 أوركسترا

صيد ألحيتان بين ألتجارة والانتهاكات.. مشاهد رأيتها اثناء وجودي في ايسلندة

حينما كنت متوقفا في ايسلندا عام 1974 منتظرا موعد الرحلة الاستكشافية المتوجهة الى القطب الشمالي، موطن الاسكيمو، علمت ان لأيسلندا مكانة عريضة في السوق العالمي للمنتجات البحرية، تهيئها حيتان المحيط، فتجد في عاصمتها ريكافيك، مركز تجاري كبير لكل ما يتعلق بالحوت، هذا الحيوان هائل الضخامة، بهدف الحصول على زيته، الى جانب منافع اخرى متعددة، بعد ان يُظفر بصيده او حينما يجنح على الشاطئ.1041 الحوت الازرق1

تحوي بحار ومحيطات العالم نحو تسعين نوعا من الحيتان، أكبرها حجما، الحوت الازرق، إذ يبلغ من الطول 33 مترا، أما وزنه فلا يقل عن 180 طنا. فحجمه يكاد يعادل حجم خمسين فيلا، علما ان طول صغاره عند الولادة يكون بحجم قارب صيد اي خمس امتار وبوزن طن واحد تقريبا.

وفي الدائرة القطبية الشمالية حيث يكسو الجليد سطح المحيط المتجمد، يتكيف هذا الحيوان، ذو الدم الحار للحياة في الاعماق التي تتبدد فيها الحرارة بسرعة فائقة، لكن الله قد انعم عليه بطبقة شحمية كثيفة تحت جلده، بسمك يصل الى نصف متر تقريبا، والذي يجعل وزن الشحم في جسم الحوت يعادل حوالي نصف وزنه، فوظيفة الشحوم الاساسية، ليس الحفاظ على حرارة جسم الحوت فحسب، انما هي ايضا عازل حراري، وألمستودع الرئيسي لتخزين الطاقة ألتي يحتاجها ألحيوان عندما تجبره ظروف بيئته ألقاسية أن يبقى بدون طعام لفترة طويلة قد تصل ألى نصف ايام السنة، ومع ذلك يعيش الحوت اكثر من مئة عام!.

ان عملية سلخ جلد الحوت رغم كونها مكروهة إلا انها تعد من المشاهد المثيرة والمألوفة عند الايسلنديين، فصيتها عالميا لا يقل عن شهرة مصارعة الثيران في اسبانيا، والفرق بينهما ان الاسبان يمارسونها كرياضة وطنية تقليدية، بهدف المتعة والتسلية، بينهما هنا في ايسلندة تمارسها الدولة كتجارة، وهي ممارسة دموية صرفة، بهدف كسب المال والاستفادة من فوائده فضلا عن ألعوائد ألكبيرة التي تجنيها الحركة السياحية.

في اليوم الثالث من اقامتي في ايسلندا لاحظت في مدخل الفندق الذي كنت اقيم فيه اعلان يشير الى ان وزارة السياحة ستقوم في العاشرة من صباح اليوم التالي بتنظيم جولة استطلاعية الى مركز تسويق التجارة البحرية، فسألت موظف الاستعلامات مستوضحا: عن ذلك فأخبرني قائلا : هناك يسلخون جلد الحوت. فتقززت نفسي لما سمعت، لكن شهوة المعرفة عندي طغت على شعوري بالتقزز، فأصبحت في الجولة المعلنة مشاركا.

وفي صباح اليوم التالي والوقت المحدد نقلتني المركبة الخاصة مع غيري من ألسياح من الفندق متجهة نحو شاطئ البحر، قاطعة طرقات جبلية صخرية وعرة، الى ان وصلت المركبة غايتها بعد ساعات من السياقة المضنية..

كان المكان عبارة عن مسطح، واسع المساحة، يشرف مباشرة على الماء، وقد ظن اغلب المشاركين في الجولة اننا دخلنا محطة قطار. فقد كانت على جانبي المسطح بما يشبه ماكنة القطارات القديمة، كما كان يستقر في الوسط بما يشبه عربة قطار رمادية اللون مسرفة في الطول، بيد اننا فوجئنا بقول الدليل السياحي وهو يعلمنا، ان ما نراه امامنا الان، هو الحوت بعينه، فذهلنا مدهوشين بحجمه الهائل وطوله الذي كان يناظر طول طائرة بوينغ 737 (+)

كان الحوت من نوع الحيتان ألزرقاء، وهي من أكبر ألانواع حجما، إذ بلغ طوله 33 مترا. وسمكه حوالي 2.5 متر، ووزنه بحدود 180 طن. .

وقبل ان يبدأ الرجال بالعمل، رُفع عاملان الى ظهر الحوت، وبفضل حذائهما المجهز بما يشبه المسامير الطويلة، ثبتا نفسهما على الجسم اللزج، متحاشين خطر الانزلاق. ثم بدئا العاملان بعمل حز عميق بواسطة سكين حاد طويل أشبه بمنجل الحصاد، جرونه على طول الجسم من الرأس الى الذنب، حتى تحول الظهر الى شرائط متوازية دامية. بعد ذلك قام العاملان بأدخال سلك حديدي ضخم في طرف كل شريط من جهة الرأس.

1041 الحوت الازرق2

. . وبعد اتمام العملية الشاقة، انزل العاملان الى الارض وقاما بتشغيل الماكنتين الكائنتين على جانبي المحطة، وبدأت الدواليب المرتبطة بأسلاك الحديد تدور، وبدأ الشريط ينسلخ من جلد الحوت، لكن ببطء شديد، محدثتا اصواتا عالية اشبه ما تكون بالصريخ المدوي، تزعج السمع وتخدش الضمير، حقا كان المشهد مروعا وبشعا.

وتذكرت في حينه، اننا وهذا المخلوق الذي ندعوه حوتا، ننتميان الى صنف اللبائن، انه يشارك البشر ـ بقدر مقاساته الحيوانية ـ في كثير من صفاته، كمشاعر الألفة والعاطفة والحنان، وحبه لصغاره، وميله لبني جنسه، فهو مخلوق مسالم واجتماعي، ويتمتع بقدر غير قليل من الذكاء، نعم ان للحوت ثقافة.

يقوم الانسان منذ اقدم العصور بملاحقة الحيتان في محيطها الأمن، لان الثروات التي يمكن ان تأتيه من قتلها قد اغرته. وهكذا وقع عملاق العمالقة فريسة لأسلحة البشر، وبما ان الانسان لن يتغير ابدا، فلن تكن الحيتان في منئا من شره، الا عندما تنقرض وتختفي من الوجود، فمنذ سبعينيات القرن العشرين يقتل ألبشر سنويا اكثر من ثلاثون الف حوت.

يستفاد الانسان من جسم الحوت بعد موته، بكل اجزائه، فلحمه يؤكل لدى بعض الشعوب الشرقية، حتى ان البعض منهم من يعتقد ان تناول طبق (كوجيرا) وهي شرائح لحم الحوت، سيجلب له الحظ السعيد لبقية ايام السنة.

كما يستفاد من جلد الحوت عند الاسكيمو كغذاء، يأكلونه نيئا، وهو غني بفيتامين C الذي يصعب الحصول عليه بسبب ليالي الشتاء الطويلة.

كان لحم الحوت قديما، ضرورة اساسية في وجبة الرومان الكاثوليك في ايام الجمعة، كما كان لسان الحوت الكبير ـ طوله خمسة امتار ـ يُعد من الاطايب عند الاغنياء، في حين كانت لحوم الحوت المملحة والمجففة من نصيب الفقراء.

يستخدم اليابانيون اغشية القلب عند الحوت لعمل الطبول، اما من احشاء الداخلية فيهيئون انواعا من الحساء الشهي.

أماعظام الحوت، فقد استفاد منها الروس، سكان سيبريا الشمالية، المناطق المتاخمة للقطب الشمالي في بناء المنازل ومن اضلاعه في عمل اقواس للابواب وكحاملات للمزالق، كما استفادوا من عظم الفك الطويل في صنع هياكل الزوارق عندهم، وكذلك في صنع آلات الصيد ومختلف انواع الديكور وكمصد لحفظ سفن الصيادين من اخطار البحر.

وكذلك استفادت قبائل الاسكيمو من فك الحوت لدعم ظروف السكن القاسية في بيوتهم الثلجية بعد ان يغطونه بجلد حيوان الفقمة القطبية.

 

لقد اظهرت سجلات الكنيسة في القرون الوسطى ان الحروب الصليبية في الشرق الاسلامي، كانت تمول بعظام الحوت خلال حملاتها،على اعتبار ان سكان المناطق القطبية لم تكن لديها عملة انذاك، فقد كانت نفقات الحروب الصليبية تجبى منهم من قبل الكنيسة على شكل عظام الحوت وجلود الفقمة.

وعلى الرغم من ان الحضارات القديمة لم تعبأ ببناء القبور، إلا ان صيادي الحيتان كانوا يُدفنون في قبور من عظام الحيتان، حيث يتم استخدام الفك والجماجم لتشكيل اللحد وربما لحمايتهم خلال رحلاتهم بعد موتهم.

كما كان اليابانيون يستفادون من عظام الحوت في صنع ادوات الصيد وحمالات الفوانيس، واستفادوا منها كذلك في الزراعة كسماد، بعد سحقها.

واما شحم الحوت، وهو مصدر الزيوت، التي تدخل في صناعات كثيرة، اهمها الانارة والطبخ وصناعة الصابون، كما ان كميات كبيرة منه تتحول الى دهن المارغرين، الذي نستهلكه في طعامنا اليومي، وكذلك في امور طبية اخرى كثيرة،

واغرب ما في مجال الطب، ان يظن بعض الناس المصابين بالعجز الجنسي، انهم يجدون ضالتهم في عضلة ذكر الحوت ـ طول القضيب لدى الحيتان الكبيرة 13 ذراعا، اي حوالي 6 امتار ـ فتراهم يستعملون هذا الجزء من جثة الحوت، بعد تجفيفه وسحقه كمنشط جنسي. (المصدر ادناه)

لقد أضاء زيت الحوت دنيانا لحقبة زمنية طويلة، قبل ان يكتشف الانسان نور الكهرباء. ولو شئنا ان نستوعب سعة الطاقة الكامنة في زيت حوت كبير، تخبرنا الحقيقة بانه يكفي لأضاءة مصباح للأشارات البحرية لمدة عشرة سنوات دون انقطاع. (المصدر السابق)

واخيرا وليس آخرا، نرى الانسان كيف انه يستفيد من هذا الحيوان بعد موته لأغراض سياحية . ففي ستينيات القرن التاسع عشر جنح حوتُ ازرق، كان يبلغ من الطول 33 مترا على شواطئ جوسنبرغ في السويد. وقد استفاد الصيادون من سعة تجويف الفم لهذا الحيوان الضخم، (كان عرض فتحة فمه ثلاثة امتار وعمق تجويفه خمسة)... اي ان مساحة قاع التجويف كانت في حدود خمسة عشرة مترا مربعا) فقاموا برفع فكه الاعلى بأعمدة طويلة، فأصبح فضاء التجويف اشبه بالكهف، ثم وضعوا فيه عددا من الكراسي، فتحوًل التجويف الى (مقهى)، بعد ان أطلوا جدرانه الداخلية بمواد خاصة، فتراكض اللاهثون عليه، المتلهفين لرؤية كل ما هو جديد، متحملين كلفته الباهضة، متباهين انهم شربوا قدح الشاي داخل فم الحوت.

بالله عليكم يا كرام ! كيف يسمح الانسان لنفسه بهكذا سلوك؟ انه في الوقت الذي يقتل هذا الحيوان البريئ بحجة حاجته الى الطعام، لكنه يقوم بامتهان حرمته والتمثيل بجثته، في سبيل التسلية وكسب المال؟ اين هذا من الاخلاق والذوق؟ إننا في واقعنا نؤذي الحيوانات، حتى لو كانت مسالمة، نعبث بوجودها، فعاطفتنا تجاهها تكاد تكون معدومة. تعالوا نستمع الى ما يقوله البروفيسور دومينيك لاكابرا المؤرخ في جامعة كورنيل في الولايات المتحدة عن مملكة الحيوان:

(ان للحيوانات شريعة اخلاقية يعيش أفرادها بموجبها ويتقيدون بها، افضل من تقيد البشر بشريعتهم، وان لديها ضرب من الذكاء الاخلاقي! ويضيف : اننا لو دخلنا الحياة الحيوانية الاجتماعية، سيتبين لنا ان هذه الكائنات تتمتع بعوالم داخلية ثرية، حيث ان لديها مخزونا معقدا ومتنوعا من العواطف ودرجة عالية من المرونة السلوكية الى جانب كونها فاعلة وماهرة جدا. إذ انها تقيم ضمن شبكة علاقات متينة، تحافظ عليها وتعيش بموجب قواعد سلوكية متوازنة دقيقة، تتصف بالاستقرار الاجتماعي) (*).

ويقول العالم البيولوجي الشهير تشارلز داروين، صاحب نظرية التطور:

(حياة الانسان حرب الجميع على الجميع، معركة لا هوادة فيها على الجنس والغذاء.  يقاتل الاشقاء اشقاؤهم حتى الموت، وهي ظاهرة تعرف باسم ابادة الاشقاء وعندما ننظر الى الطبيعة من خلال هذه العدسات الضيقة، فإننا نرى الحيوانات تجاهد للبقاء في مواجهة القوى الساحقة للصراع التطوري. وقد لوحظ ان الغالبية العظمى من تفاعلات الحيوان سلمية وليست شقاقية) (*)

كان الهدف الرئيسي لليابان في صيد الحيتان هو الحصول على الطعام والترويج لصناعتها، ولذلك اقامت جنازات للحيتان التي قُتلت وعلى مدى قرون. كان على الصيادين ان يكافؤا الحيتان على التضحية بحياتها ويعتنوا بارواحها. ولا يزال بعض الصيادين الذين عملوا في مهنة صيد الحيتان في عرض البحر يطلبون الغفران لقيامهم بقتل الحيتان.

فاليابانيون كانوا يعتقدون ان ارواح الحيتان يمكن ان تنقلب الى الاشباح الجائعة.. لهذا تعامل ارواح الحيتان عندهم، بنفس الاحترام الذي تتلقاه الارواح البشرية.

فتمنح بعد موتها اسماء يتم تسجيلها على الالواح التذكارية وحفظها في سجل الوفيات. واصبحت مواقع هذه النصب التذكارية اماكن تجمع الحركات الهادفة لحماية صيد الحيتان في اليابان.

(+) مقتبس من كتاب الحوت التاريخ الطبيعي والثقافي لمؤلفه د. جو رومان، ترجمة ايزميرندا حميدان، ط 1، 2913 هيئة ابو ظبي للسياحة والثقافة والكلمة

(!) الجدير بالذكر ان كاتب السطور قام بنشر كتاب الحوت هذا على موقع صوت العراق الموقر بشكل حلقات اسبوعية، تحت عنوان ـ الحوت هذا الكائن العجيب ـ بلغت 24 حلقة، بدأها في 30 ,6, 2018، وقد ادرك القراء من خلالها على الاساليب الوحشية واللاانسانية المتبعة من قبل الصيادين في مطاردتهم لهذا الحيوان الوديع قبل قتله.

 

د. رضا العطار

..................

(*) مقتبس من كتاب العدالة في عالم الحيوان لمارك بيكوف وجيسيكا بيرس، ترجمة فاطمة غانم ط1 2010 هيئة ابو ظبي للثقافة والتراث والكلمة

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

راقَ لي كثيراً هذا ألسرد ألجميل ألناتج عن مشاهدات شخصية للكاتب ألدكتور رضا ألعطار ومعلومات موثقة عن هذا ألحيوان ألبرمائي ألضخم. مازاد من جمال المقال هو ألشعور ألوجداني للكاتب وهو يشعر بألم ومرارة أن حقوق ألحيتان قد أنتهكت بشراسة، وضرورة وضّعِ وتفعيل قوانين وإتفاقيات دولية تلتزم بها ألدول ألتي جعلت من صيد ألحيتان تجارةً ومعلماً سياحياً أكثر من حاجتها للحوم ألحيتان كطعام.

د. غازي ألتميمي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4703 المصادف: 2019-07-22 02:12:06