مستقبل الديمقراطية

saleh altaeiمسيرة طويلة وخطيرة تلك التي قطعتها الدول الأوربية في صراعها التاريخي مع إثبات الذات كانت بدايتها مع بزوغ عصر النهضة الصناعية التي أمدت الجوانب الحياتية الأخرى بنوع من الدعم والمساندة أسهما في ولادة نهضات أخرى كانت من أبرز سماتها النهضة الفكرية التي أسهمت بدورها في تغيير قناعات المجتمعات وعلاقتها بنظم الحكم والسياسة والدين وأنماط الحياة فولدت منظومة الحريات المفتوحة التي بدأت تتلون تبعا لعلاقة المجتمع بالموروث، ومن خضم هذا الحراك الإنساني الكبير ولدت نظم الحكم الديمقراطية التي سمت بتلك المجتمعات إلى ذرى المجد الحضاري لدرجة أن المواطنين باتوا يشعرون أن كل ما يعيشون فيه من نعيم وتطور هو من ثمار الممارسات الديمقراطية، وهو ما دفعهم للتفكير جديا بتصدير هذا المفهوم إلى دول العالم الأخرى التي تعاني تسلط وإكراه دكتاتورية الأشخاص والأيديولوجيات.

وقد نتفق أو لا نتفق أن الديمقراطية كمفهوم وكممارسة غير قابلة للتصدير العشوائي لأنها بمضمونها لا تصلح للتطبيق إلا بعد بناء أسسها ابتداء بالثقافة المجتمعية والفردية مرورا بآليات التطبيق التي يجب أن تتواءم مع واقع حال الشعوب ووضعها الاجتماعي والاقتصادي والديني، مع وجود رغبة بتقبل هذا التغيير، ولذا لا يمكن للتصدير الشرعي أو للتدخل العسكري والإكراه القسري أن يفرض الديمقراطية على شعوب غير مؤهلة لتقبلها. يقول العالم الفرنسي (دروغايم): "إن أفكار الإنسان ليست حصيلة نشاطاته العقلية الخاصة به فقط ولكنها حصيلة البيئة الاجتماعية التي هو جزء منها أيضا" 

وعن إيجابيتها أقول: ألا يشفع ما قدمته الديمقراطية من خير للشعوب الأخرى ليجعلها الخيار الأمثل والأسلم لحل مشاكلنا؟ ألم تحقق الديمقراطية الغربية كل الانفتاح الذي يعيشه الغرب؟ فلماذا نلجأ إلى الساحات والميادين لتغيير الدكتاتوريات بدل أن ننفتح على أسس الديمقراطية فنتعامل معها وبها؟ وهل معنى ذلك أننا بحاجة إلى استيرادها من الآخرين؟

نحن كشعوب لا زالت تبحث عن ذاتها بعد أن عاشت جل تاريخها في خضوع تام للدكتاتورية السياسية والدينية والفكرية والعشائرية قد نبدو غير مؤهلين لاستيراد الديمقراطية أو فرضها قسرا وكرها، ولكن تراكم المآسي التاريخية وحالات الاستلاب التي عانينا منها عبر التاريخ قد تؤهلنا بالمقابل لتقبلها بأي شكل كان حتى ولو بالقوة والإكراه عسى أن تتغير حالنا وتتطور مجتمعاتنا تبعا لفكرة (آخر العلاج الكي)

أما عن سلبياتها، فأقول: إن عجز الديمقراطية عن تحقيق العدالة المطلقة عن طريق صناديق الاقتراع قد يخلق بين الناس وبينها حاجزا سميكا يعزل بين الاثنين ربما بسبب المآسي والجرائم التي ارتكبت باسم الديمقراطية، ألم تأتي ديمقراطية صناديق الاقتراع بأدلف هتلر ليحكم ألمانيا ثم ليقود العالم إلى شفير الهاوية والفناء؟ ألم تتدخل قوات الدول العظمي لقتل الرئيس التشيلي المنتخب ديمقراطيا عبر صناديق الاقتراع سلفادور ألندي، الم يتحرك العسكر الجزائري لطرد الإسلاميين من جماعة عباسي مدني الذين أوصلتهم صناديق الاقتراع إلى الحكم؟ ألم تنشق المقاومة الفلسطينية إلى معسكرين بعد أن أوصلت صناديق الاقتراع التنظيم الإسلامي برئاسة إسماعيل هنيه إلى منصب رئاسة الوزراء؟ ألم يتحول العراق إلى ساحة حرب أهلية حقيقية بسبب تداعيات الديمقراطية؟ ألم تتعرض مصر إلى حراك عنفي ممكن أن يقودها إلى حرب أهلية بالرغم من أن صناديق الاقتراع هي التي اوصلت مرسي إلى سدة الحكم؟

والآن، أنت المثقف العربي الواعي أين مكانك في هذا الحراك؟ أين تريد أن تكون؟ أين تريد أن تقف؟ كيف تريد أن تتحرك وفي أي اتجاه؟ هل ترفض أم تؤيد؟ هل تسكت أم تجابه؟ هل تستخدم العقل والفكر أم المدفع والمفخخات؟ هل تقبل بالتغيير أم تعارض؟ هل لديك خيارات أخرى؟ هل تملك آليات ممكن من خلالها تجاوز سلبيات الديمقراطية؟ هل لديك آليات ممكن من خلالها وقف زحف الديمقراطية؟ وهل تنظر إلى الربيع العربي على انه الخيار الأوحد لنشر الديمقراطية في الوطن العربي بعد أن عجزت الخيارات الأخرى، أم انك تنظر إليه كنمط جديد من أنماط الدكتاتورية؟

تكلم، قل ما شئت، إن الكلام واحد من الآليات المهمة  في السيرورة والبناء. وقد قال الصهيوني (تيودور هرتزل): "كل ما يهمني هو أن تتكلم، حتى لو تكلمت ضد الصهيونية .. لكن لا تصمت إزاء الموضوع .. الحديث عن الشيء ولو بتفاهة يعرضه على أنظار الناس."   

الآن بعد أن فشلت المشاريع الأخرى أو تعرقلت بات لزاما على الطليعة الواعية من أمتنا، من المفكرين والأدباء والباحثين والفنانين أن يستلموا المبادرة من خلال حوار مثمر غايته الخروج بنتائج نهائية يُتفق عليها لتتحول إلى ورقة عمل وترفع إلى كل الأطراف المعنية باعتبار أنها تمثل خلاصة رؤى المجتمعات العربية بشأن إقرار أو رفض الديمقراطية.

مساحة الحوار مفتوحة أمامك، وصوتك مسموع، ورأيك يؤخذ به، لا تتقيد بمساحة ولا تلتزم بعدد كلمات، قل كل ما عندك دون أن تجرح الآخرين، ودع الآخرين يقولون رأيهم، ناقش وتحرى ودقق وتفحص ولا تترك الملعب إلا بعد أن تقتنع كليا، فمن العيب أن نرضى بأنصاف الحلول.

سيبقى الباب مفتوحا لاستقبال مشاركاتكم بالملف مع التقدير.

 

صالح الطائي

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

بعد ما يسمى بـ (الربيع العربي) أصبح العالم العربي وكأنه حقل تجارب للأيديولوجيات الدينية والنظريات السياسية، حتى ما كانت تعتبر من المسلمات أصبحت محل خلاف.الدين محل خلاف بين أبناء الدين الواحد وحتى داخل الجماعات (الإسلامية) نفسها، والثورة محل خلاف حتى داخل الثوار أنفسهم، والشرعية محل خلاف ما بين شرعية دستورية وشرعية شعبية . وسط ومع هذه الخلافات تاه وأرتبك المحللون وعلماء السياسة بحيث لم تسعفهم نظريات وقوانين علم السياسة في تفسير ما يجري، ومن يدرك منهم الحقيقة انحاز للايدولوجيا والموقف السياسي على حساب التحليل العلمي والموضوعي، وأصبح الأكاديميون والمثقفون جزءا من الحالة الانقسامية للمجتمع.

كل الاستشكالات والأسئلة القلقة التي أثارها وأوجدها (الربيع العربي) المزعوم تنفجر مرة واحدة في مصر يوم 30 يوليو .إن كان الظاهر من الصراع يدور حول مفهوم ومصدر الشرعية السياسية: الشارع أم صناديق الانتخابات وهل ما جرى انقلاب عسكري أم تصحيح لمسار الثورة، فإن ما يجري يستحضر أزمة أو محنة الديمقراطية وأزمة ومحنة الثورة والدولة في العالم العربي ويشكل اختبارا جديدا وغير مسبوق للثورة وللديمقراطية معا وخصوصا مع اصطناع تعارض بين الشرعية الشعبية ( شرعية الشارع) والشرعية الدستورية ( شرعية صناديق الانتخابات)، وأيهما تسمو على الأخرى :شرعية الشارع (الشعبية ) أم شرعية صناديق الانتخابات، كما تشكل اختبارا لمصداقية قوى الإسلام السياسي بالقبول بالدولة المدنية وباستحقاقات الديمقراطية، ولمصداقية المؤسسة العسكرية باحترام إرادة الشعب .

هذا الخلاف بين شرعية الشارع أو الشرعية الشعبية التي يدعمها الجيش، من جانب، وشرعية صناديق الانتخابات أو الشرعية الدستورية التي يمثلها الرئيس المعزول محمد مرسي وجماعته، من جانب آخر، يخفي خلافا حول ثوابت ومرجعيات الدولة وعلاقة الدين بالدولة، أيضا يخفي صراعا بين مشاريع وأجندة خارجية، الأمر الذي يثير تخوفات حول انزلاق الأحداث في مصر نحو العنف، وهو لا ما لا نتمناه لمصر أو لغيرها من البلدان .ويبقى السؤال هل أخطا الجيش بعزل الرئيس مرسي؟ وهل من حق الجيش عزل رئيس منتخب؟ وهل صحيح أن شرعية الشارع تمثل شرعية شعبية تسمو على شرعية صناديق الانتخابات؟ وهل الشعب المصري هو الذي خرج للشارع يوم 30 يونيو، بينما الذي شارك في الانتخابات الرئاسية وفي الاستفتاء على الدستور ليس الشعب المصري، أو العكس؟.

سنحاول مقاربة ما يجرى في مصر من خلال الرجوع لتعريف الشرعية السياسية وعلاقتها بالديمقراطية بعيدا عن الانحياز الأيديولوجي أو المواقف السياسية المسبقة .

 

أولا: في مفهوم الشرعية السياسية ومصادرها

من ناحية قانونية واصطلاحية يتم تعريف السلطة السياسية الشرعية بأنها السلطة التي يتوافق سلوكها مع قناعات ورضا الناس. ولكن كيف يمكن أن نقيس رضا الناس؟ هل من خلال الخروج للشارع (شرعية الشارع)؟ وفي هذه الحالة يفرض السؤال نفسه :هل هناك عدد أو نسبة محددة للذين يخرجون للشارع لاعتمادها كمصدر للشرعية؟ وهل كل خروج للناس إلى الشارع يمكنه أن يُكسب القائمين عليه شرعية سياسية؟ أم أن السلطة السياسية الديمقراطية تستمد شرعيتها من خلال صناديق الانتخابات فقط؟ وفي هذه الحالة السؤال الذي يفرض نفسه : هل الانتخابات لوحدها تمنح شرعية لجماعة أو حزب بغض النظر عن سلوكياتها وتوجهاتها اللاحقة للانتخابات؟ وهل شرعية السلطة المنتخبة تستمر بالضرورة إلى الانتخابات العادية القادمة؟ أم أن هذه الشرعية مرهونة باستمرارية رضا الشعب عن السلطة القائمة؟ وهل سكوت الناس – عدم خروجهم بثورة أو مظاهرات عارمة- يعني شرعية السلطة القائمة؟.

لا شك أن شرعية السلطة أمر ليس من البساطة قياسها أو الحكم المطلق أنها موجودة أو غير موجودة، أو أن هذا المؤشر أو ذاك يكفي وحده للقول بشرعية السلطة أو عدم شرعيتها. فالشرعية عملية معقدة، فهي قيمة وصيرورة، تتداخل فيها العادات والتقاليد مع المصلحة مع الخوف مع القناعة مع الايدولوجيا، وهي ترتبط بثقافة الشعوب ومستوى التعليم فيها ونوع التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها الأمة الخ. عامة الناس لا يهتمون كثيراً في البحث عن المصادر الفلسفية والقيمية للسلطة بل يهتمون بمدى قدرة السلطة القائمة على تلبية احتياجاتهم الحياتية وضمان مستقبل أجيالهم. فالشرعية تستمد غالباً من القدرة على تلبية حاجات ومصالح، والتعبير عن أحاسيس ومشاعر الشعب، أكثر من كونها تستمد من قوانين ودساتير أو من نصوص دينية حيث الدين لا يمنح شرعية سياسية لحاكم. ومشكلة الرئيس مرسي كما يقول معارضوه أنه سبق الايدولوجيا على الانجاز وتقديم خدمات للناس، أراد تمكين جماعة الإخوان المسلمين من السلطة والهيمنة على الدولة بدلا من العمل على حل المشاكل التي كانت سببا في الثورة على نظام مبارك، وهذه المشاكل ليست دينية بل اقتصادية واجتماعية .

التساؤلات السابقة حول شرعية السلطة لا يتم طرحها في الدول الديمقراطية العريقة، فهذه الأخيرة حسمت أمرها بأن لا شرعية إلا الشرعية المُعبر عنها من خلال صناديق الانتخابات وهي شرعية شعبية في نفس الوقت. ولكن بالنسبة للمجتمعات حديثة العهد بالديمقراطية فالأمر يختلف. فالشرعية متبدلة بتبدل الواقع الذي يعيشه أو يريده الشعب، وبالتالي لا تلتزم الشرعية هنا بقيمة ثابتة ونهائية، وبشكل عام فإن الشرعية السياسية لغالبية الأنظمة السياسية العربية هي شرعية الأمر الواقع وهي خليط من الدين والتقاليد والدكتاتورية ومظاهر شكلانية للديمقراطية.ما يجري في مصر من تعارض بين الشرعية الشعبية والشرعية الدستورية حالة استثنائية ومصطنعة. حدوث تعارض وتصادم ما بين الشرعية الدستورية والشرعية الشعبية بعد عام واحد من الانتخابات لا يعبر عن حالة طبيعية بل يعكس خللا ما في أحد الطرفين .

 

ثانيا: الشرعية والديمقراطية

جاءت الديمقراطية لتحسم مشكلة الشرعيات:الدينية والكارزماتية والثورية والدكتاتورية، لصالح شرعية واحدة وهي شرعية صناديق الانتخابات، فلا شرعية لسلطة أو نظام إلا من خلال صناديق الانتخابات حتى وإن كانت نسبة الأصوات التي حصل عليها المنتَخَبون أقلية بالنسبة لعدد السكان .هذه القاعدة أو المبدأ الديمقراطي تم الأخذ به في الدول التي ترسخت فيها القيم والثقافة الديمقراطية، حيث يكون المجتمع وقواه السياسية والحزبية متوافقة على ثوابت ومرجعيات الأمة، وبالتالي فمن يفوز في الانتخابات يكتسب شرعية تؤهله لممارسة الحكم والسلطة وعلى الشعب احترامهم، ولكن في المقابل يلتزم المنتَخَبون أو السلطة الدستورية الشرعية بثوابت ومرجعيات الأمة، فلا ينقلبون عليها أو يفرضوا أيديولوجية الحزب على الأمة، وعلى الحزب الفائز أن يعلم أن الانتخابات تمنحه رخصة للحكم لفترة زمنية محددة لا يجوز له خلالها تغيير دستور وثوابت الأمة إلا بالتوافق الوطني، وفي حالة عدم التزام السلطة الحاكمة بما التزمت به أمام الشعب أو أحس الشعب بخيانة السلطة والحزب الحاكم للأمانة، فمن حق الشعب استرداد الرخصة التي منحها للحاكم من خلال أصول وطرق تنص عليها الدساتير عادة كالانتخابات المبكرة أو اللجوء إلى الاستفتاء ولا يدخل ضمن هذه الطرق تدخل الجيش، وفي حالة تدخل الجيش نكون أمام انقلاب عسكري حتى وإن حضي برضا الشعب، وهناك سوابق تدخل فيها الجيش لصالح الشعب ولتهيئة شروط الانتقال الديمقراطي، مثلا الانقلاب العسكري الذي تم في كل من البرتغال واليونان منتصف السبعينيات والذي أسقط نظامين دكتاتوريين ومهدا الطريق لدخول البرتغال واليونان لعالم الديمقراطية – في مصر الموقف مختلف حيث أن الرئيس المعزول منتخب من الشعب - .

الشرعية السياسية التي تُنسب للديمقراطية الحقيقية تقوم على الاختلاف في ظل الوحدة، وبالتالي أي حزب حتى وإن كان منتخبا لا يجوز له القفز على مبدأ التعددية ولا على ثوابت ومرجعيات الأمة التي ارتضت بها وراكمتها عبر التاريخ. فالثقافة الديمقراطية سعت دائماً إلى حماية التنوع من خلال زرع قيم في المجتمع تسلم بحق الاختلاف والتنوع وتجعل منه أساس الاغتناء الثقافي والحضاري، فالثقافة الديمقراطية تتحدد وتُعرَف بما هي جهد مبذول في سبيل الجمع بين الوحدة والتنوع، ففي الديمقراطية لا تعارض بين سلطة الأكثرية وحقوق الأقليات: فلا وجود للديمقراطية إلا باحترام كل منهما للأخرى، أي أن الديمقراطية لا تقوم على مبدأ الإقصاء بل التعايش والتساكن، أيضاً الديمقراطية ليست فقط نقيض الاستبداد بل هي أيضاً نقيض الطائفية والفكر الديني المغلق، فالديمقراطية تقوم على المواطنة وهذه الأخيرة لا تفرق بين ذكر وأنثى ولا بين دين وآخر أو عرق وآخر.

وأخيرا يمكن القول أنه وبالرغم من المنحى العنيف للأحداث في مصر وتدخل الجيش في الحياة السياسية، إلا أن ما يجرى يرهص بتحولات عميقة ستؤسس لمجتمع جديد ونظام سياسي جديد، والاشتباك الأيديولوجي والسياسي والبشري أمر طبيعي في كل المراحل الانتقالية للثورات، وهو خلافات وصراعات ستدفع كل الأطراف لمراجعة حساباتها والتنازل عن إدعاءاتها بالقدرة على احتكار الحقيقية أو احتكار المجال الديني أو الوطني، وستتوصل كل الأطراف لعقد اجتماعي جديد . ولكن الخطر الذي نخشاه على مصر لا يأتي مما يجري في القاهرة بل من سيناء، و المعركة القادمة ستكون في سيناء وليس في ميدان التحرير ورابعة العدوية، وفي سيناء ستأخذ المواجهة أبعادا أكثر خطورة وستتورط فيها أطراف خارجية متعددة.

أ. د. إبراهيم أبراش

صحيفة المثقف

12-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

goma abdulahالربيع العربي جاء كرد فعل ونتيجة منطقية لتراكم جبال من معاناة الشعوب وقهرها واستبدادها، من قبل الحكام الطغاة والمستبدين. فقد تمادوا في قمعهم وممارساتهم الارهابية، وضيقوا الخناق على شعوبهم اكثر من المعقول، وبهذا تفجر الغليان الشعبي الواسع بانتفاضات جماهيرية. تطالب بالحرية والديمواقراطية، والانعتاق من القيود والاغلال، وسنحت الفرصة الكبيرة للاحزاب الاسلامية، ان تتصدر واجهة هذا الربيع، من خلال طرح شعارهم المفضل (الاسلام هو الحل)، واضفاء على عملهم السياسي الصبغة الديموقراطية، وتبني بعض شعاراتها، وانطلت هذه اللعبة والخداع السياسي، على غالبية افراد شعوبهم . رغم ان الاحزاب الاسلامية بكل مسمياتها، تعتبر الديموقراطية بدعة ونتاج غربي، غير قابل للنمو، ولا يمكن ان يجد ارض خصبة له على الواقع العربي، وان رضائهم او رضوخهم او انفتاحهم الديموقراطي  في بداية احداث الربيع العربي . ليس عن قناعة ونهج،، وانما ركبوا ظهرها وسيلة لتوصلهم الى السلطة ومقاليد الحكم، واضفاء صفة الشرعية في استلامهم مفاتيح الحكم، واغتنام الفرصة الذهبية لتدعيم اركان سلطتهم . وهذا ما يفسر حالما جلسوا على كرسي الحكم، عبر الانتخابات، حتى تمردوا على الديموقراطية، ومزقوها شيئا فشيئا في استمرارهم، في التحكم بالقرار السياسي للدولة،، بحيث لم يعطوا المجال والفرصة لمشاركة الاخرين، الذين ساهموا في صنع ونجاح الربيع العربي، اذ عادوا الى وقناعاتهم بصدد الديموقراطية ومفاهيمها .، بعدم القبول بالاخر، ورفض الحداثة والتطور، والتضييق على الحريات العامة والشخصية، وفرض نمط حياتي بالقوة والاكراه . . ومن خلال تجربتهم في الحكم وقيادة شؤون بلاد نهم، لم يقدموا البديل المناسب والمقبول، في معالجة المشاكل والازمات التي يعاني منها المواطن . ولم يقدموا برنامج اصلاحي، ينقل بلدانهم الى حالة ارقى واحسن من النظم التي ابتلعها الربيع العربي، وفشلوا في معالجة القضايا الساخنة، التي تهم شعوبهم، واخفقوا في مسائل حيوية مثل الاستقرار السياسي والحالة الامنية . والازمة الاقتصادية  التي ترهل وترهق المواطن البسيط، ووقعوا في مطبات واخطاء جسيمة، مما زعزعت ثقة المواطنين بهم، وضربت مصداقيتهم في الصميم، وانكشف خداعهم ومكرهم السياسي، مما اجج الغليان الشعبي من جديد، بحالات التذمر والسخط العارم، وضاعت مفاتيح شعارهم المفضل (الاسلام هو الحل). بل حافظوا على خطابهم الديني المحافظ والسلفي، وحنينهم الى الماضي السحيق، بحجة تطبيق الشريعة الاسلامية . وبذلك وجهوا الطعنات الى ديموقراطيتهم المزعومة او المزيفة،، ومن الصعب جدا القول : بان الديموقراطية انهزمت اوفشلت، لان الديموقراطية بمعناه الصحيح والسليم لم تدخل بعد في البلدان العربية، ولم تكن هناك عادات وتقاليد واعراف ديموقراطية ولا ثقافة ديموقراطية، ولا تعامل سياسي مبني على اوجه سليمة، وان الديموقراطية لم تطبق على الواقع العربي، وليس انها محصورة في صندوق انتخابي، من الممكن التلاعب به، ان خصال الديموقراطية غابت في كل البلدان، التي تزعمت قيادتها الاحزاب الاسلامية بكل مسمياتها، ومثال على ذلك تركيا التي تعتبر افضل من طبق الديموقراطية في الشرق الاوسط، رغم هذا فان الاتحاد الاوربي لم يقيم هذه الديموقراطية ايجابيا بالمستوى المطلوب، وهذا علة الاسباب في عدم انضمام تركيا الى الاسرة الاوربية . . ان الاحزاب الاسلامية تلقت صفعة قوية، نتيجة فشلها في قيادة بلدانهم، لان كل همهم واهتمامهم، هو رسم خارطة لدولة الدينية . وهذا الفشل سيؤثر على مستقبلهم المنظور. اما اصلاح مواقفهم السياسية، ومراجعة مسيرتهم وتجربتهم السياسية، وتصليح الاخطاء والنواقص، وتفهم قواعد اللعبة السياسية، والاعتراف بالخط السلمي في الصراع السياسي . واما اللجوء الى العنف الدموي، وتاريخهم السياسي حافل في هذا المجال، مما يعزز سقوطهم الضريع

 

جمعة عبدالله     

ali saediقبل مايزيد عن سنتين، وبعد انتصار الثورتين التونسية والمصرية، والصعود المثير للإسلاميين هناك، بشرّ (خامنئي) بالشرق الإسلامي الجديد، فالإسلاميون ظهروا بمشهد  سيطروا فيه على الشرق الأوسط فعلاً: التيار المتشدد في إيران،  يجاوره الإسلام الليبرالي في تركيا،يقابله الإسلام الصاعد في مصر وقبلها تونس، ثم في ليبيا، والنشاط المكثف في الأردن، ومع الفوز الكاسح للإسلاميين في العراق وهيمنتهم على السلطة بصورة شبه كاملة، يصبح الحديث عن (الشرق الوسط الإسلامي) ليس دون معنى .

لكن وكما هي عادة أصحاب الشعارات الكبرى المنغلقة على نفسها وغير القادرة على إجراء دراسة متأنية لما يمكن ان يحصل من تطورات، لم يكتف الإسلاميون بالاطمئنان على متانة وضعهم وقوتهم الشعبية وحسب، بل وجدوا أن الأمور أصبحت في حكم المنتهية، وبالتالي فسيطرتهم على الحكم في بلدانهم، لم تعد موضع شكّ أو احتمال منافسة، خاصة إنهم لم يأتوا بانقلاب عسكري، ولابمؤامرة من نوع ما،بل أن صناديق الاقتراع هي من أوصلهم الى السلطة .

تلك أزمنة فرح عارم،لكنها في الوقت عينه بمثابة وهم عارم كذلك، لم تدرك تلك الحركات إن أمزجة الناس يمكن أن تتغير إذا شعرت بأن هناك من يهدد ليس حرياتها الشخصية وحسب، بل أنماط حياتها ووسائل عيشها وفقد رفاهية انتظرتها طويلاً وكسر ما الفته بقسوة وقسر، لتجد نفسها وقد باتت في وسط خضمّ يمكن أن يقذفها خارج العصر وتطوراته،ليعيدها من ثم إلى عصور مغرقة في ظلمتها وظلامها،عصور الحاكمية المطلقة والصوت الواحد والرأي الملزم والفتاوى التي لاترد واحتكار الدين وادلجة الله .

الحقيقة العلمية تجزم إن  العضو الذي لاييذل جهداً، يفقد قدرته على القيام بوظائفه، وكما ان التمارين الجسدية تنمي عضلات الجسم، كذلك التمارين الفكرية تنمي ملكات الفكر والقدرة من ثم على التعمّق في رؤية الاشياء المحيطة .

لكن عندما تؤمن جماعة ما درجة اليقين، ان الفكر لاقيمة له أمام المساندة الجبارة لله كلي القدرة، وهي تعلي شعائره  وتتحدث باسمه وتخدم نفسها والناس من خلاله،لذا لابد ان يوفقها ويسدد خطاها .

وهكذا، ما أن تسلم إسلاميو مصر السلطة – وهم النموذج الأحدث للمأزق – حتى اعتقدوا ان دولة الخلافة باتت في المتناول .

المسارات اللاحقة للعملية السياسية المصرية،أظهرت إدراك الشعب المصري لخطورة أن تستولي قوى بعينها على مفاصل القرار . كان الإسلاميون قد كثفوا  بعد سقوط مبارك من تحركاتهم في أوساط الناس باعتبارهم المنقذ، ولما كانوا الأكثر تنظيماً وقدرة على مخاطبة العواطف، والأكبر في مستوى إمكانياتهم المادية، فيما القوى السياسية الأخرى، مازالت مبعثرة وغير متماسكة،شغل الإسلاميون العدد الأغلب من مقاعد البرلمان الجديد، ليس لكونهم إسلاميين فقط، بل للصورة التي قدموا بها أنفسهم بداية، لكن وكما هو متوقع، تضخّمت خطاباتهم في أحاديث بعضهم عن تديّن الدولة ومنع الإختلاط في الجامعات وإسلمة المجتمع وماشابه، وهو ما أشعر المصريين بأنهم أمام قوى قد تحرف البناء المدني للدولة وتدخلهم من ثم في متاهات لايرغبون بدخولها، ومن ثم جاءت الصدمة .

كانت المآخذ الأولى على الإسلاميين إنهم لايلتزمون بوعودهم، فقد قالوا بداية بعدم تقديمهم لمرشح رئاسي، لكن ما أن تمكنوا من الاستيلاء على السلطة التشريعية ومجلس الشورى، حتى التفتوا إلى الرئاسة .

الانتخابات الرئاسية  ألقت الحجر الأول في (بحر) الإسلاميين، إذ تبيّن ان مجموع قوتهم الانتخابية بمحازبيهم ومناصريهم، لاتعدو عن كونها (بحيرة)  قياساً بمحيط المجتمع المصري،لقد حصلوا مجتمعين على مانسبته 42% من مجموع المشاركين (25% لمرسي و17% لأبي الفتوح) من مجموع المقترعين التي لم تزد كثيراً عن 42%،وبجردة سريعة، يتبين أن نسبة تزيد عن أكثر من نصف مجموع الناخبين، هي ليست من الإسلاميين ولا مؤيدة لهم كذلك، لذا لم تشارك بالتصويت .

تلك النتائج كانت بمثابة (الصدمة)  التي لم يتوقعها .

الإسلاميون بعد النشوة الأولى،فقد ظهر أنهم فقدوا  الكثير من الأصوات التي حصلوا عليها في الإنتخابات التشريعية بعد أن اعتقدوا إنها مضمونة .

لكنهم لم يعيدوا حساباتهم، بل سعوا (لاهثين) لتكريس سلطتهم، فارتكبوا سلسلة من الأخطاء كانت محصلتها إن الذين أعرضوا عن التصويت بداية، أعلنوا عن رفضهم الحاسم للإخوان، فيما انضمّ إليهم مجموع المعترضين منذ البداية، لتصل مصر الى ماوصلت اليه في انفتاحها على المجهول .  

في إيران، ينقسم الإسلاميون إلى جناحين رئيسين: الإصلاحيون الذين يطالبون بدولة عصرية تعترف بحقّ الإختلاف وحرية التعبير عن الرأي وإعلان المواقف المغايرة وسواها مما تقرّه  الديمقر اطية، والجناح المحافظ الذي يتشدد في تعاليمه وممارساته بمافيها النظرة الى المكونات الإثنية والطائفية في إيران، حيث الإنكار وعدم الإعتراف بأية خصوصيات من أي نوع، وهو مايجعل تلك المكونات تشعر بالظلم  ومصادرة الحقوق .

ملأ المحافظون حياة الإيرانيين بشعاراتهم وتشددهم، جعلت السياسيات الخارجية  للمحافظين من إيران دولة منبوذة، وانتشر الفساد والمحسوبيات في وضعهم الداخلي، لكن الإيرانيين  صبروا حتى الانتخابات الرئاسية ليقولوها بصوت واضح: نعم للإصلاح لا للتشدد، فكان إن بلغ مرشح الإصلاح سقوفا عالية لم يستطع المتشددون حيالها سوى الصمت والدهشة من مقدار النبذ الشعبي لهم ..

المجتمعان التونسي والمصري، من المجتمعات المتجانسة طائفياً وإثنياً بأكثرية ساحقة، لكنهما متنوعان سياسياً وفكرياً،لوجود عدد كبير من الأحزاب والحركات والتيارات السياسية مختلفة المشارب والرؤى، وبالتالي فالتطورات كانت تشير إلى أن مصر ينبغي ان تقودها حكومة إئتلافية،يكون الإسلاميون جزءاً منها، لكنهم ليس موقع القيادة الرئيس بالضرورة،، ذلك لا يمنع من وجود شخصية سياسية ذات توجهات إسلامية يرضى عنها الجميع، لكنه ليس من الإخوان المسلمين شرطاً، والا عُرقلت مهمته وفشلت .

لكن ذلك لم يكن في وارد الاسلاميين الذين لابد إنهم هنأوا أنفسهم على (ذكائهم) وقدراتهم التكتيكية .

الحركة الإسلامية في سوريا، كانت غير ظاهرة في الواقع السوري منذ ضربها في ثمانينات القرن الماضي، والدعوة الى الإصلاح، كانت قد تصدّرتها بداية،منتديات وشخصيات ثقافية خارج إطار الإسلاميين، وكانت القراءات الأوّلية  تذهب إلى  أن التغيير في سوريا، قد يشارك في صنعه جمهور يُحسب على البعث، خاصة أولئك المتذمرون من تحكّم المخابرات والفئات الخاصة، في مفاصل الدولة، لكن في كلّ حال، قد لاتختلف حركة التغيير عن مثيلاتها في مصر وتونس، حيث تتراجع الشعارت الآيديلوجية وتتقدم المطالب المباشرة – تغيير النظام - ذلك لأن أية شعارات أخرى، تكون مفرّقة لا جامعة، فالقوميون ان طبعوا الإنتفاضة بشعاراتهم، سيقابلهم الإسلاميون أو الليبراليون بشعارات معاكسة أومناقضة، مايؤدي بالنتيجة الى استفادة النظام ونفاذه من ثغرة كهذه، في محاولته إجهاض التحرك المناهض له، وهو ماحصل فعلا ومازال يعرقل وصول المعارضة الى رؤية موحدة،بعد غن حاول الاسلاميون فرض رؤيتهم السياسية والميدانية على الارض، ما ادخل الوضع السوري في مأزق خطير حتى قبل سقوط النظام، لكن الاسلاميين في سوريا  لن يشكّلوا قوّة حاسمة تستطيع إستلام الحكم أو تغيير مسارات الدولة في حال سقوط النظام كما يروج البعض، بل ان وضعهم سيكون مشابهاً بنسبة ملحوظة، مع وضع (الإخوان) في مصر، الوقوف عند حدود الحضور دون الحسم في نوعية التغيير وحجمه، بل قد يكونون عرضة للمساومات أو استجابة للضغوط قياساً بحركة شعبية شاملة تستمدّ قوتها من فعلها الملموس وتعدد أطيافها .

كل المؤشرات تشي بقيام ديمقراطيات يشارك فيها الإسلاميون، لكن الأرجح أن أي بلد ستبقى بمنآى عن حكم فئة واحدة مرشحة لأعادة  إنتاج الدكتاتورية،خاصة إن الإسلاميين يحوّلون الإسلام الإيماني، إلى إسلام حزبي، وهو ما لم يعد ملائماً لقيام الدولة المدنية الحديثة .

الإسلام الثوري في إيران وديمقراطيته القلقة بين إصلاح ومحافظة، والإسلام الليبرالي في تركيا بتوجهاته القلقة كذلك، بين حسم الذهاب شرقاً، أوإبقاء الأمل بالإلتحاق غرباً ومعالجة مشاكله الداخلية التي بدات تظهر بقوة على السطح،  ثم الإسلام المتصارع عراقياً، بإرهابييه القاعديين، وحركاته السلطوية المتراجعة شعبياً، والمنهمكة بترتيب أوضاع ديمقراطية مترنحة، يضاف إلى ذلك غموض الوضع في سوريا وحجم الدور الذي يمكن ان يلعبه إسلاميوها،كذلك احتمال الثبات في النظام الملكي في الأردن، ما قد يقف دون طموحات الإسلاميين هناك على تغييره،ثم ينتصب الإسلام الوهابي بفتاواه التكفيرية وعنفه المتصاعد .

هذا هو(الشرق الأوسط الإسلامي) كما تحدث عنه بعض الإسلاميين، وهي دعاوى تحمل طابعاً سياسياً ترويجياً وتعميماً تحرّكه نزعات خطابية،  أكثر من كونها تقديرات موضوعية لتطورات فاعلة في الأحداث ومتفاعلة معها .

ماذا عن إسلاميي العراق (الشيعة تحديداً) الذين يبدون في وضع مطمئن قياساً بغيرهم؟

لا ولاية للأمة على نفسها، ولاحقّ للمسلمين ان ينتخبوا حاكماً من بينهم، أو يستبدلوه إن لم يستطع القيام بواجباته في أداء مهمة الحاكم بانتظار المخلص المنتظر، لكن مادام الحديث يدور عن السياسة لا عن العقيدة، وبصرف النظر عن الشخصية الموصى بها ومقدار عصمتها وقدسيتها، فإن الإستناد الى مبدأ (الحقّ الإلهي) ليس جديداً في التاريخ البشري، ولا مقتصراً على شعب دون غيره، فقد عرفتها مضموناً وشكلاً، كافة الحضارات القديمة والمعاصرة  إبتداءاً من ملوك سومر وأكد وبابل، مروراً بالفراعنة والفرس والرومان، وليس انتهاء بآخر ملوك أوروبا قبل الثورات التي رافقت عصر النهضة، ومن ثم قيام دولة الرفاه والعقد الإجتماعي .

أما عند العرب، فقد سادت مقولة (المستبدّ العادل) باعتباره الشكل الأمثل للحاكمية التي تستطيع حفظ الأمة وإقامة العدل بين الرعية .

 إن الله رحوم بالعباد، لذا حدد لهم وليّاً يحكمهم ويقوم بشؤون دينهم ودنياهم، ولما كانت ظروف العرب آنذاك، ولحيثيات كثيرة، قد منعت حصول الأمر كما ورد في النصّ القرآني والحديث الشريف،لذا إنحرف الحقّ عن أهله، وأصبح الحكم بيد آخرين تحولّ معظمهم إلى طغاة ومستبدين استخدموا القوة والجبروت في سبيل الحفاظ على حاكميتهم .

تلك هي خلاصة النظرة الشيعية الى مسألة من أكثر مسائل الحياة تعقيداً وتشابكاً، بل انها تزداد تعقيداً وصعوبة في كلّ مرحلة  تاريخية، نتيجة لتشابك حياة الشعوب وتعدد مستويات المهام التي على الحكومات القيام بها  .

وعلى هذا تركت الكثير من الأسئلة معلقة من دون إجابات حاسمة في التاريخ،  وملائمة للحاضر، منها : إن الأولياء الموصى بهم نصّاً عقيدياً، محددين عدداً بإثنى عشر من الأئمة المعصومين،  فإلى أين تؤول الحاكمية بعد ذلك؟

تتعلق الإجابة بالمخلصّ الغائب، الذي يبقي المعصومية قائمة وممتدة في الزمن،  وبالتالي لاحدود للوصاية في النصّ والحديث، الا بظهور المخلصّ، ليجعل من ثم الحاكمية مطلقة حيث (يملأ الأرض عدلاً بعد ان ملئت جوراً).

ذلك هو الحلّ لإمكانية وصول الولاية القدسية إلى مرحلة تتطلب البحث عمّا بعدها،اما في المسألة الأخرى التي تتعلق بالتصرّف حيال الحكم في ظلّ غياب المخلصّ، فقد دخلت الإجتهادات الشيعية في مدرستين رئيستين : ولاية الفقيه، وفيها يوكل أمر الإشراف على الحاكمية الى فقيه من علماء الدين المشهود له بالأعلمية والإجتهاد، يمتلك صلاحية توجيه الحكومة الزمنية وإلزامها العمل وفق مشورة لها الكلمة الفصل فيما يخصّ الخطوط العامة للسياسيات الحكومية -  الداخلية منها والخارجية - بل وقد تقوم مقام الدستور، الذي لاتجوز مخالفة بنوده لمتطلبات العقيدة المحروسة من قبل الوليّ الفقيه .

تلك النظرية على صعيد الممارسة، قد تتشابه في محصلتها العامة، مع الديمقراطية المتّبعة في بعض الأنظمة العربية (المغرب – الأردن – الكويت – البحرين)  حيث تمارس ديمقراطية مضبوطة على أيقاع مايرتضيه الملك أو الأمير صاحب (الحقّ) الحصري في تجديد منسوب الديمقراطية ومدى تطبيقاتها وصلاحيتها في هذه المرحلة أو تلك .

لكن مامدى صلاحية الديمقراطية  للعمل تحت الوصاية؟

الديمقراطية والحالة هذه، أما ان  تبقى (كرنفالاً) شكلياً لإخفاء الدكتاتورية، واما ان تنتفض على وصايتها لتخرج من ثم إلى فضاءات تقترب فيها من حقيقتها .

لقد سلكت المجتمعات  الأوربية طريقاً آخر، إحتفظت  فيه ب(ملوكها) باعتبارهم رموزاً تاريخية تملك ولاتحكم، كما حافظت اليابان على إمبراطورها بالصيغة ذاتها، لكن ذلك ترافق مع نهضة شاملة في الثقافة والصناعة والإقتصاد والمكتشفات العلمية والفكر السياسي، استطاعت بالمحصلة  ان تبني نظاماً يحضر فيه القديم (موروثياً)  وينهض الجديد معرفياً، ينظر الجديد الى قديمه باحترام، ويقرّ القديم بإحقية الجديد على إدارة  الحكم وشؤون الحاضر، مع التخطيط للقادم .

ذلك ما لم يحصل في الولاية الفقهية التي وجدت تجسيداتها في إيران، حيث انشداد الجديد نحو عصره، وتمسّك القديم بمثال عقيدته، لتصبح(العقيدة) بمضمونها السياسي، بمثابة قيود تجعل الديمقراطية ترواح وفق رؤية يقينية يمثلّها الوليّ الفقيه، الذي يستمدّ ولايته وبالتالي مشروعية الوصاية، من موروث عقائدي مطلق،لايمكن تجاوزه أو التراخي في تطبيقه،  والا فقد ت الولاية مرجعيتها ومبررات الدورالمنوط بها .

المدرسة(الوصائية)  الفقهية، تستبطن في جوهرها مايخالف البناء الديمقراطي، وبالتالي فإن أفضل ما تقدمه، قد لايتجاوز كونه مرحلة إنتقالية تلعب دوراً وسيطاً في التحول من الدكتاتورية المطلقة، الى الديمقراطية المفتوحة، لكنها(الولاية)  كفيلة بإجهاض التجربة الديمقراطية برمتها، إذا استمرت بالعمل وفق المتّجهات التي لا تأخذ بنظر الإعتبار مقدار ماقد يطرأ على المجتمع ونظرية الحكم من تطورات .

الديمقراطية بما هي المحدِدة لنظرية الحكم، تأخذ الأكثرية  بمدلولها السياسي المتبدّل، وليس بطابعها الإثني أو الطائفي، والا تحولت الى حالة قهرية إستبدادية لاتسمح في المجال أمام نشوء وتطور مفهوم المواطنة- أسّ الديمقراطية وعمودها الفقري - إذ ستقسم مكونات المجتمع الى مستويات متفاوتة يختص ّ مستواها الأعلى – الأكثرية -  في حقّ  الحصول على الحاكمية الدائمة، فيما تحصل المستويات الأدني  - الأقلّ عدداً – على مشاركة في الحكم غالباً ماتكون من الصفّ الثاني أو مايليه، مايخلق بمحصلته إهتزازات وعدم استقرار، وذلك لتبادل الشعور السلبي الذي يفرزه واقع كلّ من الطرفين (الكِبر في الحاكمين، والقهر في المحكومين) .

ان الأكثرية بالمفهوم الإثني أو الطائفي أو الديني، قد لا تكتفي بفرض سيطرتها السياسية التي تستجلبها عن طريق صناديق الإقتراع وحسب، بل تحاول نشرمفهومها وثقافتها ورؤيتها للدولة، بل وهويتها كذلك، ما يخلق مزيداً من الرفض أو التذمر عند الأقليات، التي ستبحث عن شبيهها في بلدان أخرى، ليزيد من ثم في قلق الهوية الوطنية وتفكك المفهوم .

في التجربة العراقية، هناك ثلاثة اتجاهات رئيسة في الحركة الإسلامية الشيعية (حزب الدعوة بتفرعاته المختلفة – التيار الصدري وما انشقّ منه – المجلس الأعلى الإسلامي وحلفاؤه) وهؤلاء جميعاً يمارسون ديمقراطية إنتخابية بمحمول طائفي، رغم الإتكاء على شعارات معلنة،  في عمل الإنشداد نحو هوية عراقية.

لكن مأزقهم آت وان تأخر بسبب خصوصية العراق وظروفه المحيطة . .

 

علي السعدي

صحيفة المثقف

9-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

  

saieb khalilمازالت أحداث مصر الساخنة تفور حبلى بالإحتمالات الخطيرة. ويواجه المواطن المصري والعربي عموماً بضرورة فهم ما يجري وتقييمه واتخاذ موقف منه، وليس ذلك بالأمر اليسير. فالعاطفة الشديدة التي ترافق الحدث تجعل من اتخاذ موقف عقلاني متحسب، أمراً يحتاج إلى الكثير من ضبط النفس.

http://www.akhbaar.org/home/assets/images/big/morsi_followers_03072013.jpg

ليس هناك ما يشير إلى أن الأمور تتجه نحو الحل. فقد قال أيمن علي مساعد للرئيس المصري محمد مرسي إن الرئيس يفضل أن يموت "كالأشجار واقفا" دفاعا عن الشرعية التي منحته منصبه عن أن يلومه التاريخ لأنه ضيع آمال المصريين في الديمقراطية. (1)

وقال المتحدث باسم إخوان مصر: لا تفاوض قبل عودة «الرئيس محمد مرسي إلى قصر الرئاسة»،و "من غير الممكن إقناع المصريين بالعودة إلى صناديق الاقتراع مجددا بعد الإطاحة بأول عملية ديمقراطية في البلاد"..و «لا نقبل بالاختفاء القسري للرئيس وعائلته وفريقه الرئاسي».(2)

وتداعت عن الحدث مواقف دولية مختلفة: (3)   فنفى بيان للبيت الأبيض أن الولايات المتحدة تتدخل في شؤون مصر، وركز بيان للخارجية الأمريكية على أهمية «ديمقراطية تمثل الشعب» في مصر.

فلاديمير بوتين قال إن مصر تجازف بالانزلاق في حرب أهلية بعد عزل الجيش للرئيس محمد مرسي،

ودافع رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير عن قرار الجيش المصري بالتدخل، معتبرا أن البديل كان «الفوضى».، وقال : «إنني من مؤيدي الديمقراطية. لكن حكومة ديمقراطية لا تعني بالضرورة حكومة فعالة. اليوم الفعالية هي التحدي».

لكن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عباس عراقجي قال بأن بلاده «لا تعتبر ديمقراطية الشارع ديمقراطية جيدة»،. واعتبر أن «تدخل العسكر في القضايا السياسية وقيام القوات العسكرية بتغيير الحكومات المنتخبة عمل مذموم»، وقال إنه «لا يليق للديمقراطية أن يتم فيها المبادرة إلى تغيير رؤساء الجمهوريات من خلال الشارع».. مشددا على ضرورة العمل على تحقيق مطالب وتطلعات الشعب المصري «من خلال القانون»، ومشيرا إلى أن «الحكومات يجب أن تصل إلى السلطة من خلال احترام إرادة الشعوب».

***

وانقسم المثقفون في مواقفهم بين "متفهم" اتخذ جانباً تحليلياً بدون موقف محدد، أو وربما كان سعيداً بتردد، وآخر مؤيد متحمس للإنقلاب، وثالث يركز على فداحة الثمن ولا يتفاءل بالمستقبل، وسننظر فيما يلي إلى أهم ما قرأت من ما كتب كل فصيل من هؤلاء، لتكوين رؤية شاملة حول الموضوع. ولعل قراءة آراء مختارة لبعض المعلقين على ملف "المثقف" الخاص بهذا الموضوع،(4) تعطي فكرة عن أفكار الفصائل الثلاثة بشكل مختصر. (ما بين قوسين يعبر عن فهمي لمقولة المعلق، وليس نصه، إلا ما وضع بين "علامات اقتباس" ضمنه)

موسى فرج: الحكم في العصر الحديث يعني إدارة شؤون الناس وليس إدارة العقائد ... ومشكلة الأحزاب الدينية أنها فاشلة في إدارة الشؤون وغاشمة في إدارة العقائد.

عباس سامي: لا أرى ان سبب الفشل هو ربط الدين بالسياسة .تجربة الأحزاب التي تعتمد على الفكر القومي فشلت والأحزاب الشيوعية فشلت سابقا في الاتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية والديمقراطية الغربية يوما بعد يوم تثبت فشلها في عدة دول غربية تتعرض لهزات اقتصادية.

الدكتور علي العلوي: إن الانقلاب العسكري على الشرعية السياسية لرئيس منتخب من قبل الشعب المصري إنما هو نكوص سياسي وارتداد إلى الوراء؛ أي عودة إلى النظام الديكتاتوري

إن ما أعلنه وزير الدفاع السيسي في الحكومة المصرية في بيانه الانقلابي إنما هو خيانة لرئيسه المنتخب، ومصادرة لإرادة الشعب في اختيار الحاكم بحرية تامة، ثم إنه ما كان ينبغي للمعارضة أن تستقوي بالجيش

حمودي مصطفى جمال الدين: أخيرا عادت الشرعية إلى الشعب المصري بعد إن استحوذت عليها قوى الظلام وتجار الدين وخالقي الانقسامات والفتن بفعل العزيمة والإصرار وفرض الوجود من خلال الحشود المليونية التي ضاقت بهم ميادين مصر وشوارعها ولليوم الثاني على التوالي بحراك جماهيري سلمي بهر العالم واثار إعجاب شعوبه ودوله.

د. علي السعدي: الاسلام كان سياسياً منذ البداية، وبالتالي فهذه الحركات ليست طارئة بذاتها ولا بظروف عملها وسعيها نحو السلطة ،لذا فالسؤال عن مقدار تلاؤم الديمقراطية مع المجتمعات الإسلامية ، وبالتالي قدرة الحركات الإسلامية على إدارتها ، ينبغي أن يكون سؤالاً معرفياً لا إستفهامياً ،كي يستنبط من ثم إجابات معرفية.

الحركات الاسلامية حينما تصبح حاكمة ، فإنها لاتستطيع بناء دولة بالشعارات وحدها. (و) عند أصحاب الآيديولوجيات عموماً ، تغيب الرؤيا وتحضر الشعارات الكبرى ، التي غالباً ما تحجب حقيقة مايتحرك في المجتمع خالقاً وقائعة الخاصة.

(ويبين السعدي أن الإسلاميين يفترضون (واهمين) أنهم يمثلون كل المجتمع " طالما هم يعملون ضمن بيئة تعتبر شعاراتهم في صلب موروثها")

وقد أثار الباحث صالح الطائي بفتحه هذا الملف مقالات عديدة، نبدأ بمقالته(5)  التي جاء فيها: أن الديمقراطية كمفهوم وكممارسة غير قابلة للتصدير العشوائي لأنها بمضمونها لا تصلح للتطبيق إلا بعد بناء أسسها ابتداء بالثقافة المجتمعية والفردية مرورا بآليات التطبيق التي يجب أن تتواءم مع واقع حال الشعوب ووضعها الاجتماعي والاقتصادي والديني، مع وجود رغبة بتقبل هذا التغيير،

وكتب سلام كاظم فرج (6): حالما يحصل الخروج عن الثوابت التي انطلق منها للضرورات التي تبيح (بعض المحظورات) احيانا .. يسقط الاسلامي السياسي من عين مريديه . ويقفز الى صفوفه الانتهازيون والمخترقون .. اما عندما يتمسك بثوابته التي انطلق منها .. نجده ابعد مايكون عن الواقعية السياسية

عبد الرحمن الكواكبي سطر في كتابيه ام القرى وطبائع الاستبداد نظرية فكرية .. اكثر تقدمية من اطروحات المستعمرين ..(و) الشيخ النائيني وضع اسس مجتمعات مدنية راقية تؤمن بالحرية وتسعى لازدهار المسلمين ووحدتهم .. (و) جمال الدين الافغاني ومحمد عبدة . كذلك ..

لو راجعنا تلك الافكار التي كتبها ومارسها اولئك التنويريون من المفكرين المسلمين لوجدناها تصلح لتأسيس مجتمعات ديمقراطية راقية .. وبسبب تلك الروح المخلصة دخل المسيحيون العرب في تلك المواجهة للمستعمرين جنبا الى جنب مع اخوتهم المسلمين ..

وقد تعجل الرئيس محمد مرسي في أخونة المؤسسات المصرية.. فخسر نصف الشعب المصري .. مما سهل الاطاحة به في حركة مدروسة رصينة.

من الخير للإسلاميين (السياسيين) ان يكونوا نوابا في البرلمان ولا يكونوا حكاما ..  ان يكونوا رقباء. لاشركاء .. يؤشرون الخلل . ولايؤشر عليهم ..

وكتب ا. د. حسين حامد(7) :..ومشكلة الشارع العربي، تكمن في خياله العنيف، عندما تتعرض مصالحه للخطر ...الربيع العربي قد برهن من خلال نتائجه، أن الشعوب وفي جميع الاقطار العربية تتطلع وبقوة لنيل حرياتها، وأن الديمقراطية والحرية ليست قيما مقتصرة على الغرب وحده.

الولايات المتحدة .. تدرك ان حركة الاخوان المسلمين فى مصر هي نظام مؤهل لتنفيذ بعضا من اهدافها ... اشعال الفتنة الطائفية في المنطقة العربية بين السنة والشيعة وتقسيم الشعوب العربية الى دويلات، أو اجراء بعضا من الترتيبات الجديدة في سيناء على حساب الشعب المصري.

وكتب د. مراد الصوادقي (8) :يبدو أن العرب غير مؤهلين للحياة الديمقراطية، لكنهم ربما تورطوا فيها!

ومن موقع الحزب الشيوعي العراقي ننقل المقالات التالية التي تبين، وخاصة إفتتاحية طريق الشعب، أن الحزب ومثقفيه يتخذون موقفاً مؤيداً بشكل قوي للأحداث الجارية في مصر، وأنهم متفائلون بنتائجها الحافلة بـ "الوعد"، وبدون إشارة تذكر إلى مخاطرها.

كتبت طريق الشعب(9): صوت الملايين في الشارع كان هو التصويت الحقيقي على مسار حكم محمد مرسي في سنته الاولى، والحكم على عجزه عن ملاقاة احتياجات الناس والتصدي للمشاكل والازمات التي اخذت تضيق الخناق على رقاب الجماهير المسحوقة اصلا، جماهير فقراء مصر وكادحيها .

لقد دللت تجربة مصر هي الاخرى على ان الديمقراطية ليست مجرد الانتخابات . فالانتخابات وسيلة وآلية، ولا تقدم تفويضا ابديا لاحد. وكم من الدكتاتوريين وصلوا الى دست الحكم عبر هذه الآلية الصحيحة، ولكنهم انحرفوا واذاقوا شعوبهم سوء العذاب وبؤس الحال!

تحية الاعجاب والتقدير لقوى الشعب المصري واحزابه الوطنية والديمقراطية، الليبرالية واليسارية، والاسلامية المعتدلة والمتنورة، ومنظمات شبيبته وحركاتهم، على وقفتها الشجاعة، ووحدتها، ودفاعها عن حق الشعب في الاختيار، وفي حياة افضل، ومستقبل حافل بالوعد.

وكتب شاكر فريد حسن(10):وأخيراً انتصر الشعب المصري ونجح في اسقاط حكم الاخوان بارادته الفولاذية الحرة (؟)، وبفضل الطوفان البشري والحشود المليونية الأوسع والأكبر والأكثر عدداً في تاريخ مصر وتاريخ الثورات العربية ،التي خرجت ونزلت الى الشوارع والميادين والساحات العامة ، وذلك بعد أعلن قائد القوات المسلحة المصرية الفريق الأول عبد الفتاح السيسي عن عزل محمد مرسي

وكتب باقر الفضلي(11): العزل الشعبي للسيد محمد مرسي ...والذي إستجابت له قيادة القوات المسلحة .... إنما يمثل في الحقيقة، قمة النضوج في وعي وإدراك الشعب المصري، لعمق الأزمة وخطورتها المدمرة على مصير الوطن والشعب. كما ومن جانب آخر؛ فإن إجراء عزل السيد محمد مرسي من منصب رئاسة الجمهورية إنما يعني تعبير او تطبيق عملي للحكم الشرعي القائل : (درء الضرر الأشد بالضرر الأقل)، وهو ما إستند اليه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ (الأزهر الشريف)، في مساندته لإجراء العزل، في وقت بات فيه التمسك بالسلطة من خلال المنصب (!!)، هدف بذاته، في مواجهة رفض ومعارضة شعبية عميقة وواسعة لم تشهد لها مصر من قبل مثيلا.

***

نعود أخيراً إلى الموقف الرافض للإنقلاب ولعل أوضح من كتب عنه هما الدكتور ادريس جنداري، ومحمد ضياء عيسى ونقتطع أجزاء مطولة من مقالتيهما للأهمية في شرح إشكالات الموقف الحالي.

كتب د. جنداري(12)عن "التحالف العسكرتاري – العلماونوي" كما يصفه، قائلاً:

“لقد عاش العالم العربي على وقع هذا الزواج الكاثوليكي، لعقود، وهذا ما أدى إلى كوارث سياسية فادحة، حيث تراجعت الطموحات الديمقراطية، وتم فسح المجال أمام الأنظمة الشمولية.”

“الربيع العربي، عند انطلاقه، كان يستهدف ..إرجاع العسكر إلى ثكناتهم للقيام بوظيفتهم العسكرية، ..حيث لا يسمح للجيش بالتدخل في الشؤون السياسية، (و) ..ربط الشرعية السياسية بالامتداد الشعبي. ”

“كان الرهان واضحا، على إفشال التجربة الديمقراطية الوليدة عبر وضع الحواجز، سياسيا واقتصاديا، أمام الفاعل السياسي الجديد لمنعه من التحرك بحرية، وذلك بهدف إفقاده الشرعية الشعبية، من خلال عرقلة العملية التنموية، التي تعتبر السند الأساسي لنجاح التجربة الديمقراطية.”

“رغم اختلافنا مع التوجه الإيديولوجي الإخواني، فإن هذا لا يمكنه أن يقف حاجزا بيننا وبين ما نعتبره واقعا موضوعيا، يتطلب من الباحث جرأة علمية وشجاعة أدبية قصوى للاعتراف بحقيقة ما يجري على أرض الواقع.”

“حزب الحرية والعدالة فصيل سياسي شرعي، قدم مرشحه الذي هو (محمد مرسي) إلى الانتخابات، وهذه العملية الانتخابية اعترف بشفافيتها كل الفاعلين السياسيين، بمختلف أطيافهم الإيديولوجية، وقد تم الإعلان، بشكل دستوري، عن اسم الفائز بالانتخابات، وتم تحديد فترته الانتخابية وتحديد صلاحياته الرئاسية بمنطق الدستور. لذلك، وجب فسح المجال أمام الرئيس المنتخب لتطبيق برنامجه الانتخابي خلال الفترة التي يحددها الدستور، وبعد ذلك يجب محاسبته، عبر الآليات الديمقراطية الانتخابية، وكذلك عبر الآليات القانونية القضائية.”

“التفكير في التحالف مع العسكر لإسقاط (حكم الإخوان) ظل حاضرا، منذ البداية، ولا تهم الضرائب التي يمكن أن يدفعها الشعب المصري، ومن خلاله التجربة الديمقراطية في العالم العربي.”

“الفاعل العلمانوي في تحالفه مع العسكر، بهدف تعويض الشرعية الشعبية التي يفتقدها... يفضل أقرب الطرق وأسهلها، من خلال تحالف الإيديولوجيا مع البندقية.”

“التحالف العسكرتاري-العلمانوي، ... خطر ماحق يهدد القيم الديمقراطية الوليدة في الثقافة العربية، ويفتح المجال واسعا أما قيم الفكر المتطرف والمنغلق، الذي يشكك في المبادئ السياسية الحديثة، ويعتبرها آلية للسيطرة على الشعب من طرف فئات لا تمثله.”

“الفاعل الإسلامي الحركي هو، أولا وأخيرا، ابن البيئة الثقافية والسياسية العربية، ولذلك فمن حقه أن يمارس اختلافه شريطة التزامه بمبادئ الديمقراطية.”

“الديمقراطية كل لا يتجزأ فقد كان من الواجب ان نفسح المجال أمام المشروع الإسلامي ليكشف عن أوراقه و يطرح خياراته، ثم تتم مواجهته انتخابيا عبر إقناع الشعب بفشله و تهافت أطروحاته . أما أن يتحالف دعاة الليبرالية و اليسار والقومية مع العسكر فهذا ما لا يجب على شرفاء الفكر و الثقافة أن يقبلوا به لأنها بداية الخراب الذي سيأتي على الأخضر و اليابس.” - (نهاية الإقتباس من الجنداري)

وكتب محمد ضياء عيسى العقابي (كاتب ماركسي) (13):

“إذا لم تسقط الديمقراطية في مصر ولأمد غير منظور، ..فهي...قد تأخذ وقتاً طويلاً لتبصر النور ثانية. وهذا أمر يجب أن يسبب غاية الحزن والأسى في نفوسنا لأنه ليس هناك من أمل في مستقبل كريم مزدهر دون ديمقراطية علماً أن لمصر دوراً قيادياً محورياً في المنطقة العربية التي تمر باسوإ حال إذ تتكالب عليها المشاريع المدمرة.”

(عندما ستستطيع) “الديمقراطية المصرية أن تخطو الخطوة الأولى كما خطت عند إنتخاب محمد مرسي رئيساً للجمهورية قبل عام في إنتخابات حرة ديمقراطية لم يطعن بها أي من المتنافسين، سيعود تصرف الجهات الخاسرة إلى نفس التصرف الذي مارسته قوى المعارضة الآن حيال حكومة الرئيس محمد مرسي وجعلت منه سابقة خطيرة.”

“الحكومات الجديدة، حتى في الدول الديمقراطية المستقرة الآمنة والغنية، تتطلب وقتاً غير قليل لترتيب أوضاعها قبل الإقدام على إجراءات سياسية أمنية خطيرة من هذا القبيل أو إنجازات إقتصادية بهذا الوزن ناهيك عن أن تكون الحكومة المعنية هي حكومة مصر وهي بلاد محدودة الموارد وبحاجة لمساعدات أجنبية ما يجعلها عرضة للضغوط السياسية الخارجية. فكيف تطالب الحكم الجديد وفي فترة قصيرة تحقيق أمرين متضادين: طلب المعونة الخارجية للنهوض الإقتصادي وبنفس الوقت إلغاء إتفاقات كامب ديفيد؟ ..”.

“من هو الذي طالب الجيش بإستلام السلطة وإنقاذ البلاد؟ ومن الذي بارك للعسكر إصدارهم بيان 1/7/2013 الإنقلابي؟ الجواب: إنها المعارضة "الديمقراطية" التي يدعمها الفلول والقوات المسلحة على ما تكشف خلال الأيام الأخيرة.”

“كانت الإنتخابات في مصر، كما هو الحال في كل بلدان العالم، هي الحد الفاصل الذي أنهى "الشرعية الثورية" ولم يعد يحق لأحد أن يتذرع بها بعد الإنتخابات إلا في حالة إقتراف رئيس الجمهورية جريمة "الخيانة العظمى" وتواطأ معه الجهازان التشريعي والقضائي . وهذا لم يحصل في الحالة المصرية.”

“ أما المؤيدون للديمقراطية في مصر والعراق فمعظمهم لا يؤمن بالشعب. ... فما أن تباشر حكومة الأحزاب الإسلامية، المنتخبة ديمقراطياً على أسس مدنية، أعمالَها حتى يواجهوها بعرقلة مسيرتها وممارسة التخريب والإرباك أملاً في تسقيطها ومن ثم إسقاطها. ”

“ في مصر إحتج الأديب علاء الأسواني على منح حق التصويت المتساوي لأستاذ الجامعة والفلاح الأمي. لقد تراجع الرجل بعد النقد الذي وُجِّه إليه. وفي العراق كتب المستثقف المتحذلق الدكتور خالد القشطيني عن ديمقراطية الأميين (وأسماها "الأميوقراطية") التي يقيمها "الغوغاء والرعاع" على حد قوله.”

“يتلخص السيناريو بتنظيم جبهتين شعبيتين متواجهتين (كما هو حاصل الآن في مصر) لا يمنع تصادمهما المسلح إلا العسكر الذي يستغل الموقف لتكون له اليد العليا ويبدأ بالسيطرة على كلا الجبهتين بتخويف إحداها بالأخرى.” - (نهاية إقتباس العقابي)

****

في تقديري، يمكننا أن نلاحظ بسهولة تامة، أن الداعمين للإنقلاب (وليس له إسم آخر) يجهدون في المراوغات اللفظية وتجاوز الحقائق الكبيرة من اجل تبرير دعمهم (غير المشروع في المفهوم الديمقراطي). ويمكننا استعارة التعبير الجميل لـ ا. د. حسين حامد، بأن "مشكلة الشارع العربي، تكمن في خياله العنيف، عندما تتعرض مصالحه للخطر"، لوصف "مشكلة المثقف العربي" بأنها تكمن في مسارعته لتبرير العنف، عندما تتعرض أحلامه للخطر، حتى إن كانت تلك الأحلام نبيلة.

إن التحدي الأساسي في الديمقراطية هو النجاح في منع الخلافات الشديدة بين أعضاء "البيت الواحد"، والذي يشتركون في مصلحة سلامته، من إثارة صراع عنيف يحطم ذلك البيت، وبالتالي مصالحهم، وذلك من خلال تقديمها لنظام مقبول من الجميع، يتيح فرصاً عادلة لجميع الأطراف للصراع بشكل سلمي غير قهري، لإدارة هذا البيت.

ما حدث في مصر هو انقلاب الخاسرين، على بنود ذلك الإتفاق الذي كانوا يتوقعون حصولهم من خلاله على الكسب، فقلبوا الطاولة على الجميع. إن التأييد "العلماني" للإنقلاب يذكر بالموقف اللامبدئي ايضاً في تاييد انقلاب السلطة الفلسطينية التي تحولت إلى فرقة إغتيالات إسرائيلية، على سلطة حماس المنتخبة.

الأخبار القادمة من مصر تشير أيضاً إلى حمام دم، قتل قناصة الجيش فيه 51 شخص وجرح ما يزيد عن 400 من أنصار مرسي، حسب نشرة اخبار "إن أو إس" الهولندية لأمس وهذا اليوم (14) ، فما هو موقف المؤيدين للإنقلاب من هذا؟ وأي "وعد" ينتظر مصر حسب تقديرهم؟

لقد فتح هؤلاء "أبواب جهنم" على بلادهم، لأن لهب "جهنم" – الذي طالما اشتكوا من لسعاته في الماضي - يناسب أجندتهم هذه المرة! والأدهى من كل ذلك أن الأغلبية الساحقة من المثقفين "الديمقراطيين" تحتفل اليوم بهذه "الثورة الشعبية"، بدون إدراك للشروخ في هذا المنطق وفي الثمن الذي يتوقع أن تدفعه البلاد ومستقبلها جراء ذلك. فالوطن الديمقراطي وحده هو "البيت"، والأخوان المسلمون يبقون أعضاء كاملي العضوية في هذا البيت، مهما كان رأينا بهم، ومهما اختلفنا معهم ومهما اعتبرنا تصرفاتهم غير محتملة أو قبيحة وخطرة أحياناً. لذا كان يجب منع "إحراق البيت" لأية حجة، أو على الأقل الإمتناع عن المشاركة في هذه الجريمة، والنظر بأسى وألم إلى منظره وهو يشتعل، وليس الرقص على انعكاسات اللهب الذي يلتهمه!

 

صائب خليل

صحيفة المثقف

9-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

...................

(1) مساعد لمرسي: خير للرئيس أن يموت بدلا من أن يلومه التاريخ

http://www.akhbaar.org/home/2013/7/149978.html

(2) المتحدث باسم إخوان مصر : لا مفاوضات قبل عودة مرسي للقصر الجمهوري

http://www.akhbaar.org/home/2013/7/150224.html

(3) مواقف دولية مختلفة: أوباما ينفي التدخل في مصر وكيري يدعو إلى «ديمقراطية تمثل الشعب

http://www.akhbaar.org/home/2013/7/150226.html

(4) المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

http://almothaqaf.com/index.php/democracy/76443.html

(5) صالح الطائـــي: بعد الأحداث المصرية الأخيرة .. التجربة الديمقراطية العربية بين الرفض والقبول

http://almothaqaf.com/index.php/democracy/76486.html

(6) سلام كاظم فرج :فشل الديمقراطية أم فشل الاسلام السياسي أم فشل الفكر الاسلامي؟؟

http://almothaqaf.com/index.php/democracy/76483.html

(7) ا. د. حسين حامد: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

http://almothaqaf.com/index.php/democracy/76502.html

(8) د. مراد الصوادقي: الورطة الديمقراطية...!

http://almothaqaf.com/index.php/democracy/76474.html

(9) على طريق الشعب : تحية لشعب مصر الزاحف نحو غده الافضل

http://www.iraqicp.com/index.php/2013-03-05-12-50-23/2013-03-06-11-49-24/2078-2013-07-06-18-46-25

(10) شاكر فريد حسن :سقوط حكم الاخوان وانتصار الارادة الشعبية ..!

http://www.iraqicp.com/index.php/2013-03-22-11-04-13/2013-03-06-11-59-33/2145-2013-07-08-11-40-29

(11) باقر الفضلي: مصر- الشعب يستعيد المبادرة..!(؟!) -

http://www.akhbaar.org/home/2013/7/150118.html

(12) د. إدريس جنداري: انقلاب مصر .. هل هي عودة التحالف العسكرتاري – العلمانوي؟

http://almothaqaf.com/index.php/democracy/76484.html

(13) سقطت الديمقراطية في مصــــــر على يد الديمقراطيين

http://www.akhbaar.org/home/2013/7/150049.html

(14) NOS Journaal: di 9 jul 2013, 08:00

http://www.uitzendinggemist.nl/afleveringen/15785440

 

raed sodaniبعد 30/6/2013، التاريخ الذي عُزل فيه الرئيس المصري السابق (محمد مرسي)، أول رئيس وحاكم منتخب في انتخابات حقيقية جرت في مصر على مدى تاريخها القديم والحديث،  تصاعد الحديث وبنبرة قوية حتى من الكتاب المحسوبين على الواقع (الديني الإسلامي) ينم عن فرحة كبيرة بهزيمة (الإسلام السياسي)، وكأن الأخوان المسلمين مثلوا المشروع الإسلامي بكل ألوانه، ومن هنا أريد أن أنطلق من عدة أسئلة لعلي أصل من خلالها إلى إجابات عنها، وأول هذه الأسئلة هو التالي: هل هناك (دين سياسي) و(دين غير سياسي) إذ لعبت وتلعب الكنيسة دوراً رئيسياً في مجريات أحداث السياسة العالمية، كما لمعابد اليهود أيضا ومن المعروف عنهم قد كتبوا وأرخوا لملكهم وزواله، بالمعبد الأول والمعبد الثاني،  لنتحول إلى صلب الموضوع بسؤال هل هناك (إسلام سياسي) و(إسلام غير سياسي)، فإذا كانت الإجابة بنعم نجدد السؤال بالآتي ؛كيف وبماذا نصف حكم الرسول (صلوات الله علية وعلى آله وصحبه وسلم) في المدينة هل كان فقط للعقائد والتبيلغ أم لتنظيم شؤون الناس، وبماذا نصف حكم الخلفاء الراشدين (رض) والخلاف الذي وقع بين أنصار الإمام علي وأنصار الخلفاء الآخرين على الأحقية في الخلافة والذي امتد ليومنا الحاضر، وبماذا نسمي ونصف تعيين الولاة والعمال والقضاة وقيادات الجيوش  من قبل الخلفاء، وحتى من قبل الرسول (ص)، وبماذا نصف وأين نضع الخلاف والاستياء الذي جرى وحدث أيام حكم الخليفة عثمان بن عفان بسبب اعتماده في الحكم على آل أمية من مستشارين له وولاة، وأين نضع الثورة التي قادها شباب قدموا من مصر ضد الخليفة الثالث وبالتالي مقتله، وكيف نصف خذلان معاوية بن أبي سفيان له عندما قدم بقوات وعسكرها بمنتصف الطريق ليراقب كيف تؤول الأمور، وبعد ذلك جاءت معركة الجمل وصفين والنهروان، ثم بعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام) حدث فيما سمي عام الجماعة أو صلح الحسن بن علي (عليه السلام) والذي قضى بأن يتنازل الحسن بن علي بالخلافة لمعاوية بن أبي سفيان ضمن شروط وُضعت .ثم في أيام يزيد بن معاوية حدثت ثورة الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) الذي أعلن أنه خرج لطلب الإصلاح في أمة جده والتي آلت أمورها إلى يزيد بن معاوية، الذي أمر بقتل الحسين بن علي وأسرته وأصحابه وسبي من تبقى منهم، لتشتعل بعد ذلك ثورة التوابين وحركة المختار الثقفي الذي حكم الكوفة مدة من الزمن، عاصرتها وزامنتها ثورة مصعب بن الزبير الذي قتل المختار .وبماذا نصف الثورات الأخرى أو التمردات التي قامت ضد الدولة الأموية، وكيف لنا أن نصف حروب الدولة الأموية مع الروم وفتوحات محمد القاسم .وعلى أي صورة نضع استلام العباسيين للحكم بعد انقلابهم على الأمويين واعتمادهم على أبي سلمة وأبي مسلم الخراساني والبرامكة من بلاد فارس، وبعد ذلك اعتمادهم على الترك .بعد ذلك ومن صلب الفقه الشيعي، الإمام المنتظر (عليه السلام) الذي سيقيم دولة العدل في الأرض بعد ما ملأت جورا، فكيف يقيم دولة العدل، أليس من خلال الحكم، والحكم يعني سياسة، وهناك دعاء هذا نصه "اللهم انا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله،  وتذل بها النفاق وأهله،  وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك،  وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة،  يا ارحم الراحمين . اللهم انا نشكو إليك غيبة نبينا عنا،  وكثرة عدونا وقلة عددنا،  وشدة الفتن بنا وتظاهر الزمان علينا" فالدولة الكريمة التي يُعز فيها الإسلام كيف تقوم وكيف تحكم .وهناك في الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين (عليه السلام) دعاء لأهل الثغور، وإن سيجيب مجيب أو معلق أن الصراع كان دينيا، فأجيبه بسؤال، ما معنى الثغور حتى لو كان منطلق الإمام دينيا، وهو منطلق يقيني وحقيقي ولا غبار ولا نقاش عليه أو حوله، ولكن عندما تتقابل الجيوش وترسل الرسائل ويبعث المبعوثون، ألم تكن السياسة جزء من الدين بل في صلبه، كما أن الأمثلة الأولى التي سقناها كانت منطلقاتها دينية لكن تطبيقاتها كيف تكون، أليس عبر الحكم، أي عبر السياسة، وكذلك ينطبق الحال على الدولة العثمانية على أنها تعرف نفسها امتدادا لدولة الخلافة الإسلامية، وعندما اشتركت في الحرب العالمية الأولى وغزت بريطانيا العراق وجدنا الذين قادوا صد الغزو كانوا من المجتهدين في النجف وبغداد بهدف الحفاظ على بيضة الإسلام كما يعبرون وكيف يحافظون عليها ؟ يحافظون ويدافعون عنها ضد الغزو البريطاني العسكري، فهل نستطيع أن نفصل المنطلق الديني عن الفعل والهدف السياسي القائم على الحفاظ على دولة بني عثمان . وهل نستطيع أن نفصل المنطلقات الدينية عن الأهداف السياسية في قيادة المجتهدين لثورة العشرين في العراق ومطالبتهم إقامة حكم وطني بقيادة أحد أنجال الشريف حسين كملك دستوري غير مسؤول ورفع المذكرات تلو المذكرات بخصوص ذلك إلى السلطات البريطانية، وأين نضع وهل نستطيع أن نفصل بين المنطلقات الدينية في قضية تسفير المجتهدين بقيادة الشيخ مهدي الخالصي بعد معارضتهم انتخابات المجلس التأسيسي، هذا على مستوى الحراك الإسلامي غير المؤدلج .وأما الحركات الإسلامية المؤدلجة، أين نضع حزب الله اللبناني القائم على ولاية الفقيه في مقاومته للإحتلال الإسرائيلي منذ 1982 وكذلك مشاركته في الحياة السياسية اللبنانية كما هو الحال مع حركة حماس الفلسطينية التي شاركت في الحياة السياسية مع مقاومتها للمحتل، وأن النتائج التي كانت لحزب الله في كل معاركه مع الجيش الإسرائيلي منذ تأسيس الحزب كانت الانتصارات له والانكسار للجيش الذي لا يقهر كما يزعم قادته، والحال نفسه مع حركة حماس، والمعركتين الأخيرتين خير شاهد على ذلك، سواء فيما سميت عملية الرصاص المصبوب في 2008- 2009أو في معركة 2012، مما يعني أن الدين له أثر بالغ الأهمية في إبراز القدرات التعبوية والستراتيجية والتكتيكية في مواجهة الخصم ولو حسبنا كحساب أولي ما أنجزه العلمانيون، في مقابل ما أنجزه الإسلاميون كما يطلق عليهم في الصراع العربي – الإسرائيلي نجد أن العلمانيين كانت حصتهم الهزيمة منذ أول معركة في 1948إلى آخر معركة في 1982حيث وصلت قوات الجيش الإسرائيلي إلى بيروت لكن الأمر على العكس بالتمام عندما دخلت الحركات الدينية إلى صميم الصراع مما يعني أن الدين يحث على الإبداع وليس الجمود والتحجر كما حدث مع العلمانيين وفي مقدمتهم القوميين، وهذا الحراك المؤدلج لا يمكن إلا أن نضعه بموضع الامتداد الطبيعي للحراك الأول، ولكن تطور الأفكار ومتطلبات العمل قضى بأن تكون أيدلوجيات حاكمة لهذه الحركات الدينية، وهذا ما وعته أمريكا بتجنيدها للمجاهدين الذين قاوموا المحتل السوفييتي لأفغانستان أواخر 1979على الأساس الديني وقد نجحوا في تكبيد السوفييت أفدح الخسائر، ولكن هؤلاء أصبحوا فيما بعد شبكات تنظيم القاعدة وهم ليسوا موضوع بحثنا الآن، لكننا أردنا القول أن أمريكا قد درست الحركات جيدا ووجدت أن الحافز في هزيمة القطب المنافس آنذاك يجب أن يكون ديني لما فيه من ديناميكية تحرك النفوس وإن تحجرت عقول هؤلاء بعد حين نحو هدف القتل فقط وهؤلاء أيضا لا يمثلون الصورة الإسلامية بكل تفاصيلها فقد وجدوا لأنفسهم منهجا تكفيريا خاصا بهم غير مستساغ من قبل أكثر الأطياف الإسلامية.   وأما عن مصر وما حدث فيها ففي حقيقة الأمر كانت مصر سباقة في أدلجة الفكر غير الإسلامي ضمن تنظيمات لها كياناتها من خلال تنظيم الإخوان المسلمين،  كما هي سباقة في إعلان ثورة شعبية ضد الخليفة عثمان بن عفان، وجماعة الإخوان المسلمين أسست عام 1928وبدأ نشاطها عام 1938بعد أن طرحت حلا إسلاميا للمشاكل الاجتماعية الاقتصادية  التي كانت تعاني منها مصر آنذاك، وأعلنت أن دستور الأمة هو القرآن الكريم رافضة الدستور والمجلس النيابي، وأيضا رافضة لفكرة القومية العربية بعد أن طرحت فكرة القومية الإسلامية، وقد حددت أهدافها في الآتي  أولا :أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي وذلك حق طبيعي لا ينكره إلا جائر ومستبد قاهر، وأن تقوم في الوطن الإسلامي الحر دولة إسلامية حرة تعمل باحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي وتعلن دعوته الحكيمة للناس، وهذه الأهداف من حيث المظهر العام وبعيداً عن التطبيقات الفقهية الخاصة بكل مذهب والتي تصل إلى زوايا ضيقة جداً (الطائفية) والتي ظهرت أثناء ممارسة الأخوان للحكم، نجد في هذه الأهداف توحداً مع منطوق الدعاء المذكور أعلاه بالرغبة في إقامة دولة إسلامية كريمة.وحتى فيما سمي بثورة 23في 1952والتي أطاحت بالملكية المصرية كان أغلب قادة الحركة العسكرية منضوين تحت ظل جماعة الاخوان المسلمين بما فيهم جمال عبد الناصر لكنهم اختلفوا مع الجماعة لاشتراطها على اطلاعها القوانين قبل اصدارها كي تطابقها مع أحكام الشرع الأمر الذي رفضه جمال عبد الناصر بحجة رفض الوصاية من أي جهة دينية، الكنيسة أو الجماعة، علما أن الجماعة يعد تنظيما عالميا ولدت منه عدة تنظيمات وجماعات تتخذ العنف وسيلة لها والتشدد في الأحكام طريقا في حياتها، وهنا لا نريد أن نكتب تاريخ الجماعة بقدر ما نريد أن نوصل أو ندحض فكرة وجود إسلام سياسي وإسلام غير سياسي وهل أن هذا الإسلام السياسي قد هزم بإزاحة محمد مرسي والحقيقة أن القضية المصرية تنطلق من عدة منطلقات مهمة وهي أولا: أن مصر صاحبة الحضارة الكبيرة والتاريخ المنير والكفاءات الخلاقة لايمكن أن تنعم بهذه الامتيازات ولابد من تحطيم كبريائها الفكري، وفعلا بدأ تطبيق هذه السياسة في عهد حسني مبارك الذي جعل من مصر معزولة سياسيا واقتصاديا وثقافيا عن محيطها الطبيعي وهو الوطن العربي التي كانت رائدة فيه وفي كل المجالات تقريبا، وبما أن الجوار المباشر لمصر والامتداد القومي والقاري لها قد اضطرب، فتونس التي بدأت فيها التغييرات فيما سميت بالربيع العربي لم تستقر الأوضاع فيها والحال أشد في ليبيا، والجزائر على صفيح ساخن، والأردن المؤثرة جدا مضطربة وسوريا مشتعلة، والعراق الجناح الحضاري المكمل لحضارة الأمة مع مصر اشتعل بفعل الاحتلال قبل غيره،  إذاً مصر ليس استثناء من كل ما يجري في هذا المحيط .ولو عدنا إلى ما بعد 25/1/2011أي بعد تنحي حسني مبارك واستلام المجلس العسكري السلطة لم تتوقف المظاهرات ولا الدعوة إلى المليونيات في ميدان التحرير، ووجهت اتهامات للمجلس العسكري بأنه يقمع الحريات وانتشرت صورة الفتاة التي عريت في إحدى المواجهات بين العسكر وبين المتظاهرين، وقد شاع أثناء حكم المجلس العسكري هتاف (يسقط يسقط حكم العسكر) فمالذي تغير في مدة عام واحد حتى يُدعى الجيش من قبل القوى الرافضة لحكمه وبهذه الصورة التي ظهرت وكأن الجيش المصري زاهد بالسلطة وإنما دعوناه كما يزعمون لأنه عامل الاستقرار الأول متناسين ويحاولون أن يجعلوا على المدة ما بعد مبارك لحين انتخاب مرسي ويسلطوا عليها عملية غسيل دماغ جماعية للشعب المصري والمحيطين العربي والعالمي، يصورون لهم أن عقيدة الجيش المصري لا تسمح له بالتدخل في السياسة ناسين ومتناسين أن مصر بعد 1952لم تحكم إلا من خلال العسكر باستثناء مدة عام هي مدة محمد مرسي، هذا وقد كثرت التقارير التي تقول أيام ما كان حسني مبارك يروج لفكرة توريث نجله جمال أن المؤسسة العسكرية لا توافق مطلقا أن تُحكم مصر إلا من رئيس من المؤسسة ذاتها، وقبل أن نذكر الأسباب التي نراها وراء عزل مرسي لابد لنا من القول أن مصر والعالم قد حبست أنفاسها قبل دقائق من إعلان فوز محمد مرسي بالرئاسة تخوفا من تزويرها ومنحها لمنافسه الفريق أحمد شفيق وبالتالي دخول مصر في صراع أكبر وأحداث أشد من التي حصلت، لكن هل حصل الهدوء في عهد مرسي الأقصر بين الرؤساء المصريين على الرغم من أنه أنتخب بشكل مباشر وأما الآخرين إما بانقلاب جاء بجمال عبد الناصر،  أو بتعيين كما حدث لأنور السادات بعد وفاة جمال عبد الناصر في أيلول 1970أو لحسني مبارك بعد مقتل السادات في 6/10/1981، أما الأسباب التي وجدناه شكلت الصورة في 30/6/2013وما تلاه وإن كانت تبدو بعضها متضادة مع البعض الآخر كانت على النحو الآتي،

 أولا :من البديهي أن الاستقرار السياسي له نتائج إيجابية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية في كل بلد ومن صور الاستقرار تتمثل أمامنا ومن خلال تجربة العراق على سبيل المثال، الحكم بالأغلبية وليس المشاركة والشراكة بالحكم، فالأغلبية تتيح للفائز أن يطبق رؤاه على أرض الواقع دون شراكة في الغنم ومحاسبة وتشديد وتضييق عند الفشل، ومرسي فاز بأغلبية وإن كانت قلقة لكنها في الديمقراطيات تعد أغلبية تمنحه الفرصة ليحكم، وهذا يتعارض مع أهداف ما يسمى الدولة العميقة التي لا تريد لمصر الاستقرار، ولو كان شفيق قد فاز وبأغلبية سيجدون له المبررات الجاهزة للإطاحة به وأول هذه المبررات، أن أحمد شفيق من فلول مبارك.

ثانيا: من المؤثرات في تكوين المشهد ممارسة مرسي لسلطاته والتي نمت عن خطل سياسي وجهل وتجاهل للضرورات الستراتيجية الكبرى وكذلك التكتيكية، وهو قد تعامل في الداخل كرئيس حزب وليس رئيس لبلد، وتعامل بشكل طائفي، وبصورة دعوية لجماعته، وقد تعامل طائفيا مع الملف السوري على سبيل المثال، وتعامل بشكل يثير الشفقة مع أثيوبيا الجار المهم لمصر مما أثار حفيظة المراقبين .

ثالثا: إهانة مرسي للجيش بإقالته لقادة المجلس العسكري المؤثرين في مشهد 52/1/ 2011طنطاوي وعنان بعد شهرين من تسلمه الحكم، وأراد أن يماثل السادات في ضربه ما عرف بمراكز القوى ناسيا أو متناسيا أن السادات قد ضرب ضربته بعد عام من تسلمه الحكم، كما أن للسادات ميزة لا يمتلكها مرسي في أن الأول ابن المؤسسة العسكرية ومع ذلك لم يضربها أو يهينها بالمباشر وإنما تعامل مع سياسيين خرجوا من ثكنات العسكر .

رابعا: الإعلام والذي استخدمه مرسي وأعوانه بصورة سيئة لاسيما من يدعون بالدعاة والذين اصطدموا بأهل الفن ودخلوا مع الإعلاميين والفنانين بقضايا قضائية لا مبرر لها، علما أن هذين المفصلين كل له إمبراطوريته الخاصة به ولهما تأثيراتهما المباشرة وغير المباشرة في المجتمع المصري .

خامسا: الأزهر القوة الفاعلة والتي وجدت في حكم الأخوان تراجعا لموقعها المؤثر فقد بقيت قوة هذه المؤسسة تلعب دورا فاعلا في الحياة المصرية ومن كل النواحي ولها سحرها وجاذبيتها لكن بنفس الوقت لا يروق لها أن ترتقي المسرح قوة تمثل الضد النوعي لها يسحب البساط من تحت قدميها، فكانت الصورة التي ظهر فيها شيخ الأزهر (عضو الحزب الوطني السابق والمعين من قبل مبارك) عند كلمة عزل الرئيس مرسي من قبل السيسي والصورة لا تخطأ ولا تعبر إلا عن الحقيقة في أن الأزهر لا علاقة له بالسياسة فهذا مما لا ينم عن الحقائق، وأما عن ظهوره بعد أيام من عزل مرسي ليعلن اعتكافه احتجاجا وحزنا على ما آلت إليه الأمور من سفك للدماء وحالة الاستقطاب في المجتمع، فيما كان عليه أن لا يكون شريكا في الحدث ويكون وسطيا لو أراد ليؤثر في الطرفين لكنه كان طرفا ولا يشفع له الاعتكاف ولا الاعتزال .

سادسا: الكنيسة وقد ظهرت كشريك كامل في التغيير مما يعزز القول بأنها قد حشدت الحشود فهي الأخرى لا يروق لها أن تحكم جهة دينية إسلامية عقائدية في مصر والصورة أيضا لا تخطأ في أن الكنسية وأتباعها وقفوا في أحداث 30/ 6وبصورة كبيرة ووجود البابا تواضروس تبين حجم المشاركة والتأثير .

سابعا: القوى التي شاركت في أحداث 25/1/2011والتي شعرت بأنها قد خسرت وتخسر لو استمر الأخوان في حكم مصر لاسيما أن الخطاب الديني له جاذبيته على الرغم من قوة الخطابات الأخرى.

ثامنا: النخب التي لها امتداداتها بالخارج مثل محمد البرادعي وهو شريك كامل في الصورة مع الأزهر والكنيسة والجيش .

تاسعا: فلول مبارك وهم كثر بطبيعة الحال واستغلوا فرصة الاستياء العارم نتيجة سياسات مرسي .

عاشرا: بلدان الخليج العربية والتي لها تاريخ من العلاقة قائمة على الخصومة والعداء مع الجهات الدينية مثل السعودية التي سارع ملكها بالتهنئة بالتغيير وكذلك مسارعة الإمارات التي لها خصومة شديدة مع الأخوان في الإعلان على ارسال معونات إلى مصر، ولا ننسى الأردن أيضا والذي يعاني من تأثيرات الأخوان المسلمين .هذه عوامل وجدتها من خلال متابعتي السطحية في حقيقة الأمر فلا أدعي أنني ملم بأطراف القضية المصرية بأنها قد أثرت في الحدث المصري الكبير، وفي الأخير علينا أن لا ننسى السياسة الاقتصادية التي مارسها مرسي والتي كانت مرفوضة من قبل المجتمع المصري والتي أخذت كحجة رئيسة في رفض حكومته وعزله بهذه الصورة السريعة، والنتيجة التي نستخلصها بأن مصر لم ولن تشهد الاستقرار سواء بوجود مرسي أو بعدمه فالمرسوم للمنطقة الاشتعال وليس غيره . 

 

رائد عبد الحسين السوداني 

صحيفة المثقف

9-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

 

abdulelah alsauqملف المثقف (فشل الديموقراطية أم فشل الاسلام السياسي أم فشل الفكر الاسلامي؟)

الاسلام السياسي لم يهزم بعد فهو سليل تجربة طولها اربعة عشر قرنا، وكل الحروب التي دارت بين المسلمين ومهما كانت المسوغات فهي حروب بين السياسيين بغطاء ديني مهلهل، والمتأسلمين الذين ظهروا في العقدين الأخيرين وتطوروا بسرعة غير اعتيادية وجذبوا نحوهم الاضواء الاعلامية يمتلكون التاريخ الذي يخدم وجودهم الجغرافي ونزوعهم المتطرف، بل ووجدت الدول المتحضرة (الطموحة) في هؤلاء حصان طروادة تدخل به الامم المسيجة دون عناء تعثرت التجربة الاسلامية بعد موت النبي صلعم، موته المفاجيء،تعثرت حتى خلال عهد الخلفاء الراشدين حيث اغتيل ثلاثة خلفاء راشدين من اصل اربعة لمسوغات مختلفة تماما، وباستثناء خطابي ابي بكر الصديق وعلي بن ابي طالب فإن خطابي الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان تسللا الى العهد الأموي وصبغاه بصبغة خاصة، خطاب الخليفة عمر بن الخطاب الشديد وخطاب الخليفة عثمان بن عفان المنفلت،واذا سقطت الدولة الاموية وصفيت رجالاتها وبيوتاتها بوحشية مؤلمة لم يشهد مثلها التاريخ، فإن الخطاب الأموي لم يصفَّ فاندلق الى الخطاب العباسي، فتهم الزندقة والشعوبية وأهل التسوية والارتداد كانت تتسرب من عهد سابق الى عهد لاحق بانسيابية مدهشة المكر،وكان الضحايا من العلماء والمفكرين والفقراء ... يتوارثون جلاديهم، الجد والوالد والابن والحفيد، واساليب القمع باسم الله هي هي، حتى قال احد ضحايا البيت العباسي ملخصا القول:

تالله ما فعلت أمية مثلما معشار ما فعلت بنو العباس

وحين سقط البيت العباسي على يد الغازي هولاكو 656 هـ سقط على ايدي كبار رجالات السلطة العباسية مثل ابي بكر ابن الخليفة المستعصم بالله، لم يجد مؤرخو الغفلة والنفخ في الرماد سببا لسقوط بغداد على ايدي المغول وتآمر بعض اعمدة البيت الحاكم مع المغول سوى عالم زاهد جليل قاده سوء حظه للسياسة المتجلببة فعمل رئيسا لوزراء الخليفة المستعصم فاتهموه بالخيانة لا لأنه خان حقا بل لأنه مخالف لرجال السلطة في قناعاتهم جغرافية ومذهبا وولاءً، قارن :

http://www.culturaldh.net/cul/news.php?action=view&id=875

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=12572

وتشرذم الكيان السلطوي على عدد من الدول في الشرق والغرب، دول عربسلامية ذليلة ضعيفة سفكت من الدماء الكثير الذي لايتناسب وحجمها ومباديء الاسلام الحنيف، اما الديموقراطية فهي لم تهزم ولن، والسبب اننا لم نتذوقها بعد ولم نرها ولم ترنا، فكيف تهزم قبل ولادتها، او زيارتها في الأقل،ويتبقى لدينا الفكر الاسلامي، فنعجب كيف تعدد الفكر الاسلامي حتى بات افكارا، بحيث ظن بعض المفكرين الكبار انه بات اسلامات مثل الصادق النيهوم الذي توصل الى ان الفكر الاسلامي واقع في الأسر واننا نعيش زمننا هذا لنشهد حروبا بين المسلمين ، ظاهرها الدين وباطنها السياسة، فثمة (اسلام ضد اسلام) ،اذن لم يهزم الحكام الملتحون بل المهزوم الحقيقي هو الشعب المسكين،

نعم نحن نقطف ثمارالعصبية والدموية في التاريخ العربسلامي المقيت بعد أن نضجت ثماره ، ثمار دراسته الشيطانية أو تدريسه من المدرسة الإبتدائية الى مراحل الدكتوراه، نقطف ثمار اطلاق يد المؤرخين الكذابين او الموتورين الممالئين للسلطة كل سلطة دون ان يكون للجماهير دخل في ذلك، وكما قيل (الحكام يزرعون الشوك والجماهير تحصده) المؤرخون المنافقون لكل سلطة، أي سلطة او الملتاثون بلوثة انا الحق المطلق وسواي الباطل المطلق، انا من حزب الله وحزب الله هم الفالحون وغيري من حزب الشيطان وحزب الشيطان هم الخاسرون، نقطف ثمار المجالس المتخمة بالفراغ و المنفتحة على اي منطيق بارع في الحديث وجاذبية المناورة، نحن نجني ثمار حكومات العائلة التي حكمتنا منذ فجر تاريخنا، نحن ضحايا بيوتات العائلة، او البيوتات المقدسة دون بيوتات الآخرين المدنسة، من القرن الاول الهجري حتى الساعة وحتى قيام الساعة،، فشيعة أهل البيت يرون دماءهم مهدورة ودماء المسلمين مغدورة لأن السلطة اغتصبت منهم وهم اولى من كل المسلمين دون استثناء لأن السيدة فاطمة الزهراء أم الأئمة عليها وعليهم السلام في خندقهم وتباركهم، العباسيون يرون قول الشيعة مخالفا لمنطق روح الدين وقيم العرب فشيعة بني العباس ينكرون على الشيعة الطالبيين دعواهم و المسوغات وفيرة، يزعمون ان ميراث الفاطميين غير شرعي فالسيدة فاطمة الزهراء امرأة (كذا) والعباس عم النبي ذكر، والذكر اولى من الانثى عند العروبيين وعند المسلمين،،فبيتهم اي بيت بني العباس اولى، تاريخنا العروسلامي وباء مكثف وثقافتنا الدينية دماء معلبة ماركتها طبعة متميزة قائمة على التاريخ، السُنة ملتزمون بسنة الرسول والصحابة وهؤلاء اقرب للاسلام والشيعة ملتزمون بالبيت النبوي ففي بيوتاتهم تنزلت سور الكتاب فهم الصق بالاسلام من غيرهم، دعبل الخزاعي توفي في العقد الثاني من القرن الثالث الهجري، يشير الى حق اهل البيت في ادارة البيت الاسلامي وظلم مناوئهم لهم:

مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحيٍ مقفرِ العرصات

حتى الجواهري الكبير في زمننا هذا حين خاطب الملك حسين (،، ) الجواهري العارف نافح عن حق ثقفه بالرضاعة عن اهل البيت :

يا ابن الذين تنزلت ببيوتهم سور الكتاب ورتلت ترتيلا

البيت العباسي كرس ان الاسلام نهض بهم، والعباسيون هم اهل بيت النبي دون سواهم (خطبة داود بن علي : الحمد لله شكرا شكرا شكرا الذي أهلك عدونا وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد أيها الناس الان أقشعت حنادس الدنيا وانكشف غطاؤها وأشرقت أرضها وسماؤها وطلعت الشمس من مطلعها وبزغ القمر من مبزغه وأخذ القوس باريها وعاد السهم إلى النزعة ورجع الحق إلى نصابه في أهل بيت نبيكم أهل الرأفة والرحمة بكم والعطف عليكم)،، انتهى

بمرارة اقول ان العقلاء او الحكماء منا ومنهم بين قتيل وسجين وطريد، انت ايها المسلم ان لم توافق قرارات البيت الشيعي فأنت سني، وانت ايها المسلم ان لم تؤيد مواقف السنة فأنت شيعي، انت ايها المسلم ان لم تمش على خط الطباشير فأنت كافر ودمك مسفوك،، حتى العصر الحديث فطلاب الابتدائية وهم اطفال يُلَقَّنون الطائفية وشرعية قتل الآخر،، وعلى حد اطلاعي/ ففي تسعينات القرن العشرين في السعودية والمغرب كانت المناهج تحرض الاطفال على تكفير الشيعة لأنهم يقولون خان الأمين (كذا) وبعض الشيعة يرون السنة بعد موت النبي صلعم قد استأثروا بالحكم وحرفوا المنهج، لاتتعب نفسك ايها القاريء العزيز فليس ثمة من يصغي اليك ليحاورك بل ثمة فقط من يحذرك وإلا فيكفرك، الإرهاب كان ينافسنا على حليب الرضاعة ومهد الطفولة، لقد تعين على الحكماء تغيير الدلالات اللغوية والاصطلاحية، فالحرية تعني عندنا القمع والأمن هو القتل والإيمان العمى، وقس على ذلك،، .

اسئلة المثقف تطرح اشكاليات العقل العربي قبل الواقع العربي، تطرح الفكر التاريخي قبل الفعل الجغرافي، فكيف تتوفر مقالة واحدة على اجابات متعددة، غريب حقا ان يتكلم السياسيون المتأسلمون عن الديموقراطية الغربية وكأنها واحدة من منجزاتهم، وغريب ايضا ان يستغلوا هذه الديموقراطية ويبشروا بها وهذه افكار الاسلامويين وكتبهم فيما كتبوا وفيما خطبوا تحذر المسلمين من وباء الديموقراطية الغربية الكافرة الاباحية - كذا -، نحن داخلنا فرح ساذج ان الاسلاميين تعلموا الدرس واعترفوا بالواقع، ولكن الاسلام السياسي يمتلك خبرة الف وقرابة اربعة قرون سنة من تصفية الآخر وحكم الكافة وانتاج المسوغات، بعد ان ثقفوا الشارع بهرطقاتهم، الشارع الجاهل الجائغ العاري المشرد المريض، دعوا الى الديموقراطية بصراخ وصياح وعياط وشياط، وازالوا حكاما علمانيين سفلة قتلة مثل القذافي وبن علي ومبارك، وجاء الدور على بشارالأسد حاكم سوريا ومن والاه، ووضعوا الجماهير في طابور قبالة صندوق الاقتراع وفازوا بل هم موقنون بفوزهم، وحين فازوا غيروا قوانين الاحوال الشخصية وانظمة البنوك وهمشوا المرأة ومنعوا المنتديات الاجتماعية وفجروا نوادي الترفيه، وبلبلوا المناهج الدراسية ووسائل الاعلام كأنهم اعلنوها افغانستان جديدة، وحين ثار عليهم الذين انتخبوهم كفروهم ومثلوا بجثثهم وصرخوا نحن الشرعية نحن فزنا بصندوق الاقتراع، نحن حماة الديموقراطية، والسؤال متى هؤلاء يتعلمون ان الديموقراطية ليست صندوق اقتراع حسب الديموقراطية هي التي تجيء بعد صندوق الاقتراع، ان خطيئة هؤلاء هي انهم يقرأون النص بنظارات معتمة كاتمة الضوء، والموجز لمقالتنا هذه هو : لم يسقط الاسلام السياسي بعد، وربما لن يسقط فهم ثقفوا على ان تتقبل شعوبنا فكرة ان تقتل غيرك من اجل الدين ان يقتلك غيرك في سبيل الدين فالجنة مثواك واحضان العذراوات مأواك، سقطت ثقافتنا ولما يسقط الاسلام السياسي سقطت حضارتنا ولما يسقط الاسلام السياسي، واذا قلت لي سقط الاسلام السياسي في نظري ونظرك، عندها سأقول لك ومتى كان نظري ونظرك مأخوذاً بهما ؟ الديموقراطية لم تسقط عندنا لأنها لم تولد بعد، فأنواؤنا العروسلامية طاردة للضوء والعبق والجمال، بحيث طمع الاخوان المسلمون في حكم مصر الحضارة والحرية بلحى كثة وعيون حمر وظنوا ان الساحة ستخلوا لهم حتى ايقظتهم الجماهير المليونية وطردتهم عن البانوراما المصرية، وما جرى في مصر سيجري آجلا أو عاجلا على كل الدول العروسلامية .

 

عبد الاله الصائغ

صحيفة المثقف

9-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

alwarth alhasanكثر القيل والقال عن إطاحة العسكر بالرئيس المصري المنتخب، فإذا كانت القوى المساندة ( التيار الإسلامي=القطري) تعتبره نوعا من الانقلاب العسكري، فإن القوى المعارضة (أتباع العلمانية المحافظة = السعودية) يرى فيه تصحيحا من الجيش لمسار الثورة، وبين هذا وذلك، احتدم الجدل وكثر اللغط: فهل خطوة العسكر بزعامة السيسي تصحيح أم انقلاب ؟ هل هو انقلاب عسكري محظ أم ثورة ثانية؟ أم أنه انتصار لحركة تمرد الافتراضية؟ أم هو صدام القوى الفاعلة في الخارج خوفا من نجاح التجربة التركية في مصر؟

إن أغلب التنظيمات الإسلامية داخل وخارج مصر، اعتبرت أن ما حدث هو انقلاب عسكري على الشرعية لرئيس انتخب ديموقراطيا، فداخليا تشكلت الجبهة الوطنية للدفاع عن الشرعية ودعت إلى الاعتصام في الميادين والساحات تنديدا بانقلاب العسكر، وخارجيا اعتبر حزب العدالة والتنمية التركي وحركة النهضة التونسية وجبهة الإنقاذ الجزائرية،،و حركة التوحيد والإصلاح وجماعة العدل والإحسان المغربيتين، وعدد كبير من التنظيمات الإسلامية واتحاد علماء المسلمين، ما حدث بالانقلاب العسكري على شرعية رئيس منتخب بشكل ديمقراطي، وإقليميا تعزز بقرار الاتحاد الإفريقي تعليق عضوية مصر، وكذلك كان تضارب مواقف مجموعة من الدول الأوروبية التي أعرب البعض منها عن قلقها من تدخل العسكر في الحياة السياسية داخل مصر كالولايات المتحدة الامريكية وبعض الدول الغربية .

لكن الملفت النتباه حقا، هو تحيز جامعة الدول العربية الى جانب السلطة العسكرية الجديدة معتبرة ما حدث على أنه ثورة جديدة، بل وتقاطرت على قصر الاتحادية جملة من رسائل التهنئة والتبريك بخطوة تولي العسكر للحكم في مصر، من مجموعة من الدول العربية كالسعودية، الأردن، الإمارات والمغرب والبحرين، وتحدثت دول من أوربا الغربية كبريطانيا وفرنسا عن أن ما وقع ليس انقلابا عسكريا، في خضم ذلك سادت حالة من الفرح بين جموع شباب تمرد المصريين الذين نظموا تظاهرات 30 يوينو في ميدان التحرير وكافة المحافظات المصرية، وكذلك الأمر بالمنظمات الحقوقية والمدنية المصرية، في المقابل نظمت الجبهة الوطنية للدفاع عن الشرعية اعتصامات وخطابات مناوئة للعسكر واعتبرت قيادات من الإخوان المسلمين التي تناوبت على منصة رابعة العدوية أن محمد مرسي هو الرئيس الشرعي لمصر وأن اي رئيس يحل محله هو خارج عن الشرعية

في هذه الأثناء تناقلت كبريات الصحف في العالم مقالات تشرح للرأي العام الدولي حيثيات المشهد المصري والاحتمالات الممكنة والمرتقبة، في ظل شد الحبل بين المعارضين والمساندين للرئيس المخلوع وتضارب عدد التابعين لكل اتجاه او فصيل في الميادين والساحات ( رابعة العدوية وميدان التحرير بالأخص) . هكذا، نشر جونثان ماركوس، مراسل الشؤون الدبلوماسية في قناة البيبيسي البريطانية، مقال يتحدث فيه عن أن هذه الواقعة، تؤرق فعلا الخبراء السياسيين، فوزير الخارجية البريطاني، وليام هيغ، علّق عليها قائلا:" إنه تدخل عسكري في نظام ديمقراطي، لكنه تدخل عسكري يحظى بشعبيته". حيث تحدث ماركوس في هذا السياق، عن أن الجيش المصري له دور كبير في السياسة منذ ثورة 25 يونيو، وهو الدور الذي لن يختفي على الأجل القريب، وأن السيسي لن يقبل أن تبقى قواته متفرجة على الأوضاع السياسية وأن تغلق على نفسها في ثكناتها لحماية الحدود.

وزاد ماركوس أن إبعاد رئيس منتخب ديمقراطيا من قبل الجيش، يبدو في أي تعريف انقلابا، ولكن من ناحية أخرى، لا يمكن الحديث عن أن مصر عرفت في عهد مرسي ديمقراطية، ف"دورة انتخابية واحدة، مهما كان التوق الشعبي للتغيير، لم تجعل من مصر ديمقراطية، لأن هذا الدولة، ومثل العديد من البلدان الأخرى التي تصبو نحو الديمقراطية، لم تستطع بعد ترسيخ عادات السلوك الديمقراطي لدى الشعب وكذلك الزعماء السياسيين، ومرسي نفسه، لم يتشرب بالديمقراطية بشكل كاف".

وعبّر ماركوس عن ما حدث بقوله:" إنه انقلاب غير قياسي في ديمقراطية غير مكتملة" داعيا الخبراء والمؤرخين وحكومات المنطقة والدبلوماسيين في العالم على التعامل مع واقع مصر الجديدة.

أما فريد زكرياء، محلل سياسي بقناة سي إن إن الأمريكية، فقد كتب على أنه مثير للدهشة أن يعود الجيش المصري إلى واجهة الأحداث رغم الامتيازات الكبيرة التي يتوفر عليها، متحدثا عن أن ما قام به السيسي يعتبر انقلابا ناعما، لكنه كذلك خطوة ذكية للغاية منه، عندما أحاط نفسه برجال الدين والمعارضة، وعندما صرّح للعالم أنه سيدعم بناء دولة ديمقراطية عكس دولة الإخوان التي ظهرت عيوبها برئيس منتخب حكم بأسوأ طريقة ممكنة وتجاوز سلطاته وتجاهل الأقليات وتسبب في احتجاجات واسعة.

وأضاف زكرياء أن هناك طريقين أمام مصر بعد هذا التدخل العسكري: إما تكرار تجربة الانقلاب العسكري 'الناعم' في تركيا عندما أسقط الجيش حكومة أربكان الإسلامية بدعوى أنها تهدد النظام العلماني التركي، قبل أن يتراجع عن قراره فيما بعد، ويساهم في تنظيم انتخابات جديدة منحت الحكم لحزب العدالة والتنمية الذي ابتعد عن الدخول في صراع مع القوى العلمانية واحترم مبادئ الدولة العلمانية، أو أن تمشي مصر في اتجاه السيناريو الجزائري بداية التسعينات عندما ألغى الجيش نتيجة الانتخابات التي تصدرتها جبهة الإنقاذ الإسلامية، فكانت النتيجة عشرية دموية لم ينسها الجزائريون إلى حدود الآن، مشددا على أن تكرار أي من النموذجين، يعتمد بشكل كبير على رد فعل جماعة الإخوان المسلمين وتعاطيها مع الأحداث.

على أن هامش هذه التحليلات السياسية يترك لنا مجال إبداء الرأي ونقول، إن خطوة العسكر المصري شبيهة إلى حد ما وقع في بعض الدول التي يشكل فيها العسكر قطب العصب السياسي ( الجزائر، تركيا، فينزويلا نموذجا ) وبالنظر إلى هذه التجارب السياسية للعسكر فقد تنوعت النتائج بين الدموي ( الجزائر) والعودة إلى الشرعية ( تركيا، فينزويلا ) وبين هذا وذاك يعيش اليوم المشهد السياسي المصري قاب وقوسن أو أدنى من أحد الخيارات لا ثالث لهما، فإما حمل السلاح والاقتتال أو العنف السياسي (رغم السلمية الطاغية اليوم عند بعض الإخوان المسلمين) أو عودة العسكر إلى رشده والانصياع إلى حركات التمرد الإسلامية المناوئة، هذا بطبيعة الحال مع قياس درجة رد فعلها وقدرتها على حشد مزيد من الجماهير وخلق توتر في الميادين إلى درجة تتوقف معها المصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للبلد وانهيار الاقتصاد وبروز شبح الكساد إلى حد لم تعد معها الأمور يتحكم فيها الجيش والسلطة المفروضة . وبذلك يكون إسقاط "مرسي" اليوم هو إسقاط لدولة إسلامية شرعية ويكون انقلاب العسكر هو انقلاب على الدين وتآمرا على الإسلام من طرف لوبيات الرأسمالية العالمية في سبيل إقامة دولة مدنية تقترض وترابي وتطبع مع إسرائيل ضد فلسطين (حماس) .

 

بقلم : د الوارث الحسن*/ المغرب

- في 08/07/2013 م .

*- أستاذ باحث .

صحيفة المثقف

8-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

adil ridhaتصريحات الرئيس السوري د.بشار الأسد بأنه أنتهي الإسلام السياسي لا أتصور أنها تصريحات دقيقة، فالإسلام أستمر بالعودة إلي واجهة الإحداث فهو الرسالة الجامعة المطبوعة في روح الإنسان الشرقي وهو في نفس الوقت ثقافة النهضة المظلومة الغائبة عن الواقع بالجاهلية المعاصرة التي يعيشها الإنسان العربي إلي يومنا هذا.

 بعد الانقلاب العسكري الثاني المكرر ضد حكم الإخوان المسلمين الذي جاء لإنهاء حالة الغضب الشعبي المصري الكبيرة والعارمة ضد حكم الإخوان المسلمين، أصبح من الواجب محاولة قراءة ما وراء اللعبة والتفكير بصوت عالي بما حدث ولماذا حدث؟

كاتب هذه السطور لا يتصور أن الإسلام كحالة صانعة للنهضة قد  انتهت من الوجود بنهاية جماعة الإخوان المسلمين من الحكم بمصر، لأن الواقع التحليلي يختلف لدي كاتب هذه السطور حيث أنظر أي المسألة علي أنها نهاية لموقع من مواقع الإسلام الأمريكي بالمنطقة العربية والذي هو علي سبيل المفارقة المدهشة نفس الإسلام الأمريكي الذي حذر منه المرحوم سيد قطب بكتاباته، والذي يمر الزمن لتقع فيه جماعته الحزبية، وقبلها وقع فيه الإسلاميون بالعراق الجريح عندما رمي لهم الأمريكان "العظمة" إذا صح التعبير كما رموها للإخوان في تونس ومصر.

لعل أن الشعب المصري قد قام بما فاجئ الجميع في يوم الثلاثين من يونيو بحركة تمرد الشبابية ولعلها عودة إلي أساسيات الثورة الحقيقية التي قامت قبل عامين، والتي هي بالأساس منتوج خروج آليات الثورات الناعمة عن السيطرة واستفادة الشباب المصري منها في قلب نظام يتحرك بخط خدمة مصالح الاستكبار العالمي وهو نظام حسني مبارك كما هو معروف وموثق.

أن حزب جماعة الإخوان المسلمين كانوا يعتمدون علي بقائهم علي مسألتين وهي شرعية حكمهم ديمقراطيا من ناحية ومن ناحية أخري مساندة الجيش المصري والقوي الأمنية لهم ضد أي تجمعات مليونية تتحرك ضد حكمهم، والتي كانوا يراهنون علي تجاهلها لتأخذ زخمها العاطفي ويقل تأثيرها مع مرور الزمن، وهذا ما حدث مع مليونيات كثيرة، ولكن خروج ثلاثة وثلاثين مليونا من المصريين إلي الشوارع بمساندة إعلامية واسعة تم سحب ورقة الجيش الضامنة فتكرر بسيناريو مبارك مرة أخري مع الدكتور مرسي.

لدي كاتب هذه السطور وجهة نظر تقول أن الأمريكان يخافون من المجهول في مصر لذلك يعيشون التخبط ودليل التخبط هو تدخل الجيش مرتين ضد حلفاء الأمريكان مرتين الأولي ضد مبارك والثانية ضد مرسي وهم لا يريدون اكتمال الدورة الثورية ليدخل الأمريكان إلي المجهول وتسترد مصر كدولة قرارها المستقل الذاتي الحر بعيدا عن المشاريع الأمريكية.

من كل هذا يتضح إن ليس للأمريكان صديق ولا حليف وهم تخلوا عن الإخوان المسلمين بسرعة بعد الملايين الثلاثة والثلاثين الذين خرجوا للشارع  لذلك أتصور أن تحرك الجيش المصري لم يأتي  إلا بكرت أخضر أمريكي، وهو نفس الجيش الذي أمن ومنع سقوط وانهيار نظام الإخوان المسلمين وحماه من تظاهرات اقل عددا وأخف كثافة ولكنها مظاهرات أيضا قوية وذات زخم، فلماذا دفاع هنا وإسقاط من هناك بفترة زمنية قصيرة؟

أن العقلية المصرية طيبة وهي تعشق وتعبد الفرعون الطيب دائما والرحيم دائما وإن قتلهم وعذبهم واستغلهم؟!

 

 والفرعون الطيب في العقلية المصرية حاليا هو الجيش المصري والذي لا أتصور أنه خالي من اختراقات أستخباراتية وخاصة بعد انكشاف مصر منذ أكثر من ثلاثين عاما كملعب للاستخبارات الدولية عموما الاستكبارية خصوصا .

علينا أن نفكر عند قراءتنا الواقع المصري وأي واقع بمقولة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر :أذا رضت عنا أمريكا فأعلموا أن هناك شيئا خاطي، من هذه المقولة انطلق لأقول أن قبول الأمريكان بما يسمي أسلام "أمريكي" يتحرك في تركيا والعراق وتونس وألان في مصر يثير علامات الاستفهام عن هذا القبول والموافقة علي التواجد، لأن الأمريكان حسب تاريخهم  لا يريدون ويرفضون أي حالة تسعي للحرية والاستقلال الحقيقي بغض النظر عن ماركسيتها، قوميتها أو أسلاميتها .

أن الأمريكان يحاربون أي تيار أو فكر ساعي للحرية تتحرك ضد مصالحها وهم أصدقاء مع أي يافطات ماركسية وقومية أو أسلامية تؤمن لها مصالحها، من هذا كله ننطلق ونقول:

  أن هناك أسلام أمريكي يتحرك في فلك المصالح الامبريالية الأميركية.

أن الخوف من هكذا أسلام"أمريكي" أنه قد يتحرك خارج نطاق بلدان الإسلام "الأمريكي" ليتحرك في الخليج وباقي دول المنطقة لتقسيمها طائفيا، كما هو منشور ومعلن في مشروع آيتان شارون وما تم ذكره من خرائط لشرق أوسط جديد.

وهو ما تم تثبيته بمقررات المؤتمر الصهيوني الدولي الأخير بخلق حالة من الكراهية الإسلامية بين المسلمين السنة والشيعة وخلق حاجز نفسي بين المنطقة العربية والنظام الإسلامي المقام علي أرض إيران، هذه المقررات التي ينفذها عملاء الصهيونية من فضائيات للفتنة والكراهية مرورا بشخصيات دينية بعمامة أو من دون عمامة تحاول نشر الفتنة بين المسلمين، لذلك نقول دائما أن أي موقع ديني أو شخصية علمائية تسعي للكراهية بين المسلمين من أي مذهب كان هو خادم للصهيونية العالمية وعميل لها بالمجان من خلال عقده الذاتية أو بالدفع المالي المباشر.

ماذا حدث قبل حركة "تمرد"المصرية التي قامت بالثلاثين من يونيو؟

قام حزب جماعة الإخوان المسلمين بمحاولة فرض أمر واقع علي مجمل الحالة الثورية الحقيقية التي أسقطت نظام مبارك.

واعتماد الإخوان علي الجيش كضمانة أدي إلي محاولات  لجر الجيش المصري إلي التصادم مع الشعب ومجمل الحالة الثورية الشعبية المصرية وهي حالة غير مؤدلجة بأي فكر أو أيديولوجية ماركسية قومية أو أسلامية وهذه الحالة الفاقدة للأدلجة هي التي أسقطت نظام مبارك، نقول أن محاولة جر الجيش المصري إلي التصادم مع مثل تلك الحالة الثورية كان سيضرب السلم الأهلي المصري من أجل الحفاظ علي السلطة الاخوانية.

لذلك ما قام بها الإخوان المسلمين وما كانوا يؤملون بتحقيقه علي أرض الواقع كان مجازفة خطرة، وهو بمثابة محاولة سرقة ثورة شعب،  تسويقها لمصالح جماعة حزبية تتسلق علي الثوار الحقيقيين

 من كل هذا ننطلق لنسأل أسئلة مهمة؟

لماذا محاولات التجاوز علي الحالة الشعبية المصرية الحقيقية؟

لماذا محاولات فرض أمر واقع علي مجمل الشعب المصري من خلال فرض دستور غير توافقي خدم مصالح فئة حزبية واحدة؟

أن محاولة فرض دستور غير توافقي علي شعب كامل هو محاولة سرقة الثورة وتضحيات الشهداء.

نحن نقول أنه كان علي الإخوان المسلمين محاولة فرض حوار "حقيقي" وليس حوار "تمطيطي" مع القوي الثورية الحقيقية التي صنعت الثورة.

 

ماذا حدث بعد ثورة"تمرد" المصرية؟

 سقط حكم الإخوان المسلمين بثورة شعبية هي الأضخم من حيث أعداد المشاركين من الثورة ضد حكم مبارك، واللافت بالنظر إن الجيش تدخل فأقال مرسي كما أقال حسني مبارك والاثنان يقولان بشرعيتهما ويرفضان التنحي من باب شرعيتهما الدستورية!

إذن  نفس طريقة الإسقاط ونفس حجة الامتناع عن السقوط.

لا شك أن د.محمد مرسي لديه شرعية الانتخاب الديمقراطي هذه صحيح ولكن هو جاء ضمن قاعدة شعبية اجتماعية مساندة لم تصوت له حبا ب"علي" بل كرها ل"معاوية".

ضمن قاعدة اجتماعية مهزوزة وشرعية انتخاب ديمقراطية جاء أداء الرئيس مرسي كما تابعه العالم كتابع منفذ لأوامر المرشد الحزبي أكثر من كونه قائد حقيقي.

كان د.محمد مرسي إنسان يحاول أن يكون رئيس ولم يكن الرئيس الفعلي ولم يكن صاحب قرار بل منفذ لأوامر، علي الأقل هذا ما أحس به الناس وشعر به المصريين.

ولعل المحلل السياسي يستطيع قراءة أسباب سقوط الإخوان المسلمين من باب ثلاثة منطلقات صنعت السقوط.

الأول  الاقتصاد.

الثاني الاستفراد بالسلطة(أخونة الدولة).

الثالث الجانب الدولي وخاصة القطيعة مع سوريا  .

بالاقتصاد تم الابتعاد عن البرامج لحل الأزمات حيث شعر الشعب بفقدان لمشروع نهضة قادم وجديد مع الرئيس المنتخب وظهر اهتمام مقدم علي الاقتصاد وعلي برامج النهضة المفقودة وهو أخونة الدولة ولست أقول أسلمة الدولة، حيث حتي المشروع الفكري بالاسلمة لم يتم تطبيقه ولا حتي التنظير الثقافي له لفقدانه كثقافة حركية لدي الجماعة أو من باب أرضاء الأمريكان، فتم الاهتمام بأخونة الدولة من حيث الولاء مقدم علي البرامج المفقودة، وأصبح الانتماء الحزبي المطيع له الأولوية بالمواقع الحكومية عن الكفاءة المنتجة.

أذن السيطرة أصبحت البرنامج وأصبحت الاخونة هي الأولوية علي كل شيء.

هذا الهوس بالاخونة أدي إلي الانفراد بكتابة دستور من دون توافق وطني،ضمن قاعدة شعبية لا تحب"الإخوان"ولكنها تكره"نظام مبارك"!

حين نقارن إسلاميين بإسلاميين آخرين أذا صح التعبير نجد أن الإسلاميين علي أرض إيران استندوا علي قاعدة ثقافية قوية عالمية ممتدة عابرة للطوائف والأديان ركيزتها أفكار الدكتور علي شريعتي وبقاعدة اجتماعية راسخة وتنظيمات تحرك الجماهير وبقيادة واضحة لها قرار ضمن واقع شفاف للجميع وقيادة تعيش كأفقر فقير.

ولكن فيما يخص الاقتصاد نجح الإسلاميين علي ارض إيران ببداية الثورة بمشاريع مهمة ومنها كهربة كافة القرى وإيصال المياه والغاز والانتهاء من كافة البني التحتية للقرى في ظل ظروف حرب مفروضة علي النظام الإسلامي الوليد آنذاك.

ما أريد قوله أن الناس علي أرض إيران أحسوا أن هناك من يبني ويعمل لهم بشفافية في ظل ظروف صعبة بغض النظر عن الأوضاع المعيشية الصعبة جدا الآن علي ارض إيران التي لها ظروفها والتي ناقشناها بمكان أخر  ولكننا هنا نتحدث عن البدايات وهي أسست لارتياح ضمنت استمرار مساندة شعبية وبقاء قاعدة اجتماعية مساندة.

نجد العكس في القطر المصري حيث كما أسلفنا غياب للنظرية الإسلامية  وحتى عن محاولة التطبيق واستبدال ذلك بالاخونة ولست أقول الاسلمة، وأيضا غياب مشروع للنهضة وأحساس المواطن البسيط أن فقره أزداد وأن ليس هناك من يعمل له ولصالح تحسين ظروفه المعيشية التي كانت مخنوقة بالأساس وازدادت سوءا.

في ظل سقوط اقتصادي وأخونة ظهر العامل الثالث في السقوط وهو الجانب الدولي والعلاقة مع سوريا:

حدث بعد حكم الإخوان المسلمين فقدان كامل لدور إقليمي وظهور مصر كدولة تابعة لما تريده دولة صغيرة أخري، وتبين انعدام النفوذ المصري بأفريقيا بما يخص سد النهضة بإثيوبيا.

ضمن الابتعاد عن الاسلمة ظهر الاستمرار بالعلاقة مع الكيان الصهيوني والمصيبة هي الكلام عن استمرار بيع الغاز المصري للصهاينة بأقل من السعر الأصلي، ضمن كم كبير من الاتهامات بالانخراط والاشتراك بالمشاريع الأمريكية الصهيونية بالمنطقة العربية وظهر الكلام عن لقاءات المرشد بالسفيرة الأمريكية ونائب الرئيس الأمريكي بإيدن، ناهيك عن لقائهم مع وفد الحزب الجمهوري الأمريكي وتصريح الوفد عن الإخوان بأنهم "مدهشون".

حيث تمت قراءة كلمة"مدهشون" علي أنها مفاجأة من كم البراغماتية والتنازل إلي قدمه الإخوان المسلمين بارتباطهم مشاريع أمريكية صهيونية مضادة للشعوب العربية  وتحركهم مع المشروع الأمريكي.

هو نفس السقوط الذي سقطته أحزاب ثورية أسلامية كحزب الدعوة في العراق الجريح وما يفترض أنه حالة ثورية كالمجلس الاعلي للثورة الإسلامية الذين ارتموا إلي الحضن الأمريكي واسقطوا أيديولوجيتهم من باب الواقعية السياسية التي هي الشماعة التي يتم تعليق أي سقوط عليها.

ولعل قطع العلاقات مع الجمهورية العربية السورية الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة لعلها أثارت الغضب الشعبي والتركيز أنها استمرار تلبية مطالب المشاريع الأمريكية الصهيونية بالمنطقة رغم أن قطع العلاقات تمت قرائته علي أنه هروب من أزمة داخلية ستعصف بكل النظام وهي بالفعل اقتلعت النظام كله بيومين بأداة الجيش والخروج المليوني للناس.

رغم أن قراءة كتلك صحيحة ولكن هناك من قرأ الموضوع علي أنه جزء من التأمر الغربي علي الدولة السورية وهناك من قال أذا كان الدم السوري حجة لقطع العلاقات فالأولي تطبيق ذلك علي الصهاينة الذين قتلوا ما قتلوا من الأبرياء بكل مكان، والفضيحة أنه تم قطع العلاقات مع سوريا ولكن تم إرسال سفير مصري جديد للكيان الصهيوني؟!  ناهيك علي تجاوز ما قيل عن سبب لقطع العلاقات عن حقيقة الصراع وهو أن الحرب بسوريا دولية بامتياز ومن يحاول مذهبتها هم خدم الصهاينة ومنفذين مشروع آيتان شارون علي الأرض العربية  .

وكما يعرف الجميع الحرب بسوريا انتهت من كونها مطالب شعبية بإصلاح نظام إلي صراع مشاريع دولية متداخلة ومتشابكة.

قطع العلاقات جاء بالتزامن مع انشقاقات للمجتمع المصري وظهور مسألة الذبح الطائفي المباشر بعد انتهاء الاجتماع الذي أقامه الرئيس مرسي والذي أعلن به قطع العلاقات بشكل استعراضي ، هذا الذبح الطائفي المباشر لمسلمين ضد مسلمين أحدث الصدمة بمجتمع معروف عنه طيبته الشديدة وتسامحه الديني وهو نفس البلد التي اعتبرت اكبر سلطة دينية فيه المذهب الإسلامي الجعفري مذهبا سنيا ضمن مذاهب أهل السنة والجماعة.

والمعيب كذلك إن يعلن من يفترض انه إسلامي الحرب الطائفية ضد مسلمين آخرين وينسي إن يعلنه ضد الكيان الصهيوني؟

وهو واقعا اشتراك مباشر بمخططات آيتان شارون بنشر الفتنة المذهبية بين المسلمين وتقسيم ما هو مقسم خدمة للصهاينة، وتزوير لحقيقة ما يجري بسوريا.

في مصر أنا سعيد بسقوط الإسلام الأمريكي وعلي أن أقول إن ثورة" تمرد" تم إيقافها بإسقاط مرسي وحكم الإخوان كما تم إيقاف ثورة 25 يناير بإسقاط نظام حسني مبارك وحكم رجال الإعمال، ولكن لا زالت مصر لم تكتمل دورتها الثورية ولا زال الأمريكان سادة الموقف والقرار وإن سقطت يافطتهم الإسلامية لمرسي والإخوان بعد إسقاط يافطتهم الديكتاتورية لمبارك ولرجال الإعمال.

 

الدكتور عادل رضا

صحيفة المثقف

8-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

gorge cotenحراك الربيع العربي جاء عفويا بالتأكيد نتيجة معاناة طويلة لشعوب المنطقة من نظم استبدادية فاسدة، تفجر بعد تطورات عالمية، خاصة مع نهاية الحرب الباردة وانهيار انظمة الاستبداد في دول اوروبا الشرقية التي كانت تشكل ربع العالم، وبعد المتغيرات العالمية التي دفعت الغرب لتعديل سياساته في دعم الانظمة الاستبدادية، ليصبح انتقالها للديمقراطية مصلحة مهمة لدوله وشعوبه وامنها ورفاهيتها واستقرارها، وبعد ثورة اتصالات جعلت العالم منفتحا لكل جديد بحيث فشلت أنظمة الاستبداد في عزل شعبها عن التطورات العالمية والاطلاع على تجارب الشعوب المتحضرة التي كانت الديمقراطية وفصل الدين عن السياسة من الأسباب الرئيسية لنهضتها.

 المسيرة الإنسانية نحو الديمقراطية أصبحت أمراً لا يمكن الهروب منه، كطريق وحيد للتقدم والتطور وحكم الشعوب لنفسها من خلال ممثليها المنتخبين. أحد الجزر الأخيرة للاستبداد الباقية في العالم هي المنطقة العربية إلى جانب دول قليلة أخرى مثل كوريا والصين وكوبا وإيران .. لم تعد الأنظمة المستبدة قادرة على الاختباء وراء أن استبدادها هو شأن داخلي، العالم الآن لا يقف مكتوف الايدي، فتدخله لدعم الشعوب ضد الحاكم المستبد أصبح امراً مشرعا في القوانين الدولية ومن خلال مجلس الامن وقراراته التي تتحول مع الزمن إلى قرارات نوع من "حكومة عالمية "، لا مهرب للأنظمة من جبروتها.

أما الحديث عن مؤامرات خارجية ومخططات تقسيمية فهو من مخلفات مفاهيم الحرب الباردة المنتهية التي لا زالت معشعشة في عقول مثقفين رغم انه لم يعد لها علاقة بالوقائع المعاشة. مجتمعات المنطقة تعيش حالة مأساوية من انقسامات داخلية لا يمنع تفجرها سوى السلطات القمعية فإذا سقطت ستظهر مخلفاتها وإعاقتها لتوحد المجتمعات في تطور طبيعي تدريجي يحدث عادة في دول ذات نظم ديمقراطية.

الإسلام السياسي هو من منتجات القطاعات الأكثر تخلفاَ في مجتمعات المنطقة وهو القوة الرئيسية التي ترفض الحداثة وتتمسك بمنهج في الحياة من العصور الوسطى لا زالت تعتبره صالحاً لكل زمان ومكان رغم تعارضه مع أساليب الحياة الحديثة وحقوق الإنسان كما وصلت اليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود الدولية المتممة له. صعدوا لواجهات العمل السياسي في المنطقة بعد فشل الأنظمة المعتمدة على الأيديولوجيات القومية واليسارية التي أجلت الديمقراطية بحجج وشعارات مختلفة وحدوية واشتراكية وتحرير فلسطين ومقاومة "الإمبريالية" وغيرها، مما جعلها تتحول لنظم استبدادية فاسدة مكروهة من شعوبها التي حيل بينها وبين التطور والتقدم والتحرر، فلجأت للتدين كأحد الحلول للهروب من أوضاعها المزرية التي اوصلتها لها أنظمتها، ووجدت قطاعات واسعة في منظمات الإسلام السياسي أنها الأقرب لتفكيرها والاقدر على تقديم حلول لأوضاعها تحت شعار "الإسلام هو الحل".

لكن رغم انتشار الإسلام السياسي فثورات الربيع العربي لم تكن من صنعه في أي بلد من بلدانه، بل من صنع الأجيال الشابة الغير مرتبطة باي تنظيم إن كان إسلامياً أو علمانياً. الإسلام السياسي سارع للالتحاق بالثورة وانتظم في صفوفها. لم يكن بإمكانياته وسياساته قادرا على إطلاق مثل هذه الثورات، وهو بالتالي غير قادر على إطلاقها في بلدان تحكم بنظم ملكية جائرة في بلدان الخليج خاصة، ولكنه فيما لو أصبحت الظروف ناضجة في هذه البلدان لثورات شعبية عفوية فلن يفوت الإسلام السياسي الفرصة للالتحاق بها تمهيداً لركوبها وحصد نتائجها لصالحه كما فعل خاصة في تونس ومصر، فيما في ليبيا واليمن كانت نتائجه متواضعة.

قبول الإسلام السياسي للديمقراطية ليس وليد ما بعد ثورات الربيع العربي، بل سبق ذلك تبنيهم للديمقراطية كما يفهمونها بعد تجارب في محاولة الوصول للحكم عن طريق العنف، وبعض المحاولات للاستفادة من النظام الديمقراطي في حال وجوده، كما في سوريا الخمسينيات التي شارك الإخوان المسلمين في انتخاباتها الديمقراطية وكان لهم نواباً وكتلة إسلامية في البرلمان السوري. في مصر الخمسينات شكل الإخوان التنظيم السري وقاموا باغتيالات وتفجيرات، وفي سوريا أواخر السبعينات شكلوا الطليعة المسلحة التي قامت بعمليات إرهابية عديدة في محاولة لإسقاط الحكم البعثي، هذا فضلاً عن التنظيمات المتطرفة المنشقة عنهم والتي كانت مستعجلة لتطبيق "الإسلام هو الحل" والتي مارست العمل المسلح الإرهابي مثل الجماعة الإسلامية المصرية التي اغتالت أنور السادات. وفي التسعينيات بعد ان نجحت جبهة الإنقاذ الإسلامية في الانتخابات البرلمانية الجزائرية أعلن رئيسها عباسي مدني: "في هذا اليوم انتهت الديمقراطية وبدأ حكم الإسلام" فالديمقراطية حسب بعض منظمات الإسلام السياسي مثل القاعدة وتفرعاتها تعتبر الديمقراطية كفراً لأنها مستوردة من الغرب الكافر!

إجمالا يمكن ان نقول إنهم في القرن الماضي استفادوا من الأجواء الديمقراطية إن وجدت وتحولوا للعنف عندما سدت في وجوههم السبل. في أراضي السلطة الفلسطينية رفضوا المشاركة في عدة انتخابات رئاسية وبرلمانية، ولكن بسبب انهم لم يعترفوا بالسلطة الفلسطينية لأنها وليدة اتفاقية أوسلو التي اعتبروها خيانية، ثم غيروا رأيهم في  انتخابات تالية عندما وجدوا فرصة للنجاح رغم ان سلطة أوسلو ما زالت قائمة، ثم انقلبوا على الديمقراطية التي أتت بهم لفشلهم في تطويع الرئيس الفلسطيني الذي له حسب الدستور صلاحيات واسعة تنفيذية إلى جانب رئيس الوزراء، فقاموا بانقلابهم العسكري في قطاع غزة على الرئاسة الفلسطينية ليتحكموا بها وحدهم دون شريك بقوتهم العسكرية مع رفض أي دعوة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مترافقة معها في الضفة والقطاع كحل لما أدت إليه عمليتهم الانقلابية من تقسيم الأراضي الفلسطينية لكيانين وسلطتين .

حدث تطور في برامجهم في أوائل القرن وخاصة في مصر وسوريا بحيث دعوا لدول مدنية تعددية تداولية فضلوا الابتعاد عن تسميتها "ديمقراطية"، فسموها "حديثة" و"إسلامية"، فيها بعض مواصفات الدولة الديمقراطية المأخوذة من التجربة الغربية ولكن مع البحث لها عن سند من التراث الإسلامي، فيما الديمقراطية نهج متكامل لا يمكن الادعاء بأنه كان موجوداً في التراث، فأمام إشكالية أن تطبيق الديمقراطية في مجتمع إسلامي يتم بشكل صحيح بفصل الدين عن الدولة، فضل "الإخوان" إثبات أن الديمقراطية موجودة في التراث بعمومياتها فقط لرفض جوانبها التي يرون أنها تتعارض مع النصوص.

حقق "الإخوان" نقلة للأمام من شعار "دستورنا القرآن والسنة" إلى دستور يعتمد على الشريعة في محاولة للموائمة بين الديمقراطية والإسلام، إلا أن ذلك لم يخرجهم من إطار المرجعية المسبقة ولم يدخلهم بشكل حاسم في إطار الدولة الحديثة حسب مفهومها المتعارف عليه في العالم. ما يجعل الدولة الديمقراطية ذات المرجعية الدينية مختلفة عما هو متعارف عليه للدولة الحديثة، فهي مقيده بالشرع وبالمختصين بتفسيره وينصب الغسلام السياسي نفسه لذلك.

الدولة بهذه المواصفات تقارب النظام الإسلامي "الجمهوري" في إيران الذي يستعير المفاهيم الديمقراطية الغربية ليقيم نظاماً انتخابياً برلمانياً من جهة، وإلى جانبه نظام إسلامي يقف على رأسه المرشد والمؤسسات التابعة له وخاصة مجلس صيانة الدستور المعين، الذي يمرر أو يمنع القوانين الصادرة عن مجلس الشورى المنتخب، بذريعة توافقها أم لا مع المرجعية الإسلامية، فيمارس فيتو على حكم الشعب وممثليه الذين من حقهم وضع القوانين التي تتوافق مع مصلحة منتخبيهم، مما حول مجلس الشورى المنتخب إلى مؤسسة شكلية تقترح مشاريع قوانين دون إقرارها. فالازدواج في السلطة بين "الإسلامية" غير المنتخبة و"الجمهورية" المنتخبة راجح لصالح الأولى.

 رضوخهم للديمقراطية هو شكلي لأنها أصبحت قوة عالمية لا يمكن رفضها كلياً فيكتفون منها بأنها وسيلة انتخابية للوصول للحكم، فإذا وصلوا فإنهم سيعيقون الديمقراطية حسب المفهوم المتعارف عليه ليقيموا "ديمقراطيتهم" المعتمدة ان التشريع لله وليس من صنع البشر فالبشر يفسرون فقط ما يقوله الله وما يقوله الرسول.

أما عن أن الربيع العربي أنجب ديمقراطية عرجاء، فأظن أن الديمقراطية لا يمكن تطبيقها في مجتمعات لم تعرفها سابقاً بكبسة زر، بل هي عملية متدرجة وطويلة استغرقت في بلدانها الاصلية قرون إلى ان وصلت إلى ما هي عليه الآن، وهي لم تكتمل ولن تكتمل في أي وقت بل تبقى في تطور دائم للأفضل. ما فعلته ثورات الربيع العربي وقبلها إزالة حكم الدكتاتور العراقي هي أنها فتحت الباب الذي كان موصداً، للديمقراطية، أما تطويرها فعملية طويلة تحتاج لجهد ومثابرة وتجارب وتبديل وتغيير وتحسين وإضافة وإلغاء .. إلى ان تتقن العملية وتقترب مما هو قائم في العالم.      

نعم برأيي أن هزيمة الإسلاميين في مصر بعد الثورة الشعبية الثانية، فشل للمشروع الديني الذي يأخذ من الديمقراطية بعض جوانبها التي لا تغير من جوهر منهجه المتعارض مع ما وصلت إليه البشرية من تطور، كما يتعارض مع مصالح الناس في طموحهم لحياة عصرية مشابهة لما يشاهدونه يوميا على الشاشات وفي وسائل الاتصال الحديثة، يضيق على حرياتهم باسم شريعة، حتى لو صلحت في وقت صدورها فقد أصبحت في الكثير من نصوصها التي تحدد علاقات الناس فيما بينهم، متعارضة مع الحياة الحديثة. هزيمتهم ستكون لها آثار كبيرة في المنطقة كلها ولن يقتصر تأثيرها على مصر. وهو فشل للنظرية نفسها التي يتبناها الإسلاميون وليس لتطبيقها أو لمن يطبقها.

ولا ننسى ان النظام الإسلامي الإيراني فشل بالاستمرار بالتمسك بالحكم إلا باستخدام القمع والعنف كما حدث ضد الثورة الخضراء منذ 4 سنوات، التي لم تكن احتجاجا على تزوير الانتخابات الرئاسية ولكن بشكل أساسي ضد سلطة المرشد الولي الفقيه، التي لم تعد تحظى باحترام الشعب، ولا يستبعد ان تتجدد الثورة التي لم تنجز أهدافها بعد، ومن المؤكد ان النصر النهائي سيكون للشعب ضد دولة الإسلام السياسي التي تسير عكس التاريخ. ويمكننا ان نشير هنا إلى أن إسلاميي حزب العدالة والتنمية في تركيا وحدهم فهموا ان فصل الدين عن الدولة هو امر لا يمكن تجنبه وهو مكمل للديمقراطية التي تكون منقوصة بدونه، الوحيدون من تيارات الإسلام السياسي الذين لا يسعون لتطبيق اية شريعة وقبلوا أن يحكموا في ظل نظام علماني في حين إسلاميين في بلدان أخرى يعتبرون العلمانية كفراً.        

 

جورج كتن

صحيفة المثقف

8-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

idrees jendariمنذ ما عرف، تاريخيا، بثورة الضباط الأحرار (1952) في مصر وما تلاه من انقلابات عسكرية، في العراق وسوريا واليمن وليبيا والجزائر، كانت المعادلة السياسية السائدة تقوم على أساس تحالف إيديولوجي بين العسكرتاريا والقوى العلمانوية، ذات النزوع اليساري والليبرالي والقومي، بهدف التأسيس لأنظمة شمولية مطلقة في المنطقة العربية .

وقبل الدخول في اختبار هذه الفرضية، لابد أولا من توضيح مقصونا من مفهومين أساسيين:

1- العسكرتاريا: لا نقصد، بهذا المفهوم، مؤسسة الجيش، بالمعنى الديمقراطي الذي يحدد وظيفته في حماية حدود البلاد والدفاع عن سيادة الدولة في مواجهة التهديدات الخارجية. ولكن، نقصد به ذلك التحول الذي حدث على مستوى العقيدة العسكرية، وقاد الضباط إلى التحول لفاعلين سياسيين يمتلكون إيديولوجيتهم الخاصة التي يقدمونها كبديل للمشاريع والرؤى السياسية السائدة. وقد كانت ثورة الضباط الأحرار في مصر شاهدة على هذا التحول.

2- القوى العلمانوية: لا نقصد، بهذا المفهوم، دعاة الفكر الليبرالي الحديث، الذين يناضلون من اجل الفصل بين السلطتين المادية والروحية، ويؤمنون بالديمقراطية، كتعددية واختلاف وتداول سلمي على السلطة، ويدافعون عن حقوق الإنسان، بطابعها الإنساني الخالص من نوازع الإيديولوجيا والمذهبية والعرقية. إن العلمانوية صفة تطلق على خليط إيديولوجي غير متجانس، يجمع أقصى اليمين بأقصى اليسار، ويجمع الفاعل القومي  بالفاعل العرقي. لكن، المشترك بين هذه التيارات، التي قد تصل حد التناقض أحيانا، هو استيراد أنماط فكرية وسياسية جاهزة بهدف زرعها في التربة العربية، لكن عملية الاستيراد هذه تعاني من فقر معرفي مدقع. فهي بقدر ما تعاني من ضبابية في علاقتها بالفكر الغربي، فهي كذلك تعاني من عمى إيديولوجي، في علاقتها بمقومات خصوصيتها الحضارية.

لقد عاش العالم العربي على وقع هذا الزواج الكاثوليكي، لعقود، وهذا ما أدى إلى كوارث سياسية فادحة، حيث تراجعت الطموحات الديمقراطية، وتم فسح المجال أمام الأنظمة الشمولية، التي وظفت العنف الرمزي بطابعه الإيديولوجي والعنف المادي بطابعه العسكري-الأمني، بهدف المحافظة على وضعية السطاتيكو التي تخدم مصالحها الفئوية الضيقة . ولعل ما ميز هذا التحالف، هو افتقاد طرفيه للشرعية الشعبية نظرا للغياب المضاعف لحضور هذه القوى، فهي ليست امتدادا إيديولوجيا لفئات واسعة توجد في المجتمع تقوم بدعم خياراتها، بل هي قوى فرضت نفسها من خارج الحراك الاجتماعي، باعتبارها وصيا يوجه هذا الحراك عن بعد. ولذلك، فإن سيطرة هذا التحالف على السلطة، لعقود، لم يمكنه من اكتساب شرعية شعبية تمكنه من الائتمان على مستقبله السياسي.

لكن، التحولات التي عاش العالم العربي على وقعها،  منذ سقوط جدار برلين واندفاع الطموحات الديمقراطية إلى السطح في أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية، هذه التحولات كانت تبشر، منذ البداية، بإفلاس هذا التحالف. وقد ظهرت بوادر هذا الإفلاس في العراق، حيث تمكنت الإرادة الشعبية من زعزعة أسس النظام الشمولي البعثي، وذلك رغم ما أبداه من تماسك مصطنع زكاه من خلال شعارات وطنية وقومية ذات طموحات توسعية. وبعد سقوط النظام البعثي في العراق، كان صدى الإفلاس ينتشر في المنطقة العربية انتشار النار في الهشيم، الأمر الذي يجعلنا نفترض أن البذور الأولى للربيع العربي تم زرعها قبل عقدين من الزمن تقريبا ! لكن عملية الإنبات امتدت إلى حدود المرحلة الراهنة، حيث ما زالت قوة المد الثوري تضرب الأنظمة الشمولية بنفس القوة والعزيمة. لذلك، يمكن أن نعتبر أن الربيع العربي، عند انطلاقه، كان يستهدف تحقيق غايتين:

• أولا، إرجاع العسكر إلى ثكناتهم للقيام بوظيفتهم العسكرية، بحماية الحدود وتحصين سيادة الدولة ضد التدخلات الخارجية، مع إفساح المجال أمام الفاعلين السياسيين للتنافس على كسب الإرادة الشعبية، التي يمكنها وحدها أن تقودهم إلى الحكم، وهذا طموح ديمقراطي مشروع كرسته الممارسة الديمقراطية عبر العالم، حيث لا يسمح للجيش بالتدخل في الشؤون السياسية، فهو وسيلة في يد القائد السياسي يوظفها للدفاع عن المصالح العليا للوطن.

• ثانيا، ربط الشرعية السياسية بالامتداد الشعبي، فالفصيل السياسي الذي يمتلك تجذرا شعبيا هو الذي بإمكانه الوصول إلى الحكم، أما الفصيل الذي لا يمتلك هذا التجذر فعليه بالعمل البنيوي المرحلي لتحقيق الامتداد الشعبي الذي يمكنه من التداول السلمي على السلطة. وهذا كذلك طموح ديمقراطي مشروع، حيث تعتبر صناديق الاقتراع، الحكم الموضوعي الوحيد الذي بإمكانه إعلان فوز أو خسارة فصيل سياسي دون غيره.

لقد كانت البوادر الأولى، بعيد الانتخابات التي تم تنظيمها في دول الربيع العربي، توحي بأن الغايتين معا في طريقهما إلى التحقق. ففي مصر وقف الجيش على الحياد وأشرف على نقل السلطة إلى رئيس مدني منتخب، ونفس الشيء حدث في تونس واليمن. كما أن الفاعلين السياسيين، باختلاف إيديولوجياتهم، توافقوا على المنهجية الديمقراطية كحكم بينهم، ولذلك تم الاعتراف بالتتويج الانتخابي لفصيل الإخوان المسلمين في مصر، وفصيل النهضة في تونس. لكن، التحالف العسكرتاري-العلمانوي، الذي كان المتحكم الوحيد في مقاليد الحكم قبل الربيع العربي، كان يتعامل مع التوازنات القائمة كمرحلة عابرة، ستقود بالضرورة، في النهاية، إلى عودة هذا التحالف إلى مواقع المسؤولية. وقد كان الرهان واضحا، على إفشال التجربة الديمقراطية الوليدة عبر وضع الحواجز، سياسيا واقتصاديا، أمام الفاعل السياسي الجديد لمنعه من التحرك بحرية، وذلك بهدف إفقاده الشرعية الشعبية، من خلال عرقلة العملية التنموية، التي تعتبر السند الأساسي لنجاح التجربة الديمقراطية، فلا يمكن للفاعل السياسي الجديد أن يحافظ على الشرعية الشعبية، التي حصل عليها انتخابيا، في ظل وضع تنموي متردي .

الحالة المصرية، اليوم، بعد الانقلاب الذي قاده التحالف العسكرتاري-العلمانوي، تؤكد، بشكل جلي، صحة الفرضية التي انطلقنا منها في البداية. فنحن رغم اختلافنا مع التوجه الإيديولوجي الإخواني، فإن هذا لا يمكنه أن يقف حاجزا بيننا وبين ما نعتبره واقعا موضوعيا، يتطلب من الباحث جرأة علمية وشجاعة أدبية قصوى للاعتراف بحقيقة ما يجري على أرض الواقع.

إن أول ما يجب أن نعترف به، هو أن حزب الحرية والعدالة فصيل سياسي شرعي، قدم مرشحه الذي هو (محمد مرسي) إلى الانتخابات، وهذه العملية الانتخابية اعترف بشفافيتها كل الفاعلين السياسيين، بمختلف أطيافهم الإيديولوجية، وقد تم الإعلان، بشكل دستوري، عن اسم الفائز بالانتخابات، وتم تحديد فترته الانتخابية وتحديد صلاحياته الرئاسية بمنطق الدستور. لذلك، وجب فسح المجال أمام الرئيس المنتخب لتطبيق برنامجه الانتخابي خلال الفترة التي يحددها الدستور، وبعد ذلك يجب محاسبته، عبر الآليات الديمقراطية الانتخابية، وكذلك عبر الآليات القانونية القضائية.  هذا، يحيلنا مباشرة إلى وضعية الفصائل المعارضة، التي تمنحها المنهجية الديمقراطية حق الاعتراض وتقديم المشروع البديل، لكن كل ذلك تحدده آليات دستورية وقانونية واضحة. فالمنهجية الديمقراطية بقدر ما تضمن للمعارضة حق الاعتراض وتقويم المشاريع السياسية والاقتصادية، فهي كذلك تمنعها من عرقلة العمل الحكومي والتشويش عليه، خدمة للمصالح العليا للوطن.

عندما نعود إلى الحالة المصرية، نجد مؤسسة الرئاسة، التي تمثل الأغلبية، قد ظلت محاصرة من كل جانب، ولم يفسح أمامها المجال لتنفيذ برنامجها الانتخابي، فقد وصل التشويش إلى درجاته القصوى، واتخذ، في أغلب حالاته، طابعا إيديولوجيا فجا، لا يستجيب للمصالح العليا للوطن بقدر ما يسعى إلى خدمة أجندة فئوية ضيقة. لقد كانت المعارضة موجهة، بشكل دقيق، ضد حضور جماعة الإخوان المسلمين في الحياة السياسية، باعتبارها فصيلا سياسيا منبوذا، لعقود، ولا تنسجم أجندته السياسية مع التوجهات الإيديولوجية لمن يعتبرون أنفسهم البديل المفترض ! لذلك، نجد أن الرهان الحقيقي، الذي وضعته المعارضة نصب أعينها، هو إسقاط الرئيس (محمد مرسي) ومن خلاله جماعة الإخوان المسلمين، وباعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة، من منظور ميكيافيلي انتهازي، فإن التفكير في التحالف مع العسكر لإسقاط (حكم الإخوان) ظل حاضرا، منذ البداية، ولا تهم الضرائب التي يمكن أن يدفعها الشعب المصري، ومن خلاله التجربة الديمقراطية في العالم العربي، باعتبار أن التجربة المصرية تحضر كنموذج قابل للتعميم على مختلف الأقطار العربية.

إن ما يجري الآن في القطر المصري الشقيق، من انقلاب على الشرعية الشعبية، يذكرنا بالماضي السياسي المتردي، في العالم العربي، هذا الماضي الذي صنعه الفاعل العلمانوي في تحالفه مع العسكر، بهدف تعويض الشرعية الشعبية التي يفتقدها، لأنه بدل أن يعترف بمحدودية حضوره الشعبي ويتوجه إلى صياغة المشاريع الاجتماعية التي تخدم الشعب والدولة، فهو يفضل أقرب الطرق وأسهلها، من خلال تحالف الإيديولوجيا مع البندقية. وهذا، لا يمكنه أن يحقق المصالح العليا للوطن، وفي نفس الآن لا يخدم المصالح الفئوية الخاصة للفاعل العلمانوي، على المدى البعيد، لأنه يقدم صورة سيئة جدا عن نفسه وكذلك عن التصور الفكري والسياسي، الذي يحمله ويسوقه بشكل انتهازي يطبعه التزييف والتزوير .

إن الخطر الحقيقي، الذي يشكله التحالف العسكرتاري-العلمانوي، يتجاوز الإطاحة بالرئيس المنتخب (محمد مرسي) ويتجاوز كذلك تهميش جماعة الإخوان المسلمين، إنه خطر ماحق يهدد القيم الديمقراطية الوليدة في الثقافة العربية، ويفتح المجال واسعا أما قيم الفكر المتطرف والمنغلق، الذي يشكك في المبادئ السياسية الحديثة، ويعتبرها آلية للسيطرة على الشعب من طرف فئات لا تمثله. ولذلك، فإن البديل المحتمل هو الفوضى الخلاقة، بالمعنى الغربي، والمدمرة في علاقة بالواقع العربي.

و لعل ما يجب على الفاعل العلمانوي أن يدركه، لتجاوز زواجه الكاثوليكي مع العسكر، هو أن الفاعل الإسلامي الحركي هو، أولا وأخيرا، ابن البيئة الثقافية والسياسية العربية، ولذلك فمن حقه أن يمارس اختلافه شريطة التزامه بمبادئ الديمقراطية. أما أن نحتكم إلى ضغائن الماضي لتوجيه الحاضر والمستقبل، فإن هذا لن يعود بالنفع على أي فاعل سياسي، بل سيشجع على انتشار التطرف الديني والفوضى السياسية.

 

بقلم: د. إدريس جندا ري- كاتب وباحث أكاديمي

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

salam kadomfarajالديمقراطية آلية للحكم. والاسلام السياسي مشروع للحكم. ومابينهما تقاطعات قد تطيح بكليهما عند الاختبارات الصعبة والخيارات الصعبة. وهذا ما حصل في مصر في اول تجربة ديمقراطية حقيقية واول تطبيق للمشروع الاسلامي السياسي،، مأزق الاسلاميين (في السياسة .. ) إذا افترضنا حسن النية الكاملة والنقاء الفكري والمسيرة الناصعة فيهم. انهم يؤدلجون مسيرتهم بثوابت استاتيكية من الصعب تجاوزها واللعب فوقها ، والسياسة في جوهرها تحقيق الممكن لا تحقيق الامنيات البعيدة .. من اجل ذلك نرى ان الاسلامي يخفق في كل تجربة عملية لإدارة دفة الحكم للمسافة الشاسعة بين الوعد الذي نذر نفسه لتحقيقه امام الجمهور وبين ما يستطيع تقديمه في عالم متشابك المصالح يعج بالمؤامرات والإختراقات ..

حالما يحصل الخروج عن الثوابت التي انطلق منها للضرورات التي تبيح( بعض المحظورات) احيانا .. يسقط الاسلامي السياسي من عين مريديه . ويقفز الى صفوفه الانتهازيون والمخترقون .. اما عندما يتمسك بثوابته التي انطلق منها .. وتتلخص بالأخذ بسيرة الرسول والصحابة والأخذ بسياسة الزهد والتقشف التي يعرفها الناس من خلال قراءة التاريخ في الصحابة والائمة .. نجده ابعد مايكون عن الواقعية السياسية فامكانيات بلده وامكانيات حزبه لا تتيح له الوفاء بتلك المتطلبات وما تعارف عليه المجتمع الدولي حول حقوق الانسان واحترام المواثيق الدولية التي قد لاتفهمها او تستوعبها الكتلة التاريخية التي جاءت بالحزب الاسلامي الى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع ..

ومن التقاطعات الجوهرية بين المشروع السياسي الاسلامي والديمقراطية .. ان الديمقراطية تستوعب الجميع. في حين ان المشروع الإسلامي السياسي هو بطبيعته مشروع شمولي ..  وما دخوله معترك الانتخابات الا حالة جديدة عليه دخلها مضطرا بعد تبلور الديمقراطيات في الغرب وقوة تأثيرها .

لقد استوعبت الديمقراطية في الدول الرأسمالية الخصوم الشيوعيين والاشتراكيين حتى كادوا ان ينتزعوا السلطة من الاحزاب البورجوازية .. ففي فرنسا وايطاليا على سبيل المثال كان الاشتراكيون يحصدون ما يقترب من نصف مقاعد البرلمان في سبعينيات القرن الفائت ..

التداول السلمي الهاديء للسلطة سمة بارزة من سمات الديمقراطية .. وحين دخل الاسلاميون الى نادي الدول الديمقراطية من خلال فوز حزب العدالة في تركيا وحزب النهضة في تونس بعد الربيع الذي فجره استشهاد بو عزيزي . وصعود الاخوان بقيادة مرسي في مصر. وصعود الاحزاب الاسلامية في العراق انما كان ذلك الدخول تاريخيا وفرصة لإختبار قدرة تلك الاحزاب على التوفيق بين الوعد الذي انطلقوا منه (والذي تلخص بشعار الاسلام هو الحل .. ) وبين الامكانيات المتاحة لهم سياسيا وتنمويا. بمعنى عودة الفكر الاسلامي الى تسلم شؤون الحكم بعد سقوط الدولة العباسية في بغداد وكل من الدولة الاموية في الاندلس والفاطمية في مصر( والعثمانية في تركيا مطلع القرن العشرين.)

حيث بدأت صفحة جديدة بتشكل حكومات مدنية (علمانية) في كل الدول العربية والاسلامية ومنها تركيا وايران .. ( اقول ذلك . رغم قناعتي ان الاسلام السياسي كممارسة مرتبطة بجوهر وروح الاسلام قد انتهت بانتهاء الخلافة الراشدة ومقتل الامام علي عليه السلام .. عدا فترة لم تتجاوز السنتين هي فترة حكم عمر بن عبد العزيز .. وكل ماجاء بعد الخلفاء الراشدين لم يكن سوى حكومات لا تختلف كثيرا عما سبقها او لحقها من حكومات في فارس وبيزنطة .. وهناك حديث شريف عن الملك العضوض يؤيد قناعتي هذه .. ) .. .

هذا عن الديمقراطية والمشروع الاسلامي السياسي .. فماذا عن الاسلام والفكر الاسلامي؟؟

الاسلام هو دين الفطرة .. ودين الوسطية .. متاح دخوله للناس كافة .. من حملة ارقى الشهادات العلمية إلى الرجل (او المرأة) البسيط الأمي ، والكادح الذي لا يملك الوقت لمتابعة شؤون الفكر والتعمق في فلسفة الدين ومقاصد الشريعة .. وكونه متاحا للجميع. افترض الشارع المقدس بالناس الفطرة النقية السليمة بتقبل الخير ورفض الشرغريزيا. يستهدي بالفقهاء يعلمونه اصول الدين وممارسة الطقوس البسيطة السهلة الميسرة ..

ومن باب الفقه دخلت نظريات وممارسات جعلت المسلمين يتفرقون في فهم بعض المتطلبات . وتحولت العقيدة الاسلامية الى عقائد تجاوزت العدد المعقول في الاختلاف مما مهد الطريق لإختراق المسلمين من قبل خصومهم وخصوم الاسلام ..

و اتاح للغزاة سهولة في الهيمنة على شؤونهم. وبعض الغزاة قد تقنعوا بقناع الاسلام .. ويقال ان نابليون بونابرت كان قد اوشك ان يعلن اسلامه (المزيف .. ) للهيمنة على مقدرات مصر لولا فشل حملته مبكرا. ويمكن ان يقال عن كل من غزا مصر والعراق وسوريا وهيمن على مقدرات شعوبها خلال القرون الوسطى لغاية بزوغ القرن العشرين ..

الفكر الاسلامي بدأ بنهضة واعدة كانت قريبة جدا من مفهوم الديمقراطية المعاصرة. وما حركة المشروطة في ايران والمشروطية في تركيا وثورة التنباك وثورة العشرين في العراق وثورة 1919 في مصر . والقسام في فلسطين والحركة المهدية في مصر وثورة الجزائر الا نتاج مفكرين اسلاميين متنوريين ..

عبد الرحمن الكواكبي سطر في كتابيه ام القرى وطبائع الاستبداد نظرية فكرية متقدمة كانت اكثر تقدمية من اطروحات المستعمرين الذين وعدوا الشعوب العربية بالتحرير لا الاحتلال (وعود الجنرال مود .. )

الشيخ النائيني وضع اسس مجتمعات مدنية راقية تؤمن بالحرية وتسعى لازدهار المسلمين ووحدتهم .. جمال الدين الافغاني ومحمد عبدة . كذلك ..

لو راجعنا تلك الافكار التي كتبها ومارسها اولئك التنويريون من المفكرين المسلمين لوجدناها تصلح لتأسيس مجتمعات ديمقراطية راقية .. جعلت الشبيبة تتطلع الى مواجهة المستعمرين بكافة صنوفهم من غربيين او مدعين بالاسلام (العثمانيين .. ). وبسبب تلك الروح المخلصة دخل المسيحيون العرب في تلك المواجهة للمستعمرين جنبا الى جنب مع اخوتهم المسلمين ..

لكن تشكيل حكومات قميئة خانعة ومستضعفة في بدايات القرن العشرين في كل من مصر وسوريا والعراق . جعلت افكار الشبيبة تبحث عن خيارات انحصرت في امكانية قيام حكومات شيوعية شبيهة لحكومة البلاشفة .. (يحضرني هنا بيت شعر للرصافي يقول فيه .. للإنكليز مطامع في ارضكم .. لا تنتهي إلا بأن تتبلشفوا .. ) والاكيد ان الرصافي ماكان ليقول ذلك لولا وجود كتلة تاريخية مشجعة في كل من العراق ومصر وباقي البلدان العربية .. ) ..

اما الخيار الثاني المتاح فكان خيار اليمقراطية ومثاله في مصر سعد زغلول وحزب الوفد الذي خلف رئاسته مصطفى النحاس ..

والخيار الثالث خيار العروبة وامكانية ازدهار العرب بعد نيل استقلالهم والانفلات من هيمنة الترك .. ويمثل هذا الاتجاه حزب الاستقلال في العراق. والحزب القومي السوري في كل من سوريا ولبنان. وجمعية العربية الفتاة التي كانت تحاكي جمعية تركيا الفتاة .. وكان عبد الناصر يشكل امتدادا لتلك التوجهات

اما الخيار الرابع فتلخص بالبحث عن الحل في الاسلام .. اعني حل مشكلة الحكم .. وقد بدأت الفكرة عمليا بإطروحات وممارسات حسن البنا. مؤسس حركة الاخوان في مصر تلك الحركة التي دخلت في مواجهات مع الحكومات المتعاقبة في عهد الملك فاروق مما ادخلها في ممارسة الاغتيال السياسي ضد من رأت فيهم الحركة عملاء للأنكليز وبعضهم رجا ل دولة وإداريون ناجحون . مثل النقراشي باشا احد رؤساء الوزارات في عهد فاروق .. وقد اغتيل حسن البنا في ظروف غامضة (بعد استعداء كل الاحزاب المصرية بما فيها حزب الوفد الذي كان يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة ضد الاخوان .. ) ..

وبقيت حركة الاخوان تعمل في ظروف شبه سرية .. حتى انبثاق ثورة يوليو عام 52 التي هلل لها الاخوان مستبشرين بوجود الفريق محمد نجيب على رأسها. لكن سرعان ما انقلب الاخوان على الثورة والثوار بعد عزل نجيب وصعود عبد الناصر فدبروا محاولة لاغتيال ناصر باءت بالفشل ففتحوا ابواب جهنم على انفسهم فدخلت قياداتهم السجون ..

الانعطافة الثانية في حركة الاخوان المسلمين تكمن في ظهور كتابات سيد قطب التي تبحث في شؤون الحكم . سيما كتابه المهم معالم في الطريق الذي يعتبر مكملا لكتابه في ظلال القرآن وفيه نظرية شبه متكاملة لرؤية الاخوان لطبيعة الحكم المرتجى .. ويعتبر سيد قطب المؤدلج للإسلام السياسي. ورغم ما في كتاباته من بوادر تكفير الآخر المختلف وسخريته من المسلمين المعتدلين فقد وجد في المرجعيات الشيعية في العراق دعما له خلال محاكمته منتصف الستينيات وارسلت البرقيات تطلب من جمال عبد الناصر تخفيف الحكم .. لكن حكم الاعدام نفذ ..

وجدت كتابات سيد قطب بعد اعدامه رواجا في كل من سوريا والعراق ومصر وربما وصلت إطروحاته الى المغرب العربي والسودان .. فتشكلت خلايا سرية تستهدي بفكره ..

ولم تستطع الحكومات المتعاقبة رغم القسوة في التعامل مع الاخوان من كبح جماح تقدمهم واتساع رقعة تأثيرهم .. وفي رأيي المتواضع ان فشل الحكومات العلمانية في كل الدول العربية في تحقيق المشروع العلماني وتحقيق الديمقراطية واستشراء الفساد الاداري الذي كان ينخر في تلك الحكومات ومنها حكومة العلمانيين في تركيا .. وسقوط المشروع الماركسي في الاتحاد السوفياتي،، وشرق اوربا .. ونجاح آية الله الخميني في إسقاط حكومة الشاه (العلمانية ، والفاسدة. .) جعلت من المشروع الاسلامي السياسي بديلا متاحا استقطب اهتمام كتلة تاريخية كبيرة. واستقطب في الوقت نفسه اهتمام أساطين السياسة في الولايات المتحدة واوربا الغربية وأثارت مخاوف بعض الدول المحمية اميركيا. فبذلت الجهود والاموال لإختراق المشروع الاسلامي نفسه بإدخال الفكر الوهابي التكفيري الذي اخترق كتلة لا بأس بها من حركة الاخوان .. التي كانت لا تخلو من امراض جعلتها مهيأة لاحتضان المتطرفين. وقد لعب اردوغان وقطر دورا في الهيمنة على حركة الاخوان المسلمين وحرفها عن جوهر مشروعها ..

ولما كانت مصر بلدا انصهرت فيه ثقافات عديدة لم يستطع الاخوان إدارة دفة الحكم بشكل متوازن .. فلم يستطيعوا كسب ثقة الاقباط الذين تقترب نسبتهم من عشرين بالمائة من السكان ولا استطاعوا ان يقنعوا اليساريين والعلمانيين الذين صوتوا لحمدين صباحي بنسبة 19 في المائة بالحوار فجرى تهميشهم .. وقد تعجل الرئيس محمد مرسي في أخونة المؤسسات المصرية العصية على التدجين .. سيما مؤسسة القضاء المعروفة برصانتها ومؤسسة العسكر المعروفة بمهنيتها. ومؤسسة الاعلام المعروفة بتنوعها .. فخسر نصف الشعب المصري .. مما سهل الاطاحة به في حركة مدروسة رصينة .. لقد اطيح بحكم الاخوان في مصر .. (المشروع الاسلامي .. ) ولكن هل نجحت الديمراطية؟ وهل سيتنفس الديمقراطيون الصعداء .. هذا متروك جوابه للأيام القريبة القادمة .. رغم أني اشك في ذلك .. فالمخاض عسير وطويل ..

هذا عن مصر. اما في تونس وسوريا وغيرها من بلدان الربيع العربي. فسيناريو ازاحة (مرسي .. ) قد ينفذ على الجميع ..

وفي الختام لابد من تثبيت رأيي المتواضع في المشروع الاسلامي للحكم فأقول ان من الخير للإسلاميين (السياسيين) ان يكونوا نوابا في البرلمان ولا يكونوا حكاما ..  ان يكونوا رقباء. لاشركاء .. يؤشرون الخلل . ولايؤشر عليهم .. فعند إدارة الحكم تؤشر عليهم الهفوات والخطايا .. فدروب السياسة في عالم اليوم ابعد ماتكون عن ثوابت الاسلام الحنيف .. فللدولار سطوة. وللكرسي سطوة .. . وسيفشل كل مشروع نهضوي اسلامي مادام الاسلام قد اخترقته الطائفية والمؤامرات الدولية. فهاهو اردوغان يضطر لاستعمال الغاز المسيل للدموع أزاء مجموعة من الشبيبة المختلفة معه في تظاهرة بسيطة فيخرب كل مابناه. وهاهو يضطر لقبول عشرات القنوات مع اسرائيل .. هذا مثال بسيط سيمر به كل اسلامي ..

ولن نتحدث عن تجربة ايران وصعود الاصلاحي الدكتور روحاني لكي لا نقع في التكرار ..

الديمقراطية آلية .. والإسلام السياسي. مشروع ..

 

سلام كاظم فرج

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

abdulkhaik husan• هل جاء حراك الربيع العربي شعبيا عفويا تلقائيا؛ أم أسهمت في صنعه وترويجه جهات عالمية تبغي إيصالنا إلى وضع قلق يقوده الصخب لكي تمرر علينا مشاريعها المعروفة باسم إعادة ترسيم خارطة الشرق الجديد؟

* أعتقد أن انتفاضات الربيع العربي كانت عفوية، وانفجارا شعبياً تلقائياً بعد معاناة طويلة من الاستبداد والفقر، وكانت متوقعة وطال انتظارها بسبب القمع والاضطهاد. ومن الظلم اعتبار هذه الانتفاضات "من صنع وترويج جهات عالمية تبغي إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد.."، أو مخطط سايكس- بيكو جديد كما يروج البعض. إن إيعاز هذه الانتفاضات إلى جهات أجنبية يعتبر إهانة لذكاء الشعوب العربية وإظهارها وكأنها دمى لا وعي لها تحركها قوى أجنبية كما تشاء، إضافة إلى منح الأنظمة الاستبدادية صفات وطنية وإظهارها الجماهير بالخيانة لأوطانها، يعني "حكام وطنيون وشعوب خانئة". 

 

العرب بشر كغيرهم من القوميات في العالم، يرغبون في حياة حرة وكريمة، ويحلمون بأنظمة توفر لهم "الخبز والحرية والعدالة". والبشرية تمر اليوم بمرحلة العولمة بسبب التطور المذهل في تقنية الاتصالات والمواصلات بحيث صارت الدنيا قرية كونية صغيرة، ونعرف أن 70% من الشعوب العربية لا يتجاوزون الثلاثين من العمر، ومعظمهم من المتعلمين من حملة الشهادات، وبلا عمل، وهم يشاهدون على شاشات التلفزة والانترنت كيف تعيش الشعوب الغربية مستوى حياة لائقة بالكرامة البشرية، فلماذا يكونوا هم محرومين من هذه الحياة؟ لذلك عندما حانت الساعة بحدوث شرارة مثل قيام الشاب التونسي محمد بوعزيزي باشعال النار بنفسه احتجاجاً على سوء المعاملة، مست الشرارة براميل البارود في كل أنحاء تونس ووصلت إلى مصر وليبيا وغيرها. فما علاقة الجهات الأجنبية بحرق الشاب بوعزيزي مثلاً؟

 

أما كون الإسلاميين قاموا باختطاف هذه الانتفاضات وهم الذين استفادوا منها وانتصروا في الانتخابات، فلهذه  الظاهرة أسباب موضوعية منها أن الحكومات العربية المستبدة اضطهدت الأحزاب العلمانية الديمقراطية وطاردت الانتليجنسيا العربية الليبرالية، وكان هناك نوع من التحالف غير المعلن بين القوى الإسلامية الظلامية والحكومات العربية المستبدة، تسمح لهم بالسيطرة الفكرية على الجماهير الفقيرة، ونشر المدارس الدينية، وجمعياتهم الخيرية بأموال البتردولار الدول الخليجية، لذلك نجحت القوى الإسلامية في كسب أصوات الجماهير الفقيرة، بينما معظم المصوتين العلمانيين قاطعوا الانتخابات. إذ كما قال الفيلسوف الإيرلندي، إدموند بيرك: "كلما يحتاجه الشر لينتصر هو أن يبقى الأخيار على التل". وقد ذكرنا في مقال سابق لنا: "فاز مرسي بنسبة أقل من 52% من الذين شاركوا في انتخابات، وإذا ما أخذنا في نظر الاعتبار أن نسبة المشاركين كانت في حدود 50% من الذين يحق لهم التصويت، لعرفنا أن الذين صوتوا لمرسي لا يزيد على 26% من الذين يحق لهم التصويت، أي أن نحو ثلاثة أرباع الشعب المصري لم يصوتوا له.."

 

أما موقف الغرب مما حدث في بلدان الربيعي العربي، فقد تصرف حسب ما فرضه الأمر الواقع، لا تستطيع أمريكا أن تقف ضد نتائج صناديق الاقتراع بحجة كونها ضد الإسلاميين، بل كل ما تحاول أمريكا وحلفائها عمله هو التكيف مع الأوضاع الجديدة في المنطقة وتجييرها لصالحها.

 

يقول مثل إنكليزي: "إذا أردت أن تعرف حقيقة الانسان امنحة سلطة". لذلك كان فوز الإسلاميين في الانتخابات خطوة جيدة لكشف حقيقتهم، لمنحهم الفرصة لوضع شعارهم (الإسلام هو الحل) على المحك، وإبطاله، وإثبات عجزهم عن حل مشاكل الشعب، وفضح إدعاءاتهم كونهم ديمقراطيين. ولذلك أعتقد أن صعود الإسلاميين السريع للسلطة كان مرحلة ضرورية لسقوطهم السريع أيضاً وبلا عودة.

وشكراً

 

عبدالخالق حسين

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

 

بتاريخ 2011 / 11 / 6، نشرت صحيفة الحوار المتمدن الغراء في العدد: 3538، حوارا صحفيا مع الاستاذ الجيلاني الهمامي رئيس المؤتمر الوطني لحزب العمال الشيوعِي التونسي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول موضوع: "إن عالما آخر أفضل ممكن ... عالم خال من استغلال الانسان للانسان" .

وقد قمنا بالرد على ما تكهن به الجيلاني بما يخص موضوع الربيع العربي وما اعتبره "أنها قضية باب الحرية الذي انبلج منه النور أمام شعوبنا":

ألاستاذ جيلاني الهمامي:

تحية ...

جميل أن نحلم، وجميل اكثر ان تكون احلامنا كبيرة، كبر استحقاقاتنا في الحياة التي لم نبالي بها يوما بعد أن أستمرأت أنفسنا الاضطجاع في كهوفنا المنسية، نعب كؤوس الخدر ونتبادل طقوس الكسل والسبات. ويحلوا لنا الاقتداء ببعضنا البعض من ارهابيين ومجرمين وقتلة . نتعلم منهم فنون ذبح الحقيقة والاحتفاء بالقوة الغاشمة وسحق الكلمة الحرة واستمزاج الرأي. وبقينا هكذا في كهوف عزلتنا عن العالم، يفرض علينا الغرباء اجنداتهم ويوصدوا علينا ابواب الحرية . وخلف الاستار، يواصلون قهقهاتهم عن همجيتنا وافعالنا الشنيعة لاوطاننا وما كفرنا به من عشقنا للارض والانسان .. نعم، يا سيدي العزيز، لقد كنا كل ذلك، وما نزال كما عهدتنا، نقتل انبيائنا ونفتري على الواقع .

فأين هذا العالم الذي رسمته لنا ريشتك الحالمة، بينما انت واحدا منا، وتعلم اننا قد سئمنا حتى احلامنا وأمانينا. وأجبني بربك :

كيف تحركت هذه الجماهير في بلداننا العربية، ومن كان وراء حراكها؟ من يقودها والى اين يقودها؟ ما هي مصادر ثقتها بمن يقودها؟ ومن نصبهم عليها؟ وما هو هذا العالم الاخر الذي ولد بمخاض الجماهير التي تجهل اتجاه بوصلتها الايديولوجية والسياسية بعد، حتى تعتقدون أنه سيفرش الارض بالرياحين والزهور من اجل انساننا العربي؟ وهل تعتقدون ان من خسروا مواقعهم وامتيزاتهم ومصالحهم سوف يتهادنوا او يتفاوضوا او سيلقوا باسلحتهم؟ خذ العراق مثلا يا عزيزي، وما ذا يحصل فيه منذ 2003، وسترى انك تحلم وتبالغ قليلا في أمانيك . أليس ما يجري في العراق مثلا يحتذى به عن اجرام دول الجوار العربية التي اشترت بعض ذمم العراقيين لتفجر العنف الطائفي حتى هذه اللحظة وقتل شعبنا؟ ربما هذه أماني العقيدة الشيوعية التي انهارت ولم تقطفوا من ثمارها سوى التشتت والصراعات السياسية . وربما هو مجرد حنين وعودة الى رفض الواقع عن طريق مشاكسة النفس حينما ترفض الاذعان والاقتناع بتبريرات ذاك السقوط المدوي للعقيدة. ولكننا سنظل نتطلع الى الحرية في كل اوطان شعبنا العربي، ولا نتمنى أن نرى انهارا اخرى من دماء اخوتنا تسيل في أوطان عربية كما نراها ما تزال تسيل في العراق بسبب بعض الانذال من عراقيين وعرب. نريد الحرية للجميع،  ولكن نريدها بدون اجندات اجنبية، ولكن، هل سيتحقق حلمنا هذا؟

أعتقد ان علينا ان نتمهل وننتظر ولا نقفز هكذا مرة واحدة الى الخاتمة . فالمشهد سيطول يا صديقي، ولكل حدث ثمن، (ولكل نبأ مستقر، وسوف تعلمون). وشكرا . (1)

في الحقيقة، ان للاعلام الغربي اعتباراته السلبية ونظرته غير العادلة لما يخص حراك الشارع العربي باعتقاده ان ظاهرة الربيع العربي او غيرها، أنما لا تستحق سوى اللعنة. فسواءا قام الشارع العربي بانتفاضة من اجل حريته أم لم يقم، فأن ذلك الحدث سيبقى بنظر ذاك الاعلام، أما "غير منطقي"، أو"عدواني" أو لامبالي" بل ويولد "ميتا". وانه نادرا ما يفرض نفسه كتعبير عن الرأي العام والمشاعر الجماعية، مثل ما هو حال نظيره الغربي . اذ ينظر إليه في المقام الأول ككيان مادي، وقوة غاشمة من خلال التعبير عن أعمال الشغب والعنف . إذ ليس هناك سوى فرصة ضئيلة جدا لاعتبار الشارع العربي ظاهرة مألوفة لدى المجتمع الغربي. ومن خلال هذا الفهم، يصبح الربيع العربي امتدادا لمفهوم آخر سيئ السمعة، منسوبا للعقل العربي بالذات، حيث يتم التعامل معه من خلال الثقافة والسلوك الجماعي له والذي للأسف قد تم استيعابه من قبل بعض النفوس العربية.

ومشكلة الشارع العربي، تكمن في خياله العنيف، عندما تتعرض مصالحه للخطر أو عندما يتم تعطيل الاستراتيجيات الكبرى. فالشارع الذي ينقل الشعور الجماعي ليس بمشكلة، لأن الولايات المتحدة غالبا ما تستطيع تجاهله تماما . وتصورات من هذا القبيل في الحقيقة تساعد واشنطون في نهجها في الشرق الأوسط - ضاربة عرض الحائط الرأي العام العربي وبدعم لا غبار عليه وعلى نحو متزايد لاسرائيل وهي مستمرة في تفكيك السلطة الفلسطينية، وفي نفس الوقت، شن الارهاب على العراق" . (2)

فبعد عامين من الثورات الشعبية لتونس ومصر والتي سجلت بداية الربيع العربي، لا تزال الولايات المتحدة تواجه مهمة صعبة تتمثل في وجوب صياغة استراتيجية جديدة لشرق أوسط جديد. فبينما سقطت الأنظمة في تونس ومصر وليبيا في نهاية المطاف، ظل النظام السوري لبشار الاسد متشبثا بالسلطة بدعم من ايران وروسيا والصين وحزب الله، ولكن بحلول تبدوا قاتمة. فلقد قام الاسلام السلفي بذبح الشعب والقوات الحكومية تحت نوع من تجاهل ضغط الجهات المحلية والإقليمية والدولية. وفي هذه الأثناء، راحت ايران تنظر الى الربيع العربي كمزيج من فرص وتهديد، وعلى طول الخط، أبدت مقاومة لمطالب دولية شديدة لانهاء برنامجها لتخصيب اليورانيوم. وفي العام الماضي، أظهرت العناوين الرئيسية لصحف العالم، احتمالات التصعيد بين ايران مع اسرائيل وبدعم من الولايات المتحدة، بينما تركت العلاقة بينهما وإلى حد كبير، لما تتمخض عنه الاحداث .

وكان المراقبون السياسيون في ألشرق الأوسط مأخوذين بأحداث مطلع العام 2011 من اجل التوصل الى فهم عميق وشامل لصحوة هذا الربيع العربي . وعما اذا كانت الظاهرة قد تتحول إلى أهم الحركات الجيوسياسية لهذا الجيل . حيث ان الاحتجاجات ولدت من الظلم والقهر الاجتماعي والاقتصادي واندلعت في جميع أنحاء الشوارع في تلك المدن، وظلت الاضطرابات الشعبية تتحدى ردود فعل الشرطة العنيفة لدكتاتوريات راسخة راحت تهوي كاوراق الخريف . فكيف يمكن لكل هذا أن يحدث؟ وماذا سيكون عليه المستقبل؟، وما هي التداعيات المحتملة للولايات المتحدة وبقية العالم في الوقت الذي لا تزال المنطقة التي تشتعل فيها هذه الاضطرابات، تقع في صميم المصالح القومية للولايات المتحدة؟

فالصحوة العربية تعطي دروسا واسعة وبليغة من خلال تحليل الجوانب الرئيسية لاضطرابات الشرق الأوسط، كاتجاهات الرأي العام في "الشارع العربي"، ودور وسائل الاعلام الاجتماعية والتكنولوجيا، والظروف الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية، وتأثير الإسلاميين في كل من مصر وليبيا وسوريا، وأثر سياسي النظام الجديد على عملية السلام العربية الاسرائيلية وغيرها من احداث الساعة.

ومن اجل مواجهة التحديات الهائلة للتعبير عن أهداف الشارع العربي، قام النشطاء العرب ومن خلال وسائل جديدة بربط أهداف المعارضة وحملات المقاطعة، بالانترنت الناشط وبشكل مباشر (استخدام تكنولوجيات الاتصالات الالكترونية لوسائل الاعلام الاجتماعية، وخاصة تويتر والفيسبوك واليوتيوب، والبريد الإلكتروني) . (2)

فالربيع العربي قد برهن من خلال نتائجه، أن الشعوب وفي جميع الاقطار العربية تتطلع وبقوة لنيل حرياتها، وأن الديمقراطية والحرية ليست قيما مقتصرة على الغرب وحده. وهذا أصبح واضحا، من خلال احتجاجات تلك الشعوب في شوارع العديد من بلدان الشرق الأوسط، والتي هي تطلعات عالمية لشعوب مختلفة في أنحاء العالم. كما وانها بعد كل ذلك، المسؤولية ألاخلاقية للمجتمع الدولي في تعزيز وترسيخ إيمان التطلعات من أجل الحرية، وردم الهوة في سوء الفهم بين شعوب دول الربيع العربي. كما وكانت أيضا مسؤولية المجتمع الدولي في السيطرة على سير الحراك السياسي لترسيخ الديمقراطيات الناشئة من اجل نشر وعي أفضل لأدوار كل منهم حسب قدراته لخلق عالم أكثر أمنا.

ولكن نتائج الآثار المترتبة على ظاهرة الربيع العربي، اثبتت فشلها فشلا ذريعا في قطف ثمار ثوراتها، بسبب ان الغرب الذي كان يفترض به ان يكون راعي الإصلاحات السياسية والترويج للوسائل الديمقراطية، وخصوصا أن تنظيم القاعدة المتحالف مع التيارات السلفية ومنذ فترة طويلة يقوم ينشر الارهاب من اجل اقامة نظام سياسي يقوم على تفسيرالشريعة الإسلامية، كان على الغرب ان يقطف ثمار النتائج قبل الجميع ويقوم بدعم الاسلام المتطرف في ومصر وسوريا وليبيا واليمن . وبذلك، فان الغرب هو المسؤول عن فشل الربيع العربي وجعل تنظيم القاعدة يستمر بتمثيل التهديد ألاكبر للأمن العالمي الان وفي المستقبل المنظور .

لقد كان تأثير الربيع العربي الذي بدأ في أوائل عام 2011عميقا ومثيرا للجدل في عدة بلدان عربية، حيث تبنت تلك الشعوب وسائل التحدي السلمية من خلال التظاهرات والاحتجاجات الكبرى بهدف فرض تحولات سياسية واجتماعية واطلاق الحريات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية نتيجة ما كانت تواجهه شعوب تلك البلدان من صعوبات اقتصادية وعدم الاستقار السياسي تحت جور حكامهم . والامر الاهم في كل تلك التحولات السياسية، أنها كانت قد حققت انتصاراتها عن طريق الاحتجاجات السلمية، وليس بعمل عسكري أو تدخلات اجنبية كما هو المتعارف عليه في طريقة الاطاحة بالانظمة العربية، الامر الذي اضطر الحكام العرب الاخرين من الاذعان الى القيام باصلاحات سياسية .

ولكن النجاح النسبي للربيع العربي ظلت اهدافه مصدر نزاعات شديدة بين المراقبين الأجانب، وبين القوى العالمية – ألولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، والتي كانت تبحث عن وسائل للاستفادة من تغير الخارطة في الشرق الأوسط، الامر الذي أحدث فترة من التحولات غير المستقرة، في كل من تونس ومصر واليمن، في حين كانت نتيجة سوريا وليبيا ان كل منهما دخل حربا اهلية . فالمشكلة الكبرى، ان هذه الشعوب المنتفضة، لم تكن لتملك القيادات التي يمكن أن تخطط لانتقالها التدريجي والعقلاني في تلك التحولات . فكان الشعب المصري والشعب التونسي على سبيل المثال، يعمل كل منهما لاسقاط الرئيس واعلان الانتخابات الحرة، ولكن، لم يكن لديهما فكرة عما يجب عمله من الخطوات اللاحقة . كما وكانت هناك أيضا دعوات ملحة لمزيد من العدالة الاجتماعية، ولكن، وكما هو معلوم، انه لا يمكن تطوير الاقتصاد بعصا سحرية. فالجماعات والنقابات اليسارية أرادوا أجور أعلى على عكس ما كان يجري من صفقات الخصخصة والمراوغات. بينما كان يطالب الآخرون ادخال اصلاحات ليبرالية لإفساح المجال بشكل أكبر للقطاع الخاص. كما وكان بعض الاسلاميين المتشددين كانوا يولون اهتماما أعظم لتطبيق المعايير الدينية الصارمة والمتشددة. فجميع الأحزاب السياسية قدمت وعودا للمزيد من فرص العمل ولكن لا أحد من هؤلاء كان قادر على وضع برنامج للسياسات الاقتصادية بشكل عملي . (3)

 فعلى الرغم من تناقض الخطاب السياسى الأمريكى المعادي للتطرف الدينى، قامت الأدارة الامريكية بدعم الاخوان المسلميين في مصر وتمكينهم من المجيئ للحكم . فمصالح الولايات المتحدة تأتي في المقام الاول ولا تبالي من اجل مصالحها، ان تقوم بدعم اكثر الحركات الدينية تطرف، وهذا ما حصل مع الدعم الامريكي لحركة الشيشان من اجل طرد القوات السوفياتية من افغانستان. والشئ ألاكيد هو استعداد الولايات المتحدة، للتضحية بالديمقراطية أين ما كانت إذا كان في اسقاطها تحقيقا لمصالحها .

وعليه يصبح من الواضح، أن من مصلحة الولايات المتحدة ألتي تدرك ان حركة الاخوان المسلمين فى مصر هي نظام مؤهل لتنفيذ بعضا من اهدافها حينما تقرر أن تقوم بتعبئة شعبية لتحقيق تلك الاهداف التي تستطيع السكوت عنها حركة الاخوان وحدها. فمن بين تلك الاهداف، وكما يعتقد الكاتب المصري جلال أمين، اشعال الفتنة الطائفية في المنطقة العربية بين السنة والشيعة وتقسيم الشعوب العربية الى دويلات، أو اجراء بعضا من الترتيبات الجديدة في سيناء على حساب الشعب المصري. أو حتى، منح اسرائيل فرصة في جعل القضية الفلسطينية اكثر تدهورا وتدمير ما تحقق من مكاسب ضئيلة وشكلية من الامم المتحدة . (4) .

 فعندما تهاوت الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الاوسط، كان من السهل رصد الروابط المشتركة فيما بينهم، ولكننا نجد أن الثورات الشعبية للربيع العربي والتي اسقطت تلك الدكتاتوريات، لم تكن تسير للاسف على درب واحد أو تبدي نوعا من التفاهمات فيما بينها . فمصر وللاسف، اجتاحها التطرف الديني من خلال وصول الاخوان المسلمون الى سدة الحكم، بينما انزلقت كل من سوريا وليبيا نحو الحرب الطائفية . ولكن، وفي جميع الاحوال، كان ينبغي على جميع دول الربيع العربي، التفاعل والمشاركة البناءة والتنسيق فيما بينها ومع المجتمع الدولي لنيل الاعتراف بالانظمة الجديدة. كما وبغض النظرعن اي شيئ اخر، كان ينبغي على دول الربيع العربي الاستمرار في الانفتاح على الدول الديمقراطية والشعوب التي تمتلك قيما ديمقراطية. حيث كان هناك الكثير مما ينبغي القيام به لضمان الحفاظ واستمرار الحراك لهذه الدول المتحررة في اتجاه ايجابي، وبما يجعل كل منهم مكملا للآخر .

آثار الربيع العربي المترتبة على سياسة الولايات المتحدة ومصالحها:

 أظهر الربيع العربي القوة المحدودة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وأثبت أنه لم تعد للولايات المتحدة الهيبة أوالموارد للسيطرة على شؤون الشرق الأوسط منذ انسحاب بريطانيا من شرق السويس في عام 1971. فلا الولايات المتحدة ولا أوروبا لديها الموارد المالية اللازمة من اجل معرفة التوقعات الكبيرة في بلدان الربيع العربي الأخرى سوى في أدوار هامشية، وإن كان من المتوقع أن سيكون لأمريكا استثمارات كبيرة في المستقبل من أماكن أخرى، وخاصة دول الخليج والصين، تلك الدول التي لا تشترك بنفس القدر من اهتمام الغرب في تعزيز القيم الديمقراطية.

وما يتعلق في جوانب الإصلاح السياسي والاقتصادي، فإنه كان يحتم على الادارة الامريكية ألانتظار لترى ما ستكون عليه طبيعة النظم السياسية الديمقراطية التي ستظهر بعد الانتخابات في تونس ومصر وليبيا. ومع ذلك، كان على أمريكا أيضا الاخذ بالاعتبار بعض التطورات القريبة المؤكدة منها مثلا:

 أولا، توقعها أن الانتخابات سوف تزيد الأحزاب الإسلامية قوة، كما وأن سبق أن حصل في تونس، بفوز حزب النهضة المعتدل الاسلامي. وثانيا، اعتقادها أن الديمقراطية سوف تمنح الحكومات العربية استقلالا أكثر عن نفوذ الولايات المتحدة عليها، ولكن على المدى الطويل، ان الولايات المتحدة ستتمكن من الاستفادة من مجالات جديدة من المصالح والقيم المشتركة مع الحكومات العربية.

 أما فيما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط، والاحتمالات الفورية، فأنها كانت أسوأ من ذي قبل وخصوصا بالنسبة لاسرائيل . فقد أثار الربيع العربي المخاوف الاسرائيلية في ان المنطقة التي استمرت مستقرة نسبيا في العقدين الماضيين تحولت ضدهم. حيث وجدت الحكومة الإسرائيلية نفسها أكثر عزلة من أي وقت مضى، بينما وجد الفلسطينيون طاقة جديدة، ولكن من الواضح أنه لم يتم استثمارها في التقدم نحو تسوية تفاوضية مع إسرائيل.

وفي مجال الطاقة، فخلال احداث الربيع العربي وبعده، أعلنت السعودية والمنتجين الرئيسيين الآخرين القدرة على تعويض الاضطرابات الناجمة عن الأحداث الليبية. واظهرت نتائج الاحداث، أنه على المدى الطويل، فان الطلب العالمي على الطاقة يتطلب تطوير احتياطيات الطاقة في العراق وإيران، وهما ثاني وثالث أكبر احتياطي في العالم. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فأن تكنولوجيا الصخر الزيتي والطاقة المتجددة ستوفر فرصة لتقليل الاعتماد على النفط المستورد. كما ويبقى التقسيط والحفاظ على المتوفر، هو الوسيلة ألافضل في عدم هدر النفط . كما ويبقى التزام الولايات المتحدة القوي لأمن الخليج أمرا حيويا لاستقرار سوق النفط في المستقبل المنظور. (6)

فيما يتعلق بالإرهاب، فانتفاضات الربيع العربي أكدت على إن الفلسفة الإسلامية المتطرفة واستخدام العنف، هو السبيل الوحيد لتحقيقها التغيرات الاجتماعية. ففي الواقع، إن حركات الربيع العربي التي كانت في البداية موجهة نحو القيم العالمية وبجذور في الطلب على الوظائف والعدالة والكرامة،  كما وانها ليست بعيدة في الروح عن الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة، فان التحالفات بين الحركات السلفية وتنظيم القاعدة، اكدت على ان العنف هو الوسيلة والحل الوحيد في السيطرة على الاوضاع وتحطيم النظم الديمقراطية. إذ لا تزال التيارات السلفية والقاعدة، تحاول تدمير العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها من اجل فرض ما يسمى الدولة الاسلامية في تلك البلدان التي يحاول بعضها نشر مبادئ الديمقراطية من خلال الانتخابات الحرة واطلاق الحريات السياسية الاخرى كالتعبير عن الرأي وحرية الصحافة وغيرها كما هو الحاصل الان في العراق. ولكن الارهاب والاضطرابات السياسية لا تزال توفر فرصا للمتطرفين الإسلاميين، من خلال نشر العنف واثارة الاحقاد الطائفية كوسيلة في محاولات لاسقاط تلك النظم الديمقراطية كما في العراق او للسيطرة على الأرض كما في اليمن .

وعموما، فأن ما كان يؤمل من الربيع العربي والانتفاضة الجماهيرية العربية الكبرى لشعوب تلك البلدان، أن تكون نتائجه كفاتحة لعصر جديد من اجل إعادة ترتيب الأوضاع ورسم الخطوط العريضة لمستقبل عربي ديمقراطي، لكن، ارهاب التيارات السلفية كان بالمرصاد لتلك الجماهير في كل من سوريا ومصر وليبيا واليمن ليضع حدا لامال تلك الشعوب في الحرية واقامة النظم الديمقراطية . وان كانت آلافاق المستقبلية تؤشر استمرار عدم الاستقرارولفترة طويلة في منطقة الشرق الاوسط، تبقى امكانية تحول الشرق الاوسط وعلى المدى البعيد نحو تحرر وديمقراطية أكبر، من ألامور الاكثر احتمالا .

وختاما، أن المشكلة التي واجهت تحرر الانظمة العربية من خلال الربيع العربي، كانت وقوف التيارات السلفية بوجه الجماهير المنتفضة والسيطرة على قياداتها ومركز قرارها، ومن ثم تحويل المسيرة والاهداف الديمقراطية الى ما يخدم ايديولوجية التطرف الاسلامي، ورفضها إنشاء المؤسسات الليبرالية أوايجاد حلول للمشاكل الاقتصادية. وإن كانت التوقعات تشير الى استمرارعدم الاستقرار، وتزايد نفوذ البلدان التي لديها موارد لدعم سياساتها واستمرار دورها ألاساسي، تبقى على المدى البعيد احتمالية أن تصبح المبادئ الديمقراطية وألمساءلة والعدالة أكثرازدهارا، من خلال مجيئ حكومات ستكون قادرة على العمل من اجل حياة أفضل لشعوبها وأقل اسائات لما يتعلق بحقوق الإنسان وكرامته .

 

أ . د . حسين حامد

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

.....................

ألمصادر :

 الحوار المتمدن ألعدد : 298503 " إن عالما آخر أفضل ممكن ...عالم خال من الاستغلال"  . (1) .11/12 / 2011 .

(2) Asef Bayat. The "Street" and the Politics of Dissent in the Arab World. Published in MER226 .

 (3)Primoz Manfreda. Definition of the Arab Spring، Middle East Uprisings in 2011.About.com.Middle East Issues- 2012.

 جلال أمين، الاخوان والامريكان، جريدة الشروق، 14 كانون اول 2012 (4)

(5) Allen L. Keiswetter .The Arab Spring: Implications for US Policy and Interests. Middle East Institute، JAN 13، 2012

  

yasamyna hasybiلا يمكن لأي مُتابع للأحداث منذ الغزو الأمريكي للعراق تحت ذريعة وجود أسلحة للدمار الشامل أن يغْـفَـل عن المؤامرات التي حيكتْ خيوطها في منطقة الشرق الأوسط، ولا يشك عاقل بأنّ حالة الفوضى السياسية والاجتماعية والدينية التي تشهدها البلدان العربية والإسلامية منذ سنتين عبارة عن مخطط خارجي يندرج تحت مسمى "الربيع العربي".

فالمتتبع باهتمام للثورات العربية  يكتشف تدريجيا بأن ما حصل كان عبارة عن "مسرحية للدمى المتحركة " أمسكتْ بخيوطها أمريكا والدول الغربية لكن حرّكتها دويلة تقع بين إيران والسعودية إسمها " قطر "، مسرحية استُبدِلتْ فيها دُمى الطّواغيت  بدُمى الإسلام السياسي والعمائم فرُفع الستار عن الفتن الطائفية، ولعمري إن الطائفية الدينية والمذهبية هي أنجع وأقوى الأسلحة في تدمير أي بلدٍ مهما بلغتْ قوته العسكرية. 

إن التفكّـر قليلا في هذه الاوضاع يجعلنا نطرح السؤال حول ماهية " الربيع العربي" الذي انتهى بتصاعد وتيرة الإسلام السياسي ووصوله إلى الحكم في كل الدول التي اندلعت فيها الثورات وحتى التي لم تندلع فيها ( المغرب مثلا)، وأعرف أن الكثيرين ما زالوا يؤمنون بشكل أو بآخر.. بمصداقية الثورات العربية على أساس أنها أنهتْ حكم الطغيان والديكتاتوريات وجعلتِ المواطن العربي يتحرّر من عقدة الخوف التي لازمته لعقودٍ طويلة..  

لكنْ هل معنى ذلك أنه يجب علينا تصديق وهمٍ كبير إسمه  " الربيع العربي" ونحن نعلم جليًّا أن هناك أيادٍ خارجية امتدتْ في الثورات وتدخلت في مسارها بشكل سافر جدا مما كشف اللثام عن المقاصد الحقيقية لــهذا الربيع المفتعل وفضَح مخططات كبيرة وأطماع دولية وعربية خائنة رأت في تدعيم الإسلام السياسي وسيلة مضمونة لزعزعة الاستقرار في العالم العربي وانشغال الشعوب العربية والاسلامية في الفتن الطائفية والدينية تسهيلا لاحتلال اقتصادي واستنزاف سياسي وعسكري لا تقوم بعده للمسلمين قائمة.

ناهيك عن الإعلام المشبوه الذي لعب دورا خطيرا في حالة الغليان الغير مسبوقة في التاريخ الحديث بالمنطقة والتي أسفرت عن تحطيم  كل مقومات الوحدة في الوطن الواحد بل وساعد بنجاح في انجاز مشاريع احتلالية واقتصادية  كانت  تعدّ من رابع المستحيلات  (ليبيا مثلا) .

وأتساءل كيف لأمريكا والدول الغربية أن تُبارك صعود الإسلام السياسي إلى السلطة وهي التي خاضت حروبا عديدة في منطقة الشرق الاوسط تحت مسمى " الحرب ضد الارهاب"

وهنا يجيب المحلل السياسي محمد حسنين هيكل :

"إن الاعتراف الأمريكي الغربي بالإخوان المسلمين لم يأت قبولاً بحق لهم ولا إعجابا ولا حكمة، لكنه جاء قبولاً بنصيحة عدد من المستشرقين لتوظيف ذلك في تأجيج فتنة في الإسلام لصالح آخرين،"

فليعلم إذن من لا يريد أن يعلم أن أمريكا والقوى الأخرى التي تسعى حثيثا إلى تفكيك الدول العربية عرقيا ودينيا ومذهبيا تَعرف جيدا، ومن خلال تحليلات المستشرقين القديمة منها والحديثة  أن الطائفية الدينية والمذهبية والحروب الأهلية  تتجاوز في تدميرها للاوطان قوة أعتى الجيوش العسكرية في العالم ولهذا تسعى وبكل السبل إلى إدخال المنطقة في "صراع إسلامي- إسلامي وخاصة  سني / شيعي".

وبعيدا عن مصطلح الفوضى الخلاقة  أو فوبيا مخطط برنارد لويس لتقسيم المنطقة العربية إلى دويلات، نرى جليا بأن الفوضى "واقعا ملموسا جدّا " في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا والعراق وأن فتنة الطائفية مشتعلة في هذه الدول بدرجات متفاوتة وكل هذا يحدث دون تدخل " ظاهري" لإسرائيل رغم أنها الرابح الأكبر في كل ما يحصل من تقويض للقوى العربية عسكريا واقتصاديا، إسرائيل اليوم تنتشي  بانشغال العرب والمسلمين بحروبهم الداخلية التي استنزفت قواهم العسكرية ومزقت أنسجتهم الاجتماعية فصرفوا أنظارهم عن القضية الفلسطينية .

وحتى السيد اردوغان استغل هذا الوضع المتأزم في المنطقة في محاولة منه لاستعادة امجاد " الدولة العثمانية" بتصدير " الإسلام السياسي "  كنموذج إلى دول  ما سمي بــ " الربيع العربي ورأى في وصول «إخوانه المسلمين»  الى سدة الحكم بمصر " العملاقة" تحقيقا لحلم سلجوقي  يراوده منذ سنين طويلة.   

كما لا  يخفى على أحد أن دويلة قطر لعبت الدور الأكبر في الترويج للإسلام السياسي ودعمه ماديا وإعلاميا في مصر وتونس وليبيا والجزائر وفلسطين ومالي أيضا،فهذه الدويلة  الصغيرة التي تأوي أكبر قاعدة عسكرية لأمريكا  رأت في  " ثورات الربيع العربي" فرصة لتأكيد نفوذها وموقعها في المنطقة  معتمدة على قناتها "الجزيرة " التي كانت أول من استعملت كلمتي " ثورة" و" ثوار" في تغطية الأحداث  وأصبح الشيخ القرضاوي وجها مألوفا على شاشة الجزيرة  ومنها أطلق فتاويه التي دمرت ليبيا عن بكرة أبيها ومنها نشر أفكاره المتشددة والمحرضة على قتال السوريين لبعضهم البعض .. ومنها توسل لأمريكا بالتدخل للجهاد " ضد المسلمين لله" ومدّ المعارضة بالأسلحة، بل أن قناة الجزيرة أمعنت في استضافة " أصحاب اللحى والعمائم" في برامجها إما مباشرة أو عبر المداخلات التليفونية تمهيدا "لأخونة" الانظمة في دول ما يسمى بـ " الربيع العربي".

واسأل: كيف يمكن لقطر أن تقيم علاقات طيبة مع إسرائيل  وأمريكا وأن تدافع عن حماس في فلسطين وتدعم الإخوان المسلمين في دول ما سمي بـ " الربيع العربي" في نفس الوقت؟؟

سؤال محير فعلا إلاّ إذا افترضنا (مثلا) أن هناك خلفية مصلحية "مشتركة " بين كل  هذه الأطراف  ؟؟؟؟؟

لقد نشرت صحيفة "الكريستيان ساينس مونيتور" الأمريكية تقريرا عن دور قطر وقناة الجزيرة في تنفيذ السياسة الخارجية ودعمها للإسلام السياسي قائلة : " إن الرغبة القطرية الواضحة في الإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد تأتي من أجل إقامة نظام آخر ترأسه جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وهو هدف تدعمه تركيا أيضا"  

لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي قطر وتركيا وأمريكا..  والإخوان طبعًا!

سقوط الإخوان المسلمين في " تسونامي الثلاثين" بمصر قلب الموازين وغيّر قواعد اللعبة .

سقوط  مدوي غير مسبوق في التاريخ الحديث تجاوز حدود مصر وسيجعل المنطقة تعمل حسابا لشرعية الشارع في الأول وفي الاخير.       

سقط الإخوان المسلمين في مصر لأنهم استهانوا بالشعب المصري وارتكبوا أخطاءاً فادحة بدءًا من احتكار السلطة  وانتهاءًا بتضييق الخناق على الحريات الإعلامية وإقصاء المعارضة منتهجين سياسة العودة " إلى المرشد" في أخذ قرارات مصيرية تهم مصر وعلاقاتها الاقليمية والدولية.

سقوطٌ كان بمثابة " الضربة الموجعة"  بحسب صحيفة "الفايننشال تايمز" بالنسبة  لقطر التي كانت منشغلة بانتقال السلطة من الأب إلى الابن وهي التي راهنت على الإخوان المسلمين في مصر بـ 8 مليارات دولار وبذلت الغالي والرخيص، إلا ان هناك  " لغط كثير" عن تخطيط الأمير الابن للحدّ من دعم قطر للإخوان المسلمين في مصر وفي المنطقة بدأه بطرد القرضاوي من قطر!  

سقوط فاجأ حدّ الصدمة والهذيان " حزب العدالة والتنمية" التركي المنشغل ايضا  "بربيعه الأتاتوركي"  في " تقسيم" اسطنبول.

كما مثّل انتكاسة كبيرة لأمريكا التي تستخدم " الإسلام السياسي " لخدمة مصالحها الاقتصادية مما جعلها تقف حيال الوضع  في حيرة وقلق .

في حين تقول إسرائيل أنها  " لن تتسرع فى تبنى مواقف تجاه ما يجرى، لحين اتضاح الرؤية"

اما في سوريا،فقد  كثرت الأحاديث عن "اللعنة" التي أصابت الإخوان بعد إغلاق السفارة السورية  وأن " «جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، تعيش اليوم أسوأ كوابيسها وأشدها بؤساً».

فهل كان فعلا اغلاق السفارة وقطع العلاقة مع سوريا من الأسباب التي عجلت بسقوط الاخوان؟

وما هو رأي زعيم حركة النهضة الإسلامية  فى تونس راشد الغنوشي؟

ومع ذلك، لا يجب الإستهانة بالاخوان المسلمين، فهم مصمّمون على العودة للصدارة مهما كلفهم الأمر...

 فهل سيلجؤون هذه المرة إلى صناديق الذخيرة عوض صناديق الإنتخاب؟

يقول وزير الخارجية السابق ورئيس لجنة الخارجية والأمن بالكنيست أفيجدور ليبرمان :

" أن القول الفصل لم يُكتَب بعد، فليس من طبيعة الإخوان تقبل الأمر الواقع بسهولة .. "

ويبدو أن مسلسلات رمضان هذه السنة ستكون " إسلامية جدا" 

فأهلا بك يا رمضان  .. ياشهر التوبة والغفران !

 

ياسمينة حسيبي

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

khadom almosawiفي السابع عشر من كانون الاول/ ديسمبر 2010 اعلنت وكالات الانباء قيام المواطن التونسي محمد بو عزيزي بحرق نفسه في الشارع العام احتجاجا على القمع والمنع وسلطة الاستبداد التي اهانت كرامته الشخصية وحرمته من العيش الكريم بجهوده وإمكاناته. وأصبحت هذه الحادثة المحزنة شرارة اندلاع الحركة الشعبية الجديدة في تونس ومنها وأمثالها في ما تلاها من الانتفاضات الشعبية الجديدة في العالم العربي. وانتهت هذه الشرارة في حرق مرحلة النظام السابق وقيام نظام جديد، بفضل المشاركة الشعبية الواسعة في الانتفاض والاستمرار في المطالبة في انهاء الحكم السابق وبناء نظام جديد. والتشابه في المعطيات والوقائع في كل البلدان عامل اساسا في الانطلاق والاستمرار. وما جرى في العموم يؤكد ان كل العوامل، الداخلية والخارجية لعبت ادوارا في كل هذا الحراك. والصدمات التي حصلت لكثير من القوى والتيارات والحكومات، العربية والأجنبية، نابعة من الغفلة والتواطؤ والاستهانة بقدرات الشعوب وطاقاتها وإراداتها. ولعل ما يحصل في مصر خصوصا رد على كل تلك الاستهدافات، وإجابة لبعض من تلك الاسئلة التي لابد منها في مؤشرات الواقع والتحولات. 

التجربة في مصر تقدم ادلة واضحة لسير ثورة شعبية، بكل المعاني. الميادين الشعبية، لاسيما ميدان التحرير، النموذج لها، ومضرب المثل، ليس في مصر والعالم العربي وإنما في العالم ايضا، حيث  يشهد له. ولعل الاسئلة الكثيرة في التجربة المصرية تعرض اهمية الانتباه بوعي لما جرى وحدث وحصل. فالانتخابات ليست كل شيء فيها. ونتائجها لا تعني تحقيق الديمقراطية، والقوى الفاعلة فيها من خلال التجارب التاريخية قد تستخدمها عنوانا مؤقتا للانقضاض عليها. كما ان ما حصل في مصر في الانتخابات ونتائجها توضح ان ارتكاب الاخطاء في التجربة لا يشفع للقوى التي جاءت للحكم بها بالاستمرار بدون نقدها والاعتبار منها. لا سيما الاخطاء الاستراتيجية والرغبات الفئوية والحزبية الضيقة التي تخطط الى "التمكين" للاستئثار بكل النتائج. والمحصلة في الاخير خراب التجربة وخسارة الاحلام والأهداف.

 بلا شك ان تحديات بعد التغيير كثيرة وعديدة وأبرزها العمل على بناء دولة القانون والمؤسسات وعلى قواعد المواطنة الكاملة، والتنمية للشعب، والشفافية، ومكافحة الفساد والاستبداد والفتن الدينية والسياسية، وتعزيز الوحدة الوطنية وحقوق الانسان. فهل قامت حركة الاخوان المسلمون التي فازت في الصناديق بنسب ضئيلة بكل ما اشير اليه من تحديات ام اخفقت وخانت العهود والوعود واستمرأت الوعيد ونكث العهد؟!.

حركة الاخوان المسلمون جزء من تيار الاسلام السياسي في العالم العربي والإسلامي، ولها تنظيماتها المحلية والدولية المعبرة عن منتسبيها. وهي وغيرها من الفصائل الاسلامية تشكل تيارا كبيرا في المشهد السياسي. قدم هذا التيار تضحيات غير قليلة من اجل التغيير او المشاركة فيه، إلا انه في التجربة العملية في تونس ومصر خصوصا كشف عن فشل في الاستفادة من دروس التاريخ وعن اعادة انتاج اساليب الانظمة التي شارك في الاحتجاج عليها وتغييرها، وكان ضحيتها، إلا انه قام بأبشع منها. لاسيما روح الاستئثار في السلطة وغياب مشاريع التغيير على جميع الاصعدة، مما اضاع فرص الاستقرار والأمان وإقناع الشعب بمصداقيته ووفائه للشعارات التي رفعها وساهم فيها. كما اثبتت مهمات التغيير لمرحلة التحولات في العالم العربي عموما لطبيعته المتنوعة ضرورة بناء انظمة الجبهات والتحالفات المؤسسة للكتلة التاريخية التي تقود الشارع السياسي وتعبر عن مكوناته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وتحتاج المرحلة اليها بشكل مباشر وتضعها امام اختبار التاريخ ايضا. لاسيما وان مرحلة بعد التغيير فضحت قوى الاسلام السياسي التي وصلت السلطة بابتعادها عن تطبيق مفاهيم الديمقراطية وبناء الدولة الوطنية المستندة الى الارادة الشعبية ومواجهة التحديات الاستعمارية.

وقد تكون الصورة الحاصلة الان ناطقة بمآلات ما تحقق ومن القوى الفاعلة والأساسية على الساحات العربية. وكذلك قواعد التغيير واللعبة السياسية وقوى الاستعمار والامبريالية والأدوار السياسية لكل الاطراف الفاعلة في كل ما يحدث اليوم. وتتكامل مع هذه التطورات استمرار الصراعات السابقة على التغيير الى ما بعده بأشكال وقوى اخرى، منها من ساهم في التغيير، كركن اساسي فيه او التحق به وتصاعد معه. وكشفت الاحداث ان التنظيم الحزبي والمال السياسي لعبا دورا واسعا في الكثير مما حصل في مجريات الواقع اليومي في تونس ومصر اساسا. كما ان تداخلات خارجية كثيرة ومعلنة لعبت دورا صارخا في التأثير، وتباهت بعضها في نتائج ما حصل او في مصائر اتجاهات معينة والضغط باتجاهات معينة اخرى، بعيدا عن الوقائع والتطورات التي  يمكن ان تكشف عن خفايا كثيرة تركت تداعيات غير قليلة على ارض الواقع. فهل هذا كان من ضمن اسس التغيير الوطني الديمقراطي؟ ومن المستفيد منه؟. بالتأكيد لم تتحقق كل اهداف الحراك الشعبي، ولكن لابد من وضع اساسات له والعمل على البناء والتقدم عليه. وكيلا تتشوه المفاهيم والمصطلحات وتتبدل معانيها ومدلولاتها كما جرى وحصل، لابد من اعادة التفسير والشرح لها. فالانتخابات وحدها لا تعني النظام الديمقراطي المنشود، وإنما هي آلية من آلياته، والتلاعب فيها بما يضر في احترام نتائجها يؤثر على تطورات اليات الديمقراطية الاخرى وتفاعل قواعدها الاساسية المعروفة في العمل السياسي. ولابد من تنفيذها كاملة دون تجزيء لها والتعلق بما يحقق اهداف جزئية وظرفية وربما حساسيات ذاتية ومصالح حزبية ضيقة. وهو ما رأيناه في تونس ومصر.

ان القوى التي فازت ولم تلب متطلبات التغيير ومهمات المرحلة تتحمل اضافة الى المسؤولية التاريخية في حرف مسار التغيير والثورة، مسؤولية رؤها الضيقة وجمود عقليتها في فهم ما يجري محليا وعالميا وفي معرفة معنى الثورة والتغيير وقواها الحقيقية وقياداتها العملية والعضوية وقدراتها على التصحيح والدفاع عن اهداف الثورة ومسارها الصحيح. وتبقى مسالة عودتها الى المشاركة ايضا مفتوحة اذا استوعبت الدروس واستخلصت مدلولاتها العملية في النضال المشترك وبناء الكتلة التاريخية التي تقع عليها المهمات والتحولات في الراهن والحاضر والمستقبل. اذ لا يمكن الغاؤها او اقصاؤها بسبب اخطائها او فشلها وبجرة قلم. كما عليها ضرورة المراجعة والنقد والتعلم من جديد من الدروس وعبّر التاريخ وتسهم بحجمها وقدراتها ودورها الوطني والديني وليس الرهان او الارتباط بالقوى التي تتعامل مع المصالح والخطط الاستراتيجية التي تهمها اكثر مما وقعت عليه معها، او استخدمتها لفترة وحين من الزمن.

وأخيرا استمرار الثورات يتم بقدرات حملتها الاساسيين من القوى المؤمنة حقا بها، والعاملة في سبيلها، وهي القوى الاساسية المعبرة عن الطبقات الاجتماعية والفئات التي لها مصالح عملية في الثورة والتغيير. فالثورات قاطرة التاريخ.

 

كاظم الموسوي

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

naheda altamimiمنذ زمن ليس بالقليل وفي ظل حكومات علمانية استبدادية وقاهرة لارادة شعوبها وناهبة لثروات بلدانها وجاعلة لها حكرا على انفسها وعوائلها وحواشيها، ونحن نسمع مقولة طالما رددها الاسلاميون وهي (الاسم هو الحل)

كان الاسلاميون يجزمون انه لاعدل ولا امن ولا امان ولا خلاص من الطبقية والفقر ومشاكل وامراض المجتمع المستعصية الا بالرجوع الى حكم الله والشرع والدين ففيها الخلاص وشفاء المجتمعات مما اصابها من امراض وعلل اجتماعية ونفسية وسياسية وبيئية بفعل عوامل كثيرة

ولكن ..!! هل تصلح احكام كانت سائدة وتطبق على مجتمع بدوي بسيط حديث العهد بالاسلام والايمان على مجتمعاتنا الحديثة وبعد كل هذه الثورة التكنولوجية والمعلوماتية والعمرانية التي يشهدها العالم اجمع

هل يمكن لنا وبعد قرابة الف واربعمائة سنة ان يحكمنا المرشد او الشيخ وان نقبل بفتاوى ماكانت لتقبل حتى في صدر الاسلام لما فيها من هزالة وغرابة وسخافة وسطحية لايفهم منها الا تشويه صورة الاسلام والتغرير بالسذج من الناس ليتبعوها لغايات في نفس يعقوب كتلك التي تفتي بوجوب لبس الخمار ليس فقط للفتاة والمراة وانما للشاب الجميل ايضا .. او ارضاع الكبير حتى قال الفنان المعروف عادل امام انه لما سمع بهذه الفتوى تخيل نفسه يعود الى المنزل ليجد زوجته ترضع السواق ليصبح محرما عليها ففزع من تلك الفكرة.

كل ذلك ليس بمقبول ولكن يمكن تمريره والسكوت عليه والتغاضي عنه .. ولكن ان تصل الفتاوى الممولة بالمال النفطي السياسي الى اعلان الجهاد على المسلمين وعلى الشعوب المسلمة والافتاء بنحر الاطفال والقائهم من اعالي البنايات وذبح رجال واناس مسالمين لاذنب لهم الا انهم يختلفون معهم في المذهب كما حصل في قرية حطلة السورية وقرية ابو مسلم في مصر والتمثيل بجثث المغدورين تشفيا!!! والضوء الاخضر ياتي من الرئيس مباشرة ومباركة شيوخ الارهاب والفتنة الذين اجتمعوا في مصر وهللوا وصفقوا للقتل واستباحة الامنين وسفك الدماء ..  وليصف رئيس الجمهورية جزء اصيل من شعبه قوامه ثمانية ملايين شخص بانهم انجاس ارجاس ويتسبب في العدوان عليهم وقتلهم وسحلهم والتمثيل بجثثهم .. فهذا هو غير المقبول انسانيا ولا اخلاقيا ولم تقبل به الجماهير المصرية فقررت ان تقول قولتها مرة اخرى وتنزل للشارع لتسجل موقفها وتقلب الطاولة على هكذا رئيس يفتي بقتل شعبه ويبرر للارهاب ويمهد للحرب الاهلية وتقسيم البلاد

 زمان كانت الفتوى لاتصدر الا من المفتي ولايصدرها الا بشق الانفس لما لها من نتائج نفسية واجتماعية وايضا خوفا من الله وما يترتب عليها من عواقب تقف امام التساهل في منح الفتاوى فكان الميل الى تصعيبها .. اما اليوم فقد اصبحت وبفضل الاسلام السياسي فتاوى بالكيلو والمجان وحسب الرغبة والطلب بحيث اصبح كل من هب ودب يفتي.. حتى شملت فتاويهم الجبن والجن والخيار والطماطة ووجوب الباس العنز لباس وحرمة الجلوس على الكراسي وعدم تقشير الموز والخيار ولم يتركوا شيئا الا وافتوا فيه ليعملوا من الاسلام مهزلة وموضع سخرية وتندر من قبل شعوب العالم التي باتت ترتعب من شي اسمه اسلام ومسلمين ، وراحوايشوهون صورة الرسول الكريم الذي وصفه القران بقوله تعالى وانك لعلى خلق عظيم .. او ، وماينطق عن الهوى انما هو وحي يوحى .. فتركوا كل صفاته الجميلة والرائعة وراحوا  يركزون على قدرته الجنسية ومضاجعته لزوجاته  جميعهن في ساعة واحدة ..واحدة وكانهم كانوا معه .

ولااعرف بماذا تفيد مثل هذه الامور الانسان المسلم الذي يريد الصلاح في دينه ودنياه

نعم كان لابد للاسلاميين في مصر وتونس والعراق وليبيا ان يتولوا الحكم بعد فترات حكم ديكتاتورية واستبدادية طويلة ليثبتوا فشلهم السياسي وليثبتوا انهم يقولون مالايفعلون وان الاسلام الذي ارادوا تطبيقة ليس هو الحل وان قوانين سنت قبل الاف السنين لاتصلح لعالمنا المعاصر اليوم ولااقصد القران الكريم واحكامه التي تصلح لكل وقت وزمان ولكن تحريف الاحاديث ونشر الفتاوى الغريبة والتي باسمها برروا القتل والارهاب والانحرافات فهي لاتصلح لزمن التطورات المتلاحقة والتقدم السريع في كل مجالات الحياة والانسانية

بالتاكيد مايحصل في مصر اليوم ليس هزيمة للديمقراطية لان الديمقراطية فعل جماهيري وقد انجزه الشعب المصري على اكمل وجه مرتين  .. مرة عندما اطاح بمبارك وخرج متحديا امن الدولة ومتغلبا على خوفه،

 ومرة عندما اصر على خلع رئيس لايحترم شعبه ويفتي بقتله وسحله،  وقد فعلوا .. ليسجلوا اول حالة نادرة في التاريخ لاتحصل حتى في اكثر البلدان ديمقراطية في العالم وهي التحام الجيش مع الشعب والوقوف بجانب تنفيذ مطالبه ،

ماحصل هو هزيمة شنعاء للاسلام السياسي المصري والعربي عموما وليس الديمقراطية ، فهناك التجربة التركية التي اثبتت جدارتها وارغمت اردوغان وحزبه الاسلامي على الاستجابة لمطالب الجماهير، والتجربة الايرانية ايضا كان لها حضور مميز ،

الفشل طال الاحزاب الاسلامية .. اما الجماهير فانها تسجل حالة جديدة من الديمقراطية فهي اليوم تاخذ زمام المبادرة وتنزل للشارع لتفرض التغيير اذا لم يرق لها الامر .

 

د. ناهدة التميمي

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

 

hamid taoulostلا أخفيك سرا -أيها القارئ الكرام - أنني أعيش مند تولى بعض التيارات الإسلامية الحكم مصر وغيرها من البلدان تونس والمغرب وليبيا،، حالة من الربكة  الفكرية المرهقة، وأحس بالحزن الحقيقي، وأشعر بالغربة الشديدة، وتخالجني مشاعر غريبة كلما حاولت تفسير ما يحدث حولي من تناقضات، أو جربت تحليل النظريات التي يضعها منظرو البنى الدعوية والفقهية – والتي أشعر أحيانا كثيرة أنها لا تعيش معنا على هذه الأرض- لاستغلال والتحكم في الكثير من القضايا والمظاهر السلبية التي تعتري المجتمعات العربية والمغاربية، والتي لا تمت للإسلام بصلة ولا علاقة لها بالواقع الذي يعيشه الناس البسطاء به والبعيدة كل البعد عن موروثات ما يمتلكون من مقومات الأصالة الدينية، والعمق التاريخي العظيم .. لتبرير نزوعات تأبيد وجه الاستبداد السلطوي المتمثل في كل القوى الإسلاموية، السلفية والجهادية والإخوانية وغيرها من الاتجاهات والتوجهات المحيِّدة للواقع والمتناسية له تماما.. وذلك لاستعراض ملكات صلاحهم وحدهم، واثبات قدراتهم على القيام مقام كل البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والإنمائية، عبر الخلافة الإسلامية التي اتسعت رقعة الحديث عنها مباشرة اتساع رقعة النشاط السلفى -القائل بأنها فريضة يأتم من لم ينهض بها- ـــ وبعد  ركوب التيارات الإسلاموية على كل الثورات العربية، وفوز الإخوان المسلمين بأغلبية حزبية في مجلس الشعب تؤهِّلهم لتشكيل الحكومة، والذين رفع مرشدهم الدكتور محمد بديع صوته مبشِّراً بقرب تحقيق هدف  مؤسِّس الحركة (حسن البنا) "الخلافة الإسلامية" التي نادى بها منذ عام 1928م  أي بعد بضع سنوات من انهيار الخلافة العثمانية على يد الزعيم التركي (العلماني) مصطفى كمال أتاتورك عام 1924م، والتي نادي بها حمادي الجبالي الأمين العام لحزب النهضة التونسي هو الآخر في خطاب له أمام أنصار حزبه في سوسة كـ"خلافة سادسة". هذه التصريحات الخطيرة، لاشك تدعو لإثارة الشكوك في نوايا هذه الجماعات وأهدافها وغاياتها التي ليست لها علاقة -مهما ادعت من انفتاح وتحرر أو وسطية أو اعتدال- بصلاحية ما يطرحون من نظريات يحاولون إيجاد معالجات ناجعة لها لإيهام الناس بضرورتها كحل وترياق شافي لكل إشكالات واقع المجتمعات العربية والإسلامية بكل تنوعات تفصيلاتها، الدينية والدنيوية، ووجوب الإيمان بأنها شعيرة من شعائر الإسلام وفريضة من فرائضه التي لا مناص منها، والتي يجب على كل مسلم الدعوة لإقامتها بكل الطرق والوسائل حتى المحرمة منها كالديمقراطية المبنية في أساسها على العمليات الانتخابية التي لم يكن الإخوان المسلمين ولا غيرهم- قبل عقدين فقط من الزمان- يؤمنون بها، وكانوا يحرمونها ويعتبرونها غريبة عن الإسلام وأنها من مخترعات الغرب واليهود "وكذبة من أكاذيبهم،" رغم أنها كانت وراء سبب زخم وجودهم مع بدء الثورات والانتفاضات والهبات الشعبية.

وأرى أنه من الأليق قبل أن أمضي في هذا الموضوع الحساس الذي لا أزعم أنني أمتلك القول الفصل فيه، ولكنها محاولة مني لفتح حوار حوله ربما ينهض به من هم أجدر مني بفهمه والإحاطة بأمره، لابد لنا من تعريف لغوي واصطلاحي  لـ"الخلافة" -التي يصرف لفظها كل حسب المجازات التي يريد، والتي تخدم ايديولوجيته العقائدية فتكسبها قدسية إلهية تحت سقف نفس الدين- فنقول مع القائلين أنها لغة: الخلف ضد قدام وخلفه يخلفه: صار خلفه، وخلف فلان فلاناً إذا كان خليفته يقال خلفه في قومه خلافة، وفي التنزيل  "وقال موسى لأخيه اخلفني في قومي" والخليفة الذي يستخلف ممن قبله ويخلف من قبله والجمع خلائف وخلفاء، أما اصطلاحا فإنها: تعني عند الكثيرين وفي شائع القواميس: "أنها هى رئاسة عامة للمسلمين فى كل الدنيا" لإقامة أحكام الشرع الإسلامي، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم بمعنى "أنه لا يجوز لبلد أو جماعة من المسلمين أن ينفردوا باختيار الخليفة، بل يتعين أن يبايعه المسلمون فى كل بقاع الأرض، ومن لا يبايعه يكون آثماً...بل إن من مات وليس فى عنقه بيعة فقد مات ميتة جاهلية"  ويستند الكثير من دعاة الخلافة و"الإمامة" أيضا، والتي الخليفة فيها هو المستخلف والسلطان الأعظم" إلى الآية الكريمة "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" النساء- 105. وقد كان مقتل عمر بن الخطاب هو ما فتح الباب واسعاً أمامها وأسال لعاب الكثيرين حول سلطانها، وكان أول من قال بها وأدخل بالمسلمين إلى عالمها، هو الخليفة معاوية الذي كان يزعم: "والله ما أردتها لنفسى لولا أنى سمعت رسول الله يقول: يا معاوية إن حكمت فاعدل"، وقد توالى بعده الخلفاء الواحد تلو الآخر، ولكل منهم رأيه ورؤيته وممارساته التى تختلف حسب المصالحة الشخصية والقبلية لكل منهم، ما جعل الخلاف يسيطر على المختلفين ويتسع ليخلق صراعات سياسية وقبلية مكتسية فى كل الأحوالها الطابع الديني الذي يضفي عليها ما يكفي من القدسية التى تدفع بالإنسان للقتال والتضحية بحياته من أجل فكرة الخلافة، ما اضطر الكثير من الخلفاء قديما للبحث الدائم عن السند الديني الذي يبرر تفرعنهم وظلمهم وقهرهم للرعية وإملاء إراداتهم عليهم بحد السيف، وعلى سبيل المثال، نورد اجتهادات وفتاوى بعض أصحاب السلطة الدينية لتزكية أفعال السلطان "الخليفة" وتبرير قهره لرعيته ومن أشهرهم أبو بكر الطرطوشى الذي جعل في ظلم الحاكم منفعة عظمى لمحكوميه حيث يقول: "وإذا كان الخليفة قاهراً لرعيته كانت المنفعة به عامة، وكانت الدماء فى أُهبها محقونة، والحرم فى خدورها مصونة، والأسواق عامرة والأموال محروسة".

ولم يقف الطرطوشى عند هذا الحد، بل تمادى في البحث عن مبررات أقوى لاستبداد الخليفة، فجعل الإنفراد بالسلطة والسلطان دليلا على وحدانية الله سبحانه وتعالى، في قوله: "فالله سبحانه وتعالى جبل الخلق على عدم الإنصاف فمتى لم يكن لهم سلطان قاهر لم ينتظم لهم أمر، ولم يستقر لهم معاش ومن الحكم التى وردت فى إقامة السلطان أنه من حجج الله على وجوده سبحانه، ومن علاماته على توحيده. العالم كله بأسره فى سلطان الله كالبلد الواحد فى يد سلطان الأرض "أبوبكر الطرطوشى- سراج الملوك- الباب السابع- ص159.

ــ أما الشعراء وهم رموز الثقافة فى ذلك الزمان والذين يتبعهم الغاوون، فقد أمعنوا فى تملق الخلفاء ووضعوا كل موهبتهم فى خدمتهم كما نقرأ عند أحدهم:

إن الخليفة قد أبى وإذا أبى شيئاً أبيته.

وأيضاً:

أبوك خليفة وكذاك جدك  وأنت خليفة وذاك هو الكمال.

والفرزدق يقول:

فالأرض لله ولاها خليفته     وصاحب الأرض فيها غير مغلوب.

ويتفوق عليه جرير فى نفاق الخليفة قائلاً:

ذو العرش قدر أن تكون خليفة   وملكت فاعل على المنابر واسلم.

أما ابن هانئ الأندلسى فيتفوق على الجميع فى نفاق يصل إلى حد الهرطقة:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار   فاحكم فأنت الواحد القهار.

فكأنما أنت النبى محمد               وكأنما أنصارك الأنصار.

ولم يخرج مرسي وغير ممن يحلمون بالخلافة عن هذا نهج القدامي، فوضفوا هم أيضا الدعاة والوعاظ الذين أكثروا لهم من الفتاوى التي تبيح لهم قتل الشعوب من أجل كرسي الخلافة،ولاشك أن الدعوات التي سلطها وغاظ مرسي في أحد مؤتمرات التجهيل والتي وصلت في بعضها أن أحد كبار وعاظة قال أنه رأى النبي في جمع غفير من المسلمين وحل وقت الصلاة فطلبوا من الرسول أن يؤم بهم، فأبى وقال : بل يصلي بكم محمد مرسي . وغير ذلك من الخزعبلات التي يؤمن بها من غيب عقله وأصابه عمى الحقيقة ..

ولعل هذه السلطة المطلقة التي بررها الفقهاء بفتاويهم وتغنى بها الشعراء في قريضهم، قديما وحديثا، هى التى أطمعت الكثير من الإخوة وأبناء العمومة وحتى الأمهات فى الاستيلاء على مواقع الخلافة عبر المكائد والغدر وسفك الدماء كما توضح ذلك النتائج الرقمية التي حفظها التاريخ، فمن بين 14 من الخلفاء الأمويين، و22 من العباسيين، أي 36 خليفة في المجموع، قتل منهم 17 غيلة في صراع كانت في غالبيتها شخصية أو قبلية تخطت كل الحدود المعقول، حيث كان جل  قتلاها، إخوة أو أبناء عم، بل إن إحدى الأمهات اغتالت ابنها الخليفة لأنه لم يقتسم معها السلطة لتأتى بابن آخر ضعيف حتى تتمكن من التمتع بشهوة السلطة، وتحكي قصص هذا الصراع الكثير من الغرائب التي من بينها  أن عثمان بن عفان نفى أبا ذر الغفاري إلى (الربذة) عندما كرر المناداة بأنّ ما في بيت المال هو مال المسلمين وليس مال الله. وقصة عبد الملك بن مروان الشاب الذي انتقل إلى المدينة وأقام فى مسجد الرسول يقضى يومه وليله يصلى ويقرأ القرآن، حتى سموه "حمامة المسجد"، واستبشر الناس خيراً إذ تولى الخلافة، فإذا به يقول ما قال: "والله ما يأمرنى أحد بتقوى الله بعد مقامى هذا إلا ضربت عنقه"، ولم تكن حال يزيد بأقل غرابة وخطورة من هؤلاء، فقد أباح «المدينة» لجنده ثلاثة أيام يقتلون ويسلبو وينهبون، ويقال إنهم افتضوا بكارة ألف فتاة، ما جعل وجه يزيد يتهلل فرحاً ويرتد إلى قبليته ذات الصبغة الجاهلية، فيذكر موقعة بدر حيث وقف سكان المدينة من الأنصار (الأوس والخزرج) مع الرسول فهزموا جيش أبى سفيان جد يزيد وأنشد:

ليت أشياخى ببدر شهدوا فزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحاً ولقالوا ليزيد لا فشل.

ورغم محاولات فقهاء السلطان تبرير فكرة الخلافة، فإنها تبقى صناعة إنسانية تستهدف مصالح دنيوية لا علاقة لها بالدين ولا تهدف إلا إلى جلب المكاسب المادية وتلبية شهوات السلطة والتسلط للداعين إليها، ما دفع بالكثيرين من الصحابة تجنب الوقوع فى فخوخها، أمثال الصحابى الزاهد أبو ذر الغفارى الذي اضطرته شدة رفضه لها إلى الصياح قائلاً: "والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هى من كتاب الله ولا سنة نبيه. والله إنى لأرى حقاً يُطفأ، وباطلاً يحيا، وصادقاً مكذباً وأثرة بغير تقى".

ورغم حقيقة المواقف الفقهية من الخلافة والتي نقرأ منها على سبيل المثال لا الحصر: ما قاله الشهرستانى فى كتابه "نهاية الإقدام": "إن الإمامة ليست من أصول الاعتقاد"، وما قاله الجرجانى فى "شرح المواقف: "إن الخلافة ليست من أصول الديانات والعقائد، بل هى من الفروع المتعلقة بأفعال المكلفين"، وما قاله الإمام الغزالى فى "الاقتصاد فى الاعتقاد": "الإمامة ليست من المعتقدات"، وما قال أبو حفص بن جميع فى "عقيدة التوحيد": "إن الإمامة مستخرجة من الرأى وليست مستخرجة من الكتاب والسنة"، وقول الآمدى فى "غاية المرام فى علم الكلام": "واعلم أن الكلام فى الإمامة ليس من أصول الديانات، بل لعمرى فإن المعرض عنها لأرجى حالا من الواغل فيها، فإنها لا تنفك عن التعصب والأهواء وإثارة الفتن والشحناء".وهو ما حدث في مصر والكثير من البلدان التي حكمتها الجماعات الإسلامية، عفوا: المتاسلمة..

وحتى لا أطيل أكتفي بهذا القدر من أقوال الفقهاء التي لا تعد ولا تحصى التي يستند فيها قائلوها إلى فهم صحيح لآيات القرآن الكريم وسنة النبي الشريفة والتي دفعت بالصحابى سعد بن أبى وقاص إلى رفض الاشتراك فى هذا القتال معلناً: "والله لا أقاتل حتى تأتونى بسيف له عينان وشفتان فيقول هذا مؤمن وهذا كافر"، وذلك بسبب بواعث "الخلافة' البعيدة عن الشعائر الإسلامية، وأهداف سلطانها المفترضة والمتخيلة  الأكثر بطشاً وإيلاماً والأبعد ما تكون عن واقع أنظمة حكم هذا العصر، والتي ينادي بها مع الأسف الشديد، بعض القادة الذين كنا نحترم تاريخهم النضالي الطويل الحافل بالمواقف المشرفة، وتميز علاقاتهم المتينة والمدهشة بأوطانهم وبأمتهم وما حملوه نحوها من آمال وتطلعات, والذين تحولوا فجأة بعد الربيع العربي إلى قادة وقيادات تسعى لبناء إمبراطوريات القهر والاستلاب التي تسيطر عليها فكرة القطب الواحد التي تنقل العالم العربي والإسلامي من سلطة الظالم اللاديني إلى سلطة الخليفة المطلقة باسم الدين، كما كان إبان الخلافة العثمانية والعباسية والأموية، والتي لاشك تنعدم جدواها في عصرنا الحالي أمام ما وصل إليه غيرنا من رقي وتحضر بدون  اللجوء إلي هذه النوع من الحكم الذي يبقى اندفاع الإسلاميين نحوه مجرد ديماغوجية وانتهازية لا طائل ورائها، وشعارات سياسية/دينية تاريخية لا فائدة ولا جدوى ترجى من ورائها حتى لو كانت خلافة من البحر إلى البحر في ظل ما يعرفه العالم العربي والإسلامي من فساد سياسي وإداري وجميع أشكال الفقر المعرفي والمعيشي  في كل مكان من البلاد، وأنها لن تُقدم ولا تُؤخر سوى دغدغة مشاعر بسطاء الناخبين، وقد تجلب سلبيات لا يؤمن جانبها، مادمنا لا نملك معرفة ولا صناعة، حتى البسيطة منها، فضلا عن الصناعات التقنية المتطورة.

 فلماذا يا ترى هذا الإصرار على هذا النوع من نظام حكم  يسعى -في عالم ثالثي متخلف - الى تقسيم الناس فيه إلى أقلية تملك كل شيء وأغلبية لا تملك حتى الماء الذي تشربه، وتعيش الحرمان والجوع والتلوث الفكري والديموقراطيات الفاسدة والزائفة،وفي عصر لا تحتاج فيه عزّة الإسلام ورفعته إلى كيان دولة امبراطورية مسلمة ؟، بل إلى أوطان مستقرّة ناهضة يبذل فيها أبناؤها جهد طاقتهم للأخذ بأسباب الرقي والمدنية والحضارة العلمية والتقنية والمنهج العقلي المبدع، وتتحد في التمسك بالثقافة والروح والأخلاق الإسلامية، ولا تحول الحدود الجغرافية وأنظمة الحكم الوطنية دون مشاركتها في تطور هذه العناصر كلها بدل الانغلاق على الذات بشكل شره ومشوه وجاهل ..

 

حميد طولست

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية 

 

saleh alrazukبعد انطلاقة ما يسمى بالربيع العربي دخلت لساحة الفكر السياسي مفردة طالما سمعنا بها وهي الديمقراطية. والحقيقة أنها مفردة لها دواعيها . ولكن المشكلة أن الحامل لم يكن ينسجم مع المحمول. بمعنى أن التسويق لهذه المفردة قام به واحد من إثنين: تلميذ نجيب للفكر الغربي الذي نشأ في ظروف صناعية واجتماعية مختلفة وبالتالي تفصلنا عنه عقود من الأزمنة ووراءها عقود من الفرق في الأدوات والمواد.

أو تلميذ نجيب لأحزاب معروفة بشموليتها وانحيازها المسبق لفريق دون آخر.

و للتوضيح يمكن أن ننظر للبنية الفكرية لمكونات أدوات الصراع. إنها غالبا من الإسلام السياسي مع علمانيين وقومجيين لهم تاريخ حافل بالولاء للمعسكر الشرقي وللنماذج القومية الانقلابية المعروفة.

السؤال الملح الآن: كيف يمكن أن يطبق واحد من هؤلاء فكرة الديمقراطية. وقد أثبتت التجربة في مصر وبالدليل القاطع أن هناك اختناقات في مفهومنا الثوري لمعنى ديمقراطية.

فقد اختلطت مع نظرتنا للشرعية ولآلية الاختيار عن طريق الاقتراع المباشر. وكأن هذه الكلمة - المصطلح - التي تعني فيما تعنيه حكم الشعب للشعب  ( من ديموس بالإغريقية ) يمكن اختصارها بلحظة واحدة فاصلة.

إن المشكلة الحقيقية في ديمقراطيتنا هي عدم وجود مؤسسات ترعاها أو أفراد هضموا روحها. وجدانها من الداخل. معناها الواقعي غير الخطابي ولا الميتافيزيقي.

فالديمقراطية التي تصبح حكرا على نخبة سياسية وتجارية معينة بعد فرز الأصوات تكون مشوهة نفسيا وجوفاء ماديا.

إن المجالس التي تم اختيارها في بلدان الربيع العربي لم تكن ضمانة حقيقية لإرادة المجتمع بكل مكوناته. والسبب هو عدم وجود معارضة أو رقابة قوية لديها الأدوات الكفيلة بردع الخطأ والانحراف وفرض الرأي بالقوة.

و إن مفهومنا عن حكومة الظل حتى هذه اللحظة لا يأخذ بعين الاعتبار شيئا غير المشاركة في تقاسم السلطة. وأعتقد أن الحكومات التوافقية من شأنها أن تحرم الدولة من وجود معارضة. فمشاركة الجميع في الحكومة يترك المجالس مكشوفة. ويصبح التواطؤ هو القانون، ويكون الحديث عن الخيار الثاني حكرا على النخبة الحاكمة وفق مبدأ تقاسم المصالح وليس التشارك في عدالة السيادة. 

هذا ناهيك عن دخول عدد لا بأس به من المتحولين سياسيا. وعذرا لهذا التعبير. إن التحول مفهوم تركيبي وهو قائم على تركيب ما سبق بصور معدلة بغاية التأقلم وليس بغرض الإبداع وإحداث القطيعة المعرفية مع جهاز المفاهيم القديمة.

كيف لي أن أثق بسليل حزب شمولي، أو حامل لأفكار وقيم حزب يؤمن بالمركزية الوطنية، ليكونةحارسا لمبدأ الديمقراطية.

إن حق الحياة السياسية يجب أن يكون مضمونا للجميع. ولكن في حالة من المساواة على الأرض. بمعنى أنه يمكن التنافس على صورة المستقبل بعد الوصول لمرحلة تمهيدية. ولكن لا يمكن لمتحولين أن يلعبوا دورا حاسما في صياغة شكل ومعنى مبدأ هم أصلا بعيدون عن جوهره.

و للتدليل على ذلك أضرب مثلا بالمتحولين الذين دخلوا الإسلام يوم فتح مكة. لقد انقلب معظمهم عند أول بوادر الضعف في الدولة الإسلامية ونشأت منهم حروب الردة ثم هم من أشعل الفتن الطائفية التي أودت بالدولة الإسلامية الوليدة. وهكذا حولت نظام الحكم من تشاوري إلى وراثي، ونظام الاقتصاد من زكاة إلى جباية ضرائب. وبنية المجتمع من كيان تبشيري ورسولي إلى بلاط هو حكر على عائلة بعينها.

و قل الشيء نفسه عن الانقلابات في العصر الحديث التي حملت عنوان واسم ثورات. لقد نادت بتغيير بنية المجتمع والاقتصاد وأسلوب توزيع الدخل القومي. ولكن سرعان ما تسلل المنتفعون وتحولت لشكل حكم تراكمي وهرمي. أسوأ ما فيه الإقصاء.

بودي أن أختم هذه المداخلة السريعة بالتأكيد على ضرورة تمثيل النواة الثورية قبل نواة الزعامات السياسية التقليدية. ولنكن صريحين مع أنفسنا: إن مقولة أهل الخبرة ليست مقولة نظيفة. فكل من لديه حياة اجتماعية لديه خبرات سياسية وثقافية. والتمسك برموز من الأجيال السابقة بحجة أنه لديهم خبرة بحل المشاكل واختراع منفذ للنجاة هو مجرد احتكار واختزال لمعنى الخبرة المهنية. هل كان جمال عبدالناصر وزيرا أو مفكرا يوم قاد ثورة يوليو مع زمرة من الضباط الأحرار.

و هل نفعنا الاحتكام لخبرات الجنرال اللنبي  في قيادة الجيوش العربية يوم اغتصاب فلسطين.

المهم أن تكون البداية مع طبقة نظيفة لدرجة التعقيم من أدران الماضي. ثم بعد ذلك يمكن فتح الطريق لضمان حقوق كل الأجيال وكل الفئات.

و شكرا.

 

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

معرفتنا بالثورات لا يتعدى ما قرأناه في الكتب. ثورات سلاحها اشاعة العدل بين الناس وتحقيق احلام الفقراء والمتعبين. منها ثورة 14 تموز التي وُئِدتْ قبل الاوان. والثورة الكوبية ودروسها في الصمود حيث جوبهت منذ اليوم الاول بالحصار الامريكي على الشعب الكوبي لأكثر من نصف قرن.

لذا كانت ثورة مصر حلما داعب المشاعر الوطنية. لنستيقظ على هتاف شباب مصر يفترشون ساحة التحرير ويتغنون بمصر ويطالبون بالتغيير من اجلها..لأول مرة اتمنى ان اكون هناك لأشاركهم الفرح والأمل بثورة لم تعرفها شعوبنا التي قضّت مضاجعها الانقلابات العسكرية والسياسية المدعومة من الاعداء! فغنينا معهم في مهرجان ومسرح يقوده ويخرجه الشعب كله.

عشنا التطورات وامتلأنا فرحا ونحن نتابع خالد يوسف وابو النجا وشريهان وغيرهم يشاركون الشعب مطالبهم..فأحببناهم اكثر لانهم ملتزمين بقضايا الشعب والناس..وعتبنا على من لم يؤيد تلك الثورة!.

 في لندن خرجنا مع الاقليات والانكليز للتضامن مع شعب مصر ولنعيش فرحا لم نعرفه من قبل. ففرحتنا بالخلاص من صدام ذلك الحلم الذي انتظرناه عقودا، جاءت مغمسة بالخوف والقلق والخيبة. فردّتْ لأعماقنا محبوسة لعلها تنطلق يوما لنعيش الفرحة بمهرجانها وموسيقى الانتصار الحقيقي على الشر!

 كتبت حينها مقال مطعم بمسرحية وأنا اتخيل كيف يعيش مبارك تلك الايام! http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=245727

وبعد فرحة الانتصار السلمي. صدمنا بثورتهم تُسرَقْ ويخنق املهم لنكتشف ان حالهم صار شبيها بايران حين سرق الملالي ثورة الشعب من قبل. وما يحصل في تونس والعراق وسوريا اليوم. فيختفي الفرح مع اختفاء الحرية والفنون. والزمن الجميل يصبح من المحرمات. حتى متعة الشباب بالأفلام وبالأغاني والفن الجميل تلاشت مع ضجيج التكفير والتجيهل. والفضائيات صارت مثل بعضها في زعيق التنظير والتحريض.

وسوريا الجميلة تدك على رؤوس ابناءها ويقتل حلمهم بالتغيير ليصحون على وجوه سودها الحقد الطائفي والجشع للسلطة. ومن كان يقتل العراقيون بحجة الجهاد ضد امريكا صار يتوسل بأمريكا لتساعده على قتل اخيه السوري! فتعلن مع بريطانيا موافقتها على تزويد الارهابيين و(آكلي لحوم البشر) بالأسلحة ليتواصل الرعب ومجازر تقاتل الاخوة في الوطن! ولتبقى الغشاوة تعمي اعين تلك الكائنات لايريدون الاقرار بان الغرب لايعنيه غير تحويل بلداننا لسوق لأسلحتهم وأجسادنا مواد لتجاربهم القاتلة!

وفي العراق تختلط الامور على الطائفيين. فبعد صمتهم المريب ازاء القتل الجماعي والحصار والحروب. تتصاعد اصواتهم مصحوبة بالتحريض والقتل كلما تنفسنا الصعداء وتأملنا الاستقرار لنلم جراحنا! يقودهم اعداء العراق وأمراء الحروب ومن استفاد منها. فيفجرون هنا ويخربون هناك ليبقى الشعب محسورا مهزوما!

فبثورات مثل هذه ضد الوطن والإنسان لا نحتاج لأعداء! لذا نبارك مصر ثورتها الاخيرة وخلع مرسي وان سموها انقلاب..فهي انقلاب على الباطل على الجهل والظلام.. فالديمقراطية استخدمها البعض كحصان طروادة ليقتلون ويخربون ويسرقون البلد وحلم الناس، كما أمرهم اعداء الحياة.

 

ابتسام يوسف الطاهر

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية