدودها فاحتلت بعض الدول في افريقيا وآسيا والبرازيل وغيرها ..

و قد تعرضت الاشبونة ايام المسلمين الى حملات متتالية لا تتوقف من قبل النصارى ومن قبائل البيكنكوس والفرق الصليبية القادمة من النورماند والانكليز وفي كل مرة كانت تحرق وتسلب المدينة ثم يسترجعها المسلمون بقوة وبسالة ... وفي عام 1147 توجهت 164 سفينة تحمل فرق صليبية قادمة من شمال اوربا ثم توجهت جيوش برتغالية ومن غاليثيا فحاصروا المدينة فترة طويلة ثم فتحوها بالحديد والنار...

تعرضت مدينة الاشبونة بعد طرد المسلمين منها الى كوارث مرعبة حيث حدثت فيها زلازل مدمرة، ففي سنة 1290 حدث زلزال لاول مرة يصيب المدينة على اثره مات آلاف الناس وهدمت اكثرية عماراتها وخربت مزارعها، ثم حدثت زلازل اخرى في اعوام 1321 و1334 و1337 وكان اكثرها تدميرا هو ما حدث عام 1344 حيث دمرت الصروح القديمة والمنازل وراح على اثرها آلاف الناس تحت الانقاض، ثم حدثت زلازل اخرى في اعوام 1356 و1366 و1396 و1404، وكانت هذه الكوارثر زرعت في الناس الذعر والخوف والاحباط واليأس من الاستقرار فيها حيث لم تعطي اي فرصة لاعمارها وبنائها من جديد .. ومن الكوارث الاخرى هو الطاعون الاسود الذي اصاب المدينة وقضى على نصف سكانها عام 1348 ..

الحاضر الجميل

اليوم الاشبونة مدينة عصرية ومن المدن الاوربية البارزة والجميلة وتتمتع بتاريخ عريق وحاضر مجيد، يفدها آلاف السواح من كل حدب وصوب .. وفي عام 1974 تحولت البرتغال الى نظام ديمقراطية دستوري حيث حدثت فيها انتخابات برلمانية وانتخبت حكومة جديدة وصوت على دستور جديد للبلاد وتحولت الى نظام جمهوري . واليوم المجتمع البرتغالي مختلط الاجناس خاصة من المستعمرات البرتغالية الافريقية والهندية والبرازيلية، كما يذكر ان الجالية الاسلامية كبيرة وان هناك حوالي 40 الف مسلم في البرتغال اختلطوا وتصاهروا مع اهل البلاد واصبحوا جزءا منهم يتمتعون بكامل حريتهم في ممارسة تقاليدهم ومعتقداتهم الدينية ..

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4520 المصادف: 2019-01-20 04:25:14