 أوركسترا

الاندلس عصور من العطاء والتنوير (4): مدريد (مجريط)

681 مدريد 1كانت لنا جارة اسبانة وديعة ومتزنة الخلق والطيب ولكنها متقدمة جدا في العمر، سألتها يوما: كيف حالك: فأجابت بصوت خافت متحدي: (انا صامدة مثل بالنادو) -، وتمر الايام وتختفي المرأة الطيبة من الحياة وبقت في ذاكرتي تلك الجملة التي لم افهمها في حينها الى حد رحيلها. وعندما سألت عن معنى- بالنادو Valnadu- قالوا لي انه اسم لاحد ابواب مدريد القديمة التي لا زالت آثارها قائمة ... وكان ذلك لي حافزا بالتوجه الى التحقيق في تاريخ مدريد القديمة ... وكلمة Valnadu  هي كلمة عربية الاصل معجمة وتعني باب الناظور او الناطور وقد ذكرها الدكتور المصري محمود علي مكي في بحثه عن اصل مدريد.

يعتبر الأمير محمد الأول بن عبد الرحمن الثاني (886 – 852) مؤسس مدينة مدريد سنة (855). وحسب الباحثة والمؤرخة الاسبانية ماريه إيزابيل بأن مدريد عربية في نشأتها وتكوينها وأنها ليست اغريقية او رومانية كما كان يعتقده بعض المؤرخين الأجانب خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر ميلادي والذين كانوا يحاولون جاهدين في إقناع الناس بهذه النظريات. وقد بقوا على هذا الاعتقاد الى سنة 1938 حيث نشر المستشرق الفرنسي ليفي بروفينسال Levi Provencal نصاً للمؤرخ والجغرافي الأندلسي الحميري يشير الى وصف مدينة مدريد والى مؤسسها الأمير القرطبي محمد الأول . وفي سنة 1944 نشر ذلك النص العربي في أسبانيا في جريدة الاب الاميد (ALAMEDA). A.B.C) الاب الاميدا .

- ويذكر بأن أول نص عربي يخبرنا عن نشأة مدريد هو ما جاء في كتاب (المقتبس) للمؤرخ ابن حيان القرطبي حيث يقول انها أنشأت في زمن الأمير محمد الأول. كما ذكرها ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان) في (باب الميم). أما المؤرخ ابن خلدون فقد تحدث عن مدريد ونشأتها وجغرافيتها وان هناك فيها نهراً وينابيع مياه كثيرة وحقول خضراء للمراعي والزراعة وهناك جبال وغابات يستفاد من أخشابها للمساكن والمواشي . وعلى هذه النصوص اعتمد المؤرخون العرب بأن المدينة من انشاء العرب.

أما الحفريات والتنقيبات الحديثة التي قام بها علماء الاثار الاسبان فقد اثبتت مما لا يدعو الى الشك بأصلها العربي الاسلامي وذكروا بأن مدريد كتاريخ كثقافة كعلم هي مدريد التي بدأت في القرن التاسع الميلادي. وان مدريد الناس الحركة الاجتماعية. التجارة . الصناعة . الاحياء. الاسوار. الابراج . الانهار. السفوح الخضراء هي مدريد العربية وليس غيرها .

وقد اكد  المؤرخون الاسبان المعروفون على هويتها العربية امثال مانويك غومث مورينو – Manuel Gomez Moreno – وخايمي اوليفر آسين – Jaeme Oliver Asin 

أما الجغرافيون والمؤرخون العرب فأن المسألة محسومة عندهم وليس فيها جدل وأن المدينة عربية اسلامية في أنشأها ومكانها وزمانها وجغرافيتها وتكوينها. وما حدث بعد ذلك من تطور وتغيير في المدينة فأن ذلك لا يلغي أصلها وتاريخها العربي..

وبعد سقوط ليون Leon بيد النصارى سنة – 742- ميلادية فكر الامير محمد بتعزيز الخطوط الدفاعية الفاصلة بين الدولة الاسلامية ومملكة ليون فعمل على انشاء سلسلة من القلاع والحصون بين الثغر الاعلى سرقسطة (Zaragoza) والثغر الادنى طليطلة (Toledo) وخاصة على السفوح الجنوبية لجبال وادي الرمل – Guadarrama – التي تشق الهضبة الجنوبية . فأمر الامير محمد الأول بإنشاء مجريط التي تعتبر من أكبر الحاميات العسكرية في هذه المنطقة ثم انشاء قلعة عبد السلام (Alcala Henares) وطلمنكة T alamanca وولموش Olmos وبويتراغو Buitrago وقلعة الحلفاء Calatalifa وقنالش Canales واوثيدا Uceda وكولمينار دي اوريخا – Colmenar De Oreja  وغيرها .. وبما أن مدريد كانت قاعدة عسكرية رئيسية اذن لابد من إنشاء حي عسكري للمحاربين مع عوائلهم وبعض المرافق الحيوية الاخرى ثم اقامة سور يحيط بهذه القلعة او القصبة. وهكذا نجد انفسنا امام ظاهرة اول مجتمع مدريدي ينشأ في هذه المنطقة . وكانت مدريد تقع على ربوة مرتفعة محصنة وتتكون من قسمين هما:

1- القصبة: Al Cazaba او ما يسمى المدينة (بالتصغير) AL Mudaina وقد أطلق هذا الاسم فيما بعد على الكنيسة الحالية (La Virgen De La Mudaina) وكان قربها كنيسة اخرى اقيمت على مسجد المدينة تسمى سانتا ماريه Santa Maria ولا زالت آثارها باقية . وكانت هذه القصبة مسورة.

2- المدينة: وتقع جنوب شرق القصبة حيث يحيط بها سور ثاني يرتبط بالسور الاول. ويذكر بأن هذا السور أمر ببنائه الخليفة عبد الرحمن الثالث بعد ما تعرضت مدريد للحرق والتهديم من قبل ملك النصارى راميرو الثاني ولكي يحيط بالارباض او الاحياء الاسلامية التي كانت خارج القصبة والحفاظ عليها من هجمات الاعداء.

ويعتبر سور مدريد – مجريط - الذي بناه المسلمون من ابرز واضخم الاسوار في بلاد الاندلس وقد وصفه الحميري في كتابه الروض المعطار بانه فريد من نوعه . وكان مبنيا من حجر – السماقي – بينما الباقي مبنيا من حجر – الصوان – وقد ورد ذكر الصوان في كتاب لسان العرب بانه نوع من الحجر اذا مسته النار يحدث حراق او شرارات نارية . واستخدمه العرب بكثرة في اسوارهم . فعندما يقترب الاعداء من اسوار مدريد كانوا يرمون مواد مهدمة للاسوار ولكن عند الاحتكاك به تحدث شرارات تخيف وترعب الاعداء .... وفي هذا الصدد قال احد الشعراء الاسبان

Fui sobre agua edificada mis muros de fuego son   - -

(على المياه شيدت اسواري هي من نار) ولا زالت هذه الجملة ترى مرسومة على احد جدران مدريد القديمة الى اليوم .

681 مدريد 2

معنى اسم مجريط

كان هناك جدل طويل بين علماء التاريخ وفقهاء اللغة منذ عدة قرون حول اصل ومعنى مدريد فمنهم من قال انه اشتقاق عربي ومنهم من ذكر انه من اصل قديم روماني او اغريقي . ولكن الغالبية من المؤرخين يجمعون على ان الاسم والاصل عربي . فقد اطلق المسلمون اسم – مجريط – على المدينة التي انشاؤها حوالي سنة 855 حتى سقوطها بيد النصارى سنة 1083.

اما النصارى فكانوا يلفظونها –Magerit- بنفس النطق العربي وبقي هذا الاسم مستخدماً حتى بداية القرن الثالث عشر ثم ظهرت كلمة مدريد الحالية – Madrid- وفي بداية القرن الرابع عشر فرضت كلمة مدريد نفسها في لغة التخاطب والكتابة والتدوين وغيرها . وفي القرن العشرين درس العالم الاستاذ مانويك غومث مورينو Manuel Gomez Moreno معنى كلمة مجريط فوجد انها تتألف من مقطعين هما: (مجرى) و(يط) فالمقطع الاول هو عربي الاصل والمقطع الثاني وجد انه لاتيني الاصل وهو (it) ويعني التكثير. ثم يأتي عالم آخر من اكبر علماء الاثار الاسبان وهو الاستاذ خايمي اوليفر آسين – Jaeme Oliver Asin- وقد اكد على نفس المعنى السابق . كما وجد ان المؤرخين العرب يستخدمون بكثرة مقطع (يط) مثل كلمة فرغليط –Forgollitas – أي المكان الذي يكثر فيه ثمر الكريز في مدينة Jaen وكلمة قنيط – Canete- أي المكان الذي يكثر فيه القصب في مدينة –Malaga- وغيرها من الاسماء الكثيرة التي لا تعد . وبالتالي نفهم من تلك الدراسات والتحليلات بان مجريط تتألف من (مجرى) وهو اسم عربي خالص و(يط) وهو مقطع لاتيني دارج يدل على التكثير، اذن ان مجريط تعني المدينة التي تكثر فيها المجاري . وقد اطلق بعض المؤرخين على هذا النوع من اللغة المركبة بالرومانثي romance . .

ينابيع ومجاري مجريط

681 مدريد 3برز المسلمون في نظام هندسة المجاري واستغلال المياه وقد ورثوا ذلك عن حضاراتهم القديمة ويعتبر هذا العلم من اقدم العلوم التي عرفها الانسان في بلاد وادي الرافدين وارمينيا وعندما شيدت الجنائن المعلقة في بابل كانت المياه تصعد اليها بواسطة الانابيب. وقد عرفت بعض المدن الاسلامية هذا النظام الهندسي الدقيق قبل ان يصل الى بلاد الاندلس وكان اول هذه المدن هي نيسابور ومرو في ايران وقد اشاد المؤرخون العرب واثنوا عليها مثل اليعقوبي والمقدسي. وكانت شبكة القنوات الجوفية منظمة ودقيقة ويصل عمق المياه فيها احياناً الى سبعين سلّمة .. وكان قرب مدريد ساقيتين احدهما تقع في الشمال الشرقي والاخرى في الجنوب اما من ناحية الغرب فيقع نهر التفاح – Al Manzanares – وهو نهر صغير ينبع من جبال وادي الحجارة شمال مدريد قرب قرية يكثر فيها اشجار التفاح . وكثير ما يتعرض هذا النهر للجفاف كما انه ينخفض عن سطح المدينة حوالي 40 متر. وبالاضافة الى قلة هذه المياه فانها من ناحية عسكرية تحتاج الى مياه دائمة او كثيرة خاصة فيما لو هوجمت او حوصرت المدينة . ثم ان زيادة السكان المستمرة والنمو الزراعي وانشاء البساتين والجنائن التي يعشقها العرب كل ذلك ادى الى زيادة الطلب على المياه.

وهذا ما دعى المسلمين الى التفكير بجلب المياه من مناطق بعيدة وطبقوا في ذلك العمل نظام هندسي فريد من نوعه كان معمولاً به في المشرق في القرن السابع قبل الميلاد .

ويذكر المؤرخ الاسباني سانتو مادراثو Santo Madrazo بأن مجاري مدريد كانت لها خصوصية تنفرد بها عن باقي المدن الاندلسية وانها من صنع العرب وبقت معمول بها حتى منتصف القرن التاسع عشر حيث افتتاح قناة ايزابيل الثانية سنة 1858 ...اليوم لازالت الكثير من الآثار الاسلامية ترى في احياء مدريد القديمة منها عدد من المساجد مثل كنيسة سان بدرو و التي كانت مسجدا وسان نيكولاس ايضا مسجدا وبقايا من السور العربي واحيائها القديمة والتي تسمى موريريا Moreira  والميدان الكبير الذي كان يسمى ايام العرب الربض، يضاف الى ذلك عمارة المدجنين (المسلمين) التي ترى في كثير من عمارا مدريد القديمة مثل ساحة مصارعة الثيران في منطقة بينتاس Ventas . .

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4546 المصادف: 2019-02-15 00:48:20