النداء القاصر الذي يلهج به أعداء الدين لا يحتاج إلى إظهار مسبباته بالقدر التكليفي المتخذ سلفاً على عامة الناس، وذلك كون أصحاب الدعوة لا يهدفون من خلال أفعالهم إلا إلى إبعاد أتباعهم عن الطريق الموصل إلى الحق سبحانه، ولهذا نرى أن تطبيقات أقوالهم قد تخرج عن المألوف في كثير من الأحيان بذريعة ما ينسب إلى الله تعالى من الامتنان الجزافي في تعداد النعم حسب ما يؤول إليه ظنهم، ولكي نبين حصيلة أخطاء هؤلاء الناس يجب أن نجعل القيود التطبيقية تأخذ مجراها الحقيقي من بين الحيثيات المتفرقة التي يتعرض إليها القرآن الكريم، علماً أن هذا الأمر لم يكن بدعاً في الترغيب المقصود من شكر النعم أو الترهيب الذي يرافق الكفر بها، إذا علمنا يقيناً أن القلوب قد يصيبها الصدأ إن لم يطرأ عليها التذكير الموافق لفطرة الله التي فطر الناس عليها، وبهذا ينتفي أصل النداء الذي أرادوا تصنيفه ضمن المداخل العلمية أو الفضائل التي تم وضعها في غير أماكنها لأجل إبطال الحق، ومن هنا نجد أن جميع السبل المتبعة عنوة بهذا الاتجاه لا تقوم مقام المدار الإيماني المتكفل بإظهار النعم على الوجه المقرر في كتاب الله تعالى.

وتأسيساً على ما قدمنا نستطيع القول إن الأحداث البيانية التي أشار إليها الحق سبحانه هي الأصل في ذكر الأسباب المباشرة لتعداد النعم التي تطرق إليها القرآن الكريم مع ملاحظة عدم الأخذ بالآراء السقيمة التي تصل إلينا عن طريق المصادر البعيدة عن الصواب، وبهذا نعلم أن اتباع الضوابط الشرعية يقتضي التذكير بنعم الله جل شأنه دون الاعتماد على الأحاديث الواهية أو الأفكار الباطلة التي ينشرها بعض الناس، وخلاصة الأمر أن التذكير بالنعم لا يخرج عن كونه من السنن الإلهية التي أشار إليها القرآن الكريم وقد ورد تفصيلها على لسان مجموعة من الأنبياء، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره سبحانه حكاية عن موسى في قوله: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين) المائدة 20. وكذا ما ورد على لسان هود في قوله تعالى: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون) الأعراف 69. وكذلك نجد هذا التذكير على لسان صالح في قوله تعالى: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) الأعراف 74.

ومن مجموع الآيات نستخلص مدى أهمية التوجيه الملازم للأقوام الذين أرسل الله تعالى إليهم الأنبياء ما يجعل تذكيرهم بالنعم هو السبيل إلى تخويفهم من الأخطار القادمة إليهم جراء كفرهم بتلك النعم، وهذا أقرب إلى التحذير المرحلي المصاحب للإنذار الموجه إليهم، ومن هنا نعلم أن ذكر النعمة والإشارة إليها بمختلف الوسائل يمهد الطريق لشكرها، لأجل أن يظل الإنسان سائراً في صحبة دين الحق، ومنقطعاً بين الرجاء والخوف، وهذا ما يستنتج من الأغراض الأساسية التي جعلها الله تعالى تحاكي واقع الأمم عبر التأريخ لكي تضمن رجوعها إلى الحق جل شأنه من خلال الترغيب والترهيب كون الإنسان إذا ترك  وشأنه فربما ينسى أو يتناسى نعم الله تعالى، وبالتالي فقد يلجأ إلى قوته الوهمية ويؤمن باستقلالها عن القوة المطلقة التي ترفده في جميع حالاته واتجاهاته، ولذلك فهو ينزع إلى الاستكبار والاستعلاء، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بقوله: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوساً) الإسراء 83. وكما ترى فإن هذا الصنف من الناس سوف يؤدي بهم الإعراض إلى تغيير ما بأنفسهم نحو الأسوأ، كما في قوله عز من قائل: (ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الأنفال 53. وقد يرد هذا البيان إلى الكبرى الكلية التي ذكرها تعالى بقوله: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد 11.

من هنا نرى أن للنعمة مجموعة من المصاديق ترد إلى المفهوم العام وقد تتفرق في تطبيقاتها، فتارة نلاحظ أن الحق سبحانه يذكر المؤمنين بدفع الأخطار عنهم، وتارة يشير إلى نعمة التأليف بين قلوبهم، ويشهد للمصداق الأول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) المائدة 11. وكذا قوله: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً) الأحزاب 9. وكما ترى فإن مقتضى السياق اللفظي في الآيتين يبين مدى تفضل الحق سبحانه على المؤمنين بنعمة دفع الأخطار عنهم لأجل أن يشكروا الله تعالى، وهذا هو المغزى الفعلي الناتج عن التذكير بالنعم لكي يستقر الإيمان في القلوب الطاهرة، ما يؤدي إلى إظهار دين الله في الأرض وعدم الالتفات إلى ما كان يلهج به أصحاب النداء القاصر الذين أشرنا إليهم في أول البحث.

ويشهد للمصداق الثاني قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) آل عمران 103. وكذا قوله: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) الأنفال 26. وقوله تعالى: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين... وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) الأنفال 62- 63. وكما ترى فإن المشهد البياني الذي ورد في الآيات يذكر المؤمنين بأكبر نعم الله تعالى، وأنت خبير بأن هذه النعم قد تفوق النعم المادية إذا ما نظرنا إلى استضعافهم في الأرض وما يلحق بهم من تفرق القلوب وعدم إيجاد السبيل الأمثل للتأليف بينها، كل ذلك يجعل المؤمنين في شقاق لا تنفك لوازمه، وبالتالي تكون أمة الرسالة قد اتبعت السبل التي تباعد بينها وبين سبيل الله تعالى، ومن هنا ذكرهم الحق سبحانه بنعمه عليهم من أجل أن يتوبوا ويرجعوا إليه جل شأنه، وإذا ما تم هذا الأمر فبلا أدنى ريب ستكون أمة الرسالة هي أفضل الأمم، وبالتالي يصدق عليها قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) آل عمران 110. ولو تأملنا في الآيات التي تذكر المؤمنين بنعم الله تعالى عليهم نجدها تتطابق فعلياً مع النعم التي امتن بها سبحانه على بني إسرائيل، وسنتعرض لهذا المعنى في المساحة المخصصة للتفسير.

تفسير آيتي البحث:

قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين... واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) البقرة 122- 123. نلاحظ في الآيتين إرجاع الكلام إلى الخطاب الأول الذي وجهه تعالى لبني إسرائيل والذي ذكرهم من خلاله بالنعم التي تفضل بها عليهم، لا سيما نعمة تفضيلهم على عالمي زمانهم، ومن مصاديق تفضيله تعالى إياهم بأن جعل فيهم النبوة والحكم وأنزل إليهم الكتب كما في صريح القرآن الكريم، ثم أشار سبحانه إلى اليوم الذي لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئاً وهو يوم القيامة، وكذا لا يقبل منها عدل أي فدية ولا تنفعها شفاعة إلا بإذن الله تعالى، وتذكيرهم بيوم القيامة وعطفه على النعم التي أنعمها سبحانه عليهم لا يراد منه إلا إلزامهم بالشكر والرجوع إلى الله تعالى بعد ظهور الانحراف السافر في معتقداتهم، وقد مر عليك تفصيل هذا المعنى في تفسير الآيتين 47- 48. من السورة نفسها، ومن أراد المزيد فليراجع.

 

من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

              عبدالله بدر اسكندر  

 

 

 

التذكية بالطرائق الحديثة وأحكامها: هناك طرائق عدة استحدثها الإنسان المعاصر لذبح الحيوانات بكميات كبيرة؛ كي يلبي حاجة الناس المتزايدة إليه جرّاء النمو السكاني وارتفاع المستوى المعاشي. ومن هذه الطرائق ما هو آلي ومنها ما هو يدوي ولكن بمساعدة الآلات الحديثة. ولأجل الشبهة الحاصلة من هذه الطرائق في مدى تحقيق التذكية الشرعية من عدمها، ازدادت استفتاءات المسلمين –ومن كلا الفريقين- إلى الفقهاء لمعرفة الرأي الشرعي في تذكية الذبائح بهذه الطرائق، فانبرى فقهاء المسلمين للفتوى والبحث وإبداء آرائهم فيها.

ومن أجل الوقوف على جملة من هذه الآراء، سيتناولها البحث في المطلبين الآتيين:

الذبح الآلي وأحكامه

تقدم في المبحث الأول ذكر ضوابط وشروط التذكية الشرعية، فاتفق مشهور فقهاء الإمامية على وجوب تحققها في حلّية الذبيحة، وهي: (كون الذابح مسلمًا، وكون الذبح بالحديد مع إمكانه، وكون الحيوان مستقبل القبلة حين الذبح، والتسمية من الذابح، وفري الأوداج الأربعة)، فإذا ما تحققت هذه الشروط في التذكية بالطرائق الحديثة، فلا ريب أنَّ التذكية تكون شرعية، ويحل أكل الذبيحة، وهذا ما أفتى به فقهاء المذاهب الإسلامية[58].

وفيما يأتي ذكر بعض طرائق الذبح الآلي المستخدمة في دول العالم ومدى مطابقتها مع التذكية الشرعية، أو عدمها، ورأي الفقهاء فيها:

 أولًا: الذبح الآلي للمواشي.

الذبح الآلي الافتراضي، هو أن تذبح مجموعة من الحيوانات ببتر رؤوسها مرة واحدة بآلة حادة، بعد أن توضع هذه الحيوانات بوضعية معينة، كأن تكون واقفة على أرجلها، أو معلقة منها بشكل منكوس، من دون تسليط أي مؤثر خارجي من شأنه أن يفقدها الوعي، أو أن يشل حركتها.

ولكن نظرًا للدعوات المنادية بالرفق بالحيوان أثناء ذبحه، اخترعت بعض الدول الغربية وسائل من شأنها إفقاد الحيوان لوعيه (أو شلّه عن الحركة) قبل تقديمه للذبح، منها:

1- صعق الحيوان قبل الذبح: وهي على طرائق عدة، منها[59]:

أ‌- الصعق الكهربائي: وتتم بوضع الحيوان في مكان مخصص، ومن ثم يقوم رجل بإيصال صدمة كهربائية بواسطة آلة خاصة أشبه بالمقص توضع على مقدمة رأس الحيوان، مما يجعله يفقد حواسه ويسقط على الأرض. وإذا لم تتم عملية التدويخ الكهربائي بالدقة المطلوبة فإنها تؤدي إلى شللٍ كاملٍ للذبيحة مع وجود الوعي على حالته. وتعرف علميًا بالصـــدمة الضـــــائعة أو التائهة (Missed chock) وتكمن ديناميكية هذه الطريقة في تنبيه خلايا المخ بصورة غير طبيعية، ولا متفقة، مما ينجم عنه تشـــوه في خلايا المخ، وحالة من عدم التمييز(Confusional state) .

ب‌-المطرقة الحديدية: إذ تضرب جبهة الحيوان بمسدس يتعلق بفوهته قطعة حديدية مثل الرصاص، فتُحدث بالحيوان ارتجاجاً شديداً في مخّه، وأحيانًا يتهشم مكان الإصابة من جبهته، ثم يخر صريعاً على الأرض. وهذه الطريقة أقل تأثيراً على الحيوان من المسدس الواقذ، ونسبة الوفيات منه أقل مما هي في المسدس الواقذ. والحيوان المصعوق بهذه الطريقة يبدأ بتحريك يديه ورجليه بعد حوالي (5 ــ 6) دقائق.

ث‌- القذيفة النارية: وتطلق من مسدس خاص يسمى، المسدس الواقذ ذو الطلقة المسترجعة (Captive Bolt Pistol): إذ يوّجه إلى جبهة الحيوان في موضع محدد -يختلف تبعًا لنوع الحيوان- وعند الضغط على الزناد تنطلق خرطوشة فارغة من المسدس لتوجِّه مسماراً غليظاً إلى داخل الجمجمة ونسيج المخ، ويظل المسمار الغليظ المدبب من الأمام متصلاً بالمسدس يعود إليه آليا بواسطة نابض مرتبط طرفه الأول بالمسدس، والثاني بالمسمار، بحيث يسمح هذا الوضع باستعماله دائمًا. وباستخدام هذه الطريقة يستمر القلب في الخفقان لفترة يسيرة، وتتهتك أنسجة المخ. وبهذا لا يدوخ الحيوان فقط، بل يموت أيضاً.

 

2- تخدير الحيوان قبل الذبح، وهو بوسائل عدة أيضًا، منها:

أ‌- التخدير بثاني أوكسيد الكربون: وتعد هذه الطريقة -عندهم- من أحدث الطرائق وأنظفها، وقد استخدمت لأول مرة في أحد مصانع اللحوم المعلبة بأمريكا عام (1950م)، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الدانمارك وغيرها. إذ شاع استعمالها في كثير من مجازر أوربا؛ لرخص ثمن الغاز، وسهولة العملية مقارنة بالتدويخ الكهربائي. وعلى الرغم من أن تركيز 65ــ70 % من ثاني أوكســيد الكربون في الهواء يعد كافيًا لإحداث التخدير قبل الذبح، إلّا أنَّ النســبة المســـــتعملة في المسالخ عادة لا تقل عن 70% في الهواء الذي لا يحوي أكثر من 70% أوكســـجين، الأمر الذي يؤدي إلى حـــالة شــــــديدة من الاختناق، أو ما يسمى علميًا بنقص الأوكسجين. وعلى الرغم من إشارة البعض إلى عدم تأثر اللحم بهذه الطريقة، إلّا أنه مما لا شك فيه أن صوف الغنم المخدر بهذه الطريقة يمتص جزءًا كبيراً من غاز ثاني أوكسيد الكربون من الهواء المحيط، وعادة ما يتأثر الأُس الهيدروجيني للحم، وتقل صلاحيته للحفظ والاستهلاك الآدمي[60].

ب‌-طعن النخاع الشوكي خلف الرقبة، ما بين الجمجمة والفقرة الأولى بعد خفض رقبة الحيوان إلى الأسفل بقوة، ما يؤدي إلى قطع الحبل الشوكي وبالتالي التخدير (الشلل التام) للحيوان[61]. وبعد أن يغشى على الحيوان بأي طريقة من هذه الطرائق، يعلّق منكوسًا برافعة، ويصفّى دمه إما بواسطة الذبح الأوتوماتيكي، أو من قبل جزّار يقوم بقطع الأوداج -إذا كان الجزار مسلمًا-، أو بغرس سكين في الوريد -إذا كان غير مسلم- وإخراجه بقوة؛ ليسيل الدم[62].

 ثانيًا: الذبح الآلي للدجاج

تستخدم طرائق الصعق الكهربائي وغيره في الذبح الآلي للدجاج أيضًا على اختلاف الأغراض منه، فمنهم من يعتبره من باب الرفق بالحيوان، ومنهم من يعتبره وسيلة للسيطرة على الحيوان أثناء الذبح بعد أن تشل حركته بالصعق.

ومن هذه الطرائق:

أ‌- الصعق الكهربائي، إذ يتم تعليق الدجاج من أرجله منكوسًا، ثم يعرّض لصدمة كهربائية من (50، 70، 90 فولت، أي 100، 200، 250 ملي أمبير)) كصدمة متوسطة، إما باليد، أو بواســـــــــطة صدمة (400-1000 فولت) في أقفاص موصلة بالكهرباء تصيب الطير في أي مكان، أو بصعقها عبر أحواض فيها مياه مكهربة تغطّس فيها الدواجن المعلّقة من أرجلها بواسطة شريطط متحرّك، فتفقد الوعي وتشل حركتها، بعدها يتم جرح رقابها بسكين حادد أوتوماتيكيًا، ليخرج منه الدم، إلى أن تتم المراحل الباقية من النتف والتصفية والتعليب[63]. وتستخدم تقنية الحوض المكهرب في بعض الدول العربية والإسلامية أيضًا، مع إضافة جهاز على ماكينة الذبح الآلي، مسجّل عليه "بسم الله-الله أكبر" عدة مرات[64].

ب‌-الصعق بالهواء المنفجر، فبعد أن يعلّق الدجاج من أرجله، يتم إمراره –أوتوماتيكيًا- بآلة مستديرة تنفتح إلى النصف -مكتوب عليه الذبح بطريقة التدويخ-، فيدخل رأس الدجاج فيها ويعرّض للضرب بهواء شديد الانفجار، ما يؤدي إلى فقدانها الوعي وشل حركتها، ثم تمر بجهاز آخر يقطر فيه الدم أو غيره من السوائل، وبعده تمر على جهاز يعمل بالبخار، أو الماء الحار جدًا، وتخرج منه لأجهزة النتف والتنظيف إلى أن تخرج لأكياس النايلون ثم للكرتون الذي كتب عليه باللغة العربية (ذبح على الطريقة الإسلامية)([65]).

 ثالثًا: الآثار السلبية للصعق والتخدير

من أهم الآثار الطبية المترتبة على صعق الحيوان أو تخديره قبل الذبح، السلبيات الآتية:

1- أنَّ الحيوان إذا ما فقد الوعي بواسطة المؤثرات على الجهاز العصبي -سواء بالصعق أو بالتخدير- سيؤدي ذلك إلى شلل الجهاز العصبي، وبالتالي ارتخاء القلب والعضلات، الأمر الذي يؤدي إلى بقاء كمية كبيرة من الدم داخل جسم الحيوان بعد ذبحه؛ لضعف القلب والعضلات عن الانقباض والضغط على الأوردة والشرايين المؤديان إلى خروج أكبر كمية ممكنة من الدم بعد قطع الودجين[66].

2- إنَّ الوسائل المستخدمة في الصعق والتخدير قد لا تؤدي الغرض المرجو منها، وهو إراحة الحيوان وإفقاده الإحساس بألم الذبح. إذ أشارت البحوث الحديثة إلى أنَّ استجابة الحيوانات للصعق الكهربائي تختلف بعضها عن بعض، فعند تمرير التيار في رأس الخروف –مثلًا- تنقبض كل أرجله الأربعة، ويغلق عينيه لبضع ثوانٍ، ثم يفرد رجليه الخلفيتين، وبعد حوالي عشر ثوانٍ يُلاحَظ ارتخاء بالعضلات مع حركات مشي وهمية بالخلفيتين، وأثناءها تُفتح العينان، ويتجه البؤبؤ إلى الأعلى حيث يظهر بياض المقلتين فقط. وعلى هذا فلم يُتأكّد إلى اليوم أنَّ الأغنام تفقد وعيها لفترة كافية بعد تدويخها بالصدمة الكهربائية. وكذا في الأبقار لم يتأكد بعد من صلاحية التدويخ بهذه الطريقة[67]. ما يعني أنَّ الحيوان يبقى يشعر بألم الذبح، فضلًا عن ألم الصعق.

3- قد يؤدي الصعق إلى موت نسبة عالية من الحيوانات قبل ذبحها؛ لاسيما الأبقار المصعوقة بالمسدس الواقذ، إذ يؤدي استعماله إلى قتل الحيوان باعتراف مصنعيه أنفسهم[68].

 رابعًا: أحكام الذبح الآلي الشرعية

 تباينت آراء فقهاء المذاهب الإسلامية في شرعية الذبح الآلي من حيث كونه واجدًا لشروط التذكية المنصوص عليها أم لا، فمنهم من ذهب إلى حِلِّية ذبيحته مطلقًا، ومنهم مَن فصّل في الحكم.. وفيما يأتي الوقوف على رأي فقهاء الإمامية المعاصرين، وفقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى.

1- رأي فقهاء الإمامية

فيما تقدّم ذكر صورتين للذبح الآلي، الأولى: أن يذبح الحيوان آليًا وهو بكامل وعيه، والثانية: أن يذبح بعد تعريضه لمؤثرات خارجية من شأنها أن تفقده الوعي وتشل حركته، كالصعق أو التخدير.. ولكل من الصورتين رأي عند الفقهاء، يمكن إجمالها بالآتي:

- حكم الصورة الأولى: أفتى بعض الفقهاء المعاصرين بصحة الذبح الآلي، وحِلِّية أكل ذبيحته إذا روعي فيه شرائط الذبح المعتبرة، أو المنصوص عليها، من حيث كون المتصدي للذبح -أو مشغّل الآلة- مسلمًا، ويذكر اسم الله تعالى على الذبيحة -أو الذبائح-، ويستقبل بها القبلة، وأنَّ آلة الذبح من حديد، وتقطع الأوداج الأربعة[69].

ولكن هناك من الفقهاء مّن أثار بعض الإشكالات التي من شأنها أن توهم بعدم حِلَّية الذبيحة المذكّاة آليًا؛ لعدم تحقق الشرائط الشرعية المعتبرة فيها. وفيما يأتي ذكر لأهم هذه الإشكالات، مع أجوبة المجوّزين للذبح الآلي عنها([70]):

أ‌- انتساب الذبح للآلة، لا للإنسان: وهو مخالف لما نصّت عليه آية تحريم الأطعمة، في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ...([71])، إذ نسب التذكية في (ذَكَّيْتُمْ) إلى مباشرة الإنسان لها. إضافة إلى أنَّ الروايات قد دلّت على أنّ التذكية لا تصدق بفعل غير الإنسان، كما لو أزهق الحيوان روحه من قبل نفسه، أو بفعل حيوان آخر ولو بقطع مذبحه وأوداجه ما لم يدركه الإنسان فيذكيه. منها: عن الإمام الصادق  قال: «لا تأكل منن فريسة السبع ولا الموقوذة ولا المتردّية إلاّ أن تدركها حية فتذكّيها»[72].

وجوابه: إنَّ التذكية المذكورة في الآية الكريمة، عبارة عن نفس الفعل الخارجي مع الشرائط الخاصة الوارد على المحل القابل، لا أنها مستندة إلى المكلَّف. إذ لا شبهة في أنها فعل المكلَّف، سواء أكانت عبارة عن المسبب، أو نفس الأفعال الخاصة، غاية الأمر على الأول تكون فعله التسبيبي، وعلى الثاني تكون فعله المباشري. ويؤيده جملة من النصوص التي رتبت الحلية على نفس الأفعال، كما في خبر زيد الشحام عن الإمام الصادق(ع): «...إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس به»[73]، أضف إلى ذلك أنه ورد في جملة من النصوص أنَّ ذكاة الجنين ذكاة أمّه[74]، ولو كانت التذكية اسمًا للمسبب؛ لما صح هذا الإطلاق[75]. إذ «يكفي في إنتساب فعل أو نتيجته إلى الفاعل المختار أن لا يتخلل بين عمله وبين حصول تلك النتيجة إرادة أخرى، بحيث‏ يكون حصول تلك النتيجة بفعله قهريًّا وترتبه عليه طبيعيًّا، وإنْ تأخّر عنه زمانًا أو كان بينه وبين تلك النتيجة وسائط تكوينية. ومن هنا لا يستشكل أحد في صدق القتل وانتسابه إلى الإنسان إذا ما قتل شخصًا آخر بالآلة»[76].

 

ب- إنَّ الذبيحة لا تكون مستقبلة للقبلة؛ لعدم كون منحرها وبطنها إليها. وقد نصّت الروايات، وأجمع الفقهاء -كما في الجواهر وغيره من الكتب- على مراعاة هذا الشرط، إلّا في حالة النسيان أو الجهل بالحكم، أو الخطأ في جهة القبلة، أو عدم التمكن من الحيوان؛ لاستعصائه، أو لتردِّيه ...

وأجابه السيد الروحاني: بأنَّ مقتضى إطلاق النصوص كفاية الاستقبال بالذبيحة بأي نحو كان في الحِلِّية، ولا تعتبر فيه كيفية خاصة، فلو أوقف الحيوان إلى القبلة بأن كان رأسه إليها -كهيئة الإنسان في حال الركوع والسجود، والإبل في حال النحر إذا كانت قائمة- يصدق أنه مستقبل للقبلة[77]. بل يكون الاستقبال محفوظًا أيضًا، إذا كان الذبح بشكل عمودي كما في ذبح الدجاجة بالماكينة وهي معلّقة من رجليها على رأي السيد محمود الهاشمي[78]. أضف إلى هذا فإنَّ السيد الهاشمي لم يعتبر الاستقبال في حِلِّية الذبيحة، بعد أن أطال البحث في هذا الشرط، وخلص إلى أنَّ مقتضى الدليل الاجتهادي.. حصول التذكية بغيره، إذا تحققت‏ سائر الشرائط المعتبرة؛ لما دلّت عليه عمومات التذكية في الكتاب الكريم والروايات، كما ذهب إلى إمكانية التخلّص من مشكلة الاستقبال بجعل من لا يرى وجوب الاستقبال عليها من سائر المذاهب الإسلامية، فتكون الذبيحة محللة؛ إذ لا شك في حِلِّية ذبيحتهم عند الإمامية[79].

تعقيب: يبدو في ما قاله السيد الهاشمي نظر.. إذ الظاهر من فتاوى الفقهاء أنَّ حِلِّية ذبائح المذاهب الأخرى من حيث اعتقادهم بالإسلام، لا أنهاا تحلُّ وإن أخلّ الذابح بالشرائط المعتبرة عند الإمامية مع حصول القطع بذلك الخلل بالنسبة للمكلَّف. ولا أدل على اعتبار حيثية المعتقد من أنَّ الكتابي –أو غيره من الكفار- لو جاء بجميع ما يعتبره الإمامية من شرائط في التذكية لما حلّت ذبيحته.

ج‌- عدم تحقّق التسمية من الذابح؛ إمّا لحصول الفاصل بين ذبح الحيوان وفري أوداجه الأربعة وبين زمان تشغيل الماكينة، أو ربط الحيوان بها من قبل الإنسان المستخدم لها أولًا، وإمّا أنه يسمّي تسمية واحدة للذبائح المتعددة ثانيًا.

وجواب الأول: أنه يمكن تلافي حصول الفاصل الزمني بين التسمية والذبح، بـ[80]:

1- افتراض تكرار الذابح -وهو المحرِّك للآلة أو الذي يربط الحيوانات بها للذبح- للتسمية إلى زمان حصول الذبح بها. وذهب السيد علي السيستاني إلى تكرار التسمية ما دام الجهاز مشتغلًا بالذبح، أما مع الشك في حلية الذبيحة من جهة الشك في وقوع التسمية، فإنها تعتبر طاهرة ويحلّ أكلها[81].

2- أنَّ الفاصل الزماني إذا كان قصيرًا بحيث ‏يُعَد عرفًا بحكم المتصل بزمان الذبح، شمله إطلاق ذكر اسم الله في قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ...[82]، وكذا إطلاق الروايات.

3- إنَّ زمان‏ الذبح بكل شيء يكون بحسبه، فإذا كان الذبح باليد فزمانه مثلًا زمان وضع السكين على مذبح الحيوان للفري، وأما إذا كان بالآلة فزمانه زمان تشغيلها وتوجيهها على الحيوان بحيث‏ يتحقق الذبح ويترتب عليه قهرًا. وهذا نظير التسمية في الصيد، حيث ‏يتحقق عنوان الصيد من حين رمي السهم أو إرسال الكلب، ولهذا يجب التسمية عنده، وإن كانت إصابة الحيوان الذي يُراد صيده بالسهم أو بالكلب المعلَّم متأخرًا زمانًا.

أما جواب الثاني: ففيه تفصيل، فإنْ كان الذبح تدريجيا –أي حيوان بعد آخر- لم يكفِ تسمية واحدة؛ لأنه حين ذبح الثاني لم يُسمِّ، والتسمية الأولى منفصلة عن هذا الذبح، في حين أنَّ الأمر يوجب التسمية عند الذبح. وإنْ كان الذبح دفعيًا –أي تذبح الحيوانات جميعًا مرة واحدة- كفت التسمية الواحدة لجميعها؛ ودليله مقتضى إطلاق الآيات القرآنية هو الاكتفاء في الحل بذكر اسم الله على الذبيحة، وفي الفرض يصدق أنه ذكر اسم الله على الذبائح، كما أنَّ الفقهاء قد أفتوا بأنه إذا أرسل الصائد كلبًا معلَّمًا أو رمى سهمًا وذكر اسم الله فصاد الكلب صيدًا آخر أو أصاب السهم حيوانًا آخر حلَّا معًا، مع أنَّ المفروض أنه لم يُسمِّ إلّا واحدة، وهذا العنوان يصدق في المقام[83].

 د‌- إبانة -قطع- رأس الذبيحة عمدًا، وقد نُهي عنه، والنهي يعني حرمة الذبيحة.

وجوابه: هناك اختلاف بين الفقهاء في إفادة النهي للحرمة، إذ ذهب بعضهم إلى عدم إبانة الرأس قبل أن تبرد الذبيحة، وذهب آخرون إلى حرمة الإبانة وعدم محرّميتها للذبيحة. أما المشهور بين الفقهاء فهو الكراهة، وهي الأظهر عند السيد الروحاني، ودليله على جواز الإبانة إطلاق الأدلة، سواء القرآنية أو الحديثية([84]).

ه‌- تذبح الذبيحة من القفا، وهو مستلزم لإبانة الرأس الموجِب للحرمة، كما أنَّ مشهور الفقهاء يشترط استقرار الحياة في الحيوان بعد قطع الرقبةة وقبل قطع الحلقوم، أي أنه يمكن لمثله أنْ يعيش اليوم والأيام، فلو كانت الحياة غير مستقرة فيه فهو بمنزلة الميتة ولا يحِلّ بالذباحة[85]،

وأجابه السيد الروحاني: «ولكن: الحق تبعًا لأكثر القدماء والمتأخرين عدم اعتبار استقرار الحياة، بل عن الشيخ يحيى بن سعيد، إنَّ اعتبار استقرار الحياة ليس من المذهب، بل المعتبر أصل الحياة المستكشفة بالحركة بعد الذبح ولو كانت جزئية يسيرة، أو خروج الدم المعتدل»[86]، وقد استدل في عدم اعتبار استقرار الحياة بالاستثناء بـ (إلّا) في قوله تعالى ...إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ...[87] من النطيحة(*)، والمتردية(**)، وما أكل السبع.. وفي صحيح زرارة عن الإمام الباقر  قال: «كُلْ كُلَّ شيء من الحيوان غير الخنزير والنطيحة والمتردية وما أكل السبع، وهو قول الله (إلّا ما ذكيتم) فإن أدركت شيئًا منها وعينهه تطرف، أو قائمة تركض، أو ذَنَب يمصع، فقد أدركت ذكاته فكُلْه...»[88] وصحيح الحلبي عن الإمام الصادق(ع) «...إذا تحرك الذَنَب أو الطرف أو الإذن فهو ذكي»[89] ...إضافة إلى كثير من النصوص التي استدل بها، ومنها خلص إلى القول بـ «عدم اعتبار استقرار الحياة، بل المعتبر أصل الحياة، وعليه فالذبح من القفا لا إشكال فيه، إن كان الحيوان حيًّا قبل أن يفري الأوداج ومات بعد تمامية الفري»[90].

تعقيب: يبدو لي أنَّ رأي السيد بحاجة إلى وقفة؛ لأنَّه ثبت في علم الطب أنَّ قطع النخاع الشــــوكي يحدث صدمة عصبية في الحيوان، ومنها تحدث الوفاة بسرعة، «وهو ما يحدث في حالة الشـــنق عند فصل الرأس عن الجسم، بتعليق ثقل الأخير على الوصلة بين الفقرة العنقية الأولى والجمجمة، وهي بالفصل أسرع طريقة للموت»[91]. وعلى فرض بقاء الحيوان حيًّا للحظات فإنَّ قطع النخاع يتسبب في حدوث الشلل التام ومن ثم لا يخرج الدم بشكل متعارف -وهو المعتبر شرعًا-؛ لأنه سيظل حبيسًا بين العضلات والأحشاء ولا يجد ما يضغط عليه للخروج منها.

حكم الصورة الثانية:

الحكم في هذه الصورة مبني على رأي أهل الاختصاص –من أطباء، وأطباء بيطريين...وغيرهم- وفيه وجهان[92]:

الوجه الأول: إذا ثبت عندهم أنَّ الصعق الكهربائي أو استنشاق غاز ثاني أوكسيد الكربون، أو أي طريقة أخرى تؤدي إلى موت بعض الحيوانات، فحينئذذ يحصل علم إجمالي بموت بعضها قبل إجراء التذكية لها، وبهذا لا يمكن الحكم بحلّ أي ذبيحة من هذه الحيوانات؛ لأنَّ الشبهة محصورة فيها.. وكذا إذا كانت الذبائح المعلّقة على الشريط الدوّار ليست كلّها على نسق واحد من ناحية الطول، وحينئذ فقد تضرب الآلة الحادّة موضع الذبح وقد تضرب الرأس نفسه أو الصدر، وبه لا تكون كل الحيوانات مذكّاة؛ لحصول علم إجمالي بقتل بعضه بما ليس ذبحاً شرعياً، ومن هنا لا يمكن الحكم بحِلِّ هذه الطريقة إلاّ إذا تم التأكّد من أنّ الحيوان الذي صُعق بالكهرباء لم يمت، وأن الآلة الحادة قد ذبحته في موضع التذكية.

الوجه الثاني: إذا ثبت عندهم أنَّ الصعق والتخدير يؤديان إلى فقدان الحيوان لوعيه فقط، وأنه سيعود إليه بعد مدّة معينة، فيكفي في هذه الحالة إجراء التذكية على الحيوان لحِلِّيته، ويكفي خروج الدم المتعارف في أمثال هذه الحيوانات المدوّخة وإنْ كان زمن النزف فيه أطول من الوقت المعتاد بدون التدويخ. وأمّا إذا شُكَّ في حياة الحيوان بعد التدويخ، فيكفي للحكم بالحياة حركته بعد التذكية (كحركة الذَنَب والاُذن)؛ وذلك للروايات الصحيحة: منها صحيحتي زرارة والحلبي المتقدمتي الذكر[93]. وعلى هذا فمن الطبيعي حرمة الحيوان المشكوك حياته إذا اُجريت عليه التذكية ولم يتحرك منه شيء.

تعقيب: الاستدلال بهاتين الروايتين فيه تأمّل، إذ لسان حالهما إعطاء الحكم في الحيوان مشكوك الحياة بسبب طبيعي، كأن يكون مصاب بمرض، أوو نطحه حيوان آخر، أو تردّى، أو أكله السبع...إلخ وأدركه الإنسان، فله أن يذكّيه ويأكله؛ لئلّا يذهب لحمه وماليّته هدرًا، لا أنَّ الإنسان نفسه هو الذي يتعمّد إلى جعل الحيوان بحالة تشبه هذه الحالات وهو في غنًى عنها!.

2- رأي فقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى

سأذكر أهم آرائهم في الوقت المعاصر، المتمثل بمجمع الفقه الإسلامي، وداري الإفتاء (المصرية، والسعودية).

أ‌- مجمع الفقه الإسلامي.

 قرر (مجلس مجمع الفقه الإسلامي) المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدّة -السعودية- خلال الفترة (28/6–3/7/1997م)، وبعد اطلاعه على البحوث المقدمة إلى المجمع في موضوع الذبائح، واستماعه للمناقشات التي دارت بمشاركة الفقهاء والأطباء وخبراء الأغذية، ما يأتي[94]:

- حكم الذبح الآلي:

الأصل أن تتم التذكية في الدواجن وغيرها بيد المذكّي، ولا بأس باستخدام الآلات الميكانيكية في تذكية الدواجن ما دامت شروط التذكية الشرعية قد توافرت، وتجزئ التسمية على كل مجموعة يتواصل ذبحها، فإن انقطعت أعيدت التسمية.

أن يكون المذكّي بالغًا أو مميزًا، مسلمًا أو كتابيًا.

 أن يكون الذبح بآلة حادة تقطع وتفري بحدِّها، سواء كانت من الحديد أم من غيره مما ينهر الدم.

أن يذكر المذكّي اسم الله تعالى عند التذكية. ولا يكتفي باستعمال آلة تسجيل لذكر التسمية، إلّا أنَّ من ترك التسمية ناسيًا فذبيحته حلال.

 حكم الذبح بعد الصعق الكهربائي:

 الأصل في التذكية الشرعية أن تكون بدون تدويخ للحيوان، لأنَّ طريقة الذبح الإسلامية بشروطها وآدابها هي الأمثل، رحمة بالحيوان وإحسانًا لذبحته وتقليلًا من معاناته، ويطلب من الجهات القائمة بالذبح أن تطور وسائل ذبحها بالنسبة للحيوانات الكبيرة الحجم، بحيث تحقق هذا الأصل في الذبح على الوجه الأكمل.

والحيوانات التي تذكّى بعد التدويخ فذكاتها شرعية، ويحِلّ أكلها إذا توافرت الشروط الفنية التي يتأكد بها عدم موت الذبيحة قبل تذكيتها، وقد حددها الخبراء بـ : (أن يتم تطبيق القطبين الكهربائيين على الصدغين أو في الاتجاه الجبهي-القذالي (القفوي)، وأن يتراوح الفولطاج ما بين (100-400 فولط)، وأن تتراوح شدة التيار ما بين (750-1 أمبير) بالنسبة للغنم، وما بين (2-2,5 أمبير) بالنسبة للبقر. وأن يجري تطبيق التيار الكهربائي في مدة تتراوح ما بين (3-6 ثوان).

 لا يجوز تدويخ الحيوان المراد تذكيته باستعمال المسدس ذي الإبرة الواقذة أو بالبلطة أو بالمطرقة، ولا بالنفخ على الطريقة الإنجليزية.

 لا يجوز تدويخ الدواجن بالصدمة الكهربائية، لما ثبت بالتجربة من إفضاء ذلك إلى موت نسبة غير قليلة منها قبل التذكية.

 لا يحرم ما ذكّي من الحيوانات بعد تدويخه باستعمال مزيج ثاني أكسيد الكربون مع الهواء أو الأوكسجين أو باستعمال المسدس ذي الرأس الكروي بصورة لا تؤدي إلى موته قبل تذكيته.

 ب‌- دار الإفتاء المصرية

- حكم الذبح الآلي:

أفتوا بصحة الذبح الآلي إذا تطابق مع شروط التذكية عندهم، من حيث كون الذابح –مشغل الماكينة- مسلمًا أو كتابيًا، ويذكر التسمية أثناء التشغيل أو أنها تُذكر من خلال جهاز التسجيل -ولا بأس إنْ لم تذكر أصلًا على رأي المذهب الشافعي- ، كما اشترطوا أن يكون الذبح بحدِّ الآلة لا بشيء آخر.. والفتوى هي: «إذا كانت آلة الذبح تقتل بحدِّها لا بأي طريقة أخرى، وكان من يقوم بتشغيلها مسلمًا أو كتابيًّا، وكان المذبوح مأكول اللحم –فإن أكله حينئذٍ حلال... والتسمية عليه عند ذبحه –بعد ذلك كله– سُنَّةٌ لا يضر تركها كما هو مذهب الشافعية ورواية عند الحنابلة»[95].

- حكم الذبح بعد الصعق الكهربائي:

أناطوا الحكم في هذه الصورة بأهل الاختصاص أيضًا، واشترطوا في صحته استقرار الحياة في الحيوان بعد الصعق أو التخدير، والفتوى هي: «إذا ثبت طبيًّا وعلميًّا أنَّ استخدام طريقة ما للسيطرة على الحيوان قبل ذبحه يترتب عليها خروج الحيوان من الحياة المستقرة إلى موت أو إلى حركة مذبوح لا يتحرك بالإرادة -مما يتعارض مع شروط الذبح المقررة في الفقه الإسلامي– فإن هذه الطريقة لا تجوز شرعًا، أما إذا اقتصرت آثارها على إضعاف المقاومة أو تخفيف الألم فقط -وبحيث لو ترك دون ذبح لعاد إلى حياته الطبيعية– فإنه يجوز استخدام هذه الطريقة للسيطرة على الحيوان قبل ذبحه في هذه الحالة؛ لأنه لا يتعارض مع القواعد الشرعية في ذبح الحيوان»[96].

ولمزيد من التوضيح أنقل استفتاء آخر، جاء فيه:

 «اطلعنا على الطلب المقيد برقم 1401 لسنة 2005م، المتضمن ما يأتي: ... قامت شركتنا بالاتصال بمعظم الشركات الأجنبية المتخصصة في إنشاء المجازر الآلية وأفادت جميعها بالآتي:

أنه من المعروف في جميع المجازر الآلية أن الدجاجة عند تعليقها في السير العلوي تمهيدا لذبحها فإنها تُعَلق من رجليها، ورأسها إلى أسفل وبالتالي فإنها تتحرك بصفة مستمرة خاصة أجنحتها ورأسها. أن نظام الذبح الأوتوماتيكي عبارة عن عدد 2 ماكينة: الأولى تقوم بتهدئة الدجاجة قبل دخولها إلى الماكينة الثانية وهي الذبح الآلي، وهذه التهدئة تتم عن طريق مرور تيار كهربائي في حوض به ماء، ثم دخول الدجاجة أوتوماتيكيًّا إلى هذا الحوض لمدة ثوان، مما يؤدي إلى شل حركتها تمامًا الرأس والأجنحة، وليس خنقها أو موتها؛ وذلك تمهيدًا لدخولها إلى ماكينة الذبح الآلي المركب عليها سكاكين حادة للغاية تقوم بذبح الدواجن آليًّا دون فصل الرأس.

سيتم تركيب جهاز تسجيل على ماكينة الذبح الآلي مسجّل عليه "باسم الله – الله أكبر" عدة مرات. والمرجو من سيادتكم التكرم بالإفادة عن حكم الشريعة الإسلامية فيما سبق ذكره، وهل هذا الذبح بهذه الطريقة مطابق للشريعة؟

الـجـــواب: فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

الذي جرى عليه جمهور الفقهاء أنَّ كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فهو آلة للذبح –ما عدا الظفر والسن... وعليه وفي واقعة السؤال: فإذا كان الحال كما ورد بالسؤال وأن الدجاج سوف يذبح بطريقة آلية في مرحلتين: الأولى: الغرض منها إضعاف مقاومة الحيوان؛ ليسهل التحكم فيه والسيطرة عليه ولا تؤدي إلى موته، بمعنى أنه لو تُرِكَ بعد مروره بالتيار الكهربائي دون ذبح عاد إلى حياته الطبيعية جاز استخدام هذه الطريقة وحل أكل هذا الحيوان بعد ذبحه ذبحًا شرعيًّا. أما إذا كان مرور الدجاج بالتيار الكهربائي يؤثر على حياة الحيوان بحيث لو تُرِكَ بعد التخدير دون ذبح فإنه يفقد حياته فإن الذبح حينئذٍ يكون قد ورد على ميتة، فلا يحل أكلها في الإسلام. وبناءً عليه: إذا تأكد أهل الاختصاص أن مرور الحيوان بماء به تيار كهربائي -كما وُصِفَ بالسؤال- لا يؤثر على حياة الحيوان أو خروج الدم منه، ثم إنه يذبح بالمرحلة الثانية الموصوفة بالسؤال، فيكون الذبح حلالا ولا غبار عليه. والله سبحانه وتعالى أعلم«[97].

ج‌- دار الإفتاء السعودية

أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء بانَّ «الذبح بالآلات التي تقطع ما شرع قطعه من الحيوانات المأكولة اللحم على الطريقة الشرعية لا يختلف عن الذبح بالسكين، فإذا قصد الذبح من حرّك الآلة بأي وسيلة، وذكر أسم الله وحده، حين ذاك أكلت ذبيحته إذا كان مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً، لأن كل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فهو حلال أكله، إلّا السن والظفر»[98]..

وأجاب الشيخ ابن باز عن استفتاء يُسأل فيه عن حلّيِة أكل ذبائح النصارى في الزمن الحاضر، مع العلم بتعدد طرائق الذبح لديهم كاستخدام الماكينات والمواد المخدرة في عملية الذبح، فأجاب: «يجوز أكل ذبائحهم ما لم يعلم أنها ذبحت بغير الوجه الشرعي، لأن الأصل حلها كذبيحة المسلم لقول الله تعالى: "وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم"»[99].

وعقّب على فتوى الشيخ يوسف القرضاوي[100] التي يقول فيها: «اللحوم المستوردة من عند أهل الكتاب كالدجاج ولحوم البقر المحفوظ مما قد تكون تذكيته بالصعق الكهربائي ونحوه حِلٌّ لنا ما داموا يعتبرون هذا حلالاً مذكّى...»، أنَّ هذه الفتوى فيها تفصيل مع العلم بأن الكتاب والسنة قد دلّا على حل ذبيحة أهل الكتاب، وعلى تحريم ذبائح غيرهم من الكفار، وأما ما ذُبِح على غير الوجه الشرعي، كالحيوان الذي علمنا أنه مات بالصعق أو بالخنق ونحوهما، فهو يعتبر من الموقوذة أو المنخنقة حسب الواقع سواء كان ذلك من عمل أهل الكتاب أو عمل المسلمين، أما كون اليهود أو النصارى يستجيزون المقتولة بالخنق أو الصعق فليس ذلك يجيز لنا أكلهما كما لو استجازه بعض المسلمين، وإنما الاعتبار بما أحلَّه الشرع المطهر أو حرّمه، وكون الآية الكريمة قد أجملت طعامهم لا يجوز أنْ يؤخذ من ذلك حِلُّ ما نصّت الآية الأخرى على تحريمه من المنخنقة والموقوذة ونحوهما، بل يجب حمل المجمل على المبين كما هي القاعدة الشرعية المقررة في الأصول[101]. ولا ريب انّ رأيه يوافق رأي مشهور الفقهاء.

المطلب الثاني: الذبح المشترك (الآلي- اليدوي) وأحكامه

بعد أنْ تحرّت الدول الإسلامية عن اللحوم المورَّدة من الدول الغربية، وعرفت طرائق الذبح فيها، وجدتها لا تتماشى والشريعة الإسلامية؛ لما يعتري طرائق الذبح هذه من شبهات، فعزفت عن استيراد هذه اللحوم أو قللت منها. الأمر الذي جعل بعض الدول الغربية تبادر إلى إنشاء مجازر الذبح الحلال –كما يطلقون عليها- التي يكون الذبح فيها يدويًا -ولكن بمساعدة الآلات- دون أن يسبقه صعق أو تخدير للحيوانات. وصورة هذه الطريقة هي:

أولًا: في ذبح الأبقار والأغنام

تذبح الأبقار بعد أن تساق فرادى إلى مكان ضيق، ثم يغلق عليها بطريقة لا تستطيع الخلاص منه، ثم يقوم أحدهم بمطرقة في يده بضرب رأس الحيوان ضربة غير مميتة بقصد أن يغيب عن وعيه ليمكن السيطرة عليه أثناء الذبح، وفعلًا يسقط الحيوان على الأرض، ثم تتناول قدمه مباشرة رافعة ترفعها –أوتوماتيكيًا- إلى الأعلى ورأسه منكس إلى الأسفل، فيتولى الذابح قطع الأوداج بسكين يدوي، أما الأغنام فتعلّق بواسطة آلة أيضًا -دون أن تضرب بمطرقة- ثم تذبح يدويًا بقطع الأوداج بسكين حاد[102]..

ثانيًا: في ذبح الدجاج: إذ يتم تعليقها مباشرة من أرجلها منكوسة الرأس –أيضًا- على آلة متحركة -شريط سيّار- تسوقها إلى مكان وجود قرص حاد دوار يقوم بذبح الدجاجات الواحدة تلو الأخرى وعلى بعد أقل من متر -والدجاج لا يزال على الشريط نفسه- يوجد ذابح بيده سكين يتابع ويتمم ذبح ما لم يتم ذبحه بواسطة القرص، مع ترديده للتسمية، ومن ثم فالآلة نفسها تسوق الطير المعلق بعد عملية الذبح إلى مكان فيه ماء ساخن لتغمسه فيه كي يتم نتفه وتنظيفه، ومن ثم يساق إلى مكان التعبئة بالأكياس النيلون وبعدها إلى مكان مبرّ ّد مخصص للتخزين[103].

والمؤاخذ على هذه الطريقة، أنها:

1- لا يعرف فيها هوية الذابح.

2- لا يراعى فيها مسألة استقبال القبلة.

3- لا يتحقق فيها قطع الوريدين غالباً، وعندما تصل الدجاجة غير المذبوحة إلى مكان الذابح تصل وهي مختنقة بفعل ضغط القرص من غير ذبح، فيبادر إلى ذبحها وهي ميتة غالبًا. كما أنَّ الدجاج المذبوح يغمس في الماء المغلي بعد مدة وجيزة من الذبح قد لا يكون الطير خلالها قد فارق الحياة.

وعلى الرغم من أنَّ المذاهب الإسلامية الأخرى تجيز ذبح الكتابي (اليهودي، أو النصراني) وتجيز الذبح الآلي، إلّا أنَّ بعض دول الخليج والدول الإسلامية اتفقت مع بعض المجازر الغربية على أن يكون الإشراف على الذبح اليدوي بنفسها، كما أنَّ بعضها أنشأت مجازر خاصة بها في تلك الدول لتقوم بعملية التذكية بنفسها.

ولأنَّ شروط التذكية عند الإمامية تختلف عن شروط المذاهب الأخرى وبالتالي لا يمكن عد تذكيتها تذكية شرعية، بادرت مؤسسة (الكفيل) التابعة إلى العتبة العباسية المقدسة في العام (2008م) إلى الاتفاق مع بعض المجازر البرازيلية على أن تكون تذكية الدجاج تتم تحت إشرافها لضمان تحقق شروط التذكية عند الإمامية، والتي تشترط أن يكون الذابح مسلمًا وأن يُستقبل بالحيوان القبلة وأن تذكر التسمية على كل حيوان على حدة. كما أنَّ الذبح في هذه المجازر يتم يدويًا بسكين حاد. ومن ثم تبعتها مؤسسات أخرى إلى التوجّه نفسه، كما في دجاج (باب المراد) الذي تتولى الإشراف على تذكيته العتبة الكاظمية المقدسة، وكذلك دجاج (الأمير)، ودجاج (الهدى) برعاية مؤسسات دينية في النجف الأشرف..

وحسب ما يشاع أنَّ هذه العلامات التجارية مزكّاة من قبل المرجعيات الدينية في النجف الأشرف.. ولكن لم يتسنى لي العثور على هذه التزكيات سواء عن طريق فتوى أو عن طريق منشور، ولكني وجدت فتوى خطية للشيخ محمد إسحاق الفياض منشورة على أحد المواقع الألكترونية تشير إلى تزكيته لماركة دجاج الكفيل، ولا أعلم مدى صحتها، وهذه صورتها:

 الحكم الشرعي للذبح المشترك

لا ريب أنَّ هذا النوع من الذبح هو ذبح شرعي صحيح لايشوبه شائبة إنْ اتصف بما يشاع عنه؛ على اعتبار أنَّ الذبيحة مذكّاة وفق الشروط المعتبرة عند الإمامية، إلّا أنه قد توجّه إليه بعض إشكالات تتعلّق بأمرين، بعد فرض صحة التذكية، هما:

1- أنَّ الذبيحة وإن كان رأسها ومذبحها موجّهان نحو القبلة، إلّا أنهما بهيئة منكوسة؛ لأنها معلّقة من أرجلها ورأسها إلى الأسفل، وسبق وأن تقدم في بعض الروايات أنها أمرت بتوجيه مقاديم الذبيحة ومنحرها نحو القبلة، فذهب فقهاء إلى اعتبار إضجاع الذبيحة على جهتها اليمنى أو اليسرى وهي بهذه الكيفية، وذهب آخرون إلى أنه يكفي توجيه الرأس والمقاديم وإن كان الحيوان في حالة الوقوف أي بشكل عمودي.

2- أنَّ الدجاج يغمس بالماء الحار لنتف ريشه وتنظيفه بعد الذبح بقليل، وغالبًا ما يكون بعضه لم يمت بعد و يتم موته خنقًا بالماء، وهو يتنافى مع رواية حمران بن أعين عن أبي عبد الله (ع) في قوله: «إذا ذبحت فأرسل ولا تكتف... فإن تردّى في جب أو وهدة من الأرض فلا تأكلهُ، ولا تُطعِمه، فإنك لا تدري التردي قتله أو الذبح...»[104].

واُجيبَ عن الأول: بأنَّ الاستقبال المتيقن هو مطلق الاستقبال، ولا إشكال في كون الذبيحة منكوسة الرأس، أو بأي كيفية كانت، إنما يكفي أن يكون مذبحها إلى القبلة. وهو ما ذهب إليه كل من السيد محمود الهاشمي[105]، والسيد علي الخامنئي[106]، والسيد كمال الحيدري[107].

أما الثاني فيمكن إجابته بما قاله الشيخ الجواهري بـ: «ضرورة اقتضاء الأدلة كون ذبح الحي سببًا في الحل وإن حصل سبب آخر بعد الذبح»[108] واستدل عليه بصحيحة زرار ة عن الإمام أبي جعفر(ع)، قال: «وإن ذبحت ذبيحة فأجدت الذبح فوقعت في النار أو في الماء أو من فوق بيتك إذا كنت قد أجدت الذبح فكل»[109]، ثم عقّب بالقول: «ولا ينافي ذلك خبر حمران عنه(ع) أيضًا، "...فإنك لا تدري التردي قتله أو الذبح" بعد أن لم نجد العامل به ممن يعتد بقوله»[110] .

 تعقيب: ومما سبق من القرائن يُفترض القول بصحة التذكية اليدوية بهذه الطريقة، اللهم إلّا إذا حصل الشك وعدم اطمئنان عند المكلَّف في نفس تحقق شرائط التذكية في الخارج، كونه لم يقف عليه بنفسه، أو لم يطمئن لما يخبر عنه، فالأمر حينئذ عائد إليه، والاحتياط حسَنٌ عقلاً.

 الخاتمة والنتائج

بعد استقراء البحث لطرائق التذكية المستخدمة في الوقت المعاصر، وآراء الفقهاء فيها، خرج بالنتائج الآتية:

1- يتفق الفقهاء المعاصرون –ومن كلا الفريقين- على أنَّ الذبح الآلي إذا تحققت فيه شروط التذكية المعتبرة شرعًا فهو ذبح صحيح ويحل أكل ذبيحته. ولا يخفى أنَّ رأي الفقيه هنا هو بيان الحكم فقط، أمّا مدى تحقق موضوعه في الخارج فلا علاقة له بذلك، وإنما الأمر موكول إلى المكلّف نفسه في التحقق منه.

2- الذبح الآلي وإن تحققت فيه شروط التذكية المعتبرة، فإنه محفوف بحكم المكروه وتفويت المستحب، إذ في الغالب يؤدي إلى إبانة الرأس، والذبح من القفا، وذبح الحيوانات بمرأى ومسمع بعضها من بعض، كما لا يفرِّق بين الذبح إن وقع في الليل أو في النهار، في يوم الجمعة أو غيره من الأيام، بيد الذابح المتدين أو الفاسق.. إلى غيرها من الآداب التي اعتبرتها الشريعة فأمرت ببعضها ونهت عن أخرى، ولو لم يكن لها تأثير وضعي على الذبيحة ولحمها ومنه على الإنسان لما ورد حكم الكراهة، كما لا ريب أنَّ حكمي المكروه والمستحب من أحكام الله تعالى وهو أعلم بما فيهما من مصلحة ومفسدة، فينبغي للعاقل الامتثال لهما لتحصيل المصلحة والنأي عن المفسدة.

3- إنَّ أغلب ما يوجد اليوم في سوق المسلمين من لحوم مذكّاة وفق هذه الطرائق -سواء المستوردة أو المحلية- هي لحوم مشكوك في حِلِّيتها، ولمّا أصبح هناك شبه يقين، بل يقين عند المسلمين أنَّ جميع ما تقدمه مطاعمهم من لحوم هي لحوم مذكاة بهذه الطرائق، فهل قاعدة (سوق المسلمين) لا زالت عاملة في الوقت المعاصر؟؟ سؤال أوجهه لذوي الاختصاص من مدرسة أهل البيت (عليه السلام) لاسيما ما يخص سوق المسلمين من المذاهب الأخرى؛ لأنَّ أسواقهم ومطاعمهم مملوءة بهذه الأنواع من اللحوم، وقد ثبت أنهم يجوّزون ذبح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فضلًا عن أنّهم أنفسهم لا يستقبلون القبلة بذبائحهم، ومنهم من يستحل أكل ما لم يذكر اسم الله عليه.

 

د. حميدة الأعرجي

..........................

الهوامش

[1]- الشيخ الكليني: أبو جعفر محمد بن يعقوب الرازي (ت:329هـ)/الكافي-باب الأطعمة، تصحيح وتعليق: علي أكبر غفاري، دار الكتب الإسلامية– إيران، حيدري، ط5، 6/242 ، الشيخ الصدوق: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت: 381هـ)/علل الشرائع، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها-النجف الأشرف، 1966م، 2/484.

[2]- البقرة/172.

[3]- البقرة/168.

[4]- البقرة/173.

[5]- الجصاص: أبو بكر أحمد بن علي الرازي (ت:370هـ)/أحكام القرآن، تحقيق: عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية–بيروت، 1994م ، 1/130.

[6]- الأنعام/145.

*- الكَلَب -بالتحريك- العطش والحرص والشدة، والأكل الكثير بلا شبع، وجنون الكلاب المعتري من لحم الإنسان، وقيل هو داء يعرض للإنسان شبه الجنون. الفيروز آبادي (ت: 817هـ)/القاموس المحيط، مادة (كَلَبَ).

[7]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/243 ، الشيخ الصدوق/من لا يحضره الفقيه، 3/347 .

[8]- الشيخ الصدوق/عيون أخبار الرضا ، 1/104.

[9]- ابن منظور: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (ت:711هـ)/لسان العرب، نشر أدب الحوزة–قم، 1405هـ، مادة (ذكا)، 14/288.

[10]- المائدة/3.

[11]- ظ: المحقق الحلي: أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن (ت: 676هـ)/شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، انتشارات استقلال–طهران، أمير–قم، ط2، 1409ه، 4/739 ، الشهيد الثاني: زين الدين بن علي العاملي (ت: 966هـ)/مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، مؤسسة المعارف الإسلامية قم المقدسة، پاسدار إسلام، ط1، 1417هـ، 11/شرح473.

[12]- محمد حسن البجنوردي/القواعد الفقهية، تحقيق: محمد المهريزي، محمد حسن الدرايتي، دار الهادي، ط1، 1419هـ، 6/386.

[13]- م. ن.

[14]- روح الله الموسوي/كتاب الطهارة، مطبعة الآداب-النجف الأشرف، 1389ه، 3/525 ، وأيضًا في كتابه الرسائل، مؤسسة اسماعيليان، 1385ه، 1/144.

[15] - أحمد فتح الله/معجم الفاظ الفقه الجعفري، مطابع المدوخل-الدمام، ط1، 1995م، ص97.

[16]- أبو بكر محمد بن عبد الله بن احمد المعافري/أحكام القرآن، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الفكر-لبنان، 2/27.

[17]- خليل بن إسحاق الجندي (ت: 767هـ)/مختصر خليل، دار الكتب العلمية-بيروت، ط1، 1995م، ص77.

* - أي ابن المسلم الذي لم يبلغ بعد، فهو بحكم المسلم.

[18]- ظ: الشيخ الطوسي(ت: 460هـ)/الخلاف، مؤسسة النشر الإسلامي- -قم المشرفة، 1407هـ، ، 6/24 ، ابن إدريس الحلي: أبو جعفر محمد بن منصور (ت: 598هـ)/السرائر، مؤسسة النشر الإسلامي-قم المشرفة، ط2، 1410هـ ، 3/106 ، المحقق الحلي: أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن (ت: 676هـ)/شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام ، انتشارات استقلال-طهران، ط2، 1409هـ، 4/729 ، الخوئي: السيد أبو القاسم الموسوي (ت: 1413هـ)/منهاج الصالحين، مهر-قم المشرفة، ط28، 1410هـ، 2/335... وغيرهم.

[19]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/237.

[20]- ظ: العلّامة الحلي: أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (ت: 726هـ)/مختلف الشيعة، مؤسسة النشر الإسلامي-قم المشرفة، ط2، 1413هـ، 8/295.

[21]- الشيخ الصدوق: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي/المقنع، مؤسسة الإمام الهادي  -قم المقدسة، اعتماد (1415هـ)، ص417 ، الروحاني: السيد محمد صادق الحسيني/فقه الصادق، مؤسسة دار الكتاب–قم المقدسة، العلمية، ط3 ، 1414هـ، 24/شرح 9-23 ، وأيضًا في كتابه المسائل المستحدثة، مؤسسة دار الكتاب-قم المقدسة، فروردين،، ط4، 1414هـ، ص133.

* - المروة: الحجر الأبيض الحاد الذي يقدح النار.

[22]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/228.

[23]- الشيخ الطوسي/الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، تحقيق وتعليق: حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية–طهران، خورشيد، ط4، 4/80.

[24]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/228.

[25]- ظ: الشهيد الثاني: زين الدين الجبعي العاملي (ت: 965هـ)/شرح اللمعة الدمشقية، جامعة النجف الدينية، ط1، 1386هـ، 7/شرح215 ، الجواهري: الشيخ محمد حسن النجفي (ت: 1266هـ)/جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، تحقيقق وتعليق: الشيخ عباس القوچاني، دار الكتب الإسلامية–طهران، خورشيد، ط2، 36/110 ، الخوئي/منهاج الصالحين، 2/338 ، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص134... وغيرهم.

[26]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/229.

[27]- م. ن. ،6/233.

[28]- الأنعام/118.

[29]- الأنعام/121.

[30]- ظ: الجواهري/جواهر الكلام، 36/113 ، الخوئي/منهاج الصالحين، 2/338 ، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص134 ... وغيرهم.

[31]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/233

[32]- م. ن. 6/234.

[33]- ظ: الإمام مالك (ت: 179هـ)/الموطّأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي–بيروت، 1985م، 2/49 ، علاء الدين السمرقندي–الحنفي- (ت: 539هـ)/تحفة الفقهاء، دار الكتب العلمية–بيروت، ط2، 1993م، 3/68 ، الإمام أحمد المرتضى: أحمد بن عبد الله الجنداري الزيدي- (ت: 840هـ)/شرح الأزهار، مكتبة غمضان–صنعاء، 4/80 ... وغيرهم.

[34]- الشيخ الطوسي/الاستبصار، 4/80 .

*- التسمية من السنّة –مستحبة- وليست شرطًا عند الشافعية. ظ: الإمام الشافعي: أبو عبد الله محمد بن إدريس (ت: 204هـ)/الأُم، دار الفكر-بيروت، ط2، 1980م، 2/257.

[35]- ظ: السرخسي: محمد بن أبي سهل الحنفي (ت: 483هـ)/المبسوط، دار المعرفة-بيروت، 11/227 ، عبد الله بن قدامة الحنبلي (ت: 620هـ)/المغني، 11/43 ، محي الدين النووي الشافعي (ت:676هـ)/المجموع-شرح المهذب، دار الفكر، 9/81 ، أحمد المرتضى/شرح الأزهار، 4/81... وغيرهم.

ويعلِّل النووي حرمة التذكية بهما؛ لأنَّ السِّن عظم، ولا يجوز تنجيسه بالدم، لما نُهي عن تنجيس العظام؛ لكونها زاد الجن، وأما الظفر، فمُدَى الحبشة [أي أنهم يستخدموه كسكّين للذبح]، وهم كفار، وقد نُهي عن التشبه بالكفار. المجموع، 9/81.

[36]- مسلم: أبو الحسين بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت: 261هـ)/الجامع الصحيح، دار الفكر–بيروت، 6/78.

[37]- ظ: السرخسي/المبسوط، 12/5 ، ابن رشد الحفيد (ت: 595هـ)/بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الفكر-بيروت، 1995م، 1/361 ، محي الدين النووي/المجموع، 8/358 ، الحطاب الرعيني: أبو عبد الله محمد بن محمد المغربي المالكي (ت:954هـ)/مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، دار الكتب العلمية-بيروت، ط1 (1995م)، 4/280... وغيرهم.

[38]- وَهْبَة الزُّحَيْلِي/الفقه الإسلامي وأدلَّته، دار الفكر–سوريَّة، ط4، 4/306 (كتاب الكتروني-الموسوعة الشاملة islamport.com www.)

[39]- المائدة/5.

[40]- ظ: ابن رشد الحفيد/بداية المجتهد، 1/361-362 ، الحطاب الرعيني/مواهب الجليل، 4/313 ، الشربيني: محمد بن أحمد الشافعي (ت: 977هـ)/ مغني المحتاج، دار إحياء التراث العربي-بيروت، 1958م، 4/266 .

[41]- أبو بكر الكاشاني: علاء الدين بن مسعود الحنفي (ت: 587هـ)/بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، المكتبة الحبيبية–باكستان، ط1، 1989م، 5/45.

[42]- البخاري: أبو عبد الله محمد بن اسماعيل (ت: 256هـ)/صحيح البخاري، دار الفكر-بيروت، 1981م، 3/141 ، و ظ: مسلم/الجامع الصحيح، 7/14.

[43]- ظ: مجلة البحوث الإسلامية/حكم الذبائح المستوردة، ع6، 1402هـ، فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن أكل اللحم الوارد من الخارج، ص186، منشورة على موقع دار الإفتاء السعودية www.alifta.net.

[44]- الإمام الشافعي/الأم، 2/254-255.

[45]- الدسوقي/حاشية الدسوقي، 2/101.

[46]- المائدة/3.

[47]- عادل البعداني/أحكام الذبائح واللحوم المستوردة، بحث منشور على موقع جامعة الإيمان الإلكتروني www.jameataleman.org .

[48]- ظ: الشهيد الثاني/مسالك الأفهام، 11/شرح486-491 ، الجواهري/جواهر الكلام، 36/134- 138 ، الخوئي/منهاج الصالحين، 2/342-343 ، الروحاني/فقه الصادق ، 24/44 . وأيضًا ظ: السرخسي/المبسوط، 11/226 ، الشربيني/مغني المحتاج، 4/272 ، عبد الرحمن بن قدامه (ت: 682هـ)/الشرح الكبير، دار الكتاب العربي-بيروت، 11/60-61... وغيرهم.

[49]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/229.

[50]- مسلم/الجامع الصحيح، 6/72.

[51]- أحمد بن حنبل/مسند أحمد، 2/108.

[52]- محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، والذبح الغربي وخفاياه، بحث مقدم إلى "مؤتمر الخليج الأول لصــــناعة الحـلال وخدماته"، الكويت، 2011م، ص8-10، البحث منشور على الموقع الالكتروني www.barazifamily.net .

[53]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/229.

[54]- الشيخ الصدوق/من لا يحظره الفقيه، 3/328.

[55]- الشيخ الطوسي/تهذيب الأحكام، 9/60.

[56]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/236.

[57]- م. ن. 6/229.

[58]- ظ: الگلپايگاني: السيد محمد رضا الموسوي (ت: 1414هـ)/إرشاد السائل، دار الصفوة-بيروت، ط1، 1993م، ص130 ، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص138 ، حسن الجواهري/بحوث في الفقه المعاصر، 2/246، مجمع الفقه الإسلامي/قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي، مجلة المجمع-(ع 10، ج ص)، قرار رقم: 94 (3/10) بشأن الذبائح، ص229 ... وغيرهم.

[59]- ظ: مجلة البحوث الإسلامية/تقرير الشيخ صهيب حسن عبد الغفار–مبعوث هيئة رئاسة الإفتاء السعودية إلى لندن، ع6، ص170 ، علاء الدين محمد علي مرشدي (الدكتور)/الذبائح واللحوم بين الحلال والحرام، دار المريخ-الرياض، 1999م، ص97 ،، محمد فؤاد البرازي (الدكتور)/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص3-4.

[60]- محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص4.

[61]- علاء الدين محمد علي مرشدي/الذبائح واللحوم بين الحلال والحرام، ص97.

[62]- مجلة البحوث الإسلامية، تقرير الشيخ صهيب حسن عبد الغفار، ص170.

[63]- م. ن. ص171، وأيضًا: محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص3.

[64]- دار الإفتاء المصرية/الذبح الآلي، استفتاء مقدم إلى الدار من قبل صاحب المجزرة الأوتوماتيكية، 2005م، منشور على موقع الدار www.dar-alifta.org.

[65]- مجلة البحوث الإسلامية/تقرير من الشيخ عبد الله بن علي الغضيه، ص161.

[66]- علاء الدين محمد علي مرشدي/الذبائح واللحوم بين الحلال والحرام، ص99.

[67]- ظ: محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص4.

[68]- م. ن. ص16.

[69]- ظ: الگلپايگاني/إرشاد السائل، ص130، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص138 ،

[70]- ظ: الروحاني/المسائل المستحدثة، ص139 ، محمود الهاشمي/الذبح بالمكائن الحديثة، بحث منشور في مجلة فقه أهل البيت (ع)، ع1، 1417هـ-1995م، ط3 ،ص30-75.

[71]- المائدة/3.

[72]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/235.

[73] - م. ن. ، 6/228.

[74]- ظ: م. ن. ، 6/234.

[75]- الروحاني/المسائل المستحدثة، ص131-132.

[76]- محمود الهاشمي/الذبح بالمكائن الحديثة، ص31.

[77]- الروحاني/المسائل المستحدثة، ص139، ظ: الخوئي/منهاج الصالحين، 2/335.

[78]- محمود الهاشمي/الذبح بالمكائن الحديثة، ص62.

[79]- ظ: م. ن.

[80]- م. ن. ص33.

[81]- محمد حسين علي الصغير/فقه الحضارة في ضوء فتاوى سماحة السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)، دار المؤرخ العربي-بيروت، ص162.

[82]- الأنعام/118.

[83]- ظ: الگلپايگاني/إرشاد السائل، ص130، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص134.

[84]- ظ: المسائل المستحدثة، ص136.

[85]-ظ: الشيخ الطوسي/المبسوط، 1/390 ، المحقق الحلي/شرائع الإسلام، 4/741 ، الجواهري/جواهر الكلام،36/141 ، الخوئي/منهاج الصالحين، 2/339 ... وغيرهم.

[86]- المسائل المستحدثة، ص137 .

[87]- المائدة/3.

*- وهي التي تنتطحها بهيمة فتموت

**- وهي التي تتردى من سطح أو تسقط في بئر أو هوّة فتموت

[88]- الشيخ الطوسي/تهذيب الأحكام، 9/58.

[89]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/233.

[90]- الروحاني/المسائل المستحدثة، ص138 . علمًا أنَّ رأيه في كتابه (منهاج الصالحين)، أن لا يترك الاحتياط في هذه المسألة، ظ: 2/372.

[91]- محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص7.

[92]- حسن الجواهري/بحوث في الفقه المعاصر، 2/246-247.

[93]- ظ: الشيخ الكليني/الكافي، 6/233 ، الشيخ الطوسي/تهذيب الأحكام، 9/58.

[94]- مجلة مجمع الفقه الإسلامي/قرارات وتوصيات المجمع، قرار رقم: 94 (3/10) بشأن الذبائح، ع 10، ص228-229.

[95]- دار الإفتاء المصرية/حكم الذبح بالصعق الكهربائي، إجابة أ.د. علي جمعة محمد عن الاستفتاء (المقيد برقم 1521 لسنة 2005م) المقدم إلى الدار، منشور على www.dar-alifta.org .

[96]- المصدر السابق.

[97]- دار الإفتاء المصرية/الذبح عن طريق الماكينة، www.dar-alifta.org .

[98]- عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وآخرون/فتاوى إسلامية، تحقيق: محمد بن عبد العزيز المسند، 3/555، كتاب الكتروني منشور على الموقع www.ahlalhdeeth.com،.

[99]- م. ن. ، 3/556.

[100]- نشرت في جريدة (المسلمون)، ع 14 في 21/ 8/ 1405هـ..

[101]- المصدر السابق ،3/558.

[102]- مجلة البحوث الإسلامية/أبحاث هيئة كبار العلماء، تقرير: أحمد بن صالح محايري عن اللحوم المستوردة من البرازيل- مقدم إلى الشيخ عبد العزيز بن باز 1398هـ-1997م، ع6، 1402هـ، ص157-158.

[103]- ظ: فيلم فيديو، مجازر الذبح الحلال في الدانمارك، منشور على موقع اليوتيوب www.yuotube.com .

[104]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/229.

[105]- ظ: مجلة فقه أهل البيت/الذبح بالمكائن الحديثة، ص

[106]- إجابة على استفتاء وجهته إلى سماحته عبر البريد الألكتروني في 24/4/2012م.

[107]- إجابة على استفتاء وجهته إلى سماحته عبر البريد الألكتروني في 28/4/2012م.

[108]- جواهر الكلام، 36/150.

[109]- الشيخ الطوسي/تهذيب الحكام، 9/58.

[110]- الجواهري/جواهر الكلام، 36/150

 

 

خلاصة البحث:

1- لا يحل لحم الحيوان البرّي إلّا إذا تمت تذكيته بطريقة خاصة وشرائط معينة نصَّ الشارع المقدس عليها.

2- تباينت آراء فقهاء المسلمين في الشرائط المعتبرة لتذكية الحيوان البري، فذهب الامامية الى اعتبار (إسلام في الذابح، وأن تكون آلة الذبح من الحديد، وأن يُستقبل بالحيوان القبلة، والتلفظ بالتسمية المقصودة، وفري الأوداج الاربعة)، في حين لم يشترط فقهاء المذاهب الأخرى إسلام الذابح، واستقبال القبلة، و الحديد في آلة الذبح.

3- اتفق جميع فقهاء المسلمين المعاصرين على حلية التذكية بالطرائق الحديثة إذا ما تحققت فيها شرائط الذبح المعتبرة، وكل بحسب ما اعتبره من شرائط.

 

Summary

1- It is not permissible to eat wild animal meat unless slaughtered in a special way and certain conditions legislator Bible text on them.

2- Muslim jurists were varied views him of considered conditions for the slaughter of wild animals, Imami went to be regarded as (Islam of the slaughterer, and be machine slaughter of iron, and animals must be to the point of the Kaaba, and uttering the name of God, and cut the four members), while the other of doctrines jurists not required Islam of the slaughterer, the point of the Kaaba, and iron in the slaughter machine.

3- All contemporary Muslim jurists agreed on the permissibility of slaughter by modern machines if the requirement achieved of the prestigious slaughter.

 

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسلام على سيد المرسلين أبي القاسم محمد (صلى الله عليه وآله)، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد..

فإنَّ أوامر السماء ونواهيها صادرة عن ذاتٍ محيطة عالمة بما تُحِلّ وتحرِّم على الإنسان من طعام وشراب وفق ما تقتضيه مصلحته ودوام بقائه على هذه البسيطة، فمن المعلوم أنَّ الطعام والشراب فيهما قوام بدن الإنسان واستمراريته، وشحنة نشاطه وطاقته، وفي الوقت نفسه فإنَّ هذا البدن له ارتباط قوي الصلة بالنفس؛ ولذا فلا ريب أنَّ الجسد إذا ما بُني على الحلال الطيب من الطعام فسيكون له التأثير الطيب على النفس وفعالياتها الأخلاقية، والعكس بالعكس.

قال الإمام الصادق ع(: «...إنَّ اللَّه سُبْحَانَه وتَعَالَى... خَلَقَ الْخَلْقَ وعَلِمَ عَزَّ وجَلَّ مَا تَقُومُ بِه أَبْدَانُهُمْ ومَا يُصْلِحُهُمْ فَأَحَلَّه لَهُمْ وأَبَاحَه تَفَضُّلاً مِنْه عَلَيْهِمْ بِه تَبَارَكَ وتَعَالَى لِمَصْلَحَتِهِمْ وعَلِمَ مَا يَضُرُّهُمْ فَنَهَاهُمْ عَنْه وحَرَّمَه...»1، ومن هنا فالشريعة المقدسة لم تُحِلّ ولم تحرِّم أصنافًا من الطعام والشراب جزافًا أو من غير عِلّة؛ وإنما لما لها من أثر إيجابي أو سلبي على صحة الإنسان وخُلُقه، ولعل هذا الأثر يستشعره الإنسان المؤمن ويتلمّس وجوده في بدنه ونفسه أكثر من غيره. فهو يشعر بالسعادة والنشوة النفسية إذا ما تناول الطعام الطيّب المعروف المصدر والمكسب، على عكس ما لو عَلِم بحرمة مصدر الطعام ومكسبه، فستراه منقبض الشهية مكتئب النفس لا يستلذ بما يأكل، ولعل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)2 فيه إشارة إلى ذلك؛ لعلمه -سبحانه- بأثر الطعام الطيّب على نفوس المؤمنين، بل بأثره على الناس كافة، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)3 إذ الأمر موجّه للناس كافة بأكل الطيّب من الطعام، الذي تستلذه النفس ولا تتنغّص به.

لم يحرّم القرآن الكريم من الأطعمة، إلّا الميتة ولحم الخنزير والدم، ولحوم الحيوانات غير المذكّاة أو ما أُهِلَّ به لغير الله، (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ...)4 فظاهر الآية عام بتحريم الميتة سواء من الحيوان مأكول اللحم أو من غيره، وسواء ميتة البر أو ميتة البحر. قال الجصاص: «الميتة في الشرع اسم للحيوان الميت غير المذكّى، وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لآدمي فيه، وقد يكون ميتة لسبب فعل آدمي إذا لم يكن فعله فيه على وجه الذكاة المبيحة له»(5) وتعليل التحريم يأتي في آية أخرى- في قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ...)6 إذ وصف -سبحانه- هذه الأصناف المحرّمة بأنها رجس وفسق؛ لما فيها من أضرار مادية تؤثر في صحة بدن الإنسان وروحه، أولاً؛ لكونها تكتنز كثيراً من الأمراض، وثانياً؛ لأنَّ فيها جانب معنوي يؤثر في الإنسان من الناحية الأخلاقية، ويؤيده ما جاء في إجابة الإمام الصادق (ع) حينما سُئل عن عِلّة تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، فقال: «...أمَّا الْمَيْتَةُ فَإِنَّه لَا يُدْمِنُهَا أَحَدٌ إِلَّا ضَعُفَ بَدَنُه ونَحَلَ جِسْمُه وذَهَبَتْ قُوَّتُه وانْقَطَعَ نَسْلُه ولَا يَمُوتُ آكِلُ الْمَيْتَةِ إِلَّا فَجْأَةً وأَمَّا الدَّمُ فَإِنَّه يُورِثُ آكِلَه الْمَاءَ الأَصْفَرَ ويُبْخِرُ الْفَمَ ويُنَتِّنُ الرِّيحَ ويُسِيءُ الْخُلُقَ ويُورِثُ الْكَلَبَ(*)والْقَسْوَةَ فِي الْقَلْبِ وقِلَّةَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ حَتَّى لَا يُؤْمَنَ أَنْ يَقْتُلَ وَلَدَه ووَالِدَيْه ولَا يُؤْمَنَ عَلَى حَمِيمِه ولَا يُؤْمَنَ عَلَى مَنْ يَصْحَبُه...»7، ومثله روي عن الإمام الرضا (ع) قول: «... وحُرّمت الميتة؛ لما فيها من فساد الأبدان والآفة، ولما أراد الله عز وجل أن يجعل تسميته سبباً للتحليل وفرقاً بين الحلال والحرام. وحَرّم الله عز وجل الدم كتحريم الميتة؛ لما فيه من فساد الأبدان، ولأنه يُورِثُ الْمَاءَ الأَصْفَرَ ويُبخر الفم ويُنتن الريح ويُسيء الخُلُق ويُورِث القسوة للقلب وقلة الرأفة والرحمة حتى لا يُؤمَن أنْ يقتل والده وصاحبه»8.

ومن هنا كانت غايتي في اختيار موضوع البحث، للوقوف على مصادر اللحوم المجمّدة التي غرقت بها أسواق المسلمين، والتي يشوبها الشك والشبهة من حيث طريقة تذكيتها ومدى تحقق الشروط الشرعية المعتبرة فيها، فانتظم في مبحثين، خُصّص الأول منها للتعريف بالتذكية الشرعية وبيان شروطها وأحكامها، وخُصّص الآخر لعرض طرائق التذكية الحديثة وآراء فقهاء المسلمين فيها، ثم خرج البحث بخاتمة تضمنت أهم ما رشح عنه من نتائج.

التذكية لغةً واصطلاحًا

أولًا: التذكية لغة: الذكاء في الشيء، إتمامه، ومنه الذكاء في الفهم: أن يكون فهمًا تامًّا سريع القبول، وكذا في السِّن والذبح، فهو تمام السِّن والذبح. وكل ذبح ذكاة، وتذكية الحيوان البرِّي أن تدركه وفيه بقية تشخب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح الذي أدركت ذكاته9، قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ...10. والذي يظهر من المعنى اللغوي أنَّ الذكاةَ ذبحٌ مخصوص، لا كلَّ ذبحٍ، فهو خاص بطريقة معينة للحيوان البرّي الحي، فلا يُعد ذبح الحيوان الميّت –بأي سبب من الأسباب- أو نجس العين، ذكاةً، وإنْ كان بالطريقة المنصوص عليها شرعًا.

 ثانيًا: التذكية اصطلاحًا

اختلفت تعريفات فقهاء المسلمين للتذكية الشرعية؛ تبعًا لمبانيهم الفقهية في كيفية الذبح وشروطه، ومن هذه التعريفات:

1- التذكية عند فقهاء الإمامية

لم أجد تعريفًا منطقيًا للتذكية عند متقدمي فقهاء الإمامية، ولكن الذي يُستشف من فتاويهم، والمنسوب إلى مشهورهم، أنّ التذكية عبارة عن فري -قطع- المسلم بآلة من حديد للأعضاء الأربعة، والأعضاء الأربعة، هي: الحلقوم، وهو مجرى النفس دخولًا وخروجًا، والمريء، وهو مجرى الطعام والشراب، والودجان، وهما عرقان في صفحتي العنق يحيطان بالحلقوم، ويقال للحلقوم والمريء معهما: الأوداج11.

أمّا من المعاصرين فقد عرّفها السيد البجنوردي (ت: 1395هـ) بأنها: «عبارة عن فري الأوداج الأربعة من مسلم بآلةٍ من حديدٍ مُسمِّيًا موجِّهًا إلى القبلة»12 ثم بيّن أنَّ «أثرها في الحيوان المحلَّل الأكل، أمران: طهارة أجزائه، وحِلِّية أكله، وفي الحيوان المحرَّم الأكل، طهارة بدنه وأجزائه فقط، وأما حرمة أكله فذاتية لا تزول، وأما الحيوان نجس العين كالكلب والخنزير البرّيان فالمحل غير قابل للتذكية»13.

وعرّفها السيد الخميني (ت: 1410ه)، بأنها عبارة عن: «إزهاق الروح بكيفية خاصة معتبرة في الشرع، أي فري المسلم الأوداج الأربعة متوجّهًا بالحيوان إلى القبلة، ذاكرًا عليه اسم الله، مع قابلية الحيوان لها»14، وكان من الممكن أن يكتفي السيد بذكر عبارة «إزهاق الروح بكيفية خاصة معتبرة في الشرع» لكنه بيّن أنَّ هذه الكيفية الخاصة تتحقق بالشروط الشرعية المنصوص عليها، إضافة إلى قابلية المحل.

وعرّفها الدكتور فتح الله، بـ : السبب (الشرعي) لحلِّية أكل لحم الحيوان المأكول اللحم15 .

2- التذكية عند فقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى

عرّفها ابن العربي (ت: 543هـ)، بأنها: «عبارة عن إنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور عليه، مقرونًا ذلك بنية القصد إليه، وذكر الله تعالى عليه»16. ويَرِد عليه أنه تعريف غير جامع وغير مانع، إذ لم يحدد نوع الحيوان المراد تذكيته، ولا أهلية الذابح، كما أنَّ شروط الكيفية ناقصة.

وعرّفها خليل الجندي (ت: 767هـ) بـ : «قطع مُميِّزٍ يُناكِح تمام الحلقوم والودجين من المقدم بِلا رفعٍ قبل التمام»17. ولا يخفى ما في هذا التعريف من قصور عن الجمع والمنع أيضًا، فهو وإنْ حدّد الذابح بالمميِّز وأخرج غيره من الأهلية، إلّا أنه لم يبين نوع الحيوان المذبوح، ولا تمام شروط الكيفية.

أمّا أرجَحُ التعريفات السابقة، فيبدو أنّ تعريف الدكتور أحمد فتح الله أرجحها إذا ما أضيف له (والانتفاع بأجزاء غير مأكول اللحم إلّا الكلب والخنزير)؛ لأنّ قوله: (السبب الشرعي) شامل لجميع شروط التذكية الشرعية، وإن اختلفت مباني الفقهاء، ومن كِلا الفريقين.

شروط التذكيـة الشرعيــة

حدد فقهاء المسلمين –ومن كلا الفريقين- شروطًا معينة للتذكية الشرعية بناءً على ما جاء من نصوص قرآنية، أو مما رُوي عن المعصوم ع، فإنْ لم تتحقق هذه الشروط –ولو شرطًا واحدًا- حَرُمت الذبيحة، ولا يجوز أكلها. ولأجل معرفة مدى تحقق هذه الشروط على الذبح بالطرق الحديثة أو عدم تحققها، لابدّ من ذكرها والوقوف على آراء فقهاء المسلمين فيها.

أولًا: عند فقهاء الإمامية

اتفق فقهاء الإمامية على شروط عامة أوجبوا تحصيلها في تحقق التذكية الشرعية، مستندين في ذلك إلى سنّة المعصوم ع المبيِّنة والمفصِّلة لأحكام القرآنن الكريم.

 أما الشروط التي استخلصوها من الروايات فهي:

1- إسلام الذابح: إذ ذهب مشهور فقهائهم –لاسيما المتأخرين منهم- إلى اشتراط الإسلام أو حُكمه(*) في الذابح، فلا يتولاه الوثني والكافر، وإن كان من كفار المسلمين كالمرتد والغالي والناصبي –الذي ينصب العداء لأهل البيت عليهم السلام-، وكذلك أهل الكتاب18. ومستندهم في ذلك ما روي عن المعصومين عليهم السلام، منها: صحيحة سليمان بن خالد قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه ع عَنْ ذَبِيحَةِ الْغُلَامِ والْمَرْأَةِ هَلْ تُؤْكَلُ فَقَالَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُسْلِمَةً وذَكَرَتِ اسْمَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ عَلَى ذَبِيحَتِهَا حَلَّتْ ذَبِيحَتُهَا وكَذَلِكَ الْغُلَامُ إِذَا قَوِيَ عَلَى الذَّبِيحَةِ وذَكَرَ اسْمَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهَا وذَلِكَ إِذَا خِيفَ فَوْتُ الذَّبِيحَةِ ولَمْ يُوجَدْ مَنْ يَذْبَحُ غَيْرُهُمَا»(19) إذ اشترط الإسلام في المرأة، ولا ريب أنَّ اشتراطه في الرجل أولى؛ لأنّ الأصل في تولي هذا العمل مُوكلٌ إليه.

غير أنَّ ابن أبي عُقَيل (ت: 267هـ)، وابن الجُنيد (ت: 381هـ) شذّا في عدم اعتبار هذا الشرط، وقالا بحِلّية ذبائح أهل الكتاب مطلقًا(20)، في حين قيّدها الشيخ الصدوق (ت: 383هـ) بسماع التسمية منهم أثناء الذبح، وهو ما ذهب إليه السيد الروحاني -من المعاصرين- أيضًا، بعد أن أفاض البحث في الأدلة عليه(21).

2- أن تكون آلة الذبح من الحديد، ولا خلاف بين الإمامية في ذلك، فلا تصح التذكية إلّا به مع التمكن منه، لما جاء في صحيحة حسن بن مسلم «سألت أبا جعفر ع عن الذبيحة بالليطة والمروة(*)، فقال: لا ذكاة إلّا بحديد»22، وصحيحة حسن الحلبي عن أبي عبد الله(ع) «سألته عن ذبيحة العود والحجر والقصبة، فقال: قال علي ع: لا يصلح إلّا بحديدة»23... وغيرها من الأحاديث. أما إذا تعذّر وجود الحديد وخيف فوت الذبيحة جاز بأي شيء يفري أعضاء الذبيحة، لما ورد عن زيد الشحّام: «سألت أبا عبد الله ع عَنْ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِه سِكِّينٌ أيَذْبَحُ بِقَصَبَةٍ فَقَالَ اذْبَحْ بِالْقَصَبَةِ وبِالْحَجَرِ وبِالْعَظْمِ وبِالْعُودِ إِذَا لَمْ تُصِبِ الْحَدِيدَةَ إِذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ وخَرَجَ الدَّمُ فَلَا بَأْسَ»24.

3- أن يُستقبَل بالحيوان القبلة حين الذبح، بحيث يكون مقاديم بدنه -نحره وبطنه- مستقبل القبلة مع الإمكان إلّا إذا كان الذابح ناسيًا أو جاهلًا، ومع عدم التمكن –لتردّي الحيوان او استعصائه- يكفي صدق الاستقبال ولو كان الحيوان واقفًا ويكون رأسه ومقاديم بدنه إلى القبلة؛ لمقتضى إطلاق النصوص25، منها ما جاء عن محمد بن مسلم، أنه سأل الإمام الباقر ع عنن الذبيحة، فقال: «استقبل بذبيحتك القبلة...»26، وعن الحلبي أنَّ الإمام أبي عبد الله الصادق (ع): «سُئل عن الذبيحة تذبح لغير القبلة، قال: لا بأس إذا لم يتعمّد...»27.

4- التسمية المقصودة من الذابح، أي يعمد إلى ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة أثناء الذبح، فلا تجزي التسمية الاتفاقية؛ لما ثبت بالنص القرآني، وتأكّد بقول المعصوم (ع)، قال تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ...)28، وقال: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ...)29، فإنْ تعمّد الذابح تركها حَرُمت الذبيحة، فإنْ لم يكن ملتفتًا ونسى ذكرها لم تحرم30، لرواية الحلبي عن أبي عبد الله(ع)، أنه سُئل: «...عن الرجل يذبح فينسى أنْ يسمِّي، أتؤكل ذبيحته؟ فقال: نعم إذا كان لا يُتّهم، وكان يحسن الذبح...»31، وعن محمد بن مسلم قال: «...وسألته عن رجل ذبح ولم يُسمِّ، فقال: إن كان ناسيًا فليُسمِّ حين يذكر، ويقول: بسم الله على أوله وعلى آخره»32.

5- فري الأوداج الأربعة، وهي: (الحلقوم، وهو مجرى النفس، والمريء، وهو مجرى الطعام والشراب ومحله تحت الحلقوم، والودجان، وهما عرقان كبيرانن أمام العنق في طرفيه محيطان بالحلقوم والمريء). وتحديد الفري بهذه الأعضاء متفق عليه بين المسلمين33؛ لما ورد من أخبار عن المعصوم(ع)، منها: عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: «سألت أبا إبراهيم (ع)عن المروة والقصبة والعود يُذبح بهن إذا لم يجدوا سكينًا؟ قال: إذا فرى الأوداج فلا بأس بذلك»34.

ثانيًا: عند المذاهب الإسلامية الأخرى

يتفق فقهاء المذاهب الإسلامية مع فقهاء الإمامية في وجوب إحراز تذكية الحيوان البرّي مأكول اللحم بفري أوداجه الأربعة، مصحوب بنيَّة القصد إليه، والتسمية(*). إلّا أنهم اختلفوا معهم في آلة الذبح، واستقبال القبلة، وأهلية الذابح. فقالوا:

1- يشترط أن تكون آلة الذبح حادة، قاطعة بحدِّها لا بثقلها، سواءً كانت حديدًا، أم حجرًا، أم خشبًا، أم زجاجة...إلخ، إلّا السِّن والظفر، فإن ذُبِح بهما حرمت الذبيحة، ودليلهم فيه عموم حديث رافع بن خديج، بجواز التذكية بكل ما أنهر الدم إلّا السِّن والظفر35، قال: «قلت يا رسول الله أنّا لاقوا العدو غدًا وليست معنا مُدًى، قال صلى الله عليه وسلم: أعجِل أو أرني ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل، ليس السِّن والظفر، وسأحدثك: أما السِّن فعظم، وأما الظفر فمُدَى الحبشة...»36.

2- توجّه الذابح والذبيحة نحو القبلة من سُنن الذبح -أي من المستحبات- ، لاسيما في التضحية37؛ «لأنَّ القبلة جهة معظّمة وهي أشرف الجهات، والتذكية عبادة، وكان الصحابة إذا ذبحوا استقبلوا القبلة، ولأنَّ النبي صلّى الله عليه وسلم لما ضحّى، وجَّه أضحيته إلى القبلة، فإن لم يستقبل ساهيًا أو لعذر، أُكِلت»38.

3- أمّا الذابح، فيجب أن يكون مميزًا عاقلًا، مسلمًا، أو كتابيًا-ذميًا أو حربيًا أو من نصارى بني تغلب- قاصدًا التذكية، ولو كان مكرهًا على الذبح، ذكرًا أو أنثى. فلا يصح ذبح غير المميز والمجنون والسكران، ولا تؤكل ذبيحة المشرك والمجوسي والوثني والمرتد، ودليلهم في حلّية ذبائح أهل الكتاب عموم قوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ...)39؛ لأنهم فسّروا طعام أهل الكتاب بـ (ذبائحهم)40، وعلّله بعض الأحناف بأنه «لو لم يكن المراد ذلك، لم يكن للتخصيص بأهل الكتاب معنى؛ لأنَّ غير الذبائح من أطعمة الكفرة مأكول، ولأنَّ مطلق اسم الطعام يقع على الذبائح كما يقع على غيرها؛ لأنه اسم لما يتطعم والذبائح مما يتطعم فيدخل تحت إطلاق اسم الطعام»41.

كما استدل بعض المعاصرين على الحِلِّية بحديث (الشاة المسمومة) المروي في الصحاح عن أنس بن مالك: «أنَّ يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها فجيء بها فقيل: ألَا نقتلها؟ قال: لا. قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم»42. بدعوى أنه لو لم يحل أكل ذبائح أهل الكتاب، لما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هذه الشاة43.. ولا ريب أنَّ هذا الاستدلال يكون قويًا وواردًا فيما لو كانت الرواية صحيحة ومتفق عليها بين الفريقين، ولكن هذا الأمر غير متحقق.

تجدر الإشارة إلى أنَّ فقهاء المذاهب الإسلامية وإن أحلّوا ذبائح أهل الكتاب بالعنوان العام، إلّا أنهم اختلفوا في تفاصيل شروط الحلِّية، ومن ثم تخصيص عموم آية الحل، وهو ما يصلح للرد على مَن يُشكل عليهم بأنَّ من طعام أهل الكتاب ما هو محرّم في الإسلام كالخنزير، والميتة ...وغيره. ومنه قولهم:

أ‌-  إن كانت ذبائحهم يسمونها لله تعالى فهي حلال، وإن كان لهم ذبح آخر يسمون عليه غير اسم الله تعالى مثل اسم المسيح، أو يذبحونه باسم دون الله تعالى، لم يحل هذا من ذبائحهم؛ لأنَّ الشيء قد يُباح مطلقًا وإنما يُراد بعضه دون بعض44.

ب‌- ألّا يغيب الكتابي حال ذبحها عن المسلم، فإن غاب لم تؤكل، قال ابن راشد: القياس أنه إذا كان يستحل الميتة لم تؤكل ذبيحته، ولو لم يغب عليها؛ لأنَّ الذكاة لابدّ فيها من النيّة، وإذا استحل الميتة فكيف ينوي الذكاة؟45، أي أنه لا يؤمَن منه صدق النيّة، ولا صدق قوله، فقد يكون قد قتل الحيوان ومن ثم ذبحه.

ت‌- ألّا يكون ما ذبحه الكتابي مما حرّمه الله على المسلمين بعينه كالخنزير، أو أنَّ الكتابي أزهق روح الحيوان بطريقة غير شرعية كالخنق، والضرب، وما في معناه لقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ...4647.

آداب الذبـــــــــــــح

 الآداب التي أوصت الشريعة بمراعاتها في الذبح، منها ما هو مستحب ومنها ما هو مكروه، يمكن إجمال بعضها في النقطتين الآتيتين48:

- النقطة الأولى: مستحبات الذبح

1- يستحب في ذبح الغنم أن تربط يداه ورجل واحدة، ويمسك صوفه أو شعره حتى يبرد، وفي ذبح البقر أن تعقل يداه ورجلاه ويطلق الذنب، وفي الإبل أن تربط أخفافها إلى آباطها وتطلق رجلاها هذا إذا نحرت باركة أما إذا نحرت قائمة فينبغي أن تكون يدها اليسرى معقولة، وفي الطير يستحب أن يرسل بعد الذباحة. ومستنده ما ورد في الروايات، منها: حسنة حمران بن أعين، عن أبي عبد الله ع، قال: «سألته عن الذبح، فقال: إذا ذبحت فأرسل ولا تكتّف، ولا تقلب السكين لتدخلها من تحت الحلقوم وتقطعه إلى فوق، والإرسال للطير خاصة... وإن كان شيء من الغنم فأمسك صوفه أو شعره، ولا تمسكن يدًا ولا رجلًا، وأما البقر فأعقلها وأطلق الذنب، وأما البعير فشد أخفافه إلى آباطه وأطلق رجليه...»49 .

2- تحديد الشفرة، وسرعة القطع، وألّا يُري الشفرة للحيوان، ويمر السكين بقوة وتحامل ذهابًا وعودًا، ويجدّ في الإسراع؛ ليكون أرخى وأسهل، لرواية شداد بن أويس، قال: «ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليُرِح ذبيحته»50. ولرواية سالم بن عبد الله عن أبيه، أن النبي (صلى الله عليه وآله) «أمر بحد الشفار، وأن تُوارَى عن البهائم، وإذا ذبح أحدكم فليُجهِز»51.

يشار إلى أنَّ الأبحاث الطبية الحديثة أثبتت أنَّ طريقة الذبح اليهودية والإسلامية هي أسرع في إماتة الحيوان وخروج روحه، ومن ثم لا تُحدِث أيَّ تأثير من القسوة؛ لأنَّ السكّين الحاد وسرعته، والقطع يُؤدّى بمهارةِ رجلٍ مدَرَّب، يتسببان بإحداث نزيف شديد بعد قطع الأوعية السباتية (بالرقبة)، الأمر الذي يتبعه هبوط سريع جداً في ضغط الدم بشرايين المخ؛ ولهذا يحدث نقص الأوكسجين نتيجة قلة الإمداد من الدم إلى أنسجة المخ، فيحدث فَقد الوعي في الحال.. وقد أثبتت دراسة أجريت بجامعة هانوفر، ونشرت بمجلة الطب البيطري الألمانية عدد فبراير سنة 1984م، أنَّ رسم المخ المقام لأعداد مختلفة من العجول والخراف يتوقف -أي فقدان الوعي تمامًا- بعد الذبح الحلال بـ (4-6 ثوان) فقط، و لا ألم بعد ذلك. في حين لا تثبت النتائج نفسها عند استخدام المسدس، إذ يبقى الألم و يستمر فترة أطول إلى ما بعد الذبح. كما أوضح العالم الألماني (البروفيسور شولتز) أن طريقة الذبح الحلال الإسلامي أو اليهودي، غير مؤلمة للحيوان إذا تمت بطريقة صحيحة، وقد ثبت أنه لا علاقة مطلقاً بين حركة الحيوان العنيفة بعد الذبح وبين إحساس الحيوان بالألم إذا كانت السكين المستخدمة حادة، إذ أنها مثل أن يُجرح إنسان بسكين مطبخ فلا يشعر بهذا الجرح إلّا بعد حين52.

3- أن يستقبل الذابح القبلة، وأن يُساق الحيوان إلى الذبح برفق، وأن يُضجع برفق، ويعرض عليه الماء قبل الذبح. وألّا يحركه إلّا بعد الذبح، ولا يجرّه من مكان إلى آخر، بل يتركه إلى أن تفارقه الروح.

النقطة الثانية: مكروهات الذبح

1- نخع الذبيحة، وهو أن يبلغ بالسكين النُخاع -الخيط الأبيض وسط الفقار- فيقطعه، أو يقطعه قبل موتها. لرواية محمد الحلبي، عن أبي عبد الله(ع) قوله: «لا تنخع الذبيحة حتى تموت، فإذا ماتت فانخعها»53، وعنه –الحلبي- عن الإمام الصادق(ع) أنه سئل «عن رجل ذبح طيرًا فقطع رأسه، أيؤكل منه؟ قال(ع): نعم ولكن لا يتعمد قطع رأسه»54.

2-إيقاع الذبح ليلًا؛ لما روي أنه (صلى الله عليه وآله) نهى عن الذبح ليلًا؛ ولرواية أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله(ع)، قال: «كان علي بن الحسين (ع) يأمر غلمانه أن لا يذبحوا حتى يطلع الفجر، ويقول: إنَّ الله تعالى جعل الليل سكنًا لكل شيء، قلت: جعلت فداك فإن خفنا؟ قال: إن كنت تخاف الموت فاذبح»55.

3- إيقاعه يوم الجمعة إلى الزوال، لرواية الحلبي عن أبي عبد الله ع قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكره الذبح وإراقة الدم يوم الجمعة قبلل الصلاة إلّا عند الضرورة»56.

4-أن يذبح الحيوان صبرًا، وهو أن يذبحه وحيوان آخر ينظر إليه، لرواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله(ع): «أنَّ أمير المؤمنين(ع) قال: لا تذبح الشاة عند الشاة، ولا الجزور عند الجزور وهو ينظر إليه»57.

 

د. حميدة الأعرجي

 

 

المقدمة: لاشك ان التربية الوطنية من المواضيع المهمة التي يجب دراستها وتعزيزها وترسيخها بين افراد المجتمع بشكل عام وفي جميع المجالات، وذلك بعد غياب وضعف الاهتمام بهذا الموضوع خصوصا بعد الاحداث التي شهدتها وتشهدها البلاد، وتظهر أهمية التربية الوطنية في كونها تسعى لإعداد الإنسان للعيش في وطنه، وتكيفه تكيفاً سليماً مع قوانينه، حيث تقدم للفرد المرتكزات والأسس التي تحقق ذلك، كما تعزز في الأفراد حب الوطن وروح الاعتزاز والانتماء اليه، وشحذ الفكر والعاطفة، والعمل للنهوض به، وتجعل الفرد يشعر بقيمة حياته من خلال ما يقدمه لوطنه وأمته، ان البحث الحالي يهدف الى تعرف مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي، وجاء البحث في ثلاثة فصول، تناول الفصل الاول مشكلة البحث واهميته وهدف البحث وحدوده، ومنهجيته، وتحديد المصطلحات، وتضمن الفصل الثاني ثلاثة مباحث، حيث تناول المبحث الاول مفهوم التربية الوطنية، اما المبحث الثاني فقد تضمن نبذة عن نشأة التربية الوطنية وتطورها، اما المبحث الثالث فقد تناول مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي، وتم في الفصل الثالث تبني الاستنتاجات والتوصيات والمقترحات، ومن تلك الاستنتاجات:

1- ان التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تهدف جميع افراد المجتمع دون التمييز بين دياناتهم وقومياتهم ومذاهبهم.

2- للتربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي أثر كبير في ارساء السلام والمحبة.

3- التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تدعو الى احترام الانسان واحترام حقوقه.

واوصى الباحث بعدة توصيات منها:

1- ضرورة ان ينتبه القائمون على المناهج الدراسية في العراق الى اهمية وخطورة التربية الوطنية واعطاء أولوية لها، لان التربية الوطنية جوهر ومفتاح اصلاح البلد وفي جميع المجالات.

2- من المهم ان تقوم كل مؤسسات الدولة بوضع خطط وبرامج لزرع ثقافة تربية وطنية سليمة عند المواطن.

ومن مقترحات الباحث:

1- ضرورة القيام بدراسات كثيرة عن التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي، ومقارنة نتائجها وموازنتها مع الدراسة الحالية.

2- اجراء دراسات وطنية تتناول اعلام الأمة من اجل تحفيز الشباب وتنمية حبهم لوطنهم وامتهم.

 

 

اولا: مشكلة البحث

لقد شهدت السنوات الاخيرة أحداثاً متلاحقة وتطورات سريعة جعلت عملية التغيير أمراً حتمياً في معظم دول العالم، وقد انتاب القلق بعض المجتمعات من هذا التغير السريع، ومنها العربية والإسلامية التي تخشى أن تؤدي هذه التحولات الاجتماعية المتسارعة والمرتبطة بالتطور العلمي السريع إلى التأثير على قيمها ومبادئها والتربية بشكل عام وتربيتها الوطنية على وجه التحديد بفعل الهالة الإعلامية الغربية.

ان مفهوم التربية الوطنية يشير إلى ذلك الجانب من التربية الذي يشعر الفرد من خلاله بصفة المواطنة ويحققها فيه، والتأكيد عليها إلى أن تتحول إلى صفة الوطنية، ذلك أن سعادة الفرد ونجاحه، وتقدم الجماعة ورقيها لا يأتي من الشعور والعاطفة إذا لم يقترن ذلك بالعمل الإيجابي الذي يقوم على المعرفة بحقائق الأمور والفكر الناقد لمواجهة المواقف ومعالجة المشكلات، فبهذا الجانب العملي تحصل النتائج المادية التي تعود على الفرد بالنفع والارتياح والسعادة، وعلى الجماعة بالتقدم والرقي (إسماعيل، 1998م، ص 43).

ومعنى ذلك أن صفة الوطنية أكثر عمقاً من صفة المواطنة أو أنها أعلى درجات المواطنة، فالفرد يكتسب صفة المواطنة بمجرد انتسابه إلى جماعة أو لدولة معينة، ولكنه لا يكتسب صفة الوطنية إلا بالعمل والفعل لصالح هذه الجماعة أو الدولة وتصبح المصلحة العامة لديه أهم من مصلحته الخاصة.(جرار، 2008، ص44).

 لذلك نحن حينما نطالع التاريخ الإنساني للشعوب والمجتمعات، نجد في صميم ثقافتها وآدابها مساحة واسعة عبرت من خلالها تلك الشعوب والمجتمعات عن حبها وعشقها لبلدانها وأوطانها، وعن تعلقها بتراب الأرض الذي نشأوا منه وتربوا فيه، (البستاني، 1993، ص477).

وقد أشار عبدالتواب إلى مفهومي الانتماء والولاء، فأحدهما جزء من الآخر أو مكمِّل له، فالانتماء مفهوم أضيق في معناه من الولاء، والولاء في مفهومه الواسع يتضمن الانتماء، فلن يحب الفرد وطنه ويعمل على نصرته والتضحية من أجله إلا إذا كان هناك ما يربطه به، أما الانتماء فقد لا يتضمن بالضرورة الولاء، فقد ينتمي الفرد إلى وطن معين ولكنه يحجم عن العطاء والتضحية من أجله (عبدالتواب، 1993، ص 108).

والولاء هو صدق الانتماء، وهو لا يولد مع الإنسان وإنما يكتسبه من مجتمعه ولذلك فهو يخضع لعملية التعلم فالفرد يكتسب الولاء "الوطني" من بيته أولاً ثم من مدرسته ثم من مجتمعه بأكمله حتى يشعر الفرد بأنه جزء من كل (السليمان، 1998، ص 196).

لاشك ان التربية الوطنية من المواضيع المهمة التي يجب دراستها وتعزيزها بين افراد المجتمع وترسيخ هذه التربية لدى الشباب وفي المناهج الدراسية، وذلك بعد غياب وضعف الاهتمام بهذا الموضوع خصوصا، بعد الاحداث التي شهدتها وتشهدها البلاد حيث نجد هجرة العديد الى الخارج ومحاولات الحصول على جنسية اخرى غير جنسية البلد، كذلك غياب فرص العمل وتولد قناعة لدى الكثير بان المستقبل الامن والسعيد ليس في حدود البلد بل في الخارج، حتى المؤتمرات التي عقدت بهذا الخصوص والبحوث والدراسات المقدمة لتعزيز التربية الوطنية قليلة ونادرة في ظل هجمات اعلامية وافكار عالمية هدفها تمزيق النسيج الاجتماعي واضعاف وقتل الروح الوطنية لابناء البلد، ان مشكلة الدراسة تطرح السؤال التالي

ماهو مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي ؟.

 

ثانيا:اهمية البحث

تعد التربية ركن من اركان الحياة الرئيسة، فهي عملية اساسية في تقدم الشعوب ونهضة الامم، اذ تتأثر بالعوامل الثقافية السائدة في المجتمع الذي يتبنى نمط تلك العملية التي تقوم باعداد الافراد في زمان ومكان معينين حتى يستطيعوا اكتساب المهارات وانماط السلوك المتنوعة التي تجعلهم قادرين على التفاعل مع بيئاتهم لذلك ينزع كل مجتمع الى الاستمرار والبقاء في تجاه الارتقاء والتطور اخذا الماضي بمحمل الجد وينقل للناشئين ارثه الحضاري (التميمي، 2007، ص7).

ان التربية دعوة للحياة، والحياة في جوهرها هي السلام مع الذات ومع الآخرين ومع البيئة المادية، ومن هنا فإن التربية الصحيحة تحقق السلام وتتراوح في مداها للسلام بين الدول والشعوب إلى الأفراد داخل الأسرة أو الجماعة وأخيراً إلى الإنسان نفسه، والسلام مطلب إنساني بدونه يعيش الإنسان في فزع وخوف يفقده اتزانه ويجعله يتعامل مع من حوله على أساس أنهم أعداء ويفقده صداقة الناس واحترامهم لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه فإذا فشل في التكيف، فإنه يفقد سلامه الاجتماعي ويشعر بالعزلة والتقوقع حول الذات (عزيز، 1998، ص18).

ان الدور التربوي للقران شيء عظيم وجليل فتأثيره في المسلم فوق كل تأثير اذ يعد الأطار المرجعي لشؤون الحياة الإسلامية كافة، وهو الأصل في تشريع الأحكام وتحديد التصرفات، وفيه بيان لكافة شؤون حياة الأنسان وأحوالها، وأشواقه وتطلعاتها وبدايته ونهايته وفيه العبرة، وبصفة عامة فهو المبدأ والأساس للفكر التربوي العربي الإسلامي.(أبوالعينين، 1983، ص33).

لم يجعل الإسلام مفهوم الوطنيّة مفهوماً قاصراً محدوداً، وقد كان الرّسول عليه وعلى اله الصّلاة والسّلام مثالاً للمحبّ لوطنه المنتمي له، فقد نادى وطنه معبراً بلسان المحبّ عن محبته له حين خرج مهاجراً من مكّة فقال " والله إنّك لأحب البقاع إلى الله وأحبّ البلاد إلى ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت أبدا "، (الترمذي، 2000، ج2، ص666) .

فانتماء المسلم لوطنه مطلوبٌ شرعا، فالمسلم حريصٌ على وطنه أشدّ الحرص فتراه يدافع عنه ضد أعدائه ويذود عن بيضته، ويحرص على نظافة طرقه وساحاته، فالوطنيّة هي مشاعر المحبة والولاء والعطاء التي يحملها الإنسان في قلبه اتجاه وطنه ويترجمها افعالاً واقعةً على الأرض .ان تصرف الأنسان في أطار دين الإسلام يدعوه الى الألتزام بمباديء الأيمان والتقوى والتوحيد والكرامة والحقوق والواجبات والتعايم الحسنة والعيش في وفاق وانسجام وهذا يأتي بفضل قيم ومعايير إسلامية موحدة توجه الفرد وتؤهله الى تلك المنزلة الرفيعة التي خلق ليعبد ربه سبحانه وتعالى الذي استخلفه في الأرض (الجسماني، 1984، ص226).

والوطنية تعرف بأنها تعبير يعني حب الفرد وأخلاصه لوطنه الذي يشمل الأنتماء الى ألأرض والناس والعادات والتقاليد والفخر بالتاريخ والتفاني في خدمة الوطن ويوحي هذا المصطلح بالتوحد مع الأمة. (منشد، 2014، ص281).

تعتبر الوطنية بأنها الشعور الجمعي الذي يربط أبناء الجماعة ويملأ قلوبهم بحب الوطن والجماعة . ان صفة الوطنية أكثر عمقا من صفة المواطنة، فالفرد لايكتسب صفة الوطنية الا بالعمل والفعل الصالح الى هذه الجماعة أو الدولة وتصبح المصلحة العامة لديه أهم من مصلحته الخاصة .(خير، 1998، ص3).

ان التربية الوطنية التي هي جزء اساسي من العملية التربوية تنمي وتقوي الولاء للوطن الذي يعيش فيه الفرد حيث ان الولاء للوطن يعد مهما في الحياة وعنصرا اساسيا في نمو شخصية الفرد بجوانبها الاخلاقية والسلوكية والعاطفية والنفسية، حيث توفر قاعدة وجدانية تحقق الامن والاطمئنان النفسي والاتزان الانفعالي والتفاؤل وحب الحياة وعدم النظرة اليها نظرة تشاؤمية، وتأكيد الهوية لما يوفره الاحساس الوطني من الشعور بالسعادة والرضا والقناعة والايمان ويخفف من وطاة الكوارث والازمات التي تعترض طريق الفرد، فيشعر الفرد بالاطمئنان وعدم الخوف او التشاؤم من المستقبل، من خلال اطار علاقة الانسان بوطنه التي تعد موجها لسلوكه في شتى مناحي الحياة، وفي كل مرحلة عمرية من حياة الانسان.(الحديبي، 2008، ص7).

وتأسيسا على ماتقدم يمكن ان نجمل اهمية الدراسة الحالية بالاتي

1- تعزيز وتقوية مفهوم التربية الوطنية في المجتمع وكذلك في المناهج الدراسية.

2- ان الدراسة الحالية تبرز الدور الكبير والمهم للتربية الوطنية وفق رؤية إسلامية باعتبارها ركيزة اساسية للحفاظ على البلد ولاسيما بعد بروز هيمنة العولمة والتي تتقدم بشكل كبير مستهدفة المجتمع بشكل عام وشريحة الشباب على وجه التحديد.

3- يمكن ان تفيد هذه الدراسة خصوصا اصحاب الاختصاص لتعزيز وابراز اهمية التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي وجعلها مقرر مهم في مختلف المراحل الدراسية.

4- تنمية الوعي بالحقوق والواجبات الوطنية وفقاً لمباديء الإسلام والأوضاع السائدة في المجتمع.

ثالثا: هدف البحث

يرمي البحث الحالي الى تعرف مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي.

رابعا: منهجية البحث

استعمل الباحث منهج بحث وصفي تحليلي

خامسا: حدود البحث

يتحدد البحث في معرفة مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي.

سادسا : مصطلحات البحث

تعريف المصطلحات

اولا:تعريف المفهوم:

يعريف سلامه المفهوم :بأنه فكره تختص بظاهرة معينه أو علاقة أو استنتاج عقلي يعبر عنها عادة بواسطة كلمه من الكلمات أو مصطلح معين (سلامة، 2004، ص53 ).

 

ثانيا : تعريف التربية:

لغة

التربية في معاجم اللغة العربية ترجع الى ثلاثة أصول لغوية هي: الأصل الأول ربا يربو بمعنى زاد ونما، الأصل الثاني ربي يربي ومعناها نشأ وترعرع، الأصل الثالث رب يرب بمعنى أصلحه، وتولى أمره وساسه وقام عليه ورعاه (الأزهري، 2001، ص196).

اصطلاحا:

هي تنشئة الفرد على الأيمان بالله ووحدانيته وتنشئته تبلغ أقصى ماتسمح به امكانياته وطاقاته حتى يصبح في الدنيا قادرا على فعل الخير لنفسه ولأمته وعلى الخلافة في الأرض وجديرا بالاخرة برضا الله تعالى وثوابه ( الأهدل، 2007، ص27).

ثالثا تعريف الوطن :

تعرفه آمنة حجازي بأنه بشكل عام قطعة الأرض التي تعمرها الأمة، وبشكل خاص هو المسكن فالروح وطن لأنها مسكن الإدراكات، والبدن وطن لكونه مسكن الروح، والثياب وطن لكونها مسكن البدن، فالمنزل والمدينة والدولة والعالم كلها أوطان لكونها مساكن (حجازي، 2000، ص 80).

رابعا: تعريف الوطنية

يعرفها اسماعيل: بانها الشعور الجمعي الذي يربط بين ابناء الجماعة ويملأ قلوبهم بحب الوطن والجماعة، والأستعداد لبذل اقصى الجهد في سبيل بنائهما، والأستعداد للموت دفاعا عنهما(اسماعيل، 1998، ص41).

خامسا :تعريف التربية الوطنية

عرفها المعيقل: هي ذلك الجانب من التربية الذي يشعر الفرد بموجبه بصفة المواطنة ويحققها فيه وهي ايضا تعني تزويد الطالب بالمعلومات التي تشمل القيم والمباديء والاتجاهات الحسنة وتربيته انسانيا ليصبح مواطنا صالحا ويتحلى في سلوكه بالأخلاق الحسنة ويملك من المعرفة القدر الذي يمكنه من تحمل مسؤولية خدمة دينه ووطنه ومجتمعه. ( المعيقل، 2004، ص79).

 سادسا : تعريف الفكر

يعرفه جعفر ياسين :بأنه العمل على مواجهة الحقائق والامور الواقعة للوصول الى الحلول المناسبة والملائمة لها.(ياسين1978، ص208).

ويعرفه السعيدي بأنه : حركة عقلية وقوة مدركة , يكتشف الانسان عن طريقها القضايا المجهولة لديه والتي يبحث عنها فتنمو معارفه وافكاره في الحياة.(السعيدي 2005، ص19)

سابعا: تعريف الفكر التربوي

يعرفه العمري: هو فلسفة قبل ان يكون اي شيء اخر، يتكون من افتراضات اساسية تلقي الضوء على انشطة الانسان العقلية وطبيعته الفطرية والبيئية، تتمخض عنها الأطروحات التربوية والمنطلقات التعليمية (العمري، 1992، ص81).

 

المبحث الاول: مفهوم التربية الوطنية

تنوعت محاولات تحديد مفهوم التربية الوطنية، لتشعب مجالاتها واتساع مضمونها، ومن هذه المحاولات ما يربط بين التربية الوطنية والعلوم السياسية، ومنها ما يربطها بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية، كما أن منها ما يركز بصفة خاصة على محددات العلاقة بين المواطن وبيئته، سواء كانت محددات نظامية قانونية أم اجتماعية، وبصرف النظر عن المحاولات المتنوعة لتحديد المفهوم، فالتربية الوطنية إطار مهم للتربية الرسمية في أي مجتمع من المجتمعات، ويركز هذا الإطار على إحداث الشعور العام بعضوية الفرد في الجماعة وانتمائه إليها، ودوره الفاعل تأثيراً وتأثراً بها، مما يدفع بالمواطن نحوالعمل الإيجابي المستنير من أجل الجماعة، وذلك فالتربية الوطنية إطار تربوي يهتم بمساعدة النشيء على اكتساب المفاهيم والمهارات والاتجاهات الضرورية للحياة الفاعلة في ربوع هذا الوطن ولاءا وانتماءا . (الزيد، 1996، ص75).

أن مفهوم التربية الوطنية يشير ايضا إلى ذلك الجانب من التربية الذي يشعر الفرد بصفة المواطنة ويحققها فيه، والتأكيد عليها إلى أن تتحول إلى صفة الوطنية، ذلك أن سعادة الفرد ونجاحه وتقدم الجماعة ورقيها لا يأتي من الشعور والعاطفة إذا لم يقترن ذلك بالعمل الايجابي الذي يقوم على المعرفة بحقائق الأمور والفكر الناقد لمواجهة المواقف ومعالجة المشكلات، فبهذا الجانب العملي تحصل النتائج المادية التي تعود على الفرد بالنفع والارتياح والسعادة، وعلى الجماعة بالتقدم والرقي  (اسماعيل، 1998، ص43).

تعرف التربية الوطنية بأنها عملية غرس مجموعة من القيم والمباديء والمعارف لدى الأفراد لتساعدهم على ان يكونوا صالحين قادرين على المشاركة النشطة في كافة قضايا الوطن ومشكلاته .(اللقاني، الجمل، 1999، ص37).

ويعرفها الجوهري بأنها نوع من التربية يستهدف تزويد الناشئة بمجموعة من المعارف والقيم والتوجهات السلوكية التي تمثل مباديء ضرورية لحياته وتواجده وعضويته في الجماعة التي ينتمي اليهم ويعيش معهم على ارض محددة التي تسمى بالوطن، وتحرص على اكسابهم الثقافة السياسية والمدنية للدولة من خلال احتكاكهم بالأنشطة التعليمية التي تتناول الجانب المعرفي والوجداني والمهاري والسلوكي للمتعلم، والتربية الوطنية تشمل تنمية كل هذه الجوانب من خلال اكساب النشيء المعارف والاتجاهات الضرورية للمواطنة الصالحة، وللتعليم دور مهم من خلال عملية التدريس والتعلم والخبرات في التربية الوطنية، وان الهدف الرئيس للتربية الوطنية هو اعداد مواطنين صالحين مسؤولين ومنتمين لمجتمعهم، قادرين على المشاركة الفعالة والنشطة في قضاياه وحل مشكلاته .(الجوهري، 2001، ص37).

وإذا كانت التربية بوجه عام، و التربية الاجتماعية بوجه خاص تشكل الحجر الأساس في بناء المواطن، فإن التربية الوطنية في الألفية الثالثة ينبغي أن تبنى على مبادئ عامة للحقوق والواجبات التي تمارس في إطار ديمقراطي شامل تتجسد في علاقة المواطن مع وطنه من جهة ودولته من جهة أخرى، بالإضافة إلى العمل على تشكيل الفرد الإنساني القادر على مواجهة الاجتياح العالمي والتكيف مع المجتمع الدولي والمشاركة في إرساء السلام العالمي. (حجازي، 2000، ص80).

إن التربية الوطنية مسلك مهم من مسالك البناء، فهي تزرع في نفوس الصغار كيف أن عزتهم وكرامتهم لا يمكن أن تتحققا إلا بعزة الوطن وإعلاء شأنه، ولذلك فإنها في المؤسسات التربوية تعد عاملاً مصيرياً ترتبط به المسيرة التنموية حاضراً ومستقبلاً، فعندما يتعلم الناشئة قيمة الوطن تعلو في نفوسهم قيمتهم، فالمواطن نواة الوطن، والوطن حصاد المواطن، ومن هنا تأتي أهمية التربية الوطنية التي هي عملية متواصلة لتعميق الحس والشعور بالواجب تجاه المجتمع، وتنمية الشعور بالانتماء للوطن والاعتزاز به، وغرس حب النظام والاتجاهات الوطنية، والأخوة والتفاهم والتعاون بين المواطنين، واحترام النظم والتعليمات، وتعريف المتعلمين بمؤسسات بلدهم، ومنظماته الحضارية، وأنها لم تأتِ مصادفة بل ثمرة عمل دؤوب وكفاح مرير، ولذا من واجبهم احترامها ومراعاتها. (الصائغ، 2002، ص214) .

 

نبذة عن التربية الوطنية وتطورها 

تلازم مبدأ التربية الوطنية بحركة نضال التاريخ الأنساني من اجل العدل والمساواة والأنصاف، وكان ذلك قبل أن يستقر مصطلح التربية الوطنية، وأخذ شكل الحركات الأجتماعية منذ قيام المجتمعات الزراعية في وادي الرافدين مرورا بحضارة سومر واشور وبابل وحضارات وادي النيل والصين والهند وفارس وحضارة الفينيقيين والكنعانيين وقد اسهمت تلك الحضارات وما انبثق عنها من ايديولوجيات سياسية في وضع أسس للحرية المساواة تجاوزت ارادة الحكام، فاتحة بذلك افاقا رحبة لسعي الأنسان لتأكيد فطرته، واثبات ذاته وحق المشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات، وتحديد الخيارات ن الأمر الذي فسح المجال للفكر السياسي الأغريقي ومن بعده الروماني ليضع كل منهما أسس مفهومة للوطنية.(الدجاني، 1999، ص5).

ان نشأة وتطور التربية الوطنية مر بمراحل واذا ما أردنا الحديث عن هذه المراحل فلابد ان ينطلق الحديث من تأملنا للتطور التاريخي، لحصول الفرد على حقوقه في حريته الفكرية والدينية والعقائدية والسياسية، وعلى هذا الأساس فأن الباحث سوف يتناول التطور التاريخي للتربية الوطنية لبعض الحضارات كالاتي:

 

1- التربية الوطنية في وادي الرافدين:

تعد حضارة وادي الرافدين خير مرجع للباحثين في أصل النظام السياسي وتطوره التاريخي، حيث انفردت باول ظهور لنظام دولة المدينة على أنه أول شكل من أشكال الحكم في التاريخ البشري، وظهرت في المدينة كلمة المواطن والمواطنة، فكانت المدينة أكثر من كونها تجمعا سكنيا أو قبليا. (باقر، 1986، ص326).

ان الاشوريين وفي مدارس اشور بنيبال تأثروا بوصايا أحيقار الفيلسوف العراقي، الذي كان حكيما وعنده اراء شبيهة بأراء لقمان الحكيم، لكن تعاقب الحروب أدى الى فقدان الكثير من التعاليم الاخلاقية. وقد دل مسح النصوص التي يمكن إرجاعها للألف الثالث قبل الميلاد إلى وجود مدارس رسمية في وادي الرافدين في فترة تسبق ظهور الأزمنة البابلية القديمة , كما ظهرت في عصر حمورابي مدارس لنسخ الكتب وتعليم الناشئة , ولقد أسست أول مدرسة في العالم في بلاد ما بين النهرين وغدا التعليم نظامياً في بلاد سومر حيث كان الطلاب يتعلمون مختلف العلوم كما كانوا يتلقون تربية تزرع في نفوسهم حب بلادهم والدفاع عنها. (رشيد، 2006، ص67).

 2- التربية الوطنية عند الفرس:

اقام الفرس أمبراطورية واسعة الأرجاء وحضارة راسخة شاطرت الروم في حكم الشرق، فقد أزدهرت حضارتهم في زمن الدولة الساسانية، منذ منتصف القرن الثالث قبل الميلاد.(شلبي، 2004، ص69).

كانت التربية الوطنية الفارسية تبدأ بالأسرة، وكان الأب له السلطة المطلقة في الأسرة الفارسية، وهو السيد المطاع، الذي يدرب أبناءه على الفضيلة وحب البلاد والاخلاص للأمبراطورية،، وأن يجعل منهم خدما نافعين للدولة، وأنهم كانوا يعلمون أبناءهم أمور منها حب الأمبراطوية الفارسية وركوب الخيل ورمي السهام وقول الحق، وكانوا يتعهدون فيه جملة من الصفات الخلقية الحميدة، كالطاعة، ومحبة الاباء، والعدل والشجاعة، والتعلق بالشرف، وكان أبناء الفقراء لايتلقون الا تربية محدودة جدا، وكان التعليم النظامي يبدأ في سن السابعة، ولم يكن منهج الدراسة واحدا للجميع، فمنهاج المحاربين يضم الدين والقراءة والكتابة والتربية البدنية والتضحية من أجل الوطن بنحو اخص، ومع ذلك استطاعت تلك التربية ان تحقق نتائج قيمة، فعرفت فارس العديد من الكتاب والشعراء الكبار على مر العصور، كما استطاعت أن تكون قوة عسكرية ذاع صيتها، ومكنت للأمبراطورية الفارسية ووسعت حدودها. (أبوخليل، 2002، ص54).

3- التربية الوطنية عند الرومان

تعد الحضارة الرومانية من أعظم حضارات أوربا بعد الحضارة اليونانية، وقد عرفت هذه الحضارة نظما ادارية، ومدنية جديدة على البشرية، أن الرومان كانوا يقرون باليونان بنوعية فكرهم واسلوبهم وفي التربية الخلقية كذلك، بل ينظر أليهما انهم قادة التربية الرومانية، كان جوهر التعليم عندهم البحث عن الفضيلة، وكانت تربية نفعية خالصة، وواقعية تهدف الى دمج الفرد بمجتمعه، والى تكوينه كمواطن صالح يتمتع بالروح الوطنية، والاخلاص لعادات الاجداد وتقاليدهم.(السرجاني، 2010، ص299).

ان التربية الوطنية والمواطنة منحت للمواطنين الرومان امتيازات قانونية على درجة عالية من الاهمية، منها اختصاص المحاكم الوطنية في روما وحدها بمحاكمة المواطن الروماني وعدم احقية المحاكم في اية مدينة اخرى بمحاكمته، وفي هذه المرحلة اتصفت الوطنية او المواطنة بعدم المساواة بين افراد الشعب الواحد في المدينة . اما في المرحلة الثانية فقد أصبح معيار الولاء وليس السكن، هو الاساس في اتصاف الفرد بالوطنية، فأصبح كل ابناء الشعوب الخاضعة للامبراطورية الرومانية مواطنين فيها وأختفى التمييز بين الروماني وغيره من سكان الاقاليم المفتوحة. وبأعتقاد بعضهم ان السبب في هذا يعود الى رغبة السلطة في تعزيز الولاء لروما، اذ ان مفهوم الوطنية لم يعد ارتباطا بالمشاركة السياسية، كما هو الحال في دول المدن اليونانية، وانما ارتبط بالواجب العام ن والوطنية بهذا المعنى تحدد عملية الحياة الجادة وتسعى للافضل للكائن البشري الذي يطمع الى النبل والكمال.(كليفورد، 1984، ص103)

4- التربية الوطنية في العصور الوسطى:

لقد شهدت هذه الفترة ظهور صراع بين السلطة الروحية المتمثلة بالكنيسة والسلطة المدنية المتمثلة بالدولة، كماتميزت هذه الفترة بسلطة رجال الدين المسيحي التي احدث تغيراً واضحاً في الحياة الاجتماعية في أوربا وقد تبع هذا التغيير تغير في النظرة التربوية الوطنية وأهدافها، حيث تميزت التربية المسيحية في البدء بنظام رهباني صارم يشتمل على قدر من العلم والعمل اليدوي وكانت تتبع كل دير تقريباً مدرسة تقبل الأطفال في سن العاشرة وتستمر الدراسة فيها ثمان سنوات، يتعلم التلاميذ أثناءها القراءة والكتابة وبعض المبادئ البسيطة في حب المواطنة وكذلك تعلم شيء من النحو والمنطق والبلاغة والحساب والهندسة والفلك والموسيقى، ومن ابرز اهداف التربية المسيحية إعداد الفرد المسيحي لمعرفة الرب و تدعيم المثل الإنسانية.(الأسمر، 1997، ص104).

لقد تراجعت التربية الوطنية من الناحية التطبيقية خلال العصور الوسطى في اوربا، ويعود هذا التراجع الى أمور معينة منها هيمنة الجانب الديني المتمثل بالكنيسة على تقاليد السياسة خلافا للعصور السابقة، اذ أرتبطت التربية الوطنية بالمسالة الدينية، فتميزت هذه الحقبة بالصراع القائم بين السلطة الروحية المتمثلة بالكنيسة والسلطة المدنية المتمثلة بالدولة، لقد كانت الكنيسة مستقلة عن النظام السياسي ولم يعد الدين في خدمة الدولة بل أصبح له طموح في قيادة المجتمع ومنافسة الدولة في تشكيلة ادارة شؤونه . وبعد اعتناق الأمبراطور قسطنطين المسيحية لاول مرة ظهر مايعرف (بابوية القيصر) التي تعني دمج الدين بالدولة.(ارنبيرغ، 2007، ص12)

بعد ان أصبحت المسيحية دين الدولة الرسمي وطبقا لذلك فأن مفهوم التربية الوطنية شهد تطورا من ناحية الكم في حين أنحسر من جانب اخر في بداية الأمر، اذ ارتبط المفهوم بالمسألة الدينية، فالمسيحي هو المواطن من دون غيره من أبناء المدن والأمبراطوريات ذوي الأنتماءات الدينية الأخرى كاليهود، وحصرت الحقوق والأمتيازات بالمسيحيين دون غيرهم.(عاقل، 1978، ص133).

وبهذا فأن مفهوم التربية الوطنية في العصور الوسطى ظل يعكس النظرة الضيقة للأنسان من خلال اعتماد معايير المشاركة السياسية أو الانتماء الديني او الاقتصاد باستثناء مرحلة معينة من تاريخ الامبراطورية، فقد أصبح المفهوم سياسيا وأتسع لكل من يدين بالولاء لهذه الدولة من خلال الخضوع لأقليم تابع لها.( الصاوي، 1999، ص240).

 

مفهوم التربية الوطنية في الإسلام

التربية الوطنية من وجهة نظر الإسلام هي عبارة عن نوع مـن التربيـة يهـتم بتوعية المواطن المسلم بحقوقه وواجباته تجاه الاخرين وتبصيره بحدود وطبيعة علاقته معهم والقائمة على أساس حب الوطن والانتماء إليه والتضحية من أجله. (القبانجي، 1997، ص32).

تستمد التربية الوطنية الإسلامية توجهاتها وفلسفتها وغاياتها من الشريعة الإسلامية، سواء كان في اطارها النظري أم في تطبيقاتها العملية، فهي تربية هادفة لاعداد المواطنين في الأمة الإسلامية، سواء تمت في مؤسسات نظامية كالمدارس والجامعات أم غير نظامية كالمنزل ووسائل الأعلام . (النقيب، 1997، ص184).

أما التعريف الإسلامي للمواطنة فينطلق من خلال القواعد والأسس التي تنبني عليها الرؤية الإسلامية لعنصري المواطنة وهما الوطن والمواطن وبالتالي فإن الشريعة الإسلامية ترى أن المواطنة هي تعبير عن الصلة التي تربط بين المسلم كفرد وعناصر الأمة، وهي الأفراد المسلمين، والحاكم والإمام، وتُتوج هذه الصلات جميعاً الصلة التي تجمع بين المسلمين وحكامهم من جهة، وبين الأرض التي يقيمون عليها من جهة أخرى. وبمعنى آخر فإن المواطنة هي تعبير عن طبيعة وجوهر الصلات القائمة بين دار الإسلام وهي وطن الإسلام وبين من يقيمون على هذا الوطن أو هذه الدار من المسلمين وغيرهم (هويدي، 1995، ص 13).

تهدف التربية الوطنية الإسلامية الى تقوية الروابط والعلاقات بين المواطنين المنضوين الى الإسلام، على أسس العدل ورفع الظلم، وتحقيق المصالح العامة أولا، وبذل الجهد في أتباع تعليمات السلامة العامة والحفاظ على الأمن والأستقرار والتطور للمجتمع الإسلامي في سائر الأوطان الإسلامية عامة، فالإسلام يدعو الى التناصر بين المواطنين، بعيدا عن تناصر الجاهلية العمياء التي تقوم على العنصرية والعصبية للقبيلة او الدم او الفئة. (الغزالي، 1986، ص168).

ويمكن تحديد اهداف التربية الوطنية الإسلامية بما يأتي:

1- اكساب المتعلم مبادئ الوطنية الفاعلة، حتى يتمكن من المشاركة والأسهام الجاد في خدمة مجتمعه وأمته الإسلامية.

2- تبصير المتعلم بالمفهوم الإيجابي للوطنية المنطلقة من التصور الإسلامي، بعيـداً عـن المفاهيم الجاهلية القائمة على العصبيية. والطائفية المقيتة.

3- تعزيز مفهوم الانتماء الصادق للوطن لدى المتعلم بما لا يتنـاقض مـع ولاءه وانتسابه للإسلام.

4- توعية المتعلم بطبيعة علاقته مع الآخرين من حوله وتدريبه على الوفاء بمتطلباتها فـي ضوء مبادئ الإسلام وقيمه النبيلة.

5- تبصير المتعلم بحقوقه وواجباته تجاه وطنه.(ابودف، 2004، ص252).

 لقد ظهر الدين الإسلامي بمثابة منظومة فكرية سماوية شاملة ورحمة للبشرية بأمانة المبلغين وقادة رسالته على مدى القرون التي خلت. (بكر، 1983، ص61).

شكل ظهور الإسلام تحولا لمفهوم الوطنية الذي أرتبط بمجموعة من المفاهيم الأساسية في النظام الإسلامي تمثلت بالحرية والمساواة والعدل، بين أفراد الجنس البشري، وتكمن الوطنية في الإسلام بعلاقتين أساسيتين تتناسب تناسبا طرديا، حيث علاقة الأنسان بالخالق تعالى وعلاقة الأنسان بأخيه الأنسان، وجاء الإسلام بقيم ومفاهيم عن الحياة والأنسان والعلاقات الأجتماعية، وعد الإسلام التقوى في ميزان التفاضل بين الناس فالإسلام يقوم على الأخوة الدينية، فالمسلم يرتبط مع أخيه المسلم بروابط فوق الزمان والمكان.(الصدر، 2014، ط2، ص209).

لم يجعل الإسلام مفهوم التربية الوطنيّة مفهوماً قاصراً محدداً،، وقد كان الرّسول الكريم(ص) مثالاً للمحبّ لوطنه المنتمي له، فقد نادى وطنه معبراً بلسان المحبّ له حين خرج مهاجراً من مكّة فقال " والله إنّك لأحب البقاع إلى الله وأحبّ البلاد إلي ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت أبدا " (البخاري، 2012، ج2، ص666).

والتربية الإسلامية تتعامل مع المسلم باعتباره صاحب عقيدة ومؤمن برسالتها، اينما وجد هذا المسلم فالمباديء الإسلامية لاتعمل في فراغ، بل انها تتفاعل مع ماغرسه تعالى من فطرة في طبيعة الأنسان، والتربية الإسلامية عملية تفاعلية، لأن الوجود الذي يمارس فيه الفرد نشاطه حقيقة تفاعلية موضوعية لا فكرة خيالية مجردة.(حسونة، 2007، ص139).

تكمن اهمية التربية الوطنية في الإسلام في أنها عملية متواصلة لتعميق الحس والشعور بالأنتماء للوطن والأعتزاز به، وغرس حب النظام والاتجاهات الوطنية، والأخوة والتفاهم والتعاون بين المواطنين، واحترام النظم والتعليمات، والشعور بالواجبات تجاه الوطن وتعريف الأفراد بمؤسسات بلدهم، ومنظماته الحضارية، ومن واجبهم احترامها ومراعاتها، كما أن أهداف التربية الوطنية لاتتحقق بمجرد تسطيرها وادراجها في الوثائق الرسمية، بل ان تحقيق الأهداف يتطلب ترجمتها الى اجراءات عملية وتضمينها المناهج والمقررات الدراسية.(حسن، 2013، ص44).

 ان انتماء المسلم لوطنه مطلوبٌ شرعا، فالمسلم حريصٌ على وطنه أشدّ الحرص فتراه يدافع عنه ضد أعدائه في الشدائد، ويحرص على نظافة طرقه وساحاته في ايام واوقات راحته وصعابه، فالوطنيّة هي مشاعر المحبة والولاء والعطاء التي يحملها الإنسان في قلبه اتجاه وطنه ويترجمها افعالاً واقعةً على الأرض . (الحمصي، 2010، ص103)

ان التربية الوطنية في الإسلام تهتم بتنمية اسس التعاون والمشاركة وعدم الاضرار بالغير، او التعدي عليه او على ممتلكاته، حتى يصبحوا كالجسد الواحد ن كما ورد في حديث الرسول الشريف (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). (مسلم، 1991، ح2586، ص481).

كما أن الشريعة الإسلامية الغراء بصلاحيتها لكل زمان ومكان وبمعالجتها كافة القضايا في مختلف المجالات، جاءت لتقرر مفهوم الوطنية والمواطنة الذي يعيش تحت سقفه الجميع من كل الملل والنحل، وتؤكد ان الإسلام دين للعالمين جميعا، يمكن تحت ظل دولته ان يعيش الناس في مواطنة يعتزون بها، أساسها التقوى والعدل والأمن والأحترام المتبادل بين جميع المواطنين، وخير انموذج لهذه الدولة هو ذلك المجتمع الإسلامي.(الحمصي، 2010، ص105).

لقد أعتنى الإسلام بجميع شروط ومباديء الوطنية الكاملة بصورة واضحة، شملت الحقوق والواجبات لكل من المواطن والمجتمع والدولة، حيث تم تأكيد المحافظة عليها، وحرم الاعتداء عليها في ضؤ الأدلة العقلية والنقلية وقد اكد الإسلام على كرامة الأنسان من خلال تقديس حقوقه، عندما عدت ضرورات، ومن ثم أدخلها في أطار الواجبات، فلا سبيل لحياة الأنسان من دونها، فأقام دعائمها وبين أركانها وأسسها، كما حدد أهميتها وأهدافها في جميع مجالات الحياة المختلفة، ويقرر الإسلام ان العواطف والمشاعر والاحاسيس نحو امر ما يعد فطريا وغريزيا لاتعارضه العقيدة الإسلامية الصحيحة، فالعلاقة بين الإسلام والوطنية هي علاقة ارتباط وامتزاج ووئام، بل تعد ضرورة، لأن الدين الحنيف لايقوم الا على أرض او وطن. (عمارة، 2005، ص164).

ان الإسلام نهى عن العصبيّة والقبليّة ودعوى الجاهليّة، فقد كان الكفّار في الجاهليّة يفتخرون بقبائلهم وأنسابهم وربما حصلت بينهم الحروب الضروس لأجل ذلك، وعندما تداعى الأوس والخزرج وافتخر كلّ منهم بنسبه وحاله حتى كاد الشيطان يوقع بينهم البغضاء، نهاهم الرّسول صلّى الله عليه واله وسلّم عن ذلك مبيناً أنّ ذلك من دعوى الجاهلية ونتنها، فلا فضل في الإسلام لغني على فقير أو عربي على أعجمي، فقد صهر الإسلام الجميع في بوتقة المحبّة و المساواة و الوئام و بيّن أنّ معيار المفاضلة بين البشر هو معيار التّقوى و الإيمان في قلوبهم. (الغزالي، 1986، ص169).

ويدعو الدين الإسلامي الى محاسن الأخلاق، بل أقر الأخلاق الرفيعة والكريمة في الجاهلية، وهذا يدل على ان نظرة الإسلام لبقاء الامم وأزدهار حضارتها ومنعتها يكمن في مدى تمسك مواطنيها في كافة شؤونهم الحياتية بأتباع الاخلاق الكريمة التي تعكس السلوك الحضاري للشعوب، فأن سقطت أو أنحرفت هذه الأخلاق فأن الدول ستتجه للسقوط والتفكك. (موسى، 2005، ص34).

لقد جعل الإسلام للمواطن الصالح و الفاعل سمات لأن مجرد ولادة أي شخص في وطن ما ونشأته بين سكانه وحمله لجنسيته لا يكفـي لجعل ذلك الشخص مواطناً صالحاً، بل إن المواطنة الصالحة، تقتضي أن يتحلى المـواطن بمجموعة من الصفات التي تجعله منتجاً فعالاً صالحاً لخدمة وطنه في حدود إمكاناته وقدراته الخاصة . (الشيباني، ١٩٩١، ص ٣٥).

 تقوم الرؤية الإسلامية على أن الأمة جماعة متوحدة فكريا وسلوكا، والأمة أشارة الى أنتماء حيث تؤكد الايات الكريمة ان العلاقة بين ابناء الوطن الواحد قائمة على قيم التعاون والعدل والتناصح وحب الخير للاخرين وكل سلوك يرضي الله تعالى، وهكذا يقرر القران الكريم دستور الإسلام الذي ينص على ان البشرية من اصل واحد تجمعهم اخوة الأصل الواحد، وهذا يستدعي التراحم والحب والتعايش على البر والتقوى، ولو فهم الناس هذا وعملوا به لاختفت العصبية الجاهلية والتمايز الجنسي واللوني والعرقي، واتحدت البشرية في وحدة واحدة، وحدة انسانية متعاونة متعايشة متالفة تبنى لصالح الانسان، وترتكز هذه العلاقة على قاعدة الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين والفاسقين، ولوحظ كذلك في القران الكريم ان خطاب الرسول(ص) لم يوجه لقوم بعينهم كما لم ينسب نفسه الى قوم ما وأنما كان موجها للناس جميعا كما بين تعالى في قوله الكريم (قل يا أيها الناس انما انا لكم نذير مبين).(الحج49). فارسل الى الناس كافة ليخرج عباد الله جميعا من عبادة العباد الى عبادة الله وحده ومن هنا لم يكن خطابه لأمة دون أمة ووطن دون اخر ولكن كان موجها للنفس البشرية.(الندوي، 1990، ص118-119).

 

اولا: الاستنتاجات:

في ضوء عرض مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تم التوصل الى:

1- التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تهدف جميع افراد المجتمع دون التمييز بين دياناتهم وقومياتهم ومذاهبهم.

2- التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي هدفها بناء مواطن سليم وبالتالي بناء مجتمع متحاب ومتعاون.

3- للتربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي أثر كبير في ارساء السلام والمحبة.

4- التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تدعو الى احترام الانسان واحترام حقوقه.

5- ان الفكر العربي الإسلامي قدم لنا قواعد واسس قوية لتربية وطنية سليمة.

6- ان التربية الوطنية السليمة تزيد من قدرة الفرد على تقدير القانون واحترامه والالتزام به.

7- تساعد التربية الوطنية على غرس حب الوطن في نفوس الناشئة والشباب ليزدادوا اعتزازاً بوطنهم مع العمل من أجل تقدمه وإعلاء شأنه والذود عن حياضه

ثانيا:التوصيات :

بناء على ماتوصل اليه الباحث من استنتاجات فأنه يوصي:

1- من المهم والضروري جدا ان تقوم وزارة التربية بتضمين اسس ومباديء التربية الوطنية في مناهج الدراسة ولكافة المراحل.

2- ضرورة ان ينتبه القائمون على المناهج الدراسية في العراق الى اهمية وخطورة التربية الوطنية واعطاء أولوية لها، لان التربية الوطنية جوهر ومفتاح اصلاح البلد وفي جميع المجالات.

3- من المهم ان تقوم كل مؤسسات الدولة بوضع خطط وبرامج لزرع ثقافة تربية وطنية سليمة عند المواطن.

4- تكثيف الدعوات وعقد المؤتمرات والندوات والحلقات النقاشية حول اهمية التربية الوطنية ودورها في بناء المجتمع.

5- الانتباه الى ان التربية الوطنية ضرورة ملحة للوطن في ظرفه الحالي لذلك يجب عدم اهمالها .

5- الرجوع الى القران الكريم والسنة النبوية الكريمة وائمة اهل البيت عليهم السلام والصحابة المنتجبين رضوان الله عليهم والاخذ بالمبادي وقيم التربية الوطنية السليمة التي جاءت بها هذه المصادر الفاضلة

ثالثا:المقترحات :

يقترح الباحث ما ياتي :

1- ضرورة القيام بدراسات كثيرة عن التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي، ومقارنة نتائجها وموازنتها مع الدراسة الحالية.

2- اجراء دراسات وطنية تتناول اعلام الأمة من اجل تحفيز الشباب وتنمية حبهم لوطنهم وامتهم.

  

د. قاسم بلشان كاظم التميمي

 

التعلق اليقيني بالكتب السماوية يحتاج إلى مدخل يتطابق في تراكيبه مع التلاوة الصحيحة التي تقوم أركانها على مقدمات أساسية بعيدة عن السطحية، أما إذا اتخذ الإنسان ما يخالف هذا النهج فمن الطبيعي أن يجانب الثوابت المثالية التي يتطلع من خلالها إلى معرفة الكليات البديهية المحتواة في الكتب المنزلة من الله تعالى، وههنا تحدث الإشكالية المنسوبة لتلك الكتب والتي يتحدد على ضوئها المقدار الخاطئ الملازم للبراهين الجزئية التي تمهد السبيل لتدبر الأحكام المتفرقة في الكتب المشار إليها، وتأسيساً على ذلك يمكن تقسيم الذين يتلون كتاب الله إلى قسمين، يختص الأول في التلاوة الخالية من العمق المعرفي المحيط بالألفاظ المبينة للمعاني، ولا يخفى على المتلقي أن هذا النهج سوف يؤول بأصحابه إلى الكفر والإعراض عن المفاهيم السليمة، أو أن يبقى أتباع هذا القسم في دائرة الشك وذلك أضعف الإيمان، ومن هنا يتسلل إلى قلوبهم التفريق بين المعطيات الإلهية وما دونها من المعطيات السلبية وبالتالي يصل كل واحد منهم إلى مرحلة عدم البيان في الاعتقاد الذي كان يأمل في الحصول عليه من خلال التلاوة، وكما ترى فإن هذا المطاف يمكن أن يؤدي به إلى الهلاك بدلاً من السير في الطريق الموصل إلى الهدى.

أما القسم الثاني فهؤلاء هم الذين يتلون الكتاب وفق أسس علمية رصينة ما يجعلهم أقرب إلى فهم الحقيقة الكلامية المنزلة من الله جل شأنه، وقد تتفرع على هذين القسمين مجموعات أخرى منهم من التزم الأخذ بالمصاديق دون إرجاعها إلى المفاهيم العامة وإن شئت فقل دون إرجاعها إلى الكبرى من حيث الفهم التدريجي ومنهم من اتخذ العكس، وقياساً إلى هذين الاتجاهين نستطيع أن نجعل التعليلات آيلة إلى أحد أمرين أولاهما ناشئ عن عدم الإيمان بالمعارف اليقينية للتلاوة، أو الاعتماد الموافق للبلاغة وكذا ما يتفرع على الكتاب من المواقف العلمية المثيرة التي لا تخرج عن المفهوم النظري للألفاظ دون المعاني ما يجعل الأغراض المتخذة من قبل أصحاب هذا الأمر في منأى عن التجديد، وبهذا تقع الأعباء على فهم الكتاب ظاهراً دون الحقيقة التي ترد إلى أصل الحجب الخارجية التي تحول بين القارئ والمراعاة المنهجية للتلاوة، وبهذا القدر يمكن القول إن من كان هذا ديدنه فمن الضروري أن يتم إدخاله ضمن أولئك الناس الذين أدت بهم التلاوة إلى الكفر بدلاً من الإيمان، وثانيهما يرجع إلى معنى التلاوة الحقة التي تأخذ بأيدي مريديها إلى بر الأمان بعيداً عن الفئة الأولى، كون الذين اعتمدوها أقروا بمبادئ الفهم الإيماني دون تعصب أو تعقيد.

من هنا نعلم أن كلا القسمين قد اعتمد الدخول إلى أصل الكتاب إلا أن التباين قد حدث في نوعية الحجب التي ابتلي بها كل فريق منهما، وبناءً على هذا المفهوم نستطيع إبعاد الصنف الأول الذي لم ينتفع بالتلاوة ونجعل اهتمامنا منصباً على الصنف الثاني، وبذلك يمكن تقسيم هذا الصنف إلى مجموعات كثيرة تتفاوت لديهم المعرفة بين التلاوة اليقينية وما دونها من التلاوات التي لا تقف على وجه تطبيقي، ونظراً لهذا التباين نرى أن التقسيم قد آل إلى الاعتقاد الراسخ لدى الإنسان الذي يعمل جهده من أجل الوصول إلى ما يروم إليه من الإيمان الناتج جراء تلاوته إذا ما علمنا أن فقده لأسس المعرفة يحول دون مبتغاه، وعند وصوله إلى هذه المرحلة يصبح مأموراً بالفقرات الاستطاعية التي من أهم مصاديقها تيسير القرآن عند التلاوة كما في قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) القمر 17. مع تكرار الآية عدة مرات في نفس السورة. ومن تلك المجموعات تتفرع مجموعات أخرى من القراء الذين تصعب عليهم التلاوة لأعذار معاشية أو مرضية وكذا من يقاتل في سبيل الله، وقد خاطب سبحانه هؤلاء بقوله: (فاقرؤوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر منه) المزمل 20.

وبناء على ما ذكرنا يمكن أن نجعل جميع الأقسام مندرجة تحت أصل المفهوم الذاتي للاستطاعة والذي قد تتطابق أغراضه بالتلازم مع الواجبات المفروضة على الإنسان، ومن هنا يمكن تقسيم تلك الواجبات إلى قسمين، يتمثل أولهما في التقوى المستطاعة وإن كان ملاكها الضعف، أما الثاني فيأخذ الجانب الأقوى منها ويشهد للأول قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) التغابن 16. ويشهد للثاني قوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) آل عمران 102. ويتناسب هذا المعنى مع التصورات الفلسفية التي تبين للإنسان معنى الجهاد في سبيل الله تعالى وبنفس القدرة المفروضة في التقوى وكذا ما يرجع إليها من أقسام، ولهذا خاطب الحق سبحانه القسم الأول بقوله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) الأنفال 60. أما القسم الثاني فقد خاطبهم بقوله: (وجاهدوا في الله حق جهاده) الحج 78.

من ذلك نستطيع القول إن للتلاوة درجات تعتمد في مدلولها على التدبر المناسب لمعاني كتاب الله تعالى من أجل الوصول إلى مقومات الإيمان الأساسية، ما يجعل الإنسان يسير في الاتجاه الصحيح للعقيدة السليمة دون الاعتماد على الفهم السطحي الناتج عن قواعد التجويد، كون للتأمل الصادق وجوهاً أخرى خارجة عن المدلول اللفظي الذي لا يتعدى حدود الأساليب المتعارف عليها، وبهذا نعلم أن التلاوة تتضمن معنى الفهم الحقيقي الذي يدعو إلى الإيمان إذا علمنا أن ليس هناك ما يفرق بين تلاوة القرآن والكتب الأخرى التي لم يطالها التحريف، وقد تطرق الحق سبحانه إلى وصف تلك الكتب بأبلغ الأوصاف كما في قوله: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) المائدة 44. وكذا قوله: (وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور) المائدة 46. وقد ذكر تعالى تصديق القرآن الكريم لتلك الكتب بقوله: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه) المائدة 48.

من هنا نستشف معنى زيادة الإيمان الناتجة عن التلاوة الصحيحة سواء قام بها الإنسان بنفسه أو إذا تليت عليه، وهذا ما يفهم من منطوق قوله سبحانه: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون) الأنفال 2. ويقابل هذا المعنى قوله تعالى: (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) آل عمران 101. وبالتلازم مع ما قدمنا نلاحظ أن القرآن الكريم قد أثنى على أهل الكتاب الذين يتلون آيات الله حق تلاوتها، وذلك في قوله عز من قائل: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون... يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين... وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين) آل عمران 113- 115. وقد قابل تعالى هذا الصنف المحق بصنف آخر وذلك في قوله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا) الحج 72. وسيتضح الفرق بين الفريقين من خلال تفسير آية البحث.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) البقرة 121.

الكتاب: اسم جنس يقع على الواحد والجمع، وقد ذكر في القرآن الكريم على وجوه أهمها:

أولاً: الفرض: كما في قوله تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) النساء 103.

ثانياً: الأجل: كما في قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) الحجر 4.

ثالثاً: الحجة والبرهان: كما في قوله تعالى: (فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين) الصافات 157.

أما الكتاب بمعنى القرآن فقد ورد في مواضع كثيرة منها عطف العام على الخاص أو العكس، إلا أن أظهرها ما ذكره تعالى بقوله: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين... قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) الأحقاف 29- 30. وبهذا يظهر زيف من أراد التفريق بين معنى الكتاب والقرآن.

أما التلاوة فلها معنيان:

الأول: القراءة: كما في آية البحث وكما في قوله تعالى: (فالتاليات ذكراً) الصافات 3. وكذا في الآيات التي مرت عليك في معرض حديثنا قبل الدخول إلى تفسير آية البحث.

الثاني: الاتباع: كما في قوله تعالى: (والقمر إذا تلاها) الشمس 2.

من هنا نفهم أن آية البحث تشير إلى أهل الكتاب من اليهود والنصاري، وقد تحدثت عن قسمين:

القسم الأول: الذين يتلون الكتاب حق تلاوته: أي تلاوة تتسامى فيها المعاني دون الألفاظ، وبهذا يصلون إلى التفريق بين الحق والباطل أو الحلال والحرام وكذا الوصول إلى الدلائل التي تميز لديهم العام من الخاص أو المطلق من المقيد وكذا المحكم من المتشابه والناسخ من المنسوخ وما إلى ذلك، أما إذا حملنا الآية على ما في كتبهم فالضمائر لا تقبل الانطباق إلا على شخص النبي (ص) والمعنى الأول أظهر بشهادة السياق، وبناء على ما قدمنا تكون التلاوة الحقة قد أخذت بأيديهم إلى الإيمان بالكتاب المتلو أي المقروء.

القسم الثاني: هم الذين لم تنفعهم التلاوة: ويمكن معرفة هذا المعنى من خلال مفهوم الآية إذا أخذنا بقاعدة الاحتباك، وذلك لاهتمامهم بالتلاوة الشكلية التي تعتمد على الحفظ وما يؤول إليه من قواعد القراءة، وأنت خبير بأن هذا العمل قد لاقى انتشاراً واسعاً لدى فئات كثيرة من المسلمين الذين يبذلون أموالاً طائلة من أجل فتح المدارس التي تعنى بهذا الشأن، دون مبالاة بالتفاصيل المنهجية التي يحث عليها الكتاب، وبهذا يكون مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً... فتأمل ذلك بلطف. 

 

 من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

              عبدالله بدر اسكندر   

 

 

 

 

ملخّص: هذه محاولة لتسليط الضوء على ظاهرة قديمة وحديثة اسمها انقراض (اندثار، موت) اللّغات ونادرًا ما يعرف المثقّف العربي عنها شيئًا ذا بال. يعود اهتمامي بهذا الموضوع إلى عقد من الزمان تقريبًا، إثر مطالعتي لمقالة قصيرة بالفنلندية. شهدت نهاية القرن الماضي اهتمامًا عالميًا ملحوظًا بهذه الظاهرة نتيجةً لوتيرة متسارعة في عملية اندثار اللّغات، موت لغة كل أسبوعين. هذا يعني أن نصف لغات العالم، ٣٥٠٠ لغة، ستندثر حتى نهاية القرن الحادي والعشرين.

طُرحت في هذه المقالة مجموعة من الأسئلة والمواضيع ونوقشت في خلال فترات متنوّعة بناءً على مصادرَ أجنبية بمعظمها ذُكرت في النهاية لمن يودّ الاستزادة والتعمق في هذا المجال. هذا الموضوع لم يحظ حتى الآن بما يستحقّه من بحث وتحليل باللّغة العربية. ما تعريف اللّغة المنقرضة؟ ما هي العوامل الداخلية والخارجية المؤدية في آخر المطاف إلى هذا الانقراض؟ قد يكون لهذا الانقراض نفس نتيجة الانتحار أو القتل وهو بمثابة إفقار حضارة عمرها قرون من الزمان (Denison, 1977، المسدي، ٢٠١١).

من المحزن التنويه بأنّ هذا الانقراض يحدث عادة للشعوب الفقيرة والنامية، والتي تكون بالطبع في أمسّ الحاجة لمواردها الثقافية وعلى رأسها اللّغة من أجل البقاء. أتينا بقائمة مختارة من اللّغات المحتضرة في مناطقَ مختلفة في العالَم. لماذا يتوقّف استعمال لغة معيّنة أو لماذا يهجرها متحدّثوها الأصليون ويتحدّثون بلغة أخرى؟ كما هي الحال لدى معظم العرب الفلسطينيين في إسرائيل. أين يكمن التهديد الشديد بالاندثار؟ما العمل من أجل الحفاظ على هذه اللّغات؟ هل إحياء اللّغة ممكن وكيف؟ ما دَور نفوذ القوى الاستعمارية الأوروبية في غضون القرون الماضية؟ أهناك علاقة بين اندثار لغة ما وبنيتها النحوية _ فاعل ففعل فمفعول به؛ فاعل فمفعول به ففعل؛ فعل فمفعول به ففاعل؛ ومفعول به ففاعل ففعل؟ أو هل ثمّة صلة بين التعقيد اللغوي والانقراض؟ ما المقصود بالتوازن اللغوي؟ ما مصير اللّغة العربية المعيارية الحديثة (Modern Standard Arabic = MSA)، مثلاً بعد نضوب النفط العربي؟كيف ستكون طبيعة العربية الفلسطينية في إسرائيل في نهاية هذا القرن فيما إذا استمرّت موجة العبرنة والتعبرن وتفاقمت؟ بعض الاقتراحات والتوصيات من أجل الحفاظ على العربية في الديار المقدّسة بخاصّة (مواسي، ٢٠١٣؛ عطالله، ٢٠٠٤).

 

اللّغة عامّة واللّغة المنقرضة

إن أوضحَ ميزة فارقة بين الإنسان وسائر الكائنات الحيّة هي اللّغة، شجرة نسب الأمم، وقد عُرِّف الإنسانُ في حقبة تاريخية معينة بـ “الإنسان المفكّر، الحيوان الناطق” (ابن رشد، ١٩٩٤، ص. ٩٢, Firth, 1966, pp. 19-23). من قبيل المستحيلات تصوّر إمكانية التعبير عن فكر ما بدقّة وشمولية وعمق دون اللجوء إلى الكلمات. تُعتبر اللغةُ أروع أداة ٱخترعها الإنسان (Pinker, 1994) وهناك من يذهب إلى أن اللّغة من صنع إلاهي، إلهام لا اصطلاح (ابن جني، ١٩٥٢، ص. ٤٠-٤٧) قبل مليون سنة تقريبا وبُدِیء بالكتابة بها قبل خمسة آلاف عام (الكك وعلي، ١٩٧٢، ص. ٢٨-٣٠, Harald, 2004). يُعرِّف اللغويون عادة "اللّغة المنقرضة" بأنها تلك التي يتكلمها أقلُّ من ألف إنسان (Denison, 1977; Brenzinger, 1992; Dorian, 1981; Dixon, 1997; 2002; Crystal, 2002; Harrison, 2007; Kaaro, 2009; Harrison, 1977; Crystal, 2002 ;Brenzinger, 1992). تواجه معظمُ لغات العالم في عصر العولمة ضغطًا شديدًا بسبب هيمنة العولمة واللّغات العالمية الأساسية، الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية (Crawford ed., 1992;  Crawford, 1992).

97% من سكّان العالم الموزّعين على أكثرَ من مائتي دولة مستقلة يتكلّمون 4% فقط من اللّغات و96% منها لا يتكلّمها سوى 3% من سكّان المعمور. كلّ أسبوعين تندثر لغة وذلك إثر فترة من الذبول جرّاء وفاة آخر ناطقيها (Evans, 2001). في غضون القرون الخمسة الأخيرة اختفى نصف لغات العالم. وبموت اللّغة يموت نمط معين من الثقافة وفهم للعالم كان قد تبلور عبر القرون (Dalby, 2003). هذا الموت قد يحدث تدريجيًّا، أو من أسفل إلى أعلى أي انحطاط اللّغة لدى ناطقيها أو بالعكس من أعلى إلى أسفل أي جرّاء سياسة حكومية وقوانين دولة، وقد يكون الموت راديكاليًّا، أي إثر عملية تطهير عرقي (Denison, 1977). أكثر حالات الموت اللغوي شيوعّا هي عندما يصبح شعب ما ثنائيَّ اللّغة (bilingual) ويفضّل استعمال لغة الحاكم متأثرًا بثقافته ثم يُهمل بالتدريج لغة أمّه. بعبارة وجيزة، أية لغة يهجرها اللّسان مصيرها إلى الزوال. يُجمع معظم اللغويين أنه بانقضاء القرن الحادي والعشرين سيندثر قرابة نصف لغات العالم. الإنسان، سيّد اللّغة، لا يفقد لغته لأنّ الآخرين ينتزعونها منه، بل لأنه ينقطع عن الاهتمام بها، أي عدم استعمالها وتطويرها وتكييفها مع مستجدّات العصر. في اللّغة أكثرُ مما يستطيع الإنسان استعمالَه، ولذلك لها حياتها وفيها ارتفاع وهبوط، مدّ وجزر، دون انقطاع.

تعود بدابة الاهتمام البحثي بظاهرة انقراض اللّغات إلى بداية تسعينات القرن الماضي. ظاهرة اندثار لغات الأقليات تثير قلقًا ملحوظًا ليس في أوساط اللّغويين وعلماء الإنسان فحسب بل ولدى كلّ من يهتمّ بحقوق الإنسان وبالهُوية الثقافية للشعوب في خضمّ تبلور ثقافة معولمة (Nettle & Romaine , 2000).

 

لمحة عن لغات في العالم

يُقدَّر عدد اللّغات في العالَم بقرابة سبعة آلاف (Ethnologue. Retrieved, 22.03.2012 12-03-22) وهي موزّعة بالنِّسَب التالية: في آسيا 32%، في إفريقيا 30%، في المحيط الهاديء 19%، في الأمريكيتين %15 وفي أوروبا 4% (Asher & Moseley, 2007). تأتي لغة المندرين الصينية في المرتبة الأولى من حيثُ عددُ الناطقين بها، قرابة التسعمائة مليون وتليها الإنجليزية فالإسبانية فالبنغالية فالهندية فالبرتغالية فالروسية فاليابانية. قد يُدهَش القارىء العربي لغياب اللّغة العربية عن هذه اللائحة، إذا علمنا بأنّ عدد العرب يصل اليوم إلى 400 مليون تقريبًا، وعليه فالعربية يجب أن تتبوّأ المرتبة الثانية قبل الإنجليزية بواقع 322 مليون متحدّث وقبل الإسبانية بواقع 266 مليون ناطق بها. لا غرابةَ في الأمر إذا ما فكّر المرء قليلاً بشأن المقصود من لفظة “العربية”، أهي العربية الحديثة المعيارية (MSA) أم الكم الهائل من اللهجات العربية المحلية الحديثة التي هي، في الواقع، لغةُ الأم بالنسبة للعرب. العربية المعيارية المعاصرة، كما هو معروف للجميع، ليست لغةَ أمّ طبيعية بالمفهوم العادي للمصطلح بالنسبة لأي إنسان عربي، والإنسان العربي هو السوري والفلسطيني والمصري واليمني والعُماني والسوداني إلخ. لا بدَّ من التنويه بأنّه لا ذِكرَ للفظة “عربي" في جوازات السفر أو الهويّات الشخصية العربية، اللهمّ، على الأقل، باستثناء هويّات أبناء الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، قراية المليون ونصف الملبون نسمة حتى السنوات الأخيرة الماضية.

ثمّة ألفاظ فضفاضة لا طائلَ تحتها مثل "اللّغة هي ديوان العرب" في حين أن العرب مفرَّقون حتى في اللّغة وما قد يوحّدُ بعضَهم لغويًّا هو ما يُسمّى بلغة بين بين، اللّغة الوسطى، اللّغة المشتركة، لغة المثقفين. ولا توجد إحصائيات دقيقة يعوَّل عليها بالنسبة لعدد أو نسبة المسيطرين على هذا النمط اللغوي العربي، الذي هو بدوره، لا يمكن تسميتُه بلغة أمّ عادية (فريحة، ١٩٥٩، إبراهيم، ١٩٧٠؛ شاهين، ١٩٨٨، ص. ٢١٥-٢٣٠).

قبل أكثر من عقد من السنين نشرت منظمة اليونسكو، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO = The United Nations Educational, Scientific and Cultural Organisation) بحثًا من تسعين صفحة بعنوان ”أطلس لغات العالم الموجودة في خطر الاندثار” وتأتي في المقدمة لغات في القارتين، أمريكا وأستراليا ( Uhlenbeck, 1991; Wurm, 1996; Moseley, 2012).

مما يجدُر ذكرُه أن لنسبة ضئيلة جدًّا من اللّغات، أقلّ من 7%، أي حوالي خمسمائة لغة، تمثيلاً معيّنًا على الشبكة العنكبوتية. تتصدّر الإنكليزية اللائحةَ بنسبة عالية جدًّا 68.4% فاليابانية فالألمانية فالصينية فالفرنسية فالإسبانية فالروسية فالبرتغالية فالإيطالية فالكورية الجنوبية. أمّا العربية فمرتبُتها أقلُّ من صفر فاصلة بعض الكسور وهذا بالرغم من أنّ نسبة عدد العرب تصل إلى حوالي 4.5% من سكّان العالم.

 

أزمة ثقافية

هنالك أزمة ثقافية عالمية شبه خفية تتمثّل في أنّ نصف لغات العالم ستنقرض قبل انسلاخ هذا القرن. زد إلى ذلك أن 40% منها في حالة تهديد حقيقي للاندثار، لأنّ عددََ الأولاد المتحدّثين بتلك اللّغات في تناقص شديد ومستمرّ، مثال على ذلك، خمسون لغة في كاليفورنيا وبعض اللّغات في إندونيسيا. يشار إلى أن المصطلح الأجنبي الذي يصف احتضار اللّغة هو moribund المأخوذ من اللّغة اللاتينية moribundus من الفعل mori

أي “يموت” (http://www.etymonline.com/index.php?allowed_in_frame=0&search=mori&searchmode=none).

نعم، تطوّر اللّغات المستمرّ هو أمر حتمي وطبيعي وغالبًا ما نجهل كنهَه اجتماعيًا ونفسيًا، بل وبعضها ينقرض أحيانًا، فهي، بمعنى ما، تشبّه بالكائنات الحيّة كحيوانات وطيور قدِ انقرضت كالديناصورات والضفادع أو النباتات، إلّا أنّها، في واقع الأمر، عبارة عن منظومة أنماط في عقل المتكلّم وسلوكه ولا وجودَ لجينات في اللّغة. ومن هذه الكائنات الحيّة طائر الدودو، وهو بحجم الإوزّة، ينتمي إلى فصيلة الحَمام، لكنّه لا يقوى على الطيران. وهذا الطائر، ذو المنقار الكبير والقائمتين المتينتين وفي كلّ منهما أربع أصابع، كان قد ٱنقرض عام 1681. كان موطنه في جزيرة ماوريتيوس على المحيط الهندي إلى الشرق من جزيرة مدغشقر. تُستعمل لفظة الدودو، dodo في الإنجليزية المستمدّة من البرتغالية doudo بمعنى “الأحمق، المتخلّف عن العصر الحاضر، “دقّة قديمة” http://www.etymonline.com/index.php?allowed_in_frame=0&search=dodo&searchmode=none).

في البرازيل وحدها انقرضت قرابة 170 لغة بعد الاحتلال البرتغالي لها في القرن السادس عشر والذي استمرّ حتى العام 1822، أما في المكسيك، متعدّدة اللّغات والثقافات، فقد بلغ عدد "الوفيّات اللّغوية" إلى 113 لغة وبقيت 12 لغةً.

 

فذلكة حول لغات منقرضة

المصير ذاته كان من نصيب لغات كثيرة في الماضي البعيد، مثل معظم اللّغات السامية التي تُعدّ بالعشرات، مثل الأكّادية بفرعيها، الأشوري والبابلي، والأوغاريتية، وجيعز-جئز، لغة الحبشة الكلاسيكية، والفينيقية وابنتها البونيقية والأمورية ولغات أخرى كالغوطية والإتروسكانية والإيبيرية والسومرية والحتية والهيروغليفة. وذاك المصير ينسحب أيضًا على لغات في عصرنا هذا، مثل بعض اللّغات في شمال أوروبا المنتمية إلى الفصيلة الفنّو-أُچرية، Saame, Liivi, Vatja والإيدش الغربية. يصل عدد اللّغات التي في رمقها الأخير إلى أكثرَ من أربعمائة وتتواجد في معظمها في منطقة المحيط الهادىء فأمريكا فإفريقيا فآسيا فأوروبا (Krauss, 1992).

ثمّة من يعتقد أن اللّغة اللاتينية قد لفظت أنفاسها الأخيرة لأنIها غيرُ محكية حاليًّا، إلّا أنّها في الواقع، لم تندثر بل تبدّلت بمرور الزمن وتغير اسمُها إلى لغات عدّة مثل الفرنسية والإسبانية والإيطالية والسردينية، فكلّها متحدّرة من اللاتينية الأمّ. أضف إلى ذلك أنّها موثّقة جيّدًا. يحلو لبعض الباحثين تشبيه العربية الفصحى ولهجاتها الحديثة باللاتينية وبناتها رغم الاختلاف الجوهري بينهما؛ فللعربية المعيارية المعاصرة مكانتها ومجالاتها وللهجات استعمالاتها اليومية. من اللّغات التي في طور الاحتضار يمكن الإشارة إلى لغة تتار القرم المسلمين ولغة Gaeli في جزيرة Cape Breton الواقعة إلى الشمال الشرقي من Nova Scotia التي كانت تشكّل إحدى الولايات الأربع في دومنيون كندا (Edwards, 1998). يقدّر عدد الناطقين بهذه اللّغة اليوم كلغة أمّ بحوالي خمسمائة من المسنّين، في حين أن عددَهم في مستهلّ القرن العشرين قد تراوح ما بين خمسين ألفًا وخمسة وسبعين ألفًا.

يُشار إلى أنّه في عام 1890 قُدّم اقتراحٌ في البرلمان الكندي يجعل لغة چايلي لغة رسمية ثالثة في البلاد. في ذلك الوقت، تحدّث أكثرُ من ثلاثة أرباع سكّان جزيرة كيپ بريتون لغاتٍ اسكتلندية قديمة (Dorian, 1981). هناك بعض الجامعات التي ما زالت تدرّس لغة الچايلي ضمن اللّغات السلتية (Celtic) وهي مجموعة من اللّغات الهندية-الأوروبية؛ أما في جزيرة كيپ بريتون فهناك أربع مدارسَ فقط تعلّم اللغةَ المذكورة فيها كمادّة ٱختيارية وهناك إمكانية لتعلّمها على الشبكة العنكبوتية. من اللّغات العربية الجنوبية القديمة الآيلة للانقراض نشير إلى البطحرية (٢٠٠ متحدّث بها) والحرسوسية (٦٠٠ متحدّث) والسقطرية (٥٠ ألف متحدّث) والشحرية (٢٥ ألف متحدّث) والمهرية (٢٠ ألف متحدّث) والهبيوتية (١٠٠ متحدّث). من الفوارق النحوية البارزة مثلاً بين العربية والمهرية نشير إلى أسلوب النفي، ففي العربية نقول مثلاً “أنا لا أعرف” أما في المهرية فيقولون “اغُورْب لا”، أي أنّ أداة النفي ترد في آخر الجملة ومعجميًا “قال” العربية تقابلها “آمور” في المهرية (http://i-cias.com/e.o/arabian_south_l.htm).

 

لغات ولّت في العقود الأخيرة

 

في عام 1992 توفى آخرُ ناطق باللّغة Ubykhin في تركيا وهو السيّد Tefvik Esenc وقبل ذلك بثلاثة أعوام رحلت عن هذه الفانية آخرُ متكلمة باللّغة Kamassin وهي السيّدة Klavdia Potnikova وفي العام 1974 توفى السيد Ned Maddrell آخر متحدث بلغة Manksin في الجزر البريطانية، وكذلك الأسترالي Arthur Bennett الذي كان يَعرف، إلى حدّ ما، اللّغة Mbabaram وكذلك الأمر بالنسبة للسيّدة ماري من ألاسْكا، (Marie Smith, 1918-2008)، ولغتها Eyakintiaani (http://news.bbc.co.uk/today/hi/today/newsid_8311000/8311069.stm)، والسيّدة Elizabeth Gravelle من جنوب غرب كندا ولغتها Ktunaxa التي تحتوي على أصوات حلقية (gutturals). وفي أفغانستان لغة Tirahi يتحدّثها مائة شخص فقط، وفي وسط سيبيريا لغة باسم Ket وهي في طور الاحتضار وتعتبر قواعدها من أعقد قواعد اللّغات التي وثّقها اللّغويون، وفي أرمينيا Lomavren التي يتكلّمها خمسون شخصًا فقط ولغة شاميكورو/شاميكولو في منطقة لاغوناس في دولة پيرو يتحدّثها ثمانية أشخاص. يذكر أن ٢٨٪ من لغات العالم يتكلّم بكل واحدة منها أقلّ من ألف شخص (لغة_بائدة /http://ar.wikipedia.org/wiki).

وللراغب في المزيد حول اللّغات المهدّدة بالانقراض تصفّح أطلس اللّغات الذي نشرته منظّمة اليونسكو. وفي سيبريا ومنغوليا لغة “توفان” يستخدمها البدو هناك وهي مهدّدة بالاندثار (Harrison, 2007; Moseley, 2012; Wurm, 1996; Asher & Moseley, 2007).

ويشارإلى أنّ مواطني ألاسكا قد تحدّثوا بأكثرَ من عشرين لغة، واليومَ يتعلّم الأطفال اثنتين فقط. وفي ولاية مونتانا الأمريكية لغة باسم “جروس فينتري” وعدد متحدّثيها عشرة من المسنّين فقط، ولغة “مينوموتي” في ولاية ويسكونسين يتحدّثها خمسة وثلاثون شخصًا (Mithun, 1999; Campbell  & Mithun, 1979). وهناك لغة تُعرَف باسم “نوشو”، لغة النساء الوحيدة في العالم، كانت قد انقرضت مؤخّرًا في أعقاب وفاة آخر ناطقة مسنّة بها في الصين السيّدة يانغ هوآنيي، والطريف أن كل ما دُوّن بهذه اللّغة كان مصيره الحرق تمشيًا مع عقيدة تلك الجماعة

 (http://taher-mss.net/v.b/showthread.php?t=2104).

والملاحظ من هذا كلّه انعدام أيّ قاسم مشترك بين هؤلاء الأشخاص وما مثّلوا من لغات وثقافات، كلّ واحد منهم انتمى إلى بقعة جغرافية بعيدة عن موطن الآخر. وبالرغم من كلّ هذا، يمكن القول إنّ القاسم المشترك الوحيدَ الذي يجمعهم هو اندثارُ لغاتهم ثم ثقافتهم وتراثهم بعد رحيلهم عن هذه الفانية، انفراط الحلقة الأخيرة من السلسلة، ذهب الأصل ولم يخلّف فرعًا. نذكر من ناحية أخرى، أنّ هناك بعض المحاولات أحيانًا للحفاظ على لغات معيّنة مثل “ليفونيان” في لاتڤيا, حيث يقوم الشباب بجهود ملحوظة بهذا المجال وقل الأمر نفسه بالنسبة للوضع اللّغوي في كندا (Edwards, 1998).

 

أسباب موت اللّغات

كيف من الممكن للغة بشرية ما أن تموت؟، فالبشر لا ينقطعون عن الكلام طالما بقوا أحياء، إلّا أنّ السؤال الجوهري: الكلام بأيّة لغة؟ من عوامل اندثار اللّغات حروب إبادة  وهجرات قسرية وصراعات عرقية وكوارث طبيعية كما جرى لشعوب الكاريبي خلال عقد من السنين بعد زمن الرحّالة الإيطالي، كريستوفر كولومبس (1451-1506م)، وإبادة قبائل في الهند وإندونيسيا وتايلاند وسريلانكا في أعقاب إعصار تسونامي عام ٢٠٠٤؛ غير أنّ مثل هذه الحالات تكون نادرة (Skutnabb-Kangas, 2000). وهكذا في إثر اندحار العرب في الأنّدلس بعد قرابة ثمانية قرون من الحُكم، انقرضت عربيتُهم هناك؛ وفي جنوب السودان مثلا ظهرت عربية “جوبا” وفي جزيرة مالطا تحوّلت عربيتها إلى لغة أوروبية. كان لدى الهنود الحمر في القرن السادس عشر مثلاً أكثر من خمسمائة لغة ولم يبق منها اليوم سوى مائتين.

وفي عصرنا الحاضر حلّت الإنجليزية محلّ الإيرلندية في شمال إيرلندا وتهدّد الآن الولشية والجالية في أسكتلندا. عادةً ما يكون سبب الموت ناتجًا عن عواملَ داخلية أو خارجية، احتلال أو حلول لغة ما تدريجيًّا مكان لغة أخرى لأسباب اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو نفسية (Wurm, 1991; Brenzinger, 1992; Sasse, 1992; Woodbury, 1993; Nettle & Romaine, 2000; Crystal, 2002; Harrison, 2007; http://en.wikipedia.org/wiki/List_of_languages_by_time_of_extinction). مثال على ذلك لغة “كشوا” في أمريكا الجنوبية التي يتحدّثها نحو ثمانية ملايين نسمة، وبالرغم من ذلك فهي مرشّحة للانقراض بعد بضعة عقود، لأنّ الأطفال يتكلّمون الإسبانية عوضًا عنها (http://articles.islamweb.net/media/index.php?page=article&lang=A&id=149720).

وعندما نتحدّث عن موت لغة ما فذلك لا يعني أنها هرمت وذبلت ووهنت وهوت أرضًا جرّاء عمرها المديد، إذ أنّ الموت قد يحلّ بلغة حديثة العهد أيضًا، كما هي الحال بالنسبة للبشر. إنّ اندثار اللّغات في كلّ الحالات يحدُث عندما تحتلّ لغة ما ذات هيبة ونفوذ، سياسيًا وٱجتماعيًا وٱقتصاديًا، مكان لغة ثانية. ذلك الموت قد يكون، كما يُذكر في مراجعَ معيّنة، إما انتحارًا وإما قتلاً، ويكون الأول عند تشابه اللغتين والثاني حين ٱختلافهما. في الواقع، لا خطَّ واضح المعالم دائما بين نمطي “الموت” هذين وأمامنا على المحكّ ظاهرة اجتماعية في الأساس(Denison, 1977).

 

سمات وأماكن اللّغات المنقرضة

إنّ العبرة المستفادة من مثل هذه الاندثارات اللغوية المحزنة تتمثّل في أنّ مصير اللّغات الصغيرة على وجه هذه الكرة الأرضية في طريقه إلى الزوال في عصر العولمة هذا (Crawford, 2000). لا بد من التنويه بميزة معيّنة بالنسبة للغة “أوبيخ” في تركيا التي رحلت مع رحيل السيّد توفيق إسينش المذكور سابقًا عام ١٩٩٢ وهي كثرة الأصوات الصامتة (consonants) مقارنة بالصائتة (vowels)، يصل عدد الأولى إلى؛ أمّا الثانية فإلى ثلاثة فقط. وقد وُجدت في إفريقيا لغات ذات عدد أكبر من هذه الأصوات الصائتة. وممّا يجدُر ذكرُه أنّ نحو 80% من لغات هذه القارّة هي محكية فقط (http://ajrasalhurriya.net/ar/news_view_17508.html). وفي بعض الأقطار الإفريقية لغات كثيرة تتصارع، ففي ساحل العاج مثلاً سبعون لغة وطنية ونيّف تعيش حالةَ صراع كهذه (Brenzinger, 1992). في المقابل، هناك لغات تضمّ عددًا ضئيلاً جدًّا من الأصوات كما هي الحال في بابوا-غينيا الجديدة ذات أكبر عدد من اللّغات في العالم، قرابة 820 لغة، حيث نجد فيها لغة فيها خمسُ حركات وستّة أصوات صامتة، ومثل هذه اللّغات معرّضة للاندثار (Foley, 1986).

يتوقّع انقراضُ قرابة 50% من لغات العالم في غضون هذا القرن، الحادي والعشرين كما أسلفنا، وعليه فباحثو اللّغات على اختلاف تخصّصاتهم ومدارسهم في سباق مع عجلة الزمن المتسارعة لرصد خصائص تلك اللّغات وتوثيقها. إن أستراليا مثلاً، كانت قد شهدت في فترة زمنية معيّنة، قبل الاحتلال البريطاني عام ١٧٨٨، حوالي 250 لغة أصلية واليوم بقيت منها عشرون لغة، ومن المحتمل مستقبلاً اندثار 90% منها خلال هذا القرن و”الحبل على الجرّار”، (Dixon, 1980; McConvell  & Thieberger  2001 & 2006) إن لم تتمّ إجراءات عاجلة وفعّالة للحفاظ على بعضها على الأقلّ. لذلك هنالك مثلاً “اليوم العالمي للغة الأم” المصادف في الحادي والعشرين من شباط من كلّ عام، حيث تقام فعاليّات مختلفة ترمي إلى لفت النظر إلى أهمية لغة الأم وسُبل الحفاظ عليها وتطويرها؛ إلا أنّ ذلك اليوم العالمي غير كاف بالمرّة (Fishman, 1991). وفي هذه القارّة بعض اللّغات التي لا يتكلّمها أكثرُ من مائة شخص. وتحتلّ القارّة الأمريكية الشماليةُ المركزَ الثاني من حيثُ عددُ اللّغات الأصلية المندثرة أو الآيلة إلى الأفول فالزوال، حيث يقدّر عددها بحوالي 80%. كان لدى الهنود الحمر في أمريكا، على سبيل المثال، أكثر من 175 لغةً بقي منها عشرون لغة فقط. ولم يبق منها، في الواقع، سوى خمس لغات يصل عدد ناطقيها إلى عشرة آلاف فقط (Campbell, 1997). أمّا في كندا فالوضع لا يختلف كثيرًا، إذ أنّه من ضمن ستين لغة أصلية لم يبق إلا خمس لغات ما زالت حيّة تُرزق (Edwards, 1998). أما في القارّة السوداء فيصل عدد اللّغات التي ولّت أربعًا وخمسين وعدد التي في دائرة خطر الاندثار مائة وستّ عشرة لغة. يلاحظ أنّ اللغاتِ المهدّدةَ بالاندثار تعاني من ضعف في النقل منها وإليها وبخاصّة إذ ما أخذنا بالحسبان أنّ 40% من المؤلَّفات المترجمة في العالم هي من اللّغة الإنجليزية الأمريكية (Steiner, 1977, pp. 1-48; Ladefoged, 1992; Hale et alia, 1992; Haboud & Ostler 2011). وصف الكثيرون القرن المنصرم بـ “القرن الأمريكي” وكلّ الدلائل الراهنة تشير إلى استمراره حتّى يوم الناس هذا. والجدير بالذكر أنّ ظاهرة الاندثار اللّغوي تحدث عادة لدى شعوب فقيرة وغير متقدّمة وهي بأمسّ حاجة لمواردها الثقافية للبقاء وعلى رأسها اللّغة الوطنيّة.

 

ماذا نعرف عن لغات العالم؟

هناك إحدى عشرة لغة شائعة لدى ٧٨٪ من سكّان العالم في كافّة وسائل التواصل والاتّصال واللّغات هذه هي: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والألمانية والصينية والروسية والعربية والهندية والهولندية والبرتغالية.

غنيّ عن التبيين أنّ هذه الأرقام في واقع الأمر، هي تخمينية، إذ أنّنا ما زلنا بعيدين جدًّا عن مرحلة معرفة حقيقية ودقيقة لعدد قلبل حتى من لغات العالم، حوالي سبعة آلاف لغة. في جمهورية پاپوا غينيا الجديدة مثلاً، الواقعة شمالي أستراليا والتي استقلّت عام 1975 وفيها حوالي أربعة ملايين من السكّان، يوجد قرابة 800 لغة لا يعرف العالِم اللّغوي المعاصر عنها بصورة تفصيلية أكثر من اثنتي عشرة لغة. أضف إلى ذلك أنه من العُسر بمكان تخمين مدى قابلية لغة معيّنة على الحياة. ففي العام 1905 كان عدد الناطقين بلغة “البريتون” في الشمال الغربي من فرنسا حوالي مليون وربع المليون والآن، بعد قرن من الزمان، ٱنخفض العدد إلى رُبع مليون نتيجة إحجام الأجيال الجديدة عن ممارسة هذه اللّغة (Golson, 1966). من ناحية أخرى، نرى أنّ الوضع اللّغوي في آيسلندا مثلاً أكثر أمانًا وغير مرشّح للتغيير الجذري وذلك لأن اللّغة تنتقل عبر الأجيال رغم التأثير الأمريكي وهي على ألسنة الجميع حيّة وعفوية والأمر ذاته ينسحب بالنسبة للغة الفنلندية التي يتكلّمها قرابة الستّة ملايين إنسان.

 

بنيةُ اللّغات النحويةُ

من الملاحظ أنّ القسم الأكبر من لغات العالَم المعروفة تنهج في بنيتها النحوية هذا النمط: الفاعل فالفعل فالمفعول به مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والعربية الحديثة المكتوبة والمنطوقة: الطالب قرأ كتابا. في بعض اللّغات الأخرى كاليابانية نظام الجملة العادي هو: الفاعل فالمفعول فالفعل. وفي نسبة ضئيلة من لغات العالم تصل إلى قرابة 10% نجد أنّ تركيب الجملة العادي هو: الفعل فالمفعول فالفاعل كما هي الحال في بعض اللّهجات العربية الحديثة في بعض الأحيان مثل اللهجة الفلسطينية: أكل الأكل موسى. وقدِ اعْتُقِد في البحث اللّغوي المقارن أنّه من غير الجائز وجود لغات يكون فيها تركيب الجملة: مفعول به ففاعل ففعل كما هي الحال في لغة الهنود الهكسكَرْبَنا في أدغال الأمازون والقبائل المحيطة بهم فقط. هناك من اللّغويين المعاصرين من يعتقد أنّ موجة ٱلانقراض اللغوي آنف الذكر ستجتاح مجموعة اللّغات الأكثر تعقيدًا لدى الجنس البشري. أضف إلى ذلك أنّ هذه اللّغات ذات السمات الخاصّة والمعقّدة شبيهة باللّغة المهنية الدارجة في هندسة الحاسوب وعلم الوراثة. في المقابل، يمكن القول إنّ اللّغات العالمية كالإنجليزية التي تتحدّثها أعداد كبيرة من الناس المنتمين لثقافات مختلفة، تتّسم بالبساطة واليُسر في نحوها وصرفها (Seely, 2013).

 

عمّا يتمخّض اندثار اللّغة؟

ظاهرة اندثار لغة بشرية ما، لا تعني زوالَ مفردات قليلة أو كثيرة، جزلة أو عادية وصيغ متباينة وتراكيب وأنماط نحوية خاصّة فحسب، بل وفي الأساس تراث ثقافي معين وفلسفة حياة وتاريخ مدوّن وغير مدوّن. إنّ ضياع لغة ما يعني ضياع نافذة معيّنة على العقل البشري وزوال التعدّد اللّغوي يؤول إلى زوال التعدد العقلي إذ إنّ الثقافة تتأثّر باللّغة وتؤثّر في التفكير. وهناك من اللّغويين من يذهب إلى أنّ اللّغة عبارة عن “وسيط بين الفكر والصوت وذلك عبر شروطٍ ما” (ده سوسُّر، ١٩٨٤، ص. ١٣٨). نعم، اندثار لغة ما يعني اندثار فكر وانتماء قومي وروحي وتضعضع هُوية راسخة لدى الفرد والجماعة على حدّ سواء وفقدان الشعور بالقيمة الذاتية (Sapir, 1949, pp. 207-220; Edwards, 1985). إذ أنّ وراء قبيلة صغيرة مثلاً هناك تاريخ طويل حافل بالتراث، يمتدّ لآلاف السنين من التكيّف للمنطقة التي كانت تعيش فيها بخصوص الثروتين الحيوانية والنباتية وكذلك الظواهر الطبيعية (Woodbury, 1993; Harrison, 2007; Evans 2009). في أستراليا مثلا توجد قبيلة باسم Dyirbal تمكّن أبناؤها في الستينات من القرن العشرين من التعرّف على أسماء ما يربو عن 600 صنف من النباتات، في حين أنّ هذه المعرفة قد تبخّرت لدى الجيل الجديد في أواخر القرن المذكور (Schmidt, 1990)). وإذا قارنّا الوضع في أيامنا هذه لدى أبناء المدن، بخاصّة في الدول العربية، فقد لا يعرف العربي العادي أسماء بعدد أصابع اليدين من النباتات البرية الموجودة في بلاده. والأمر ذاته ينسحب بالنسبة للمواطنين في جزيرة تاهيتي حيث نسوا الكثير الكثير من أسماء الأسماك التي عرفها أجدادُهم.

السؤال الذي يطرح نفسه هو علاقة الثقافة باللّغة، هل اندثار اللّغة يؤدّي في خاتمة المطاف إلى اندثار ثقافتها؟ أهناك ثقافة بدون لغة؟ أليست “الوردة” هي نفسها في أية لغة كانت كما قال وليم شكسبير (1564-1616)؟ الجواب الذي يمكن إعطاؤه ليس يسيرًا  فاللّغة، أية لغة آدمية طبيعية، تسعى لتبويب الأشياء وترتيبها وتعريفها، وفي كلّ ثقافة نظام للتصنيف والتبويب للواقع والحياة تعكسها اللّغة. في العديد من اللّغات البولينيزية في المحيط الهادىء، على سبيل المثال، تصنّف الأشياء بناء على أصحابها أو مالكيها إلى مجموعات متغيّرة وغير متغيّرة، أي بين الثابت والمتغيّر. في ولاية هاواي في غرب الولايات المتّحدة الأمريكية، الأرض والوالدان وأعضاء الجسم غير متغيّرة في حين أنّ الأزواج والزوجات والأولاد قابلون للتبديل لتوفّر إمكانية الاختيار. هذا التقسيم الثنائي بين الثابت والمتغيّر يتخلّل كافة الأنماط والمستويات وصورة العالم في الثقافة في هاواي. في الوقت الراهن حيث لا يعرف الجيل الجديد لغته حقَّ المعرفة نرى أنّ الناس قد نسوا أيّة أمور تندرج تحت “المتغير” وأيّها تحت “الثابت”. ما يبقى، في الواقع، ما هو إلّا ظلال باهتة لتلك اللّغة والثقافة في غابر الأيام. في اللّغة العربية، كما هو معروف، ينقسم العالم إلى قسمين من حيث التذكير والتأنيثُ (وهناك التخنيث، إن جاز التعبير هنا، بمعنى مذكّر ومؤنّث) ومن حيثُ العاقلُ وغير العاقل في حين أنّ هذه اللّغة تقسِّم العدد إلى ثلاثة أقسام، مفرد ومثنى وجمع (وفي الجمع جموع وأقسام).

 

هيمنة لغة أم تعدّد اللّغات في عصر العولمة

في البداية، كانت هناك لغات لا حصرَ لها، وهيمنة اللّغة الواحدة تاريخيًّا هي ظاهرة حديثة العهد. وهناك من يرى أنّ اندثار اللّغات ليس أمرًا مُقلقًا إذ أنّ انتشار اللّغة الإنكليزية مثلا على حساب لغات أخرى أمر مرغوب فيه، باعتبار أنّه يتمخّض عنه استمرار العالم. وكلّما تزايد عدد اللّغات المحكية كلّما صعُب على الإنسان فهمُ أخيه الإنسان وغدا العالَمُ أقلَّ تناسقًا وتناغمًا. على ضوء قصّة العهد القديم كان العالم قبل برج بابل واحدًا ذا لغة واحدة وبعد ذلك حاول بنو آدم بناء مدينة وبرج رأسه إلى السماء، وأغضبوا الخالق بذلك، وعليه عاقبهم الربّ قائلاً “هلمّ نهبِط ونبلبل هناك لغتهم حتى لا يفهم بعضُهم لغةَ بعض (سفر التكوين 7:11). بعبارة ثانية، إنّ لغات العالَم هي نتيجة عقاب الله هذا (Harris & Taylor, 1989, pp. 35-45). ويرى علم اللّغة الحديث في النظرية القائلة بأنّ العالَم القديم كان أحاديَّ اللّغة بمثابة أسطورة ثقافية، إذ كان المجتمع البشري متعدّد الألسن منذ البدء. في مقدور العقل البشري السيطرة وبيُسر على أربع لغات أو خمس إذا تعلّمها منذ نعومة أظفار الطفل، حيث يكون النظام اللغوي في المخ الأقوى في السنوات القليلة الأولى من حياته.

يبدو أنّ المكان الأمثل لبحث التعددية اللّغوية هو پاپوا غينيا الجديدة Papua-New-Guinea، مِساحتها أقلّ من مِساحة فرنسا بقليل وعدد سكّانها زهاء الخمسة ملايين إنسان ويتكلّمون وفق آخر إحصاء 860 لغة وهي مقسّمة إلى 26 فصيلة لغوية. الغالبية الساحقة من هذه اللّغات جدّ مغمورة إذ إنّ لـ 80% منها خمسة آلاف ناطق فقط. وفي مثل هذا المحيط متعدّد اللّغات يتعلّم السكّان الكثير منها وبصورة طبيعية، ويتسنّى للطفل سماعُ خمس أو ستّ لغات وتعلّمها شرطَ أن يكون مصدرُ كلّ واحدة منها ثابتًا. كما وتلعب اللّغات في پاپوا غينيا الجديدة دَورًا جتماعيًّا هامًّّا، فاللّغة تعزّز صلة الفرد بقبيلته، ومعرفة لغات أخرى تفتح للشخص إمكانياتٍ اقتصادية وعسكرية وشخصيةً أيضًا مثل الزواج. وهكذا لم تنتشر لغة واحدة معيّنة وبسرعة على حساب لغة أخرى. ويذكر أنّه في منطقة ثنائية اللّغة (bilingualism) تواجدَ على الدوام أناس فضّلوا لغة واحدة على الأخرى، وهكذا نمت وعظُمت هذه اللّغة المنتقاة وٱحتلت مكان اللّغة الثانية في آخر المشوار. في الوقت نفسه، تنشأ لغات جديدة عند اندثار مجتمعات معيّنة ونشوء مجتمعات جديدة. وعليه يبقى عدد اللّغات على حاله تقريبًا، وهذا ما يدعوه اللّغويون بـ “التوازن اللّغوي” (linguistic balance) الذي يسود معظم الكرة الأرضية كما هي الحال بالنسبة للتوازن في الطبيعة أيضًا. يُذكر أنّ الجنس البشريَّ في مراحله التاريخية الأولى كان متعدّد اللّغات، أمّا الوضع الثقافي المتشابه في أمريكا وإنجلترا، حيث يتكلّم الناس لغة واحدة فقط، فهو من المنظور التاريخي ظاهرة جديدة وشاذّة.

قد يكون مفيدًا ذكر الإحصائيات اللغوية الآتية. هناك في العالم 7227 لغة موزّعة على النحو التالي: في آسيا 2197، في إفريقيا 2058، في منطقة المحيط الهادىء 1311، في أمريكا 1013، وفي أوروبا 230، أما عدد اللّغات الميّتة تقريبًا الآن حيث عدد المتكلّمين بها جدّ قليل فهي: 55, 37, 157, 161, 8 وفق الترتيب المذكور، أي أنّ عدد اللّغات التي في طور الاندثار والتلاشي هو 418 لغة. ويُذكر أنّ نيويورك ذات أعلى كثافة لغوية في العالم إذ أنّها مركز لعدد كبير من المهاجرين إليها من مختلف أنحاء المعمور (Wurm, 1996; Asher & Moseley, 2007; Moseley, 2012).

 

مصير العربية المعيارية الحديثة

أوّلاً ينبغي التمييز بين أنماط العربية المختلفة عند الحديث عن هذه اللّغة كما أسلفنا. يا تُرى ما مصير اللّغة العربية المعيارية الحديثة (Modern Standard Arabic, MSA) في هذه المعمعمة التي كثُر الحديث والنقاش فيها عن الانقراض اللغوي في الآونة الأخيرة؟ هل العربية هذه في أزمة حقيقية وما كنهها؟ كانت منظّمة اليونيسكو قد أكّدت أنّ العربية ستكون ضمن اللّغات المرشّحة للانقراض في خلال القرن الراهن. تواجه العربية المعيارية خطرًا حقيقيًّا من مصدرين، من الخارج أي اللّغات الأجنبية لا سيّما الإنجليزية والفرنسية والعبرية ومن الداخل أي اللّهجات المحكية التي لا حصر لها. لا شكّ أنّ الاعتقاد الشائع بأنّ العربية لا يمكن أن تندثر لأنّها لغةُ القرآن الكريم، فهي خالدة (محمد، ١٩٨٥، ص. ١٧٣-١٧٦) وقد ورد فيه في سورة الحجر، الآية التاسعة "إنا نحن نزلنا الذِّكْر وإنّا له لحافظون" وهذا يحتمل أكثر من معنىً لغويًا وتفسيريًا.

تاريخيًا أمامَنا مثَل جليّ لموت أو سبات لغة طوال سبعةَ عشرَ قرنًا من الزمان تقريبًا بالرغم من وجود كتاب ديني سماوي مقدّس لدى أصحاب تلك اللّغة. هذه اللّغة فريدة في نوعها في تاريخ اللّغات، إذ أنّها أُعيدت للحياة قبل زهاء قرن من الزمان، منذ بداية ثمانينات القرن التاسع عشر في فلسطين، نتيجة تضافر عدّة ظروف مؤاتية، وغدت لغة محكية حيّة تدرّس فيها كلُّ المواضيع حتى الطبّ في الجامعات الإسرائيلية، إنّها العبرية الحديثة التي انبثقت عن عبرية العهد القديم (Biblical Hebrew) التي يرجع تاريخها الأقدم إلى أكثرَ من ثلاثة آلاف عام ومن لغة التوراة الشفوية، المشناة والتلمود (Fellman, 1973; Harshav, 1993, pp. 81-88). المألوف كما هو معروف في علم اللّغة هو تطوّر لهجة محكية في ظروف معيّنة إلى لغة مكتوبة، أما العكس، أي "إحياء" (revival) لغة مكتوبة لتصبح محكيةً فنادر جدًّا. في هذا السياق من الممكن الإشارة إلى لغة كورنيش في إنجلترا التي بُعثت من جديد عام 1777 ويقدّر عدد منكلّميها اليوم بحوالي ألف شخص وهي بمثابة لغة ثانية عندهم. من هذا المنطلق، قد تنقرض اللّغة، بمعنى أنّها ستغيب عن ألسنة الناس وقد تبقى بأقلامهم أو بالأحرى بحواسيبهم كما هي الحال بالنسبة للعربية الأدبية في أيّامنا أيضًا (Hinton  & Halle,  2001; Fishman, 2001).

ثم يجب التذكير مثلا أنّ عبرية العهد القديم لا تحتوي على أكثرَ من ثمانية آلاف كلمة وفي غضون القرن الماضي دخلت واشتُقت في العبرية الحديثة زهاء الخمسة عشر ألف لفظة. ومن ناحية أخرى، ما في القرآن الكريم، لا يمثّل إلاّ أقلّ من ثُلث ما في لغة الضاد من جذور وتراكيبَ ومعانٍ، كما ذكر مؤخّرًا الشيخ الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية، في مؤتمر في القاهرة. يبدو أنّ القول الفصل في إمكانية الحفاظ أو عدمه على لغة معيّنة يرجع بالأساس إلى أبناء هذه اللّغة ودورهم الثقافي والحضاري بين الشعوب الأخرى. يعتقد العلماء أنّ أحد السبل لإبعاد شبح الاندثار بالنسبة للّغات هي مواقع التواصل الاجتماعي العاملة بنشاط في عصرنا (Fishman, 1991;  Lenore & Lindsay, 2006). كما وتجدر هنا الإشارة إلى المساهمة الهامّة التي يقدّمها غوغل في هذا الصدد

(http://google-arabia.blogspot.fi/2012/06/blog-; post_25.html)

 وقل الأمر ذاته بالنسبة لدور الشابكة (الشبكة العنكبوتية).

في هذا السياق الراهن للّغة العربية المعيارية الحديثة (MSA) ثمّة عوامل ودلائل غير مشجّعة بالنسبة لمستقبلها، نذكر منها ما يلي. الحبّ والتقدير للغة العرب لا يتعدّىان في الغالب الأعم الشفتين؛ العرب، حكومات وشعوبًا، مغلوبون على أمرهم، تابعون، إذ لا إرادة سياسية مستقلّة لهم حتّى الآن وبعد ما سمّي بالربيع العربي الذي سرعان ما انقلب خريفًا أو شتاءً، والمغلوب شغوف بالاقتداء بالغالب في كلّ شيء كما قال ابن خلدون (تونس 1382-مصر 1406) “إن الأمّة إذا غُلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء” وقال أيضا “إن غلبة اللّغة بغلبة أهلها، وإنّ منزلتها بين اللّغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم”. ينظر بعض العرب إلى لغتهم بازدراء ما معتبرين إيّاها منحطّة ولذلك يؤثرون استخدام غيرها من اللّغات، الإنجليزية، الفرنسية، العبرية؛ أو في أحسن الأحوال يُقحمون دون مسوّغ الكثير من المفردات والتعابير الأجنبية في كلامهم. من الواضح أنّ ذلك الاحتقار أو النفور لا ينجم من فراغ، إذ أنّ المعلمين والمؤسّسات الرسمية لا تحترم العربية (محمد، ١٩٨٥، ص. ١٦٤-١٦٦). من المعروف أنّ المواضيع العلمية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء إلخ. تُدرَّس في الكثير من المدارس وفي كلّ الجامعات العربية تقريبًا باللّغات الأجنبية أما العربية فتُسمع في حصص التاريخ والجغرافية والعربية وغيرها بالعامية حتّى، وليس بالفصحى إلا لمامًا. والطامة الكبرى أنّ التلميذ العربي منذ المرحلة الابتدائية عليه أنّ يفهم ما يسمع بالعامية أوّلاً وعليه التعبير عن ذلك في الدرس وفي الامتحان بالفصحى وهيهات أن يتسنّى ذلك، في الغالب الأعمّ، لمعلم العربية! أهناك أغرب من هذه الحالة المعروفة جيّدًا ولم تلق الحلّ بعد! هذا الوضع يؤدّي إلى ازدهار ظاهرة الحفظ غيبًا “البصم” سيّئة الصيت والاهتمام الزائد بالمبنى على حساب المعنى (التويجري، ٢٠٠٤).

العربية المعيارية لغة رسمية في خمس وعشرين دولة، اثنتين وعشرين دولة عربية وثلاث دول هي إسرائيل وإريتريا وتشاد ولكن من حيث الشكلُ فقط، إذ لا وجود لأنظمة أو قوانين وآليات لتنفيذ المكتوب، رغم أنّ أغلب الدول المتقدّمة تتدخّل سياسيًا في مجال اللّغة والتخطيط لها؛ هوّة الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامّيات (diglossia) عميقة إذا ما قورنت بالوضع المماثل في لغات أخرى؛ الأمية ضاربة أطنابها في العالم العربي والقراءة سلعة جدّ جدّ نادرة فيه، ولا يفوتنا ما قيل بأنّ أمّة إقرأ لا تقرأ وإن قرأت فبالأذنين، حيث معدّل ما يقرأه الفرد سنويًا في الغرب هو خمسة وثلاثون كتابًا وفي إسرائيل مثلاً أربعون، أمّا عند العرب فهناك كتاب واحد مقروء لكلّ ثمانين فردًا! أي أنّ نسبة ما يقرأه العربي هو واحد على ثمانين من كتاب ما سنويًا. الميل للتحدّث بالإنجليزية والفرنسية وفي الديار المقدسة بالعبرية على حساب العربية؛ أبناء النخبة أو الذوات يدرسون في مدارسَ أجنبية أو مدارس خاصّة ونصيب العربية فيها فتات في أحسن الأحوال؛ زعماء العرب لا يُقدّمون أُنموذجًا حسنًا لشعوبهم في هذا المجال؛ ممثلو دول العرب في منظّمة الأمم المتّحدة وفي محافل دولية أخرى لا يستخدمون عادة العربية؛ أين المعجم التاريخي للّغة العربية؟ متى يُعرّب التدريس الجامعي في البلدان العربية أسوة بالجمهورية العربية السورية مثلاً؟ مناهج التدريس بحاجة ماسّة للتعديل والتطوير الدائمين تمشياًً مع التطورات العلمية الحديثة في العملية التربوية التي في تطوّر دائم وضرورة استخدام التقنيات الحديثة؛ لا بدّ من مشروع حقيقي شامل لتبسيط تعليم العربية والتركيز على الجانب الوظيفي فيها (functional grammar) والابتعاد عن التقعرّ والتعليلات التي تعلّ قلوب الطلاب وعقولهم؛ افتقار شديد لمفردات العصر؛ ظاهرة شيوع الأخطاء اللّغوية الفادحة في الصحافة الإلكترونية بخاصّة والورقية بعامّة؛ مكانة أستاذ اللّغة العربية بحاجة ماسّة للدعم معنويًا وماديًا والإشراف الحقيقي والمتواصل على تأهيله؛ غياب المدقّق اللّغوي في دور النشر؛ محاولة تقليص نسبة الأمية لا سيّما عند النساء في العالم العربي فهنّ عماد التربية؛ إعلاء شأن أدب الأطفال أمانة مقدّسة في أعناق وزارات التربية والتعليم وربما المثقّفين أوّلاً. نقول كلّ هذا بالرغم من أنّ العربية تعتبر واحدة من خمس لغات حملت مخزونًا ثقافيًا هامّا جدًّا وهي اللّغات الكلاسيكية: الصينية والسنسكريتية واليونانية واللاتينية (Sapir, 1949, p. 194).

أحيانًا، قد يتساءل المرء بعد مثل هذا التأمّل، أهناك أمّة لا تحترم فعلاً لغتَها مثل العرب؟ الصين وكوريا الجنوبية واليابان وغيرها من الدول أمثلة يُحتذى بها في هذا الصدد. حافظتِ اليابان على تراثها اللّغوي رغم إنجازاتها التكنولوجية المميّزة ولم تهرول وتلهث لإعلاء شأن اللّغات الأجنبية على حساب اليابانية. العربية في وسائل الإعلام المختلفة ستُسمع وستُقرأ فهناك بالإضافة إلى الصحف والمجلاّت على أنواعها، العشرات من محطّات التلفزة في الدول العربية وخارجها. هناك على سبيل المثال، أربع وعشرون محطّة عربية فضائية ضمن الثمانين على القمر الأوروبي ومؤخّرًا سمعنا عن صوت روسيا. في تقديرنا السؤال الأساسي هو: ماذا سيكون جوهر اللّغة العربية الأدبية في الإعلام في أواخر هذا القرن؟ ماذا ستكون مكانة العربية في العالَم بعد نضوب آبار الذهب الأسود في أرض العرب؟ قد يُضيف المرء أيضا ما طبيعة المكانة ذاتها في حالة انحسار ما يسمّى بالإرهاب الأصولي الإسلامي من “قاعدة” و”داعش” و “دا” وما يدور في فلكهما في العالَم أو تفاقمه؟ مثقّفو العرب الحقيقيون من شعراء وأدباء وأكاديميين وباحثين سيستمرّون في حمل مشعل سلامة اللّغة والعمل على تطويرها لا تقديسها وتحنيطها في أجواء وظروف ليست سهلة على العموم. إنّهم سيستمرّون في نفخهم على الجمرة كيلا تنطفىء كليًّا.

 

 

أصبح الدرس النقدي المعاصر يولي اهتماما متزايدا للخطاب المقدماتي تنظيرا وتجريبا، فقد "صار للمقدمة ـ بوصفها نصا موازيا (paratexte) ـ حيز هام في مجال اشتغال النقد الأدبي"[1]. ولعل من مبررات هذا الاهتمام، ما لحق هذا العنصر التأليفي من إجحاف وإهمال، إذ إن "الدراسات حول النقد القديم غالبا ما اكتفت بمتون المؤلفات النقدية القديمة وتجاوزت مقدماتها، أو جعلتها تنصهر في إطار دراسة المتن برمته في حين أن هذه المقدمات هي مفتاح هذه المؤلفات"[2].

1 – في تعريف المقدمة:

ورد في "لسان العرب"، مادة (قدم)، ما يلي: "قدم: في أسماء الله تعالى المقدَّم: هو الذي يُقدم الأشياء ويضعها في مواضعها، فمن استحق التقديم قدّمه... والقدمُ والقُدْمَة: السابقة في الأمر... ومقدِّمة العسكر وقادمتُهم وقُدامهُم: مقدِّمُوهُم"[3].

بينما يقول الفيروزآبادي: "... مقدمة الجيش، وعن ثعلب فتحُ داله: متقدِّموه، وكذا قادمتُه وقداماهُ، ومن الإبل: أول ما تُنتَج وتُلْقَح، ومن كلِّ شيء: أوّلُه، والناصيةُ، والجبهة"[4].

أما الرازي فيرى أن: "... (المقَدَّم) ضدُّ المؤخَّر، يقال: ضرب مقدَّم وجهه، و(مقدِّمَة) الجيش بكسر الدال أوَّلُه"[5].

تتفق المعاجم الثلاثة على اعتبار المقدمة هي أول كل شيء ومفتتحه، وتأتي نقيضا للمؤخّر كما هو مثبت عند الرازي، ويبدو أن موقع المقدمة أهلها لأن توصف بالوصف السالف الذكر، إذ "تقوم المقدمة على مفارقة غريبة قد لا تتسم بها غيرها من النصوص، ذلك أنها على مستوى المكان تعتبر أول مكتوب، لكنها على المستوى الزمني تكون آخر ما يكتب"[6].

كما تسعى المقدمة إلى تحقيق الوظائف الآتية[7]:

1 – السعي إلى تنبيه القارئ و توجيهه وإخباره بأصل الكتاب وظروفه ومراحل تأليفه ومقصد مؤلفه وهذا ما يمكن ان نصطلح عليه باستراتيجية البوح و الاعتراف ويمكن اعتبارها الوظيفة المركزية  .

2 – أن المقدمة من خلال هذه الاستراتيجية تسعى إلى توجيه القراءة و تنظيمها ، كما تسعى إلى تهيىء القارئ لاستقبال مشروع قيد التحقق سيكون مجاله متن الكتاب  .

3 – قد تتحول المقدمة إلى نوع من الميتالغة للنص المقدم له ، تختزله وتكثفه دون أن أن يعني ذلك أن قراءتها قد تغني عن قراءة المتن ، بل إن قراءة المتن تصير مشروطة بقراءة المقدمة  .

4 – في بعض الأحيان تسعى المقدمة إلى مصادرة الانتقادات التي قد تمس الكتاب وبذلك تتحول إلى خطاب دفاعي حجاجي  .

5 – وفي بعض الأحيان تتحول إلى شرح وتحليل مطولين للعنوان  .

 ومن مسوغات إفراد المقدمة بجزء من البحث والدراسة، ما لهذا الخطاب من أهمية بحكم ارتباطه بمتن الكتاب من جهة، إضافة إلى إسهامه في توضيح جوانب مهمة تضيء للباحث سُبُل التعامل مع المادة المبثوثة بين دفتي الكتاب. ويمكن حصر العناصر السالفة في المركبات القاعدية التالية[8]

ـ الاعتبار التصديري والافتتاحي الذي تمتلكه المقدمة، وهو اعتبار يمنحها سلطة توجيه القراءة.

ـ احتواء المقدمة (وهذا هو المأمول فيها تدقيقا) على تصور المؤلف للكتابة وغايته من التأليف، وتلك سمة مميزة تعين شكل الأطروحة التي تبرزها محتويات نص الكتاب.

ـ انطلاق المقدمة في عرضها لمنهج المؤلف في الدراسة وتحديد أدواته الإجرائية في تمظهرات اصطلاحية لها أهميتها الخاصة في القراءة والتحليل.

ـ تشكل دراسة المقدمة منحى آخر في قراءة العمل الأدبي نفسه، انطلاقا من العلائق الجدلية التي تربط المقدمة بالعمل.

ـ اعتبارا لأهمية الأسئلة التي تبرزها المقدمة، وهي أسئلة عادة ما تلامس جملة من القضايا المرتبطة بتصور الأدب والنقد على حد سواء، ولذلك فإن أسئلة المقدمة وتساؤلاتها الظاهرة منها والضمنية، هي المصدر المنهجي الكامن وراء الهدف من التأليف، ومن ثم فإن الوقوف عند طرائق صوغها أمر أساسي.

 

2 – التعريف بصاحب المقدمة:

لم تعن المصادر بترجمة ابن بسام الشنتريني، فـ"شهرته تغني عن ذكره"[9] كما يقول المقري (1041هـ)، إلا أن إحسان عباس يرى أن ابن بسام "لم يكتب هو ترجمة لنفسه في كتاب "الذخيرة" على عادة بعض مؤلفي كتب التراجم، ولهذا ظلت أخباره وتفصيلاتها غير متيسرة للدارسين"[10]. وعلى الرغم من ذلك سنورد بعض المعلومات التي بإمكانها جلاء الغامض عن حياة ابن بسام.

ورد في "معجم الأدباء" لياقوت الحموي: "أبو الحسن من أهل الأندلس، له كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ـ يعني جزيرة الأندلس ـ في سبعة أسفار"[11]. وقال عنه صاحب "الأعلام": "علي بن بسام الشنتريني الأندلسي، أبو الحسن: أديب، من الكتاب الوزراء، نسبة إلى سنترين (المسماة اليوم: santarén) في البرتغال، اشتهر بكتابه "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة"... وهو في ثمانية مجلدات، تشتمل على 154 ترجمة مسهبة لأعيان الأدب والسياسة ممن عاصرهم أو تقدموه قليلا"[12].

انطلاقا مما سبق، فإن أبا الحسن علي بن بسام، من أهل شنترين في غرب الأندلس. وقد امتطى صهوة الأدب والتاريخ، فهو "أديب من الكتاب الوزراء"[13] عند صاحب "الأعلام"، وقد "كان ناقدا أديبا متمكنا"[14] في منظور محمد بن عبود، وهو "مؤرخ متزن"[15] عند حسن أحمد النوشي.

أما ما يتعلق بفضائله الخلقية، فإن أول ما يظهر منها ـ حسب منظور حسين خريوش ـ هو "إعراضه عما يخدش الحياء، ويشين الأخلاق، وقد تمثل ذلك في بعض ألوان من الشعر، كان قد استبعدها من كتابه كالهجاء"[16]. وقد أنسانا هذا الكلام تلك الصورة الظالمة التي رسمها آنخل بالنثيا لابن بسام، إذ قال: "ومضى (ابن بسام) يدبج التراجم ويكيل المديح لمن يجزيه عنه بالمال، وكان ذلك أمرا شائعا صنعه ابن خاقان أيضا"[17].

وقد عرف عن ابن بسام كذلك روح الدعابة، وهذا ما يتجلى بوضوح من خلال هذا النص الوارد في كتاب "الذخيرة"، من خلال حديثه عن الخلط الذي وقع لمعاصريه، بينه وبين علي بن بسام البغدادي، إذ قيل له (ابن بسام الشنتريني): "أنت عليُّ بن بسام حقا؟ قلت: نعم، قال: أو تهجو حتى الآن أباك أبا جعفر وأخاك جعفرا ؟ فقلت له: أنت أيضا عبد المجيد؟ (عبد المجيد بن عبدون) قال: أجل، قلت: وحتى الآن فيك ابن مناذر يتغزل؟ فضحك من حضر لهذا الجواب الحاضر"[18].

وقد توفي ابن بسام بقرطبة، إذ "تأخرت وفاته إلى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة  "[19].

 

3 – قضايا التأليف انطلاقا من مقدمة الكتاب:  

3 . 1 -  الديبـاجــة:

تعتبر البسملة والحمدلة والصلاة على النبي أهم العناصر المقررة في التأليف في حضارة الإسلام، بشكل عام. وتتشكل منها في العادة ديباجة الكتاب[20]. وقد أوردها ابن بسام في مقدمة كتابه "الذخيرة" بالترتيب السابق، إذ يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم... أما بعد حمد الله ولي الحمد وأهله، والصلاة على سيدنا محمد خاتم رسله "[21].

3 . 2 ـ البعدية: يتجلى دور البعدية في الفصل "بين الديباجة وباقي المقدمة... ب: "أما بعد" أو "بعد"، وهما عبارتان معدتان للانتقال وتؤذنان به إلى الغرض المقصود، ولذلك سميت: "أما بعد" بفصل الخطاب لفصلها الكلام الثاني عن الأول".[22] وللبرهنة على ذلك، يقول ابن بسام في مقدمة "الذخيرة": " أما بعد حمد الله ولي الحمد وأهله"[23].

3 . 3 ـ موضوع الكتاب: يجمع الباحثون على أن موضوع "الذخيرة" لابن بسام، يعد مصدرا لا بديل عنه لمن أراد أن يطلع على أدب المائة الخامسة ويكون على بينة منه، إذ "يتجلى له القرن الخامس الهجري، على نحو واضح من خلال نتاج أهل الأندلس في العلم والأدب"[24]. وقد ترجم محمد رضوان الداية إعجابه بكتاب الذخيرة بقوله: "إنه أهم كتاب أندلسي في تاريخ الأدب على الإطلاق"[25].

بينما يصرح ابن بسام بموضوع كتابه قائلا: " وقد أودعت هذا الديوان... من عجائب علمهم، وغرائب نثرهم ونظمهم، ما هو أحلى من مناجاة الأحبة بين التمنع والرقبة، وأشهى من معاطاة العقار على نغمات المثالت والأزيار، لأن أهل هذه الجزيرة ـ مذ كانوا ـ رؤساء خطابة، ورؤوس شعر و كتابة"[26].

3 . 4 ـ التصريح بعنوان الكتاب:

تنامى الاهتمام بالعنوان، باعتباره عتبة من العتبات، إذ "لا يمكن الولوج إلى عالم النص، إلا بعد اجتياز هذه العتبة، إنها تمفصل حاسم في التفاعل مع النص"[27]. وقد صرح ابن بسام بعنوان كتابه قائلا: "وقد أودعت هذا الديوان الذي سميته بـ "كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" من عجائب علمهم وغرائب نثرهم ونظمهم"[28].

فالذخيرة مأخوذة من الجذر (ذخر) ف " اذخره: اختاره، أو اتخذه. والذخيرة: ما اذخر"[29]. فالكتاب إذن، عبارة عن مختارات اذخرها الكاتب لكي يطلع عليها القراء والمهتمون .

وقد وصف ابن بسام كتابه بأوصاف أخرى ، ورد أغلبها في المقدمة، و هي:

* المجموع: مثل قوله: "وعدت أن ألمع في هذا المجموع، بلمع من ذكر البديع"[30].

* الكتاب: نحو: "وعلم الله تعالى أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء"[31].

* الديوان:مثل قوله: "وهذا الديوان نية لم يفصح عنها قول ولا عمل ، وأمنية لم يكن منها حول ولا حوال"[32].

* التصنيف: مثل قوله: "وسينخرط في سلك ما أوشح به هذا التصنيف، من تلخيص التعريف بأخبار ملوك الجزيرة، وسرد قصصهم المأثورة"[33].

3 . 5 ـ تصميم الكتاب:

يشمل التصميم "بيان كيفية الكتاب من التبويب والتفصيل"[34] إذ قسم ابن بسام كتابه إلى أربعة أقسام هي:

* القسم الأول: خصه: "لأهل حضرة قرطبة وما يصاقبها من بلاد متوسطة الأندلس"[35].

* القسم الثاني: أفرده ابن بسام "لأهل الجانب الغربي من الأندلس، وذكر أهل حضرة إشبيلية وما اتصل بها من بلاد ساحل البحر المحيط الرومي"[36].

* القسم الثالث: يقول ابن بسام متحدثا عن هذا القسم: "ذكرت فيه أهل الجانب الشرقي من الأندلس، ومن نجم من كواكب العصر في أفق ذلك الثغر الأعلى إلى منتهى كلمة الإسلام هنالك"[37].

* القسم الرابع: يقول صاحب " الذخيرة": "والقسم الرابع أفردته لمن طرأ على هذه الجزيرة في المدة المؤرخة (المائة الخامسة) من أديب شاعر،و آوى إلى ظلها من كاتب ماهر، واتسع فيها مجاله، وحفظت في ملوكها أقواله، ووصلت بهم ذكر طائفة من مشهوري أهل تلك الآفاق، ممن نجم في عصرنا بأفريقية والشام والعراق"[38].

3 . 6 ـ تسمية المؤلف:

إن التصريح باسم المؤلف يعد محمدة ومكسبا للتأليف والتحقيق معا ، فقد تساءل الأستاذ عباس ارحيلة قائلا: "كيف يمكن الأخذ من كتاب يجهل مؤلفه؟"[39]. وهو تساؤل مشروع، لأن التصريح باسم المؤلف يضفي الشرعية على الكتاب، وقد سار ابن بسام في هذا الاتجاه فقال في مقدمة كتابه: "قال أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني الأندلسي، رحمه الله"[40].

3 . 7 ـ الأعمال السابقة في الموضوع:

تبرز شخصية ابن بسام، حين لا يجد حرجا في التصريح بمن سبقه إلى التأليف في موضوع الترجمة لأهل أفقه، فقال: "إذ كان ابن فرج الجياني  قد رأى رأيي في النصفة، وذهب مذهبي من الأنفة، فأملى في محاسن أهل زمانه " كتاب الحدائق" معارضا لـ "كتاب الزهرة" للأصبهاني ، فأضربت أنا عما ألف ولم أعرض لشيء، مما صنف"[41].

وعلى الرغم من اعتراف ابن بسام بريادة ابن فرج الجياني وسبقه في قوله: "وابن فرج هذا ممن تقدمني في نشر محاسن أهل هذه الجزيرة، وإظهار خبايا فضائلهم المشهورة"[42].

إلا أنه أضرب عما ألف ابن فرج في كتابه المذكور، مما جعل أحد الباحثين يعتبر كتاب "الذخيرة" لابن بسام كالذيل على كتاب "الحدائق" لابن فرج"[43]. وهو الرأي نفسه في مقدمة التحقيق، حيث يقول إحسان عباس: "وهو (ابن بسام) لا يزمع أن يكرر ما احتواه كتاب "الحدائق" لابن فرج الجياني، وإنما يريد أن يجعل كتابه ذيلا للحدائق"[44].

3 . 8 ـ الأمانة العلمية: التوثيق والعزو:

يروم هذا المحور الحديث عن المصادر التي اعتمدها ابن بسام أثناء تأليفه كتاب "الذخيرة"، وهي مصادر متنوعة ومتعددة ؛ متنوعة من حيث توزيعها الجغرافي: (مشرقية، أندلسية...)، ومتعددة كذلك من حيث طبيعتها: (رواية، حفظ...).

أ ـ التوزيع الجغرافي للمصادر:

اعتمد ابن بسام مثل غيره من اللاحقين على أدب السابقين من المشارقة، فقد أبرز تحقيق إحسان عباس عددا منها مثل: "أخبار بغداد لابن طاهر طيفور، ومؤلفات ابن قتيبة، وأخبار أبي تمام للصولي... وفي هذه الناحية يتجلى اعتماده على ما حفظه من شعر المتنبي والمعري وأبي تمام والصنوبري وغيرهم"[45].

أما المصادر الأندلسية، فتشمل: "الحدائق لابن فرج... وكتاب الهادي إلى النسب العبادي للفضل بن علي بن حزم وحديقة الارتياح في صفة حقيقة الراح للوزير أبي عامر بن مسلمة والبديع في فصل الربيع لحبيب، والحديقة لأبي عامر بن مسلمة، وديوان المعتضد بن عباد..."[46].

ومن نماذج تصريح ابن بسام بمصادره، قوله: "قال أبو علي بن رشيق في كتاب "العمدة"..."[47]. وقوله: "ولابن رشيق عدة تواليف في النظم والنثر... ككتابه المترجم ب"العمدة" و"كتاب الأنموذج" إلى عدة رسائل رائقة وبدائع فائقة"[48].

وقد عول ابن بسام على تاريخ ابن حيان(469هـ) أثناء استحضار الأحداث والوقائع، ويتضح ذلك من خلال قوله: "وعوَّلتُ... على تاريخ أبي مروان بن حيان، فأوردت فصوله ونقلتُ جُمَلُه وتفاصيله"[49].

ب ـ طبيعة المصادر:

تتحدد طبيعة هذه المصادر في الإملاءات التي أملاها عليه بعض الأدباء أو مراسلاتهم، أو ما استعاره من عندهم من مسودات وتعاليق ورقاع، أو ما قيّده من روايات أناس يثق فيهم... وغيرها[50].

وسنعرض نماذج لهذه المصادر كما يأتي:

* الحفظ: مثل قوله: "فإذا أعوزني كلامه، وعزّني سرده ونظامه، عكفتُ على طللي البائد، وضربتُ في حد يدي البارد على حفظ قد تشعّب وحظٍّ من الدنيا قد ذهب"[51]. أو قوله: "وأنا أنشد في هذا الموضوع بعض ما تعلق من ذلك بحفظي، ووقع في شرك صدري"[52].

* الرواية: مثل قوله: "أخبرني الفقيه أبو بكر بن الفقيه الوزير أبي محمد ابن العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال..."[53]. أو قوله: "حدثني من أثق بخبره"[54].

* الإنشاد: نحو قوله: "أنشدني (المنيشي الإشبيلي) لنفسه من جملة قصيدة"[55].

* الرقاع: مثل قوله عن ابن دراج: "فصل له من رقعة"[56].

لا جرم أن متصفح هذا المحور سيعترض علينا، لأن أغلب النصوص المستشهد بها، هي من داخل المتن وليس من المقدمة، ولعل ما يبرر هذا الخرق المنهجي هو كون العلاقة بين المقدمة والمتن علاقة وطيدة، فموقعها يؤهلها لنسج علاقة خاصة مع المتن فقد يلخص فيها المؤلف ما بسطه في المتن أو قد يصيرها تنظيرا والمتن تطبيقا.

3 . 9 ـ المنهــج:

يلعب المنهج دورا حاسما في فك معمّى النص أو النصوص، لذا "يتولى المؤلف بيان منهجه، فيكون ذلك هو المدخل السليم لقراءة الكتاب، ووضعه في إطاره الصحيح"[57]. ويتفرع المنهج عند ابن بسام إلى مناهج متعددة هي:

 أ ـ تقسيم الكتاب:

أشرنا آنفا إلى أن ابن بسام قسم كتابه إلى أربعة أقسام، تبعا للمناطق الجغرافية، ويكون بذلك قد "اصطنع المنهج الإقليمي في كتابه "الذخيرة" مقتفيا طريقة الثعالبي في كتابه "يتيمة الدهر" الذي قسمه إلى أربعة أقسام"[58].

وقد صرح ابن بسام بمعارضته لمنهج الثعالبي في قوله: "وإنما ذكرت هؤلاء ائتساء بأبي منصور، في تأليفه المشهور، المترجم ب"يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر""[59]. إلا أن هذا الائتساء بأبي منصور الثعالبي ـ كما يقول حسين خريوش ـ لم يجعل ابن بسام صورة من صور الثعالبي، فابن بسام كان قوي الشعور بشخصيته، وأنه كان له مزاياه في التأليف، ومنهجه في الاستقلال، فهو وإن كان حاكى الثعالبي في منهجه، لم يبقه على صورته، كما وضع الثعالبي أصوله الأولى، بل استطاع أن يتجاوز أفق الثعالبي ومنهجه[60].

ولعل هذا ما عناه ابن بسام بقوله: "وقد أثبت أيضا آخر هذا القسم طرفا من كلام أهل المشرق، وإن كانوا لم يطرأوا على هذا الأفق، حذو أبي منصور الثعالبي؛ فإنه ذكر في يتيمته نفرا من أهل الأندلس فعارضته أو ناقضته، والأدب ميدان يليق به المِتاح، ويستحسن فيه الجِماح"[61].

ب ـ الفترة الزمنية:

يقول ابن بسام متحدثا عن الفترة الزمنية للمترجم لهم: "ولا تعدّيتُ أهل عصري، ممن شاهدته بعُمري، أو لحِقه بعض أهل دهري"[62]. وقد وصل ما انقطع من كلامه بقوله: "وتخللتُ ما ضمنتُه من الرسائل والأشعار، بما اتصلَتْ به أو قيلتْ فيه من الوقائع والأخبار، واعتمدتُ المائة الخامسة من الهجرة"[63]. ويقول في مقام آخر: "وقد كتبتُ لأربابِ هذا الشأن، من أهل الوقت والزمان، محاسن تبهرُ الألباب، وتسحَرُ الشعراء والكتّاب، ولم أعرض لشيء من أشعار الدولة المروانية، ولا المدائح العامرية"[64].

يتضح من خلال النصوص السالفة أن ابن بسام ألف كتابه ليجعله خاصا بأدباء عصره، فلا يذكر منهم إلا من أدركه بنفسه أو أدركه بعض معاصريه[65]. إضافة إلى أنه ضمّن كتابه: "محاسن أدباء الأندلس من بُعيد الدولة المروانية إلى عصره، فهو صلة لكتب سلفت في الدولتين المروانية والعامرية"[66].

ج ـ منهجه في التعامل مع الأخبار والأشعار:

يقول ابن بسام: "وهذا الديوان إنما هو لسان منظوم ومنثور، لا ميدانُ بيان وتفسير، أوردُ الأخبارَ والأشعارَ لا أفكُّ معمَّاهَا، في شيء من لفظها ولا معناها؛ لكن ربما ألممت ببعض القول، بين ذكر أُجريه، ووجه عذر أريه"[67].

3 . 10 ـ بواعـث التـأليف:

تتحدد بواعث تأليف كتاب "الذخيرة" في مجموعة من العناصر، منها ما هو أدبي، ومنها ما هو جغرافي، ومنها ما هو خلقي كذلك.

أ ـ الباعث الأدبي:

فالباعث الأدبي يتجلى في رغبة ابن بسام تخليد آثار أهل أفقه. يقول معبرا عن هذه الرغبة: "وما زال في أفقنا هذا الأندلسي القَصي إلى وقتنا هذا من فرسان الفنين وأئمة النوعين، قوم هم ما هم طيبَ مكاسر وصفاءَ جواهر، وعذوبة موارد ومصادر، لعبوا بأطراف الكلام المشقق، لعبَ الدُّجى بجفون المؤِرّق، وحدوا بفنون السّحر المنمَّق، حداء الأعشى ببنات المحلّق؛ فصبوا على قوالب النّجوم، غرائب المنثور والمنظوم؛ وباهَوْا غُرَر الضُّحى والأصائل، بعجائِب الأشعار والرّسائل"[68].

ب ـ الباعث الجغرافي:

أما الباعث الجغرافي فيتمثل في معاتبة أهل الأندلس، لارتمائهم في أحضان أدب الشرق، وإهمال ما لديهم من غُرر تضاهي ذلك الأدب. يقول ابن بسام: "إلا أن أهل هذا الأفق، أبوا إلا متابعة أهل الشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طنَّ بأقصى الشام والعراق ذُباب، لجثوا على هذا صنما وتلوا ذلك كتابا محكما.. فغاظني منهم ذلك وأنفت مما هنالك، وأخذتُ نفسي بجمع ما وجدتُ من حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري... وليت شعري من قصر العلم على بعض الزمان، وخصّ أهل المشرق بالإحسان؟"[69].

لا جرم أن هذا الكلام يقدم دليلا على تحكم النزعة الأندلسية في منظور ابن بسام للأدب.

ج ـ الباعث الخلقي:

يشكل الباعث الخلقي جانبا من جوانب قوة المعيار الخلقي في النقد عند ابن بسام، إذ يقول: "وما قصدت به (كتاب الذخيرة) ـ علم الله ـ الطعن على فاضل، ولا التعصب لقائل على قائل، لأن من طلب عيبا وجده، وكلٌّ يعمل باقتداره، وبجهد اختياره، وما أُغفل أكثرُ مما كتب وحصِّل، والأفكار مُزن لا تنضبُ ونجوم لا تغرُب"[70].

3 . 11 ـ معاناة التأليف:

إن التأليف ـ وما يتعلق به ـ لا يخلو من صعوبات جمّة، سواء قبل التأليف أو بعده، ولعل من أشكال هذه الصعوبات، صعوبات الذات والمكان والزمان وغيرها.

يقول ابن بسام متحدِّثا  عن صعوبات الذات والزمكان: "وعلم الله تعالى أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء، وفكر خامِد الذكاء، بين دهر متلون تلوّن الحرباء، وقيمة كل أحد ما لَهُ، وأسوة كل بلد جُهاله"[71]. كما أشار ابن بسام إلى ما عاناه أثناء جمع تفاريق الكتاب، منبها إلى ما قد يشوب تأليفه من سهو أو زيغ، فقال: "ولعلَّ بعض من يتصفحه سيقول: إني أغفلتُ كثيرا، وذكرتُ خاملا وتركتُ مشهورا، وعلى رسله فإنما جمعته بين صعب قد ذل، وغرب قد فلّ، ونشاط قد قلّ، وشباب ودّع فاستقلّ، من تفاريق كالقرون الخالية، وتعاليق كالأطلال البالية، بخط جُهال كخطوط الرّاح، أو مدارج النّمل بين مهاب الرياح، ضبطهم تصحيف، ووضعهم تبديل وتحريف..."[72]. إلى أن يقول: "على أن عامة من ذكرته في هذا الديوان، لم أجد له أخبارا موضوعة، ولا أشعارا مجموعة، تفسح لي في طريق الاختيار منها، إنما انتقدتُ ما وجدتُ، وخالستُ في ذلك الخمول، ومارستُ هنالك البحث الطويل، والزمان المستحيل"[73].

3 . 12 ـ حضور المتلقي/ القارئ:

يهدف كل كاتب إلى إبرام نوع من التعاقد الصريح أو الضمني مع قارئه أو متلقي خطابه[74] . فالمقدمة خطاب موجه إلى القارئ، خطاب يستحضر هذا المتلقي، خطاب توجيهي تربوي... ويسعى المؤلف، من خلال المقدمة أن يدخل في حوار مع القارئ، ينصحه وينبهه ويوجهه... وقد يدعو القارئ إلى أن ينظر بعين الرضا ويتجاوز عن الخطأ والنسيان[75]. يستحضر ابن بسام المتلقي/ القارئ في قوله: "ولعلّ بعض من يتصفحه سيقول: إني أغفلتُ كثيرا، وذكرت خاملا وتركت مشهورا، وعلى رِسلِه، فإنما جمعتُه بين صعب قد ذل وغرب قد فلّ"[76]. ولعل فعل "التصفح" كاف للدلالة على عمق رؤية ابن بسام النقدية للطرف الثالث للعملية الإبداعية / التأليفية، كما نلمح حضور المتلقي في قول صاحب "الذخيرة": "وأغنيتُ عن الغائب بالشاهد، وتغلغلتُ بقارئه بين النظم والنثر، تغلغل الماء أثناء النَّور والزَّهر"[77].

3 . 13 ـ الإهداء:

يوجه ابن بسام الخطاب إلى المهدى له بقوله: "إلى أن طلع على أرضها شهابُ سَعدها وتمكينها، وهبّت لها ريحُ دنياها ودينها، ونفخ فيها روح تأميلها وتأمينها، ملك أملاكها، وجديل حكّاكها، وأسعدُ نجوم أفلاكها؛ "فلان" ثمال المظلوم، ومالُ السائل والمحروم؛ ومحيي العلم، ومربعُ ذويه وحامليه، ومستدعي التأليفات الرائقة فيه..."[78].

ومما يلاحظ بخصوص هذا الإهداء، عدم تصريح ابن بسام باسم المُهدى له، بل اكتفى بالإشارة إليه بكلمة "فلان". وقد علق محقق الكتاب على هذا المنحى بقوله: "لم يسمه هنا، ولعله سير بن أبي بكر الذي تولى إشبيلية في فترة تأليف الذخيرة، أو لعله أبهم اسمه ليتمكن من تقديم كتابه إلى غير واحد من أمراء عصره، فيثبت في كل نسخة اسما غير الذي أثبته في الأخرى"[79].

يبدو أن المحقق قد غالى كثيرا في تقدير سبب عدم التصريح باسم المُهدى له، إذ إنه لم يعرف عن ابن بسام أنه خدم أحدا من أمراء عصره، أو تطفل على موائدهم أسوة بمعظم زملائه من كُتَّاب العصر وأدبائه.

  1. 14 ـ دعاء الاختتام:

يرى الأستاذ عباس ارحيلة أن دعاء الاختتام "قد يرد في بداية الكتاب... وقد يرد في وسط المقدمة، ولكن الدعاء عادة ما يرتبط بنهاية المقدمة في التصانيف"[80].

فقد ورد دعاء الاختتام في نهاية مقدمة كتاب "الذخيرة" بهذه الصيغة: "وعلى الله أتوكل، وهو حسبي فيما أقول وأفعل لا إله سواه"[81].

  

د. محمد أبحير - باحث في أدب الغرب الإسلامي

..................

لائحة المصادر و المراجع :

  • الأعلام، خير الدين الزركلي ، ط5، دار العلم للملايين، بيروت، 1980 .
  • ابن بسام وكتابه الذخيرة، د. حسين خريوش، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان، 1984 .
  • تاريخ الفكر الأندلسي، آنخل بالنثيا ،ترجمه: حسين مؤنس، ط1، 1955 .
  • تاريخ النقد الأدبي في الأندلس ، د محمد رضوان الداية ، مؤسسة الرسالة ـ ط:2 ، 1981 .
  • ترتيب مختار الصحاح، الرازي، حققه: شهاب الدين أبي عمر، دار الفكر، بيروت، 1992 .
  • التصوير الفني للحياة الاجتماعية في الشعر الأندلسي، د. حسن أحمد النوشي ، ط1، دار الجيل، بيروت، 1992 .
  • الحضارة الأندلسية بين الخصوصية والتراث الإنساني، محمد بنعبود ، ضمن معرض مثلث الأندلس، مؤسسة التراث الأندلسي، غرناطة، 2003 ـ 2004 .
  • الخطاب المقدماتي، عبد الواحد بن ياسر ، ضمن علامات في النقد، الجزء: 47 / المجلد: 12، 2003 .
  • الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ابن بسام الشنتريني ، حققه: إحسان عباس، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2000 .
  • فنون النثر الأدبي بالأندلس في ظل المرابطين، د. مصطفى الزباخ ، ط:1، الدار العالمية للكتاب، الدار البيضاء، الدار العالمية للطباعة والنشر، بيروت، 1987 .
  • القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ضبطه وحققه: يرسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر، بيروت .
  • لسان العرب، ابن منظور، دار الفكر/ دار صادر، بيروت
  • مدخل إلى عتبات النص ، دراسة في مقدمات النقد العربي القديم ، عبد الرزاق بلال ، افريقيا الشرق ، المغرب ، 2000 .
  • معجم الأدباء، ياقوت الحموي ، سلسلة الموسوعات العربية، مطبوعات المأمون .
  • مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم،عبد الرزاق بلال ، ضمن جذور، الجزء: 2/المجلد: 1، 1999 .
  • مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع ، د عباس ارحيلة: ، المطبعة والوراقة الوطنية ، مراكش ـ ط: 1،2003 .
  • من النص إلى العنوان، محمد بوعزة ، ضمن علامات في النقد ـ الجزء:35/ المجلد:1، ـ2004 .
  • نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب في اللغة والأدب، د. أمجد الطرابلسي ، ط: 5، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1986 .
  • نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، المقري: حققه: د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1968 .

  

 هوامش

[1]  الخطاب المقدماتي، عبد الواحد بن ياسر ، ضمن علامات في النقد، ج: 47 / مج: 12، 2003م، ص: 626.

[2]  مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم،عبد الرزاق بلال ، ضمن جذور، ج: 2/مج: 1، 1999م، ص: 358.

[3]  لسان العرب ، 12 / 465 و468.

[4]  القاموس المحيط ، ص: 1034.

[5]  ترتيب مختار الصحاح ، ص: 632 و633.

[6]  مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم ، ص: 358.

[7]  مدخل إلى عتبات النص ، دراسة في مقدمات النقد العربي القديم ، عبد الرزاق بلال ، افريقيا الشرق ، المغرب ، 2000 ، ص : 51 و 52

[8]  عتبات النص: البنية والدلالة، عبد الفتاح الحجمري ،  ط1، منشورات الرابطة، 1996م، ص: 40  و 41.

[9]  نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، المقري: حققه: د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1968م، 3 / 485.

[10]  الذخيرة ، مقدمة التحقيق، ص: 5.

[11]  معجم الأدباء، ياقوت الحموي ، سلسلة الموسوعات العربية، مطبوعات المأمون، 12 / 275.

[12]  الأعلام، خير الدين الزركلي ، ط5، دار العلم للملايين، بيروت، 1980م، 4 / 266.

[13] الأعلام ، 4 / 266.

[14]  الحضارة الأندلسية بين الخصوصية والتراث الإنساني ، ص : 45.

[15]  التصوير الفني للحياة الاجتماعية في الشعر الأندلسي، د. حسن أحمد النوشي ، ط1، دار الجيل، بيروت، 1992م، ص: 48.

[16]  ابن بسام وكتابه الذخيرة، د. حسين خريوش، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان، 1984م، ص: 11.

[17]  تاريخ الفكر الأندلسي: ص: 289.

[18]  الذخيرة، 1 / 119 و 120.

[19]  نفح الطيب، 3 / 458.

 [20] مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع ، د عباس ارحيلة: ، المطبعة والوراقة الوطنية ، مراكش ـ ط : 1،2003، ص : 83.

[21]  الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ، 1/19.

[22]  مقدمة الكتاب، ص:101.

[23]  الذخيرة ، 1/19.

[24]  ابن بسام وكتابه الذخيرة ، ص:252.

[25]  تاريخ النقد الأدبي في الأندلس ، د محمد رضوان الداية ،  مؤسسة الرسالة ـ ط:2 ، 1981م ، ص:390.

[26]  الذخيرة ، 1/21.

[27]  من النص إلى العنوان، محمد بوعزة ، ضمن علامات في النقد ـ ج:35/ مج:1، ـ2004م ، ص:408.

[28] الذخيرة ، 1/21.

[29]  القاموس المحيط ،  ص:357.

[30]  الذخيرة  ، 1/24.

[31]  نفسه ، 1/ 24.

[32]  نفسه ، 1/ 25.

[33]  نفسه ،1 / 38.

[34]  مقدمة الكتاب ، ص : 109.

[35]  الذخيرة ، 1 / 27.

[36]  نفسه ، 1 / 29.

[37]  نفسه ، 1 / 31.

 [38] نفسه ، 1 /  32 و 33.

[39]  مقدمة الكتاب ، ص: 116.

[40]  الذخيرة ، 1 / 19

[41]  نفسه ، 1 / 20

[42]  نفسه ، 2 / 113.

[43]  تاريخ آداب العرب ، 3 / 299.

[44]  الذخيرة، مقدمة التحقيق ، ص: 7.

[45]  نفسه، ص: 9.

[46]  نفسه، ص: 8

[47]  الذخيرة، 6 / 642.

[48]   نفسه، 8 / 381.

[49] نفسه ، 1 / 24.

[50]  انظر مقدمة التحقيق ، ص: 7.

[51]  الذخيرة، 1 / 24.

[52]  نفسه، 2 / 603.

[53]  نفسه، 2 / 470.

[54] نفسه، 3 / 209.

[55]  نفسه، 3 / 115.

[56]  نفسه، 1 / 58.

[57]  مقدمة الكتاب، ص: 126.

[58]  : فنون النثر الأدبي بالأندلس في ظل المرابطين ، ص: 335.

[59]  الذخيرة، 1 / 34.

[60]  ابن بسام وكتابه الذخيرة، ص: 279.

[61]  الذخيرة، 7 / 9  و 10.

[62]  نفسه  ، 1 / 20.

[63]  نفسه، 1 / 23 و 24.

[64]  نفسه، 1 / 20.

[65]  انظر: نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب في اللغة والأدب، د. أمجد الطرابلسي ، ط5، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1986م، ص: 119 و 200.

[66]  تاريخ النقد الأدبي في الأندلس، ص: 372.

[67]  الذخيرة، 1 / 23.

[68]  الذخيرة، 1 / 19.

[69]  نفسه، 1 / 19 و20.

[70] الذخيرة، 1 / 22 ، 23.

[71]  نفسه، 1 / 24.

[72]  نفسه، 1 / 22.

[73]  نفسه، 1 / 22.

[74]  مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم، ص: 364.

[75]  انظر: مقدمة الكتاب ، ص: 155 وما بعدها.

[76]  الذخيرة، 1 / 22.

[77]  نفسه، 1 / 23.

[78]  نفسه، 1 / 25 و 26.

[79]  نفسه، 1 / 26، الهامش رقم: 2.

[80]  مقدمة الكتاب ، ص : 113.

[81]  الذخيرة ، 1 / 35.

 

 

ذهب أتباع التفسير الحرفي إلى إبعاد المسار القرآني عن وجهه الحقيقي فتراهم تارة ينسبون الآيات التي توجه الأنبياء نحو السلوك القويم أو تلومهم إلى قاعدة إياك أعني واسمعي يا جارة، وتارة أخرى يوهمون الآخرين بأن للقرآن باطن لا يعلم به إلا الله والراسخون في العلم حسب ظنهم، وبذلك يكون اللوم الموجه للأنبياء قد وقع تحت هذا المسمى وظلت العصمة على ما هي عليه دون أن يطرأ عليها ما يشوبها من الإضافات اللاحقة، وربما يكون هذا الصنف أقل تأثيراً من الصنف الآخر الذي أراد أن يفرق أتباعه بين مقام النبوة ومقام الرسالة من أجل القدح بشخص النبي، ونظراً إلى ما ذهبوا إليه تظل الرسالة بعيدة عن اللوم أو التوجيه دون أن يأتي هؤلاء بحجة بينة تدل على شرعية المنحى الجديد الذي ساروا عليه والحقيقة التي لا تقبل اللبس أن المقامين لا يختلفان فهما بنفس المنزلة، وكما وقع اللوم في مقام النبوة نراه سارباً في مقام الرسالة، ومن الأمثلة على ما نحن فيه قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) المائدة 67. والآية تبين واجب الرسول في التبليغ ولا يخفى ما فيها من الحدة والتهديد، وتؤكد أن عدم التبليغ في هذه المرحلة يؤدي إلى إلغاء الرسالة من أولها إلى وقت نزول هذه الآية الواقعة في سورة المائدة وهي آخر ما نزل من القرآن الكريم، ويعضد هذا المعنى قوله تعالى: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) المائدة 41.

فإن قيل: لحن الآية الثانية لا يرتبط بالتهديد المباشر كما في الآية الأولى فكيف الجمع؟ أقول: سواء ارتبط المعنى الوارد في الآية الثانية بالتهديد أم لم يرتبط، فإن النكتة ظاهرة في ما خفي على النبي من أفعال أهل الكتاب وهذا ظاهر في مقام الرسالة كما في الآية الأولى، وأنت خبير بأن تعريف العصمة لدى من ادعى التفريق بين المقامين يأبى الانطباق على ما ذكر في الآيتين، سواء أكان السياق الأول الذي يشير إلى التهديد أو السياق الثاني الذي يبين ما خفي على النبي من أفعال أهل الكتاب كما قدمنا، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم) المؤمنون 51. وكما ترى فإن الآية قد أخذت بالترقي من الأمر الصادر بالأكل من الطيبات وهو امتنان من الله تعالى عليهم إلى توجيههم بأن يعملوا صالحاً ثم ختمت بالتحذير من مخالفة أمره جل شأنه، وذلك في قوله: (إني بما تعملون عليم) المؤمنون 51. ومما تقدم يظهر أن مقام الرسالة قابل للتهديد والتوجيه كما هو الحال في مقام النبوة دون فرق يذكر، وهذا المفهوم يلزم القائلين بالتفريق أن يعودوا إلى نبع القرآن الصافي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يخفى على المتأمل أن ما ذهب إليه أولئك الناس لا يخرج عن مسمى القدح بشخص النبي (ص) وبالتالي يسري هذا المعنى على جميع الأنبياء لأجل تبديل كلمات الله تعالى وأنى لهم تغطية الشمس.

من هنا نستطيع القول إن النبي معصوم في شخصه وفي رسالته بلا أدنى ريب، وأما النهي الصادر إليه من الحق سبحانه عن اتباع الهوى فليس فيه ما يقتضي إسقاط التكليف عنه كون العصمة لا توجب سلب اختياره وعدم الأخذ بهذا الاتجاه يجعل الفرق ظاهراً بين المعصوم وغيره من حيث تحقق الواجب وبذلك تصبح الطاعة كالمعصية، وهذا المفهوم يتفرق في مواضع كثيرة من القرآن الكريم ليشمل جميع الرسل بعد أن علمت أن ليس هناك ما يدعو إلى التفريق بين الرسالة والنبوة، ومن مصاديق ذلك قوله تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) ص 26. ومنه خطابه جلت قدرته إلى موسى في قوله: (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) طه 16. وفي هذه الآية نكتة عظيمة في توجيه موسى إلى عدم السير خلف من لا يؤمن بالساعة واتبع هواه، ثم بعد ذلك يتفرع المعنى على أمر الرسالة في الآية اللاحقة وما يليها ابتداء من قوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى) طه 17. وبناء على ما قدمنا يظهر السر في قوله تعالى: (قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون) الأنعام 150. وكذا قوله: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) الجاثية 18.

وبهذا نعلم أن آية البحث التي سنتعرض إلى تفسيرها لا تختلف في مفهومها عن الآيات السابقة التي أشرنا إليها، وليس فيها ما يقدح بعصمة النبي (ص) سواء في مقام النبوة أو مقام الرسالة لمن يود التفريق بين المقامين، وسيمر عليك هذا المعنى بصورة أكثر جلاء.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) البقرة 120. يتفق جميع أهل الباطل في دعوة الأنبياء إلى اتباع ملتهم، وتكون الدعوة مصحوبة بالتهديد المتفرع على الرجم أو إخراجهم من ديارهم إن لم يستجيبوا لدعوتهم، واجتمع الأمران في شعيب كما يظهر ذلك من قوله تعالى: (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) هود 91. وكذا قوله: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين) الأعراف 88. وفي نوح قال تعالى حكاية عن قومه: (قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين) الشعراء 116.

والآيات آنفة الذكر تفيد أن عدم استجابة المرسل إليهم للرسل يجعل الأمر مهيئاً للنبي (ص) في ما يصدر إليه من تهديد سواء كان من المشركين أو أهل الكتاب لأجل أن يتجنب اتباع أهواءهم، ويلاحظ في الآية اختفاء أثر المشركين من السياق والاهتمام بأمر أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وذلك كون تأثيرهم السلبي في رسالة النبي يأخذ الطابع التعصبي لملتهم الباطلة، ومن هنا نرى كيف فصل القرآن الكريم بين الفريقين بـ (ولا) وهذا يدل على أن كل طائفة كانت تدعو الرسول (ص) إلى اتباع ملتهم والإعراض عن ملة الطائفة الأخرى، وهذا الغرور السافر أدى بكل طائفة منهم أن تنسب نفسها للأنبياء أو تجعل الأنبياء أتباع لهم دون وجه حق، وقد أشار سبحانه إلى هذه الفرية بقوله: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون) البقرة 140. وهذا التوبيخ يفيد أن جميع الأنبياء الذين ذكروا في الآية كانوا على ملة الحق ولم يكونوا يهوداً أو نصارى، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون) آل عمران 65. ثم بعد ذلك أظهر تعالى النتيجة بقوله: (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين) آل عمران 67.

ونرى في آية البحث كيف أمر الله تعالى نبيه (ص) بالرد عليهم بقوله: (قل إن هدى الله هو الهدى) وهذا هو السبيل القويم الذي يجب أن يتبع كون لا هدى إلا هداه سبحانه، ثم ختم آية البحث بقوله: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) وفي الآية دليل على أن عدم تحقق العصيان لا يمنع من الخطاب بالوعيد كما أسلفنا، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) الزمر 65.

 

من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

عبدالله بدر اسكندر

 

كيف تعرف ان الله عزوجل راض عنك؟

في البدء لابد من توضيح وجهة النظر الخاصة القائلة بان القران الكريم ليس بحاجة دائمة الى رجال الدين او المؤسسات الدينية حصرا، من اجل معرفة التفسيرات والتأويلات المتجددة او العصرية، اي تلك الوظائف التخصصية المهتمة بالمعارف او الدراسات التراثية والتاريخية، لتحديد اسباب واماكن نزول الآيات القرآنية وتأويلاتها، هذه المجالات لها مؤسساتها ورجال الاختصاص المعنية بها، بل نحن ننظر الى التفسير من ابواب المعرفة الاكاديمية العلمية الفطرية الحديثة للآيات القرآنية الواضحة، والا يمكن للمسلم وفقا لنظرية التفسير المؤسساتي او الحوزوي ان يجعل من بعض آيات القران غير مهمة (التي تسمى بالمنسوخة)، مع ان هذا الباب استخدم من قبل الجماعات السلفية الارهابية لتبرير جرائمها، أي انها رجعت للتراث الاسلامي فعادت لتفسير تلك الآيات (وبالأخص الآيات التي تحدثت عن الحدود والكفر والشرك) بطريقة ساذجة متخلفة وشيطانية، الا ان هذا النهج الخاطئ لايمنع ان تخرج في المقابل مدرسة قرآنية نقيض المدرسة الشيطانية، بمعنى انها لا تأخذ من القران الا تفاسير الخير، وما يتوافق مع الفطرة البشرية السليمة، اذ لايوجد التباس لدى عقلاء البشرية ان الجرائم سواء ارتكبت باسم الدين، او بثقافة الكراهية او المصالح هي جريمة وعمل شيطاني،

لهذا يمكن اعتباران اي تفسير يخدم الجمال الكوني والحياة الفطرية السليمة هو عمل خير، لابد ان يتم تشجيعه والحث عليه، من هنا نقول ان لكل مسلم الحق في فهم الخير القراني، ورب سائل وهل هناك فهم او ذكر للشر في القران، نقول نعم لكن ليس في ذات القران ومحتواه وتأويلاته (اي ان القران لايدعو للشر كما يفعل الارهابيون الدواعش انما حث على الابتعاد عنه تجنبا لما قد يصيب الجاحد والمفسد والمسرف شرا يوم القيامة، وهي عقوبة نار جهنم)، وانما من يقوم بتفسير القران لأغراض وافعال الشر، واستنباط التأويلات الخاطئة في تنفيذ العقوبات والحدود والتعامل مع الاخر غير المسلم كما قلنا (او اغتصاب النساء بحجة زنى جهاد النكاح)، هي المفسدة والجريمة الكبرى التي يتعرض له الدين الاسلامي اليوم،

الله عزوجل ذكر الخير والشر في القران كذكره الجنة والنار، وفيها نوافذ للفهم الشيطاني (للمنافقين والمنحرفين ومن في قلوبهم مرض الكراهية والحقد والشر)، فيأتي المنحرفون فيأخذون كل اية ذكرت بأنها ستوصل صاحبها الى نار جهنم ويطبقونها على بني البشر، وكأنهم وكلاء لخالق السماوات والارض، بينما شأن البشرية كما ورد في القران العمل الصالح فقط.، هذا المدخل الذي نتمنى ان يأخذ حيزا فيه الفهم الحديث لمعرفة رضا الله من سخطه، واعتبرهما جزأ من منظومة المدرسة الاخلاقية الالهية، التي جاءت في عدة مواضع من القران الكريم بعيدا عن الاركان الاسلامية الخمس، كالعمل الصالح، والحسنات، والصدقات، وكف الاذى عن البشر والكون كله، الخ.......

نعود الى صلب البحث الذي يهتم بفهم الانسان للقران الكريم بشكل طبيعي ودون تدخل من علماء التفسير، لاننا نؤكد على ان الحديث لايختص بالاسباب وازمنة او امكنة النزول (مكية او مدنية)، انما دراسة الاسباب والقواعد الالهية التي نستطيع ان نفهمها اليوم وليس قبل اربعة عشر قرن، بعبارة اخرى الانسان مجبر على فهم القران في عصره وزمانه وليس كما نزل قبل قرون، لماذا؟

 لان الادوات المعرفية التي يمتلكها قد تغيرت بفعل ارادة الله سبحانه وتعالى، وليس بفعل البشر كما يدعي المتشددون......

تقاس درجات ايمان المسلم عند العامة من الناس بالمظاهر المتزمتة لممارسة العبادات والمعاملات، وبالأساليب المتشددة المفرطة في اجتناب مايسمى المحرمات، لكن تلك الاشياء او هذه الامور تبقى مجرد تصور ظاهري لمن يرون او من هم يدعون هذا الايمان، لعل بعض الاشخاص بالفعل لديهم حالة ايمانية نقية وصافية، حيث تصبح جوارح وحواس الانسان معتادة على الصمود امام مغريات الحياة، لكنها قواعد فردية لايعول على صحتها الا في حالات الاختبارات الصعبة التي قد تؤذي صاحبها احيانا او توصله الى الشهادة في سبيل الله عز وجل، كمعارضة الانظمة الفاسدة ومواجهة الطغاة،

اذن هل يمكن اعتبار تلك المعايير الخاصة بتمييز المسلم العادي عن المؤمن، هي كلمة الفصل في حالة التفكير والتفسير والتحليل الشخصي لمعرفة موقع العبد عند ربه عزوجل، او للوصول الى نسبة مقبولة من القناعة بأن الله سبحانه وتعالى راض عن اعمالنا وافعالنا وتصرفاتنا،

نعتقد ان الله عزوجل لم يسن ويشرع القوانين والالتزامات والممارسات العبادية من اجل معرفة طاعة العبد وايمانه به فقط، انما هي وسيلة واسلوب وطريقة التخاطب مع الله سبحانه وتعالى، حددت بطريقة الهية لغايات وحاجات بشرية فطرية، مع ان الله سبحانه وتعالى يذكر ان الكون والمخلوقات كلها تسبح بحمده لكنها لم تكن عاقلة كالانسان، ولهذا شعرت البشرية بالفرق في ضرورة ارسال وبعث الانبياء والرسل اليهم، وضرورة ايجاد الاديان لإشباع الروح الانسانية الضعيفة امام حقيقة الكون واسراره والماهيات الاخرى،

قال تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ . وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ . (الصف1)

هذه الآية اعلاه تؤكد ان المخلوقات والكون تمتلك حواس وحركات وظروف ومتغيرات وطبيعة خاصة تختلف عن حواسنا نحن البشر.

نعتقد ان درجات ايمان المسلم لاتكتمل الا باجتناب كبائر المحرمات (وهذه رؤية فلسفية اسلامية خاصة تميز بين انواع المحرمات تبعا لحجم اثارها)،

هناك ثلاثة معايير او اسس وقواعد ايمانية مهمة وصعبة في نفس الوقت، يستطيع المسلم ان يعرف على اقل تقدير ان الله عزوجل راض عنه ام لا،

هناك آيات توضح تلك الحقائق منها قوله تعالى:

 [ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] (التوبة: 100

وقال عزوجل في مورد الرضا ايضا

[لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] [المجادلة: 22

وذكر الله سبحانه وتعالى في القران الكريم ايات كثيرة حول رضاه عن عباده منها:

 (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (التوبة: 21)

 (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }المائدة16

 (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ال عمران 162

 (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴿٢٦٥ البقرة﴾

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾ [14آل عمران:

[أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }التوبة109

[ (فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ }آل عمران174

في جميع ايات الرضا التي ذكرها الله عزوجل في القران الكريم لم تتطرق الى علاقة الصوم او الصلاة او الزكاة او العبادات عموما (بل وحتى العمل الصالح) برضاه سبحانه وتعالى، انما جعلها اساس الدرجات الخاصة بمعرفة المؤمنين، الذين اكتملت عندهم الخصائص الشرعية للإسلام مسبقا، وهي كما قلنا سابقا العبادات والمعاملات والاعمال الصالحة، بحيث تكون بمثابة الطريق الصحيح للوصول الى اولى خطوات درجات الايمان، اما الدرجات القريبة من الايمان، تلك التي تجعل من الانسان المسلم ان يقتنع جزئيا على اقل تقديرمن ان الله راض عنه، وتمنع عنه ايضا المخاوف والشكوك والتساؤلات المتكررة عند اشتداد الازمات النفسية حول مسألة رضا الله اوسخطه عليه، نجدها بينة عبر المقارنة بين تلك الحالتين، اي بين حالة السخط والغضب التي وردت في القران الكريم مع حالة الرضا، وهي بالطبع تعطي انطباعا واقعيا عن حجم ومساحة الفرق بينهما عند الله سبحانه وتعالى،

نذكر بعض من الآيات القرآنية التي تحدثت عن سخط الله عزوجل منها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿١٣ الممتحنة﴾

[ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ] (سورة البقرة 176

 (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠٦ النحل﴾

 (يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا ﴿٨ الجاثية﴾

 (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ﴿٦٠ المائدة﴾

في الامثلة القرآنية السابقة تصبح الامور الى حد ما واضحة، لمعرفة طرق رضا الله عزوجل من سخطه، اي ليس بالعبادات والمعاملات الظاهرية فقط، يمكننا معرفة الخير والشر، إنما ببعض الامور التي تجعل الله عزوجل راض او ساخط على الانسان، وقد وقع اغلب المسلمين في شراك الشيطان منذ العهد الاموي حتى يومنا هذا، ولعل ماحصل في عهد النظام البعثي البائد في العراق، وتعامل المجتمع مع النظام المنحرف على انه نظام دولة شرعي، على الرغم من ان حجم الظلم والاستبداد كان كارثيا، بطبيعة تعامله الشيطاني الوحشي مع الناس، واساليبه القمعية، وتصرفاته البعيدة عن الله سبحانه وتعالى في التعامل مع المؤمنين والعامة كانت جلية علنية، الا ان المجتمع اختلطت عليه مفاهيم الرضا والسخط، اي الخير والشر، فصار البعض منهم مطية للشيطان.

اذ اننا نعتقد ان المحرمات العظيمة هي ثلاث المال الحرام والزنى والاكل الحرام وشرب الخمور، ويمكن اضافة القتل العمد، لكننا نستثني حالة القتل العمد على اعتبار انها ليست عملا شهوانيا مهما، يمكن ان تدفع الانسان ليقع فريسة لهأُ، انما هي جزء من الحرام الاكبر اي جمع المال (اغلب جرائم القتل والافساد تكون من اجل المال)، فصورة عظمة (المسماة اعظم الكبائر) المحرمات الثلاث تظهرمن خلال طبيعتها الشهوانية، اي تكمن في انها تمتلك الحالات الشهوانية العظمى المتنازع عليها من قبل الانسان، والمنتشرة بصورة متوارثة على مستوى البشرية جمعاء، ولهذا يعد الانسان المسلم الذي يتجنب تلك الاعمدة الشيطانية الثلاث، قريبا من الشعور بحالة الاطمئنان النفسي النسبي بأن الله راض عنه،

هذه الحالة تؤكدها مسألة النفاق المنتشر بين المسلمين في عهد النبي محمد ص، والانحراف الذي حصل بعد وفاته ص من اجل المال والشهوات الاخرى، وصولا حتى يومنا هذا، (التي لازالت بعض الانظمة العربية المسلمة الشكلية، تمارس عمليات الاستبداد، والعمالة للأجنبي وبيع الكرامة، ودفع الرشاوى وقمع المؤمنين والبسطاء من الناس، ونهب منظم مستمر لثروات الشعوب المسلمة من اجل نزواتها وشهواتها الحيوانية المفرطة، بل سقطت اغلب الحركات الاسلامية ورجال الدين في شراك الفتنة الارهابية الداعشية بعد 2003 طمعا بالمال والجاه والسلطة)،

على الرغم من ان ظاهرهم الاسلام (اي المنافقين)، ويعدهم غالبية المسلمين اليوم من صحابة الرسول ص، الا ان الله سبحانه وتعالى حشرهم في القران الكريم في خانة الكافرين،

وهناك آيات قرآنية كثيرة تحدثت على وجه الخصوص في نفاق بعض المسلمين في عهد النبي ص منها، ...

قال تعالى في سورة النساء: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)

(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، (67التوبة)

[يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] (73التوبة) المائدة

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ] (91) (المائدة)

ماحصل في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وبداية نشوء مقومات اركان الدولة الاموية، ومن ثم مجيء العهد العباسي، كانت مقدمات الكوارث التي انتجت التطرف والارهاب والتشدد والتخلف والتقوقع او الانكماش المعرفي للمسلمين، كلها كانت ترفع شعار الاسلام والايمان وتطبيق الشريعة، الا انها كانت دول استبدادية ظاهرها الاسلام، وباطنها دول شيطانية دموية فاسدة، لايمكن ان يرضى الله سبحانه وتعالى عنها (لهذا بدأنا نسمع بعض الاصوات الباحثة عن الاسلام المحمدي الاصيل بأدانتها لتلك الحقب السيئة، ومن انها لم تعد تحترم الموروثات والاساليب التاريخية الممجدة للفتوحات الاسلامية، واعتبارها جزءا من شهوات السلطة والمال والجنس)، انما منها تأسس وقام عليها مفهوم اسلامي خطير هي دولة الخلافة، التي ظهرت بعد اربعة عشر قرنا في دول الارهاب البربرية المتوحشة الداعشية،

ونجد ان هؤلاء ادعياء التشدد الاسلامي، ينتهكون قدسية الاسلام بتجاوز المحرمات العظمى الثلاث، فمارسوا عملية سرقة الاموال، وممارسة الزنى (جهاد النكاح)، والاكل الحرام اضافة الى عمليات القتل الوحشي العمد.

يظهرعظم ضرر تلك المحرمات من خلال الايات القرانية العديدة، التي ذكرت شهوة حب المال وكنز الذهب والفضة، حيث قال الله عزوجل في هذه الابواب..قال تعالى :

وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (الانفال28))

 (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) [التوبة:34-35

هناك بالطبع ايات قرانية كثيرة تتحدث عن درجات الحرام المختلفة، فحرام شرب الخمر ليس كحرام القتل العمد، وحرام سرقة دولار واحد، ليست كحرام سرقة ملايين او مليارات الدولارات، تترتب عليها اثار كبيرة وخطيرة منها مرض وجوع الالاف من الايتام والفقراء وكبار السن، فنجد ان الله سبحانه وتعالى عندما اراد ان يتحدث عن حالة تجنب الوقوع في الزنى، ذكر لنا احسن القصص، هي قصة نبي الله يوسف ع، حيث قال رب السموات والارض

، (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24سورة يوسف)

الله عزوجل يقول لعباده ان تلك الشهوة المحرمة خارج اطارها الشرعي، هي ليست سهلة لكنها دليل بين عن ايمان المسلم، واخلاصه لله سبحانه وتعالى باجتنابها،

 

خلاصة البحث المختصر:

يمكن ايجازه بعدة نقاط مهمة منها

اولا: ان الحرام درجات هي جميعا من الكبائر، لكن لابد التمييز والتفريق بين حرام يمكن ان يغفره الله، واخر لايمكن ان يسامح به بسهولة كاقتراب المسلم من حالة النفاق، او حالة عدم الرضا، او عدم المغفرة والتسامح مطلقا وهي تخص الكفار والمشركين والمنافقين والمسرفين في الالحاد والعداوة وعبور حدود الله عزوجل...

ثانيا:ان رضا الله عزوجل دليل على ايمان المسلم، ومنها اجتناب المحرمات العظيمة الشهوة (المال –والزنى- والاكل والشرب الحرام كلحم الخنزير وشرب الخمور والقتل العمد)، هذه المحرمات ليست سهلة الاجتناب، فهي اكبر الشهوات التي تتقاتل عليها البشرية منذ الازل،

ولنضرب مثلا على ذلك، اشتهرت في الآونة الاخيرة موائد رمضانية لإفطار الصائمين، يقوم بها اما بعض الراقصات او التجار والموظفين والمسؤولين والحكام الفاسدين، هؤلاء يعتقدون ان تكفير الذنوب بتزكية المال الحرام والتصدق به، يمكن ان يكون كفارة عن اصل الحرام، التي جاءت منه تلك الاموال (علما ان قسم من هؤلاء يمارسون الطقوس او العبادات الاسلامية كالصلاة والصوم والحج، الخ.)

وهذا هو احد الامثلة الذي يحدد قدرة الشهوات الكبيرة القوية على محاربة ومواجهة واختراق القدرات النفسية او الايمانية للمسلم، فيضطر ان يمارس الحرام، ومع هذا يعمل كل شيء من اجل كسب رضا الله عز وجل، معادلة صعبة متناقضة لايمكن قبولها...

ثالثا: الاطمئنان النفسي يمكن معرفته بالحصول على نسبة كبيرة من درجات الايمان للمسلم في اجتناب المحرمات الكبيرة، التي تمس جوهر حياته اليومية، فما يحصل من انهيار خطير في ايمان المسلمين، لاسيما فساد النخب الاسلامية وكوادرها المتقدمة من اجل المال الحرام، لهو مؤشر خطير على وجود حالة شيطانية متوارثة منذ عهد الخلفاء الراشدين، وهي حالة عدم الاكتراث لسخط الله وغضبه، او اهمالهم بمسألة الاهتمام بتقدير نسبة ايمانهم ما داموا يقومون بالعبادات كاملة كما يعتقدون، فالبعض يعتقد انه يمارس العبادات الاسلامية بشكل صحيح ومتقن (كرجال الدين المنحرفين اخلاقيا لسرقتهم اموال العامة، والعمل بتجارة بيع الفتاوى الكاذبة، كتكفير الشيعة)، وكأنه مجرد واجب الهي جامد لاحياة فيه، بينما نعتقد ان تلك العبادات او اركان الاسلام الخمس هي الوسيلة الوحيدة الممكنة لمعرفة طريق الايمان، ورضا الله عزوجل، وهي من الواجبات والتمارين النفسية للمسلم الملتزم بتطبيق الشريعة وممارسة العبادات والمعاملات الحسنة اليومية، اذ ليس سهلا ان يجتنب المسلم تلك الشهوات العظيمة السوء، التي يذبح من اجلها احيانا ملايين الابرياء، من قبل الملوك والامراء والرؤساء وزعماء العالم، وكذلك عصابات الجريمة المنظمة والتجار والاغنياء (الخ.)،

ولا يلتفت هؤلاء لإعمالهم ولمن حولهم، وما يفعل يوميا من اعمال تغضب الله وتزيد في سخطه علينا وفقا لما جاء في القران الكريم.

في العراق وبعض الدول العربية، انتشرت ظاهرة الاسلام السياسي، وتصاعدت حدة التطرف والتشدد والفساد المالي والرشوة، وزادت كارثة الجرائم الارهابية بحجة التدين والالتزام بالشريعة، الا ان الفساد المالي والاداري والاخلاقي تصاعد ايضا بشكل خطير، في بلادنا انحرف عشرات الالاف من الشباب والشابات بعد زيادة حالة الاحباط واليأس والفقر، التي انتشرت بين السياسيين الحاكمين في البلاد، يحمل هؤلاء في جعبتهم كتب الحلال والحرام، والحيل الشرعية كمفتاح للجنة، اذ اصبحوا يحللون الحرام، ويحرمون الحلال وفقا لرغباتهم وشهواتهم،

هؤلاء يحاربون الله والقران والسنة النبوية وعباد الله ليل نهار، انما نجد في المقابل ان اصحاب الخير، ممن يتجنب تلك المحرمات هم من الفقراء والمساكين والمؤمنين وحتى المسلمين العاديين، الذين لا تستهويهم مظاهر الشهوات كثيرا، من الذين يرضون بقسمة الله سبحانه وتعالى ورزقة.

 

نتيجة البحث:

يتضح من خلال البحث المختصر ان كل الازمات النفسية، وسوء عاقبة المسلم، هي مس من الشيطان ممكن ان تدفع بالإنسان عموما، والمسلم على وجه الخصوص نحو الهاوية، او تدفع به في طريق حب الشهوات والتطرف في استخدام شتى الوسائل والطرق والاساليب الدنيئة للحصول عليها..قال تعالى في تلك الحالات.

 ([وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ) (الأعراف 200 ـ)]

[وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) (ص)].

نعتقد ان كل مرض نفسي، وفساد اخلاقي، سببه الشيطان ولهذه لايوجد علاجا له سوى في القران الكريم..

والله عزوجل اعلم.

 

مهدي الصافي

........................

بحث فلسفي اسلامي مختصر يتحدث عن احتمالية معرفة الانسان درجات الايمان ورضا الله عن عباده،، فالفلسة التي نتحدث عنها هي فك الرموز الغائبة عن الوعي الجمعي....احيانا قد يكون عصارة البحث سطرا من نتاج التجربة المعرفية الشخصية في الاستنتاج من لفكر والتفكر والتأمل، ولكل انسان فلسفة وفكر ووعي ورأي الا انها تختلف في النتائج، ونسبة التفاوت، بين الخير والشر، او الصح والخطأ

 

الأثر المترتب على تبليغ الرسالة الإلهية من قبل الأنبياء لا يخرج عن التسمية الوظيفية المتضمنة للإنذار والتبشير، أما ما يجانب هذا الاتجاه من حيث الموازنة الفعلية لشخص النبي فهو وإن كان في معزل عن الأحكام التشريعية إلا أنه لا يكون مذموماً إذا ما نظرنا إلى القياسات الطبيعية للنفس التي لم تنقاد إلى القوانين والنظم المفارقة للسمات البشرية، ومن هنا نرى أن التقديرات الشخصية للأنبياء لا يمكن أن تعزز التجاذبات الدفاعية عن المكلفين بالشرع الملقى على عاتقهم، أو ما ينسجم مع الاتجاهات العرفية التي تلقي بظلالها على مسيرتهم العامة، سواء كانت الاعتقادات السائدة لديهم ناتجة عن جهد النبي أو ملازمة للطبيعة الفطرية، وتعليلاً لهذا النهج نرى أن الصفات الإنسانية قد تتغلب على الأحكام التشريعية التي ألزم الله تعالى بها أنبيائه، وبالتالي يحتاج هذا المنحى إلى مقررات أخرى تساعد على إرجاع الأنبياء إلى الأحكام الإلهية التي تحدد العواطف الفطرية الظاهرة في سلوكهم، أما إذا ظهر ما يخالف ذلك فلا محيص من أن تظل الاعتقادات الراسخة في مخيلتهم حبيسة الخلجات النفسية التي تحيط بأفكارهم، وتأسيساً على ما سلف يمكن القول إن النظام الإلهي ما جاء إلا ليبعد الشبهات المثيرة عن القلوب الطاهرة ويركز على الأسس القانونية وإن كانت لا تتفق مع الفطرة السليمة التي يمتاز بها الأنبياء، ومن الأمثلة على ما نحن بصدده تلك الواقعة الشهيرة التي حصلت لقوم لوط والتي كان لها الأثر الفاعل في دفاع إبراهيم عنهم والتوسل إلى الملائكة مبدياً الأعذار التي يظن أنها تشفع لهم عند الله تعالى، ولكن الله غالب على أمره.

وقد صور القرآن الكريم هذه الحادثة بأروع الصور حيث قال سبحانه فيها: (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين... قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) العنكبوت 31- 32. فإن قيل: يظهر من الآيتين أن إبراهيم كان يدافع عن لوط دون قومه وهذا لا يتفق مع الطرح المقدم؟ أقول: إبراهيم لا يجهل أن الله تعالى سوف ينقذ لوطاً وأهله من العذاب ولكن أراد أن يجعل من ذلك وسيلة خفية لأجل صرف العذاب عن أهل القرية، "ولا يرد علينا بأن الغاية لا تبرر الوسيلة لأن القاعدة لا تحمل على عمومها في جميع الحالات هذا على فرض صحتها" ويعضد ذلك ما ورد في قوله تعالى: (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط... إن إبراهيم لحليم أواه منيب... يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) هود 74- 76. ومما تقدم يظهر أن الآيات صريحة في دفاع إبراهيم عن قوم لوط لا عن لوط، والنكتة ظاهرة في قوله: (يجادلنا في قوم لوط) هود 74. وهذا الأمر يختص برحمة الأنبياء الفطرية التي لا تخضع للتحليلات الدخيلة إلا بتوجيه من الحق سبحانه، فتأمل هذا المعنى بلطف وسوف يدلك على أسرار القرآن الكريم.

من هنا نعلم أن قيادة الأمة لا يكتب لها البقاء إلا إذا كان العامل الماثل فيها متفرعاً على شخص القائد ومدى حرصه على رعيته، وأنت خبير بأن هذا الفعل قد يكون بمنأى عن الحكام الذين لا يراعون حرمات الله تعالى، وبذلك يظهر الفرق بين القيادة الأرضية التي لا يحافظ أصحابها على الأصل الثابت في النفس البشرية، وبين أولئك الذين جعلوا من أنفسهم معبراً لأقوامهم حتى وصل بهم الأمر إلى الهلاك من أجل هداية الناس والأخذ بأيديهم إلى بر الأمان، وخير مثال على ذلك هو ما نجده متجسداً في السبيل القويم الذي اتبعه النبي (ص) من أجل هداية أهل مكة، وقد بين تعالى هذا المعنى في مواضع متفرقة من القرآن الكريم كقوله جل شأنه: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً) الكهف 6. وكذا قوله: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) الشعراء 3. وكذلك قوله سبحانه: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون) فاطر 8. وجميع هذه الآيات تهدف إلى تسلية النبي وإذهاب الحزن والأسى عنه، وتبين له أن الأمر لا يحتاج إلى إهلاك نفسه، كون مهمته مع قومه تنتهي عند الإنذار لمن خالف التعاليم التي أمر الله تعالى بها دون سلب الاختيار عن المعارضين للرسالة.

وبناءً على ذلك نلاحظ مدى تكرار الحق سبحانه للمفاهيم التي تدلل على عدم سلب الاختيار عن المرسل إليهم، وكما ترى فإن مخالفة هذا النهج لا تتناسب مع الدعوة الإيمانية علماً أن الله تعالى لديه القدرة على إخضاع الناس للعبادة القسرية، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى في كثير من الآيات كقوله: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) الشعراء 4. وكذا قوله: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس 99. وقوله تعالى: (أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً) الرعد 31. ولذلك جعل الحق سبحانه جميع الأبواب مفتحة لما يختاره الناس كما في قوله: (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً) النبأ 39. وكذا قوله: (لمن شاء منكم أن يستقيم) التكوير 28. وقوله تعالى: (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً) المزمل 19. وكذلك قوله: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً) الكهف 29. وهنالك آيات أخرى بهذا الشأن، ومن هنا يتضح أن الإيمان أو الكفر المشار إليهما في الآية الأخيرة لا يعززان القدرة الإلزامية على استيعاب المعاني المتفرعة منهما دون الوقوع في التبريرات الضاغطة على السلوك الشخصي للاتجاهات الاختيارية التي يتخذها الإنسان إذا ما علمنا أن الآية بعيدة عن التوبيخ، وقياساً لذلك تظهر النكتة في آية البحث التي بين تعالى من خلالها عدم مسؤولية النبي عن أصحاب الجحيم من الأحياء دون السؤال عن حال أبويه كما ذهب إلى ذلك قليلي الخبرة من المفسرين، وكما ترى فإن الفعل يتعلق بالله سبحانه دون النبي وهذا ظاهر.

 

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) البقرة 119. الآية تبين أن مهمة النبي تنتهي عند التبشير والإنذار، ويظهر في منطوقها تبرئته (ص) عن الاتجاهات السلبية المتخذة من قبل قومه كونه غير مسؤول عنها، والجزء الأول من الآية أعني قوله: (إنا أرسلناك بالحق) يحتمل مجموعة من الوجوه التي يشهد لها القرآن الكريم أهمها:

أولاً: المراد من إرساله بالحق أي بالصدق، ويشهد لهذا الوجه قوله تعالى: (ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين) يونس 53.

ثانياً: المراد من إرساله بالحق أي إرساله بالقرآن، ويشهد لهذا الوجه قوله تعالى: (بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج) ق 5.

ثالثاً: المراد بالحق الإسلام، ويشهد لهذا الوجه قوله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً) الإسراء 81.

رابعاً: الحق الذي يقابل الباطل، ويشهد لهذا الوجه قوله تعالى: (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) الأحقاف 3.

وأرجح الاحتمالات هو الاحتمال الثاني نظراً لما يفيده السياق... فتأمل ذلك بلطف.

 

من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

عبد الله بدر اسكندر

 

abdulhusan shaaban (الزمان مكان سائل، والمكان زمان متجمّد) .. ابن عربي

ما الذي تبقّى من المثقف اليساري في مجتمعاتنا؟ فهل انقرض أم خفّ وزنه أم ضَعُف تأثيره، وشغلته ظروف الحياة ومشكلاتها عن أحلامه وطموحاته، أم أنه يمكن أن يستعيد دوره وموقعه وألقه؟ أتراه أصبح جزءًا من الماضي وتراثه، ومجرّد ذكريات يحنّ إليها بعضنا بين الفينة والأخرى، أم أن حضوره الحالي والمستقبلي، على الرغم من محدوديّـته، هو جزء من معركته بشكل خاصّ لإثبات وجوده وتأكيد استمراره، وكذلك جزء من معركة اليسار بشكل عامّ، الذي ما بات يعاني من حالة انحسار وانكماش بسبب أزمته الخاصّة وأزمة الحركة اليسارية والتحرّرية بشكل عام؟

يمكن هنا تسليط الضوء على ما ذهب إليه "ميشيل فوكو"، وخصوصاً في مقالته التي تحمل عنوان "المهمّة السياسية للمثقّف" ردّاً على سؤال وجِّه له: "هل بوسع المثقف اليساري أن يفعل شيئاً بوصفه فاعلاً، وبوصفه الوحيد القادر على الفعل داخل حراك اجتماعي؟"، وكان جوابه: "إنّ الرأي الذي يقول إنّ تدخّل المثقّف بوصفه مُعلّماً أو صاحب رأي، لا أتبنّاه... لأنني أعتقد أن الناس ناضجون بما يكفي كي يقرّروا...".

ولعلّ نظرة مثل هذه، تشكّل خروجاً على الفكرة التبشيرية لدور المثقف في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تلك التي كانت تعطيه دوراً ريادياً في تبصير الناس وتنويرهم وتوجيههم نحو التحرّر.

لقد أعلن فوكو بذلك "نهاية المثقّف"، خصوصاً عندما اعتبر مفهوم المثقف ذاته غامضاً وعائماً، فالمثقف مذنبٌ حين يصمت وحين يتكلّم وحين يكتب وحين يستقيل، لأن وظيفته الجديدة، بحسب فوكو، هي النّضال ضد مسلّماته، فهو إما أن يكون ملتزماً أو مزيفاً، وهو ليس وسيطاً عقارياً بين آيديولوجيات، لأنه ينبغي أن يكون صوت المظلومين والصامتين والمهمّشين.

وقد كان "أنطونيو غرامشي" صاحب فكرة "المثقف العضوي"، وهي المقولة الأثيرة التي ظلّ أصحابنا الماركسيون واليساريون يستخدمونها بمناسبة ومن دون مناسبة، وقد عني بها الاقتراب من الجماهير، والعمل وسط المواقع الدقيقة للحركات الاجتماعية، بل التماهي معها.

لا يتحدّث بعض مثقفي اليسار، ولا سيّما العربي في الكثير من الأحيان، عن الحاضر أو المستقبل، لكنه يغوص في الماضي ويستغرق فيه مستذكراً بشغف أيّامه الجميلة كما يسمّيها أحياناً، يوم كان دوره مؤثّراً وصوته هادراً وإبداعه راقياً. ربما يجد في تلك النستولوجيا "الحنين إلى الماضي" تعويضاً عن حاضر باهت ومستقبل مجهول وأحلام مُنكسرة، وقد يرجع ذلك إلى شعوره بأنّ الماضي معروف، وهو يستحضر جزءه المشرق، أما الحاضر فلا يزال ملتبساً والمستقبل لا يُبشّر بالخير حسب معطياته.

في نبرة المثقف اليساري تشعر أن ثقته بالمستقبل ضعيفة، بحكم موقعه المتواضع والتابع أحياناً، لذلك يتشبّث بالتاريخ وبالماضي، كجزء من محاولة البقاء، وهي سمة عامة لنا نحن العرب، الذين نتحدّث عن ماضينا "التليد"، أكثر ممّا نتحدّث عن حاضرنا ومستقبلنا.

وبالطّبع تختلف مهمّات المثقف اليساري الراهنة عن مهماته السابقة، وكذلك وسائل وأساليب تحقيق أهدافه، ناهيك بأدواته، وهي أمور لا بدّ من أخذها بنظر الاعتبار عند تناول دور المثقف وأفقه المستقبلي في ظلّ الأزمة الراهنة وسُبل الخروج منها.

صحيح أن التراجع والانكسار والخذلان والخيبة هيمنت على المثقف اليساري، أو مثقف التحرّر الوطني، كما يطلق عليه بعضهم، باستثناء قلّة ظلّت متشبّثة بممانعتها ومقاومتها ورفضها لمشاريع ومخطّطات تريد فرض الأمر الواقع على شعوبنا وبلداننا، وعلى الثقافة والمثقفين من جانب جهات متسيّدة ومتنفّذة خارجية وداخلية، لكن حتى بعض هذه القلّة يعيش هو الآخر في الماضي، ولا يريد تطوير أدواته لمواجهة الحاضر واستشراف المستقبل. والبقية الباقية ليس لديها الوسائل والمستلزمات الكافية للمواجهة بسبب اختلال موازين القوى وتشتّتها "شيعاً وأحزاباً"، لكنها ظلّت حريصة على أن يبقى صوتها مستقلاً ونقدها مستمراً.

تحاول الجهات المتنفّذة على الثقافة والمثقفين فرض منهجها، تارةً باسم "العولمة" وتارةً أخرى باسم "التغيير والدمقرطة"، وفي تارة ثالثة تحت عنوان "مواجهة التغريب والاستكبار" ولكن من موقع السلفية والماضوية، وبين هذا وذاك من المشاريع الكبرى، يتم إلغاء أو تحجيم فردانية المثقف، وتحويل إبداعه إلى مجرّد دعاية وترويج لمصلحة الحاكم أو صاحب القرار أو السياسي المتسلّط، بما فيها في المعارضات أحياناً، سواء بزعم مواجهة العدوّ الخارجي والخطر الأجنبي الداهم، وأخرى باسم المصلحة الوطنية العليا وأهداف الثورة، وثالثة باسم الدّين، أو باسم المذهب أو غير ذلك من التبريرات التي تعود إلى مرحلة ما قبل الدولة.

وإذا كان النضال ضدّ الإمبريالية وربيبتها الصهيونية، ومن أجل الاستقلال والانعتاق والتحرّر الوطني والوحدة الكيانية العربية والعدالة الاجتماعية، هي الأساس الذي اعتمده المثقف اليساري في مرحلة التحرّر الوطني في الأربعينات والخمسينات من القرن الفائت وما بعدهما، فإن هذا النضال اتّخذ أشكالاً جديدة، وإنْ كانت محدودة، لكن مرجعيتها الفكرية أخذت بالاتّساع والعمق، ويمكن أن تكون نواة أوّلية لما أسماه "أنطونيو غرامشي" بـ"الكتلة التاريخية" التي تحتاج إلى جهود جبّارة من المثقفين للوصول إليها في إطار أجواء حوار ومصالحة بعد مصارحة بين التيارات المختلفة.

- II -

أهي نهاية المثقّف العضوي؟

نعود إلى السؤال: أين المثقف اليساري، الماركسي والقومي العربي والليبرالي الوطني؟ وكيف يمكن توظيف إبداعه ليستعيد دوره؟ ومن حقنا، بعد الارتكاس والتقهقر الذي تعرّض له المثقف، أن نصوغ السؤال الملغوم: أهي نهاية للمثقف العضوي بحسب غرامشي؟ وهل بإمكان "تفاؤل الإرادة" تغيير "تشاؤم الواقع"، أم ثمة عوامل ينبغي استكمالها لتحقيق ذلك؟ وهل صعود مثقف العولمة والمثقف النيوليبرالي هي نهاية للمثقف اليساري؟ أم ثمة دور يمكن أن يضطّلع به المثقف اليساري في إطار مشروع نهضوي عربي جديد، يقوم على مرتكزات أساسية هي الاستقلال السياسي والاقتصادي والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والوحدة العربية والتجدد والانبعاث الحضاري، ومرّة أخرى أين رمزية مثقف الأربعينات والخمسينات وكارزميته من رمزية مثقف اليوم؟

لقد أسهمت الحقبة البترودولارية في إضعاف المثقف اليساري ومحاصرته، وأدّت تدريجياً إلى نكوص دوره أو انكفائه أو شعوره بالانكسار والخذلان في ظل توازن قوى ليس لمصلحته، وخصوصاً فشل المشروع الاشتراكي واليساري والتحرري عموماً، وانهيار النموذج "البلدان الاشتراكية" التي يمكن أن نطلق عليها "أنظمة الأصل"، وتقهقر بلدان التحرّر الوطني أي "أنظمة الفرع".

الأمر لا يعود إلى هشاشة أو ضعف مناعة بعض المثقفين اليساريين فقط، وإنما ينبغي التوقف عند الدور التدميري الخطر الذي لعبه مثقف العولمة في تدهور مكانة الثقافة والمثقف بشكل عام، وخصوصاً إزاء محاولة تزييف الوعي وتزيين الواقع ورسم صور وردية، عن النظام العالمي الجديد، والتبشير بقيمه تحت عناوين الدور الريادي لليبرالية الجديدة، وهو ما دعا إليه "فرانسيس فوكوياما" في نظريته "نهاية التاريخ" وصموئيل هنتنغتون في أطروحته "صدام الحضارات".

لقد حاول "إدوارد سعيد" أن يفحص بدقّة الدور المتغيّر للمثقف العربي، من خلال مقاومة إغراءات الجبروت والمال، وفي تعريفه للمثقف يقول: "هو شخص يواجه القوة بخطاب الحق"، ويصرّ على أن وظيفته هي أن يُخبر مريديه ونفسه بالحقيقة، وقد جمع بذلك عمق معرفته، وصرامة أدواته البحثية، وأخلاقية ما يقوم به من أفعال سياسية.

وفي ظل الصراع الآيديولوجي العالمي، استُخدمت وسائل متعدّدة من الدعاية البيضاء والسوداء للتأثير على المثقف وجرّه إلى حلبة الصراع، وخصوصاً أن وتيرته الدعائية كانت تسير بكثافة وسرعة لامتناهية. وتعرّض الكثير من المثقفين، في فترة الحرب الباردة، في كلا المعسكرَين المتصارعَين، إلى التنكيل والتهميش إن لم ينصاعوا إلى الإرادات السياسية، وكان بعضهم بين مطرقة الغرب وسندان الشرق.

وهكذا كان المثقف عموماً، واليساري خصوصاً، عرضةً للتجاذب بين الاعتراض والمقاومة والممانعة وبين الخضوع والاستسلام والمُسايرة. وحين انهارت الكتلة الاشتراكية، تبدَّل كثير من خرائط بعض المثقفين اليساريين، فوجدوا في العولمة والخصخصة وازدراء الاشتراكية واعتبار الليبرالية "الجديدة" مفتاح الحلول في العالم المعقّد!

كيف تمكّنت القوى العولمية، باسم الحداثة وما بعد الحداثة، من إقناع المثقف اليساري الذي كان يعتبر الإمبريالية والصهيونية العدوّ رقم واحد للشعوب، بأنها "مُحرّر الشعوب" وفاعل الخير المخلّص والمُنقذ من أنياب الدكتاتوريات والأنظمة المستبدّة، لبناء مجتمع الخير والرفاه والوفرة والحرّيات والمساواة، أي مجتمع الحليب والعسل والرفاه، كما هو "العالم الحرّ"؟!

وأخيراً، ما هو السبيل لاستعادة دور المثقف، باعتباره فاعلاً ومؤثراً، وليس تابعاً أو مُلحقاً أو مُستزلماً وخانِعاً؟ وما هي الوسائل الجديدة لمجابهة ثقافة العولمة، وخصوصاً في ظلّ واحدية إطلاقية تكاد تكون شاملة في الميادين المختلفة؟ هل الاكتفاء بالشعارات والصّيغ القديمة، كفيل بمواجهة العولمة بوجهها المتوحّش، أم لا بدّ من وسائل جديدة تستند بالدرجة الأساسية إلى العِلم واستثماراته، وخصوصاً في جيل الشباب، لتنمية العقول والمدارك، واستيعاب مُنجزات الثورة العلمية – التقنية بما فيها من تكنولوجيا الإعلام والمواصلات والاتصالات والطفرة الرقمية "الديجيتل"؟.

والأمر يتعلّق بضرورة مراجعة المثقف اليساري لتجربته، ونقدها، والتخلّص من الجمود التي صاحبها، وخصوصاً التجارب الشمولية التي قادت إلى الإقصاء والتهميش والانتقاص من قيمة الحرّية والفرد والفردانية، على حساب الشعارات الكبرى ذات الرنين العالي، كالمساواة، وإن كانت ذات طابع شكلي، والعدالة التي كانت ناقصة ومبتورة في ظلّ شحّ الحرّيات، علماً بأن واقع الأمر كان يسير في اتجاه آخر.

ويحتاج الأمر كذلك إلى وضع قضية الحرّيات في موقعها الصحيح، ولا سيّما حرّية التعبير وحرّية الاعتقاد والحق في تشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية، والحق في الشراكة في الوطن الواحد والمُشاركة بتولّي المناصب العليا في الدولة والمجتمع من دون تمييز لأي سبب كان، سواء إثنياً أو دينياً أو طائفياً أو بسبب الجنس أو اللغة أو الأصل الاجتماعي. فالتحوّل الديمقراطي المنشود لن يتمّ من دون تأمين مستلزمات احترام سيادة القانون واستقلال القضاء وتداول السلطة سِلمياً، وتلك من واجبات المثقف بشكل عام، والمثقف اليساري بشكل خاص.

ولا بدّ للمثقف أن يعمل على إعادة تفعيل دور الجامعات، وإعادة النظر بالمناهج التربوية ومؤسسات البحث العلمي، وتجسير الفجوة بين المثقف وصاحب القرار، أي أن يمارس دوره كقوّة اقتراح وليس كقوّة احتجاج فحسب، فضلاً عن مطالباته بتحسين الخدمات الصحية والتربوية والبلدية، وجعلها في خدمة الجميع، وكذلك تحسين أوضاع الناس وتقليص الفجوة بين المتخومين والمحرومين، وبين مَن يملكون ومن لا يملكون، ولن يتم ذلك سوى بنضال سلمي مدني طويل الأمد، يلعب فيه مثقف اليسار، الماركسي والقومي، دوراً مهماً في المُمانعة وفي مواجهة تغوّل القوى الدولية والمحلية وهضمها للحقوق والحرّيات الديمقراطية، ومحاولاتها فرض الاستتباع عليه بالوعد أو الوعيد، بالترغيب أو بالترهيب، خصوصاً بتجديد منهجه وأساليب عمله، مستفيداً من الإعلام ومستخدماً إياه، إلى جانب الدور الذي يمكن أن يقوم به المجتمع المدني على هذا الصعيد.

- III -

بين أُمميَّـتَيْن

إن المثقف اليساري في المرحلة الجديدة، هو أقرب إلى المثقف الكوني، فالحدود أمامه مفتوحة، والجسور موصولة، وجميع وسائل الاتصال والتكنولوجيا يمكنه استخدامها للتواصل مع مثقفي العالم من موقع التضامن والتساند والأهداف المُشتركة والطرق المختلفة لتحقيق تلك الأهداف لكل منهما، بحسب ظروف كل بلد وخصائصه وتطوّره ودور اليسار فيه، وتلك النظرة الأممية الجديدة مختلفة عن الأممية الشيوعية أو الاشتراكية السابقة، التي قامت على وجود مركز مقرّر وفروع تابعة له.

هل نحن أمام أمميّة جديدة؟ وما الفرق بينها وبني الأمميّة القديمة؟ ثمّة أممية جديدة في طور الإنشاء أو في مخاض للتأسيس، وخصوصاً في جانبنا الفكري والثقافي، وصولاً إلى أممية ثقافية كونية طوعية واختيارية، قائمة على أساس التفاهم والتضامن والمساواة، ومن دون قسر أو إكراه أو إملاء للإرادة، فالمثقف اليساري اليوم، لا يستطيع تحقيق أهدافه العامة والخاصة، من دون انخراط في حركة واسعة ومرنة لليسار العالمي، وخصوصاً لمواجهة التغوّل الإمبريالي العولمي وذيوله المحلية.

وإذا كانت هذه نظرتنا إلى مثقف اليسار، وما تبقى منه، وصولاً إلى المثقف الكوني، كأحد عناصر المُجابهة لتحقيق التنمية والرفاه والتقدّم، فهي رؤية عدد من المثقفين اليساريين الآخرين، بلورها "إدوارد سعيد"، الذي شكّل الصورة الحضارية للمثقف الفلسطيني في أفضل رموزه، باعتباره مثقفاً كونياً مُنحازاً للإنسانية، يعيش عصره على نحو جدلي، ويحلّل الظّواهر بعقل معرفي ومنهجية فكرية أساسها النقد، وهو معني بكشف هذه الظواهر وتحليلها وتفكيكها واستنطاقها، مثلما فعل "هابرماز"، و"دريدا"، و"تودروف"، و"آلن تورين" وغيرهم، وتتجلّى مرجعيّـته الأساسية الموجِّهة لعمله في الممارسة النقدية التي تتعرّض لفكّ التداخل بين الظواهر التي يدرسها.

في كتابه "الاستشراق" لم يتّهم إدوارد سعيد مثقف السلطة فحسب، بل السلطة ذاتها التي تقولب "المثقفين"، ولكنه دافع عن المثقف وعن الاختلاف والمُغايرة، وذلك ما بحثه تفصيلياً في كتابه "الثقافة والإمبريالية"، مُعتبراً الثقافات والحضارات تتلاقح وتعيش بعضها على بعض، وبخصوص الهويّة، فقد عبّر سعيد عن ازدواجيتها، فمن جهة هي هويّة مختلفة، ومن جهة أخرى هي هويّة مؤتلِفة.

إن كتاب "خارج المكان" هو محاولة لإحياء الذاكرة، أي إبقائها حيّة، والبحث في التفاصيل الصغيرة، التي تشكّل عوالمها مهمّة أساسية يستعيدها المنفيّون واللاّجئون. وهو بهذا المعنى بحث في الهويّة، على الرغم من العواصف، والتنقّلات والهجرات والثقافات. فالهويّة ظلّت تشكّل الهاجس الذي يطلّ برأسه ويلوح بصورة عفوية، من دون استحضار مسبق. وقد سبق لـ"أمين معلوف"، الروائي اللبناني العالمي الذي مُنح أعلى وسام فرنسي، أن تحدّث عن موضوع الهوّية في كتابه "الهوّيات القاتلة"؛ وقد مثّل هو شخصياً هذا البُعد المُتحرّك في الهويّة، بحمله الثقافتين العربية والفرنسية، وقدرته في أن يكون جسراً للتواصل، من دون أن يعني ذلك تجاوز المعاناة الإنسانية الفائقة، ولا سيّما في التعبير عن تلك الهويّات المزدوجة، بل المتعدّدة والمتنوّعة.

أما "أدونيس"، ففي كتابه "موسيقى الحوت الأزرق" يُناقش فكرة الهويّة، ويستهلّ حديثه بالعبارة القرآنية التي تضيء، بقِدَمِها نفسه، حداثتنا نفسَها على حدّ تعبيره، وأعني بها التعارف، أي الحركة بين الانفصال والاتصال في آن، من خلال "رؤية الذّات، خارج الأهواء"، ومنها بخاصة الآيديولوجية، ويمكن أن نضيف إليها الدينية والقومية وغيرها، بمعايشة الآخر داخل حركته العقلية ذاتها، في لغته وإبداعاته وحياته اليومية.

وتستند هذه الرؤية إلى إحلال الفكر النقدي التساؤلي، محلّ الفكر التبشيري - الدّعائي، حيث يصبح الوصول إلى الحقيقة، التي هي على طول الخط تاريخية ونسبية، وصولاً يُشارك فيها الجميع، على الرّغم من تبايناتهم إلى درجة التناقض أحياناً، وهذا يعمّق الخروج إلى فضاء الإنسان بوصفه أولاً، إنساناً، ويدفع الذات إلى ابتكار أشكال جديدة لفهم الآخر. ثانياً وثالثاً يكشف لنا أن الهوّية ليست معطى جاهزاً ونهائياً، وإنما هي تحمل عناصر بعضها مُتحرّكة ومُتحوّلة على الصعيد الفردي والعام، وهو ما يجب إكماله واستكماله دائماً في إطار مُنفتح بقبول التفاعل مع الآخر. وإذا كانت ثمّة تحوّلات تجري على الهويّة على صعيد المكان - الوطن، فالأمر سيكون أكثر عرضة للتغيير بفعل المنفى وعامل الزمن وتأثير الغربة والاغتراب.

وكان إدوارد سعيد قد قال بعدم وجود هويّة صافية، وإنما الهويّات جميعها مُركّبة من عناصر مختلفة وتراثات متنوّعة، وعليه فالهويّة كما يقول أدونيس: ليست بركة مُغلقة، وإنما هي أرخبيل مفتوح، أي أنها، بحسب سعيد، ليست ثابتة أو جامدة أو نهائية. إنها حيوية وديناميكية تغتني باستمرار مع عناصر ثقافية متجدّدة، وهذه هي شخصية سعيد ذاته، فهو فلسطيني أمريكي الجنسية، يرى ذاته في الآخر، ويرى الآخر في ذاته، من دون أي وقوع في التبسيط أو السذاجة.

ولذلك يقول سعيد في كتابه "خارج المكان" إنه "عربي أدّت ثقافته الغربية، ويا لسخرية الأمر، إلى توكيد أصوله العربية، وأن تلك الثقافة، إذْ تلقي ظلال الشكّ على الفكرة القائلة بالهويّة الأحادية، تفتح الآفاق الرحبة أمام الحوار بين الثقافات".

وفي آخر حوار معه أجرته صحيفة "الرأي العام" الكويتية في 27 سبتمبر/أيلول العام 2003 قال: "هناك تهديد للمشروع الحضاري العربي، وللأسف يُسهم العرب في هذا التهديد. ثمّة نوع من الانتحارية العربية تنعكس في السياسة العربية، وهي لا تؤدي إلى مستقبل إيجابي، وهناك تغييب في المفاهيم العربية، وأنا شخصياً أعاني من ذلك في الغرب"، وقصد سعيد من ذلك الدعوة للحوار والتسلّح بالحضارة والعِلم والتعليم.

 

من هو المثقف الكوني؟

ونعرض هنا وجهتَي نظر متميّزتَين لمثقفَين يساريين، الأولى لمثقف يساري اشتراكي حاول تقديم قراءة جديدة ونقدية بجرأة وشجاعة للتراث العربي – الإسلامي، من خلال مفهوم  مُستحدث للمثقف الكوني، ونعني به الباحث العراقي "هادي العلوي"، والثانية لمثقف يساري واشتراكي أيضاً، قرأ التطوّرات الجديدة بعد انهيار الكتلة الاشتراكية من زاوية نقدية، وعمل على المشاركة في تقديم تصوّر حقوقي لمواجهة تداعيات مثقف التحرّر الوطني وتصدّعاته، وذلك بطرح مفهوم المثقف الكوني، ونقصد بذلك الباحث المصري المجدّد "محمد السيد سعيد".

- IV -

المثقف الكوني، بحسب هادي العلوي، هو "المتصوّف أو التاوي"، الذي يتميّز "بالتجرّد الكامل واللاّتشخّص واللاّحدود واللاّتناهي". ويقيم على الوحدة المطلقة "بإلغاء المسافة بين الخلق والخالق والتوحّد معهما". ويضيف العلوي صفات أخرى إلى "المثقف الكوني" الذي يُفترض فيه "عمق الوعي" المعرفي والاجتماعي معاً، و"عمق الروحانية" (السلوك الروحاني وليس الفكر الروحاني "الغيبي")، وهذه الصفات هي: القوّة أمام مطالِب الجسد والترفّع عن الخساسات الثلاث السلطة والمال والجنس.

إنّ نموذج المثقف الكوني هو أقرب إلى التماهي مع أهل الحق في الإسلام "فقهاء القرن الأول والمتكلّمون والأحبار المستقلّون المعدودون في الطّور قبل الصوفي، ثم المتصوّفة أقطابهم من دون صغارهم..." ويمثّل "التاوي" و"المسيح"، كما ورد في كتابه "المرئي واللاّمرئي في الأدب والسياسة": التماهي مع روح الخالق، بعيداً عن السلطة والتعفّف عن المال، مردّداً قول السيّد المسيح حين دعا إلى إخراج الأغنياء من ملكوت الله. ويمنح العلوي مثقفه الكوني: هوّية مُعارضة، أي لقاحية، كما يسمّيها، لمواجهة التشخّص والمحدودية والتناهي. وبذلك يفسح في المجال أمامه لاختيار الطريق للوصول إلى الله/ الحق، والانحياز ضدّ مركزية الدولة والدّين المُمأسَس والأغنياء.

من "تكوينات المثقف" الكوني لدى العلوي: "التعالي على اللذائذ"، بحيث يأخذ من الحياة ما يفرضه دوامها، فيأكل عند الحاجة، وينام عندما يغلبه النوم، "ولا يملك شيئاً لئلاّ يملكه شيء، وهو كبير وقوي وحاكم" (المقصود حرّ وغير خاضع لسلطة)، وليس صغيراً أو ضعيفاً أو محكوماً. ويوجّه العلوي نقداً للمثقفين المعاصرين العرب، ولا يستثني أحداً، وذلك وفقاً لقياساته المسطرية حين يقول: "المثقفون مأخوذون بالخساسات الثلاث ويجعلونها من صميم العمل الثقافي". ويمضي إلى القول "لقد سبقني إلى مُعاداة المثقف شيخنا فلاديمير لينين، حين اتّهمهم بالرخاوة والروح البرجوازية".

لقد أطلق عليهم العلوي اسم "شيوعية الأفندية" (الأفندي السيد الكبير باللغة التركية) وقَصد بذلك نمطاً من الشيوعية يقوم على الآيديولوجيا الصّرفة المُجرّدة من اليوتوبيا المقطوعة عن ساحة الصراع الطبقي. ويعتبر هؤلاء "مثقفين وشيوعيين يحاربون الشيوعية"، وهو ما سمّيناه في كتابنا "الصراع الآيديولوجي في العلاقات الدولية" الماركسلوجيا مثلما هناك "إسلاميون يحاربون الإسلام".

ويعتبر هادي العلوي أن المثقف الصوفي ومَن حكمه متروحِنْ بعلاقة مزدوجة مع الروح الكونية، التي يسميها الباري أو الحق أو التاو، مع الخَلق في آن واحد.

وبتلك "الرَوْحنة" يكتسب المثقف، بحسب العلوي، الطاقة الاستثنائية التي تضعه في مواجهة السلطات الثلاث: سلطة الدولة وسلطة الدين وسلطة المال. وفي هذا الطّور الأعلى من الاستقطاب، يتخلى المثقف الكوني عن "اللذائذية"، باختلافه عن عـالم الدين وربما عالم الطبيعة. إنه بذلك يعّبر عن نكران ذاته وتخلّيه عن حقوقه لمصلحة الإنسان (الآخر)، وهو يردّد قول عبد القادر الجيلي "أفضل الأعمال إطعام الجياع"، حين يتمنّى أن يملك الدنيا ليوزّعها على الفقراء، فتلك كانت رؤيـة العلوي الحقيقية إزاء الفقراء، فقد كان لا يريد بقاء الامتيازات محاصصة – بين "أهل الدولة" و"أهل الدين"، بل تساوياً مع العامة.

ووضع العلوي أعداء المثقف الكوني في دوائر أربع سمّاهم "الأغيار الأربعة" وهم: الحاكم والمثقفون والرأسمالية والاستعمار، معبّراً في بياناته المشاعية وعلاقاته الروحانية عن تحدّيهم، وخصوصاً أنه كان يعيش بفكره مع شيوخ الصوفية الذي يقول عنهم : "أنا أعيش بينهم وأكلّمهم، وأنا دائم الحديث مع النّفس في الخلوات... من لاوتسه إلى ابن عربي".

وإذا كان العلوي لا يعتبر "التملّك" غريزة لدى الإنسان، بل صفة مكتسبة، فإنه بحسب تقديري، رغبة منه في النزوع إلى الحق المطلق "المثالي" والوقوف ضدّ الاستغلال من زاوية إنسانية "مطلقة"، ولكنني أعتقد أن الرغبة في التملّك متأصّلة في الإنسان وفي النفس البشرية، فضلاً عن أنها حق شخصي للإنسان، ولذلك ورد ذكرها في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الصادر عام 1948 (المادة السابعة عشرة) التي نصّت على: "أن لكل شخص حق التملّك ولا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسّفاً".

وعندي أن ذلك أقرب إلى طبيعة النفس البشرية على مرّ التاريخ، ولهذا السبب انشغل علماء الاجتماع والقانون والاقتصاد والسياسة في بلورة الآراء والتوجّهات بخصوص تنظيم الملكية، في بحث مستديم عن العدالة الاجتماعية، الهاجس الذي يبحث عنه بنو البشر على مرّ العهود. كما كرّست الدساتير والقوانين والأنظمة على مرّ العصور الكثير من حقولها لتنظيم الملكية وتحديد وظيفتها، سواءً الملكية الفردية أم الاجتماعية، بحيث تعود بالخير على المجتمع ككل، وكان هذا جوهر الصراع أيضاً بين المدارس الفكرية والفلسفية، المثالية والمادية.

أما "الجنس" الذي يعتبره العلوي غريزة يتساوى في طلبها المثقف الشرقي مع الحاكم الشرقي، فمن خصائص المثقف الكوني، بحسب العلوي، الابتعاد عنه، لأنه من الخساسات الثلاث، أو طلب القليل منه والاكتفاء بحدود الوظيفة، في حين أن الحاكم لا يرتضي بالكثير، بينما لا يطلب مثقفه الكوني سوى القليل.

وهنا أيضاً أجد اختلافاً مع الطبيعة البشرية، فالجنس حاجة إنسانية يتساوى في طلبها المثقف والحاكم، وإشباع هذه الحاجة يتساوى فيها الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والمثقف مع غير المثقف. صحيح أن الظروف الاجتماعية ودرجة التطوّر والوعي والوفرة المالية، قد تحدّ أو تزيد من مدى إشباع هذه الغريزة أو الرغبة، لكن الأساس فيها يبقى هو الحاجة الإنسانية، بغض النظر عن عناصر الاختلاف الأخرى.

أخيراً، أقول إذا كانت نزعة التصوّف قد استوطنت العلوي واحتلّته احتلالاً، فإنه استحلاها واستطيَبها، وعاش معها ليؤنس، "الإله" في ذاته المغتربة عن العالم.

- V -

مثقف التحرّر الشامل

أما "محمّد سيّد سعيد"، فإنه يتناول بزوغ ظاهرة "المثقف الكوني" أو "الكوكبي" الذي من خصائصه الأداء الداخلي الناجح في مجالات النمو (التنمية) والتقدّم كافة، وكل إنجاز داخلي في ميادين "الصحة" و"التعليم" و"التكنولوجيا" و"الثقافة" و"الاقتصاد" يصبّ في هذا الاتجاه، وخصوصاً باختلاف المضمون الحقيقي لمشروع التحرّر الوطني، فلم يعد هذا المشروع ينهض على الصّدام مع الغرب (الاستعمار والإمبريالية سابقاً)، بل عملية تحرّر عملاقة من علاقة الضدّية الحاكمة (على نحو عكسي) بين تجربة وطنية ما من ناحية، والغرب من ناحية أخرى.

يقول سيد سعيد في مقالة بعنوان "نهاية مثقف التحرر الوطني" (جريدة الحياة 3/9/1994): "يستحيل أن تُستكمل عملية التحرّر هذه بالعودة إلى المنطق الطبيعي لأي اختيار، أي قياس عائد وتكلفة أي اختيار، ومدى اقترابه أو ابتعاده من قيَم سامية لعموم الإنسانية. ويدعو سيد سعيد إلى ولادة عربي جديد "مثقف التحرّر الشامل" الذي هو "مثقف كوني" بالضرورة، لأنه يُدرك أن عملية التحرّر هي فعل عالمي، وهو بالتالي "يتصوّر فاعليته في إطار تحالف عالمي، فضفاض نسبياً، من أجل السلام والمساواة والرفاه للعالم كله". ويعرّف محمد السيّد سعيد مثقف التحرّر الوطني، بأنه ذلك الكائن الذي تفتَّح وعيه الكوني على صدمة الاستعمار والهيمنة الغربية على عالَمه القومي.

بهذا المعنى، فإن مثقف التحرّر الوطني يقف ضدّ التجزئة، ويناضل لبناء دولة الوحدة وليس تحقيق "الاستقلال الوطني". إنّ مثقف التحرّر الوطني هو وليد "اتفاقية سايكس بيكو" العام 1916، وأضيف إليها منذ العام 1948 بُعد جديد جوهري، هو نشوء "الدولة العبرية" واغتصاب أرض فلسطين، فلم يعد نضاله يقتصر بحسب سيد سعيد على قيام دولة الوحدة وضدّ التجزئة، بل يناضل (بالضرورة) ضدّ المشروع الصهيوني الاغتصابي - التوسعي. وهو بالطّبع نضال ضدّ الغرب الداعم لقيام إسرائيل.

ويصل السيد سعيد إلى استنتاجات مثيرة، منها أن المثقف العربي سجن نفسه في الإطار التكنوقراطي البحت، الأمر الذي أدّى إلى تعقيم (من العُقم) طاقاته الفكرية والإبداعية وأفقده الخيال الجسور، بحيث انهمك في تحسين أداء ما هو قائم ولترقيع ما هو مهترئ ومختوم. (وهو يقصد بذلك مثقف السبعينات والثمانينات وما بعدها، علماً بأن مثقف الأربعينات والخمسينات ولغاية الستينات كان دوره مختلفاً وريادياً).

لقد أصبحت للغرب دعامتان أساسيتان في المنطقة: الأولى – "ضمان تدفّق النفط" بأرخص الأسعار والثانية – "ضمان أمن إسرائيل" ودعم مشاريعها التوسعية والعدوانية. وأصبح مثقف التحرّر الوطني نفسه، أسيراً لشعارات الصراع الآيديولوجي القديمة ولفترة الحرب الباردة، فأصبح دعم الاتحاد السوفييتي "ضرورة تأريخية"، بغضّ النظر عن التعقيد الجديد في تلك العلاقة، بما فيها نخبة مثقفي التحرّر الوطني والشعارات التي كانت ترفعها "القوى الاشتراكية" التي تُبشّر بأفول النظام الرأسمالي، بسذاجة عالية ودعائية تبسيطية "غير علمية"، بحسب تعبير السيد سعيد، وكانت تلك أحد مصادر أزمة المثقف العربي في فترة ترييع الاقتصاد وصعود عنصر النفط، وتجديد الرأسمالية خلاياها وتجاوز بعضها أزماتها. كما يذهب إلى ذلك المفكر المصري "محمود عبد الفضيل" في كتاب جماعي "المثقف العربي – همومه وعطاؤه" (من إصدارات مركز دراسات الوحدة العربية).

لقد أبدى مثقف التحرّر الوطني إعجاباً شديداً بالنموذج الاشتراكي، ودعا إلى تقليده، وخصوصاً بعد إسهام الاتحاد السوفييتي في القضاء على الفاشية، وغضّ الطرف عن النظام الشمولي، وعدم الإقرار بالتعددي، وإهدار الحقوق والحريات، ولذلك وقف مذهولاً عند الأزمة الطاحنة التي عاشها النموذج الاشتراكي في مطلع الثمانينات، حتى أطيح به في أواخرها، وانهار الاتحاد السوفييتي في العام 1991، لدرجة أن "إيمانيته" العمياء تلك أوقعته ضحية، وهو الأمر الذي دفع الخطاب التقليدي المُنتَج في نهاية الحرب العالمية الثانية في أزمة حقيقية، سواء على الصعيد النظري أم على الصعيد العملي، وازداد الأمر تعقيداً في ظلّ العولمة والثورة العلمية التقنية والاتصالات والمواصلات، لدرجة أن إشكالية "الأصالة والمعاصرة" تعقّدت في جدول أعمال المثقف العربي منذ ربع قرن من الزمان، دون حل مرضٍ.

ولم يكتمل مسار التطوّر الفكري والثقافي، وظلّ يعاني من عدم استقرار ويفتقد في الكثير من الأحيان إلى الحيوية والدينامية. ومع ذلك، وبحسب" محمود عبد الفضيل"، فقد كانت هناك مشاريع فكرية جادة سبحت ضدّ التيار، منها كما يذكر:

1.      ثلاثية محمد عابد الجابري (المغرب) حول بنية العقل العربي .

2.      ثلاثية جمال حمدان (مصر) حول عبقرية المكان وأبعاده الاستراتيجية .

3.      دراسة طارق البشري (مصر) حول إشكالية "الوافد" والموروث.

4.      دراسة حسين مروّة (لبنان) عن النزعات المادية في الإسلام .

5.      مشروع محمد سلمان حسن (العراق) في إعادة بناء الاقتصاد السياسي في ظل أطروحات أوسكار لانكه وكاليستكي.

6.      ثلاثية محمد حسنين هيكل (مصر) عن حروب 1956، 1967، 1973.

ويمكن إضافة مشروع "علي الوردي" (العراق) في دراسة المجتمع العراقي وطبيعة الشخصية العراقية، ومشروع "هادي العلوي" في دراسة التراث ومخالفة ما هو سائد في الكثير من الأحيان، وهناك حقول مهمّة في الأدب والرواية والشعر والفن والعمران، أسهمت في تقديم رؤية للمثقف العربي.

انحسار دور المثقف

لقد انحسر دور المثقف العضوي بحسب مفهوم غرامشي، وهو المثقف الذي يعبّر عن هموم الناس ووجدانهم وحلمهم، والحلاّل لمشاكلاتهم، وسواء أكان مثقفاً يسارياً أو مثقفاً للتحرّر الوطني، فإن المثقف الراهن، توقّف عن إنتاج المعرفة، بل أصبح جلّ همّه هو إعادة توزيعها ترجمةً أو تأليفاً.

وكان المثقف العضوي أو المثقف اليساري والعروبي يدافع عن قيَم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والمساواة وتحرير الشعوب والوحدة الكيانية العربية والتنمية المستقلة، فإذا به الآن يتحوّل إلى قطري، وفي بعض الأحيان محلّي، وخصوصاً في ظلّ مواصفات ما قبل الدولة الطائفية والإثنية والعشائرية والجهوية والمناطقية، ويؤيد التطبيع بحجة الواقعية السياسية، ولا يرى الخطر في الصهيونية والإمبريالية.

هكذا يحاول بعض المثقفين اليساريين تمييع الفروق وإضاعتها. وبحجة فشل القطاع العام وسياسة التخطيط السابقة، يستمرىء البعض الدعوة للخصخصة وبيع القطاع العام، وهكذا بدأت صورته تهتز عند الناس، وخصوصاً بدعوة البعض للتدخل الأجنبي أو التعاطي معه، كما حصل في احتلال العراق، حيث عمل بعض المثقفين مستشارين لقوات الاحتلال، وتعاقد بعضهم الآخر مع البنتاغون، وبرّر آخرون مثل هذه المواقف بحجة وجود نظام دكتاتوري قمعي.

وبقدر ما كان المثقف اليساري أحياناً يدافع عن الدكتاتوريات ويبرّر ممارساتها القمعية، بزعم مصلحة الاشتراكية أو الثورة، فإنه اندفع بعد الانكسارات والتراجعات إلى الدفاع عن التدخّل الخارجي وتبيض صفحة الإمبريالية باعتبارها قادرة على الإطاحة بالدكتاتوريات وتحقيق التغيير المنشود، وخصوصاً بانسداد الآفاق، وتحت حجة الواقعية السياسية والعولمة وغيرها.

وبعد كل ذلك فهل سيتمكّن المثقف اليساري استعادة الدور الريادي والطليعي الذي كان يمثله ويلتحم بالأحداث بقلبه وعقله ووسيلته الإبداعية، أم يبقى ملحقاً بالسياسي وتابعاً له ويبرّر خطابه ويزّين مشروعه ويؤدلج سياساته ويدافع عن انتهاكاته؟

خللان رئيسان ألمّا بدور المثقف اليساري أو مثقف التحرّر الوطني وسلوكه وإنتاجه الفكري، الخلل الأول: هو توجّهه نحو التكنوقراطية والزعم بالحيادية والانصراف عن الشأن السياسي أو الشأن العام، لذلك هَزُلَ منجزه وحيويته وقوته ولونه الخاص، وبعضه صار جزءًا من تزويق الخطاب السياسي الرسمي للحاكم أو للسياسي المتنفّذ، وأحياناً لامتدادات خارجية تحت باب "الدّمقرطة" و"اللّبرلة".

أما الخلل الثاني: فإن الدعاية والتحريض أصبحا جزءًا من الخطاب السائد على حساب المُنتج الفكري والثقافي العميق، واستُخدم ذلك في الصراع السياسي، سواءً للتيارات الدينية والسياسية من جانب المثقف الممالىء للسلطة، أو بما يتوافق مع الجهات المتنفّذة في المعارضة، وهكذا انحسر دور المثقف العضوي أو دور الطليعة الثقافية وخرج من دائرة التأثير والفعل، إلى التبرير والتسويغ، سواء عبر تطويعه بالقمع السياسي البوليسي أم بالقمع الآيديولوجي الفكري لتبنّي خطاب السلطة أو المعارضة السائد بحيث يكون بوقاً لهما.

الجدب وشحّ الإنتاج

لذلك، فإن الجدب وشحّ الإنتاج شمل الكثير من المثقفين، بحيث إننا لم نشهد نشوء مدارس فكرية جديدة، كتلك التي نشأت في الأربعينات والخمسينات مثلاً في الشعر الحديث والأدب والفن والمسرح والسينما والفن التشكيلي والنحت والموسيقى والغناء وغيرها، فضلاً عن الإنتاج الفكري.

وعاش الكثير من المثقفين عزلتهم الفردية أو عملوا في إطار دكاكين ثقافية، ومن ضمن جماعات صغيرة، في حين كان مثقفو السلطة يتبخترون، حتى دون منجز ثقافي، وهكذا كان حصاد الفكر خلال العقود الخمسة الماضية محدوداً، مثلما هو في الجانب الأكاديمي والجامعي، الأمر الذي أوقع الثقافة وإنتاجها في أزمة عميقة، وحلّ محل أصحاب الإبداع الحقيقي بعض المقاولين والسماسرة الفكريين الذي يملكون الصحف والمجلات ووكالات الأنباء والإذاعات والمحطات الفضائية ومراكز الأبحاث والدراسات، يساراً ويميناً، وبعضها أنشئ بدعم خارجي بهدف تقديم خدمات للجهات المموّلة. ولم تنحسر الفجوة بين صاحب القرار والمثقف، بل ازدادت هوّة وعمقاً، واضطرّت أعداد من المثقفين إلى الهجرة.

وإذا كان، بحسب المفكر والباحث المغربي "علي أومليل" من يتأسّف لعدم الاعتراف بدور المثقف العربي الريادي الذي يطمح إليه، فإن فكرة أخرى انتشرت في السبعينات عن الدور السلبي لسلطان المثقفين في الغرب. فقد راجت فكرة تضخّم سلطة المثقفين، وخصوصاً صنّاع الآيديولوجيات، لكن الأمر ليس موحّداً، فهناك أيضاً من يتحدّث في الغرب عن فقدان العرش الذي كان يتربّع عليه المثقفون منذ قرنَين من الزمان بصعود الحركة التنويرية. (كتابه "السلطة الثقافية والسلطة السياسية").

إذا كان لا بدّ من دور ريادي للمثقف اليساري، فلا بدّ أن يؤكد المثقف أنه يستحقه وجدير به، وخصوصاً بانحيازه لقيم الحرية والديمقراطية والتنمية واحترام حقوق الإنسان والسلام والخير والجمال.

 

أكاديمي ومفكر عراقي – نائب رئيس جامعة اللاّعنف.

 

afaf almouhdiالقسم الأول من مشاركة طالبة الدكتوراه عفاف المحضي في الندوة العلمية الدوليّة حول التسامح الدينيّ وثقافة الاختلاف - مركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة، مدينة سوسة – تونس، يوم 5 – 10 – 2016م. بعنوان: فهم التسامح.. قراءة في كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح فرص التعايش بين الأديان والثقافات لماجد الغرباوي. وقد نالت على بحثها شهادة تقدير من إدارة الندوة العالمية.

 afaf1

مقدمة: الإنسان هو من يعيش فنّ الحياة. من يبتكر لنفسه قارب نجاة وطريق حياة مشتركة. الإنسان هو من يحيا ليحيا الإنسان معه وليس من يحيا لينفي غيره .. هو من يرسم فن الوجود بكل سماته ووأبعاده الإنسانية والأخلاقيّة التي تعتبر بوابة للتسامح ومبدأ فلسفة التعايش الإنساني في الكون.

 

 ماهو التسامح ؟و كيف نفهمه؟

1. تعريف التسامح لغة واصطلاحا:

لغة: تأتي كلمة التسامح من جذر (س.م.ح) سَمَحَ – سَمْحًا وسَمَاحًا وسَمَاحَةً: فلاَنَ وسَهُلَ ويقال سَمَحَ العودُ وتجرَّدَ من العُقَدِ وانقاد بعد استعصابٍ وفلان: بذل في العسر واليسر عن كرمٍ وسخاءٍ ويقال سمح له بحاجة يسَّرها له. و(سَمُحَ) سَمَاحَةً وسُمُوحَةً صار من أهل السّماحة فهو سَمْحٌ وسَمِيحٌ. وسَامَحَهُ بكذا وفيه أي وافقه على مطلوبه. [1]

مرّ التشكل المفهومي لهذا المصطلح بمرحلتين: تمثلت مرحلته الأولى في الجانب اللّغوي لهذا المفهوم ثمّ اكتسب في مرحلة ثانية بعدًا اصطلاحيا مع التنظير الفلسفي له في البيئة الغربيّة. ويمكن تحديد الفترة التاريخيّة لبروز هذا المصطلح وتشكله في الفكر الغربي منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر ففكرة التسامح الغربيّة الحديثة قد ارتبطت في بدايات تشكلها بالمسألة اللاّهوتيّة مع الفيلسوف والمفكر جون لوك "الذي كان ينظر إليها بوصفها "الحلّ العقلاني" لمشكلة الخلافات التي نشأت داخل المسيحيّة أنذاك".[2] ابان العصور الوسطى ولتفادي تلك التداعيات والصراعات المذهبية والطائفيّة والأنساق الفلسفيّة من أجل التوصل الى اتفاق وتوافق بين هذه الصيغ المختلفة والمتعارضة ورتق الفتق الحاصل بينها.

 لا بد من تشكل صيغ جديدة تضمن الوفاق والتسامح بين هذه الاتجاهات المتصارعة تضمن حقوق الإنسان وحرية التعبير لكل الأفراد على السواسيّة دون قيود أو تقديم تنازلات، إلى أن أصبح هذا المفهوم "التسامح" من المفاهيم الأساسية والمركزية في مواثيق حقوق الإنسان، مع صدورإعلان سنة 1948 والذي تَمَّ بموجبه التنصيص على حرية المعتقد والرأي والتعبير، كما بدأ العمل لتفعيله في المنظمات الدولية، إذ أصدرت منظمة اليونيسكو إعلان مبادئ التسامح لسنة 1995 وتبنَّته الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة بتاريخ 16 نوفمبر 1995 بباريس.[3]

 

2. موقف الأديان من التسامح:

"نسمع أصواتا قوية منذ قرن من أهل الغيرة على الإسلام في شتى أقطاره، وتنادي لنعد إلى الإسلام وهي صيحة كريمة جديرة بالاستماع، وإنها لتنتشر وتشتد على مرّ السنين من الغيورين والمتظاهرين بالغيرة على الإسلام ولعل هناك صيحة أجدر منها بالاستماع هي لِنُعِدْ إلينا الإسلام وبين الصيحتين فرق يفقهه من قدر عليه"[4] ولابراز البناء الصحيح للإسلام لابد من أن ننزع عنه الطبقة المتحجرة الخبيثة التي رنت على أسسه بنوع من التغييب للأصل وتغيير حقائقه من رفق وحلم وعفو رحمة وتعايش سلمي وتسامح وتكافل وغيرها من السمات الإنسانيّة والأخلاقيّة...

 فالخواء الروحي ليطبق على العالم في عنف والأمم تضطرب في كل مكان والنظم القديمة كلها تتصدع عن قصد وعن غير قصد وأصحابها يخربونها بأيديهم وبأيدي غيرهم ويظهر أنّ البشرية تتقارب وتتجه نحو الوحدة العامة.. فما لم تتقدم رسالة روحيّة من الرسالات القديمة لسدّ هذا الخواء متحفظة بجوهرها الصحيح الملائم للفطرة الإنسانية منسلخة من قشورها وأعراضها البالية ولن تكون هذه الرسالة إلا الإسلام – فلابد من ميلاد رسالة جديدة تلائم الوحدة العالمية المنتظرة، وإنها لعلى الأبواب فما هذه الاضطرابات من حروب ونحوها إلّا أعراض حمل الإنسانيّة لهذه الرسالة وإنّ تتبعها المحموم لأظهر أعراض المخاض وما أسرع الطلق فيخرج الوليد الموعود."[5] لتاريخنا المعاصر الذي شهد ويشهد تغيرات شتى ومستجدات عدة متسارعة النسق مضطربة ومتخبطة المسار.

 إنه إشكال التجديد، أمام ما يشهد به العالم اليوم من مظاهرَ للعنف والاحتراب الذي يستدعي منا جميعا ضرورة العودةَ إلى الذّات لمراجعتها ونقدها في أسسها وثوابتها الداخليّة، والوقوف على مواضع الخلّل فيها لتقويمها وتصحيحها ومعالجتها، ثم الارتكاز إلى قيّم جديدة تستبعد بعض مظاهر الكراهيّة والشرور النفسيّة المتفشية بين الجماعات الإنسانيّة وبين الأمم والشعوب، لتنفتح على قيّم أخرى إنسانيّة والدينيّة كونيّة. وإنّ هذا الغرض والغاية لبلوغها ونيل شرف مرتبتها وقطف طيب ثمارها قد يتطلب منا وجميعا على حد سواء الغوص في أعماق فكرنا وعقيدتنا بحثًا عن الجذور المشكلة بيننا كإنسان.

 إذ لم يعد أمام الشعوب الإسلاميّة خيارٌ للحدِّ من هذه العدوانيّة، عدوانية ثقافة الموت والاحتراب والعداء والإقصاء المتفشيّة في كلِّ مكان في الأمصار العربيّة الإسلاميّة سوى خيار وحيد هو تبنِّي قيّم التسامح والعفو والتصالح والمغفرة والرحمّة والأخوّة والسلام، فعمق الحاجة إلية اليوم مع تصاعد وتيرة العنف والإرهاب أصبح مطلبا ملحا لتأخذ فيما بعد وبصفة تدريجيّة أشكال الدعوة إلية صورا مختلفة من التساوق وحوار الحضارات والثقافات وتواصل الأديان "لنزع فتيل التوتر وتحويل نقاط الخلاف إلى مساحة للحوار والتفاهم، بدل الاقتتال والتناحر. وهو عمل صعب يستدعي جهودًا يتضافر فيها الخطابُ الإعلامي مع الخطاب الثقافي والديني والسياسي والتربوي، ويتطلب تعاوُنَ الفرد مع المجتمع، والشعب مع القانون، والدولة مع الدستور.

 إنه عمل جذري يستهدف البُنى الفكرية والعقائديّة والثوابت والأعراف للمجتمع، لإعادة صياغتها صياغة عقليّة تضع أمامها الأولويات والوعي، وتقديم فهم عصريٍّ للدين والرسالة والهدف الأسمى تحقيقه، دونما أن تتجاهل الجانب النقدي المهم والبناء للمفاهيم والقيم والسلوك البشري، لرسم مستقبل أفضل ونوعي لفرد جديد والشعب متكافل مترابط الأوصال والوطن مزدهر ينعم بالسلام. قراءة متفهمّة للتراث ومستوعبة لأدق تفاصيل التاريخ، وعودة إلى القرآن والعقل، لتحقيق فهم آخر للحياة والعمل الإنساني

فالتسامح ليس نسقا فكريا مجتمعي بل هو نسق فكري وثقافي وعقيدي. فالتسامح ليس مجرد مفهوم يراد استنباته ضمن النسق القيّمي للمجتمع وإنما هو نسق ثقافي وعقيدي مغاير له أليته في العمل وأسلوبه في التأثير ومنهجه في التفكير وطريقته في الاشتغال فلا يمكن سيادة قيّم التسامح ما لم تكتمل جميع مقدماته.[6]

بالتركيز على الدين الإسلامي كمرجع في صياغة انساق التسامح محاولة لاستنطاق النّص المؤسس والنصوص الحواف في جهودها التفسيريّة مع مراعات المرحليّة التاريخية والظروف الحافة بها عبر التاريخ. كما أراد من خلاله ماجد الغرباوي أن يسافر عبر حقبات التاريخ مع النصّ والتفاسير التي تعاقبت عليه بنوعيها الحرفيّة منها والتجديديّة العقليّة من أجل التوّصل إلى منظومة مفاهيميّة يمكن توظيفها في صياغة النسق الفكري والعقيدي للتسامح الإنساني على إختلاف أجناسه وأطيافه المكوّنة له. فالتسامح لا يمكن أن يكون إلا قيمة دينيّة قبل أن يكون قيمة أو سمّة إنسانيّة.

 الدراسة ركز صاحبها فيها على أهم أسباب وأشكال التعصّب ومنابع اللاتسامح العقدي والسياسي والطائفي والقبلي في المجتمع وقد اعتمد العراق كنموذج للتعدد القومي والديني والمذهبي والطائفي والعِرْقِيّ. محاولة أو أملا في البحث عن صيغ جديدة وأطر جديدة للتعايش المجتمعي تستوعب تلك التناقضات وهذا التنّوع.

 إننا اليوم أمام إشكال كيف ننقي هذه القيمة الدينيّة من الشوائب الثقافيّة التي فرضتها التراكمات من المواقف الشخصيّة أحيانا عبر التاريخ من اجتهادات شخصيّة وحماية لمصالح استبداديّة سياسيّة التي تحولت مع مرور الزمن إلى أنساق عقائدية ومعرفية تمارس سلطتها على العقل وتتحكم في سلوكات الأفراد والجماعات.

لابد لنا اليوم من التركيز أساسا على أهمية دور المراجعة وإعادة قراءة تراثنا ومعارفنا لإكتشاف مراكز القوة ومواطن الضعف والخوّر بعيدا عن القراءات الأحادية للنّص المؤسس والحذر من القراءات التي تنادي بالوسطيّة ظاهرا والتعصب باطنا والمتجذرة في العقل الفقهي أساسا فهل يمكن للعقل الفقهي أن يكون وسطيا موضوعيا بالشكل السوي للمفهوم؟

"على هذا فإن الوسطيّة التي يدّعيها بعض فقهاء العصر كالقرضاوي لا صلّة لها بمفهوم التسامح والاعتدال المتداول في الحقل الدلالي لأدبيات عصرنا الراهن والحديث فكريا وثقافيا وسياسيا بل هي "وسطية" الوقوف في الوسط بين الاعتدال والتطرّف أي النوسان بينهما وفق المصلحة التكتيكية و(الأهواء والمصالح السياسيّة)، مصلحة اللّحظة الراهنة والموقع فيتخطّر بين الضفتين فإذا كان وضع الحركة الإسلاميّة لا يسمح باستخدام سيف العنف فإنه يلجأ إلى استخدام سيف التسامح وهو في كلتا الحالتين لا يتجاوز "حدّ مفهوم السيف" فكلاهما غزو في الخطاب الفقهي العنف والتسامح أو الحب والسيف بحسب حسن البنا، فإذا كان الوضع يتطلّب التسامح فإن الأمر في غاية البساطة إذ ما علينا سوى أن ننبش في كيس التراث حتى نستحضر ما تيسر لنا من محفوظات مناسبة لحالة التسامح. ففي السنّة النبويّة يواجهونك مباشرة بذلك الأعرابي الذي بال في المسجد وهمّ به أصحاب النبيّ ليمنعوه فأمرهم أن لا يقطعوا عليه بولته وأن يصبوا عليه ذنوبا من ماء قائلا: "إنما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسرين."

 تواجهك هذه الواقعة عشرات المرات في كتب القرضاوي (خطابنا الإسلامي في عصر العولمة ص 143) وآلاف المرات في كتب الفقه (ككلمات في الوسطية الإسلاميّة ومعالمها وكتابه الإسلام والعنف، نظرات تأصيليّة) التي تنقل عن بعضها لبعض حتى يكاد أن يكون هذا الأعرابي أشهر "بوّال" في التاريخ."[7] وكأن بهذه الحادثة قد مثلت أفضل أنواع التسامح وأشرفها في التاريخ الإسلامي. أمام هذه المغالطات لابد لنا اليوم من أن نعي جيد أنّ علم الأصول يستدعي الانطلاق من القرآن نحو السنة وليس العكس لتقديم وعي جديد للحقيقة الدينية وللأسس الأخلاقيّة الإسلامية.

 afaf2

3. أسس التسامح وأثرها في التعايش الإنساني:

التسامح سلم من الدرجات المتنوعة يبدأ من الديني ثم السياسي ليتشكل في مظهر اجتماعي بين الأفراد والمجموعات والأمم التي تحترم حقوق المواطنة وتضمن سيادة القانون والإعتراف بالتعددية المرجعيّة من أجل إعادة تشكيل قيم التفاضل بينها إن وجد خلل فيها حسبما تقتضيه الحاجة الإنسانيّة لمبدأ التعايش في الوجود، ولأن الوعي بسياسة العنف التي هي سبيل لخلق اللاتسامح والتعصّب القبلي أو السياسي في المجتمع ليكون العنف كعقل وخطاب وثقافة داخل مجتمع ما.

 لهذا قدّم الغرباوي طرحا جديدا للمسألة يقوم على ضرورة التحوّل في مفاهيم القيّم وطرح التفكير كبديل للتكفير، بوضع استفهامات ضرورية لتجاوز هذه الأحداث والظواهر التي فتكت بالمجتمعات الإنسانيّة. هو سؤال كيف نجتث ثقافة العنف؟ تكون بعدة أشكال منها: الولاء للوطن بمعنى الاخلاص الشامل. أما سؤال كيف يعاد تشكيل العقل الإنساني بشكل يرفض فيه العنف فإن جوابه يتطلب الحاجة إلى "منظومة قيميّة تحلّ محلّ النسق القيّمي القديم السائد". الذي ولّد خطر أن يتحول العنف إلى منهج في تفسير التاريخ وقراءة الأحداث وبذلك يتحوّل إلى عامل ضروري وأساسي في صناعة التاريخ وأسلوبا فريدا في حل الأزمات و تسوية الخلافات. وإنّ واجب المثقف النوعي وعلماء الأمة الأكفاء اليوم أن يولوا وجوههم تجاه البحث عن أصول العلاقات التي ترتبط الظواهر التاريخيّة للعنف بالتسامح وتجديد القراءات وتفسيرات لقيم الدين التي تشرع ممارسة العنف ضد الآخر.

لقد كشفت رؤية الغرباوي النقدية حجم المعاناة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية. مما استوجب في نظره تقديم قراءة متأنيّة وجذريّة لأسس التسامح السائدة في واقعنا العربي المتورّم .. قراءة مبنية متماسكة الجوانب تقوم على دراسة شاملة لتشكل قفزة نوعيّة في محاولة منه لإخراج المجتمع العربي الإسلامي من أزماته ونكباته المُتراكمة المتتاليّة. وهذه الموقف ليس بالجديد عليه إذ دعا في بحوثه ولقاءاته الصحفية المنشورة في المواقع والصحف الإلكترونية وبصفة خاصة كتابه الذي نتناوله بالشرح والتعليق في بعض مسائله إلى ضرورة فهم الظواهر التاريخيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والأنساق الفكريّة المتأزمة ومربكة لإستقرار اللأرضيّة العربيّة، كاشفا من خلاله محاولاته لتفسيرها والوقوف على أهم أسبابها وظروف تشكلها في الواقع والتراث محاولا قدر المستطاع تبيّن موطن الداء وخلق الترياق المناسب لمعالجتها معالجة شاملة بوسائل ومناهج قانونيّة دستوريّة شرعيّة بالمعنى السياسي لا بالمعنى الفقهي الشرعي وبما يتلائم مع الأعراف الاجتماعيّة العامّة والخاصة، التي لا تتعارض وسماحة قيّم الإسلام، لايجاد حلول لمشكلات حياة الإنسان والمجتمع العربي وانتشاله من سقط الواقع المتأزم الذي يعيشه.

كما دعا أيضا إلى ضرورة الإستفادة من التجارب البشريّة المتنوّعة عبر التاريخ، وتحري الموضوعيّة والمصداقيّة في البحث عن وسائط وأنساق جديدة بديلة ترفع من مستواه السلوكي في مستوى الكم والنوع، وهو ما سيساعد على تطوّر فكره الاجتماعي وتنمي شعوره الديني والمذهبي نحو أفق أشمل وأوسع هو أفق الكونيّة الأرحب لتزيد من نسب التعايش كأفراد مختلفين في مجتمع ورقعة جغرافية واحدة كان التاريخ عاملا في استمرارية تلك الوحدة التي يتوق اللإنسان إلى أن تكون أكثر صلابة واصرارا على اعتناقها وكسب ملكيتها. من خلال بلورة حديثة لتلك الأسس الرخوة وإعادة بنائها بانسجام وحذر لتساهم في خلق مجتمع أكثر تناغم وتعايش، يحتقر ماضيه في زواياه المظلمة ويداوي جراحه بعقاقير ملائمة لأورام زمانه ويلملم شتاته بهمَّة وعقلانيّة، ليتطلع بثبات نحو مستقبل أفضل وإنهاء موجبات العنف والاقصاء والهيمنة والقوّة المباشرة وغير المباشرة. لخلق تصوّر صحيح عن أسباب القريبة والبعيدة لظاهرة اللاتسامح.

 "فما يعيشه العالم العربي من انفجار لهوياته الفرعيّة وتشظيه بعناوين طائفية ومذهبية وقبلية وجهوية، هو نتاج طبيعي لبعض الخيارات السياسية والاجتماعية التي سادت في العالم العربي، وعملت عبر وسائل قهرية لتغييب حقيقة التعدديّة الموجودة في المنطقة العربيّة..."[8] "فالذي يفجر الكنائس في العراق أو مصر أو أي بلد عربي آخر، ليس هو الأجنبي، وإنما هو التيار العنفي – التكفيري الذي بدأ بالبروز في العالم العربي" وإن اختلفت حقيقة الأيادي التي تقف وراءه وتحركه نحو أهدافها العدوانيّة المرضيّة."[9] رغم أنّ البحث في الأسس الأولى للمناهج الثقافية والدينية التي خلقت هذه الظاهرة "الهجينة" وأقول هجينة لأنها لا ترتبط بأسس دينيّة عقيديّة صحيحة بل هي وليدة تفسيرات وتحليلات دينيّة تاريخيّة تساير السياسات التي كفلت مشروعيتها التي عملت في مشروعها على تغييب واقصاء ثنائية : "نحن وهم"

حقيقة لا مناص منها أنّ واقع المجتمعات العربيّة اليوم لا زال مفتقرا إلى المعرفة الدقيقة والواقعيّة لمصطلح أو مفردة التسامح رغم أنّها دُشِّنَت في مطلع هذا القرن في السجال الذي حصل بين فرح أنطون ومحمدعبده، في المعارك الفكريّة والسياسيّة التي تطالب اليوم وأكثر من أي وقت مضى بفتح باب الاجتهاد، في مجال دراسة الموروث الديني والثقافي، فهل نستطيع القول اليوم إنّ هذه المعركة التي لابد منها لم تعد قابلة للتأجيل أو التأخير أو محاولات الطمس والتغييب على العقل العربي؟ مع أنّ معطيات متعددة في الواقع العربي الراهن تقتضي منّا بلورة اجتهادات جديدة تمكِّننا من إعادة استثمار الدلالة الجامدة والسطحيّة السابقة بدلالة رمزيّة ومفتوحة للمفهوم؟

لكن يبقى السؤال الأهم: هل يوجد في عالمنا تسامح لننظّم له ملتقانا الفكري أم أنّ غيابه اليوم يدعونا لتنظيم ندوات علميّة للتذكير بجوهر مبادئه في بعض السطور المكتوبة لتلقى في ندواتنا ومؤتمراتنا وملتقياتنا وتنسى أو تنتهي بانتهائها أم أنّ الوعي بخطورة الوضع العالمي اليوم تحتم علينا ضرورة مراجعة ذواتنا ومعاملاتنا تجاه أنفسنا وتجاه الأخر في نطاق مبادئنا الصحيحة التي وضعها لنا الإسلام الأول وأقصد بمصطلح الإسلام الأول الإسلام الذي دعا إليه سيد الخلق سيدنا محمّد صلّ الله عليه وسلّم وليس إسلام التأويلات والقراءات الذي تعيشه بعض الفئات المتطرفة دينيا في العراق وسوريا وليبيا والتي أحدثت في الأرض فسادا عميقا نسأل الله السلامة من شرّ ما يحدثون.

التسامح ومنابع اللاتسامح، الضد النوعي للاستبداد، تحديات العنف، وغيرها، بحوث جلها إنبثقت ضمن مشروع وهدف أعمق وأبعد هناك تخطيط واضح في الأفق تلحقه محاولات للتأسيس، هناك هدف أكبر وأسمى من المفكر العراقي ماجد الغرباوي وسعي حثيث وملموس لمشروع ثقافيّ حضاريّ مؤسس. أي أن هناك شيئا لا يستطيع القارئ معرفة ماهيته تحديداً، أكثر من كونه حتى يأخذ مكانه التربوي في الساحة الإجتماعية والوطنيّة ودوره الطبيعي في مجالس العلم وساحات الفكر والمعرفة ليساهم من قريب أو بعيد إن قليلا أو كثيرا في خلق تطوّر ثقافي جديد جميع المجالات الوطنيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة.

يتبع القسم الثاني

 afaf5

husny ibrahimabduladimيتردد بين الناس في عالمنا العربي دائما مقولة أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، ودائما ما ترد هذه العبارة في سياق التقليل من شأن المرأة والحط من قيمتها الإنسانية، وإثبات تبعيتها للرجل وخضوعها له، باعتبارها قد خلقت من جزء منه، وللأسف الشديد فإن ترديد هذه المقولة لا يقتصر فقط على عوام الناس، وإنما يرددها بلا تمحيص كثير من أعضاء النخبة المثقفة.

ويظن كثير من الناس أن الإسلام هو من أسس لهذه الفكرة وروج لها، ولكن الحقيقة التي يجب أن توضح في هذا السياق هي أن الإسلام - ممثلا في قرآنه الكريم وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الصحيحة – لم ينص مطلقا على أن المرأة خلقت من ضلع آدم - سواء أكان هذا الضلع أعوجا أم مستقيما - بل أنه يؤكد على أن المرأة قد خلقت بشكل مستقل مثل آدم تماما، وفي هذا تكريم للمرأة وإعلاء من شأنها، وحرص على استقلال شخصيتها، وهذا ما سنوضحه بالتفصيل بعد قليل.

والواقع أن البحث المدقق لهذه القضية يكشف عن أن فكرة خلق حواء من ضلع آدم عليهما السلام لها جذورا عميقة في ميثولوجيا الفكر الإنساني تمتد لآلاف السنين قبل ظهور الإسلام، ثم انتقلت الفكرة بعد ذلك للعهد القديم في الكتاب المقدس، إذ يعتقد كثير من الباحثين – ومن أبرزهم عالم الآثار الكبير صمويل نوح كريمر في كتابيه من ألواح سومر والأساطير السومرية - أن أصل فكرة خلق حواء من ضلع من آدم أو من أحد أجزائه يعود إلى ميثولوجيا بعض الحضارات الشرقية القديمة، ففي إحدى أساطير السومريين، وهي من أقدم الأساطير المدونة التي وصلتنا، يذكر بأن المرأة قد خلقت من ضلع الرجل، حيث تحكي الأسطورة أن الإبن الإلهي (آنكي) أبو البشر أصيب بمرض شديد فى أحد اضلاعه كاد يقضى عليه، فأسرعت الإلهة الأم (نن هورساج) NIN HURSAG وخلقت له إلهة أنثى من ذلك الضلع بإسم (نن تي Nin Ti) مهمتها علاجه وتمريضه، واسم الإلهة (نن تي) مكون من مقطعين نن بمعنى سيدة أو ربة و(تي) بمعنى الضلع فيكون اسمها سيدة الضلع، وهي التى احيت آنكي بعدما اشرف على الموت.

وثمة اعتقاد في الديانات الهندية القديمة – الفيدية والبراهمية والبوذية – أقرب لتلك الفكرة وهو أن المبدع الإلهي حين خلق المرأة خلقها من قصاصات وجذاذات المواد الصلبة التي زادت لديه بعد عملية خلق الرجل. وأوجبت تلك الديانات - استنادا لذلك التصور - على الزوجة أن تخدم سيدها (زوجها) كما لو كان إلها.

ويبدو - كما يرى كثير من الباحثين - أن اليهود الذين عاشوا فترة من الزمن في بابل هي سنوات الأسر البابلي قد اقتبسوا تلك الفكرة من السومريين، وهم أصحاب الحضارة السابقة على البابليين، وأدخلوا عليها بعض التعديلات التي تلائم معتقداتهم، ثم سطروها في كتابهم المقدس، فقد ورد في الإصحاح الثاني من سفر التكوين ما يلي: فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام فأخذ واحدة من أضلاعه و ملأ مكانها لحما، و بنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة، وأحضرها إلى آدم، فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي و لحم من لحمي هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت.(سفر التكوين: الإصحاح الثاني 21-23)

يوضح النص السابق بوضوح شديد وبتفصيل بين لا لبس فيه فكرة خلق المرأة من أحد أضلاع آدم، واللافت في النص أنه يؤكد أن الرب قد وضع مكان ضلع آدم لحما وهو ما يعني من الناحية التشريحية أن عدد أضلاع الرجل أقل من عدد أضلاع المرأة بضلع واحد، بيد أن علم التشريح الحديث ينفي تلك الفكرة نفيا مطلقا. حيث أن عدد أضلاع الرجل يساوي تماما عدد أضلاع المرأة وهي إثنا عشر ضلعا في كل جانب.

وشبيه بهذا الخطأ الوارد في العهد القديم الخطأ – أو بالأحرى الأخطاء- التي وقع فيها أرسطو عندما قال إن عدد أضلاع الرجل أقل من عدد أضلاع المرأة، حيث ظن أن للرجل ثمانية أضلاع فقط في كل جهة، وأن عدد أسنان المرأة أقل من عدد أسنان الرجل، وأن مخ الرجل أكثر تعقيدا من مخ المرأة، وظلت تلك الأخطاء سائدة لفترة طويلة؛ نظرا لدرجة القداسة التي بلغتها أفكار أرسطو واعتماد الكنيسة الكاثوليكية لهذه الأفكار، واعتبار أن من يأتي بكلام يخالف ما ذهب إليه أرسطو يعد مهرطقا وخارجا على العقيدة الكاثوليكية.

والحقيقة أن فكرة خلق المرأة من ضلع آدم قد تسربت للفكر الإسلامي من ذلك المصدر التوراتي، حيث دخل العديد من الأفكار التوراتية – سواء أكانت بشكل مقصود أم غير مقصود – لهذا الفكر منذ القرون الأولى لظهور الإسلام، ويطلق المفكرون المسلمون على هذه الظاهرة مصطلح (الإسرائيليات). ونتيجة لمرور فترات طويلة دون نقد وتمحيص للتراث الإسلامي، خاصة في مراحل تدهور الحضارة الإسلامية، ترسخت تلك الفكرة في التراث، واعتبرها الكثيرون جزءا من الفكر الإسلامي، ومن ثم قبل كثير من العلماء القدامى - من المؤرخين والمفسرين - تلك الفكرة وبنوا عليها العديد من النتائح التي أسهمت في تدني النظرة للمرأة واقصائها عن العديد من الفضاءات الاجتماعية والفكرية، بل وأعطت فرصة ذهبية للمتربصين بالإسلام - وهم كُثيرون - للهجوم عليه واتهامة بالتحيز ضد المرأة وقهرها والنيل من استقلال شخصيتها.

وإذا نظرنا للقرآن الكريم – باعتباره المصدر الرئيسي للتشريع في الإسلام - نجد أنه لم يشر مطلقا إلى فكرة أن المرأة خلقت من أحد أضلاع آدم، فيقول الله تعالى في بداية سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ويقول أيضا في سورة الأعراف 189 ﴿ ُهوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ فهاتان الآيتان الكريمتان لم تشيرا على الإطلاق إلى لفظ الضلع، ولذلك فقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن المقصود بقوله تعالى (خلق منها زوجها) و(جعل منها زوجها) أي من جنسها أو نوعها وهو النوع الإنساني.

من أهم المفسرين القدامى الذين ذهبوا هذا المذهب، ابن بحر، وأبو مسلم الأصفهاني، ويقدمان عدة حجج وبراهين على أن حواء خلقت من جنس آدم لا من جسده:

أ‌- أن معنى (منها) في آية النساء، أي من جنسها، وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [النحل: 72].

ب‌- أن الله تعالى لما كان قادراً على أن يخلق آدم ابتداءً، فما الذي حملنا على أن نقول إنه تعالى خلق حواء من جزءٍ من أجزاء آدم؟ ولم لا نقول: إنه تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء؟ وأيضاً الذي يقدر على خلق إنسان من عظمٍ واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء؟ فأي فائدة في خلقها من ضلعه؟

ج ‌- ومما يُحتجُّ به لهذا القول هو إنّ الإشارة إلى الشيء قد تكون بحسب نوعه، ومثال ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصلاة إلا به " وليس المراد ذلك الفرد المعين بل المراد ذلك النوع، والمراد في الآية: أنه خَلَق من النوع الإنساني زوجة آدم، والمقصود التنبيه على أنه تعالى جعل زوج آدم إنساناً مثله.

ويذهب العديد من العلماء المعاصرين إلى رفض فكرة خلق المرأة من ضلع آدم، يقول الشيخ رشيد رضا صاحب المنار في تفسير آية الأعراف " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها" أي: خلقكم من جنس واحد أو حقيقة واحدة ، صورها بشرا سويا وجعل منها زوجها ليسكن إليها سكونا زوجيا، أي: جعل لها زوجا من جنسها فكانا زوجين ذكرا وأنثى كما قال تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، كما أنه خلق من كل جنس وكل نوع من الأحياء زوجين اثنين ، قال عز وجل : ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون، وإننا نشاهد أن كل خلية من الخلايا التي ينمى بها الجسم الحي تنطوي على نويتين ذكر وأنثى ، يقترنان فيولد بينهما خلية أخرى ، وهلم جرا.

ويرى الشيخ رشيد رضا أن الآية تدل على أن آدم كان له زوج (أي امرأة) ، وليس ما في القرآن مثل ما في التوراة من أن الله تعالى ألقى على آدم سباتاً انتزع في أثنائه ضلعاً من اضلاعه فخلق له منه حواء ، وأنها سميت (امرأة) لأنها من (امرئ) أخذت !! وما روي في هذا المعنى فهو مأخوذ من الاسرائليات.

ولا يتردد الأستاذ الشهيد سيد قطب مع حرصه الشديد على التزام المنهج السلفي في تفسيره، بالتأكيد على نفس الاتجاه في هذه القضية، يقول: كل الروايات التي جاءت عن خلقها من ضلع آدم مشوبة بالاسرائيليات، ولا نملك أن نعتمد عليها ! والذي يمكن الجزم به فحسب أن الله تعالى خلق له زوجاً من جنسه فصارا زوجين اثنين، والسنة التي نعلمها عن كل خلق الله هي الزوجية : "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون".هي سنة جارية وهي قاعدة في كل خلق الله أصيلة، وإذا سرنا مع هذه السنة فإن لنا أن نرجح أن خلق حواء لم يمكث طويلاً بعد خلق آدم، وأنه تم على نفس الطريقة التي تم بها خلق آدم .

بل الأكثر من ذلك والأجدر بالملاحظة أن بعض كبار العلماء اعتبر أن النفس الواحدة هي حواء وليست آدم، فالإمام محمد عبده يرى أن النص القرآني لاينفي أن تكون النفس الواحدة هي حواء وليس آدم، إذ يقول: وإن في النفس الواحدة وجها آخر وهي أنها الأنثى، ولذلك أنثها حيث وردت وذكر زوجها الذي خلق منها في سورة الأعراف فقال ليسكن إليها. وعليه يظهر افتتاح السورة بها ووجه تسميتها بالنساء أكثر.

لقد كان الشيخ محمد عبده يجتهد من أجل تحرير النص القرآني حول مسألة أصل الجنس البشري من التراث الأسطوري والديني الذي سبق الإسلام، والذي كان له تأثيره الواضح على كثير من رجال الفكر الإسلامي في فهمهم للنص القرآني، ولم ينته الأستاذ الإمام في تفسير النفس الواحدة التي أشار إليها النص القرآني إلا لدحض كل تأويل ثبوتي للنص فاتحا بذلك مجالا واسعا من حرية البحث والتفكي أمام العقل والتطور العلمي على النحو الذي لا يوقع المتدين في الحرج والجمود.

الخلاصة مما سبق أن القرآن الكريم لم ينص صراحة على خلق المرأة من ضلع آدم، وما ذهب إليه بعض علمائنا الأوائل في هذا الشأن، إنما جاء نتيجة دخول بعض الأفكار التوراتية للتراث الإسلامي، وقد صحح العديد من العلماء القدامى والمحدثين هذه الفكرة وأكدوا أن القرآن الكريم يشير إلى خلق المرأة من نفس جنس الرجل، وبالتالي فهي لها من المكانة والتقدير مثل ما للرجل تماما.

أما الأحاديث النبوية التي أشارت إلى خلق المرأة من ضلع أعوج، ففيها كلام كثير، فقد أثبت العديد من المحدثين ضعف أسانيد بعضها، فنجد أن إمام المحدثين المعاصرين الشيخ محمد ناصر الدين الألباني(1914 – 1999) يؤكد في سلسة الأحاديث الضعيفة أن هناك الكثير من الأحاديث الضعيفة المتعلقة بخلق حواء من ضلع آدم، حيث يذكر على سبيل المثال في المجلد الثالث عشر من تلك السلسلة الحديث رقم 6499 ونصه إن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم عليه السلام مسح ظهره فخرجت منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة وانتزع ضلعا من أضلاعه فخلق منه حواء على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، ووصفه بأنه منكر جدا. وعلق الشيخ الألباني على فكرة خلق حواء من ضلع آدم قائلا الراجح عندي أنه استعارة وتشبيه لا حقيقة، وذلك لأمرين:الأول أنه لم يثبت حديث في خلق حواء من ضلع آدم.

والآخر: أنه جاء الحديث بصيغة التشبيه في رواية عن أبي هريرة بلفظ : "إن المرأة كالضلع، وهذا ماسنتناوله بالشرح الآن.

   ففيما يتعلق بالأحاديث التي ثبتت صحتها في البخاري ومسلم وورد فيها لفظ الضلع، فقد فسر العلماء تلك الأحاديث على أنها تتحدث عن الضلع مجازا وليس حقيقة، فالحديث الأول الذي ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المرأة كالضلع، إذا ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها وفيها عوج.

إن النظرة الفاحصة لهذا الحديث تكشف الملاحظات التالية:

- أنه قد جاء في سياق الوصية بالنساء، فهو لايتناول قضية خلق المرأة.

- أنه لم يقل ضلع آدم، وإنما قال الضلع، والضلع في اللغة هو كل منحنى ويتسم دائما بالضعف والرقة.

- أن الحديث يشَبّه المرأة بالضلع، ولم يقل أنها خلقت منه، ومن سمات الضلع هشاشته وضعفه، فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يشبه المرأة في ضعفها ورقتها بالضلع، وفي ذلك توجيه للرجال بحسن معاملتها وعدم القسوة عليها، فالقسوة تؤدي لانكسارها، تماما مثلما تؤدي الشدة إللى كسر الضلع. وقد جرت عادة العرب في التمثيل وتقريب المعاني المجردة على صياغتها في صور حسية.

أما الحديث الثاني فقد ورد في الصحيحين أيضا وجاء فيه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته(وفي رواية مسلم وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها) وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا.

والحقيقة أن المتأمل في هذا الحديث - والحديث الذي سبقه أيضا - لا يجد فيهما ما يستدل به من قريب أو بعيد على تأييد ما ورد في العهد القديم من أن حواء خلقت من ضلع آدم، بل كل ما تضمنته توجيهات تربوية للرجال في التعامل مع النساء بالرفق والمودة بعيدا عن العنف والعجرفة، مما يستبعد معه أن يكون موضوع الحديث هو المسألة العضوية أو التشريحية بقدر ما هو حديث عن سيكولوجية المرأة، وتوجيه نبوي كريم إلى ضرورة الرفق في التعامل معها وتجنب الشدة حيالها، ومصداق ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر عن النساء أنه ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم. وقوله في حجة الوداع أوصيكم بالنساء خيرا، إن موضوع تلك الأحاديث هو توجيهات نبوية في المجال الاجتماعي والسياسي والأخلاقي، وليست محاضرات في العلوم الطبيعية والبيولوجية.

وتأكيدا لذلك يرى الشيخ راشد الغنوشي أن عبارة خلقت من ضلع التي وردت في الأحاديث الصحيحة ينبغي فهمها على سبيل المجاز مثل قوله تعالى خلق الإنسان من عجل، إي أن الإنسان من طبعه الاستعجال في الأمور، وغاية الحديث هو الأمر بمعاملة النساء بالحسنى والنهي عن معاملتهن بالشدة.

إن سياق أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو تشجيع الرجال على حُسن معاملة النساء ويضرب لهم مثلاً بطبيعة المرأة لا بمادة خلقها، بمعنى أنها رقيقة الخلقة لا تتحمل قسوة المعاملة وشدتها، وإنما يجب أن تعامل برقة ولطف. فلم يكن موضوع الحديث هو المادة التي خلقت منها حواء، وإنما الغرض هو التوصية بمعاملتها برفق ولين نظرا لطبيعتها الهشة الرقيقة التي تشبه الضلع الذي يكسر إذا تم التعامل معه بشدة.

وفي النهاية فثمة سؤال قد يطرح في هذا السياق ما المشكلة إذا كانت المرأة مخلوقة من ضلع آدم أم مخلوقة بشكل مستقل طالما أن الله تعالى هو من خلقها في كلتا الحالتين؟ الحقيقة أن ثمة نتائج خطيرة تترتب على كلا التأولين، ألمحنا إلى بعض منها في صدر المقال، عندما قلنا إنه دائما ما ترد هذه العبارة (خلقت المرأة من ضلع آدم) في سياق التقليل من شأن المرأة والحط من قيمتها الإنسانية، وإثبات تبعيتها للرجل وخضوعها له.

ويؤكد الغنوشي ذلك المعنى حيث يقول إن الإلحاح وبدون دليل حاسم على فكرة خلق المرأة من ضلع آدم يحمل في ثناياه – بشكل واع أو غيرواع – تكريس تبعية المرأة للرجل على الصعيد الاجتماعي، وانمحاء شخصيتها وذوبانه في شخصيته، وتكريس التمييز والتفاضل على أساس الجنس مما يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية. في حين ان التأويل الثاني فضلا عن أدلته اللغوية الرصينة، واتساقه مع جملة النصوص القرآنية والنبوية، هو تأصيل لمفهوم إسلامي وإنساني أساسي ناضلت الحركة النسوية المعاصرة طويلا من أجل إنجازه، وهو تحقيق استقلال شخصية المرأة وتحملها مسئولية وجودها ومصيرها كاملا. والقضاء على أول وأقدم اضطهاد للإنسان لأخيه الإنسان على أساس الفوارق الجسدية كخطوة أولى أساسية للقضاء على كل تمييز يقوم على أساس العرق والعنصرية، فيقوم على أساس المساواة والأخوة بدون أدنى تفاضل إلا على أساس العمل الصالح (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) وهو مقصد أساسي للشريعة الإسلامية، ولنضال الشعوب والطبقات المضطهدة منذ آلاف السنين.

الخلاصة إذن أن المرأة وفق التصور الإسلامي قد خلقت خلقا مستقلا مثل آدم تماما، ولم تخلق من ضلعه مطلقا، وبالتي فهي لاتقل عنه قيمة وتقديرا واعتبارا، واستنادا لهذا التصور فقد حرر الإسلام المرأة من كثير من التصورات والأفكار الخاطئة التي ارتبطت بها وجاءت من ميثولوجيا الحضارات والديانات السابقة.

 

...........................

لمزيد من المعلومات يمكن الرجوع لما يلي:

- حسني إبراهيم عبد العظيم، الجسد الأنثوي بين المعتقد الشعبي والمعتقد الديني، الحوار المتمدن، العدد 3614 بتاريخ21/1/2012.

- راشد الغنوشي، المرأة بين القرآن وواقع المسلمين، المركز المغاربي للبحوث والترجمة، لندن،2000.

- سيد القمني، الأسطورة والتراث. المركز المصري لبحوث الحضارة، القاهرة، 1999.

- محمد شحرور، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: فقه المرأة، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق،2000.

- محمد عبده ومحمد رشيد رضا، تفسير المنار، دار المنار، القاهرة، 1947.

- محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة.

- وول ديورانت، قصة الفلسفة من أفلاطون إلى جون ديوي، ترجمة فتح الله محمد المشعشع، مكتبة المعارف، بيروت، الطبعة السادسة،1988.

- يونس عبد الرب فاضل الطلول، خلق حواء عليها السلام في ضوء النصوص الشرعية، موقع جامعة الإيمان.

 

إن الحداثة نمط عيش وعمل وتفكير، ظهرت بأوربا، تتميز بخصائص جعلت منها إله العصر. فقد تشكل المجتمع الحديث بفضل التقدم التكنولوجي والتصنيع، وبروز كثير من القيم كالديمقراطية والعلمنة والرأسمالية والعقلانية والفردية والكونية وغير ذلك. لكن أين هو الإنسان؟ أين هي حقوقه الروحية؟ أين هي القيم المؤطرة للعلاقات الإنسانية؟

 

1- القرآن مرجع الحوار ومنطلقه

إن الإنسان اليوم لا وقت لديه للتفكير في الدين والقضايا الدينية، فحياته كلها محاطة بالماديات، والهم الأكبر بالنسبة إليه هو أن يعيش أكثر. إنه، في نظر الإمام ياسين رحمه الله، لا جواب له عما سيصير إليه بعد الموت وأنه سيكافأ بعد وفاته عن حياته هاته أو سيعاقب. إنه لا يدري أن هناك رسلا أرسلهم الله لتنبيهه وتوجيهه وليستعد لما بعد الموت... هذه هي القضايا المعلقة عند الحداثة، وهي التي ينبغي أن تكون محل حوار وسؤال في نظر الإمام رحمه الله.

إن الجواب عن هذه الأسئلة يوجد في القرآن وحده. لكن، لماذا يعتبر المرجع الوحيد للإجابة؟

للإجابة عن هذا السؤال يحدد الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله للقرآن ثلاث صفات أساسية:

 

- القرآن فرقان

ويعني هذا أن الفيصل بين إيمان الناس وكفرهم هو موقفهم من القرآن، وبه يفرق بين الحق والباطل، ومن لا يدخل تحت راية القرآن فهو تابع للباطل، وليس للحق. وإن كون القرآن فرقانا يعني أن يسود سيادة مطلقة. وقد استنتج هذه المعاني من قوله تعالى: ﴿تَبَارَ‌كَالَّذِي نَزَّلَ الْفُرْ‌قَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرً‌ا﴾ (الفرقان: 1).

وهذا التوصيف نجد له سندا في آراء المفسرين، القدامى منهم والمحدثين، كما عند ابن كثير رحمه الله، الذي وضح معنى الفرقان كونه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام.

 

- القرآن برهان

ومعنى كون القرآن برهانا "أن نحكم بكلام الله الأزلي على عقل البشر المخلوق العبد الخاضع لتطورات الزمان والمكان. معناه أن يجلس العقل مجلس التلميذ يستهدي الوحي ويستنير به. ومعنى كونه نورا مبينا، أن كلام الله هو المرجع، به يبرهن على الهدى والضلالة، على الصلاح والفساد، على إصابة العقل وخطئه، على سلامة الفهم وعلته"[1].

إن وصف القرآن بالبرهان تدل عليه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْ‌هَانٌ مِّن رَّ‌بِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورً‌ا مُّبِينًا﴾(النساء: 174).

وينتقد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله دعوة الحداثيين إلى قراءة جديدة للقرآن الكريم بمناهج بشرية حديثة، فيخلص إلى أنهم ينزلون بالقرآن من مستوى ربانيته وقداسته إلى مستوى التفكير البشري، والرد على هؤلاء إنما يكون بالقرآن نفسه، لأنه هو البرهان على الخطأ والضلال.

 

- القرآن إحسان

يعني كون القرآن إحسانا "الاهتداء بالقرآن والاسترحام به والاستدلالبآياته الحكيمة وآيات الله في الكون لا يحق لنا منه نصيب إلا بمقدار مامعنا من إحسان. أي من تعلق بالله جل جلاله واستماع لكلامه مستحضرين منيخاطبنا وما يريد منا وما يريد بنا وإلى أي مصير يصيرنا. وبهذا يكون محورحياتنا هذا الموقف الإحساني، وتكون قبلتَنا الله جلت عظمته..."[2]. وهذا ما يُستنتج من قوله سبحانه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِهُدًى وَرَ‌حْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾ (لقمان: 2-3).

 

2- أسلمة الحداثة غاية الحوار

ربما كان الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله أول من استعمل عبارة "أسلمة الحداثة" في السبعينيات، وبعده انتشرت واستعملت من قبل آخرين. فماذا تعني؟

إن أسلمة الحداثة عند الإمام ياسين رحمه الله تعني أولا وقبل كل شيء تصحيح الفطرة التي انحرفت وشوهت بسبب المادية والجاهلية، هذه الفطرة التي عناها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (سورةالروم:30  ) كما عناها النبي  صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِه"[3].

لكن، للأسف، فالحداثة مؤسسة على العقلانية والإنسانوية والمسلمة الدوابية، وبالتالي صار الإنسان الحديث واثقا كل الثقة في قدرة العقل على الحكم والقيادة. إنه يعتقد في نفسه فقط، ولا يؤمن إلا بنفسه وبما هو مادي تجريبي، ونتيجة لذلك، فهو لا يعرف من خلقه، بل تقنعه المسلمة الدوابية أنه خلق بالصدفة.

إن قضية تشويه الفطرة شكلت هدفا أساسيا لحوار الحداثة عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله. والفطرة "كلمة قرآنية تدل على الأرضية النفسية للكائن البشري. هذه الفطرة، هذه الأنا الباطنية والطبيعة الأولية القبلية الكامنة في أعماق كل واحد منا، هي موطن الإيمان والثقة بالله. لكن إذا ما شوهها المحيط العائلي والبيئة الثقافية فلن تستعيد عافيتها إلا بالمبادرة الحانية لعمار المسجد"[4].

وتصحيح الفطرة يعني أن نبين للإنسان الحديث الطريقَ إلى الله خالقِه، ونقول له إن هناك حياة بعد الموت حيث سيجازى الجميع. وللقيام بهذا فقد دلنا الله تعالى على منهاج يقودنا إلى المقصدين الأعظمين: العدل والإحسان اللذين نجدهما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90).

 

- العدل

وهو إعطاء الحق لصاحبه.. وهو ضد الجور. وقد بينت مجموعة من الآيات أقسام العدل وفصلت مجالاته... وهو من أهم وظائف النبوة التي يمثلها قول الله عز وجل ﴿ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّـهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ ( الشورى:15)، فهذه الآية تمثل أساس بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهو إقامة العدل بين الناس في شتى المجالات لما كانوا يعيشونه من ظلم وفساد. وجميع الشرائع السماوية والقوانين الوضعية إنما جاءت لأجل تحقيق العدل.

  

- الإحسان

والإحسان هو الإتقان. ويشمل كذلك مجالات مختلفة، غير أننا نستطيع أن نحدد أعلى هذه المجالات وأصلها الذي عنه تتفرع المجالات الأخرى في جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال جبريل عليه السلام عن الإحسان في الحديث: ''الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ". وأدنى مراتب الإحسان ما في حديث الموطأ أن امرأة بغيا رأت كلبا يلهث من العطش يأكل الثرى، فنزعت خفها وأدلته في بئر ونزعت فسقته فغفر الله لها .

هذه المعاني والمراتب تعطينا في مجموعها مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، تعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس، وحتى بالأشياء…

وعندما يسود الإحسان، فإن ذلك ضمان للمجتمع من مجموعة من الشرور والفتن، ذلك أن الإحسان، بما هو فضل وزيادة ومرتبة عليا في الدين والتقوى، معنى زائد على العدل، بل قد يحتويه.

  

3- التربية منهاج الحوار

يصف الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بالتربية بالحرفة فيقول: "حرفتنا التربية، هي وسيلتنا لتغيير الإنسان حتى يتبنى موقفا ونظرة وإرادة تتعالى على الظرفيات التاريخية، وتتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة التي تحيطنا بها سياسة المنزل الإقليمي الصغير، وذهنية الهوية التجزيئية"[5].

هذه التربية تبدأ من صحبة روحية؛ ذلك أن "الصحبة مفهوم مركزي في الإسلام ، والمسجد أمثل مكان للعثور على الصحبة المثلى"[6]. وهذه الصحبة يجمعها قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ (الحجرات: 9).

إنهم جسم واحد جمعهم الإيمان؛ ذاك الإيمان الذي يعرفه الحديث الشريف "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ".وتبدو قيمة الإيمان الاجتماعية التواصلية في حديثه صلى الله عليه وسلم: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه"[7].

بالإضافة إلى الإيمان لا تتحقق التربية بدون علم، لأن العلم يحرس الإيمان ويحفظه. والعلم المطلوب أولا هو العلم بالله مصداقا لقوله تعال: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّـهُ ﴾ (محمد: 19). وهو أول حق ينبغي تلبيته للإنسان في زمن الحداثة. يقول الإمام رحمه الله: "أول حق للإنسان أن يعرف مغزى حياته ووجود خالقه، أما الحقوق الأخرى فتدور كلها حول هذا المحور. لذلك يجب أولا على كل مسلم يعيش في مجتمع مسلم أن يدعم هذا الحق"[8]. وهذا ما تفتقده الحداثة حتى ضاع الإنسان.

على العقل أن يجالس القرآن والداعيَ ويتلمذ له و"يسمع". فالسماع بهذا المعنى القرآني "هو مصدر العلم. ثم يتسرب الإيمان للقلب، ويتسع القلب ليكون وعاء صالحا لاستيعاب القرآن ورسالة القرآن". وبهذا يرتفع العقلاني من حضيض الغفلة إلى نور القرآن وإحسانه.

وخلاصة القول: إن حوار الحداثة عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله ليس حوارا سياسيا، وإن كان يتضمنه، وليس حوارا فكريا، وإن كان يتضمنه، ولكنه حوار عام شامل ينصب بالأساس حول الإنسان الذي ذهبت الفلسفات المعاصرة إلى القول إنه ضاع.

 

........................

[1]-عبد السلام ياسين، القرآن والنبوة ص 19.

[2]- نفسه ص 25.

[3]- رواه مسلم.

[4]- عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة ص 203.

[5]- نفسه ص 325.

[6]- نفسه ص 241.

[7]- متفق عليه.

[8]- الإسلام والحداثة ص 238.

 

ezzeddine  anayaما المراد بلاهوت التحرير؟ بالأساس هو خطّ ديني مسيحي يستلهم رؤاه من جملة من الكتابات ذات منحى لاهوتي نضالي، تم تأليفها منذ العام 1971 من قِبل مجموعة من رجال الدين المسيحيين، على غرار غوستافو غوتيراز من البيرو، وروبيم آلفز وهوغو آسمان وكارلوس ميستر والأخوين ليوناردو وكلودوفيس بوف من البرازيل، وجون سوبرينو وإغناسيو إيلاكوريا من السلفادور، وسغوندو غاليليا ورونالدو مونز من الشيلي، وبابلو ريتشارد من كوستاريكا، وجوزي ميغيل بونينو وخوان كارلوس سكانوني من الأرجنتين، وإنريك دوسيل من المكسيك، وخوان لويس سغوندو من الأوروغواي، لِنورد أسماء العناصر الأكثر شهرة من بين رموز هذا التوجه.

ذلك ليس مصادفة أن تظهر هذه الحركة في أمريكا اللاتينية، في جنوب القارة التي تفشّى فيها التباين الاجتماعي بشكل صارخ، وأين توالت، منذ تفجر الثورة الكوبية سنة 1959، نضالات اجتماعية تطلعت إلى إرساء العدالة، دعمتها حركات ثورية بشكل متلاحق.

ولئن برزت اختلافات جمّة بين آراء مجمل هؤلاء اللاهوتيين، فإننا نجد، في سائر أعمالهم، العديد من المحاور الرئيسية التي شكلت أرضية مشتركة ومنطلقا جذريا نابعا من المعتقد التقليدي، كما أرسته الكنائس المسيحية، سواء منها الكاثوليكية أو البروتستانتية:

1- تقريع أخلاقي واجتماعي للرأسمالية باعتبارها نظام حيف وجور، وبوصفها شكلا من أشكال الخطيئة البنيوية.

2- توظيف أدوات التحليل الماركسية بقصد تفهم دواعي الفقر، والإحاطة بتناقضات الرأسمالية وبمختلف أشكال الصراع الطبقي.

3- خيار موالاة الفقراء ومناصرة نضالاتهم في التحرر الاجتماعي الذاتي، والسعي الجاد من أجل إرساء العدالة الاجتماعية.

4- العمل على النهوض بالشرائح المسيحية المعدمة في أوساط الفقراء، كشكل جديد من جمهور الكنيسة، والبحث عن نمط بديل لحياة الفردانية التي أملاها النظام الرأسمالي.

5- قراءة مستجدّة للكتاب المقدس، تحوم أساسا حول جملة من الإصحاحات الواردة في سفر الخروج التوراتي، كنبراس للنضال من أجل التحرر لشعب يرزح تحت نير الاستعباد.

6- مجابهة الوثنية، لا الإلحاد، باعتبارها العدو الرئيس للدين – أي مناهضة أوثان الموت الجديدة المعبودة من قبل الفراعنة الجدد، ومن قبل القياصرة الجدد والهيرودسات الجدد (نسبة إلى هيرودس حاكم الجليل في عهد المسيح): مامون*، والثروة، والقوة، والأمن الوطني، والدولة، والقوة العسكرية، و"الحضارة المسيحية الغربية".

7- نقد الثنائية اللاهوتية التقليدية باعتبارها نتاجا للفلسفة الأفلاطونية الإغريقية، وبوصفها لا تمتّ بصلة للتراث الكتابي التوراتي، الذي يتميز فيه التاريخ البشري عن المسار الإلهي ولا ينفصلان.

أولا: المنشأ الاجتماعي للاهوت التحرير

كما سبق أن أعلن ذلك اللاهوتي البرازيلي ليوناردو بوف، ان لاهوت التحرير هو في الآن انعكاس لفعل سابق وتأمّل في دلالاته. أو بشكل أدق، هو تعبير عن حركة اجتماعية واسعة، ظهرت في البدء مطلع الستينيات من القرن الماضي -بشكل سبق الأعمال اللاهوتية الجديدة. حيث تضم هذه الحركة قطاعات معتبرة من جمهور الكنيسة، المتشكل من طوائف الرهبان، والتنظيمات الدينية، والأساقفة والحركات الدينية اللائكية، على غرار تجمعات العمل الكاثوليكي، والشبيبة الطلابية المسيحية، والشبيبة العمالية المسيحية؛ واللجان الكنسية الراعوية ذات الطابع الشعبي، مثل التكتلات الراعوية العمالية، والتكتلات الراعوية العاملة في مجال الزراعة، والتكتلات الراعوية الحضرية والشرائح الكنسية المعوزة. فبدون إيلاء اهتمام لمختلف الأنشطة العملية لهذه الحركات الاجتماعية –وهو ما يمكن أن نطلق عليه مسيحية التحرير- يتعذّر علينا فهْم ظواهر اجتماعية وتاريخية مهمة في أمريكا اللاتينية، برزتْ خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، على غرار المدّ الثوري في أمريكا الوسطى، في كل من نيكارغوا والسلفادور، أو كذلك بروز حركة عمالية وفلاحية جديدة في البرازيل.

لم تؤثّر مسيحية التحرير بخطّها اللاهوتي سوى في مجموعة ضئيلة من كنائس أمريكا اللاتينية: حيث بقي التوجه السائد -في الغالب الأعم- إمّا محافظا أو معتدلا. لكن تأثير تلك المسيحية ما كان هيّنا أو عرضا، لا سيما في البرازيل أين رفض المؤتمر الأسقفي (CNBB)، برغم الضغوطات القوية المتأتية من حاضرة الفاتيكان وبشكل متكرر، إدانة لاهوت التحرير. ومن بين الأساقفة والكرادلة الأكثر شهرة في هذا التنظيم، نجد هلدر كامارا من البرازيل، وباولو أرنز من البرازيل أيضا، والمونسنيور روميرو من السلفادور، والمونسنيور مندز أرسيو من المكسيك، والمونسنيور صامويل رويز من المكسيك أيضا.

ذلك أن مسار التأصيل اللاهوتي في الثقافة الكاثوليكية، في أمريكا اللاتينية، وهو ما سيقود إلى بروز لاهوت التحرير، لم ينطلق من قمة الكنيسة ليسير نحو القاعدة، ولا من القاعدة الشعبية باتجاه القمة، ولكن من الهامش باتجاه المركز. فالشرائح أو القطاعات الاجتماعية، في الحقل الديني الكنسي، التي ستغدو المحرك الفاعل في عملية التجدد، كلها ذات طابع هامشي أو متحدرة من الأطراف بالنسبة إلى المؤسسة: الجهاز الكنسي اللائكي* وأعوانه، والخبراء اللائكيون، والكهنة الأجانب، والتنظيمات الدينية. ففي بعض الحالات استولت الحركات على "المركز" وأثّرت على المؤتمرات الأسقفية (لا سيما في البرازيل)، وفي حالات أخرى بقيت معزولةً على "هامش" المؤسسة.

ليس في البرازيل وفي الشيلي فحسب، حيث شاهدنا على مدار الستينيات من القرن الماضي سياقا من التأصيل اللاهوتي في بعض الأوساط المسيحية (مسّ طائفة الإكليروس أو طائفة اللائكيين)؛ بل وتحت أشكال مغايرة، نشبت أحداث مماثلة في بلدان أخرى: الأكثر شهرة من بينها حالة كاميلو توريس، فبعد إنشائه حركة شعبية مناضلة، انخرط في صفوف جيش التحرير الوطني (ELN) سنة 1965، وهو جيش متشكّل من متمردين كولومبيين من أتباع فيديل كاسترو؛ لقي توريس حتفه في مواجهة مع الجيش سنة 1966، وقد كان لرحيله دور بارز في تأجيج الحماس السياسي في صفوف المسيحيين في أمريكا اللاتينية.

لقد جاء كلّ هذا الغليان، ضمن سياق من التجديد، في أعقاب نتائج مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965م)، وهو ما انتهى بزعزعة مجمل أركان كنيسة القارة. فأثناء انعقاد مؤتمر أساقفة أمريكا اللاتينية في مدلين خلال العام 1968، تم تبني قرارات جديدة، وحدثَ للمرة الأولى، ليس فحسب التنديد بالبنى السائدة الداعمة للجور، والظلم الاجتماعي، وانتهاك حقوق الشعوب وممارسة "العنف الممنهج"؛ بل أيضا جرى الاعتراف (في بعض الحالات) بمشروعية العمل الثوري، علاوة على التضامن مع تطلعات الشعوب "للتحرر من كافة أشكال القهر".

ضمن هذا السياق جاء ميلاد لاهوت التحرير. بدأ موضوع التحرر يشغل لاهوتيي أمريكا اللاتينية الأكثر تقدما -غير مقتنعين "بلاهوت التنمية" الرائج في جنوب القارة- منذ أواخر ستينيات القرن الماضي. وعلى سبيل الذكر نورد حالة اللاهوتي البرازيلي هوغو آسمان، الذي سبق أن تلقى تعليمه في فرانكفورت. فقد لعب دورا بارزا، منذ سنة 1970، في حشد أولى العناصر لبلورة نقد مسيحي ذي طابع لاهوتي تحريري للتنمية الاقتصادية المستدامة. لكن بحلول العام 1971، ومع صدور مؤلف غوستافو غوتيراز – اليسوعي البيروفي، الذي أنهى تحصيله العلمي في جامعتي لوفان وليون الكاثوليكيتين- كان المولد الفعلي للاهوت التحرير. ففي مؤلفه المعنون بـ"لاهوت التحرير - السياقات"، سيطرح غوتيراز جملة من الأفكار الاحتجاجية، ستكون مدعاة لإثارة بلبلة في التصورات اللاهوتية داخل الكنيسة. في مستوى أول، ألحّ على ضرورة تهشيم الثنائية المتوارثة عن الفكر الإغريقي: فلا وجود لواقعين، أحدهما "زمني" والآخر "روحي"؛ أو تاريخين، أحدهما "مقدّس" والآخر "مدنّس". هناك تاريخ موحَّد فحسب، وفي حضن هذا التاريخ الإنساني والزمني ينبغي أن تتحقق العدالة الاجتماعية، والخلاص، ومملكة الرب. لا يتعلّق الأمر بترقّب الخلاص من أعلى: فالخروج التوراتي يبيّن لنا بشكل لا لبس فيه "أن بناء الإنسان عمل من صنعه، يتأتى تبعاً لنضاله السياسي التاريخي". كما أن مسار الخلاص يغدو مسارا جماعيا و"شاملا" بعد أن كان خيارا فرديا وخاصا، حيث لا يتمثل الرهان في أن ينجو المرء بنفسه، بل في خلاص وتحرر شعب بأسره يرزح رهن الاستعباد. فليس الفقراء، ضمن هذه السياق، مجرد موضوع للشفقة أو هدفا للإحسان، لكنهم على غرار سائر المستضعَفين من بني إسرائيل، صنّاع تحررهم. وفي ما يتعلّق بالكنيسة، ينبغي أن تكفّ عن لعبها دور الشريك في جهاز السيطرة: متبعة التراث العظيم لأنبياء التوراة والنموذج الشخصي للمسيح، وأن تواجه الجبابرة وتندد بالظلم الاجتماعي.

 

ثانيا: إعمار الكون وتحديات الوثنية الجديدة

خلال العقود الأخيرة، دشّن لاهوت التحرير ورشات عمل جديدة، بتناوله بالتحليل مظاهر اضطهاد المرأة، وأشكال العسف والميز المسلَّطة على تجمعات الزنوج، والسكان الأصليين؛ كما ضمّ إلى تلك المسائل تحديات التنوّع الثقافي والتعددية الدينية والحوار بين سائر المعتقدات، فضلا عن المسألة البيئية. مستهلا عمله، بوضع الليبرالية الجديدة محل نقد لاهوتي وسياسي، باعتبارها الشكل الجديد الرائج في أمريكا اللاتينية لنظام مضطرب داخليا ألا وهو الرأسمالية.

حيث لم يقتصر النقد، الذي وجهه لاهوتيو التحرير إلى نظام السيطرة السائد على المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية؛ بل شمل أيضا المجال اللاهوتي. فقد بدت الرأسمالية، ولا سيما في شكلها الليبرالي الجديد، من منظورهم، شكلا من أشكال الوثنية. سوف تتلخص هذه المقاربة، وللمرة الأولى، في مصنّف من إعداد "قسم الأبحاث المسكونية" (D.E.I.) التابع لِسان خوسيه بكوستاريكا، والمنشور تحت عنوان: "نضال الأرباب. أوثان القهر والبحث عن الإله المحرِّر"، الذي سيلاقي صدى واسعا. ظهر المؤلف سنة 1980، وجرت ترجمته إلى ثماني لغات. وجهة النظر المشتركة التي تقاسمها الكتّاب الخمسة –هوغو آسمان، وفرانز هينكيلامار، وجورج بيكسلي، وبابلو ريتشارد، وجون سوبرينو- تم عرضها في المقدّمة. يتعلق الأمر بقطيعة جذرية مع التراث المحافظ والرجعي للكنيسة، ذلك التراث الذي عرض "الإلحاد"، منذ قرون، -وهو ما كانت الماركسية الشكل الحديث من ضمنه- بمثابة العدو الأكبر للمسيحية:

"فليست المسألة المحورية المطروحة اليوم في أمريكا اللاتينية الإلحاد، أي المسألة الأنطولوجية التي تطرح وجود الله (...)؛ بل تتمثل المسألة في الوثنية، في عبادة الآلهة المزيفة لنظام الاستغلال. (...) حيث يتميز كل نظام من أنظمة الاستغلال بهذا الشكل تحديدا، أنه يخلق آلهة وأوثانا تضفي قدسية على الاضطهاد وتناصب الحياة العداء. (...) فعملية البحث عن الإله الحقيقي في هذه المعركة للآلهة، تقودنا إلى رؤية للأشياء تنزع نحو الصدام مع الوثنية، والرفض للآلهة المزيفة، والأوثان المميتة، وأسلحتها الدينية التي تروّج للموت. فالإيمان بالله المحرّر، ذلك الذي يكشف عن سرّه في نضالات الفقراء ضد القهر، هو ما يكتمل بشكل حاسم بنفيِ الآلهة الزائفة... فيغدو الإيمان من هذا الباب نقيضا للوثنية".

سوف تكون هذه الإشكالية موضوع تحليل معمَّق ومستحدَث في الكتاب المشترك والمميز لكل من هوغو آسمان وفرانز هينكيلامار المعنون بـ"وثنية السوق. أبحاث في الاقتصاد واللاهوت" (1989). هذا الطرح الهام هو الأول من نوعه، في تاريخ لاهوت التحرير، المنحاز ضمنيا إلى معركة مناهضة النظام الرأسمالي، المصنَّف في عداد الوثنيات. ذلك أن العقيدة الاجتماعية للكنائس لم تمارس، في مجمل الأوقات، سوى نقد أخلاقي للاقتصاد "الليبرالي"، أي الرأسمالي؛ في وقت يملي أيضا، بحسب تأكيد هوغو آسمان، توفّر نقد لاهوتي صرف، يفضح الرأسمالية باعتبارها دينا زائفا. ولكن في ما تتمثل الروح الوثنية في السوق؟ وفق هوغو آسمان، تبرز في اللاهوت المتلحف بالمعيار الاقتصادي ذاته، وفي الممارسة التقوية الوثنية اليومية أين يتجلى "الدين الاقتصادي" الرأسمالي. كما تبرز في المفاهيم ذات الطابع الديني، التي نصادفها في أدبيات "مسيحية السوق" -مثلا في خطاب رونالد ريغن، وفي كتابات التيارات الدينية للمحافظين الجدد، أو كذلك في مؤلفات "لاهوتيي المؤسسات" -مثل مايكل نوفاك- التي لها وظيفة تكميلية. فلاهوت السوق، منذ مالتيس وحتى آخر وثيقة صادرة عن البنك الدولي، هو لاهوت أضحوي متعسّف: يقتضي من الفقراء أن يضحّوا بحيواتهم على مذبح الأوثان الرأسمالية.

كان لأعمال "قسم الأبحاث المسكونية" التابع لِسان خوسيه بكوستاريكا، تأثير فاعل على المسيحيين الذين يشغلهم الهمّ الاجتماعي، حيث ألهمت جيلا جديدا من لاهوتيي التحرير. مثلا، يعرض رجل اللاهوت الشاب، جونغ مو سونغ، وهو برازيلي من أصل كوري، في كتابه: "وثنية رأس المال وهلاك الفقراء" (1989)، رؤيةً نقدية جذرية من منظور أخلاقي ديني للنظام الرأسمالي العالمي، حيث تجبر مؤسسات -مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي- ، بموجب الدَّيْن الخارجي المشطّ، ملايين الفقراء في العالم الثالث للتضحية بحيواتهم على مذبح "السوق العالمية"، الذي بات بمثابة الإله الجديد. وبما لا يتسرب إليه شك، كما يؤكد سونغ في كتابه التالي: "اللاهوت والاقتصاد" (1994)، لا يتعلق الأمر كما هو الشأن في الوثنيات القديمة، بمذبح مرئي، بل بنظام يقتضي تضحيات بشرية باسم الإكراهات "العينية"، و"العلمية"، المدنسة، وعلى ما يبدو غير الدينية.

على مدى السنوات الأخيرة تضافرت الأعمال النقدية لليبرالية الجديدة، في الأوساط الدينية للاهوت التحرير، مع انتقادات المسألة البيئية. كان رجل الدين ليوناردو بوف الرائد في هذا المجال. وكما نعلم، فقد أُنهك الرجل بالموانع التي تَسلّطت عليه من روما، أكان عبر الطرد أو بموجب ما لحقه من حرمان، مما أجبره على مغادرة التنظيم الفرنشيسكاني وهجران الكنيسة، لكن ذلك لم يحل دون متابعة نشاطه كلاهوتي كاثوليكي.

غير أنه مع مطلع العام 1990، ستشهد مسائل البيئة اهتماما متطورا لديه، وسيطرح ذلك ضمن روح صوفية ذات منزع فرانشيسكاني، وضمن سياق نقدي جذري للنظام الرأسمالي. سوف يكون ذلك موضوع مؤلفه: "كرامة الأرض. البيئة بين صرخة الأرض وصراخ الفقراء"[1]، وموضوع العديد من الأبحاث الفلسفية، والأخلاقية، واللاهوتية. وِفق ليوناردو بوف، لقاء لاهوت التحرير مع قضايا البيئة هو نتاج معاينة، تتمثل في أن "نظام الهيمنة الذي يعتمد تكديس الثروة والتنظيم الاجتماعي هو المنطق نفسه الذي يقود إلى استغلال الطبقة العاملة، وإلى نهب الدول أيضا، وبالتالي إلى تدهور الطبيعة". وبهذا يأمل لاهوت التحرير في بلوغ قطيعة مع منطق سير هذا النظام، وهي قطيعة جذرية ترمي "إلى تحرير الفقراء، المضطهَدين والمنبوذين، ضحايا شره تكديس الثروة الموزعة بطريقة غير عادلة؛ وإلى تحرير الأرض، المتضررة الكبرى جراء النهب المنظَّم لثرواتها، وهو ما يهدّد التوازن المادي والكيميائي والبيولوجي للكون بأسره". تنطبق ثنائية الاضطهاد/التحرير على الطبقات الواقعة رهن السيطرة والاستغلال، وعلى الأرض والكائنات الحية في آن واحد.

في مؤلفه "أخلاق الحياة" الصادر سنة (2000)، يرصد ليوناردو بوف توازيا بين كافة أشكال الظلم، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فهي جميعا متأتية جراء العنف المسلَّط على العمال وعلى الطبقات المحرومة، وجراء الإجحاف الحاصل في الوسط البيئي، والذي هو عنف ضد الطبيعة، ضد الهواء، ضد الماء، بما يهدّد بإتلاف سائر الكائنات الحية. المصدر المشترك لذلك الحيف وهو البراديغم الرأسمالي الغربي، الذي يجد تعبيره الحالي في الليبرالية الجديدة وفي "دِين رأس المال"، دِين إضفاء الطابع الوثني على البضاعة، مع معابدها (البنوك)، وإكليروسها (الممولون)، وعقائدها ولاهوتها (المتكون من رجالات الاقتصاد). البديل هو عالم بيئي اجتماعي، والذي كان شيكو ماندس –مؤسس تحالف شعوب غابة الأمازون، الذي اغتيل من قبل كبار الملاكين سنة 1987- أحد رواده. فقد أدرك أن العنف الاجتماعي المسلَّط على الأهليين والمزارعين، والعنف البيئي الموجَّه نحو الغابة، يخضع كلاهما إلى الدوافع نفسها، ذلك العائد إلى التطور الرأسمالي المفرط. فالمعيار الجديد للحضارة ينبغي أن يتأسس على أخلاق الحياة وعلى التضامن الكوني.

نجد مقترحات مماثلة في أعمال جونغ مو سونغ أيضا، تذهب إلى أن "النظام الاقتصادي الرأسمالي الحالي ليس فقط ظالما، بل اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا لا يُطاق". فإتلاف أنواع بأسرها وهلاك ملايين من البشر في الدول الفقيرة، هو بالنسبة للإيديولوجيات المهيمنة، "ضريبة إلزامية للتطور الاقتصادي الذي يسمح بتحقيق شره الاستهلاك اللامحدود". وبالتالي، فمهمّة اللاهوت هي في نقد وثنية السوق وفي فضح أسطورة التقدم، التي تفضي في الآن إلى التضحية بالحياة البشرية وإلى تبرير ما يحصل من ضرر بالوسط الطبيعي.

 

ثالثا: مسيحية التحرير والالتحام بهموم الناس

ليس لاهوت التحرير مجرد مجموعة من النصوص فحسب، بل هو أيضا ممارسة نضالية من أجل العدالة الاجتماعية، في أوساط الطبقات المحرومة، من داخل الشعوب المضطهَدة.

مثالٌ لافتٌ للانتباه متمثل في دور إحدى الكنائس المقرّبة من لاهوت التحرير في تشياباس في المكسيك، في الوعي بالمشاكل الاجتماعية للسكان الأصليين. وكما نعرِف، نشب خلال شهر يناير من العام 1994 تمرد مسلّح لألوف من الهنود الحمر، بقيادة منظمة لا تزال غير معروفة إلى حدّ الآن، أُطلق عليها اسم جيش زاباتيستا للتحرير الوطني (EZLN). تم وصف المتمردين من قبل وسائل الإعلام والحكومة المكسيكية بالتحريريين، على اعتبار أنهم استلهموا رؤاهم من لاهوت التحرير، (أو مخترَقون من قبل اليسوعيين)، في الوقت الذي جرى فيه نعت المونسنيور صامويل رويز، أسقف سان كريستوبال دي لا كاساس في تشياباس، بأنه "متمرد باسم الرب". كلا الاتهامين مجاف للصواب. فما هو الدور الحقيقي للكنيسة التقدمية في تشياباس في نشأة حركة زاباتيستا؟

المونسنيور صامويل رويز، الذي سبق أن تابع تعليمه في الغريغورية في روما، الجامعة البابوية الشهيرة، كان قد حلّ بتشياباس ليتولى مهام أبرشية سان كريستوبال دي لاس كاساس في مطلع الستينيات من القرن الماضي. بعد مشاركته في مؤتمر مادلين سنة 1968، شغل طيلة سنوات مهمة المكلّف بقسم الإرساليات لكونفدراليات أساقفة أمريكا اللاتينية (CELAM). وتحت تأثير لاهوت التحرير، نشر خلال العام 1975 كتابا بعنوان "اللاهوت الكتابي للتحرير"، خلع فيه على السيد المسيح لقب النبي الثائر. أُتيحت لي فرصة اللقاء بالمونسنيور رويز في مطلع الألفية الثانية وطرحتُ عليه السؤال التالي: "هل كنتم من أتباع لاهوت التحرير؟"، كان جوابه: "أجل، بالطبع. لكن المهم بالنسبة لي ليس اللاهوت بل التحرير...".

وبمساعدة اليسوعيين، والدومينيكان، وبعض التنظيمات الدينية النسوية، خاض المونسنيور صامويل رويز، على مدى سنوات، عملا تربويا مثابرا وضع نصب عينيه الشرائح الشعبية. عبر توظيف شبكة واسعة من المربين الدينيين من السكان الأصليين، بلغت أعدادها 7.800 نفرا و 2.600 جماعة محلية تم إنشاؤها. ساهمت بقوة في توعية الأهالي، من خلال مساعدتهم في التعرف على حقوقهم والعمل من أجل الدفاع عنها. خلال العام 1974 نظم المونسنيور رويز، بمناسبة ذكرى مرور خمسة قرون على ميلاد برتولومي دي لاس كاساس، فعاليات المؤتمر الأول للسكان الأصليين في تشياباس، شارك فيه ألفان من ممثلي الهنود الحمر. شكّل المؤتمر نقطة انطلاق لمسار طويل من التنظم الذاتي لتجمعات المايا: لم تكن هناك منظمة شعبية في تشياباس، حتى تسعينيات القرن الماضي، لا تقر بانتسابها لتلك الحركة المتولدة عن ذلك المؤتمر.

أثارت تلك الأنشطة انتقادات حادة للمونسنيور رويز من قبل الجمعيات المحلية لكبار الملاكين والمربين، والحكومة المكسيكية، والسفير البابوي. وأثناء زيارة البابا إلى المكسيك، سنة 1993، شُنّت حملة قوية لطرد "مثيري الشغب" وأَعلن الفاتيكان نيته في حلّ هذه المسألة. بُعيد ذلك بقليل (يناير من العام 1994) اندلعت انتفاضة حركة زاباتيستا والحكومة المكسيكية، لكن الحكومة فشلت في إخماد تلك الانتفاضة، ما أجبرها على إرسال دعوة إلى المونسنيور رويز للتوسط في المفاوضات مع جيش زاباتيستا للتحرير الوطني.

المونسنيور رويز رجل مسالم لم يدع يوما إلى التمرد. ومن الجلي أنه لم يكن هو، ولا أصدقاؤه أيضا، من اليسوعيين أو الدومينيكان، ممن نظموا الانتفاضة. بل تولى مناضلون ماركسيون، ما كانت خلفيتهم مسيحية بل ثقافة المايا، إنشاء جيش زاباتيستا للتحرير الوطني. لكن ليس من الصواب أيضا الادعاء أن عمل التربية، والتسيير الذاتي، والتوعية، الذي تولاه الأعوان الراعويون، والمربون من الهنود الأصليين، في أبرشية سان كريستوبال دي لاس كاساس هو ما هيأ الأجواء المناسبة لظهور حركة زاباتيستا، التي يتحدر كثير من مناضليها من الجماعات المسيحية المعدمة.ينطبق الأمر نفسه على انتفاضة أخرى للسكان الأهليين، عرفت حضورا أقل على المستوى الإعلامي لكنها مهمة، حدثت في الإكوادور خلال شهر يونيو من العام 1994. فعلى مرّ السنوات، عمل التيار التقدّمي في الكنيسة، ممثلا في المونسنيور ليونيداس بروآنو، أسقف ريوبامبا (تشيمبورازو) –المعروف باسم أسقف الهنود الحمر- بالتضامن مع جماعات الكتشوا. وبمعاضدة 1.300 عون من رجال الدين، شكّل شبكة نشيطة من الرابطات الأهلية، والمدارس، والفرق الطبية، والمراكز الثقافية، مع دعم تكوين حركة هنود تشيمبورازو (MICH)، خلال العام 1982،وفي مرحلة لاحقة الفيدرالية الوطنية لهنود الإكوادور (CONAIE). رفض المونسنيور بروآنو وأتباعه النموذج الرأسمالي للتنمية، جراء ما يُلحِقه من ضرر بالثقافة وبمجتمعات الأهليين؛ وقد ساهمت تلك الأنشطة في بث الوعي بين جماعات الكتشوا، وفي تشجيعهم على المطالبة بحقوقهم، ناهيك عن بث الحماس في أوساطهم من أجل الدفاع عن أراضيهم.

خلال شهر يونيو من العام 1994 سنّت الحكومة الإكوادورية قانونا فلاحيا ليبراليا، منحت بمقتضاه ضمانات مشطّة لأصحاب الملكية الخاصة، وألغت أي توزيع محتمَل للأراضي في المستقبل؛ كما انساقت الحكومة باتجاه التفريط في الأراضي العمومية فضلا عن خصخصة المياه. تحركت الحركتان الأهليتان -MICH و CONAIE- جنب تعاضديات ونقابات المزارعين الصغار، ضد هذا القانون، ولقيت مساندة من قبل المونسنيور فيكتور كورال (خليفة المونسنيور بروآنو) وكذلك من قبل "كنيسة الفقراء".

على مدى أسبوعين، عاشت المناطق الريفية في الإكوادور أجواء من الانتفاضة: قطع الطرق، واجتياح القرى، وتواصل الاحتجاجات. حاول الجيش عبثا اجتثاث الحركة بإيقاف قادتها، وغلق محطة راديو الكنيسة التي تدعم الأهليين، وإرسال وحدات لفتح الطرقات. لكن أمام حركة الاحتجاج الواسعة أُجبِرت الحكومة على التراجع وأدرجت تحويرات جوهرية على القانون الفلاحي.

من الخطأ الادعاء أن ثورة الهنود الحمر كان يقودها رجال دين، أو هي من تدبير الكنيسة التقدمية، لكنه من الصواب القول إن مسيحية لاهوت التحرير –ممثلة في المونسنيور بروآنو، وخلفه، ورجالات من الكنيسة- كانت عاملا فعالا في تبلور وعي جديد وفي ظهور رغبة في التنظم الذاتي بين جماعات الكتشوا.

أثناء فترة اعتلاء البابا يوحنا بولس الثاني سدة البابوية ثم خلفه البابا بنيدكتوس السادس عشر (راتسينغر)، شهد لاهوت التحرير حملات قمع ومنع وإبعاد. عانى كذلك من المنافسة، في أوساط الشرائح الفقيرة، من كنائس بنتكوستالية جديدة (خمسينية)، أحيانا محافظة، استلهمت "لاهوت الرخاء" المناصر للرأسمالية. أجل تراجع تأثيره في بعض البلدان، مع ذلك في بلدان أخرى مثل البرازيل، لا يزال يحافظ على وجود مهمّ. ففي أحضان هذه الحركة الاجتماعية الدينية الواسعة التي نستطيع أن نطلق عليها "مسيحية التحرير"، التي تستوعب في أحضانها الشرائح الدنيا، ورجال الدين الشعبيين، والحركات اللائكية (JUC, JOC) أو كذلك شبكات على غرار "الإيمان والسياسة"، بقيادة اللاهوتي الدومينيكاني فراي بيتو، الذي يحشد آلاف الأتباع في شتى أرجاء البلاد. أو كذلك كونفدرالية أساقفة البرازيل النافذة (CNBB)، المعنية بالدفاع عن مجال الأخلاق الجنسية (موانع الحمل، الطلاق، الإجهاض) ضمن خط محافظ، والتي تتّخذ أحيانا مواقف جد متقدمة بشأن المسائل الاجتماعية، كما الشأن في ما يتعلق بالإصلاح الزراعي، وضبط الأجر الأدنى، ورفض اتفاقيات التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية أو تسديد الدين الخارجي؛ حول كل هذه المسائل، فهي تتموضع بشكل جلي على يسار الحكومة التي يقودها حزب العمّال...

ومن ناحية أخرى، يُعَدّ المسيحيون الذين لهم التزامات اجتماعية أكثر التشكيلات نشاطا والأبرز حضورا في الحركة المناهضة للعولمة الليبرالية في البرازيل، البلد الذي استضاف في مطلع العام 2000، الاجتماعات الأولى للمنتدى الاجتماعي العالمي، ولكن ليس في البرازيل فحسب. أحد الوجوه الناشطة في المنتدى الاجتماعي العالمي شيكو ويتاكر، هو عضو في لجنة العدالة والسلام في المؤتمر الوطني لأساقفة البرازيل (CNBB) وهو من المنتمين إلى هذه الحركة، كذلك القس البلجيكي فرانسوا هوتار –صديق وأستاذ كاميلو توريس- هو أحد الوجوه الفكرية المؤثرة في المنتدى أيضا.

كما يعدّ رجلا الدين البارزان في لاهوت التحرير، ليوناردو بوف وفراي بيتو، وكلاهما من البرازيل، من بين الرواد والملهِمين للحركة المناهضة للعولمة الليبرالية؛ حيث يشارك الرجلان بشكل نشيط، عبر الكتابة والخطب، في تنشيط "حركة الحركات" وفي لقاءات المنتدى الاجتماعي العالمي. فعلاوة على تأثيرهما القوي في البرازيل، حيث كثير من مناضلي الحركات الاجتماعية -النقابات، مزارعون بدون أراض (MST)، الحركات النسوية- هم متحدرون من جماعات كنسية شعبية (CEBs) تقر بانتمائها إلى لاهوت التحرير، فإن كتاباتهما تجد رواجا لدى مسيحيين في بلدان أخرى في أمريكا اللاتينية وفي العالم.

تيارات المناضلين المسيحيين التي تشارك في الحركة المناهضة للعولمة شديدة التنوع -منظمات غير حكومية، مناضلون في نقابات أو في أحزاب يسارية، تنظيمات مقرّبة من الكنيسة- ولا تتقاسم الخيارات السياسية ذاتها. مع ذلك فإنّ مجملها تشترك في الخطوط الكبرى للاهوت التحرير –كما تبلور مع رجال الدين ليوناردو بوف وفراي بيتو وهوغو آسمان، بل أيضا كما يُمارس من قبل أساقفة مثل توماس بلدوينو وهيلدر كامار، وبيدرو كزالداليغا وغيرهم ذائعي الشهرة أو معروفين بدرجة أقل- وتساهم في النقد الأخلاقي والاجتماعي والبيئي للرأسمالية بقصد العمل لأجل تحرير الفقراء.

انتخاب البابا فرانسيس (برغوليو) من أمريكا اللاتينية ربما سيمهّد الطريق لخلق ظروف ملائمة، في حضن الكنيسة الكاثوليكية، لتطوّر لاهوت التحرير. فالدعوة الموجهة لغوستافو غوتيراز للالتقاء مع البابا فرانسيس في الفاتيكان يمكن أن تكون بادرة لطيّ صفحة الماضي وتدشين مرحلة جديدة[2].

 

نص: ميكائيل لوفي - عالم اجتماع برازيلي فرنسي

ترجمة: عزالدين عناية - أكاديمي تونسي مقيم بروما

.................................

*في الآرامية بمعنى مال الظلم، ووردت في الترجمة العربية للإنجيل "لا تقدروا أن تخدموا الله والمال (مامون)" متى6: 24، لوقا16: 13 (المترجم).

*خطّ مدني في خدمة الكنيسة، يمثل همزة الوصل بين المؤسسة الدينية والمجتمع المدني، الغرض منه التحكّم بمفاصل المجتمع (المترجم).

 [1]. Leonardo Boff, Dignitas Terrae. Ecologie: cri de la Terre, cri des pauvres, S. Paulo, Atica 1995.

 [2]. تم اللقاء بدعوة من البابا في الحادي عشر من سبتمبر من العام 2015 (المترجم).

 

abdullah badrhskandarالتفتيش عن الذرائع لا يتماثل مع الأسس الثابتة التي يتفرع منها البحث عن البينات كون طلب أصحاب الثانية يؤول إلى الاطمئنان الناتج عن اليقين الراسخ لديهم دون أن يضطرهم ذلك الطلب إلى الكفر، ولو نظرنا إلى أسباب هذا النهج نجد أنها لا تفارق الاستقرار الملازم لنفوسهم وما جبلوا عليه من الاستعدادات التكوينية التي اتخذت من أفعالهم الاختيارية موئلاً يرجعون إليه عند الاستفهام عن المقاصد اليقينية التي يكون مردها إلى العلم بقدرة الله تعالى المطلقة، أما في حال حدوث ما يعكر صفوهم الإيماني أو ما يتخلل قلوبهم من شك فههنا تستيقظ عندهم المحصلات الأولية والرغبات الأساسية التي تصلح ضمائرهم وتطهر ساحتهم القدسية لأجل أن يكونوا في منأى عن الشك التقليدي الذي مني به جمع من الناس الذين لا يملكون القدرة على الرجوع إلى الحق المبين، ومن الأمثلة على ما نحن بصدده قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير) البقرة 259.

وكما ترى فإن هذا الفعل لا يتأتى إلا لنبي مقرب أو لأحد الصلحاء الذين دأبوا على استقبال الآيات الكونية على ما هي عليه، وقياساً لذلك نعلم أن ما حدّث به نفسه لا يعدو كونه أمراً طبيعياً يبين مرحلة من مراحل الاعتقاد السائد لدى الإنسان العالم الذي يريد أن يقف على حقيقة الإحياء بعد الإماتة، ولهذا قابله الحق سبحانه بهذه النتائج الباهرة التي جعلته يزداد إيماناً مع إيمانه، وإنزاله تعالى لهذا الكلام الممدوح في آخر القصة يظهر أن صاحبها من المقربين كما أسلفنا، ولذلك هيأ سبحانه له كل أسباب المعرفة اليقينية كما في الآية، وإن كان جل شأنه قد أبهم شخصية هذا النبي أو العبد الصالح فإنه لم يبهم شخصية النبي إبراهيم في القصة التي تلتها، وذلك في قوله: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم) البقرة 260. والآية صريحة بأن استفهام إبراهيم كان عن خصوصية وجود الشيء لا عن أصل وجوده كون الأصل مفروغاً عنه، وهذا هو الفرق بين من يسأل لأجل الرؤية والكيفية الناتجة عن الإحياء والإعادة وبين من يسأل لأجل الحصول على الذرائع أو الاحتجاج.

من ذلك يظهر أن طلبات المشركين لم تكن مماثلة لطلبات الأنبياء أو الصالحين كون تحققها في الخارج يستلزم الاستحالة إذا ما سلمنا جدلاً بصحة مواقفهم، ومن هنا نلاحظ أن رغباتهم السلبية قد أدت بهم إلى طلب تكليم الله لهم أو إيتائهم مثل ما أوتي رسل الله، كما في قوله تعالى: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون) الأنعام 124. والقصد من هذا الطلب لا يخلو من إشعار بالاستهزاء لأنهم أرادوا الحصول على النبوة حتى يؤتوا مثل ما أوتي رسل الله، ولذا فصل تعالى قولهم بقوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) الأنعام 124. ولا يخفى على المتلقي أن لهذا الاستهزاء نظائر، كما في قوله تعالى: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) الزخرف 31. وكذا قوله: (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً) الفرقان 7. وقوله سبحانه: (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) الحجر 6.

وبناءً على ما تقدم نعلم أن طلبات المشركين لا تخرج عن كونها طلبات تعجيزية يصاحبها الاستهزاء ولا يمكن تحقيق تلك الطلبات نظراً لضعف القابل دون الفاعل، وقد أشار تعالى إلى استحالة تحقيق هذه التعجيزات في كثير من متفرقات القرآن الكريم، كما في قوله: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون) الأنعام 111. ويضاف إلى سبب امتناع القابل سبب تكذيبهم بالآيات التي يرسلها الحق سبحانه، كما حدث لأقوام الأنبياء السابقين على مر الأعصار، ويمكن معرفة ذلك السبب من خلال قوله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً) الإسراء 59. ثم تدرج القرآن الكريم في ذكر طلبات المشركين المشابهة لما كان يطلبه الأولون، كما في قوله سبحانه: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً... أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً... أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً... أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً) الإسراء 90- 93.

وهذه الطلبات التعجيزية التي اقترحها المشركون تكاد تكون متقاربة مع ما كان يطلبه أهل الكتاب الذين سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، كما في قوله تعالى: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم) النساء 153. وقد ذكّرهم الله سبحانه بهذا الموقف في قوله: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون) البقرة 55. وقد مر عليك تفسير الآية الأخيرة في كتابنا هذا.

 

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون) البقرة 118.

لولا تستعمل على وجهين:

الأول: امتناع شيء لوجود غيره، كما في قوله تعالى: (لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم) القلم 49. وكذا قوله: (يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين) سبأ 31.

الثاني: للتحضيض بمعنى هلا وتختص بالدخول على الأفعال، كما في آية البحث وكما في قوله تعالى: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه) طه 133. وكذلك قوله: (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) الفرقان 32. وهناك شواهد أخرى لكلا الوجهين.

وعند تأمل منطوق الأية يظهر أن مشركي العرب اعترضوا على النبي (ص) وأرادوا أن يكلمهم الله تعالى أو تأتيهم آية، أما مفهومها فيشير إلى نبذهم القرآن كونه لا يفي بالغرض الدلالي حسب اعتقادهم وإن شئت فقل حسب تعنتهم ولجاجهم، ولو كانت طلباتهم لا تجانب الحق لكان القرآن هو الدليل لذلك وهذا ما يقرر المعنى على أتم وجوهه، ومن هنا نرى أن الله تعالى لم يستجب لمقترحاتهم لأن مجيء الآيات سيكون سبباً لترغيبهم بطلب المزيد وبالتالي يحق عليهم القول ونزول العذاب، أضف إلى ذلك أن كلامهم كان موجهاً للنبي (ص) وهذا الأمر لا يدخل في مهمته الرسالية بل هو من الأمور التي اختص بها الله تعالى، وبهذا تظهر النكتة في قوله جل شأنه: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين... أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) العنكبوت 50- 51.

فإن قيل: ما معنى تشابه قلوبهم مع أهل الكتاب الذين أشار إليهم تعالى بقوله: (الذين من قبلهم) من آية البحث؟ أقول: تشابه القلوب يرجع إلى سوء النظر الحاصل لدى الطرفين، إضافة إلى ما رسخ في عقولهم من الجهل الذي أدى إلى انحرافهم، ولهذا علل تعالى المقام بقوله: (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) فتأمل ذلك بلطف.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

عبد الله بدر اسكندر  

 

husny ibrahimabduladimثانيا: نماذج من تطور الفكر الاجتماعي الإسلامي: أسهمت مجموعة من المفكرين المسلمين في صياغة نظرية اجتماعية إسلامية، وسوف نعرض في هذا الإطار لنموذجين فقط من المفكرين المسلمين، وهما الفارابي، وابن خلدون.

 

1- الفارابي: (870 – 950م):

هو أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ الفارابي، ولد في مدينة "فاراب" في إقليم خراسان الفارسي (أو التركي) حوالي عام 870، وتوفي في دمشق عام 950م. لا يُعرف شئ كثير عن طفولته وشبابه، فلم يترجم لنفسه، ولم يترجم له تلاميذه، وقد عُرف عنه أنه كان فقيراً زاهداً، فلم يهتم بمال ولا مسكن ولا ملبس، وقد استعاض عن متع الدنيا ومباهجها بالتفكير والتأمل والكتابة، وكان الفارابي حاد الذهن، متوقد الذكاء واسع الثقافة، أجاد معظم علوم عصره وعرف عدة لغات من بينها اليونانية.

يقول ابن خلكان: "الفارابي أعظم فلاسفة المسلمين علي الإطلاق" فقد أنشأ مذهباً فلسفياً كاملاً، وهو الذي أخذ عنه ابن سينا وعده أستاذاً له، كما أخذ عنه ابن رشد وغيره من فلاسفة العرب، وقد لقب بحق" المعلم الثاني" على اعتبار أن أرسطو هو "المعلم الأول".

وقد نشأ الفارابي في مدينة فاراب، ثم خرج منها وانتقلت به الأسفار إلى أن وصل إلى بغداد، ولم يكن يعرف اللغة العربية، فتعلمها وأتقنها غاية الإتقان، ثم اشتغل بعلوم الحكمة والفلسفة، وقرأ كل كتب أرسطو، وكان ماهراً في استخراج معانيها، والوقوف على أغراضها، ويقال إن كتاب النفس لأرسطو قد وُجد ومكتوب عليه بخط أبي نصر الفارابي " إني قرأت هذا الكتاب مائه مرة" وكان يقول لقد قرأت كتاب السماع الطبيعي لأرسطو طاليس الحكيم أربعين مرة، وأري أنى محتاج إلى معاودة قراءته".

ومكث الفارابي في بغداد منكباً على الاشتغال بالعلم والتحصيل، وألف معظم كتبه بها ، ثم انتقل إلي مصر وبقي بها فترة قصيرة، ثم توجه إلى دمشق وبقي فيها حتى وفاته، وكانت دمشق حينئذ تحت قيادة سيف الدولة الحمداني.

وللفارابي مؤلفات عديدة ، منها شروحاً علي مؤلفات أفلاطون وأرسطو ، ومن أشهر كتبه: كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو طاليس" وكتاب تحصيل السعادة، وكتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، وكتاب السياسة المدنية، وكتاب الموسيقى الكبير، وإحصاء العلوم.

وسوف نعرض في هذا الإطار أهم رؤاه الاجتماعية التي وردت في كتابه الأشهر (آراء أهل المدينة الفاضلة)، وهو واحد من أهم كتبه على الإطلاق. ينقسم الكتاب إل قسمين رئيسين يتشكلان من سبع وثلاثين فصلاً، القسم الأول يتناول مسائل فلسفية متعلقة بالله تعالى وصفاته ونظرية الفيض التي ارتبطت باسمه، وقضايا متعلقة بالإنسان والعقل الإنساني ، والإرادة، والعلاقة بين الحس والعقل، أما القسم الثاني فيتعرض لقضايا اجتماعية وسياسية تدور أساساً حول فكرة المدينة الفاضلة وسماتها ومضاداتها من المدن.

ويمكن تحديد أهم الأفكار الاجتماعية للفارابي فيما يلي:

1- يرى الفارابي أن الاجتماع الإنساني ضروري، حيث يرجع نشأة المجتمع الإنساني إإلى حاجة الإنسان إلى الاجتماع في حد ذاته، وهو في ذلك يتفق مع أرسطو في أن انسان مدني بطبعه، يقول في الفصل السادس والعشرين من الكتاب، الذي حمل عنوان "القول في احتياج الانسان إلي الاجتماع والتعاون": (كل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج في قوامه، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته إلى أشياء كثيرة لا يمكن أن يوم بها وحده، بل يحتاج إلى قوم آخرين، يقوم كل واحد منهم بشيئ مما يحتاج إليه). ويؤكد الفارابي أن التعاون الإرادي وليس الغريزي هو أساس هذا الاجتماع، ففي تشبيهه للمدينة بالجسد، يفرق بين تعاون أعضاء الجسد، وتعاون الأفراد ، حيث أن التعاون الاجتماعي لا يصدر عن عوامل فطرية طبيعية، وإنما عن هيئات وملكات فطرية. وعندما يقول الفارابي ( يقوم كل واحد منهم بشئ مما يحتاج إليه) يشير إلى فكرة مهمة ، وهي ضرورة تقسيم العمل وتنظيمه مما يؤدي إلي التكامل بين مختلف أعضاء الجسم الاجتماعي الواحد، وإذا كانت المجتمعات الإنسانية كلها قد انبثقت عن الحاجات الطبيعية، فإن هذه المجتمعات تبقي متفاوتة من حيث الكمال والنقض والفضيلة والرذيلة.

2- ويرى الفارابي أن الحاجات الداعية إلى الاجتماع صنفان: مادية وهي حاجات الإنسان في قوامه ( كالغذاء والرعاية الصحية والكساء والحماية) ثم حاجات عقلية ـ روحية ، وهي أن يبلغ الإنسان أفضل أوجه اكتماله عن طريق التعلم والهداية والإرشاد إلى الإيمان والخير، وكل ما يحقق إنسانيته، ويسمو بها، ومن الواضح أن الإنسان عاجز عن الوفاء بهذه الحاجات وحده، فكانت الحاجة إلي التعاون أمراً طبيعياً وضرورياً في آن واحد.

 

3- يقسم الفارابي المجتمعات الإنسانية إلي نوعين:

ـ المجتمعات الكاملة وهي تلك التي تستطيع تعاونها أن توفر من حيث المبدأ جميع ما تحتاج إليه، والمجتمعات الكاملة ليست بالضرورة فاضلة لأن الخير هو نتيجة العمل الإرادي الاختياري، وكذلك الشر إنما يكون بالإرادة والاختيار أيضا. وقد قسم الفارابي المجتمعات الكاملة إلي ثلاثة أصناف

ـ عظمي وهي اجتماع الأمم كلها في المعمورة، أى هي المجتمع الدولي.

ـ وسطي وهي اجتماع أمة في جزء من المعمورة (شعب من الشعوب)

ـ صغري وهي اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمة.

ـ أما النوع الثاني فهي المجتمعات غير الكاملة، وهي تلك التى تبقي عاجزة عن الوفاء بكامل احتياجاتها، برغم التعاون بين أعضائها، ويقسم الفارابي المجتمعات غير الكاملة إلي أربع أصناف:

ـ اجتماع أهل القرية، ويري أن القرية هي خادمة للمدينة، بمعني أنها تقدم لها احتياجاتها الزراعية والغذائية وما إليها.

ـ اجتماع أهل المحلة، وهي جزء من القرية.

ـ اجتماع أهل السكة وهي جزء من المحلة.

ـ اجتماع أهل المنزل وهو جزء من اجتماع السكة.

4- ويعتقد الفارابي أن سعادة المرء القصوي وخيره الأفضل يتمان في اجتماع عام يضم البشرية كلها في نظام موحد، وقوانين مشتركة تحت راية الحب والسلام والتعاون، كما أن الاجتماع الفاضل في رأى الفارابي، لا يمكن أن يتم إلا ابتداء من المدينة، وهو بالتالي لا يحصل إلا في الحياة الحضرية.

5- اهتم الفارابي بدراسة المدينة باعتبارها أبسط أشكال المجتمعات الكاملة، التي إذا استقام أمرها أصبحت فاضلة ، وإذا استقام أمر المدن الأخرى استقام أمر الأم، وإذا استقامت الأمم استقامت المعمورة كلها، والمدين الفاضلة تشبه البدن التام الصحيح الذي تتعاون أعضائه كلها على إكمال حياة الكائن الحي،وبه عضو رئيس وهو القلب، كذلك لابد للمدينة الفاضلة من يهيمن عليها ويدير شئونها.

6- يعتقد الفارابي أن المدينة الفاضلة هي تلك المدينة القائمة على التعاون بين أفرادها من أجل تحقيق السعادة، وهذه المدينة لها نظام محدد قائم عل أساس التضامن والتكاتف بين أفرادها. ويشبه الفارابي المدينة الفاضلة - كما كرنا - بالجسد التام السليم الذي تتعاون أعضاؤه علي تتميم حياة الكائن الحي وحفظها، وكما أن في البدن أعضاء يخدم بعضها بعضاً، فكذلك في المدينة الفاضلة أفراد يخدم بعضهم بعضاً.

7- وحتى تتحقق المدينة الفاضلة لابد لها من رئيس أول يشبه القلب في الجسم التام الصحيح، ويكون هذا الرئيس هو الأفضل بين أفراد المدينة بفطرته، وصفاته الخاصة، وبتلك التى يشترك فيها مع غيره، ويقوم الرئيس بتنظيم أمور المدينة تنظيماً دقيقاً، ويحدد" الفارابي" مراتب الناس في هذه المدينة ، حسب قدراتهم الجسدية والعقلية، ويري الفارابي أن المدينة تتكون من هيئات طبيعة إرادية متمايزة ومتكاملة.

8- يتناول الفارابي شخصية رئيس المدينة يؤكد الفارابي أن رئيس المدينة الفاضلة هو الشخص الذي لا يرأسه إنسان آخر، وهو الإمام، وهو الرئيس الأول للمدينة الفاضلة، والأمة الفاضلة، والمعمورة الفاضلة. ويري الفارابي أنه ليس في إمكان أى إنسان أن يكون رئيساً، لأن الرئاسة إنما تكون بشيئين: أحدهما أن يكون معداً لها بالفطرة، والثاني: أن يكون بالإرادة، أى أن الرئاسة تتم بمواهب فطرية وتوجيه صحيح فالرئيس الأول من أهل الطبائع الفائقة، ومن شروطه أن تستكمل نفسه بالمعقولات، حتى يصير عقلاً ومعقولاً بالفعل، ويري الفارابي أن أعلي درجات العقل الإنساني هو درجة العقال المستفاد، وهي التى يصبح فيها الإنسان قادراً علي الاتصال المباشر بالعقل الفعال (الذات الألهية) فالإنسان الذي حل به العقل الفعال هو الذي يصلح للرئاسة، ومتي أشرف العقل الفعال علي عقله المستفاد يكون حكيماً فيلسوفاً، ويكون نبياً يوحي إليه، وهذا الإنسان الذي اجتمعت فيه خاصتا النبوة والفلسفة هو أكمل مراتب الانسانية وأعلي درجات السعادة.

9- و يعتقد الفارابي أن هذه المرتبة لا يمكن أن تحصل إلا لمن توفرت فيه إثنتا عشرة خصلة قد فطر عليها، وهي خصال جسدية، وعقلية، وخلقية. فالجسدية هي أن يكون تام الأعضاء، تساعده قواة علي إنجاز الأعمال الخاصة بالرئاسة بسهولة. أما الخصال العقلية فهي:

1ـ جيد الفهم والتصور لكل ما يقال.

2ـ جيد الحفظ لما يراه ويسمعه ويفهمه ويدركه

3ـ جيد الفطنة، ذكياً، لماحاً.

4ـ حسن العبارة، يساعده لسانه علي توضيح ما يقصده.

5ـ محباً للعلم منقاداً له، لا يؤلمه في سبيل تحصيله لغب، ولا يؤذيه كد.

أما الخصال الخلقية فهي:

1ـ غيره شره في المأكول والمشروب والمنكوح، متجنباً اللعب واللهو.

2ـ محباً للصدق وأهله، مبغضاً للكذب وأهله.

3ـ كبير النفس محباً للكرامة تكبر نفسه عن كل ما يشين، فتسمو نفسه إلي الأرفع،

4ـ محباً للعدل وأهله، مبغضا للظلم، سهل الانقياد إلي العدل، صعب الانقياد إلي الظلم.

5ـ قوي العزيمة، جسوراً مقدماً.

6ـ أن يكون الدرهم والدينار وسائرا أعراض الدنيا هينة عنده.

 

فإذا استحال وجود شخص هذه صفاته في وقت من الأوقات، فلا بد أن تؤخذ الشرائع التى سنها رئيس سابق، ويعهد بتطبيقها إلى رئيس ثان شريطة أن تجمع فيه ست صفات:

1ـ أن يكون حكيماً، لأن الحكمة تبقي الشرط الأهم لكل رئاسة فاضلة.

2ـ أن يكون عالماً حافظاً للشرائع والسنن التى دبرها الرؤساء الأولون للمدينة الفاضلة.

3ـ أن يكون لديه استنباط جيد في عالم يحفظ من السلف فيه شريعة.

4ـ أن يكون له رؤية جيدة، ويتحري في ذلك صلاح حال المدينة.

5ـ أن يكون مرشداً نحو شرائع الأولين، وما تم استنباطه بعدهم.

6ـ أن يكون لديه ثبات ببدنه في مباشرة أعمال الحرب وذلك أن تكون معه الصناعة الحربية الخادمة والرئيسية.

فإذا لم يوجد انسان واحد تجتمع فيه هذه الشروط (بل وجد إثنان أحدهما حكيم والآخر فيه الشروط الأخري كاناهما الرئيسين في المدينة، وإذا تفرقت هذه الشروط في جماعة، فكانت الحكمة في واحد والثاني في واحد، والثالث في آخر... إلخ، وكانوا متلائمين كانوا هم الرؤساء الأفضل ويجب أن يكون رئيس مجلس الحكم هذا حكيماً لأنه إذا فقد الحكيم من المدينة فلا مفر لها من الفساد والهلاك، ولو توفرت لها باقي الخصال، لأن الحكمة هي الصفة الأساسية التي لا قيام لدولة ولا استمرار لحكم بدونها.

والملاحظ مما سبق أن الفارابي كان أكثر واقعية في تحديد شروط الرئيس الثاني لأنه من الصعوبة البالغة أن تجتمع خصال الرئيس الأول كلها في رجل واحد، ولأن الفارابي إذا كان يقصد بصفات الرئيس الأول أن يكون نبياً ـ بحالة من صفات نظرية وإرادية ـ فإن الزمن الذي عاش فيه الفارابي كان متأخراً عن عصر النبوة، وبالتالى لا يمكن أن يوجد رئيس أول للمدينة الفاضلة.

10- تحدث الفاربي عن مضادات المدينة الفاضلة وهي نماذج مقابلة لها، فالمدينة الفاضلة لا بد أن يلحقها الفساد، فيشز أهلها عن التعاليم القويمة، وينشا فيها فرق وجماعات غير صالحة فتفسرها، وتهدمها وتقيم علي انقاضها مدناً أخري كالمدينة الجاهلة، والفاسقة، والمبدلة، والضالة، وغيرها من

المدن السيئة، ولا يتسم رؤساء هذه المدن بسمات رئيس المدينة الفاضلة.

والواضح أن الفارابي ينطلق في تصوره للمدينة الفاضلة من نظرة فلسفية للمبادئ التى تبني عليها السياسية، وعلي الرغم من مثاليته ، فإنه يري أن المدينة الفاضلة مستحيلة التحقيق، أو علي الأقل بعيدة المنال، بسبب ما يتميز به الأفراد والجماعات من مطامع وأنانية، لذلك فإن الفارابي يكتفي بوضع تصور للمدينة الفاضلة، كمجتمع صغير ينعم فيه الفرد بالسعادة والرخاء.

مما سبق يمكن القول إن حديث الفارابي عن المدينة الفاضلة ليس ثمرة عمل سياسي أو بحث اجتماعي بمقدار ما هو نظرة فلسفية في المبادئ التى ينبغي أن تبني عليها السياسة ـ فمن الطبيعي إذن أن يتسم كلام الفارابي بالمثالية، إنه يرسم عن قصد الصورة المثالية التى ينبغي أن تتحقق في الرئاسة وفي المدينة الفاضلة، مع علمه أن المثال يظل مثالاً ولا يمكن أن يتحقق في هذا العالم، وكم مرة نتحدث في مجتمعنا الحاضر عن الشروط المثالية لرئيس الدولة مثلاً، ولا يتحقق منها إلا الحد الأدني، ومع ذلك، فإننا نجد في المدينة الفاضلة مبادئ للاجتماع لا يمكن الاستغناء عنها أو التقليل من أهميتها كضرورة قيام المجتمع علي التعاون والسعي إلي هدف مشترك سام، ومراعاة العدل في توزيع العمل وقيام الرئاسة علي أساس التفوق في العلم والفضيلة دون اعتبار آخر.

ويلتقي الفارابي مع أفلاطون في كثير من آرائه، ويختلف عنه في أمور أخري كشيوعية النساء والأولاد، ويدعو الفارابي لدولة عالمية بينما ينادي أفلاطون بدولة يونانية، وينظم أفلاطون المدينة طبقاً لقوي النفس، بينما يشبه الفارابي مدينته كالجسد التام الصحيح ويتضح تأثر الفارابي بالمجتمع الإسلامي فيجعل رئيسه نبياً إلي جانب كونة فيلسوفاً.

وقد استطاع الفارابي أن يحافظ علي شخصيته المميزة بحيث نشعر عند قراءه المدينة الفاضلة بأن ثمه منطقاً واحداً يشد جميع أجزائها فتبقي متماسكة بعيدة عن صورة التجميع الانتقائي العشوائي. إن مدينة الفارابي هي مدينة الأخيار الصالحين، الذين يحكمهم فلاسفة الحكماء أو أنبياء مرسلون يستمدون مبادئ علمهم وقواعد عملهم مما يفيضه العقل الفعال عليهم من الصور الروحانية، وهي مدينة خيالية بعيدة عن الحياة والتجربة، ومع ذلك فقد تأثر الفارابي بشروط الحياة الاجتماعية في عصره، وخاصة في قوله بجواز الاشتراك في الرئاسة، فقد كان هذا الرأى بمثابة حل لمظاهر الاستبداد السياسي التى عاصرها الفارابي.

 

2- ابن خلدون (1332 – 1406)

على الرغم من النشأة الأوربية (الأكاديمية) الحديثة لعلم الاجتماع، إلا أن جذوره الفكرية تعود لما قبل ذلك بحوالي خمسة قرون، حينما ظهر العالم والمؤرخ العربي عبد الرحمن بن خلدون (1332 – 1406) ووضع البذرة الأولى لهذا العلم. فالواقع أن البداية الحقيقية لعلم الاجتماع كانت في القرن الرابع عشر الميلادي - الثامن الهجري - على يد العلامة عبد الرحمن بن خلدون، وقد اعترف بذلك العديد من كبار المفكرين وعلماء الاجتماع في الغرب من أمثال أرنولد توينبي، وروبرت فلنت، وستيفانو كولوزيو، و"بيترم سروكن" B. Sorokin" وهيوارد بيكر" H. Becker "وجاستون بوتول" G. Botolleوغيرهم.

فقد نشر استيفانو كولوزيو Stefano Colosio سنة ١٩١٤ دراسة عن ابن خلدون بعنوان إسهام في دراسة ابن خلدون بمجلة العالم الإسلامي التي تصدر في باريس باللغة الفرنسية جاء فيها: ليس لأحد أن ينكر أن ابن خلدون اكتشف مناطق مجهولة في علم الاجتماع. لقد سبق مكيافيللي ومونتسكيو وفيكو إلى وضع علم جديد هو النقد التاريخي..... ويقول الفرنسي (دي بور) في كتابه تاريخ الفلسفة في الإسلام: في مقدمة ابن خلدون كثير من الملاحظات النفسية والسياسية الدقيقة، وهي في جملتهاعمل عظيم مبتكر. أن ابن خلدون أول من حاول أن يربط بين تطور الاجتماع الإنساني وبين علله القريبة مع حسن الإدراك لمسائل البحث وتقريرها مؤيدة بالأدلة المقنعة، وهو يرى أن للمدينة وللعمران البشري قوانين ثابتة يسير عليهاكل منهما في تطوره.

وابن خلدون هو ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن عبد الرحمن بن خالد بن عثمان الحضرمي، ولد في تونس عام 1332م/732هـ لأسرة أندلسية عريقة تعود إلى أصول يمنية في حضرموت، وينتهي نسبها إلي الصحابي الجليل " وائل بن حجر" رضي الله عنه، الذي كان من كبار الصحابة وتولى تعليم القرآن ونشر الإسلام في اليمن.

وتنقل ابن خلدون بين تونس والجزائر والمغرب والأندلس إلى أن استقر بمصر، وحاز فيها على مكانة علمية سامية، ونال احترام وتقدير المصريين، وتتلمذ على يديه كثير من العلماء النابغين أبرزهم المؤرخ المعروف تقي الدين المقريزي، ومات ابن خلدون في عام 1406م/808 هـ، ودُفن بمقابر الصوفية بالقاهرة.

جاءت أفكار ابن خلدون الاجتماعية والتاريخية في كتابه الشهير المعنون (كتاب العِبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) وقد اشتهر الكتاب في الأوساط العلمية بتاريخ ابن خلدون.

وكتاب العِبر سِفر ضخم مكون من مقدمة وثلاثة كتب، وذلك على النحو التالي:

- مقدمة في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع بمغالط المؤرخين.

- الكتاب الأول في العمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم وما لذلك من العلل والأسباب.

- الكتاب الثاني في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدأ الخليقة إلى هذا العهد وفيه من الإلماع ببعض من عاصرهم من الأمم المشاهير ودولهم مثل النبط والسريانيين والفرس وبني إسرائيل والقبط واليونان والروم والترك والإفرنجة.

- الكتاب الثالث في أخبار البربر ومواليهم من زناتة وذكر أوليتهم وأجيالهم وما كان بديار المغرب خاصة من المُلك والدول.

وتشتهر المقدمة والكتاب الأول بين الناس بمقدمة ابن خلدون، حيث وضع في هذا الكتاب أسس علم العمران وفلسفة التاريخ، وقد تضمن الكتاب ستة أبواب يتضمن كل باب عددا من الفصول ترتيبها كالتالي:

- الباب الأول: في العمران البشري على الجملة وأصنافه وقسطه من الأرض، وفيه ست مقدمات: الأولى في أن الاجتماع الإنساني ضروري، الثانية والثالثة والرابعة والخامسة في قسط العمران من الأرض، وفي الأقاليم، وتأثير الهواء في ألوان البشر وأخلاقهم، وشؤون معاشهم، والسادسة في الوحي والرؤيا، وفي أصناف المدركين للغيب من البشر بالفطرة أو الرياضة، وفي حقيقة النبوة والكهانة والعرافة.

- الباب الثاني: في العمران البدوي وذكر القبائل والأمم الوحشية، وما يعرض في ذلك من الأحوال. (ويتضمن 29 فصلا)

- الباب الثالث: في الدول والخلافــة والملك وذكر المراتب السلطانية، وما يعرض في ذلك من الأحوال. ( ويتكون من 54 فصلا)

- الباب الرابع: في العمران الحضري والبلدان والأمصار، وما يعرض في ذلك من الأحوال. ( ويتشكل من 22 فصلا)

- الباب الخامس: في الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه، وما يعرض في ذلك من الأحوال. (ويحتوي على 33 فصلا)

- الباب السادس: في العلوم وأصنافها، والتعليم وطرقه، وسائر وجوهه، وما يعرض في ذلك كله من الأحوال. (ويشتمل على 60فصلا)

لقد أسس ابن خلدون علم الاجتماع، وكان على وعي بأنه أسس نظاما معرفيا جديدا لم يسبقه إليه أحد من العالمين، وحدد موضوعه ومنهجه وسماه "علم العمران البشري" يقول في ذلك: " وكأن هذا علم مستقل بنفسه، فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل، وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى. وهذا شأن كل علم من العلوم وضعياً كان أم عقلياً". (المقدمة:62)

ثم يحدد أهمية علمه الجديد، وعظم فائدته واختلافه عن بعض علوم عصره فيذكر:(وأعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة، أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص. وليس من علم الخطابة الذي هو أحد العلوم المنطقية، فإن موضوع الخطابة إنما هو الأقوال المقنعة النافعة في إقناع الجمهور إلى رأي أو صدهم عنه. ولا هو أيضا من علم السياسة المدنية؛ إذ السياسة المدنية هي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة، ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبقاؤه. فقد خالف موضـوعه موضوع هذين الفنين اللذين ربما يشـبهانه). (المقدمة:62 - 63)

ويتحدث عن ريادته في تأسيس علمه الوليد فيقول: وكأنه علم مستنبط النشأة، ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة، ما أدري ألغفلتهم عن ذلك؟ وليس الظن بهم، أو لعلهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه ولم يصل إلينا، فالعلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الإنساني متعددون؛ وما لم يصل إلينا من العلوم أكثر مما وصل. (المقدمة:63)

ويختتم كلامه في هذا الشأن بكلام يعكس تواضع العلماء فيقول: ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاماً، وأعثرنا على علم جعلنا سن بكره، وجهينة خبره. فإن كنت قد استوفيت مسائله، وميزت عن سائر الصنائع أنظاره وأنحاءه، فتوفيق من الله وهداية. وإن فاتني شيء في إحصائه واشتبهت بغيره مسائله، فللناظر المحقق إصلاحه، ولي الفضل لأني نهجت له السبيل وأوضحت له الطريق. والله يهدي بنوره من يشاء. (المقدمة 66)

إن ابن خلدون قد وضع حجر الأساس لعلم الاجتماع في القرن الرابع عشر الميلادي، الثامن الهجري، غير أن أحداً لم يأت بعده ليكمل ما بدأه، وبالتالي فقد مات علم الاجتماع العربي في مهده في اليوم الذي دُفن فيه ابن خلدون.

 

abdullah badrhskandar أراد المشككون من الفلاسفة أن يباعدوا بين مسمى المراتب الوجودية للكائنات وبين إخراجها من العدم ولذا أقدم هؤلاء على إعطاء الموجودات بعض الأوصاف التي لا تتناسب مع المبادئ الأولية التي تساعد في إيجادها ونقلها من القوة إلى الفعل، ومن هنا فقد عمد أولئك إلى التفريق بين المخلوقات التي يصدق عليها الوجود الفعلي وبين المخلوقات التي لم تدخل حيز الوجود، ولهذه الأسباب ظهر لديهم مصطلح العدم المطلق دون إضافة التعريف المائز بين ما ذهبوا إليه وبين ماهية الأشياء، وعند مجانبة هذا الواقع نرى أن الأبعاد المثالية لمسمى الكائنات التي شاء بعض الفلاسفة أن يسيرها بين الناس قد اتخذت الاتجاه المعاكس الذي يثبت لها المعنى المعبر عن صحة إيجادها دون المجازفة المؤدية إلى حتمية عدمها، وهذا ما ذكره تعالى في أصل الأشياء الذي جعله ثابتاً ثم بين القدرة على التصرف في فروعه، أو من خلال الطرق المختلفة التي تشارك في انتفاء العدم المطلق بعد أن علمت أسباب وجوده في علم الله تعالى دون التفريق بين واقع الأشياء اللاحق وبين أصلها الثابت كما بينا.

وتأسيساً لهذا النهج نرى أن القرآن الكريم قد أشار إلى هذا المعنى في كثير من متفرقاته، كما في قوله تعالى: (نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين... على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون) الواقعة 60- 61. وكذا قوله: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديراً) النساء 133. وقوله: (ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد) إبراهيم 19. وكذلك قوله: (في أي صورة ما شاء ركبك) الانفطار 8. وقوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) الإنسان 1. والنكتة ظاهرة في إضافة قوله: (مذكوراً) إلى قوله: (لم يكن شيئاً) حيث إن النفي وقع على الذكر دون الأصل الثابت لأن القرآن منزه عن الزيادة فتأمل ذلك بلطف ثم انظر إلى الآيات آنفة الذكر وستجد أن بينها مشتركات فعلية تدلل على ما ذهبنا إليه.

من هنا يظهر أن الصور الملازمة للمواد الأولية للخلق لا يمكن أن تكون مسبوقة بمثال يمهد لمقدماتها الهيئة التي تبدأ منها أو تنتهي إليها، وذلك كون الله تعالى هو المبدع وهو المصور والخالق الذي لا حدود لقدرته، واعتماداً على هذا السرد نلاحظ أن الإيجاد الأول المستطرد في إخراج الأشياء من العدم لا يخضع للزمان أو المكان وإنما يخضع للوجود بمحض الإرادة التكوينية، علماً أن الفلسفة التصويرية تطابق هذا النهج مع التسليم بأن أصل الأشياء يرجع إلى الابتكار المسبق الذي لا يعتمد على مثال سابق كما ذكرنا، وسيمرعليك تفصيل هذا المعنى في تفسير آية البحث وسترى أن كل الأشياء تحدث بمحض إرادته سبحانه دون تدخل العوامل التي تساعد على الإيجاد كالروية أو البديهة، فالأمر ليس أمراً لفظياً بل هو خاضع للإرادة التكوينية، ولأجل التقريب فإن الإنسان لا يأمر عينه لترى أو أذنه لتسمع وإنما القصد يحدد المراد، وإن كان في المثال قياس مع الفارق وإن شئت فاحكم بانتفاء القياس نظراً للتباين بين الخالق والمخلوق.

وبناء على ما تقدم نعلم أن جميع الموجودات خاضعة لأمر الله تعالى سواء كانت حاضرة في عالم التكوين أو عالم المشيئة، وفي كلتا الحالتين هي واقعة تحت قيمومة الحق سبحانه دون أن يخفى عليه أصلها أو الوجهة التي ستصير إليها، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء... هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم) آل عمران 5- 6.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) البقرة 117. الإبداع إنشاء صنعة على غير مثال سابق، وقوله سبحانه في آية البحث: (بديع السماوات والأرض) أي هو جلت قدرته قد أبدع في خلق سماواته وأرضه، والمبدع هو المحدث للشيء على صورته التي لم يسبقه إلى إيجادها أحد، ولذا سمي المبتدع في الدين بهذا الاسم لإحداثه فيه ما لم يكن قد اشتهر في الأصل، ومن هنا فقد ذم تعالى الذين شرعوا لأنفسهم الرهبانية ولم يحافظوا عليها، علماً أنها كانت مرضية عنده جل شأنه إلا أن الذم وقع عليهم بسبب عدم تشريعه سبحانه لها، وهذا الفعل أقرب إلى من يشرع لنفسه ما يشاء من الأعمال التي يظن أنها تقربه إلى الله زلفى إلا أن حقيقة تلك الأعمال لا تنسجم مع الشرع الإلهي وإن كان ظاهرها يوحي بالملازمة النسبية للدين، وقياساً إلى هذا الوجه تظهر النكتة في قوله تعالى: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها) الحديد 27.

قوله تعالى: (وإذا قضى أمراً) من آية البحث. أي أتم الأمر وأتقنه على صورته التي ينتهي إليها، والأصل في قضى يرجع إلى انقطاع الشيء، وهو من المشتركات التي يجمعها معنى الفراغ من العمل، وقد ورد هذا المفهوم في كثير من الآيات إلا أن المصاديق اختلفت نظراً للقرينة المصاحبة للسياق، كما في قوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً) الإسراء 4. أي أخبرناهم بذلك، ومنه قوله سبحانه: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) الإسراء 23. أي أمر وشرع ألا تعبدوا... إلخ. وقد يأتي قضى بمعنى الوفاء بالدين، كما في قوله: (فلما قضى موسى الأجل) القصص 29. ويأتي بمعنى الخلق كما في آية البحث، وكما في قوله تعالى: (فقضاهن سبع سماوات) فصلت 12. وهنالك آيات أخرى.

أما الأمر فهو كلمة الإيجاد التي يتم بواسطتها الخلق دفعة واحدة وإن كان الجامع يشتمل على مصاديق متعددة ولهذا اختلف المعنى بين الخلق والأمر من الناحية الابتدائية دون النتيجة، وبذلك يظهر السر في قوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) الأعراف 54. والآية تشير إلى المدة التي تم فيها الخلق واستقر على صورته النهائية دون الإضافات المرادة من قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون... والأرض فرشناها فنعم الماهدون) الذاريات 47- 48. وهذا هو المعنى المراد من الخلق أي ضم الأجزاء بعضها إلى بعض حتى تصل إلى مرحلة الإيجاد التي أطلق عليها سبحانه مصطلح الأمر وبهذا يظهر سبب عطفه على الخلق، وقد يتجلى هذا المعنى بأبهى صورة في خلق الإنسان نظراً للمراحل المتعددة التي يمر بها حتى يصل إلى مرحلة نفخ الروح، وقد بين سبحانه هذه المراحل بقوله: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين... ثم جعلناه نطفة في قرار مكين... ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) المؤمنون 12- 14.

 ومجموع الآيات يبين أن الخلق المادي انتقل إلى مرحلة الإنشاء التي تدل على وصول الإنسان من الخلق إلى الأمر المتمثل بنفخ الروح، وكما ترى فإن الخلق لا يتطابق مع الأمر في المراحل الأولى دون النتيجة التي أظهرت القدرة على الإيجاد المصاحب للشعور، وهذا نظير قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) آل عمران 59. من هنا يظهر أن الخلق هو ضم الأجزاء بعضها إلى بعض بلحاظ إرجاعها إلى توسط الأسباب الطبيعية وإن شئت فقل توسط الأسباب الكونية الخاضعة لقانون العلية، أما الأمر فهو وجود الشيء دون تدخل تلك الأسباب، وهذا هو المعنى المراد من آية سورة آل عمران آنفة الذكر التي أشارت إلى خلق آدم من تراب ثم انتقلت إلى مرحلة نفخ الروح، التي عبر عنها تعالى بقوله: (ثم قال له كن فيكون) وهذا المفهوم يتطابق مع آيات سورة قد أفلح... فتأمل ذلك بلطف. 

 

 من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

عبدالله بدر اسكندر  

 

ryad alnasiriيعد المكان مكونا محوريا في بنية السرد القصصي "بحيث لا يمكن تصور حكاية بدون مكان فلا وجود لأحداث خارج المكان، ذلك أن كل حدث يأخذ وجوده في مكان محدد وزمان معين"(1)، وتزداد قيمة المكان "كلما كان متداخلا بالعمل الفني ممتزجا ببنائه"(2)، فقد عرف الباحث السيميائي " لوتمان " المكان قائلا: " هو مجموعة من الأشياء المتجانسة من الظواهر، أو الحالات، أو الوظائف، أو الأشكال المتغيرة .. الخ، تقوم بينها علاقات شبيهة بالعلاقات المكانية المألوفة/العادية (مثل الاتصال، المسافة... الخ)"(3)، مشترطا تجريد هذه الأشياء من خصائصها، إذا ما نظر إليها على أنها مكان، مستثنيا تلك التي تحددها العلاقات ذات الطابع المكاني التي تدخل في الحسبان(4). فالمكان يتداخل مع مكونات السرد الأخرى (الأحداث، الشخصيات، ...الخ)، فهو الحيز الذي تقع فيه الأحداث، وهو البعد المادي للواقع إذ يمثل "الخلفية التي تقع فيها الأحداث، أي أنه الإطار الذي تقع فيه"(5)، فأهميته لا تقل عن أهمية العناصر الأخرى في السرد القصصي، فهو يمثل " الأرضية الفكرية والاجتماعية التي يحدد فيها مسار الشخوص ويركز فيها على وقوع الأحداث ضمن زمن داخلي نفسي، يخضع لواقع التجربة الفنية"(6).

وقد يتخذ المكان أشكالا، ويتضمن معانٍ عدة، وقد يكون في بعض الأحيان هو الهدف من وجود العمل السردي كله(7)، ويتصل المكان بالشخصية، وهو الدال عليها، والمحدد لسماتها، لأن "المكان الذي يسكنه الشخص مرآة لطباعه، فالمكان يعكس حقيقة الشخصية ومن جانب آخر، إن حياة الشخصية تفسرها طبيعة المكان الذي يرتبط بها"(8)، فهو يستقطب الشخصيات، ويؤثر فيها، ويعد محركا رئيسا لها فهي تمتلك وجودها من خلاله، كونه المرآة التي تكشف لنا عن الحالة الشعورية التي تعيشها الشخصية بل وتسهم في التحولات الداخلية التي تطرأ عليها(9)؛ فالمكان عنصر يؤثر في الشخصية، وارتباطه بها كارتباطه بالحدث، كونه "يعكس نفسية الشخصية ويكشف عن هويتها وأنماطها"(10)، وهو العتبة التي ندلف بواسطتها إلى داخل النفس، فيتكشف لنا ما تخترنه وتحاول إخفاءه، فنستدل على هويتها ونمط حياتها من مكان وجودها، وهو يمد المتلقي بالمعرفة الموضوعية والذاتية التي تتسم بها الشخصية، وبذلك عُدّ المكان عنصرا مؤثرا، يكسب العمل القصصي قيمة فنية، ويسهم بفاعليه في توليد الإيحاءات والمعاني كونه فضاءً لفظيا "لا يوجد إلا من خلال اللغة، فهو فضاء لفظيEspace verbule بامتياز. ويختلف عن الفضاءات الخاصة بالسينما والمسرح، أي كل الأماكن التي ندركها بالبصر أو السمع، إنه فضاء لا يوجد سوى من خلال الكلمات المطبوعة في الكتاب، فهو يتشكل كموضوع للفكر الذي يخلقه الروائي بجميع أجزائه ويحمله طابعا مطابقا لطبيعة الفنون الجميلة ولمبدأ المكان نفسه"(11)، فهو صورة متخيلة يمدنا بها السرد "يمكن أن تستدعيها المفردات الإشارية المباشرة direcrt Deixis في التفاعل بين الشخصيات في الرواية وفي الكلام المباشر للمتحاورين في التبادل الحواري"(12)، فهذه الإشارة الفضائية "تضفي على المحكي، فور ذلك، طابع الحقيقة (والصدق)"(13)، فضلا على ذلك فالمكان لا تبنى صورته من الألفاظ فحسب، بل يشترك الواقع، والتخيّل الحكائي، في بناء هذه الصورة فـ" حتى لو كان الفضاء الروائي يمتلك امتدادات واقعية، بمعنى يحيل على أمكنة لها وجود في الواقع، فإن ما يهم في السرد هو الجانب الحكائي التخيلي للفضاء، أي الدور الحكائي النصي الذي يقوم به داخل السرد"(14)، وللمكان حضور متميز في القصة القرآنية، سواء بالإشارة إلى أماكن واقعية أم عبر التقاطبات المكانية في السرد، وهي "التي تصنف الأمكنة وتبحث في دلالتها في شكل ثنائيات ضدية، بحيث تعبر عن العلاقات والتوترات بين قوى وقيم متعارضة"(15)، في مجالات متعارضة عدة يحيط بها المكان، وتمثل فضاءاته، مثل: التقاطبات الثقافية، وأمكنة الانتقال والإقامة، والأمكنة الأليفة والمعادية، فضلا على الفضاء الأهم في القصة القرآنية، وهو فضاء الائتلاف والاختلاف، بين السلطة والدعاة (الأنبياء)، سواء سلطة دولة أم قرية أم جماعة!. يطمح هذا المبحث إلى بيان الجوهر الحكائي للمكان بعدّه " مكونا سرديا في المقام الأول، وعنصرا حاسما في الاقتصاد الحكائي"(16)، أي محاولة القيام بـ" تحليل مشكلات المكان والاهتمام بنظام اشتغاله، وأساسا بالصلات التي تجمعه بالشخوص والأزمنة والرؤيات وباقي عناصر البناء"(17)، التي تنهض عليها عناصر القصة القرآنية؛ مكونة فضاء السرد وتقاطباته.

 

1. فضاء المكان المقدس

للعام والخاص حضوره في القصة القرآنية، تتجلى عبره علاقة المكان بالشخصية، وما تنتج هذه العلاقة من فضاء وصور مشهدية، تضفي الحركة والصوت والرائحة عبر حضور أجواء المقدس وعنفه وجلالته، في حضور متخيل يدهش الشخصيات الحاضرة قبل المروي لهم: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ )، (البقرة:35). فهذا مكان يقدم العيش الرغد؛ مؤثثا بنباتات وأشجار تؤطّره بالسكينة والهدوء، حيث الحرية الواسعة في الاستطالة لما يشاء من ثمار (الجنة)/ المكان المقدس والمتخيل، الذي يضمن للشخصية عزها وسؤددها حيث: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى*وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى)، (طه: 118-119). فهو مكان أليف تقطر من جنباته الرعاية المقدسة والتبجيل: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا...)، (طه: 116). فمكان يؤثث فضاءه – الإله – الملائكة – السماء – السمو - النبل - الجنة وثمارها، ويسجد فيه الملائكة لآدم، لهو مكان خاص وله دلالته الخاصة، ضمن الإطار العام الذي يتسم بالسعة والتعدد، الذي خلق حضورا طاغيا للشخصية، مما ولد لديها ارتباط روحي بالمكان، ستكون حسرة فراقه كبيرة حينما يرضخان (آدم وحواء) لإغراء العدو المخاتل (إبليس)، فتكون حسرة أبدية، يمتد عمرها إلى زمن خارج إطار التخيّل، لتبقى لوعة الرجوع إلى هذا المكان أبدية هي الأخرى، تبحث عن آليات الرجوع في كل وقت وحين( : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )، (البقرة:36). وهنا تفترق صورة الشخصية عبر فضاء المكانين؛ إذ أنها بعد فراق فضاء التقديس، تصبح هنا وعلى الأرض مقابلة للشيطان: " بعضكم لبعض عدو " وكأنهما على قدم المساواة في صراع أبدي يمثل عمق الخطأ المقترف، فتتحول صورة الشخصية من المقدس إلى المدنس، وتحاول عبر آليات الاستغفار، والعبادة، والطاعة الرجوع إلى صورتها الأولى، متخذة من إطار التطهير غاية للرجوع إلى فضاء المقدس، عبر بوابة الفناء ( :قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ )، (الأعراف: 23)، وهنا سيكون حضور المقدس موازيا لدلالة الكلام الملقى، حيث الرحمة فضاء آخر يؤطر المكان: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )، (البقرة:37)، حيث طلب المغفرة فضاء داخلي احتوته نفس آدم وزوجه، بعد فضاء داخلي قادهما إلى الخروج من الجنة وهو هاجس الملك والخلود( :..... وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) (الأعراف:20)، فغلب فضاء الخلود وحب المُلك معززا بفضاء النصح(المتوهم)(: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)، (الأعراف:21)، فضاء الوصية الدالة على الألفة والمحبة: ( فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)، (طه:117). فالجنة هنا ليست مكانا يحوي فضاء الألفة والرحمة، ففيها فضاء معادٍ تمثل بالشيطان، هذا التقاطب بين الفضائين زاد في جمالية فضاء الألفة والرحمة، عبر تجاور المكان الأليف (الجنة) والمكان المعادي الشقاء (فتشقى)، فكثافة المكان المحدد رغم سعته (الجنة)، وهذا التحديد بدلالة (اهبطوا منها)، غلب فضاؤه الرائق على سعة (الشقاء) في الأرض رغم محدوديتها.

في طلب إبراهيم من ربه أن يجعل بلده آمنا، مقروناً بالدعاء ليتجنب هو وأبناؤه عبادة الأصنام، صورة أخرى لرسم الفضاء المقدس عبر حضور جدلية المقدس والمدنس: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )، (إبراهيم:35-36)، ففضاء المكان هنا يتكون من التقاطبات الآتية:

 

الأمن/ اللا أمن

الله/ الأصنام

الشرك/ الإيمان

الطاعة/ المعصية

العقاب/ المغفرة

فإبراهيم حين يدعو ربّه: "ربّ اجعل هذا البلد آمنا"، يستحضر المتلقي صورة أخرى غائبة عن المشهد، تمثل فضاء الخوف أو الرعب أو اللا أمن؛ فهو يرجو أن يتحول هذا المكان من مكان معاد إلى مكان أليف، عبر إكسير الحياة (الأمن)، ومقرونة بالرغبة بإزاحة فضاء ران على مشهد حياته وهو (عبادة الأصنام)، فتمثل كلمة (نعبد) بعدا سلوكيا وعقائديا وعمقا تاريخيا، أثث فضاء الشرك لما تحمله هذه الكلمة من دلالة على عمق التمسك بعبادة الأصنام عند الآخر (المشرك)، والإعراض عن دعوة إبراهيم، بالإيمان بالله والسير على ديانة التوحيد، وزاد في سعة هذه الصورة صورة الكثرة من الناس في الآية بعدها: "ربّ إنهن أضللن كثيرا من الناس"، ففضاء الشرك هنا واسعا وراسخا، يبحث إبراهيم على وضع بديل له في هذه الأرض، لتتحول من المدنس إلى المقدس، ولترتفع عبادة الناس من الأرض إلى السماء، عبر التحول من المادية إلى الروحانية، ليقضى على الشرك ويتحقق الإيمان، فيخفت فضاء المعصية ويعلو فضاء الطاعة، ليتجنب قومه العقاب وتتحقق المغفرة؛ وسيسهم وصف إبراهيم لهذا المكان في إعطاء صورة للشخصية والحدث، وانعكاسات المكان عليها، فيكتمل فضاء المشهد السابق بمعطيات ومعان جديدة: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم:37)، ففضاء البيت المحرم هنا أرض جدبة لا ماء ولا شجر، فهي أرض مقلقة توجب على الشخصية الداعية تقديم علل لتأثيث المكان، بما يجعله مكان رحمة، يوازي قدسية البيت المحرم الموجود فيه، وبما يعكس نمط الشخصية وحنوها وبعد نظرها، وهو أيضا يكشف عن خطورة الحدث (السكن في واد غير ذي زرع)، فتأتي "ليقيموا الصلاة"؛ جملة ذات دلالات واسعة، تعبر عن فضاء للإيمان، ونبذ الشرك وتصديق الرسالة، وتحقق الاتصال بين السماء والأرض، مما يجعلها استهلالا مكثفا لتحقيق فضاء الدعاء بعدها، بتحقيق الاتصال والتواصل مع الآخر: "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم"، ومما يجعلها أرضا أليفة: "وارزقهم من الثمرات"، ولتكتمل دائرة الاتصال بين السماء والأرض عبر: "لعلهم يشكرون". وتأتي عبارة "بيتك المحرم"، تحمل في طياتها الرغبة في أن يكون بيتا للجميع فـ" كل الأمكنة المأهولة حقا تحمل جوهر فكرة البيت"(18)، الذي هو بيت الألفة والطمأنينة.

لا يني السرد القرآني يقدم لنا الفضاء المقدس في كثير من قصصه، ففي معرض تذكير موسى بأنعم الله وفضله على قومه، نجد المكان غير محدد وغائب، بيد أن فضاءه حاضر: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِين)، (المائدة:20)، ففضاء المكان هنا مؤثث بصورة الأنبياء، والملوك، وأشياء أخرى، تُركت لخيال المتلقي وتصوره: "وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين"، ولك أن تحمل هذا المنعم به غير المذكور، حيث يشاء بك الخيال والتصور؛ وسيزيد من حدّة هذا التصور للنعم المسكوت عنها، الطلب المترتب على هذه النعم: ( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ)، (المائدة:21)، فهذا المكان أرض مقدسة، كُتبت للمؤمنين، وهنا يقدم لنا السرد الفضاء المحيط بموسى، عبر تقديم النهي عن الارتداد، بما يصور حال من حوله، وهي صورة للمجتمع تبيين طبائعهم وخصائصهم، ومن ثم طبائع المكان وخصائصه، لأن المكان انعكاس للشخصية مثلما الشخصية هي انعكاس للمكان؛ فالإدبار والانقلاب لابد من أسباب له، وهو قوة ودهاء من في الأرض مع قسوة وظلم، جعل هؤلاء القوم يحجمون عن دخوله، فهي أرض أعداء وتسلط وقهر: "قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين"، فهذا فضاء للأرض من فضاء آخر، دال على الخوف والتقاعس ومدى هيبة أولئك القوم في نفوسهم، وإحساسهم بعدم الطمأنينة لدخوله، فهو مكان تهديد ورعب قاد إلى نفورهم منه: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ)، (المائدة:22)؛ فهذه صورة سردية أخرى ترسم فضاء المدينة وما حولها، وهي جدلية أخرى بين المقدس والمدنس، وأثرهما على الشخصية والحدث.

 

2. فضاء الذاتي

إذا ما كان العالم برمته يفيد أنه انعكاس للإنسان(19)؛ فإن ما يحيط به عن قرب، يمثل الفضاء الأكثر حميميّة، والأكثر تأثيرا، ومن ثم تصبح تصرفات الإنسان انعكاسا لهذا التأثير، يتغيّا بأساليب عدة تحقيق الموازنة معه، إن لم يكن يطمح للتغلب عليها، ومن ثم يمكن تفسير كثير من وقائع الإنسان نتيجة هذا التأثير بردود فعل متباينة؛ وصناعة هذه الوقائع عبر الفعل ورد الفعل، تبني ملامح الفضاء المحيط بالواقعة، عبر بوابة الذات التي تصهر الأشياء بمشاركة عاطفية وجدانية تمزج الماضي بالحاضر، متطلعة صوب مستقبل مغاير للحاضر في أغلب الأحيان:  (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا)، (نوح:5)، تمتد المسافة الزمنية على الذات وعلى الآخر، مما يضفي ظلالا على مساحة المكان، بالطول والسعة، وكأن هذه الدعوة استغرقت الأرض جميعها وليس لقوم معينين، وفي مكان محدود؛ فتعاقب الظلمة والضوء هو شكل آخر من جدلية القبول والرفض للدعوة؛ فالذات هنا هي مركز الصراع لأنها مصدر التأثير في المكان، عبر دعوة تحاول تغيير كلّ شيء، ومن ثم تغيير الفضاء المحيط الذي يخلق مركزية ذاتية أخرى تقابل الذات الداعية، فتخلق (فضاء التمنع):(فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا )، (نوح:6)، هذا التمنع سيخلق دوائر تأخذ شيئا فشيئا بالابتعاد عن مركز الذات الداعية، مما يجعل من مساحة الفضاء تتسع كما هي مساحة السرد: ( وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا )، (نوح:70). هذا الوصف لفضاء التمنع يمثل فضاء ضاغطا على فضاء الدعوة، وهو مليء بالحركة التي تبحث عن السكون لإغلاق الفضاء المفتوح/ الدعوة، بيد أن فضاء الدعوة يتسع وتتسع معه الذات الداعية ومساحة السرد، بغية فض مغاليق فضاء التمنع: ( ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا )، (نوح:8-10). وهنا فضاء من التسامح ينبئ عن مرونة، تبغي توقف المتاعب التي خلقها الجدل للطرفين، بدعمها رسم فضاء تخيليي وصورة لاستمتاع يمكن أن تجود به الطبيعة، لو أنهم أقدموا على الاستغفار وقبلوا التلقين وأرادوا الاكتشاف: (يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا )، (نوح: 11-12). هذا الاتصال بين السماء والأرض لا ينتج سعة بالفضاء فحسب، وإنما يتناغم وشهوة الأموال والأولاد لديهم، وهو فضاء آخر يأتي متجانسا مع جاذبية الجنات الخضراء، ولا محدودية الأنهار في الطول وفي إغداق البهجة؛ وهنا ينتقل السرد إلى تلقين آخر والى فضاء آخر من المعرفة والتفكر: (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا)، (نوح: 13-20).

يتموضع السرد في الآيات السابقة بإضفائه طابع الواقع على الفضاء، عبر التفكير في حقيقة الكون والنظر إلى الأشياء الملموسة في الوجود، فهذه الإشارات الفضائية تخلق علاقة عمودية مركزها الأرض وتتجه إلى السماء، في علاقة جدلية بين الفكر والمادة، يتمخض عنها خلق فضاء الإيمان عبر الأسئلة: كيف؟ ولماذا؟ ومن؟ ولم؟؛ وهي من أدوات المعرفة واليقين "إذ يلزم المحكي أن يقول "متى"، كما يلزمه أن يقول "أين" و "من" و "ماذا". فلا يرد الحدث السردي إلا مصحوبا بكل محدوداته وإحداثياته. وبدون المعطيات الزمنية والفضائية (مقترنة بغيرها) لا يتأتىّ بث الرسالة السردية"(20)، التي هي في السرد القرآني لا تتوقف عند جهة واحدة أو رسم موقف واحد، بل تتبادل الرسائل فيها بين الأعلى والأسفل، بين السماء والأرض، في جدلية المنفتح والمنغلق في إطار فضائي الإيمان والكفر، فيوظف لنا السرد (موقف ذات الممانعة)، في خلق حالة توازن معرفي بين طرفي الصراع، لخلق حالة جذب وتنافر لأي من الطرفين: (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا)، (نوح: 21-24). فهنا فضاء قد يخلق النفور والكراهية، في فضاء عقول تحلق عاليا بعيدا عن معطيات الوجود المادية، وربما خلق حالة جذب ورض، لمن يعيش في فضاء مغلق عناصره المادة والملموس، وكلا الطرفين يعول على فضائه الذاتي، أكثر من الانضمام إلى فضاء الواقع.

تبقى الذات تنشد حريتها ضمن فضائها الخاص في السرد القرآني، حاملا في طياته حرية الآخر، والانسجام مع فضائه الخاص: (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُون ِ)، (الدخان: 20-21). هذا التشابه بين فضاء النص وفضاء الواقع، له دلالته التاريخية والاجتماعية والسياسية، يتناثر تفسيرها في الآيات بعدها، عبر المقارنة والاستدلال، لكشف أبعاد الواقعة وفضائها على مستوى الذات والموضوع ( :فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاء قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ)، (الدخان:22). فالدعاء هنا عملية تواصل بين الذات والإله، وهو شكل من علاقة التواصل بين السماء والأرض، توسع من دائرة فضاء الحدث، وتخلق أفق توقع، لمسار السرد ونتائج الأحداث: "فاسر بعبادي ليلا إنكم متبعون"، فضاء المسير الليلي يوحي بسعة هذه الرحلة وطول مدتها وخطورتها، وهذا ما سنتطرق إليه في فضاء الرحلة، وتتبين خطورة الرحلة كذلك من الأمر بترك البحر مفلوقا، وهو اتساع في فضاء الحدث، كون البحر لا محدود، فضلا عن لا محدودية المسافة بين المدينة والبحر، مما يعمق من الشعور بالكثافة السردية، عبر التقريب بين المسافات البعيدة وتراص الأحداث، فيخلق قلقا في فضاء الشخصية، ويوسع من مداه تحسر السرد، عبر تمثلات الواقع بذاكرة مستعادة، تضع الفضائيين جنبا إلى جنب، فضاء الماضي وفضاء الحاضر، بتشكيل سردي واحد يعبر عن الطرفين: (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ )، (الدخان: 25-28). الصورة المظلمة التي يكونها السرد، لمكان يزهو بالخضرة والماء والزرع والفاكهة والبناء العامر، تزيد من حدة الشعور بقتامة الفضاء، ولا تنفع صورة الجنة الأرضية في تحويل فضاء الآخر إلى فضاء يلفه نور أشياء المكان، فتصبح الأشياء الحميمة فضاء معاديا يمقت الآخر، ويبحث عن الابتعاد عنه: ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ * وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ)، (الدخان:29). وهو مصير ذات انطوت على فضائها، ولم تخلق حالة تواصل مع الآخر، مما جعل الانقطاع مصيرها عن أشيائها الحميمة، كما هو انقطاع أبدي عن فضاء الأشياء العام، لتدخل بوابة تاريخ جديدة فضاؤه أشد إيلاما من فضاء السرد، فتكون بذلك قطعية أبدية مع الجنتين الأرضية والأخروية، وبه يكون فضاء الذات قاتما إلى مالا نهاية.

 

3. فضاء الرحلة

يبدو أن الرحلة هي طوق النجاة الأبرز، في حياة أشخاص القصص القرآني من الدعاة، فقد أطرت حياة أبرز أنبياء الرسالات الإلهية الكبرى، أو كانت هي رحلة أحداث كبرى!، فهي انتقالة من فضاء إلى فضاء، بكل ما يحويه هذا الفضاء من أشخاص وأماكن وإيديولوجيات اجتماعية أو سياسية وحتى اقتصادية؛ فحين يندب رجل من آل فرعون نفسه، كي يمحض النصيحة إلى موسى لترك المدينة، يترتب على هذا الفعل أحداث ودلالات تضفي على القصة طابع الدرامية والإثارة والتشويق والمفاجأة؛ فأجواء المدينة هنا تعج بالخلاف بين السلطة الحاكمة وأتباعها من جهة، وطبقات المجتمع الأخرى من جهة أخرى، وبخاصة قوم موسى( : وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ)، (القصص:15). هذا الشجار يؤشر دلالة مهمة في سياق المدينة، وهي كثرة الاضطرابات، وطبيعة مواجهة الأحداث ومشكلات المجتمع عبر الصراع الفردي، وطغيان طابع الحدة على الشخصيات، الذي يفرز دلالة قهر السلطة وتحكم السيف في حياة المجتمع، لذلك يكون هذا المكان معاديا لمن هم خارج السلطة، مما يحمل شخصية نبوية تحمل رؤيا مغايرة لمثل هذه السلوكيات أن تشرع بالعمل نفسه، وكأنه قانون حمورابي يعود من جديد: (العين بالعين، والسن بالسن)؛ فموسى يدرك أن القتل هو من عمل الشيطان، وأن الشيطان عدو مضل مبين، بيد أنه لا يملك إلا أن ينتصر لمن هو من شيعته، وهذا يعطي دلالة أخرى، وهو سريان روح القبلية بين أبناء هذه المدينة، وأن لا حاكم شرعي يرجع له في هذا الباب، كي يسوي الخلاف، وإلا فإن رجلا مثل موسى كان سيدعوهم للتحاكم إلى سلطة القضاء لو أُتيحت، أو كان الحاكم عادلا لعادوا إليه. فكان الشروع بقتل العدو، دلالة على أنها الآلية الوحيدة للدفاع عن النفس لاسترداد حقوق الناس؛ وسيعاني موسى ما يعاني بعد هذا الحدث، مما له دلالة ذاتية وإشارة دالة على ما سيقع في المدينة بعد ذلك من نشدان العدالة. فندم موسى على فعلته، حدث دال على أن حدثا في المدينة سيقع، وذلك بإحقاق الحق وترك الظلم. وما عودة السرد إلى ذكر الشجار الذي قام به هذا المستنصر بموسى، إلا دلالة أخرى على ضجيج المدينة بالخلافات والصراعات وكثرة الظلم والاضطرابات؛ ويأتي ما قاله عدو موسى وصاحبه دلالة ثالثة تشهد على تفشي الظلم والاضطهاد في هذه المدينة: (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ)، (القصص:19). فحتى هذا العدو يدرك أن المدينة بحاجة إلى إصلاح، وأن موسى من دعاة الإصلاح، مما حمل رجلا من أقصى المدينة، ليسعى لنصح موسى بالخروج منها:( وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ)، (القصص:20). فمنهج هذه المدينة القتل والمؤامرة، فهو فضاء ملئ بالدسائس والقهر والخوف: ( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، (القصص:21). هذا الخوف + الترقب (الحذر الشديد) + اللجوء إلى قوة عليا للنجاة عبر (الدعاء)؛ يحمل في طياته دلالات كبيرة على بسط الخوف والقوة على فضاء المدينة، مما يجعل من هذا الخروج انتقال من فضاء الرعب والعداء إلى حيث البحث عن فضاء مغاير من الأمن والطمأنينة؛ وهذا ما سيحرص عليه السرد القصصي، في انتقاء الأحداث الأكثر تأثيرا، على الشخصية وعلى بنية السرد؛ فحين يتوجه تلقاء مدين، يأتي السرد بدلالة عميقة على الرغبة في التغيير وإصلاح الشأن: " ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " فهذا البحث عن (سواء السبيل) دلالة على التغيير الذي سيحصل، وبذلك نرى الترابط السردي في القصة، وكيف تنتقل بنا من إشارة إلى إشارة، بترابط موضوعي ودلالي، فينتقي السردُ الأحداثَ التي تشد الموضوع إلى بعضه، ليخرج كتلة متماسكة من الإيحاءات والدلالات: "ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير"، سرد هذه الحادثة لم يأت لذكر حدث في حياة موسى وحسب، إنما هو بنية كبيرة في دلالة القصة، فهذا الحدث هو أُولى علامات العدالة التي ستتحقق على مستوى السرد، ومستوى الواقع مستقبلا، وهو أولى الأحداث المهمة في فضاء الرحلة هذه، التي ستستمر لعدة سنوات، يكون فضاء هذا المكان مغايرا تماما لفضاء المدينة التي تركها؛ ففي الآية السابقة دلالة على فضاء هذا المكان، فهو فضاء ريفي طابع حياته الرعي وتربية الحيوانات؛ وهي إشارة دالة على ما ينتظر موسى من أحداث ستقع له، فيأتي السرد مترابطا كل كلمه فيه تأتي للدلالة على حدث سيقع لاحقا؛ ويأتي السرد بما يكشف عن أثر الرحلة في حياة موسى وانتظاره التغيير، وأن يعيش وحدة خانقة، فليس له من ملجأ إلا الدعاء: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير)، (القصص: 24).

وهنا يتبين لنا الترابط السردي، فما أن ينجز دعاءه حتى نأتي إلى حدث مهم آخر مترابط مع ما سبق، وكاشف عن دلالاته، سبق وأن أعطى السرد لها إشارة أو تلميح: "فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين"، وهذا إشارة دالة أخرى على تغيير فضاء موسى، من فضاء الرعب في المدينة إلى فضاء الأمن والنجاة في هذا المكان، الذي سيقضي به سنوات طوال يسكت السرد عن ذكر أحداثها، وكأنها موازية لحالة السكون والهدوء التي سيعيشها البطل بعد رحلة عناء ومماطلة مع القوم الظالمين، وفضاء المكان هذا على الرغم من أجواء الهدوء والسكينة وتحقيق الأمان الروحي والجسدي، ومفارقته لفضاء المدينة التي رحل عنها، لم يكن مكان استقرار وثبات لموسى، فما أن تنتهي مدة العقد التي عقدها مع شعيب، حتى قفل راجعا إلى المدينة: (ولما قضى الأجل سار بأهله)، لتكمل دورة الأحداث وليهيأ موسى لتحمل رسالة الحرب ضد الطغيان؛ فهذه الرحلة رحلة إعداد، وفضاؤها فضاء خالق للشخصية، يعمل على بنائها على المستويين الذاتي والموضوعي، فإذ هو في رحلة العودة تقع الأحداث البنائية الآتية:

(1)     رؤية النار (رمز لنور الله/ حسبه موسى نارا).

(2)     الرحلة باتجاهها.

(3)     النداء الإلهي.

(4)     تقرير قدسية المكان عبر الأمر بخلع نعليه.

(5)     إخباره باختياره نبيا.

(6)     تعريف موسى بربه: (إني أنا ربك...)، (إني أنا الله.......)، (طه: 9-16).

ففضاء الرحلة هنا فضاء مقدس، ارتفعت به بنية شخصية موسى لتقترب من درجة الكمال، فبعد أن كان موسى في المدينة شخصية يؤطرها الخوف، ثم في مدين شخصية انتقلت إلى مرحلة الأمن والاستقرار النسبي، فهي هنا تصل إلى درجة البناء المقدس، وما التكليف الذي يقوم به موسى بالذهاب إلى آل فرعون إلا دليل على وصول شخصية موسى إلى الكمال النبوي في هذه الرحلة، ومن ثم سيكون فضاء الرحلة هذه فضاء مقدسا، عبر التكليف بحمل رسالة السماء إلى الأرض، وهي رسالة الإيمان والعدالة؛ فأول تكليف يؤمر به موسى يحمل دلالة البحث عن العدالة: ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى )، (طه:24).

فـ (طغى) هنا وكأنها تمثل مختصرا لفضاء المدينة، التي رحل عنها موسى ميمما صوب مدين، للبحث عن فضاء مباين لهذا الفضاء؛ وحين يدعو موسى ربه: "رب اشرح لي صدري"، نحس بعمق وثقل تجربة موسى في المدينة أو عبر الرحلة وكثرة الإحباطات التي واجهها، فما يتبادر إلى ذهنه هو صعوبة تحقيق الإرادة، فيكشف لنا السرد عما حمّلته الأيام من صعابها، فيسرد لنا من دعائه: "ويسر لي أمري"، وهذه كلها تقع في بناء الشخصية سرديا مثلما تبني الشخصية واقعيا؛ شرح الصدر+ تيسير الأمر + فك عقدة اللسان+ التأثير بالآخرين عبر (فقه قوله)، كلها عناصر بناء يضفيها السرد على الشخصية بصورة غير مباشرة؛ ومن ثم البحث في إكمال صورة بناء الشخصية عبر تشكيل المحيط الخارجي لها: "اجعل لي وزيرا من أهلي"، وهي دلالة على توخي الصدق والأمان في الشخصية وبالتحديد: "هرون أخي"، لتأتي بعد ذلك عِلَل هذا الاختيار عامله على بناء الشخصية، عبر الدلالة، بـ "اشدد به أزري"، و "أشركه في أمري"، ولكي تبنى الشخصية بصورة تتوافق والرسالة السردية التي بنتها، ستأتي العلل تبتعد كثيرا عن الرغبات الشخصية أو المادية، لتضع للشخصية إطارا قدسيا عبر إرساء مضمون العلة بـ"نسبحك كثيرا"، و"نذكرك كثيرا"، وصورة بنائية أخرى تعبر عن مضمون الشخصية: "إنك كنت بنا بصيرا"، وهنا يقدم لنا السرد صورة من بناء الشخصية دالة على صدق الشخصية، وأحقيتها في تحقيق مطالبها، فما أن ينتهي من مطالبه حتى يسرع السرد بالإجابة: "قال قد أوتيت سؤلك يا موسى"، فالشخصية أصبحت موازية للحدث، وهي جديرة بإحداث تغيير كبير في الزمن التاريخي ليسير باتجاه آخر، وهذا سيتحقق بالعودة إلى المدينة ومواجهة طغيانها، وهو ما سنلحظه في مبحث فضاء الإقامة في المدينة.

يأتي سرد قصة ذي القرنين متضمنا أبعادا ودلالات، وتموضعا في أغلب مفاصله بأشياء الوجود المادية، يحمل إشارات تضئ فضاء المكان بالمعلومات الغائبة، لاكتناز السرد بالتكثيف والتواتر: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا)، (الكهف: 83). وهنا افتتاحية تعلن إيجاز هذه القصة بدلالة عبارة " سأتلو عليكم منه ذكرا "، وهذا الذكر هو جزء من قصة عامة؛ بيد أن فضاء هذا الجزء نراه وكأنه القصة كلها: ( إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) (الكهف: 84)، ففضاء الآية يوحي بالقوة، ووجود كل آيات الانتصار في الحياة، مما ييسر له تحقيق ما يبغي في رحلته فاتّبع أسباب النجاح، وهو فضاء آخر يؤطر شخصية ذي القرنين ومن حوله، فصورتهم الخيالية: جيش منظم أوتي من كل أسباب القوة والعزيمة. فهو فضاء باني للشخصية والحدث، ويحمل إشارات نتائج هذه الرحلة. وهنا تأتي الدلالة الزمنية كاشفة عن طبيعة الفترة التاريخية، وفضاء المكان الذي هو فيه، وكيف ينظر إلى الزمن:( حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)، (الكهف: 86). ففضاء المكان هنا ترسمه إشارات السرد؛ فمكان هؤلاء القوم ليس بعيدا عن مكان ذي القرنين وجيشه، فهم مسيرة نهار واحد، فلو افترضنا أنه بدأ رحلته فجرا ووصلها عند مغرب الشمس، فهذا ما يقرب من اثنتي عشرة ساعة؛ مع هذا القرب في المسافة، فإن اتصالا لم يكن بين الطرفين بدلالة التنكير في "قوما"، فقرب المسافة وقوة ذي القرنين وعدم معرفة هؤلاء القوم، رسمت فضاء هؤلاء القوم، بأنهم بسطاء لا يستحقون التعذيب، بدلالة تخيير ذي القرنين بين أن يعذبهم، أو أن يتخذ فيهم حسنا، وهذا التخيير يشي بالميل إلى هذه الحسنى، بدلالة سياق السرد العام وبناء على ما قدمته الشخصية من حنكة بإتباع الأسباب، واشتراطه للقيام بالتعذيب مقارفة الظلم وعلى المستوى الفردي (من ظَلَمَ)، فهو لم يقترف العقاب الجماعي، بل وضع شرط مقارفة الذنب من الشخص؛ وهكذا يبني السرد لنا شخصية ذي القرنين، ويقدمها لنا في كل حدث بما يوسع من بنيتها حدثا بعد حدث؛ ويأتي الاشتراط الآخر عاملا على بنية الشخصية، بما يقدم لها من تأثيث الذي ينعكس بدوره على فضاء المكان، وعلى حدث الرحلة: ( وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا)، (الكهف: 88). وهذا فضاء آخر للمكان يعبر عنه فضاء الشخصية، فهم قوم مشركون لم يؤمنوا من قبل، وأعمالهم غير صالحة، بيد أن أمرهم غير عسير في التحول، فلم تكن لهم انغلاقات فكرية تمنعهم من الحق، بدلالة عدم توقف السرد عندهم، وإنما واصل الرحلة مع ذي القرنين إذ "ثم اتبع سببا"، لنجد فضاء آخر عبر هذه الرحلة، فهذا المكان أهله لا يكادون يفقهون شيئا، فهم أقوام بدائية ليس لهم من الحضارة شيء، لا معرفة ولا بناء مادي أبعد من الحياة الأولية؛ يعيشون على الطبيعة كما خلقهم الله؛ فلم تكن لهم بيوت تأويهم وتسترهم من حرارة الشمس أو برد الطبيعة، فهم من العجز بمكان. والمسافة بين هؤلاء القوم وأولئك الذين قبلهم أيضا لم تكن مسافة بعيدة فهي مسيرة ليلة واحدة، فوصلهم مع طلوع الشمس. وأن أمر هؤلاء لم يكن من الصعوبة في شئ، حيث تركهم ووصل إلى قوم آخرين، فضاؤهم لا يبعد عن هؤلاء في شئ إلا أنهم ابتلوا بقوم جبارين مفسدين في الأرض، وإنهم يمتلكون بعض المال الذي عرضوه على ذي القرنين، لكي يبني لهم سدا يقف بوجه يأجوج ومأجوج، وهنا نلحظ اكتظاظ المكان بالأشياء المادية إلى حد بناء سد من زبر الحديد والقطر، الذي منع المفسدين من اجتياز أو فتح ثقب فيه؛ فالسرد في الرحلة هذه قام ببناء الشخصية الفردية (ذي القرنين)، والجماعية، بما قدم من أحداث وعلل وإشارات جعلت فضاء الرحلة هذا كتلة صلبة متماسكة، وكذلك بنى فضاء المكان والأحداث إلى حد الغنى، في بانوراما قصصية لم تتجاوز أربع عشرة آية.

ولا تبعد عن هذا الإطار في بناء الشخصية والحدث، رحلة إبراهيم، أو يوسف، أو نوح، أو موسى مع العبد العالم، أو مريم في انتباذها لقومها، وغيرها، من الرحلات التي نهضت باشتراطات بناء المكان وفضائه، فضلا على عناصر السرد الأخرى.

 

4. فضاء الإقامة

أ- الإقامة الاختيارية

يمثل مكان الإقامة الاختيارية فضاء طمأنينة للشخصية الإنسانية، ففيه تتحقق شخصيته وتشيع قيم الألفة والتواصل بين البيت وفضائه، فمن رحمة الله أن يؤثث البيت بالأهل وذوي الأرحام، ففقدهم يمثل حسرة وحزن: ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)، (الأنبياء: 83-84). فمن رحمة الله بأيوب أن آتاه أهله بعد فراق؛ وكي يحقق السرد تماسكه وتحقيق التوازن الإيقاعي والدلالي جاء بـ "مثلهم معهم"، تناسقا مع ثناء أيوب: "وأنت أرحم الراحمين"، فهذه الرحمة المضاعفة في هذا الثناء، معادلها الدلالي والإيقاعي أن يأتي بأهله ضعفين، ففضاء الرحمة والتواصل هنا واسع المدى بمواصلة الآهلين بضعفين، وبمواصلة رحمة السماء لأهل الأرض.

إن القصة في القرآن لا تقدم وصفا تفصيليا للمكان، فلا تعتني بالجزئيات بل تحتفي بفضاء المكان ودلالات أشيائه عبر إشارات وتلميحات دالة؛ فنلحظ فيها عناية بأثر العلاقة المتبادلة بين الإنسان والمكان، وما تضفيه هذه العلاقة على فضاء المكان من تماسك وكثافة وعمق، عبر بناء الشخصية وكشف الأثر المتبادل بينها والمكان بأحداثه وأشيائه؛ فيعقوب تبيض عيناه من الحزن لقطع التواصل مع يوسف، فهو ملئ بالأسف والحسرة والكمد: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ )، (يوسف: 84-85). فالغياب يمثل مسافة لا متناهية في البعد معادلها الداخلي أن تجعل الإنسان قريبا من الهلاك، وهذا ما رسمه السرد لشخصية يعقوب "تكون حرضا أو تكون من الهالكين"، ولا تخرج الشخصية من بنية الحزن إلا بعودة التواصل ولو عن طريق الريح: ( وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ)، (يوسف: 94). وهنا قرب القميص المسافة إلى حد أنها أصبحت كالريح في قربها من يعقوب، ونلمح في هذا التعبير إحساس يعقوب بقرب يوسف منه وكأنه يراه.

وفي قصة داود مكان خاص جدا له (المحراب)، حيث يفزع لدخول الخصمين عليه، وهذا دلالة على أنه مكان مغلق يمثل الحياة الداخلية للشخصية أكثر مما هو بوابة تواصل: ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ)، (ص: 21-22).

يبنى سرد الخصومة شخصية داود، مثلما يبني فضاء المحراب الخارجي، ويتكفل سرد مضمون الخصومة بتأثيث الحدث وفضاء المكان، مثلما بنى الحكم في الخصومة الشخصية وأغنى السرد، لما ترتب على الحكم من استطالة لمدة السرد وسعته؛ فالفضاء العام لهذا الحدث سينعكس على فضاء المكان العام، كونه يمثل بنية رئيسة في الشخصية يفسرها الحكم المطلق في الآية (20): (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ)، وهو تلميح للفضاء العام الذي يحيط بأجواء القصة من كثرة الخصومات والجدل وقلة الصبر والتروي، وربما دل ذلك على أن المكان آهل بالسكان، مع تفشي الحسد والتوتر بينهم. وهذا النوع من الفضاء، يمكن أن نجد له مثيلا في قصة مريم أو بلقيس أو قوم صالح وغيرها.

 

ب- فضاء الإقامة الجبرية

المكان الذي تُفقد فيه الحرية، وتستلب الإرادة، وتفرّغ به الشخصية من محتواها، مكان معادٍ، تنطوي فيه الشخصية على ذاتها ويتحجم امتدادها في الفضاء المحيط، وبه تبدأ سلسلة العذابات التي تنتج رؤيا وفكر ومعجم جديد، هو عبارة عن ذل وإهانة ورضوخ وعقاب وخوف وقهر، فلم يبق أمام الإنسان إلا الهروب وتغيير المكان إن استطاع إلى ذلك سبيلا، وهذا ما وجدنا جانبا منه في فضاء الرحلة، كستراتيجية لشحذ القوى، وتحقيق التغيير إلى حين؛ بيد إن لم يمكن تغيير المكان المعادي، وحصلت إقامة جبرية، ترفدها العقوبة بوخامة وقعها، وإيديولوجية العداء في الفضاء المحيط، فسيكون فضاء هذه الإقامة شكلا من أشكال جهنم، حيث مدى العذاب لا نهائي، يكشف صورة الرعب والخوف والاستلاب، إذ تحصى في هذا الفضاء الأعمال والنيات والحركات والخلجات، وحيث المكان المغلق والمصير المجهول؛ وهذا ما حرص عليه السرد القرآني في توصيل مثل هذه الصورة في إحدى صور المكان الأشد عداء: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ)، (ق: 24-29). فضاء هذا المكان يعج بإصدار الأحكام النهائية بحزم وشدة، والسرد يتلو تاريخ هؤلاء الذين أُلقوا في جهنم، ومنهم كل: كفار، عنيد، مناع للخير، معتد، مريب، مشرك، فجزاؤه (العذاب الشديد)، وصورة من هذا العذاب (تخلى القرين عنه)، والشهادة عليه بالضلال البعيد؛ فضلا على النهي عن الخصومة، فلابد من الصمت الذي هو عذاب آخر ينضاف إلى تلك العذابات؛ فليس هناك في هذا الفضاء فسحة أمل للنجاة، فتوالي السرد لبناء هذا الفضاء يقترب من ضربات متتالية على قفا من هم في جهنم، فكل وصف أطلقه السرد عليهم بمثابة حكم خاص، وله عقوبته الخاصة وتنفيذه الخاص، ومما يزيد شدة العقوبة هنا الإقامة الجبرية الأزلية، حيث لا أمل في الخروج من هذا المكان أبدا؛ فهو بمحدوديته مهما كان واسعا يكون ضيقا وهو مغلق، مما يولد النفور والرعب والكراهية والانطواء على الذات، والخضوع لسلطة من هو أشد عقابا.

في صورة أخرى أشد إيلاما لهذا المكان نجد: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا )، (الفرقان: 11-14). فهنا ليست القوانين ولا القائمين على تنفيذها، تحيط بمن في هذا المكان العداء، بل حتى أشياءه تمتلك الحس من أجل تحقيق العذاب؛ فالنار هنا تسمع وترى وتلمس وتزمجر وتغتاظ؛ مما يدخل هؤلاء الشخصيات في أشد لحظات العذاب قسوة، حين تقفل جميع الطرق ويرمى الإنسان في مكان ضيق، فيبدر ما هو أشد إيلاما للنفس وهو الدعاء على الذات بالهلاك النهائي للتخلص من هذا البلاء؛ فأي فضاء أكثر عداء وإيلاما من هذا الفضاء، وأي مكان آخر يمكن أن يتحقق فيه العذاب بمثل هذا الشكل؛ فالوصف هنا أبرز الحدث وصور فضاء المكان، بما يوازي فعل الشخصية الذاتي والموضوعي، وبما يجعل فضاء هذا المكان جزءا من العذاب والعذاب أوسع منه؛ ولن ينفعهم التلاحي ولا الدعاء على أنفسهم، فالاعتراف بالحقيقة هنا ستترتب عليه العقوبة التي تمتد بامتداد الزمن: ( وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم ٌ)، (إبراهيم:21-22). وهنا اعتراف طويل لأن الحدث: "يستدعي التمهل والتطويل ليتم التأثر والتأثير"(20)، وهو ما يتساوق مع فضاء هذا العذاب في الطول والكثافة، عبر توظيف السرد للعذابات الداخلية والخارجية، للكشف عن أثر الحدث في الشخصية، وأثره في رسم الفضاء.

السجن مكان آخر يحوي الآلام الإنسانية عبر التاريخ، وأشد الناس عذابا فيه من هم أكثر توقا للحرية والاستقلال والصدق "فما أن تبدأ أقدام النزيل عتبة السجن مخلفا وراءه عالم الحرية حتى تبدأ سلسلة العذابات ولن تنتهي سوى بالأفراج عنه وأحيانا فإن آثارها تظل ملازمة له لمدة طويلة"(21)، وقد لا تنمحي إذا ما وصل الجلاد إلى قعر الروح، بيد أن الشخصية في السرد القرآني تراها متماسكة من الداخل، وذلك لعمق الإيمان الذي يغمرها بالانتصار فتمر سنوات المحنة؛ وكأن الشخصية لم تعشها، بل زادتها صلابة وتماسكا: ( لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)، (يوسف:10). فالسجن المصغر والعميق والمظلم، وفي أرض منقطعة، كان دلالة رمزية لسجون أخرى سيعيشها يوسف روحيا وواقعيا، بيد أن البشرى الإلهية حاضرة لتحفظ للشخصية تماسكها وجلدها: ( وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)، (يوسف:15). فهي ليست لعبة جمالية بل بنية سردية ستتوالد منها مركبات حدثيه يترابط عبرها السرد بكل عناصره حول الشخصية. وتتوالد الأحداث من بعضها، ويخير يوسف بين السجن وبين الفاحشة فيختار السجن؛ وهذا الاختيار جزء من بناء السرد للشخصية، فقد اختار السجن قبل أن يفرض عليه، ولذلك دلالته الرمزية ذاتيا وموضوعيا: (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)، (يوسف:35). ويسكت السرد عن أحداث السجن على طول الفترة التي قضاها في السجن، فمن إقرار السجن إلى رؤيا السجينين معه لم يحدثنا السرد عن أي حدث وكان يوسف قد التذّ حياة السجن على اقتراف الفاحشة، فطويت له السنوات فلم يشعر بوطأتها، وكذا لم يشتغل السرد بموقع السجن وأوصافه، بل شغل بالشخصيات داخل الجدران فهي المحرك الرئيس للحياة، وهي القادرة على صنع الحياة وليست السجون، فالإنسان أعلى قيمة من كل السجون؛ وما يدل على تماسك الشخصية أمام محن السجن، هو تأني يوسف في الخروج منه إلا أن تتم براءته، بعد أن أبدى تماسكا مهما وهو العيش ضمن إطار رسالته الروحية والدينية، وذلك ظهر لنا من خلال سرد تأويل رؤيا السجينين وما تبعها من الدعوة إلى الإيمان والوحدانية، وهي كلها أحداث تسهم في بناء الشخصية والسرد معا؛ فالإقامة الإجبارية في هذا المكان بكل أبعاده الفضائية، الواقعية والمتخيّلة، لم تنل من ذات الشخصية، ولا فكرها، بل زاد من قوتها وعلمها.

نلتقي القصة القرآنية مع مكان (متحرك)، تمت الإقامة الإجبارية فيه لتجنب فيض الأرض والسماء، وهو سفينة نوح التي تشبه في محدوديتها وضيق مجالها وفضائها المغلق، وترهلها - حيث جمعت من كل زوج من الخلق زوجين اثنين - فضاء السجن المغلق والمحدود والمكتظ والمغلق، على الرغم من أنها كانت طوق نجاة، ولكنها مثل كل أشياء الوجود لابد أن تحوي الشيء ونقيضه، فالقلق لا يفارق مكان موجُه كالجبال: ( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)، (هود: 42-43)، فالقلق لا يفارق حتى شخصية مثل نوح تأمل النجاة عبر رحمة الله، من هول ما يحيط بالسفينة، وفضاء الخوف والرعب ذلك اليوم.

 

5. فضاء الاختلاف

إن وصف المكان في القصة القرآنية يأتي من خلال تأثيث المشهد العام للحكاية بصورة المكان بدلالات لفظية أو حدثية، فالمدينة يملؤها الرعب في مصر/فرعون، ولذلك يأمر الحق موسى وهارون دخول المدينة مع تطمين لهم، بأن يكونوا (آمنين)، ويعكس هذا التطمين وخوف الأنبياء، صورة المدينة التي تعج بالخوف والقهر والتسلط، وهذه صورة موجزة توحي بصورة عريضة في دلالاتها العميقة؛ وهي مقدمة لتشيكل صورة الخلاف الذي سيعم المدينة بعد دخول موسى إليها، وانقسام أهلها بين مؤيد لفرعون وآخر لموسى، وهو تشكيل دأب السرد القرآني على قصه عن حال الأنبياء مع أقوامهم؛ وهي الثيمة الرئيسة في حياة جميع الأنبياء ينبني عليها القصص القرآني، إذ ترتسم عبر هذا الخلاف، صور المكان وما يعج به من رؤى وطروحات وتصورات للكون والحياة، وللماضي والحاضر والمستقبل، في (بانوراما) سردية تكشف عن طبائع كل فترة تاريخية، وما يدور في أذهان الناس من تصورات ورؤى، فضلا على ما يأتي على ألسنتهم من حجج ومجادلات، تكشف عن هوياتهم وهوية المكان والمرحلة الزمنية، مما يقرب السرد هنا من كونه وثيقة تاريخية يمكن تلمس خصائص فكر وتصورات كل مكان من خلالها: ( اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى )، (طه: 42-47). هذا الحدث سيفجر الخلاف في المدينة وسيجعل فضاءها مملوءا بالتهديد والوعيد؛ فغضب فرعون يعني غضب أمة من الناس ممن معه؛ وستؤمن طائفة أخرى بأن ما جاء به موسى هدى( :... وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ)، (السجدة: 23)، مما يعم الفضاء جدلية (الإيمان/الكفر)، في كل أرجاء المدينة منذ تلك اللحظة حتى يسدل الستار على القصة في البحر، وعبر مواقع ومناسبات وأماكن شتى، فمنذ أنبأ موسى فرعون بالخبر: ( وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (الأعراف: 104-105)، تفجر الخلاف وتفجر فضاء المدينة معه بعد عرض البيّنة التي جاء بها موسى، إذ سارع قوم فرعون إلى رد ذلك إلى ما يسود المدينة: ( قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ )، (الأعراف: 209). هذا الرد هو صورة لما يسود فضاء المدينة من السحر وأنه مبلغ علمهم، مما يكشف عن طبائع وأبعاد الشخصيات التي تعم المكان، ويكشف عن نمط تفكير وبنية فضاء محددة. ولم يكتفوا بهذا الوصف بل رموه بالدسائس والمؤامرة، وهو ما يكشف عن طبائعهم وما تمرسوا عليه من سلوكيات ومواقف: ( يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) (الأعراف: 110)، وهنا يكشف السرد عن فضاء المدينة وما حولها وينبأ عن البنية الداخلية للشخصيات، وكيفية تعاملهم مع أشياء الوجود: ( قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيم )، (الأعراف: 111-112).

فأنحاء المكان واسعة، مما يلزم أن يدفع بحشر من الناس إلى كل مكان، الذي يعمه على سعته وتباعد أنحائه السحرة، مما يوحي بسيادة فضاء واحد على هذه الأماكن، كون في كل منها يعم السحر، والذي يكشف ممارسوه عن خصيصة أخرى من خصائصه فضلا عن السحر، فهناك المنظور المادي الذي يهيمن على هذه البقعة: ( وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) (الأعراف: 113)، فهم لم يلتفتوا إلى ما في دعوة موسى من روحانية، وانصب اهتمامهم على القضية المادية وهو شكل من أشكال جدلية هذا المكان بين (المادية/ الروحية)، وهو جزء من الاختلاف الحاصل بين السلطة ومناوئيها؛ وهو كذلك بنية سردية ترصد الحدث والشخصية وتساعد في تطوير بنيتها، عبر هذه الجدلية التي ستدخل في خضم أحداث ومواقف أخرى يجلبها حدث إيمان السحرة برب موسى، وجدلهم واختلاف مواقفهم معه، حتى قال جمع من آل فرعون في موقف ينبأ عن بنيتهم الفكرية والنفسية، بصورة العناد النهائي لرسالة موسى: ( وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ )، (الأعراف: 127). وهي صور سردية ترسم طبائع فرعون وقومه تقابلها صورة موسى وقومه، في نوع من الاختلاف في الأفكار والمواقع: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، (الأعراف: 128). فصورة هذا الاختلاف تأتي على مستوى الأقوال والأفعال بالشكل الأتي:

 

فرعون                   موسى

1 سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم     1 استعينوا بالله واصبروا

2 إنا فوقهم قاهرون    2 إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده

 

فهي جدلية الغرور والتكبر (طغيان الأنا وتضخمها)، مع الإيمان والتواضع التي ترسمها الاستعانة بالله، وهي صورة جاءت بهذا الاختلاف:

 

فيظهر في الصورة مدى تضخم ذات فرعون وغروره إذ يقف موازيا لله، وتواضع موسى عبر التخفي وراء الله. وهي جدلية وخلاف، ستظهر في الثنائية المتضادة في نهاية فرعون، فشكلت نهايته صورة لجدلية خلافية أخرى، وهي الموت/ الحياة. فشكلت بذلك أماكن المدينة ويوم الزينة والسحر صور الاختلاف في فضاءات السرد القرآني، بما ينبأ عن شكل بنية الحدث والشخصية فضلا على الفضاء.

في صورة أخرى من صور فضاء الاختلاف نجد الاختلاف الإيجابي يؤطر قصة داود مع قومه، رغم حالات المد والجزر التي أخذ بها الحوار بين الطرفين:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ...)، (البقرة:246-251). فهي صورة سردية تشكّل الحدث والشخصية فيتشكّل عبرهما فضاء المكان وكما في الشكل الآتي:

 

 

 

الشخصية                                  الحدث

1 البحث عن ملك (نقص في الشخصية)       ←     1 القتال في سبيل الله/(توقع نبيهم ألا يقاتلوا)، (رغبة)

2 ربط الرغبة بالقتال بـ: الخروج من الديار والأبناء (مسافة بعيدة بين الطرفين) ←         2 صدق حدس نبيهم لم يقاتل إلا أقلهم (ترابط سرد)

3 الاعتراض على ذلك (علة مادية)   →     3 بعث طالوت ملكا عليهم

4 سكوت عن سرد الرد         →     4 نزول آية ملك طالوت (التابوت وبقايا موسى وهارون)

5 شرب الماء إلا القليل منهم (تفاعل الشخصية والمكان)

→     5 الابتلاء بالنهر (جريان النهر بالمكان)

(اجتياز النهر)

صورة للمكان تؤثث الحدث والشخصية وهو حد فاصل بين صورتين

6 ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين

(رسم داخلي لفضاء الشخصية)        6

→     البروز لجالوت وجنوده

(أنتجت صورة للمكان)

"فهزموهم بإذن الله"، و"قتل داود جالوت"،

و"آتاه الله الملك"، و"علمه مما يشاء".

(معركة توحد الشخصية والحدث والمكان مؤطرة بزمن)

فنلاحظ في فضاء هذا المكان غلبة الحدث على الشخصية، فكان أكبر أثرا في رسم فضاء المكان، وذلك يظهر من حركة الأسهم، ومن السرد الذي جعل النصر بسبب من:" إذن الله".

وهذا الاختلاف يمكن أن نجد صورة له في السرد القرآني، لخلاف شعيب مع قومه، أو نوح مع قومه، أو إبراهيم.....الخ؛ إذ تأطر خلاف هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم، بالخلاف القائم على جدلية (الكفر والإيمان)، فأضفى ظلاله على (الحدث والشخصية) فكان جزءا من بنية المكان.

 

د.رياض الناصري - جامعة بغداد-كلية الآداب

 .............................

الهوامش

(1) تحليل النص السردي(تقنيات ومفاهيم)، محمد بو عزة: 99.

(2) ما وراء الواقع في رواية (الزهرة الصخرية):32.

(3) مشكلة المكان الفني، يوري لوتمان: 69.

(4) نفسه.

(5) بناء الرواية، سيزا قاسم: 76.

(6) المكان في الشعر العربي قبل الإسلام: 17.

(7) ينظر: الفضاء الروائي، حسن بحراوي، جريدة الجمهورية، ع 7408 سنة 1989: 5.

(8) بناء الرواية: 115.

(9) بنية الشكل الروائي، حسن بحراوي: 32.

(10) دلالة المكان في مدن الملح: 32.

(11) نقلا عن، بنية الشكل الروائي: 27.

(12) مدخل إلى علم السرد، مونيكا فلودرنك: 89.

(13) المكان في النص: 71. ضمن: الفضاء الروائي، مجموعة باحثين، ترجمة: عبد الرحيم حُزل.

(14) تحليل النص السردي: 100.

(15) نفسه: 101.

(16) الفضاء الروائي:5.

(17) نفسه.

(18) جماليات المكان، باشلار: 43.

(19) ينظر معضلات الفضاء، رولان بورنوف وريال أويلي، ضمن: الفضاء الروائي:109.

(20) المكان في النص، ضمن: الفضاء الروائي:72.

(21) مشاهد القيامة في القرآن، سيد قطب: 51.

(22) بنية الشكل الروائي: 55.

 

husny ibrahimabduladimمقدمة: ظهر الإسلام في مطلع القرن السابع الميلادي (بدأ نزول الوحي على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في عام 611 ميلادية)، وكان آخر الأديان السماوية، فاكتمل به الوحي، وتمت شريعة الله إلى عباده، ولذلك فإن الإسلام لم يكن دعوة دينية فقط، وإنما كان في جوهره حركة إنسانية حضارية راقية، فقد أثار عقول العرب وأفئدتهم، وقلب أوضاع الجزيرة العربية رأسا على عقب، فأحدث تغييرا اجتماعيا شاملا، فاعتناق العرب للإسلام لا يعني مجرد القضاء على بعض العادات والأعراف التي كانت سائدة بينهم، وإنما كان تحولا كاملا لمُثل الحياة، وتغيرا عميقا في المفاهيم والغايات وقيم الأشياء.

لقد كان نزول الإسلام حدثا عالميا ترتبت عليه نتائج هائلة لم تقف عند الحدود الجغرافية للبلاد التي شهدت بزوغه، بل تجاوزت تلك الحدود إلى ما ورائها، واستمرت تأثيراتها الفكرية والروحية تنتقل من بلد إلى بلد، ومن عصر إلى عصر حتى فرضت نفسها على تطور الحضارة الإنسانية.

لقد قدم الإسلام رؤية محددة ومتميزة عن الواقع الاجتماعي والطبيعي، وطرح تصورا  عن الله عز وجل مغايرا عما طرحته الديانات السابقة عليه، وبذلك فقد جاءت تعاليم الإسلام مرتبطة برؤيته العامة للعقيدة، وتصوره للإنسان والمجتمع، واستنادا لتلك الرؤية وهذا التصور، جاء الفكر الاجتماعي معبرا عن ذلك تعبيرا واضحا.

وسوف نناقش في هذا السياق الفكر الاجتماعي في الإسلام من خلال المحورين التاليين:

1- ظهور الإسلام وتأثيره في تطور الفكر الاجتماعي.

2- نماذج من الفكر الاجتماعي الإسلامي.

أولا: ظهور الإسلام وتأثيره في تطور الفكر الاجتماعي:

ينظر الباحثون إلى ظهور الإسلام باعتباره حدثا تاريخيا مهما، لما كان له من أثر واضح في تغيير الواقع الإنساني في ذلك الوقت، وامتد ذلك الأثر قرونا طويلة، حيث أحدث الإسلام تغيرا لافتا في المناطق التي دخلها، وبانتشار الإسلام في العالم، انتشرت مبادئه وقيمه، وهي تلك المبادئ والقيم التي أسهمت في تطور الفكر الإنساني، وقيام حضارة عريقة تجمع بين النواحي الدينية  - الأخلاقية، والنواحي الاجتماعية – المادية.

ولقد كان القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة المصدرين الأساسيين للفكر الاجتماعي الإسلامي، حيث طرحا العديد من الأفكار  والرؤى الحاسمة للعديد من القضايا والمشكلات التي كانت تشغل الواقع الاجتماعي في ذلك الوقت، ومثلت هذه الرؤى قاعدة ثابت للتعامل مع كافة المتغيرات التي واجهت المسلمين على مدار تاريخهم الطويل.

ينطلق الفكر الاجتماعي الإسلامي من تصور الإسلام لله تعالى وتصوره للإنسان والمجتمع، وفلسفة الوجود الإنساني على الأرض، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وأهمية العقل في فهم الظواهر الطبيعية والاجتماعية التي تحيط بالإنسان، وهذا ما سنكشف عنه فيما يلي.

 

1- التوحيد جوهر العقيدة الإسلامية:

يمثل التوحيد في التصور الإسلامي ذروة ما بلغته البشرية في مسيرتها بصدد تطور العقيدة،  فهو لم يخلص العرب من الوثنية فحسب، وإنما عدل تعديلا جوهريا في التصورين اليهودي والمسيحي بصدد الألوهية:  الاعتقاد اليهودي في إله يستوي مع البشر في صفاته الجسمية والنفسية بما يعرف بالتشبيه والتجسـيم، والتصـور المسـيحي الذي يضفي الألوهية على إنسان. فجاء التصور الإسلامي توحيدا خالصا لله في الذات والصفات، وتفهم ذات الله وصفاته في إطار قوله تعالى ( ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير) لقد كان التصور الإسلامي لله تعالى وسطا بين التصورين، (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) (البقرة 143) ومع ارتقاء الاعتقاد كان لابد أن يرتقي فكر الإنسان، ومن ثم ترتقي الحضارة.

إن جوهر التوحيد وفق التصور الإسلامي يعني الإيمان بالله : الإيمان بأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون كل ما سواه، لكونه خالق العباد والمحسن إليهم والقائم بأرزاقهم والعالم بسرهم وعلانيتهم، والقادر على إثابة مطيعهم وعقاب عاصيهم، ولهذه العبادة خلق الله الثقلين – الإنس والجن -  كما قال تعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أٌريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) الذاريات : 56-58، وقال أيضا: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون(22) سورة البقرة.

جاء الإســلام – إذن -  بعقيـدة جديدة، يجتمع إليها العقل والقلب جميعا، تصحح ما تردى فيه الناس من أخطاء في فهم الرسالات والعقائد السابقة، كان الناس بحاجة إلى دين يؤكد وجود الله، وأنه خالق الخلق، و أنه الكامل المتفرد بالكمـال، بيده الأمـر وهوعلى كل شيئ قدير، ويؤكد على وحدانية الله وتنزيهه توكيدا يقضي على عقابيل التعـدد في تصور الإله، حتى لا ينزلق الناس إلى التجسيم الذي طالما وقعوا فيه بعد كل دعوة للتوحيد بســبب غلبة الحس عليهم.

وهكذا يؤسس الإسلام قواعد العقيدة الصحيحة التي تمثل حجر الأساس لحياة الإنسان في الأرض، لكي يكون خليفة فيها، يعبد الله في هذه الأرض ويعمرها، ويؤسس فيها ما يشـــاء من نظم اجتماعية وسياسـية واقتصادية.

 

2- تصور الإسلام لفلسفة الوجود الإنساني:

فيما يتعلق بتصور الإسلام لفلسفة الوجود الإنساني، نلاحظ أن الإسلام قد طرح تصورا مغايرا للمسيحية  سـواء بصدد فلسفة الحياة على الأرض أم بصدد المثل الأعلى للإنسان، فلم يكن نزول آدم إلى الأرض عقوبة على خطيئة، وإنما ليكون خليفة في الأرض دون الملائكـة،:"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" ســـورة البقرة 30، ورفض الإسلام حياة الرهبنة، ليستبدل بها عمارة الأرض:" هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" سورة هود 61, فالمثل الأعلى للمسلم هو العالم العامل بعد أن كان الراهب الناسك.

رفض الإسلام عقيدة الخطيئة الأولى، واعتبرها فكرة غير عادلة، فكيف يحاسب الأبناء على خطأ ارتكبه أبوهم، وكيف لله بجلاله وعظمته أن ينزل من عليائه ويجعل نفسه ندا لآدم ذلك المخلوق الضعيف، ألا يملك بجلالـه وعفوه ورحمته ومغفرته أن يسامح ذلك المخلوق بكلمة واحدة؟

إن آدم ( القرآني) هو الإنسان الذي أخطأ بعصيان الأمر الإلهي، ثم أدرك خطأه وتاب أمام الله بمعونة من الله:( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) البقرة 37،  فليس ثمة نقمة إلهية تجاه البشر، وليس ثمة خطيئة أزلية ارتكبها آدم وورثها بنوه من بعده؛ لأن ذرية آدم من عموم البشر، لم يشهدوا الخلق الأول ولم يعصوا الأمر الإلهي، ومن ثم لاتجوز محاسبتهم على ما لم يرتكبوه، حسبما تنص الآية القرآنية:( ولا تزر وازرة وزر أخرى) سورة الأنعام 164،وسورة الإسراء 15،وسورة فاطر 18، وسورة الزمر 7.

والحقيقة أن خلافة الإنسان على الأرض، ورفض فكرة الخطيئة الأولى - تعني – وفق التصور الإسلامي -  أمرين:

الأول: المكانة المرموقة للإنســان الذي اجتمعت فيــه على حد تعبير ابن عربي (كمالات الوجـــود كلها الروحية والفكرية والمادية، بما لم يجتمع لمخـلوق آخر حتى الملائكة)، الثاني: أن الخلافة تقتضي أن يفوض الإله – بمشـيئته المطلقة – للإنسان الحرية من أجل عمارة الأرض، بعد أن علمه – دون سائر ملائكته – الأسماء كلها، وبالعلم اكتشف الإنسان الكون، وهكذا أشـــاع الإسلام نظرة للحياة متفائلة، بديلا عن التصور اللازم عن الخطيئة الأصلية في المسيحية.

 

و هكذا كانت نظرة الإسلام للحياة على الأرض بأنها ليست عقوبة على جـريمة، مع مـا يرتبط بمفهوم العقوبة من قسوة وضيق وكآبة، وإنما الحياة على الأرض مليئة بالغبطة والسـعادة في حدود المنهج الإســلامي الإنساني، ولكي تكتمل السعادة في الحياة الدنيا لابد أن يزود الإنسـان بالملكات والقدرات التي تؤهله للعيش والتفاعل والإنجاز وأهم تلك الملكات وأعظمها هو العقل.

لقد كان الإسلام ثورة عالمية عقيدية واقتصادية واجتماعية، وفكرية أيضا، وكان من البدهي أن يأتي بتصورللحياة و للتاريخ البشري في ماضيه وحاضره ومستقبله، وبمعنى آخر اكتسب الوجود الإنساني قيمة أفضل مما انطوت عليه اليهودية بنزعنها العنصرية الضـــيقة، والمسيحية التي ترى في الحياة الدنيا قنطرة عبور للأخرة ليس إلا.

وليس أدل على تبجيل الإسلام للواقع الإنساني المعيش، من اعتبار السلوك البشري إبان الحياة الدنيا هو المدخل الأساسي للحياة الأخرى، قال تعالى ": ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا  يره" سورة الزلزلة 7 -8، كذا دعوته الصريحة لإعمال العقل في تدبيرشئون الخلق دون حدود،(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) سورة العنكبوت 20 هذا فضلا عن تحديد مسئولية البشر وحرية إرادتهم فيما يصنعون، بحيث يصبح التاريخ الإنساني من صنع الإنسان، وبالتالي إبراز قدرة الإنسان على صنع مصيره دون أن يتعارض ذلك مع قدرة الله على الخلق.

لم يقدم الإسلام هذا التصور الجديد للإنسان فحسب، بل سخر الله له جميع مخلوقاته في البر والبحر، وبذلك تهيأت له أسباب التفوق والتمكن في حدود قدراته وطاقاته العقلية والبدنية، وقد لفت القرآن الكريم في آيات كثيرة نظر المسلم إلى ظواهر الكون طالبا منه النظر والتدبر:(الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا) و(واعتبروا يا أولي الأبصار) و(هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) و(إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) والنظر يؤدي للعلم، وبالعلم تنشأ الحضارات.

بعد كل ذلك آثار الإسلام كل ما يستثير همة المسلم ويفجر طاقاته؛ ليتوفر تحد كاف لإثارة مواهبه وقدراته، إذ لا تتقدم الحضارة إلا استجابة من الإنسان لتحد يستثير الهمم ويفجر الطاقات الروحية والفكرية والمادية فيه. وهكذا بعد أن كرم الله الإنسان وفضله على كثير من خلقه بالعقل، وبعد أن سخر له كل ما في الكون، وجعله خليفة، آثر الإنسان أن يخوض التجربة بنفسه، فحمل ما أبت السموات والأرض والجبال أن تحمله إشفاقا – كناية عن عظم ما أقبل عليه الإنسان – في التصور الإسلامي، كلفه الله بتكاليف عقلية وشــرعية بعد أن منحه الحرية. فإن أضيف إلى ذلك عوامل جغرافية وأخرى تاريخية، تجمعت بذلك عوامل التحدي والاستثارة، مع أسباب الإيمان والقدوة الحسنة في شخص النبي الكريم – عليه السلام – تتكاتف هذه جميعا وتتعاضد لقيام حضارة عقب ظهور الإسلام.

في إطار هذه الحضارة، ظهر الفكر الاجتماعي نابعا – كما أسلفنا – من العقيدة الإسلامية القائمة على التوحيد، ومرتبطا بالقيم والأخلاق المنبثقة من تلك العقيدة، والتي تجلت من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وهما المصدران الأساسيان للفكر الإسلامي، ومنه بالطبع الفكر الاجتماعي.

3- العقل مناط التكليف والتشريف أيضا:

لقد جعل الإســلام العقل للدين أصلا، وللدنيا عمادا، فعلق الدين الصحيح على كمال العقل، وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه، حتى أصبح العقل في الإســلام ينبوع الفضائل والآداب، ولولا ما جاء في القرآن الكريم والحـديث الشـريف من حض على التفكير والعلم لما رأينا هنـاك فرقـا تدعو إلى الاعتمـاد على العقل في تدبير الحياة الإنسـانيـة كالمعتزلة، الذين قالوا بالتوحيـد والعـدل، والوعـد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وذهبـوا إلى أن العقل نور في القلب يعرف الحـق من الباطل، والخير من الشر، والحسن من القبيح.وكعلماء الكلام الذين سلموا أولا بصحة العقائد تسليم مؤمن بها من الشرع، ثم حاولوا دعمها بالأدلة العقلية.

إن الإنسان في التصور الإسلامي  - كما بينا في موضع سابق - كائن مكلف (بفتح اللام) استخلفه الله لتعمير الأرض، وزوده بكل الإمكانيات التي تســاعده على القيام بهذه المهمة وتيسرها له، فمنحه العقل ليميز بين الخير والشر، ومنحه قبل ذلك القدرة والاستطاعة ليتمكن من تنفيذ أوامر الله ومن اجتناب نواهيه، والعقل بدون القدرة والاستطاعة لا فاعلية له، لأنه يحتاج إلى القدرة على الفعل لكي يتوصل للمعرفة، وقدرة العقل على الفعل ليست إلا قدرته على الاستدلال والانتقال من مستوى المعرفة البدهية إلى مستويات معرفية أعقد عن طريق القياس والنظر في الأدلة، هذا النظر في الأدلة فعل ذهني لا يتحقق إلا بالاستطاعة والقدرة، وهذا ما يعبر عنه الجاحظ بقوله: "إن الفرق بين الإنسان والبهيمة والإنسان والسبع والحشرة، والذي سير الإنسان إلى استحقاق قوله تعالى (وسخر لكم ما في السوات وما في الأرض جميعا منه) (الجاثية  13) ليس هو الصورة، وأنه خُلق من نطفة، و لا أن أباه خُلق من تراب، ولا أنه يمشي على رجليه، ويتناول حوائجه بيديه، لأن هذه الخصال مجموعة في البله والمجانين، والأطفال والمنقوصين، والفرق إنما هو في الاستطاعة والتمكين، وفي وجود الاستطاعة وجود للعقل والمعرفة.

إن العقل في نظر علماء الكلام والفلاسفة المسلمين هو الوسيلة التي يتعرف بها الإنسان على الكون من حوله، وهو الوسيلة التي يعقل بها الأشياء، فيتأمل هذا العالم الظاهر بجزئياته المتعددة، وعن طريق هذا التأمل والتفكر يصل إلى ما في بناء العالم من نظام، وإلى ما وراءه من حكمة، ويصل من ثم إلى معرفة الله سبحانه وتعالى، وأنه مفارق لكل صفات هذا العالم ومنزه عنها، وهذه المعرفة العقلية تصل إلى ضرورة شكر المنعم المتفضل بطريقة ما.

هذا هو تصور المعتزلة والفلاسفة لحركة العقل المعرفية في تصاعدها من جزئيات العالم المدرك الحسي وصولا إلى الكليات العقلية والمفاهيم المجردة، ولا تكتمل جوانب المعرفة إلا بالعمل الذي يتطلب القدرة والاستطاعة، وينتهي بالإنسان إلى النجاة من العقاب والفوز بالنعيم الدائم في جنات الخلد عند المعتزلة، أو في خلود النفس عند الفلاسفة. هكذا وصل حي بن يقظان عند ابن طفيل للمعرفة والعمل بعقله المجرد، وتأمله الخالص دون أن يعرف لغة من اللغات أو يتواصل مع غيره من البشر بأية وسيلة من وسائل الاتصال. وهكذا يتصور المعتزلة أن التكليف العقلي سابق على التكليف الشرعي، وأن المعرفة العقلية شرط لفهم الشرع، وهو ما عبروا عنه بأسبقية العقل على النقل.

 

4- رؤية الإسلام لبعض القضايا الاجتماعية العامة:

وردت في القرآن الكريم والأثر النبوي الشريف إشارات عديدة تكشف عن العديد من القضايا الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالواقع الاجتماعي بتجلياته المتنوعة، وتوضح رؤية الإسلام وتصوره للعديد من القضايا الإنسانية، وتبين منهج الإسلام في التغير الاجتماعي، ويمكن توضيح ذلك ببعض الأمثلة البسيطة والعاجلة فيما يلي:

1- الأصل الإنساني الواحد وتنوع الأمم والشعوب: يؤكد الإسلام على أن البشرية تنتمي لأصل واحد وهو آدم عليه السلام، ومع التطور البشري حدث تنوع فائق في مختلف جوانب حياة الإنسان، فنشأ العديد من الشعوب والأمم، وتطورت اللغات واللهجات، وتنوعت الثقافات والحضارات، وتعددت العادات والتاليد وأساليب الحياة. قال تعالى في صدر سورة النساء: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) وجاء في سورة الحجرات: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر  وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) وبناء على ذلك رفع الإسلام مبادئ وقيم إنسانية رفيعة كالحرية والعدالة، فلقد أكد الإسلام دوما على حرية الفكر والعقيدة والعمل، وثمة إلحاح متواصل على حرية العقيدة، كما جاء في سورة الكهف: (ول الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وفيما يتعلق بالعدالة، رفع الإسلام راية المساواة بين البشر على أساس أصلهم الواحد، ولا تمييز بين الناس على أساس اللون أو الجنس أو الطبقة أو السلالة، بل الأساس هو تقوى الله والعمل الصالح، فلا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى، والتقوى ترتكز أساسا على ترجمة الإيمان لعمل صالح.

2- طرح الإسلام العديد من الأفكار والرؤى حول النظم والظواهر الاجتماعية المختلفة كالأسرة والزواج واللغة والطلاق والاقتصاد والسياسة والأخلاق، وقد خلفت تلك الأفكار فكرا اجتماعيا منظما تمثل في ظهور منظومة من العلوم المتقنة كعلم الفقه، وعلم الكلام، وعلم التفسير والحديث، كما برزت العديد من المذاهب والفرق الفكرية التي تباينت في مناقشة قضايا اجتماعية وعقدية كالعدل والتوحيد وعلاقة الخالق بالمخلوق وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

3- ألمح الإسلام إلى أن الظواهر الإنسانية – كالزواج والأسرة واللغة والثقافة تعد آيات من آيات الله في الكون، التي يجب على الإنسان أن يتفكر فيها ويدرسها بطرية منهجية ليعلم قدرة الله وفضله على البشر، فهذه الظواهر لا تقل في أهميتها وإعجازها عن الظواهر الطبيعية كالشمس والقمر والكواكب والبرق والرعد والأمطار، قال تعالى في سورة الروم: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليهاوجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (20) ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (21) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون(22).

4- طرح الإسلام منهجا في التغير الاجتماعي يرتكز على تغيير الإنسان لذاته من الداخل، من خلال تنمية ذاته ورفع قدراته وإمكانياته وتعديل مفاهيمه، قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد 11، وقال أيضا (ذلك أن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الأنفال 53.

5- لفت القرآن الكريم النظر إلى قصص الأمم والشعوب السابقة على الإسلام، وكشف عن السمات الاجتماعية والثقافية لهذه الشعوب، كما رصد أهم الأمراض الاجتماعية التي كانت سائدة بينهم، وأبرز القرآن الكريم عملية الصراع الاجتماعي والفكري بين الحق والباطل، وتناول بالتفصيل دور الأنبياء والرسل في إحداث تغيرات اجتماعية هائلة في مجتمعاتهم، وبيًن الصعوبات والتحديات التي كانت تواجههم، خاصة التمسك التراث والعادات القديمة المتوارثة، والتي تجسدها مقولة: (هذا ما وجدنا عليه آبائنا).

استنادا لكل القضايا السابقة برزت مجموعة من المفكرين الاجتماعيين المسلمين، أسسوا بعض النظريات والرؤى الاجتماعية، كانت إرهاصات مبكرة لنشأة علم الاجتماع، بل إن عبد الرحمان بن خلدون يعد  - في نظر كثير من الباحثين المحايدين – هو المؤسس الفعلي لعلم الاجتماع، وسوف نتناول في المقال القادم نماذج من الفكر الاجتماعي التي طرحها بعض العلماء المسلمين.

 

د. حسني إبراهيم عبد العظيم

....................

أهم المراجع:

- أحمد محمود صبحي وصفاء عبد السلام(1999) في فلسفة الحضارة (اليونانية – الإسلامية – الغربية) دار النهضة العربية، بيروت.

- بكر مصباح تنيرة، تطور الفكر السياسي في العصور القديمة والوسطى، جامعة قار يونس، بنغازي.

- جميل صليبا (1989) تاريخ الفلسفة العربية، الشركة العالمية للكتاب، بيروت.

- عبد المنعم الحفني (1999 ) موســوعة الفلسفة والفلاسفة، الجزء الأول، الطبعة الثانية، مكتبة مدبولي، القاهرة.

- محمود إسماعيل(2000) سوسيولوجيا الفكر الإسلامي: الجزء الأول طور التكوين،الطبعة السادسة، الانتشار العربي، بيروت.

- نصر حامد أبو زيد (2001) إشكاليات القراءة وآليات التأويل،الطبعة الثانية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.

-  نظمي لوقا(1959) محمد: الرسالة والرسول، الطبعة الثانية، دار الكتب الحديثة، القاهرة.

-  يوسف زيدان (2010) اللاهوت العربي وأصول العنف الديني، الطبعة الثانية، مكتبة الشروق، القاهرة.

 

ali jabaralfatlawiقال تعالى: (وأنزلْنا إليك الكتابَ بالحقّ مصدّقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عمّا جاءك من الحقّ لكلّ جعلنا منكم شِرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) المائدة: 48

  شِرعة لغة كما جاء في معجم الصحاح لاسماعيل الجوهري، (شرع: الشريعة: مشرعة الماء، وهو مورد الشاربة. والشريعة: ما شرع الله لعباده من الدين، والشِرعة: الشريعة ومنه قوله تعالى (لكل جعلنا منكم شِرعة ومنهاجا)...)

ومنهاج من نهج، يقول صاحب معجم الصحاح: (نهج: النَهْج: الطريق الواضح، وكذلك المنهج والمنهاج، وأنهج الطريق، أي استبان وصار نهجا واضحا بيّنا.. وقال أبو عبيدة: ولا يقال نهج، ولكن أنهج.)

 يقول الشيخ محمد جواد مغنية في (التفسير الكاشف):

(الشرعة والشريعة في اللغة هي الطريق إلى الماء، أو مورد الماء ثم استعملت فيما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام العملية، لأن كلا من الماء وأحكامه تعالى سبب للحياة، والمنهاج الطريق الواضح، وكلمة الشريعة أخص من كلمة الدين لأن الدين يشمل الشريعة وأصول الدين.)

 ويقول السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره (الميزان ج5) وهو يبين سبب نزول الآية (48) من المائدة، أن الآية الكريمة نزلت (في طائفة من أهل الكتاب – من اليهود – حكّموا رسول الله (ص) في بعض أحكام التوراة وهم يرجون أن يحكم فيهم بخلاف ما حكمت التوراة فيستريحوا إليه فرارا من حكمها .. لكن الرسول (ص) أرجعهم إلى حكم التوراة فتولوا عنه . . . والآيات مع ذلك مستقلة في بيانها غير مقيدة فيما أفادها بسبب النزول).  أي لا يتقيد حكم الآية بسبب النزول بل حكمها عام، وسبب النزول في هذه الآية أو غيرها من الآيات إنما هو أحد مصاديق معنى الآية، (لإن القرآن كتاب عام دائم لا يتقيد بزمان أو مكان).

ويقول الفقيه (جزايري): الشرعة والمنهاج في الآية والمنسك في قوله تعالى:

 (لكل أمة جعلنا منسكا هم سالكوه) الحج: 67 ،(هي الحدود التي رسمها الله تعالى في كل الرسالات الإلهية التي جاء بها الانبياء (ع)، وهذه الحدود والمنهاج والمنسك والشرعة هي الحلال والحرام والأحكام الإلهية أي هي الفقه والشريعة... نستفيد من الآية الكريمة أن الإنسان لن ينال القيمة الكبيرة والموقع الخطير الذي أعده الله تعالى له إلّا من خلال الالتزام الدقيق بحدود الله تعالى. أي نستفيد أن نتقي الله تعالى ونذكره، وهذا حثّ للانسان أن يسير في الطريق المستقيم الذي يرقى به إلى لقاء الله تعالى.)،ويقول صاحب (التفسير الكاشف) :

 (لكل جعلنا منكم شرعة شرعة ومنهاجا)، (خطاب لجميع الناس، أو للأمم الثلاث: اليهود والنصارى والمسلمين، وشِرعة الشريعة، هي الأحكام العملية التي يمتثلها الانسان طاعة لله، وابتغاء مرضاته وثوابه.. وهذه الآية نص في أن شريعة الله لم تكن واحدة لكل الناس في كل العصور وأنها كانت فيما مضى مؤقتة بأمد محدود، وأن الأديان تتفق وتتحد في أصول العقيدة فقط، لا في الشريعة.)

 

ماذا نستوحي من الآية الشريفة؟

نستوحي أن الإختلاف سُنّة إلهية، وهو مظهر لاستمرار الحياة، ولا يعد إختلاف إنسان عن آخر مبررا لهجوم المختلفين بعضهم على البعض الآخر، وأن من يحكم بين المختلفين الله وحده ورسوله الكريم (فاحكم بينهم بما أنزل الله)، وأنه تعالى هو الهادي والحاكم بالعدل، والنبي (ص) هو من يبغلّنا ما يريد الله منّا، ومن بعده الأئمة الأطهار (ع)، فهم من أناط الرسول (ص) إليهم مسؤولية الاسلام من بعده بتكليف إلهي، فهم معصومون في التسلّم من الرسول (ص)، وفي تسليم وتبليغ الاسلام سالما من التغيير والتزييف والتحريف بلطف ربّاني.

 الله تعالى أراد لخلقه أن يكونوا مختلفين.(ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة)، لكن حكمته اقتضت ذلك (ليبلوكم).الله تعالى خلقنا وخلق الكائنات أجمع وخلق الكون وفق إرادته ومشيئته، وخلق  لمخلوقاته سننا وقوانينا منظورة وغير منظورة لاستمرار الحياة، والإنسان تميّز عن باقي المخلوقات أنه يسير وفق منظومتين من السنن والقوانين، الأولى: منظومة السنن الخلقية القهرية التي تعمل خارج الإرادة، والتي يتوحد فيها مع بقية المخلوقات في خضوعها لسنن الله القهرية الفطرية الغريزية، وجميع أجهزة الانسان وحواسه تعمل وفق هذه المنظومة، فاجهزتنا الداخلية مثل الجهاز العصبي أو الهضمي والحواس كحاسة السمع والبصر إلى غير ذلك من الحواس والاجهزة تعمل وتؤدي دورها خارج إرادة الانسان، في هذا الجانب يتوحد الانسان في الخضوع لقوانين الله وسننه قهرا مع بقية المخلوقات، وهذا القهر الخلقي هو علّة استمرار الحياة، وهذه السنن والغرائز تنتقل من جيل إلى آخر وفق قوانين الوراثة التي خلقها الله تعالى، وأي تغيير أو خرق في هذه السنن والقوانين الطبيعية التي أودعها الله في مخلوقاته تظهر نتائج جديدة وفق سنن وقوانين أخرى كلها من خلقه وتحت إرادته ومشيئته تعالى، وقد تكون نتائج التغيير إيجابية، وقد تكون سلبية تؤدي إلى الهلاك حسب المسارات الخلقية تحقيقا للإرادة والمشيئة الإلهية، ولن يحصل تعطيل أو خرق في القوانين والسنن الفطرية الخلقية والنتائج المتولدة منها إلا بإرادة إلهية مباشرة، ومثل هذا الامر يسمى اصطلاحا بالمعجزة.

قال تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) يس: 82

وقد تحقق مثل هذا الأمر لأنبياء الله تعالى، منهم نبي الله إبراهيم (ع) عندما أُلقي في النار، إذ لم تحرقه النار (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) الانبياء: 69

 أما المنظومة الثانية من السنن والقوانين، فهي التي يكون فيها الانسان حرّا في الاختيار، ويكون أيضا مسؤولا عن فعله ونتيجته سواء كانت النتيجة متوافقة مع إرادة الفاعل أو غير متوافقة، وقد جاء في القرآن عدد من الآيات التي أشارت إلى هذا الجانب منها: (ربّنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل) فاطر: 37

 (إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) المائدة: 48

 (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) الكهف: 29 

(من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون) الروم:44

 (ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم) لقمان: 23

  نستوحي من الآيات، أن الله تعالى ترك للإنسان حرية الاختيار في معتقده وفكره ودينه، وحمّله مسؤولية فعله، لكن الرحمة الإلهية دائما ترعى الإنسان ولن تتركه لذاته، بل دائما ما يذكرنا الله تعالى بطريق الخير ويدفعنا إليه بوسائل عديدة منها الفوز بالجنة في الآخرة، ويحذرنا من طريق الشرّ وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة، يحثنا ولا يجبرنا، يحذرنا ولا يُكرِهنا، ويبصّرنا بطريق الخير الذي يوصلنا إلى نعيم الجنة، كذلك يحذرنا من طريق الشر الذي يؤدي بنا إلى عذاب النار في الآخرة، إنه تعالى رؤوف رحيم، فأرسل الانبياء مبشرين ومنذرين، لكنْ من غير إكراه، قال تعالى:(لا إكراه في الدين قد تبين الرّشد من الغيّ) البقرة: 256

 الإنسان مخير بين أن يؤمن أو يكفر، وحتى المؤمنون بالله ليسوا من لون واحد،  تعددت الأديان، بل تعددت المذاهب في الدين الواحد، وهذا الإختلاف سُنّة إلهية لابد وأن تتحقق بقوانينها ونتائجها، علينا أن نفهم أن الإختلاف إرادة وسنّة إلهية، الله تعالى أراد للإنسان أن يختار الشِرعة والمنهاج الذي يريد من غير جبر أو إكراه، لكن هل يدرك الانسان هذه الحقيقة؟ الكثير من الناس للاسف يتجاهلون حقيقة الاختلاف، إذ نرى التهديد بين المختلفين، وعدم قبول الآخر، خاصة من قبل أدعياء الدين من التكفيريين، والله تعالى يقول: (لكلّ جَعلْنا منكم شِرْعة ومنهاجا).

الآية الكريمة تفنيد لمزاعم التكفيريين الذين يدّعون احتكار الدين واحتكار الحقيقة، فهم يسقطون كل فهم يختلف عن فهمهم، ومنبع التكفير هو المذهب الوهابي، وكل مسلم لا ينتمي لفكرهم فهو كافر أو مرتد، فأنتجوا وفق هذه الرؤية الوهابية المتخلفة العشرات من منظمات الإرهاب التي تريد فرض الفكر الوهابي بالقوة على المختلفين، الاتجاه الوهابي التكفيري شوّه صورة الإسلام وأساء إليه وإلى المسلمين جميعا، وقدم خدمة كبيرة لأعداء الاسلام، هذا الانحراف في الفكر لابد وأن يقف بوجهه اليوم من يفهم الإسلام الأصيل، ويفهم ماذا يريد الله تعالى من الإنسان؟

أراد الله لنا أن نؤمن به تعالى، ونسير في اتجاه الخير والصلاح، ورغّبنا في ذلك رحمة منه تعالى، وترك لنا حرية الاختيار في العقيدة والفكر والفعل، نحن مسؤولون بأفعالنا أمام الله تعالى، وحكمته وسُنّته أن نكون مختلفين:

(لكلّ جعلْنا منكم شِرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم).

 

abdullah badrhskandarبذل المحققون من الفلاسفة قصارى جهدهم لأجل تبيان معنى واجب الوجود، إلا أن التفاضل المتأرجح بين نسبة الماهية إلى طبيعتها غير الظاهرة يجعلها مجانبة للفرضية المنشودة لدى قسم آخر من المحققين ولذلك اعتمد هؤلاء على توسيع المفاد الأرقى الذي يبعدهم عن وصف المفاهيم التي تؤدي بهم إلى القول إن كل ما سوى الله تعالى ممكن وكل ممكن محدث وكل محدث مخلوق، وهذه السلسلة تصل بنا إلى تعارض الأمر عند اتحاد واجب الوجود مع آخر دون إظهار امتياز لأحد منهما أو انفصال أحدهما عن الآخر مع الحفاظ على أجزاء كل واحد منهما، ومن هنا نفهم أن التقسيم قد عاد إلى مرحلة التركيب كون كل مركب يفتقر إلى غيره وكل مفتقر ممكن، وبهذا تكون النتيجة أن كل واحد من المركبين قد يكون ممكناً وهذا محال لأن المركب لا يصدق عليه الفعل إلا إذا كان تركيبه يمتد إلى أجزاء غير متناهية، وهذا أيضاً لا يصدق لاستحالة التعيين المتخذ سلفاً للكثرة الملازمة للمركب، ولو أثبتنا جدلاً صحة هذه النظرية يكون المركب المتخذ أولى حدوثاً من المركب الذي سبقه في الأجزاء الأولى كما بينا، وبهذا القدر نعلم أن كل ما عدا الله تعالى مفتقر لغيره، لأن كل ممكن يحتاج إلى مؤثر سواء في عدمه أو في حال إخراجه من العدم، وهذا الدليل يجعلنا على يقين ثابت أن كل ما سوى الحق سبحانه محدث ومسبوق بالعدم ولا يمكن أن يخرج إلى الوجود إلا بخلق الله تعالى وإيجاده.

 من هنا يظهر أن جميع المخلوقات هي ملك لله تعالى دون التعرض إلى نسبة البنوة الخارجة عن الحقيقة التي أراد بعض الناس أن يجعلها أحد أجزاء واجب الوجود سبحانه، وقياساً إلى ما قدمنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون) من آية البحث التي سنتعرض إلى تفسيرها. وسيظهر أن فرية اتخاذ الولد المنسوبة إلى الخالق جل شأنه لم تختص بأمة من الأمم أو طائفة من الناس كون الباحث في سير الأقوام يرى أن جذور هذه الفرية ضاربة في القدم، وأنت خبير بأن كثيراً من الناس لا يزال يصدق بهذا الزعم، فمن جهة نرى أن مشركي العرب قالوا الملائكة بنات الله، أما اليهود فقد قالوا عزير ابن الله، فيما ذهب النصارى إلى أن المسيح ابن الله، والباحث في تأريخ العرب يرى أن مجموعة من المشركين قد ذهب ظنهم أن الملائكة بنات الله وذلك بسبب جهلهم وحبهم للذكور والمفارقة بينهم وبين الإناث، وكانت العلة وراء هذا الزعم أن الإناث ليس لهن من الأمر شيء لا سيما في الأوقات العصيبة وما يتفرع عليها من الحروب أو النهب والسلب، ولا يخفى على المتأمل أن هذا الادعاء لا يتقارب مع الحق المبين وذلك لأن الإناث قادرات على خوض الحرب والقيام بأعمال لا تقل أهمية عن الأعمال التي يقوم بها الذكور سواء في الحرب أو ما يتصل بها من غزوات كما هي عادة العرب.

وما يؤسف له أن العقل العربي لا يستوعب هذا النهج علماً أن جميع الأمم تراعي هذا الجانب من حياة الأنثى ما يجعل لها الحق في خوض الحرب أو أداء أي عمل من الأعمال التي تناسب التركيبة التي فطرت عليها، وأكثر من هذا الاعتقاد السائد لدى العرب نرى أن بعض القبائل قد ذهبت إلى ما هو أدهى وأمر، فقد عمد هؤلاء إلى نسبة العار إلى الشخص الذي تولد له أنثى، ولا نبالغ إذا قلنا إن هذا الأمر لا يزال متبعاً لدى بعض الناس الذين لا يحكّمون شرع الله، ولذلك ترى أن كثيراً منهم قد تصيبه المعرة جراء هذا العمل حتى يتوارى عن أنظار الناس خوفاً من العار الذي لحق به، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم... يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون) النحل 58- 59.

وبناءً على ما كان سائداً لديهم من أفكار نلاحظ أن القرآن الكريم قد جارى عاداتهم وتقاليدهم في كثير من مواضعه، وذلك مراعاة لجهلهم كما هو الحال في عدم ذكر أسماء النساء باستثناء مريم وكذا الطواف بالصفا والمروة وما إلى ذلك من التقاليد، وهذا ليس حباً في معتقداتهم وإنما أنزل الحق هذا الأمر بهذه المنزلة لأجل أن يسير جنباً إلى جنب مع أفكارهم البالية لئلا يمتد تأثير ذلك إلى الأجيال اللاحقة كون أولئك لا يستفيقون من الغفلة إلا بهذه الطريقة، ومن هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لو لا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد) فصلت 44. هذا ما كان ينسبه العرب لله تعالى، وكما تعلم فإن الموضوع كبير ومتشعب وسنتكلم عنه بإسهاب في مناسبات قادمة، أما الآن فننتقل إلى أهل الكتاب وسنرى كيف نسبوا الولد لله تعالى ظلماً وعدواناً وذلك من خلال تفسير آية البحث.

 

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون) البقرة 116. نزه تعالى نفسه عن اتخاذ الولد كون من يتخذ الولد يصدق عليه لقب الوالد وهذا لا ينسجم مع الحق سبحانه وإن كان يعتقد بعض أهل الكتاب أن النسبة تشريفية، وذلك لأن الوالد يستلزم امتلاك البدن وما يلحق به من الشريك، وهذا لا يصح نسبته إلى الحق جل شأنه بأي صورة من الصور، ومن هنا نرى أن آية البحث تنزه الله تعالى عن هذا الفعل كونه يؤول إلى النقص والحاجة، ثم بينت الآية أن كل ما في السماوات والأرض ملك له فكيف يتخذ من عباده ولداً له، أضف إلى ذلك أن نظام الكون خاضع له جلت قدرته وهو الذي أبدع كل شيء فيه، فأنى يكون له ولد كما يظن أهل الكتاب، وهذا الاعتقاد الساذج لا يثبت أمام النقاش أو البحث عن الحقائق وذلك لأن قياسهم لا يخرج عن المماثلة التي أرادوا بواسطتها مقارنة الخالق بالمخلوق، علماً أن الإنسان يحتاج إلى الولد لأجل استمرار النوع وهذا يجري في جميع المخلوقات، وكما ترى فإن هذه التعريفات تناسب العقل الساذج ولذا لم نخض في المباحث الفلسفية.

فإن قيل: لمَ عبر تعالى عن الموجودات بصيغة جمع المذكر السالم في قوله: (كل له قانتون) من آية البحث؟ أقول: الاعتقاد السائد لدى أهل اللغة أن هذا من باب تغليب العاقل إلا أن القرآن الكريم لا يراعي هذا الوجه بقدر ما يشير إلى حقيقة الأمر الذاتية، كون الآيات التي هذا شأنها تبين أن جميع الموجودات لديها القدرة على الإدراك والشعور، وما يتطرق إليه القرآن الكريم بخصوص هذا الجانب ليس من باب الشعر أو مراعاة العادات القبلية التي تكلمنا عنها في معرض حديثنا، ولهذا ذكر سبحانه أن لمخلوقاته كامل الحق في الشهادة على الإنسان، وذلك في قوله: (حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون... وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون) فصلت 20- 21.

فإن قيل: ربما يجعل الله تعالى للجوارح قدرة على النطق والشهادة في يوم القيامة دون شعور منها؟ أقول: لو كان الأمر بهذا المعنى لم تقم الحجة على الإنسان، لأن أفعال الموجودات ليست من قبيل ما نشاهده أو نسمعه من خلال المستجدات العصرية، علماً أن القرآن الكريم قد أشار إلى ما يطابق هذا المفهوم في مواضع أخرى، كما في قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا

 أتينا طائعين) فصلت 11. وكذا قوله: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً) الأحزاب 72. وسنتكلم عن هذا الموضوع بالتفصيل عند التعرض للآيات آنفة الذكر.

 

 من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

عبد الله بدر اسكندر   

 

ezzeddine  anayaأولا: ذكرى الأمس وواقع اليوم: شهدت أوضاع اليهود في البلاد العربية منذ مطلع القرن الفائت تبدلات جذرية، خلّفت آثارا عميقة على مصير تلك الشريحة الاجتماعية. ولا يخفى ما للصراع العربي الإسرائيلي من أثر مباشر على أتباع تلك الديانة؛ لكن المسألة تبدو أعمق من ذلك، فقد حصل تصدّع في بنية الاجتماع العربي، جراء تخلّف عميق ألمّ بالبلاد العربية، انعكس سلبا على تلك المجتمعات في احتضان مكوّناتها الدينية وشرائحها الاجتماعية. إذ تكشِف وقائع المجتمعات العربية، التي هجَّرت يهودها أو هجَرها يهودها، بحسب القراءتين المتناقضتين الإسرائيلية والعربية، عن عجز عميق في توفير أجواء الاحتضان الاجتماعي، وعن قصور بيّن في تنزيل مبدأ التعارف المستند إلى المنظومة الخُلقية الإسلامية في الواقع.

فبموجب الصراع العربي الإسرائيلي المستفحل طيلة القرن الفائت والممتد حتى عصرنا الراهن، بات المخيال العربي المعاصر تحت وطأة أشكال شتى من التداخل والتضارب تجاه اليهود واليهودية، ما جعل النظر إلى أوضاع تلك الجماعة يأتي مشوبا بتلك الأجواء. إذ ترافقت القطيعة التي حصلت بين الشعوب العربية وشرائحها الاجتماعية اليهودية، مع تردّ لافت في النظر إلى أتباع تلك الديانة وإلى أصول تلك الديانة، استعاض فيها الفكر بأحكام مرتبكة، غالبا ما أتت مسكونة بالهاجس السياسي[1].

وفي مستهلّ حديثنا عن هذه المسألة سنتابع العوامل التي ولّدت ذلك الاضطراب. لقد مثّل عجز الدولة العثمانية، عن تحقيق الاستيعاب السلس لمللها وطوائفها، منطلقَ اهتزاز تعايش الطوائف اليهودية مع المجتمعات الحاضنة. فكان أن هلّلت تلك الطوائف لمقدم الاستعمار الغربي إلى الحواضر العربية، على أمل أن يحصل تغير في أوضاعها الاجتماعية الرثّة، بعد أن أرهقتها طويلا مؤسسة أهل الذمة المتقادمة، التي تحوّلت من مؤسسة احتضان اجتماعي للآخر إلى مؤسسة جور وإذلال أضرّت بصورة الإسلام السمحة. كما شاعت العديد من المواقف تجاه اليهود تناقض قيم الدين الإسلامي تناقضا فاضحا، بما يفيد أن الثقافة السائدة ما عادت متأتية من قيم الدين بل من رؤى متلبسة بالدين. في تلك الأجواء، مثّلت وعود عالم الأنوار الغربي لليهودي العربي أملا كبيرا للخروج من وضعية "الذمي" التي طالما أرهقته. وسيتفاقم ذلك التناقض الاجتماعي لتلك الشرائح مع بنية الاجتماع العربي ببسط الاستعمار الغربي نفوذه على مجمل الأقطار العربية، بما سيزيد من تأزم البناء الاجتماعي ويرسّخ عجزه عن استيعاب شرائحه.

ففي مستوى أول، شكل تولي القنصليات الأجنبية مهام حماية اليهود في الدولة العثمانية، وما تبعه من منح امتيازات لفائدتهم، أملتها الدول الغربية، سببا في إحداث شرخ بين اليهود وباقي مكونات المجتمعات العربية؛ فضلا عما تبعه، في مرحلة لاحقة، من إلحاق تلك الجماعة بالدول الاستعمارية، بعد منح أفرادها جنسية الدولة المستعمِرة. فكان كلما احتدّ الصراع بين الدول الاستعمارية والشعوب الرازحة تحت نيرها، طلبا للاستقلال والحرية، إلاّ وزاد تعمّق الهوة بين الأكثرية المسلمة وجموع الذين هادوا، بسبب انخراط اليهود في تحالف مصيري جنب المستعمِر، شايعوا فيه سياساته وأقرّوا له بالدور الفاعل في تحضير الأقليات وتحريرها.

وإن حصلت بعض المشاركات المحتَشَمة، من جانب اليهود، بالانضمام إلى التنظيمات اليسارية والنقابية العربية، زمن الحقبة الاستعمارية، فإنها لم تعبر عن الثقل الأكبر داخل تلك التجمعات، بل أتت معبرة عن خيارات ظرفية ومصلحية معزولة، على غرار ما حصل في المغرب، حيث كان مؤسس الحزب الشيوعي يهوديا، إلى جانب ضم الحزب في صفوفه خلال العام 1948 خمسمائة يهودي من جملة ستة آلاف من أعضائه؛ وفي تونس بمشاركة 46 يهوديا ضمن الكوادر النقابية التونسية البالغ عددها 497 عضوا، ما بين الفترة الممتدة بين 1920 و 1956، وهو ما حصل أيضا في مصر والعراق بشكل مشابه. ولكن في العموم لم يتحمّس اليهود إلى ثورات تلك البلدان وانتفاضاتها، عندما كانت تتطلع إلى نيل حريتها واستقلالها، وهو ما جعلهم يرافقون المستعمر عند رحيله. ورغم ذلك لم تشهد البلدان نزوحا تاما ليهودها وإن تقلصت الأعداد إلى بضعة آلاف، سنأتي على أسبابها لاحقا.

لقد ناهز عدد اليهود في البلاد العربية عشية تأسيس دولة إسرائيل 850 ألف نسمة. حيث بلغ العدد نحو 210 آلاف في المغرب الأقصى الواقع تحت الاحتلال الفرنسي، و 50 ألفا في مراكش الإسبانية وطنجة، و 140 ألفا في الجزائر، و 110 آلاف في تونس، و40 ألفا في ليبيا، و 130 ألفا في العراق، و 80 ألفا في مصر، و 50 ألفا في اليمن وعدن، ونحو 20 ألفا في سورية ولبنان، بينما توزع نحو خمسة آلاف يهوديبين حضرموت والبحرين والسودان. لكن تبقى أعداد أخرى من اليهود أغفلها الإحصاء تُقدّر ما بين 15 و 25 ألفا، إلى جانب تجمع هام من اليهود استوطنوا بفلسطين بلغت أعدادهم مع انتهاء فترة الانتداب البريطاني 625 ألفا.

وإذا استثنيا أرض فلسطين المغتصبة، فإنه لم يبق في الوقت الحالي سوى 6160 نفرا من يهود تلك البلدان، يتواجد السواد الأعظم منهم في المغرب (3050) وتونس (2200)، ويتوزع الباقي بين اليمن (350)، ومصر (150)، وسوريا (250)، والإمارات العربية المتحدة (70)، والجزائر (50)، والبحرين (30)، والكويت (10)، في وقت يبلغ فيه العدد الجملي لليهود في أرجاء العالم 13.428.300[2].

 

ثانيا: أثر التحولات التشريعية والاقتصادية

ساهم انتصاب الاستعمار والانتداب في أكثر من دولة عربية في انتعاش أوضاع اليهود الاقتصادية والاجتماعية، بعد رفع العديد من الضوابط التشريعية والسياسية، التي كانت تحد من أنشطتهم. ما جعلهم يتساوون قانونيا مع نظرائهم المسلمين في الفرص الاجتماعية والاقتصادية المتاحة، وينالون حظوة المستعمر وثقته مقابل ما أسدوه له من خدمات. ففي عدن مثلا، ألغى البريطانيون إبان العام 1893م ضريبة الجزية التي كانت تثقل كاهل اليهود، وذلك على إثر انتصاب سلطة الاحتلال في هذا البلد. وعلى غرار ذلك، منحت سلطة الانتداب البريطاني في العراق امتيازات لليهود خوّلت لهم بمقتضاها التحكم بمقاليد اقتصاد البلاد. حيث تولى اليهودي ساسون يحزقيان مهام وزارة المالية أثناء قيام حكومة الانتداب، كما سيطر اليهود على ما يربو عن تسعين بالمائة من حركة الواردات وأعمال المقاولات العراقية. وشغل اليهود أيضا خمسين بالمائة من حجم الوظائف الحكومية، وعمل شقٌّ واسعٌ منهم في مجالات التدريس والطب والصيدلة والصحافة والمحاماة، ولعبوا دورا بارزا أيضا في الحياة الفنية والأدبية[3]. والجلي في هذا التحول الذي شهده اليهود، مِن وضع المستضعَف إلى وضع المتنفِّذ، أنه لم يأت نتيجة تطوّر اجتماعي داخلي، بل حصل جراء المحاباة والإملاء من قبل القوى الاستعمارية، ما أجّج النقمة عليهم في الأوساط الاجتماعية. وقد تدعّم ما عُرف بـ"تساوي الفرص" بين الفئات الاجتماعية، في سائر الدول العربية الواقعة تحت نير الاستعمار، بخطوات تشريعية أخرى، على غرار حثّهم على التجنّس، كما حصل في تونس والمغرب، أو إسداء الجنسية آليا إليهم، كما حصل في الجزائر، ما حوّلهم إلى رعايا فرنسيين. فمنذ الرابع والعشرين من أكتوبر سنة 1870 أصدر وزير العدل الفرنسي إسحاق أدولف كريميو اليهودي الديانة، حزمة من القرارات بشأن يهود الجزائر كان أبرزها إسداء الجنسية آليا إليهم.

وكان من آثار تلك التبدّلات التشريعية والاقتصادية على التجمعات اليهودية الأهلية، إلى جانب مزايا التمازج والاحتكاك بين يهود البلاد العربية وجاليات وافدة من أوروبا، متعلمة ومتحضرة، على غرار يهود ليفورنو، المسمّين بيهود "ﺍﻟﭭﺮﺍﻧﺔ" في الدارجة التونسية، أن ترقّت الأنظمة التعليمية وتكثفت الأنشطة الإعلامية والجمعياتية بينهم، التي ساهمت في خلق شخصية يهودية حديثة نقلتها من طور هامشي إلى دور فاعل. فقد ساهم يهود "ﺍﻟﭭﺮﺍﻧﺔ" الوافدون إلى تونس والجزائر مساهمة فعّالة في بثّ روح عصرية بين يهود بلاد المغرب، بعد أن صاروا نموذجا محتذى، وقد تأتى ذلك الدور جراء المقام المتقدّم الذي مُنح لليهود في تلك المدينة التوسكانية عقب إعلان الليفورنينا الصادر خلال العام 1593م، الذي خوّل بمقتضاه دوق توسكانا الأكبر فرديناند الأول (1587-1607) للأجانب، و لليهود خصوصا، حقوقا لم تكن معهودة قبله.

ولعل الدور الأهم في مسيرة التحديث تلك كان للتحالف الإسرائيلي العالمي (Alliance Israelite Universelle) في تثوير النظام التعليمي اليهودي التقليدي، الذي كان يحاكي نظام الكتاتيب المنتشر في بلاد المغرب، بإنشائه مؤسسات تدريس تعتمد أنظمة تربوية غربية وعصرية تولي اهتماما كبيرا للغات الأجنبية، في شتى أنحاء بلاد المغرب، لعبت دورا بارزا في فرْنَسة الشخصية اليهودية وإدخالها في الثقافة الغربية من الباب الواسع. فقبْل حلول الاستعمار بالمغرب الأقصى بنصف قرن (1862)، كانت مدارس الآليانس حاضرة بين الجالية اليهودية، ومع توالي السنين ازداد سحب البساط من التعليم التقليدي اليهودي.

وفي أعقاب تلك التبدلات التي طرأت على أوضاع مجمل يهود البلاد العربية، حصل تطور جديد داخل التجمعات اليهودية، لاسيما الشبابية منها. غدا الوعي السياسي معلَّقا بالحركة الصهيونية، مع احتداد الجدل في الأوساط الغربية عن سبل إيجاد وطن بديل لليهود، وما عاد الأمل مقتصرا على التطلع المسيحاني الصوفي، لما مثّلته الصهيونية من سبيل فعلي لتحقيق مطامح التحرّر والانعتاق لجموع واسعة من اليهود. ما زاد من حدة الشرخ بين اليهود العرب وبين الواقع العربي، وقد ازداد ذلك الشرخ تفاقما مع الأيام، دافعا باتجاه ردود فعل عنيفة تجاه اليهود.

في تلك الأجواء مثلت زيارة الزعيم الصهيوني النمساوي المجري تيودور هرتزل إلى ليبيا، في أول جانفي من العام 1904، حدثا بارزا زاد من تسريع وتيرة الحراك السياسي داخل التجمّعات اليهودية في شمال إفريقيا. حيث قام الرجل بجولات واسعة في مدن طرابلس والزاوية وغريان وتغرنة، داعيا اليهود إلى تبني الخيار الصهيوني، باعتباره السبيل الأوحد إلى تحقيق حلمهم الأثير القائل بـ"العام القادم في أورشليم"[4].

يفيد المؤرخ موريس روماني أن التعامل الإيطالي مع اليهود، وعلى خلاف التعاطي الألماني، كان متقلبا ومراوغا. التقى موسوليني عديد القادة الصهاينة، مثل حاييم وايزمان وزئيف جابوتنسكي وناحوم غولدمان وناحوم سوكولوف، وأُبرمت الاتفاقيات بين الطرفين لتيسير هجرة اليهود نحو فلسطين. ودائما ضمن مناورات موسوليني، فقد طمأن أثناء زيارته ليبيا بين 12 و 21 مارس 1937 اليهود، وفي خطوة مماثلة أعلن نفسه مدافعا عن الإسلام، تلقى حينها "سيف الإسلام" هدية من قادة إحدى القبائل الليبية. ويأتي قرار إسداء الجنسية لليبيين ومنعها عن اليهود، في التاسع من يناير سنة 1939، ضمن سلسلة من المناورات السياسية التي اتخذها موسوليني.

كانت سنوات ما بعد صدور "القوانين العنصرية" عصيبة على يهود ليبيا، وتبعا للمستجدات الجارية انسحبت الإجراءات الجديدة على الطائفة اليهودية، زادها حدّة تحول شمال إفريقيا إلى حلبة للصراع بين قوات المحور والحلفاء، انحاز فيها اليهود إلى قوات الطرف الأخير[5].

يورد التقرير السنوي للإدارة العسكرية الإنجليزية، بشأن الأوضاع في طرابلس، والعائد إلى العام 1945: "تتكثف الأنشطة اليهودية ويزداد الإفصاح عن تبني الخيار الصهيوني بروزا، في وقت تعج فيه الأندية والمنظمات الشبابية بالأفكار الصهيونية؛ ففي غمرة هذه الأجواء تم استجلاب أدبيات صهيونية من فلسطين، كما جرى اختيار مرشّحين للهجرة إلى فلسطين وتكوينهم في العمل الفلاحي. هذا علاوة عن حضور وحدات يهودية قدمت من فلسطين إلى التراب الليبي، كانت سبيلا آخر لحثّ الناس وتحريضهم. لقد زادت فظاظةُ اليهود، من معتنقي الأفكار القومية، من حدة تدهور علاقات الصداقة والتسامح مع العرب"[6].

والواقع أنه بحلول العام 1937 حصل تحولٌ في السياسة الإيطالية انعكست على المستعمرة ليبيا، وبدأت حملة تستعر ضد اليهود في الصحافة والإعلام. ولم تأت سنة 1938 حتى صدرت "القوانين العنصرية" التي حظرت على اليهود ارتياد المدارس العمومية في إيطاليا وليبيا والجزر الإيجية، تبعها منع الزواج على الإيطاليين من غير الجنس الآري. وعلى مستوى سياسي تم طرد المنتمين اليهود للحركة الفاشية، وفي التعليم تم عزل كافة المدرّسين اليهود شمل المرسَلين إلى المستعمرات. بلغ التوتر أوجه أواخر الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات بإقامة محتشدات لليبيين ضمّت كذلك عددا من اليهود في جادو. خلّفت تلك الأوضاع ضغوطات دولية لعبت فيها المنظمات اليهودية العالمية دورا للسماح لليهود بالهجرة خارج ليبيا. ولم تأت سنة 1941 حتى حلّ بطبرق الفيلق اليهودي التابع للجيش البريطاني، مصحوبا بمدرّبين يهود. تمثّلت أعمالهم في افتتاح مدارس لتعليم العبرية وإسداء خدمات صحية واجتماعية وإنشاء معسكرات تدريب. ولعبت منظمات دولية يهودية مثل "المؤتمر اليهودي العالمي" و"الوكالة اليهودية" و"اللجنة اليهودية الأمريكية" و"الجمعية الإنجليزية اليهودية" و"التحالف الإسرائيلي العالمي" أدوارا مهمة في تبني قضايا اليهود الليبيين دافعة إياهم للهجرة نحو إسرائيل.

في الثالث والعشرين من يناير 1943 وعلى إثر دحر الإيطاليين من ليبيا حلّ محلهم البريطانيون. فعلى مدى قرابة نصف قرن شهد يهود ليبيا تبدل ثلاث سلطات: العثمانية والإيطالية والبريطانية كل لها قوانينها وسياساتها معهم. لكن مع مقدم البريطانيين بات في صف اليهود حليف موثوق سواء في الداخل الليبي أو في طريق الهجرة نحو فلسطين. في البدء كانت الهجرة مبادرة فردية ثم تحولت بين 1949 و 1952 إلى حملات منظمة وقانونية بوصفها تجري تحت مراقبة الانتداب البريطاني، وأثناء تلك الفترة هاجر معظم يهود ليبيا تقريبا باتجاه إسرائيل وإيطاليا، لقيت أثناءها الجالية اليهودية عقب سقوط الفاشية ترحيبا. لكن الفترة البريطانية في ليبيا تخللتها أحداث بين اليهود والأهالي مثل واقعة 1945، أوقعت انخراما في العلاقة بين مكونات المجتمع الليبي،تلتها أحداث 1948 التي جاءت تحت تأثير إعلان قيام دولة إسرائيل[7].

 

ثالثا: دور الصحافة والجمعيات

لقد لعب بعث الصحف وإنشاء الجمعيات دورا بارزا في بلورة الوعي السياسي، وفي نشر الإحساس بوحدة المصير بين يهود ليبيا. حيث صدرت مجموعة من الصحف، جلّها بالدارجة الطرابلسية ومدوّنة بأحرف عبرية، بلغ عددها 12 مطبوعة بين الفترة 1908 و 1942. وكانت أهمها صحيفة "الدردنيل"، وصحيفة "دغيل صهيون" (علم صهيون)، وصحيفة "هاهيثوراروث" (اليقظة)، وصحيفة "البريد اليهودي". كما تشكّلت العديد من الجمعيات، مثل "النادي الصهيوني"، و"النادي المكابي"، و"نادي الشبيبة اليهودية الطرابلسية"، و"منتدى أليعازر بن يهوده"، و"نادي بن جويد"، و"جمعية أغودات توراه"، و"الجمعية النسائية ليهود إيطاليا"، و"الجمعية النسائية اليهودية"، و"جمعية المعمل النسائي اليهودي"[8].

وبالمثل في الجارة تونس تكاثرت المطبوعات اليهودية، حيث بُعثتمجلة "النجمة اليهودية" في مدينة سوسة سنة 1920، التي تابعت الصدور حتى العام 1961، وكانت آخر منبر صحفي يهودي يصدر في شمال إفريقيا. كما صدرت بالفرنسية أيضا صحيفة "Le Reveil Juif" -اليقظة اليهودية-، لسان التيار التصحيحي، التي لاقت قبولا واسعا بين اليهود خلال العشرينيات والثلاثينيات في بلدان الشمال الإفريقي. في حين صدرت بعد الحرب العالمية الثانية باللغة الفرنسية صحيفة "La Gazette d’Israel" –جريدة إسرائيل-، وهي صحيفة ذات منحى صهيوني تحريضي مباشر.

وبالمثل نشطت في القاهرة طيلة الثلاثينيات والأربعينيات صحيفة "الشمس" اليهودية، كما كانت "مجلة إسرائيل" التي صدرت ما بين 1919 و 1923 من بين أبرز المجلات اليهودية الناطقة بالفرنسية في مصر. وفي المغرب أيضا كانت مجلة "L’avenir illustre" -المستقبل الواعد- التي أسسها يوناثان طورشر مندوب الاتحاد الصهيوني العالمي، في منتصف العشرينيات من القرن الماضي، من أبرز المجلات ذات المنحى الصهيوني.

وبشكل عام، شهد التحمّس للحسّ القومي اليهودي وللفكر الصهيوني بين يهود تونس وليبيا تطورا فاق نظيره في الجزائر، ويعود ذلك الخفوت في الجزائر إلى ربط اليهود مصيرهم بمصير الدولة الفرنسية، ما جعل الهيئة الحاخامية في جزيرة جربة في تونس تعرب عن تعاطفها مع الأفكار الصهيونية[9].

 

رابعا: مصائر اليهود عشية الاستقلال

قبل حلول القرن التاسع عشر، كان مجمل يهود البلاد العربية ممن احتضنتهم الحضارة العربية الإسلامية، أكان مأتاهم من الأندلس، أو ممن كان مقامهم في بلاد المغرب، أو في المشرق العربي، أو في أرض اليمن. فعلى سبيل المثال، كان يهود دمشق في بداية القرن التاسع عشر ثلاث طوائف: الربّانون والقراؤون والسامرة[10]، يتحدّرون من أسر معظمها من أصول عربية، وما تبقى منها تعود في أصولها إلى مدن ومناطق عثمانية، أو نالت تسمياتها من الحِرف التي عملت بها، والقليل منها كانت من أصول سيفاردية أو أشكنازية[11]. وقد كان يهود البلاد العربية خلال العصر الحديث غالبا ما ينقسمون إلى ثلاثة أصناف: يهود أهليون من رعايا الممالك والدويلات العربية، ويهود مقيمون انتسبوا إلى جنسيات مختلفة عادة ما رعتهم القنصليات والممثليات الأجنبية، وصنف ثالث قدم في مرحلة متأخرة مع المستعمر.

هذه الأصناف المتنوعة، وجدت نفسها تواجه قدرا متشابها مع أفول عصر الاستعمار، بعد أن تقلصت التمايزات بينها وغدت تواجه مصيرا مشتركا. ففي الرواية الرائجة بين المؤرخين الصهاينة، تُصنّف دواعي خروج اليهود من البلاد العربية ضمن ثلاثة مبررات:

-  صنف البلاد التي اعتمدت الإبادة المنظمة، مما أجبر اليهود على الفرار والبحث عن موضع آمن، على غرار العراق (عقب عملية الفرهود 1941)، وسورية (عقب حوادث 1944)، وليبيا (عقب أحداث طرابلس 1945)، واليمن (عقب ما جرى في عدن 1947).

-  وصنف البلاد التي اعتمدت التجريد الناعم لليهود من ممتلكاتهم وثرواتهم، عبر الضغط والتخويف، مما أجبرهم على البحث عن فضاء آمن ومورد رزق آخر في الخارج، على غرار ما حصل في مصر والمغرب وتونس.

-  وأخيرا البلاد التي أضفت على النضال التحريري بعدا عرقيا دينيا مصبوغا بطابع ديني إسلامي، واقتصر على المكوَّن الأمازيغي العربي، ما جعل اليهود يُصنَّفون في عداد الأطراف المعادية فيلجأون إلى مغادرة البلد رفقة فرنسا، وهو ما انفردت به الجزائر[12].

وبشكل عام كان يهود البلاد العربية بعد الاستقلال متنوعي المصائر متشابهي الحصائل. ولكن ينبغي ألا نغفل أيضا، أن خروج اليهود من البلاد العربية لم يكن حادثا دائما جراء تشكّل ثقافة طاردة، أو بموجب آثار الصراع العربي الإسرائيلي، كما قد يتبادر إلى الأذهان جراء الدعاية الصهيونية، بل حصل أيضا في نطاق سعي جموع واسعة من تلك الشرائح اليهودية لتحسين أوضاعها المعيشية، خصوصا من عامة اليهود وبسطائهم. فكانت الطائفة اليهودية، التي تربطها أواصر دين وأوهام عرق جامع مع أبناء ملتها في الخارج، أكثر قدرة على الإقدام لخوض غمار تلك التجربة. في وقت صارت فيه المجتمعات العربية، وبشكل عام، لا تتيح لأبنائها بيسر فرص الحياة الكريمة، وهو ما انعكس على الأقلية العبرية أيضا. وفي نطاق معالجة مظاهر التناقض الحاصل بين اليهود والمجتمعات العربية، سنقتصر ضمن هذا العرض على ثلاث عينات (الحالة الجزائرية، والحالة التونسية، والحالة الليبية):

* عشيّة استقلال الجزائر وجّهت "جبهة التحرير الوطني" في الجزائر نداءات متكررة إلى الجالية اليهودية، كان أولها النداء الموجه إلى قادة الجالية، وذلك في الثالث عشر من أكتوبر 1956، دعتهم فيه إلى مناصرة الجبهة من أجل استقلال الجزائر، غير أن النداء لم يلق آذانا صاغية. في وقت كان فيه يهود الجزائر ويهود بلاد المغرب عامة، الذين مثلوا الثقل الأكبر بين يهود البلاد العربية، قد سايروا الواقع الغربي وانساقوا في ثناياه، ما جعل العودة على أعقابهم أمرا غير مطروح. فضلا عما دب من تخوف بينهم كون الدخول في مرحلة التخلص من آثار الاستعمار -décolonisation- ستعقبها عودة إلى وضعية الذمة مجددا[13]. ومما زاد من افتقاد لغة التفاهم بين حركة المجاهدين في الجزائر ويهود البلاد، تقلص الفوارق بين اليهود الأهليين واليهود الوافدين مع فرنسا جراء عملية التمازج الحاصلة، بعد أن غدا جميعهم مواطنين فرنسيين.

فبعد أن تعلّق يهود الجزائر وجودا ومصيرا بفرنسا، كان من الطبيعي أن يرتبط قدرهم بقدر المستعمر. ومنذ أن مُنِحوا حق المواطنة الفرنسية بمقتضى "قرار أدولف كريميو" واحتدام حرب التحرير في الجزائر زادوا من ربط مصيرهم بمشيئة فرنسا، وهو ما جعل الجزائر مع حصول الاستقلال توشك أن تخلو من يهودها الأهليين والوافدين على حد سواء. حيث انطلقت بُعيد عقد اتفاقية إيفيان -مارس 1962- هجرة يهودية مكثفة سبقت إعلان الاستقلال، ولم يبلغ شهر جوان منتهاه من العام نفسه حتى كان قرابة 142 ألف يهودي قد غادروا الجزائر باتجاه فرنسا، ففي أكتوبر من العام نفسه لم يبق في الجزائر سوى 25 ألف يهودي، ستة آلاف منهم في الجزائر العاصمة بصدد شدّ حقائبهم استعدادا للرحيل[14].

* يحاول المؤرخ موريس روماني في كتابه "يهود ليبيا.. من التعايش إلى الرحيل" تسليط الضوء على الدور الرئيس للاستعمار الإيطالي في ذلك الخروج، مشفوعا بتتبّع ما كان يعتمل في الساحة الدولية من صراعات انعكست آثارها على مختلف الشرائح الاجتماعية. ذلك أن رحيل شقّ واسع من يهود بلاد المغرب حصل تحت ضغط الفاشية والنازية لا سيما في تونس وليبيا. وضمن هذا الإطار يستحضر المؤرخ سلسلة من الوقائع لدعم فرضيته التاريخية. حيث يركز اهتمامه في الحقبة الفاشية في ليبيا، متتبعا السنوات الممتدة بين 1938، تاريخ صدور ما يُعرف بـ"القوانين العنصرية" في إيطاليا، و1967 تاريخ اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية وما خلّفته تلك الأحداث من اضطراب في أوساط الجاليات اليهودية. مبرزا كذلك الدور الذي لعبته المنظمات اليهودية الأوروبية والأمريكية في تهجير يهود ليبيا، وحشد الحالمين للـ"عاليا" (الهجرة) نحو إسرائيل، ناهيك عن الإجراءات التنظيمية والتعليمية والصحية التي رافقت الترحيل[15].

أما في ليبيا الخارجة من ربقة المستعمر، فقد كان التلاعب بالملف اليهودي، إبان الحكم السنوسي، ورقة ضغط في وجه المعارضة الداخلية والقوى الخارجية على حدّ سواء. حيث لم تكن هناك سياسة واضحة أو تشريعات ضامنة تتعلق باليهود، وفق ما يشير إليه المؤرخ الإيطالي رنزو دي فيلتشي، ما جعلهم عرضة للمدّ والجزر[16]. فمنذ العام 1953 استشعر يهود ليبيا تضييق الخناق عليهم. كان إلغاء خدمات البريد مع إسرائيل، ثم تبعها غلق مكاتب وكالة العاليا، التي ترعى شؤون الهجرة نحو إسرائيل، وطرد ممثل الوكالة اليهودية مير شيلون. لتتصاعد التضييقات بمقاطعة إسرائيل مقاطعة شاملة بحلول العام 1957، وما تبعها من تلويح بتسليط عقوبات تمتد إلى ثماني سنوات وغرامة مالية، على كل ليبي يثبت اتصاله بإسرائيل، أو بمؤسسات إسرائيلية، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة[17].

زاد من حدة تلك الأوضاع إبان حقبة الستينيات، ما ترافق مع اكتشاف البترول في ليبيا من تراجع لدور اليهود في التجارة الخارجية، بعد أن كانوا خلال العقد السابق يمسكون بما يضاهي تسعين بالمائة من التجارة الخارجية. اُستعيض عن وساطتهم بصادرات البترول التي ترعاها الدولة، ما جعل دورهم في المجتمع يتراجع بشكل ملحوظ[18]. بات اليهودي الليبي مدفوعا دفعا نحو خيار الهجرة، بعد فقدانه مجمل الامتيازات التي تحققت إبان فترة الاستعمار الإيطالي التي تواصلت مع السنوات الأولى من استقلال ليبيا. وكما كانت هجرة يهود تونس لا تتمّ نحو إسرائيل مباشرة، بل باتجاه فرنسا أولا، كانت هجرة يهود ليبيا أيضا تتم عبر محطة إيطاليا ليليها مقصد إسرائيل.

* وعلى غرار الدول العربية الأخرى غادر تونس عشية إنشاء دولة إسرائيل أكثر من خمسة وعشرين ألف يهودي باتجاه إسرائيل. وقد كانت الهجرة في متناول العائلات المتوسطة الدخل، لا سيما وأن الوكالة اليهودية للهجرة كانت تأخذ على عاتقها تكاليف السفر والإقامة الجديدة، وتتكفل بمصاريف العاليا –الهجرة- إلى إسرائيل[19].

لم يكن قادة الحزب الدستوري ينظرون بعين الرضا إلى أنشطة الهجرة الصهيونية في تونس، لكن لم يحركوا ساكنا بقصد ثني اليهود عن مغادرة البلاد. تُورد جريدة "لابراس" الناطقة بالفرنسية، بتاريخ التاسع من سبتمبر 1954، حديثا مع الحبيب بورقيبة، زعيم الحزب الدستوري حينئذ، سئل فيه عن موقف حكومته من هجرة اليهود التونسيين، فأجاب: "من مصلحتنا أن يبقى يهودنا في تونس، لكن كافة المواطنين أحرار في مغادرة البلاد وقتما شاءوا"، وقد كانت الهجرة إلى إسرائيل لا تنطلق مباشرة من تونس بل عبر فرنسا.

ولم تشفع عمليات التحديث التشريعي المبكّرة التي خاضتها تونس في ثني اليهود عن الهجرة، وبالمثل لم تُجْد نفعا كافة الإغراءات في شدّهم إلى مواطنهم. رغم أن السياسة الجديدة في تونس بعد الاستقلال، قطعت مع التعامل معهم كطائفة على حدة وعاملتهم كمواطنين متساوين مع غيرهم من التونسيين. تواصل نزيف الهجرة، وتبين أن التحديث لم يخرج اليهود من حماية حكامهم إلى احتضان مجتمعاتهم.

في ظل تلك التحولات، قلّة من اليهود أبت أن تلتحق بإسرائيل أو بفرنسا واختارت المكوث في تونس. لكن من اختاروا البقاء لم تكن دواعيهم متماثلة، كان البعض منهم من البرجوازية، وقد كانت لهم ممتلكات ومصانع وعقارات، دفعتهم للتشبث بتونس؛ وكان آخرون ينتمون إلى الطبقة الوسطى، وكانوا على يقين أن النظام الجديد سيسمح لهم بمتابعة أعمالهم في الظروف نفسها؛ وهناك فئة ثالثة ممن ينتمون إلى الكوادر المتعلّمة خيرت البقاء في تونس، كشأن العديد من القانونيين والأطباء والصناعيين ورجال البنوك والإداريين والمدرّسين.

وما إن نالت البلاد استقلالها حتى تم انتخاب يهودي تونسي في المجلس الوطني التأسيسي سنة 1956، وآخر في المجلس التشريعي الأول سنة 1959 والثاني سنة 1964. كما سبق أن ضمت الحكومة التي تشكلت عشية الاستقلال الداخلي -جوان 1955- وزيرا يهوديا، وبالمثل الحكومة التي تشكلت عقب إعلان الاستقلال في مارس 1956. وللمرة الأولى في تاريخ تونس الحديث، ترشح يهودي تونسي بملء إرادته ولم يسقط عليه المنصب إسقاطا، إلى منصب هام، حصل ذلك بعد ثورة 14 جانفي 2011، حين تقدّم يعقوب للّوش، وإن لم يفز، إلى عضوية المجلس التأسيسي المكلف بصياغة الدستور وقيادة البلاد.

 

مكوث رغم عوادي الزمن

لم يبق من يهود البلاد العربية، في الوقت الحالي، سوى بضعة آلاف يتواجدون في المغرب وتونس وبضعة مئات متناثرين بين عدة دول.وفي الراهن الحالي يتوزع يهود تونس بين العاصمة (800 نفر) وبين الحارتين الكبيرة والصغيرة في جزيرة جربة (900 نفر)، حيث يوجد معبد الغريبة الذي يعود تاريخه إلى ما قبل الميلاد، يتولى تسيير شؤونه حاليا رئيس الطائفة اليهودية بيريز الطرابلسي؛ في حين يقطن الباقون في مناطق الساحل التونسي بين مدن جرجيس وسوسة والمنستير والحمامات.

ويسهر على الشأن الديني ليهود تونس حاييم بيتان كبير الأحبار، يعضده أربعة كهنة، يسهرون على شؤون باقي الجماعات اليهودية. كما يملك يهود تونس إحدى عشرة بيعة، البعض منها لا تفتح أبوابها لزوارها إلا في الأعياد والمناسبات، على غرار كنيس الغريبة الصغير بمدينة الكاف. ويتركز جلّ النشاط التربوي والتعليمي بين جربة وتونس العاصمة. توجد في جربة محضنة يؤمها الأطفال إضافة إلى مدرستين ابتدائيتين وثانويتين، ويشيفا –مدرسة دينية- يُلقَّن فيها الصبية مدونتي المشنا والجمارا. كما تتواجد مدرسة ابتدائية وبيعة في مدينة جرجيس الساحلية القريبة من جزيرة جربة. وتملك الجالية اليهودية دارين للمسنّين. لكن تركّز العدد الأكبر من مؤسّسات التعليم يبقى في العاصمة تونس: ثلاث مدارس ابتدائية وثانويتان ويشيفا. وأما لغة التدريس الأساسية فهي الفرنسية إلى جانب دور ضئيل للعبرية والعربية.

الحالة في المغرب اليوم شبيهة بالحالة في تونس، فمنذ فجر الاستقلال حرصت الحكومة المغربية الأولى والثانية على ضم وزير يهودي إلى صفوفها، تولى تلك المهمة حينها بن زاكين، وتتابع ذلك التقليد عبر تقريب يهود مغاربة من الدائرة الضيقة للحكم، حيث تولى سيرج برديغو مهام وزارة السياحة وانتخب سيمون ليفي، الأستاذ سابقا في كلية الرباط، عضوا في مجلس النواب. كما شغل أندري أزولاي منصب مستشار الملك محمد السادس في الشؤون الاقتصادية. اتخذ المغرب قرارا مهما سمح لليهود بحق استعادة الجنسية المغربية وتخلّى عن إسقاط الجنسية عمن يلتحقون بإسرائيل.

في الراهن الحالي يتوزع اليهود المغاربة على كبريات المدن: الدار البيضاء ومراكش والرباط بعد أن كانت مدينة الصويرة تضم أكبر تجمع يهودي في المغرب، أين كانوا يتوزعون بين الملاح القديم والملاح الجديد.غدت أحياء الملاح في المغرب والحارات في تونس معالم سياحية لا غير بعد أن كانت تعجّ بساكنيها.ولم يبق من جملة البِيَع اليهودية المنتشرة في المغرب، حوالي 33، سوى عشر منها تفتح أبوابها لروادها وتقام فيها الشعائر. كانت إقامة متحف الثقافة اليهودية المغربية في الدار البيضاء سنة 1996، على تواضعه، من المبادرات الرمزية الفارقة في العناية بالثقافة اليهودية في البلاد العربية. هذه المبادرات التي اتخذها المغرب لم تشفع إلى حد الآن في استرداد ثقة اليهودي، أو في إغرائه بالإقامة الدائمة، وإن نجحت في دغدغة رغبة التسوّح لديه.

 

* أستاذ جامعي تونسي مقيم بإيطاليا

............................

[1]. حاولنا في مؤلفنا: "الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري" (منشورات الجمل، بيروت 2006)، التعرض إلى العوائق التي حالت دون ظهور علم يهوديات في الثقافة العربية الحديثة. فبمقتضى الانخراطالقسري لهذا المبحث، ضمن ثقافة المواجهة والصّراع مع الصّهيونية والدّولة العبرية الناشئة، جاءت المقاربة العربيّة مصبوغة بالتضارب ومسكونة بالهاجس السّياسي، الذي كان وقعه كبيرا على مصداقيتها وعلميتها.

[2]. لمتابعة ضافية للتطورات الديمغرافية لليهود في العالم، يمكن الاطلاع على التقرير الإحصائي العام الصادر عن جامعة كونكتيكوت الأمريكية خلال العام 2010:

Arnold Dashefsky - Sergio Della Pergola - Ira Sheskin, World Jewish Population 2010, Berman Institute – North American Jewish Data Bank - University of Connecticut.

[3]. صموئيل أتينجر: اليهود في البلدان الإسلامية (1850-1950)، ترجمة: جمال أحمد الرفاعي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ماي 1995، ص: 31.

[4]. انظر مصطفى امحمّد الشعباني: يهود ليبيا، الطبعة الأولى، دار الكلمة، طرابلس 2006، ص: 122.

[5]. Maurice M. Roumani, Gli ebrei di Libia dalla coesistenza all’esodo, Castelvecchi, Roma 2014, p. 138.

[6]. Britsh Military Administration Tripolitania, Annual Report by the Chief Administrator on the Britsh Military Administration of Tripolitania. For the Period 1st January 1945 to 31st December 1945, p. 25.

[7]. Maurice M. Roumani, Gli ebrei di Libia dalla coesistenza all’esodo, p. 171.

[8]. مصطفى امحمّد الشعباني: يهود ليبيا، الطبعة الأولى، دار الكلمة، طرابلس 2006، ص: 102-103.

[9]. Filippo Petrucci, Gli ebrei in Algeria e in Tunisia 1940-1943, Giuntina, Firenze 2011, p. 44.

[10].د. يوسف نعيسة: يهود دمشق، دار المعرفة، دمشق 1988، ص:10.

[11].المصدر نفسه، ص: 16.

[12]. Georges Bensoussan, Juifs en pays arabes: le grand déracinement 1850-1975, Edizion Tallandier, France 2012.

[13]. ذلك التوجه العام بين يهود بلاد المغرب، ينبغي ألاّ يخفي مساهمة بعض العناصر في النضال ضد المستعمر، على غرار المناضل المغربي: أبراهام سرفاتي (1926-2010)، والمناضل التونسي جورج عدّة (1916-2008).

[14]. Aïssa Chenouf, Les juifs d’Algerie 2000 ans d’existence, Editions el-Maarifa, Alger 2004, pp. 144-146.

[15]Maurice M. Roumani, Gli ebrei di Libia dalla coesistenza all’esodo, p. 230.

[16]. Renzo De Felice, Ebrei in un paese arabo. Gli ebrei nella libia contemporanea tra colonialismo, nazionalismo arabo e sionismo (1835-1970), Il Mulino, Bologna 1978, p. 402.

[17]. Ibid., p. 407.

[18]. Ibid., p. 401.

[19]. Paul Sebag, Histoire des juifs de Tunisie, L’Harmatan, Paris 1991, p. 286.

 

abdullah badrhskandarإذا كان قياس الحقائق يؤول إلى الوجود الفعلي فمن الضروري أن يكون لتجرداتها سلوك آخر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنشأة الأولى ثم ما يلبث أن يفارقها إلى حيث المشيئة المقدرة، ونظراً لهذا التحليل تصبح جميع الموجودات آخذة بالمفهوم السلبي الطارئ على بقائها، ولتوضيح هذا البيان يمكن القول إن بطلان ما على هذه الأرض لم يكن تالياً لإيجادها وإنما هو الأصل الذي بدأت منه، وهذا ما يثبت عدميتها في نفسها وهلاكها شكلاً ومضموناً. فإن قيل: إذا اعتمدنا هذا الوجه تكون الحياة الدنيا بعيدة عن المفاهيم الصادقة أو نستطيع القول إنها ولدت عن طريق غير شرعي؟ أقول: التباين بين الموجودات ينذر بعدم شرعيتها إذا كان اتجاهها ملازماً للعدمية المطلقة وهذا لا يتقارب مع ما نحن بصدده إذا أخرجنا الاستثناء الذي لا يعتريه الهلاك، وإن شئت فقل إذا أخرجنا الأشياء التي تنتمي إلى التعدد الموجب، واستناداً لهذا الفهم يمكن أن يظهر الفرق بين النسب المقدرة لتلك الأشياء وبين واجب الوجود سبحانه، ومن هنا نعلم أن العندية الإلهية هي التي تمد الموجودات جميعها بالاتحاد الجزئي دون التكلف المنظور الذي يفضي بها إلى المباينة، وهذا ما أشار إليه سبحانه بقوله: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) الحجر 21.

وتجسيداً لهذا المعنى نرى أن إطلاق القرآن الكريم لمصطلح الهلاك على ما في هذه النشأة قد أخذ مساحة واسعة في متفرقاته، منها قوله تعالى: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) يونس 24. وكذا قوله: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) العنكبوت 64. وقوله تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) آل عمران 185. وهنالك آيات أخرى بهذا الصدد مما يدل على بطلان جميع الأشياء في هذه النشأة وإن كانت مشاهدة لدى الناظر الذي لا يميز بين الرؤية الحقيقية وبين ما يقابلها من الفناء، وقد بين الحق سبحانه هذه النظرة التي لا تصدق بقوله: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) الأعراف 198. وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (ولا تدع مع الله إلهاً آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون) القصص 88.

والآية آنفة الذكر صريحة في نسبة الفناء والهلاك إلى كل شيء ما عدا الذات الإلهية التي عبر عنها بالوجه وهذا يثبت أن جميع الموجودات تستمد فيضها من عطاء الله الدائم، وتأسيسا لهذا المفهوم يمكن الإشارة إلى التغيير المستمر للأشياء باعتبار ذاتها نسبة إلى حركتها التي لا تتوقف، وهذا يدل بكل وضوح على بطلان استمرارها منذ لحظة ولادتها إذا ما أخرجنا الأشياء الثابتة التي أضافها تعالى إلى العندية التي لا يعتريها الهلاك، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم) الأنعام 13. والتعبير بالليل والنهار يراد منه الاستمرار، وهذا يتقارب مع معنى الدوام المعبر عنه بالسماوات والأرض في قوله جل شأنه: (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق... خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد) هود 106- 107.

ومما تقدم نعلم أن كل شيء مصيره إلى الهلاك والبطلان إلا ما كان مستثنى من قبل الحق سبحانه كون هذه الأشياء تستمد وجودها الفعلي من العندية الإلهية كما ذكرنا آنفاً، وقد بين تعالى هذا الفرق بقوله: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) النحل 96. ويتفرع على هذا البقاء جميع ما عند الله تعالى من جنة ونار وعرش وكرسي وما إلى ذلك، ولهذا وصف الجنة بأنها أعدت للمتقين في قوله: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) آل عمران 133. وقريب منه الحديد 21. أي هي عند الله تعالى لا يعتريها الفناء، ويمكن أن يستدل على بقاء الجنة العندي بصورة أكثر وضوحاً في قوله تعالى: (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون) الأنعام 127. ويقابل هذا المعنى ما ذكره سبحانه بحق النار في قوله: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) البقرة 24. وقريب منه آل عمران 131. والدليل على عندية النار يظهر جلياً في قوله تعالى: (سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون) الأنعام 124.

من هنا نصل إلى أن الوجود الفعلي في هذه النشأة لا يتم له البقاء والاستمرار إلا بالتوجه الحقيقي لله تعالى من أجل أن يحصل الإنسان على التعريف الأمثل لأسباب خلقه المشار إليه في قوله سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات 56. ولا موجب لهذه العبادة إلا إذا كان الإنسان متوجهاً إلى الجهة التي أرادها الله تعالى دون النظر إلى المكان المقرر الذي يتجه إليه الناس عادة، وهذا ما بينه سبحانه في قوله: (فأينما تولوا فثم وجه الله) البقرة 115. وسيمر عليك تفصيل هذا الجزء من الآية في المساحة المخصصة للتفسير.

 

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم) البقرة 115. التعبير بالمشرق والمغرب كناية عن جميع الجهات كون ما يقصده الإنسان إنما يتعين بشروق الشمس أو غروبها ولذلك ورد هذا المعنى في آيات أخرى كقوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) البقرة 177. وكذا قوله: (فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون) المعارج 40. وقوله: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها) الأعراف 137. وهنالك آيات كثيرة بهذا المعنى.

وقوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) من آية البحث. أي ليس هناك جهة أهم من جهة بمعنى أن التولية لا تختص بمكان دون آخر، ولهذا علل سبحانه التوجه بقوله: (إن الله واسع عليم) من آية البحث. وارتباط الآية بما قبلها فيه إشارة لا تقبل اللبس على أن منع ذكر الله تعالى في المساجد لا يكون عثرة في طريق الناس الذين يكون توجههم إليه سبحانه بغض النظر عن الجهة المعلومة لديهم، وهذا ما يظهر من مفهوم الآية أو من خلال تعلقها بما قبلها كما بينا.

فإن قيل: ما الفرق بين ثم وهناك؟ أقول: كلاهما بمعنى، أي ظرف مكان كما في آية البحث وكما في قوله تعالى: (وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً) الإنسان 20. وكذا قوله: (وأزلفنا ثم الآخرين) الشعراء 64. وقوله: (مطاع ثم أمين) التكوير 21.

فإن قيل: التولي: يعني الإدبار فكيف يصح اعتماده الملازمة في آية البحث؟ أقول: ولى من أسماء الأضداد وهو يفيد كلا المعنيين أي الإقبال والإدبار، وقد تكلمنا عن هذا الموضوع في مناسبات سابقة.

فإن قيل: ورد لفظ هنالك في القرآن دون هناك فهل يمكن أن يكون الثاني صحيحاً؟ أقول: عدم ورود اللفظ في القرآن الكريم لا يعني عدم صحته وهنالك شواهد كثيرة لتبيان ما ذهبنا إليه، منها الأرض التي لم تجمع على أرضين، ولهذا قال تعالى: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن) الطلاق 12. علماً أن الأرضين لغة صحيحة وقد وردت في الأدعية المعتبرة... فتأمل ذلك بلطف.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

    عبد الله بدر اسكندر   

 

abdullah badrhskandarالمسجد الإصلاحي لا يعتمد على إظهار الشعائر الدينية بمقتضياتها الشكلية التي تؤول إلى عدم الالتزام بالمنهج السليم الذي يرتبط بالنواحي الفكرية، ولهذا يتعين الأخذ بما هو مخالف للمنهج السائد لدى شريحة كبيرة من الناس الذين يظهرون الدين على أنه عمل من الأعمال التي تمارس فطرياً أو وراثياً دون دراسة أو تمحيص لما يجري حولهم، ومن هنا نشأت الأفكار الهدامة التي أصبح لها أسياد في كل البقاع التي ينتمي إليها المؤمنون ما يؤدي بأمر دينهم إلى زوال وتباب، وبناءً على هذا نرى أن السعي في خراب مساجد الله لا يراد منه هدم الأحجار المكونة للبناء المادي، لأن ذلك لا يحتاج إلى جهد كبير نظراً لليسر الحاصل في إعادة تشييده على وجه مماثل أو أكثر رقياً، وقياساً إلى هذا الطرح نلاحظ أن هناك من اتخذ من هذا المنطلق ما يرضي غريزته الذاتية بغض النظر عن المراقبة الفعلية التي تجعل العمل متلازماً مع الغايات القريبة من الأفكار التي نزلت بها رسالة التوحيد.

ومما سبق نستنتج أن الأجواء القرآنية قد توحي بالذم المفرط في جميع المواضع التي تتحدث عن هذه الأفعال ما يجعلها في أسفل الدركات إذا علمنا أن عدم الالتزام لا يظهر أثره الفاعل في إعطائها الدور الريادي الذي يجب أن تنطلق منه، وقد أشار الحق سبحانه إلى هذا المفهوم بقوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون... إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين... أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين) التوبة 17- 19.

وعند تأمل الآيات آنفة الذكر نلاحظ أن هناك فرقاً كبيراً بين العمارة المادية للمساجد وبين الإيمان بالله واليوم الآخر أو الجهاد في سبيله، وإذا ما تحقق الجمع بين المعنيين فإن الدرجات تكون رفيعة بلا أدنى شك، وهذا المعنى قد يرفد النتائج الإيجابية للإيمان الذي يرتضيه الحق سبحانه، ويمهد للقائم عليه جميع الأجواء التي تجعل سبيله إلى الرشد قاب قوسين أو أدنى، وبهذه الطريقة يصبح البناء المادي سبباً لنشر الفضيلة بما يتناسب مع الدور الريادي الذي يتكفل بإيجاد المنهج القويم لدين الله تعالى، وفي مقابل هذا النهج نلاحظ دور اليد الثانية التي تسعى إلى التخريب بدلاً من الإصلاح، وهذا النوع لا يتعدى إلى أكثر من تخريب الأفكار دون المباني إذا ما علمنا أن الاعتداء على الشعائر الدينية ومحاربتها يعد من أبشع أنواع الظلم، واستناداً إلى ما تقدم يظهر سبب نسبة المساجد إلى الله تعالى وهي نسبة تشريفية، وسيمر عليك تفصيل هذا المعنى في تفسير آية البحث.

 

   تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) البقرة 114. الاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد أظلم من أولئك الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. فإن قيل: هل أن نسبة المساجد إلى الله تعالى تبنى على الحقيقة؟ أقول: في السياق إشارة إلى نوع من التوسع الاصطلاحي وتأسيساً على ذلك تكون الإضافة تشريفية، والإضافات التشريفية كثيرة في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (أيام الله) الجاثية 14. وقوله: (تجري بأعيننا) القمر 14. وكذا قوله: (ولتصنع على عيني) طه 39. وقوله تعالى: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) البقرة 125. وكذلك قوله: (ناقة الله) الأعراف 73. هود 64. الشمس 13.

فإن قيل: سياق آية البحث يُظهر أن أظلم الناس هو من يمنع ذكر الله تعالى في المساجد ويسعى في خرابها، إلا أن هذا اللفظ قد يطلق على مصاديق مختلفة، كما في قوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته) الأنعام 21. وكذا قوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء) الأنعام 93. وقوله: (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) البقرة 140. وكذلك قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها) الكهف 57. وهناك آيات أخرى تفيد المعنى نفسه، فكيف الجمع؟ أقول: الآيات التي ذكرت تشير إلى كناية إلهامية لا تخرج عن المبالغة في التعريف ولا يتعين أنها تتعارض من جميع الوجوه إذا علمنا أن أظلم على وزن أفعل التفضيل، وفي هذه الحالة يكون لكل ما ذكر من الآيات وجهاً خاصاً في الظلم بمعنى أن القرينة هي التي تحدد المراد، وتأسيساً لهذا الارتباط تظهر نسبية المتعلق وعدمية إطلاقه، أي أن من يمنع ذكر الله في المساجد هو أظلم ممن يقع عليهم مصطلح المنع بما هو منع في جميع حالاته، وكذا من يفتري على الله كذباً فهذا ينطبق عليه معنى أظلم الناس قياساً إلى الذين يفترون الكذب في مواطن أخرى وهلم جراً.

وقوله تعالى: (أن يذكر فيها اسمه) من آية البحث. أي كراهية أن يذكر فيها اسمه، ومن هنا كان الاتصال مناسباً لقوله تعالى: (وسعى في خرابها) من آية البحث. أي بعد العجز عن المنع تأتي مرحلة الهدم والتخريب على الرغم من الأمر التشريعي القاضي بمنع هؤلاء من دخول المساجد، بمعنى يجب عليكم منع الذين سعوا في هذا الإفساد بشقيه من أن يدخلوا المساجد وإذا ما استجيب للمنع فإن دخولهم سيكون على خوف بلا أدنى شك، ولهذا عقب تعالى بقوله: (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها) من آية البحث. أي ليس لهم الحق في دخولها، فكيف يصل بهم الأمر إلى تخريبها، ومفهوم الآية يبين مدى التعريض المناسب للمؤمنين من جهة والوعيد للمانعين من جهة أخرى، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم) التوبة 28.

فإن قيل: ذكر غير واحد من المفسرين أن الآية تشير إلى الأرض بكاملها دون المساجد المتعارف عليها وذلك استناداً لقول النبي جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فهل لهذا التفسير من وجه؟ أقول الجهة منفكة بين قول النبي (ص) وبين الآية إذا ما علمنا أن اللفظ لا يحمل على العموم في جميع الحالات، وهناك أمثلة كثيرة في القرآن الكريم تبين ما نذهب إليه، كقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) آل عمران 110. وأنت خبير بأن اللفظ لا يدل على الاستغراق، ونظير هذا قوله في بني إسرائيل: (وأني فضلتكم على العالمين) البقرة 47. 122. ومنه قوله: (أو ينفوا من الأرض) المائدة 33. أي ينفوا من بلد إلى آخر لا أن ينفوا إلى السماء، وقوله تعالى: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) يوسف 55. وقريب منه قوله: (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين) يوسف 80. وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) آل عمران 173.

 من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

 

    عبدالله بدر اسكندر  

 

ibrahim abrashمقدمة: المراجعات الفقهية والفكرية التي تظهر بين الفينة والأخرى داخل جماعات الإسلام السياسي أو بعض قياداتها تستحق التوقف عندها ودراستها بتمعن، نظرا لأن القائمين بالمراجعة شخصيات قيادية لها وزنها داخل الجماعات، ولأن هذه الجماعات شغلت خلال العقود الثلاثة الاخيرة حيزا كبيرا من المشهد السياسي العربي والإسلامي سواء على مستوى التنظير ومحاولة ملء فراغ تراجع الأيديولوجيات الشمولية كالأممية والقومية، أو على مستوى الممارسة كمعارضة أو كأحزاب سلطة، وهي ممارسة اتسمت بالعنف والدموية بشكل غير مسبوق في التاريخ العربي الحديث خصوصا خلال سنوات ما يسمى بالربيع العربي، كما تركت بصماتها المدمرة اجتماعيا واقتصاديا وتنمويا على الدول والمجتمعات الوطنية وعلى القضية الفلسطينية .

في الوضع الطبيعي فإن المراجعات الحزبية أو النقد الذاتي حالة صحية وجزء من الحياة السياسية للأحزاب والجماعات السياسية وللأيديولوجيات والأفكار، من منطلق أن المعرفة الإنسانية بشكل عام معرفة نسبية، والمطلق الوحيد أو المقدس هو الله والكتب السماوية المُنزَلة، وحتى على هذا المستوى هي مقدسة ولا تخضع للمراجعة بالنسبة لمعتنقيها فقط، كما أن التطور سنة من سنن الحياة .

 لكن بالنسبة للجماعات العقائدية كجماعات الإسلام السياسي فالأمر مختلف ليس لأنها جماعات ذات مرجعية دينية بل لأنها تضفي على نفسها وأشخاصها واجتهاداتها طابع القدسية مما يجعل المراجعات أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا لأنه يعتبر مسا بالمقدس، ليس المقدس الحقيقي المرتبط بالقرآن والسنة بل اجتهادات وتأويلات وأشخاص تم إضفاء طابع القدسية عليها .

كما سنبحث في خصوصية الديني والوطني في التجربة الفلسطينية ومدى تأثير المراجعات التي تمت عند جماعات الإسلام السياسي وخصوصا عند جماعة الإخوان المسلمين على حركة حماس، وهل جرت مراجعات جادة داخل حركة حماس ؟ وهل أن خطاب خالد مشعل يوم السبت 26 سبتمبر 2016 في الدوحة يندرج في إطار المراجعات .

سنقارب الموضوع في ثلاثة محاور : يتناول الأول مقاربة لمفهوم المراجعات عند الجماعات العقائدية الأممية وأهمها في التاريخ المعاصر، ويتناول الثاني المراجعات عند جماعات الإسلام السياسي، والمحور الثالث مراجعات حركة حماس الفلسطينية وتداعيات مراجعات الجماعات الإسلامية على القضية الفلسطينية .

المحور الأول: مقاربة لمفهوم المراجعات

مراجعة المواقف والتوجهات السياسية والأيديولوجية للأحزاب والحركات العقائدية وما يُبنى عليها من ممارسات أمر محمود ومطلوب في الحياة السياسية بشكل عام، فكيف إن أدت هذه المواقف والممارسات لنتائج كارثية على الشعب والقضية أو العقيدة بما في ذلك العقيدة الدينية نفسها التي يدافع عنها الحزب أو الجماعة العقائدية . لقد أكدت التجارب التاريخية و المعاصرة أيضا أن العمر السياسي للأحزاب والنظم الدوغماتية والدينية المغلقة قصير، وكلما تأخرت عملية المراجعة والتحول عند هذه الأحزاب والأنظمة كلما كان سقوطها أكثر حتمية وأكثر دموية .

لا نقصد بالمراجعات في سياقنا هذا عملية التقييم للسلوك والمواقف التي تقوم بها الاحزاب أو أية مؤسسة وحتى الأشخاص بين فترة وأخرى لمعرفة أسباب الخلل والتقصير لتجاوزها مستقبلا، كما لا نقصد بالمراجعة هنا النقد الذاتي أو المراجعة الروتينية للمواقف والسلوكيات، فهذه كلها أمور تدخل في صلب العمل السياسي ومن طبيعة الحياة بشكل عام .

تعريفنا الإجرائي للمراجعات أنها العملية التي تقوم بمقتضاها الأحزاب والجماعات العقائدية وخصوصا الإسلامية بمراجعات كلية أو جزئية لاجتهادات أو سلوكيات، وتكون الأمور التي تم التراجع عنها من الثوابت والأساسيات في فكر ومنهج هذه الجماعات، كما أن سياق المراجعات يأتي بعد سنوات من ممارسة العنف وتكفير أو تخطيء النظام والمجتمع أحيانا ومعاداة الدولة الوطنية وتشريعاتها الوضعية وعدم الاعتراف بها، وغالبا ما تأتي المراجعات بعد أزمة عميقة تمر بها هذه الجماعات .

فالمراجعة بهذا المعنى تعني إعادة نظر جذرية فيما كان يُعتبر بالنسبة للجماعة مسلمات لا مجال للشك فيها، وإدراجها في سياق الاجتهادات التي تقبل الخطأ والصواب أو اعتبارها من الاخطاء التي يجب التخلي عنها نهائيا . والمراجعة لا تعني الرجوع عن القواعد الثابتة في العقيدة التي لا يُختلف عليها أو يُشكَك بها، بل مراجعة اجتهادات وتفسيرات كانت الجماعة تعتبرها مسلمات . فالمراجعة تنصب على الانتاج البشري من فكر وسلوك وليس على الكتاب السماوي – القرآن - أو أحاديث الرسول ونهجه، حيث كل ما هو خارج هذين المصدرين غير مقدس وغير مُلزم ويمكن الرجوع عنه .

من خلال قراءة لأهم المراجعات التي تركت صدى كبيرا نلاحظ أنها تخص الجماعات العقائدية أو الأصولية، سواء كانت أصولية دينية كالأصولية الإسلامية أو أصولية علمانية، فالأصولية ليست سمة أو مرض يصيب الحركات الدينية فقط بل يتعداها إلى الأيديولوجيات الدنيوية أو الوضعية كالايدولوجيا الماركسية وبعض الأحزاب القومية .

إن ما يجعل المراجعات تؤدي لزعزعة الجماعات العقائدية وإحداث أزمات عميقة داخلها قد تؤدي إلى انهيارها أو تفككها، هو انغلاق هذه الجماعات لعقود على نفسها، وإضفاء طابع القدسية على تنظيراتها ومنظريها بحيث لا تُفسح المجال لأن تجدد نفسها ومقولاتها من خلال التجربة والواقع وتستمر بالمكابرة والعناد وإدارة الظهر للفجوة الكبيرة بين مجريات الواقع ومتطلبات الحياة اليومية من جانب وتنظيراتها ومنظريها من جانب آخر  .

إن كان مصطلح المراجعات الفكرية ارتبط في عصرنا الراهن بالجماعات الأصولية الإسلامية –الاممية الإسلامية -  فقد سبقها في ذلك مراجعات داخل الأممية الشيوعية نتيجة عوامل متعددة، إما حزبية ذاتية مرتبطة بتطور الوعي السياسي والفكري و نتيجة تدافع الأجيال، أو نتيجة تلمس خصوصيات اجتماعية (قومية) تتطلب خصوصية في تطبيق النظرية، أو نتيجة هزائم وعجز في الممارسة، أو تمرد الفروع على المرجعية الأم في موسكو، وفي حينها لم تكن تسمى مراجعات بل كان الماركسيون المتمسكون بالأصول الماركسية اللينينية ينعتونها بالتحريفية .

 في هذا السياق نستحضر مراجعات الحزب الشيوعي الصيني بزعامة ماوتسي تونغ لأسس الماركسية اللينينية وخصوصا من حيث خصوصية المجتمع الصيني وتركيبته الطبقية بما لا يسمح بتطبيق الماركسية بحذافيرها، وقد أدت اجتهادات ماوتس تونغ لظهور الماركسية الماوية، والمراجعات التي قام بها الحزب الشيوعي المجري –هنغاريا- عام 1956 و التي أدت لثورة تم سحقها بتدخل عسكري مباشر من موسكو، نفس الأمر جرى في تشيكوسلوفاكيا عام 1968 أو ما سمي (ربيع براغ) وتم سحقها أيضا بتدخل الجيش الاحمر .

في بداية السبعينيات برزت ظاهرة الأورو شيوعية حيث تمت مراجعة جذرية عند الأحزاب الشيوعية في اسبانيا وفرنسا وايطاليا بحيث جرت عملية توطين أو قومنة هذه الأحزاب وتخلت عن أهم مرتكزات النظرية الشيوعية حول السلطة والحكم، كالوصول إلى السلطة عن طريق الثورة وديكتاتورية الطبقة العاملة، الأمر الذي مكنها من المشاركة في الحياة السياسية الديمقراطية .

في منتصف الثمانينيات ومع استمرار أزمة الشيوعية على المستوى الفكري ومستوى الممارسة والحكم، طرقت المراجعات أبواب موسكو نفسها والحزب الشيوعي السوفييتي، وكان ذلك على يد غورباتشوف عام 1985 بعد وصوله للسلطة وقيادة الحزب الشيوعي . فقد أعلن بصراحة عن حاجة الاتحاد السوفيتي لإعادة البناء أو "البيروسترويكا" على المستوى الاقتصادي والشفافية أو "الجلاسنوست" على المستوى السياسي والعام . أدى العمل بهذين المبدأين إلى مراجعات شمولية بدلا من أن تصحح الأوضاع الاقتصادية والسياسية أدت في النهاية إلى انهيار الاتحاد السوفيتي ومعه المعسكر الاشتراكي والايدولوجيا الشيوعية بشكل عام 1991.

في العالم العربي هناك تجربة حركة القوميين العرب حيث حدث التحول والانتقال من القومية المثالية إلى القومية الاشتراكية ثم مراجعة شمولية امتدت من 1964 إلى 1968 أدت لتحولها إلى قوى وأحزاب وطنية، وقد صاحب ذلك مراجعات فكرية عميقة . ومراجعات الفلسطينيين الذين كانوا منتمين لأحزاب قومية أو يسارية أو دينية قبل تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، حيث راجع هؤلاء مواقفهم من الوطنية الفلسطينية بعد هزيمة حزيران 1967، وقرروا هجر تنظيماتهم والانتماء لمنظمة التحرير فرادي أو دخول أحزابهم لمنظمة التحرير في إطار المشروع الوطني الفلسطيني .

وفي المغرب جرت مراجعات منتصف الثمانينيات عند قوى اليسار. حيث انتقلت هذه الأحزاب، كحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحزب الشيوعي – التقدم والاشتراكية لاحقا - ومنظمتا إلى الأمام و 23 مارس، من مرحلة المعاداة المطلقة للنظام وإشهار السلاح ضده لإسقاطه وإقامة نظام سياسي بديل يتبنى المنهج الماركسي، إلى مرحلة الاندماج والمشاركة في النظام السياسي في إطار مصالحة تاريخية مع المؤسسة الملكية والنهج الديمقراطي، وقد آلت الأمور إلى أن يشكِل حزب الاتحاد الاشتراكي الحكومة وصيرورة أمينه العام عبد الرحمن اليوسفي من محكوم بالإعدام يعيش في المنفي في فرنسا إلى رئاسة الوزراء، بعد الانتخابات البرلمانية عام 1998 وتشكيل حكومة التوافق الوطني .

المحور الثاني: المراجعات عند جماعات الإسلام السياسي

تصريحات راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي في المؤتمر العام العاشر للحزب 19-21 مايو 2016 وتصريحات لاحقة له لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية قال فيها " إن حركة النهضة تطورت من حركة إسلامية شمولية إلى حزب مدني وطني متصالح مع الدولة والمجتمع "، وتأكيده على قطع الصلة التنظيمية بجماعة الإخوان المسلمين وبالإيديولوجيات الشمولية والفصل بين الدعوي والسياسي . هذه التصريحات فتحت مجددا موضوع المراجعات عند الجماعات الأصولية وتأثيرها على مستقبل الظاهرة المسماة الإسلام السياسي وعلاقتها بالدولة الوطنية والمجتمع بشكل عام .

 مع أن التجربة الشخصية لراشد الغنوشي المرتبطة بحياته في المنفى في فرنسا ولندن لعبت دورا في صقل أفكاره ومرونتها،وما ساعد على ذلك أيضا خصوصية الإسلام السياسي في تونس وهي خصوصية مستمدة من طبيعة المجتمع التونسي والثقافة التي رسخت خلال عقود ما بعد الاستقلال، إلا أن هذه المواقف لحزب النهضة وللغنوشي تحديدا تندرج في إطار ما يمكن أن نسميه فقه المراجعات عند جماعات الإسلام السياسي، وهي ظاهرة ليست جديدة، ولكن هذه المرة مختلفة حيث جاءت بعد تراجع شعبية جماعات الإسلام السياسي وفشل تجربتها في الحكم في بعض الدول، وتحميلها مسؤولية فوضى الربيع العربي وما صاحبها من مظاهر عنف، وانكشاف علاقتهم بالغرب وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية .

يمكن إرجاع أولى الاجتهادات التي يمكن إدراجها في سياق المراجعات المعاصرة عند المرجعيات الدينية وداخل جماعات الإسلام السياسي إلى أحد علماء الأزهر على عبد الرازق، الذي اعتبر أن نظام الخلافة نظام دنيوي وليس ديني ، وقد تعرض في حينه لانتقادات كثيرة وأصدر الأزهر بينانا قال فيه إن اقوال على عبد الرزاق لا تمثل الأزهر .

ما بين عامي 1997 و 1999 أقدمت بعض قيادات الجماعة الإسلامية المصرية أثناء وجودها في السجن، على مراجعات أثارت كثيرا من الجدل داخل الجماعة وخارجها، وهي مراجعة اقتصرت على التراجع عن نهج العنف والأسس الفكرية الفقهية التي يستند إليها  . ومع أن جدلا ثار لاحقا حول مصداقية وجدية مراجعات السجون إلا أننا نعتقد أن أهم قيادات الجماعة الإسلامية كانت صادقة في مراجعاتها ومنهم ناجح إبراهيم . وبعد سقوط حكم محمد مرسي وبداية محاكمة قادة الإخوان في السجون تجري مجددا مراجعات داخل جماعة الإخوان وإن كان البعض يشكك بجدواها ومصداقيتها حيث ينظرون لها كمناورة للخروج من السجن أو كممارسة باطنية تميز بها الإخوان .  

في نهاية السبعينيات أثار حسن الترابي في السودان ضجة كبيرة بمواقفه التي اعتبرت مراجعات خطيرة حتى إن بعض علماء السودان طالبوا بـ "استتابته" وبعضهم الآخر قال إنه تأثر بأفكار الخميني حيث كانت الثورة الإيرانية في بداياتها . مست مراجعات الترابي جوانب متعددة، كالموقف من المرأة وكانت له رؤية متقدمة تجاه المرأة،وعلاقة الدعوي بالسياسة، حيث قال بأولوية الدولة على المجتمع، أيضا حول الجهاد والعلاقة مع اصحاب الديانات الأخرى، ومع أن الترابي انشق عن جماعة الإخوان المسلمين مبكرا وشكل " حزب المؤتمر الشعبي السوداني " إلا أنه استمر في مراجعاته المثيرة للجدل حتى وفاته .

وبالنسبة لتنظيم القاعدة العنوان الأبرز للإسلام السياسي المتشدد، فقد مارست القاعدة نقدا عنيفا لجماعة الإخوان المسلمين وأخذت عليها نهجها البراجماتي المفرط بل وصفت الجماعة بأنها "مرجئة العصر "، إلا أن تنظيم القاعدة لم ينج بدوره من مراجعات من داخله بدءا من عام 2007 وكان اشهرها مراجعات سيد إمام الشريف المشهور بالدكتور فضل و"ومفتي المجاهدين في العالم " كما اطلق عليه تنظيم الجهاد، وقد دون مراجعاته في ثلاثة كتب، أولها "وثيقة ترشيد العمل الجهادي " وثانيها "التعرية"وآخرها " الصراع في أفغانستان "، وأهم ما جاء مراجعاته : الدعوة لترشيد العمل الجهادى فى مصر والعالم، كما استنكر ظهور صور مستحدثة من القتل والقتال باسم الجهاد انطوت على مخالفات شرعية، ويرى أن الجهاد في الإسلام فريضة مستمرة وباقية، لكن (الجهاديين) مارسوا أخطاء عديدة، وصلت إلي حد المفاسد .كما قال " إن سفك الدماء وإتلاف الأموال بغير حق، من أكثر الأشياء التي تجلب سخط الرب "  . بالإضافة إلى مراجعات الأردني أبي محمد المقدسي، في كتابه "وقفات مع ثمرات الجهاد " و رسالته " مناصرة ومناصحة " الموجهة لأبي مصعب الزرقاوي قبل وفاته سنة 2006 .

وفي ليبيا حدثت مراجعات عند الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، وقام سيف الإسلام القذافي بدور كبير من خلال حواراته مع قادة الجماعة في السجون اللبيبة استمرت لعامين 2007-2009، ووردت المراجعات في وثيقة موسومة بـعنوان " دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس ” .

وفي المغرب حدثت نقلة نوعية عند حزب العدالة والتنمية بعد فوزه بالانتخابات التشريعية لأول مرة 2011 حيث بدى واضحا توطينه للايدولوجيا الدينية لصالح الوطنية المغربية و(الإسلام المغربي)  . وسبق ذلك مراجعات داخل حركة الشبيبة الإسلامية المغربية التي كانت تميل للعنف وأدت المراجعات إلى ظهور حركة التوحيد والإصلاح عام 1996، ومن أبرز قادتها الدكتور أحمد الريسوني الذي وثَّق مراجعات حركته في أحد كتبه حيث يقول في مقدمة الكتاب إن " الفقه الإسلامي عموما هو اجتهاد بشري، فإذا كان الوحي معصوما ؛ فإن فهمه والاستنباط منه ليس عملا معصوما " .  

وفي الأردن أعلن فرع جماعة الإخوان المسلمين في يناير 2016 عن انفصاله عن جماعة الإخوان في مصر مؤكدا أن ما يربط الجماعة في الاردن ببقية فروع الإخوان مجرد تنسيق وليس علاقة تنظيمية، كما يشوب التباس علاقة حزب التجمع اليمني للإصلاح في اليمن بجماعة الإخوان المسلمين .

أن تراجع القوى السياسية مواقفها وأيديولوجياتها لا يعني التراجع والتخلي عن القيم والأهداف والمصالح الوطنية أو التخلى عن العقيدة الإسلامية، بل مراجعة مواقف وأيديولوجيات مؤسَسة على فهم خاطي للمصلحة الوطنية أو للدين أو لهما معا، فالمراجعة في هذه الحالة هي عملية تراجع عن شطط في التفكير وتقصير في الفهم والإدراك أديا لأخطاء في الممارسة، والمراجعة تعني التصالح مع الشعب ومع الوطن والوطنية .

ولكن وحتى تكون المراجعة حقيقية وليس مجرد مناورة للخروج من مأزق أو الانحناء للعاصفة حتى تمر، يجب أن تكون مراجعة جذرية للفكر والأيديولوجيا ومراجعة للسلوك والممارسة في نفس الوقت، كما يجب أن تؤسَس المراجعة على اعتراف حقيقي بالخطأ واستعداد لتصحيحه وتَحَمُّل نتائج ذلك، حيث لكل مراجعة ثمن يجب أن يُدفع، وأن يُدفع اليوم بخسائر أقل أفضل من أن يُدفع مستقبلا بخسائر أكثر فداحة حزبيا ووطنيا وقد يصل الأمر لإخراج الحزب أو الحركة السياسية من المشهد السياسي موسوما بالخيانة . لذا فمن الافضل أن يُدفع الثمن اليوم للشريك الوطني أفضل من أن يُدفع غدا لأطراف خارجية .

إن تغيير السياسات على أرض الواقع والتخلي عن حالة الاستعلاء على الوطن والقوى الوطنية والاستعداد للانخراط في الحالة الوطنية في إطار شراكة لا تعطي تميزا على أساس احتكار الحقيقة الدينية ... هو المحك للحكم على مدى مصداقية خطاب المراجعة والنقد الذاتي . كما أن المراجعة والنقد الذاتي لا يُسقطا المسؤولية ولا يمنحا شهادة حسن سير وسلوك للمراجعين تؤهلهم لأن يستمروا في السلطة إن كانوا يتولونها أو يستلموا سدة الحكم وقيادة النظام السياسي مباشرة إن كانوا في المعارضة، بل يجب أن يمروا بمرحلة من إعادة التأهيل واختبار المصداقية، حتى لا يصبح الوطن والدين حقل تجارب لكل من هب ودب .

من خلال ما سبق واستقراء كل حالات المراجعة عند جماعات الإسلام السياسي نلاحظ بأن المراجعات لا تمس المرجعية الدينية بحد ذاتها بل هي مراجعة لاجتهادات وتفسيرات في بعض القضايا الفقهية أدت لدخول الجماعة المعنية في أزمة داخلية أو بينها وبين الدولة والمجتمع . أحيانا تكون المراجعات كلية أو جزئية تقتصر على بعض الاجتهادات الفكرية أو السلوكيات بدون أن تؤثر على النهج او الخط العام للحركة . 

 

المحور الثالث: مراجعات حركة حماس حول إشكالية الوطني والديني

كتبنا منذ عقد من الزمان مطالبين بتوطين الايديولوجيات الدينية في فلسطين لتصبح جزءا من الحالة الوطنية ومتصالحة معها، وتجنب افتعال صدام كما يجري في بعض البلدان العربية ما بين الوطنية والدين كما تفهمه وتوظفه جماعات الإسلام السياسي  .

الإسلام دين كل المسلمين وهو حالة دائمة لا يرتبط وجوده بحزب أو شخص وهو منزه عن الأهواء والأغراض الشخصية والفئوية الضيقة، بينما جماعة الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي الأخرى أحزاب سياسية لها مصالح بشرية ودنيوية حتى وإن رفعت شعارات دينية أو اتكأت على الدين في تبرير سلوكياتها، وقادتها ليسوا منزهين عن الخطأ،كما أنها أحزاب معرضة للزوال في أية لحظة . لو عدنا للتاريخ السياسي الإسلامي لوجدنا آلاف الفرق والجماعات والأحزاب التي كانت تدعي بأنها تمثل الإسلام، وكلها اندثرت ولم تترك إلا الخراب ومزيدا من فُرقة المسلمين ومن تاريخ دام أسود . لكن يبدو أن البعض في زمننا هذا لا يريد استلهام الدروس والعبر من التاريخ السياسي للمسلمين ويُفضل أن يجرب المجرب ويبدأ دائما من نقطة الصفر، لأن توظيف الدين سياسيا بات صنعة من لا صنعة له وحرفة لا تحتاج لعقل أو علم بقدر ما تحتاج للديماغوجية والتلاعب بمشاعر العامة واستغلال فقرهم وجهلهم.

لو نظرنا للعالم من حولنا اليوم سنلاحظ أنه ما كان لحزب التنمية والعدالة التركي أن ينجح لو لم يوطن أيديولوجيته الدينية ويشتغل ضمن حدود الدولة القومية العلمانية وبما يخدم المصلحة الوطنية التركية دون ارتباط بأي إطار خارجي، نفس الأمر في إيران حيث الانسجام والتناغم ما بين القومية الفارسية والإسلام الشيعي، بل تعمل الأولى على توظيف الخطاب الديني الإسلامي خارج إيران لمصلحة الدولة القومية الفارسية . وفي الحالتين يجري تكييف الدين بما يخدم المصلحة الوطنية وليس العكس، والإسلام يسمح بذلك . وما هو قريب من ذلك ما يجري في ماليزيا واندونيسيا من تعايش وانسجام ما بين الدين والوطنية حيث لا يزعم مسلمو تلك البلدان بأنهم امتداد لأية جماعة سياسية دينية خارجية، والتجربة تتكرر في المغرب بشكل متميز وواعد.

أدركت فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن وتونس والمغرب خطورة المأزق الناتج عن كونها فروع لجماعة أممية ترفع شعار الخلافة وأيديولوجية سياسية شمولية عن الإسلام، متجاهلة الحالة الوطنية كثقافة وهوية وروابط يؤسسها العيش المشترك في كيان سياسي متمايز عن غيره،من جانب، والحاجة للانخراط في الحياة السياسية الوطنية المحكومة بدستور وقوانين والمؤسسة على مفهوم المواطنة من جانب آخر .

المشكلة الرئيسية بالنسبة للإسلام السياسي في فلسطين وخصوصا مع حركة حماس لا تكمن في وجود اجتهادات فقهية تستدعي من حركة حماس مراجعتها، نظرا لغياب علماء دين مجتهدين عند حركة حماس وبسبب تبعية جماعات الإسلام السياسي في فلسطين لمرجعية خارجية، إن المشكلة تكمن في اصطناع مواجهة بين المشروع الوطني و(المشروع الإسلامي) قبل قيام الدولة الوطنية المستقلة وفي خضم المواجهة مع إسرائيل التي تحتل كل فلسطين وتشكل النقيض الموضوعي للشعب والوطن .

انطلاقا من هذه الخصوصية كان على حركتي حماس والجهاد الإسلامي توطين ايديولوجيتهم الدينية لتصبحا جزءا من المشروع الوطني الفلسطيني، نظرا لأن الشعب الفلسطيني يعيش مرحلة تحرر وطني تحتاج لإعلاء راية الوطنية والتمسك بالهوية والثقافة الوطنية، ولخطورة رهن القضية الوطنية بأي أجندة خارجية حتى وإن كانت ترفع شعارات دينية .

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى اختلاف حركة الجهاد عن حركة حماس، حيث إن حركة الجهاد وبالرغم من انتماء مؤسسيها الأوائل لحركة الإخوان المسلمين إلا أنها انفصلت منذ تأسيسها عام 1987 على يد عبد العزيز الشقاقي عن الإخوان وبالتالي عن حركة حماس، ولها مواقف سياسية مغايرة عن حركة حماس، كما انها تُشكل جماعة إسلامية وطنية حيث لا تُعلن انها امتداد لمرجعية أو جماعة خارجية، ورفضها الدخول في منظمة التحرير ليس لأن المنظمة علمانية، كما تبرر حركة حماس رفضها دخول منظمة التحرير، بل بسبب النهج السياسي للمنظمة .

توطين حركة حماس لفكرها وأيديولوجيتها مطلب ضروري إن رغبت بأن تكون جزءا من النظام السياسي الفلسطيني و تقود أو تشارك في قيادة الشعب الفلسطيني، لأن الشعب الفلسطيني لا يقبل أن تحكمه حركة سياسية تقول بأنها امتداد لجماعة الإخوان المسلمين وفرع من فروعها، لأن ذلك يعني أن الأصل هو الذي يحكم، أي يصبح الشعب الفلسطيني محكوم ومسير من طرف جماعة الإخوان المسلمين ويصبح مصير قضيتنا الوطنية رهن بما تأول إليه الأمور في هذه الجماعة ولحساباتها وتوازناتها ومصالحها الأممية .

لا يعني أن توطن حركة حماس نفسها تخليها عن بعدها الإسلامي أو قطع صلتها كليا بجامعة الإخوان،فهذا شأنها وشأن المنخرطين فيها، ويمكنها أن تستمر بهذه الوضعية ما دامت خارج السلطة والقيادة أو تمارس الجهاد المقدس، ولكن أن تقول أو تتطلع لقيادة الشعب الفلسطيني وفي نفس الوقت تقول بأنها امتداد لجماعة خارجية فهذا ما لا يقبله الشعب الفلسطيني لأنه لا يقبل أن يقوده تنظيم خارجي، ولا يقبل أن يرتبط مصيره ومصير القضية الوطنية بمصير حزب قيادته غير فلسطينية.

كثيرون تمنوا على حركة حماس عدم الانزلاق نحو مشاريع دينية أممية على حساب المشروع الوطني، وألا ينخدعوا بالأصوات الخارجية التي ضخمت من فوزهم في الانتخابات التشريعية يناير 2006 مصورين ذلك انتصارا للمشروع الإسلامي العالمي يجب الحفاظ عليه بأي ثمن، إلى غير ذلك من الخطابات التي دفعت حركة حماس للتعالي على المشروع الوطني وقواه الوطنية، وتمنىنا على حركة حماس أن تقول لحلفائها ومرجعياتها في الخارج، إن كانوا يريدون نجاح مشروع الإمارة الإسلامية فليبحثوا عن هذا النجاح في الدول الإسلامية المستقلة وذات السيادة،أما في فلسطين فهناك خصوصية تجعل المسألة الوطنية والمشروع التحرري الوطني سابق على أي مشاريع أخرى .

في المجتمعات الإسلامية الأخرى يمكنهم تغييب البعد الوطني أو إلحاق الوطني بالديني دون خوف على الهوية الوطنية والدولة الوطنية،أما في فلسطين فيجب إلحاق الديني بالوطني، أي توطين الإسلام السياسي،وعندما ننجز مشروعنا الوطني التحرري ودولتنا الوطنية،آنذاك يكون لكل حادث حديث .

بذلت منظمة التحرير كل الجهد لانضواء حركتي حماس والجهاد الإسلامي في منظمة التحرير وفي المشروع الوطني، ولا يسعنا في هذا السياق تجاهل موقف الرئيس أبو مازن في انتخابات يناير 2006 حيث شجع مشاركة حماس في الانتخابات بالرغم من علمه بما تحظى به من شعبية، كما ناشد وتمنى على حركة حماس أن تتفهم خصوصية وخطورة المرحلة وطلب من السيد إسماعيل هنية رئيس الوزراء آنذاك أن يقدم برنامج حكومي لا يمنح إسرائيل فرصة للإجهاض على الحكومة الوليدة – مع أن إسرائيل لا تحتاج لمبررات إضافية لحصار الشعب ولإضعاف السلطة الوطنية بغض النظر عمن يترأسها أو يشكل حكومتها - ولا يدفع دول العالم وخصوصا المموِلة للسلطة من أن تفرض الحصار على قطاع غزة وعلى السلطة بشكل عام.

كان أمام حركة حماس أكثر من فرصة ومناسبة للدخول بعِزة ومن مركز القوة في النظام السياسي والمشروع الوطني، إلا أنها فوتت هذه الفرص نتيجة ما كانت تتعرض له من ضغوط من طرف الاجندات والمشاريع الخارجية، وبسبب فهم خاطئ لعلاقة الديني بالوطني، وأيضا نتيجة حقد بعض قياداتها على حركة فتح ومنظمة التحرير، وكان ثمن ذلك سقوط الكثير من الضحايا بالإضافة إلى حالة الانقسام المريرة، دون تجاهل أخطاء وممارسات، بعضها مقصودة وأخرى غير مقصودة، من بعض المسئولين في حركة فتح والمعسكر الوطني .

بعد ما جرى ويجري في العالم العربي من فوضى وتراجع جماعات الإسلام السياسي وخصوصا في مصر أخذنا نسمع خطاب المراجعة والنقد الذاتي عند حركة حماس على لسان بعض قادتها من خلال ملامسة مفردات المشروع الوطني، كما خففت الحركة من ملاحقة رموز المشروع الوطني كالكوفية والعلم والأغاني الوطنية، بالإضافة إلى تخفيف حدة علاقاتها مع الشخصيات والقوى الوطنية المعارِضة لها . لكن التغير الأهم هو صدور تصريحات ملتبسة عن علاقة حركة حماس بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين وتأكيدها بأنها تنظيم وطني فلسطيني، وهذا ما سمعناه خلال وبعد زيارة الوفد الحمساوي المفاجئة للقاهرة منتصف مارس2016 . ومنها ما ذكره النائب في التشريعي يحيى العبادسة في مقابلة صحفية حيث قال "أنا في حركة حماس منذ 40 عام، لا أعلم أنه لهذه الحركة أي ارتباط تنظيمي إداري بحركة الإخوان المسلمين، وما يتم الحديث عنه في هذا الأمر لا أصل له من البداية"، مؤكداً أنه حماس حركة تحرر وطني أجندتها وقيادتها فلسطينية، ومجال عملها ضد الاحتلال في فلسطين"، وتعتبر مواقف وتصريحات وكتابات الدكتور احمد يوسف نموذجا لحالة وطنية متقدمة تتشكل داخل حركة حماس حتى وإن اعتبرها البعض نوعا من تقسيم الأدوار إلا أنها تترك صداها وتأثيرها في القواعد الشعبية التنظيمية للحركة ومناصريها .

وفي نفس السياق يمكن اعتبار ما قاله السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في ندوة نظمها مركز الجزيرة للدراسات في الدوحة يوم السبت 24 / 9/2016 تحت عنوان " التحولات في الحركات الإسلامية " يندرج في سياق المراجعات السياسية لحركة حماس . حيث اعترف بأن حركة حماس أخطات عندما استسهلت حكم قطاع غزة واعتقادها بأن زمن حركة فتح قد انتهى، بالإضافة إلى كيفية تعامل الإسلاميين مع ما يسمى (الربيع العربي) . وقد سبق للسيد خالد مشعل في ندوة عن "الإسلاميين والديموقراطية" عُقدت في الدوحة 8/10/2012 أن طالب حركات الإسلام السياسي بأن تؤسس لنموذج معاصر للديموقراطية، قائلا : بأن "هناك فرقاً بين موقع المعارضة والحكم، بين التخيّل والافتراض والمعايشة والمعاناة، وفرقاً بين الناقد والممارس... وأن على الإسلاميين الاعتراف بأن الحكم أعقد مما كانوا يتصورون .

دون الخوض بكثير من الجدل ما إن كانت المراجعات السياسية لحركة حماس تعبير عن تطور ونضج حقيقي في التوجهات الوطنية للحركة أم مجرد مناورة والتفاف على المأزق الذي تعيشه داخليا وخارجيا، فإن الحركة اليوم أمام مفترق طرق : إما أن تستمر في التموضع كامتداد لأصل خارجي وبالتالي قرارها خارجها مما يجعلها عرضة لمراهنات البعض من الأيديولوجيين الإسلاميين على جعل غزة الإقليم القاعدة لدولة الخلافة الموعودة وتستمر إسرائيل في ابتزازها،أو أن تنحاز لفلسطين وللهم الوطني وتعمل مع القوى السياسية الفلسطينية على استنهاض المشروع الوطني، وفي المشروع الوطني متسع للجميع و الوطنية الفلسطينية لا تناصب الدين العداء، بل إن هذا الأخير جزء أصيل منها وأحد أدواتها في مواجهة المشروع اليهودي الصهيوني الاستعماري .

إذن من الجيد أن تقوم حماس بتوطين خطابها وتوجهاتها السياسية وأن تتعلم درسا من تجربة مريرة من التبعية لأجندة ومشاريع عابرة للوطنية . مراجعة حركة حماس لا يعني أن تلتحق بمشروع أوسلو أو حتى بمنظمة التحرير بواقعها الراهن، بل بالمشروع الوطني الذي يجب أن يُعاد تأسيسه بمشاركة الجميع، وهو مشروع يحتاج لروح المقاومة والصمود .

 

خاتمة

بعد ما وصل إليه حال المسلمين من فرقة وتناحر داخلي وسيطرة الفكر المتطرف فإن الأمر يحتاج ليس فقط لمراجعات جزئية من هذا الداعية أو الحزب الإسلامي او ذاك بل لثورة دينية، ليس ثورة ضد الدين ولكن ثورة من أجل موضعة الدين في الحياة السياسية بحيث لا نجعله محل اجتهاد وحقل تجارب لكل من هب .

وعلى المستوى الفلسطيني كان على حركة حماس الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحالة الفلسطينية واختلافها عن الحالة العربية، بمعنى في الحالة العربية الشعوب أقامت دولتها ومشروعها الوطني، وبعض فئات المجتمع تريد أن تنقل المجتمع من مربع الدولة الوطنية الى مربع أشمل وهو الدولة أو الخلافة الاسلامية، لكن الفلسطينيين لم ينجزوا الدولة الوطنية بعد وما زالوا تحت الاحتلال ومهمتهم تحرير وطنهم أولا، وسيكون من المخاطرة القفز لمشروع الخلافة أو الوحدة الإسلامية قبل إقامة الدولة الوطنية وتحرير فلسطين .

 

أستاذ العلو م السياسية في جامعة الأزهر في فلسطين، وزير الثقافة الأسبق .

....................

الهوامش

1. تتعدد المسميات التي تُطلق على الجماعات التي توظف الدين للوصول إلى السلطة - وإن كان البعض يُخرج الجماعات السلفية الدعوية التي لا تتدخل بالسياسة مباشرة من تصنيف الإسلام السياسي إلا أننا نرى أن كل حزب أو جماعة تميز نفسها بالدين لها علاقة بالسياسة بشكل أو آخر حتى وإن ادعت غير ذلك – لذا فإن كل جماعة تسعى للوصول للسلطة سواء عن طريق العنف أو غيره من الوسائل، لتطبيق برنامجها المتكئ على تصورها الخاص للسلطة والدولة والمستمد من الدين، تندرج في إطار الإسلام السياسي أو الجماعات الأصولية، وبطبيعة الحال فإنها تختلف عن بعضها من حيث درجة لجوئها للعنف أو تكفير الآخر أو الاعتراف بالديمقراطية والمشاركة السياسية الخ .

2. الليبرالية أقدم في الظهور من الماركسية، وبينما انهارت الثانية استمرت الاولى ويعود السبب أنها تجدد نفسها باستمرار ولا تضفي طابع القدسية على مقولاتها ومفكريها وتؤمن بأن المعرفة الإنسانية معرفة نسبية وأن النظرية العلمية الحقيقية هي النظرية التي تقبل المراجعة وإعادة النظر في مقولاتها .

3. حول الموضوع يمكن الرجوع إلى : سمير امين،ترجمة صلاح داغر، الماوية والتحريفية، دار الحداثة للطباعة والنشر، بيروت، 1984 .

4. لم يقتصر أمر المراجعات أو الاجتهادات داخل المنظومة الشيوعية على هذه الأحزاب بل شملت غيرها، كمراجعات أو تحريفية أنور خوجا في البانيا والذي حكم البلاد لمدة أربعين عاما حتى 1985، ومراجعات جوزيف بروز تيتو في يوغسلافيا الذي اشتق نهجا خاصا بيوغسلافيا، واستمر نهجه حتى وفاته 1980، ويمكن أن نضيف فيدل كاسترو في كوبا . مع العلم أن هذه الأحزاب اتهمت أولا الحزب الشيوعي السوفيتي بالتحريفية وممالأة الامبريالية بعد المؤتمر العشرين للحزب 1956.

5. حول الظاهرة يمكن مراجعة كتاب الأمين العام للحزب الشيوعي الإسباني : سانتياغو كاريللو، الأورو شيوعية والدولة، ترجمة سعاد محمد خضر، بغداد، 1978.

6. يمكن الرجوع إلى: إبراهيم أبراش، دراسة تحليلية لحركة القوميين العرب ومواقفها من القضية الفلسطينية، ضمن كتاب : الحركة القومية العربية في مائة عام، إعداد ناجي علوش، دار الشروق، عمان، 1998 .

7. أنظر حول الموضوع بالتفصيل : إبراهيم أبراش، الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق (مقاربة للتجربة الديمقراطية في المغرب)، منشورات الزمن، الرباط، 2001.

8. صحيفة الشرق الأوسط اللندنية 1 يونيو 2016

9. فشلت جماعة الإخوان المسلمين بقيادة محمد مرسي في الاستمرار بحكم مصر لأكثر من سنة - تم انتخابه يوم 24 يونيو 2012 وعزلته القوات المسلحة في 3 يوليو 2013 بعد ثورة شعبية - كما تراجع حزب النهضة التونسي في الانتخابات التشريعية التي جرت في اكتوبر 2014، وفي بقية البلدان تراجعت شعبيتهم بدرجة كبيرة بل تم تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كحركة إرهابية من طرف العربية السعودية ودولة الإمارات العربية وغيرها .

10. علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، دار الهلال، القاهرة، 1925 .

 11. تم الإعلان عن هذه المراجعة في يوليو عام 1997، أثناء نظر القضية رقم " 235 " حيث ألقى أحد المتهمين، وهو محمد عبد العليم، بيانا موقعا من القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية يدعو فيه إلى وقف العمليات المسلحة كافة ووقف التحريض عليها داخل وخارج مصر حقنا للدماء.

12. يعتبر ناجح إبراهيم من القيادات الإسلامية العقلانية المؤثرة على قطاعات الشباب والمثقفين، ومن أقواله حول المراجعات : "انطلاق المراجعات في إطار السلفية الجهادية التي تعد القاعدة أبرز ممثليها، أتت بعد مسار طويل من المواجهة، وإيمان راسخ بـ (حتميتها)، وهو المسار الذي أفضى إلى الوصول إلى (حتمية) المراجعة وفقه النتائج".

13. توفي يوم الخامس من مارس 2016 . وحول افكاره ومراجعاته يمكن الرجوع إلى : حسن مكي، مراجعات الحركة الإسلامية في السودان، 2010، دار المدبولي، القاهرة . حسن الترابي : السياسة والحكم : النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع، الدار العربية للعلوم 2011 . أيضا سلسلة مقابلات متلفزة مع الترابي تحت عنوان مراجعات الترابي على الرابط التالي : https://www.youtube.com/watch?v=N34EAxbcwq0

 14.    http://al3asemanews.net/news/show/138927

15. هاني سمرة، رؤية تحليلية لمراجعات الجماعات الجهادية، الجزيرة نت، 6 فبراير 2012 .

16.    http://www.assakina.com/center/parties/9489.html#ixzz4B1D3jkjy

17. بالرغم من أن البعض يعتبر حزب العدالة والتنمية المغربي جزءا من التنظيم العالمي للإخوان إلا أن الحزب يُعرِّف نفسه بأنه" حزب سياسي وطني يسعى، انطلاقا من المرجعية الإسلامية وفي إطار الملكية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين، إلى الإسهام في بناء مغرب حديث وديمقراطي، ومزدهر ومتكافل، مغرب معتز بأصالته التاريخية ومسهم إيجابيا في مسيرة الحضارة الإنسانية " وقد نفى.عبد الإله بن كيران الأمين العام للحزب بعد فوز حزبه بالانتخابات أية علاقة تنظيمية مع الإخوان المسلمين .

http://www.alhurra.com/content/moroccan-prime-minister-benkiran-muslim-brotherhood-egypt-/255300.html

 18 - احمد الريسوني، فقه الثورة ... مراجعات في الفقه السياسي الإسلامي، دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012 .

19 - تصريح لمعاذ الخوالدة الناطق الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين في الأردن لصحيفة اليوم السابع المصرية 21 فبراير 2016 .

http://www.youm7.com/story/2016/2/21

 20- http://m.ahewar.org/s.asp?aid=78855&r=75&cid=0&u=&i=1517&q=

 21- http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2016/03/27/892153.html

 

 

majed qarawiتقديم: يعتبر الطفل مركز اهتمام العديد من العلوم .اذ تعددت التنظيرات واختلفت في فهم الشخصية القاعدية للطفل وكذلك فهم بنيته النفسية ومتطلباتها. تعتبر صعوبات التعلم إحدى التحديات والعقبات التي تعترض طريق سير العملية التعليمية للأطفال، بحيث يظهر الطفل صعوبة في أي من العمليات المرتبطة بالتعليم، مثل: القراءة، والكتابة، والتهجي، والفهم، والتفكير، والإدراك، والانتباه، والنطق، وإجراء العمليات الحسابية، أو في أي من المهارات المرتبطة بالأمور السالفة الذكر، وتشمل حالات صعوبات التعلم الأطفال ذوي الإعاقة النفسية أو الجسدية أو العقلية أو المضطربين إنفعالياً، أو المصابين بأمراض وعيوب السمع والبصر، لكن يجب ألا تكون الإعاقة هنا هي المسبب الرئيس لصعوبات التعلم، فهي أيضاً توجد لدى الأطفال الأصحاء، وهنالك بعض المؤشرات والعلامات التي تظهر على الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم أي ان صعوبات التعلم ليست فردية ويمكن دراستها بمعزل عن المحيط الاجتماعي للتلميذ بما في ذلك دور الاسرة وتاثيراتها والمشكلات الاجتماعية الأخرى ضف إلى ذلك الشارع وجماعة الزمرة...ومن هنا يكمن دور الارشاد النفسي والاجتماعي من حيث فهم سلوكات التلاميذ وضبطها .

فما المقصود بصعوبات التعلم؟

وماهي تجلياته؟ وماهو دور الارشاد النفسي والتربوي في تجاوز هذه الصعوبات ؟

 

1. أهميةالمقال:

- تفيد المقالة العاملين في المجال التربوي من اجل وضع استراتيجية علاجية وبرامج ارشادية من اجل تحسين وضع التلاميذ ذوي صعوبات التعلم عن طريق التوافق والتلائم مع البيئة التي يعيشون فيها.

- قلة توافر البحوث النفسية في هذا المجال .

- لفت أنظار المهتمين إلى المشاكل والفروقات بين التلاميذ .

 

2. تعربف صعوبات التعلم:

تمت المحاولة الاولى لوضع تعريف محدد لصعوبات التعلم في عام 1963 حيث اقترح كيرك التعريف التالي:

يشير مفهوم صعوبات التعلم إلى تأخر أو اضطراب أو تخلف في واحدة أو أكثر من عمليات الكلام، اللغة، القراءة، التهجئة، الكتابة، أو العمليات الحسابية نتيجة لخلل وظيفي في الدماغ أو اضطراب عاطفي أو مشكلات سلوكية. ويستثنى من ذلك الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم الناتجة عن حرمان حسي أو تخلف عقلي أو حرمان ثقافي.

وفي عام 1968 وضعت اللجنة الوطنية الاستشارية لشؤون المعوقين والتابعة لمكتب التربية الاميركي تعريفها مستندة إلى تعريف كيرك وقد اعتمد من قبل القانون الاميركي للمعوقين في سنة 1975 وتعديلاته اللاحقة سنة 1990 والذي ينص على التالي:

صعوبات التعلم الخاصة تشير إلى اضطراب في واحدة أو أكثر من العمليات النفسية الاساسية اللازمة سواء لفهم أو استخدام اللغة المنطوقة أو المكتوبة. وتظهر على نحو قصور في الاصغاء، أو التفكير، أو النطق، أو القراءة، أو الكتابة، أو التهجئة، أو العمليات الحسابية. ويتضمن هذا المصطلح أيضا حالات التلف الدماغي، والاضطرابات في الإدراك، والخلل الوظيفي في الدماغ وعسر القراءة أو حبسة الكلام. ويستثنى من ذلك الأطفال الذين يعانون من صعوبات في التعلم يمكن أن تعزى للتخلف العقلي أو لتدني المستوى الثقافي الاجتماعي أو للصعوبات البصرية أو السمعية أو الحركية أو الانفعالية".

تم نقد هذا التعريف من قبل الكثير من المختصين لاستخدامه بعض العبارات التي يصعب وصفها إجرائيا مثل العمليات النفسية والاضطرابات في الادراك والخلل الوظيفي في الدماغ والبعض انتقده لإغفاله تحديد درجة شدة الاضطراب أو التأخر.

وبعد هذا التعريف كان هناك تعريفات عدة منها تعريف اللجنة الوطنية الاميركية لصعوبات التعلم NJCLD وصعوبات التعلم هي مجموعة متجانسة من الاضطرابات التي تتمثل في صعوبات واضحة في اكتساب واستخدام قدرات الاستماع، الكلام، القراءة، الكتابة، الاستدلال الرياضي، يفترض أن هذه الاضطرابات تنشأ نتيجة خلل في الجهاز العصبي المركزي أو ربما تظهر مع حالات أخرى كالتخلف العقلي او العجز الحسي أو الاضطرابات الانفعالية والاجتماعية أو متلازمة مع مشكلات الضبط الذاتي ومشكلات الادراك والتعامل الاجتماعي أو التأثيرات البيئية وليست نتيجة مباشرة لهذه الحالات أو التأثيرات.

ومن التعريفات التي وضعت في هذا المجال بعض التعريفات التي حاولت التفريق بين صعوبات التعلم وبين الظروف الاخرى التي تؤثر في انخفاض التحصيل العلمي حيث يوجد نمطين اساسيين من العوامل التي تؤثر في هذا الانخفاض وهي:

‌أ. عوامل خارجية: وترجع إلى العوامل البيئية كالثقافية والاقتصادية والظروف الاجتماعية ونقص فرص التعليم والتعلم، وتمثلت هذه العوامل في تعريف الـ NJCLD في عبارة المؤثرات البيئية.

‌ب. عوامل داخلية: ترجع إلى ظروف الفرد مثل التخلف العقلي والاعاقات الحسية والاضطرابات الانفعالية الشديدة وصعوبات التعلم وقد أشير إليها في تعريف اللجنة الوطنية الاستشارية لشؤون المعوقين من خلال الاضطرابات النفسية.

 

ذهب البعض إلى أن مشكلة القراءة واللغة هي جوهر صعوبات التعلم في حين أكد الاخرون أن الانتباه هو الاساس فيما اعتبر البعض الاخر أن الاضطرابات النفسية مثل الذاكرة والادراك هي الاساس أيضا.

 أما الحكومة الاتحادية الاميركية فحددت عام 1977 ثلاث أنواع من المشكلات:

‌أ. مشكلات لغوية، تعبير شفهي مبني على الاستماع.

‌ب. مشكلات القراءة والكتابة: التعبير الكتابي ومهارات القراءة.

‌ج. مشكلات رياضية: اجراء العمليات الحسابية والاستدلال الرياضي.

3. انواع صعوبات التعلم:

‌أ. صعوبات التعلم النمائية:

تشمل صعوبات التعلم النمائية المهارات السابقة التي يحتاجها الطفل بهدف التحصيل في الموضوعات الاكاديمية، مثلا يتعلم الطفل كتابة اسمه عن طريق تطوير الكثير من المهارات مثل الادراك، تآزر البصري الحركي، الذاكرة...

فحين تضطرب هذه الوظائف بدرجة كبيرة ويعجز الطفل عن تعويضها من خلال وظائف أخرى ينتج عنها صعوبة لدى الطفل في تعلم الكتابة أو التهجئة أو إجراء العمليات الحسابية.

‌ب. صعوبات التعلم الاكاديمية

هي المشكلات التي تظهر من قبل اطفالنا في المدارس وتشتمل على:

 - صعوبات بالقراءة.

 - صعوبات بالكتابة.

 - صعوبات بالتهجئة والتعبير الكتابي.

 - صعوبات بالحساب.

4. اسباب صعوبات التعلم:

‌أ. الاسباب العضوية والبيولوجية:

يعتقد البعض أن الاطفال ذوي صعوبات التعلم يعانون من تلف دماغي بسيط يؤثر على بعض جوانب النمو العقلي وليس جميعها.

ومما تجدر الاشارة إليه أن التخطيط الدماغي لمعظم حالات صعوبات التعلم لا يظهر مثل ذلك الاضطراب في الموجات الدماغية مما يعني عدم وجود التلف الدماغي.

إن ضعف سند العلاقة السببية بين التلف الدماغي وصعوبات التعلم قاد بعض المختصين في المجال الطبي إلى تفضيل استخدام مصطلح خلل وظيفي بسيط في الدماغ (Minimal Brain Dysfunction) بدلا من مصطلح التلف الدماغي البسيط. ويشار في هذا المجال إلى ثلاثة

مؤشرات سلوكية وعصبية هي: الضعف في التآزر البصري الحركي، والافراط في النشاط، وعدم انتظام النشاط الكهربائي في الدماغ.

هناك بعض الافتراضات البيولوجية الاخرى عن مظاهر مصاحبة لصعوبات التعلم ومنها المظاهر الجسمية غير الطبيعية لدى الاطفال قبل سن المدرسة كالتشوهات في شكل الجمجمة أو انخفاض موقع الأذنين في الجمجمة، أو كهربية الشعر.

 

‌ب. الاسباب الوراثية:

يقول كالفانت (1989) أنه برغم أن أهم الصعوبات التي تواجه الباحثين في هذا المجال هي صعوبة التفريق بين أثر العوامل الوراثية وأثر العوامل البيئية، فإن نتائج الدراسات في هذا المجال تشير إلى وجود أسباب وراثية.

 

‌ج. الاسباب البيئية:

غالباً ما يشار إلى بعض العوامل البيئية كأسباب لصعوبات التعلم. ومن الملاحظ أن حالات صعوبات التعلم أكثر شيوعاً في أوساط الأطفال الذين ينتمون للطبقات الاجتماعية الأقل حظاً. ويعتقد بأن سوء التغذية ومحدودية الفرص للنمو والتعلم المبكر من الاسباب ذات الصلة.

وتتضمن الاسباب البيئية قائمة طويلة من العوامل المختلفة التي توردها المراجع العلمية في هذا الخصوص. ومن أهم تلك العوامل: سوء التغذية، والمواد المضافة للمنتجات الغذائية كمواد النكهة الصناعية والمواد الملونة الحافظة، وتدخين الام الحامل أو تعاطيها الكحول أو المخدارت. حتى أن البعض يضيف أثر إشعاعات شاشة التلفزيون ومصابيح الفلورسنت. ولا تزال هذه العوامل كغيرها من الاسباب المحتملة لصعوبات التعلم موضع البحث العلمي في هذا المجال في السنوات الاخيرة.

 

5. طرق تشخيص صعوبات التعلم:

هناك إجراءات وطرائق متعددة لتنفيذ عملية الفحص والتشخيص، وبالتالي تقدم الخدمات التربوية وتتضمن هذه الاجراءات مراحل متعددة. وتطبيق اختبارات متنوعة، وجمع معلومات من مصادر كثيرة:

وفيما يلي بعض الاختبارات والاجراءات التي يمكن اعتمادها:

 

‌أ. الاختبارات المعيارية المرجع:

وهي الاختبارات التي يمكن أن نقارن أداء الفرد فيها بأداء أقرانه من الافراد من نفس العمر أو نفس الصف والتي من خلالها نستطيع الحكم على مستوى أداء الطفل، هل هو أقل أو أكثر أو مثل أقرانه.

 

‌ب. اختبارات العمليات النفسية:

وهذه الاختبارات بنيت أساسا على افتراض أن الصعوبات التعلم مسببة عن صعوبات في القدرة أو العمليات اللازمة لعملية التعلم كالإدراك البصري والإدراك السمعي وتآزر حركة العين واليد وغيرها. ومن أكثر الاختبارات شهرة في هذا المجال اختبار الينويز للقدرات النفس لغوية.

 

‌ج. اختبارات القراءة غير الرسمية:

وهي الاختبارات التي يصممها المعلم ويطبقها وبشكل محدد في مجال القراءة إذ تتضمن فقرات مكتوبة متدرجة في الصعوبة يطلب من الطفل أن يقرأها بصوت مسموع. وعن طريق سماع ما يقرأه الطفل وتسجيل الاخطاء التي يقع فيها مثل حذف أو إضافة حرف أو إبدال آخر أو صعوبة في الفهم يمكن للمعلم أن يحدد مستوى الطالب القرائي.

 

‌د. الاختبارات محكية المرجع:

وهي الاختبارات التي يتم فيها مقارنة اداء الطفل مع معيار أو محك معين وليس مع أداء غيره من الاطفال. ويمكن ان تستخدم مثل هذه الاختبارات قبل عملية التعليم لتحديد مستوى أداء الطفل من أجل إقرار بعض جوانب البرنامج الذي يجب أن يتعلمه. ثم إنها تستخدم بعد عملية التعلم وذلك لتقييم فعالية البرنامج.

 

‌هـ. القياس اليومي المباشر:

وتتضمن هذه العملية ملاحظة وتسجيل أداء الطفل في المهارات المحددة التي تم تعلمها وذلك بشكل يومي مثل نسبة النجاح التي حققها الطفل، ومعدل الخطأ أو نسبته والفائدة التي يمكن الحصول عليها من هذه الطريقة هي تزويد المعلم بمعلومات عن أداء الطفل في المهارات التي يتعلمها، والمرونة في تغيير البرنامج من قبل المعلم بناء على المعلومات المتوفرة بشكل مستمر.

 

6. تمظهرات صعوبات التعلم لدى الاطفال:

‌أ. الخصائص المعرفية:

 وتتمثل في انخفاض التحصيل الواضح في واحدة أو أكثر من المهارات الاكاديمية الأساسية المتمثلة بالقراءة والكتابة والحساب. ومن مظاهر الصعوبات الخاصة في القراءة ما يلي:

- حذف بعض الكلمات في الجملة المقروءة أو حذف جزء من الكلمة المقروءة.

- إضافة بعض الكلمات إلى الجملة المقروءة أو إضافة المقاطع أو الاحرف إلى الكلمة المقروءة.

- إبدال بعض الكلمات المقروءة في الجملة.

- إعادة قراءة بعض الكلمات أكثر من مرة.

- قلب وتبديل الاحرف وقراءة الكلمة بطريقة عكسية.

- صعوبة في التمييز بين الاحرف المتشابهة.

- صعوبة في تتبع مكان الوصول في القراءة.

- السرعة الكبيرة أو البطء المبالغ فيه في القراءة.

أما مظاهر الصعوبات الخاصة بالكتابة فتتمثل فيما يلي:

- كتابة الجملة أو الكلمات أو الاحرف بطريقة معكوسة من اليسار إلى اليمين.

- كتابة الكلمات أو الاحرف من اليسار إلى اليمين.

- كتابة أحرف الكلمات بترتيب غير صحيح حتى عند نسخها.

- الخلط في الكتابة بين الاحرف المتشابهة.

- عدم الالتزام بالكتابة على الخط بشكل مستقيم وتشتت الخط وعدم تجانسه في الحجم والشكل.

في حين ان مظاهر الصعوبات الخاصة بالحساب فتتركز حول الارتباك في تمييز الاتجاهات وتشمل:

- الخلط وعدم معرفة العلاقة بين الرقم والرمز الذي يدل عليه أثناء الكتابة عند سماع صوت الرقم.

- الصعوبة في التمييز بين الارقام ذات الاتجاهات المتعاكسة.

- عكس الارقام الموجودة في الخانات المختلفة.

- صعوبة في استيعاب المفاهيم الخاصة الاساسية في الحساب كالجمع والطرح والضرب والقسمة.

- القيام بإجراء أكثر من عملية كالجمع والطرح في مسألة واحدة مع أن المطلوب هو الجمع فقط مثلا.

- الحاجة إلى وقت كبير لتنظيم الافكار.

- ضعف القدرة على التجريد.

 

‌ب. الخصائص اللغوية:

يمكن أن تظهر لمن لديهم صعوبات تعلم مشكلات في كل من اللغة الاستقبالية واللغة التعبيرية. ويقصد باللغة الاستقبالية القدرة على استقبال وفهم اللغة. أما اللغة التعبيرة فهي القدرة على أن يعبر الفرد عن نفسه لفظياً.

 

‌ج. الخصائص الحركية:

يظهر الأطفال ممن لديهم صعوبات في التعلم مشكلات في الجانب الحركي في كل من الحركات الكبيرة والحركات الدقيقة وفي مهارات الإدراك الحركي.

ومن أهم المشكلات الحركية الكبيرة التي يمكن أن تلاحظ لدى هؤلاء الاطفال هي مشكلات التوازن العام، وتظهر على شكل مشكلات في المشي والحجل والرمي والإمساك أو القفز أو مشي التوازن. أما مشكلات الحركات الدقيقة فتظهر على شكل ضعف في الرسم والكتابة واستخدام المقص.

 

4 ـ الخصائص الاجتماعية والسلوكية:

يظهر الاطفال من ذوي صعوبات التعلم مشكلات اجتماعية وسلوكية تميزهم عن غيرهم ومن أهم هذه المشكلات:

- النشاط الحركي الزائد

- التغيرات الانفعالية السريعة

- القهرية أو عدم الضبط

- تكرار غير مناسب لسلوك ما

- الانسحاب الاجتماعي

- سلوك غير اجتماعي

- سلوك غير ثابت

إضافة إلى الخصائص السابقة المميزة لفئة ذوي صعوبات التعلم، فإنهم أيضا يعانون من بعض الصعوبات والمشكلات التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

‌أ. اضطرابات في الانتباه:

وتتمثل في ضعف القدرة على التركيز والقابلية العالية للتشتت وضعف المثابرة على أداء النشاط وصعوبة نقل الانتباه من مثير إلى آخر.

‌ب. الاندفاعية:

 وتشير إلى التسرع في السلوك دون التفكير بنتائجه. وتعكس هذه الصفة ضعف التنظيم والتخطيط لمواجهة المواقف أو المشكلات.

‌ج. اضطربات في الذاكرة والتفكير:

 وتتمثل في الضعف في كل من الذاكرة السمعية والبصرية وصعوبة في استدعاء الخبرات المتعلمة وصعوبات تعلم المفاهيم المجردة.

‌د. صعوبات في الادراك:

 وترتبط هذه الصعوبات بالمشكلات في مجال الادراك السمعي والبصري وفهم استيعاب المعلومات التي يحصلون عليها من خلال حواسهم المختلفة.

‌ه. دلالات عصبية وظيفية:

وتتمثل في بعض المؤشرات على الاضطرابات الوظيفية في الجهاز العصبي.

7. دور التفاعل الاجتماعي في التقليل من حدة صعوبات التعلم:

يرى بياجيه أن البشر لا يولدون بميول اجتماعية، إنما يزداد الارتباط ويحصل الاندماج الاجتماعي تدريجياً. فالمعرفة الاجتماعية تبنى كما تبنى المعرفة في المجالات الاخرى، بالاستيعاب والتلاؤم والتوازن، فتبنى صميمة لكل ما يتفاعل مع الطفل في بيئته من خلال نشاطه وحركته.

إن التفاعلات الاجتماعية تفيد وتغذي النمو العقلي والتطور المعرفي والعاطفي والاجتماعي لدى الطفل فيقول بياجيه:

"يمثل التفاعل الاجتماعي بداية تخلي الطفل عن أنويته، ويساعده على الانتقاد الذاتي".

في الواقع، يبدأ الطفل بالاحتكاك والتفاعل الاجتماعي مع الاخرين في السنة الثانية، وحتى في السنة الاولى أو ما قبل ذلك. فهناك المحاكاة عند الطفل التي تبدأ قبل السنة الاولى، ولكن الشيء الجديد في هذه المرحلة هو نمو اللغة عند الطفل، وهذا ما يمكنه أكثر من التدامج الاجتماعي في فعالياته المختلفة وفي أفكاره ومشاعره. ويبدأ الطفل بإقامة العلاقات مع الكبار وخاصة مع الاهل ومع أترابه، وتجدر الاشارة هنا إلى أن اعجاب الطفل بأهله يبرز بشكل واضح في هذه المرحلة، فهو يعتبرهم كائنات قوية فيها الارادة والاعجاب والجاذبية. وقد أطلق العلماء على هذا الشعور اسم "الأنا المثالية" التي تفرض ذاتها على أنا الطفل، وهذا التأثير أو التفاعل القائم له أهمية كبرى على التطور الذهني والاجتماعي والعاطفي عند الطفل.

 إن السلوك الاجتماعي سلوك كتلي يتضمن ثلاث نواحي هي:

- التركيب أو البناء: أي العناصر التي يتكون منها الموقف.

- عملية التفاعل: أي العلاقات بين عناصر التركيب أو البناء.

- المضمون أو المحتوى: أي الموضوع الذي يدور حول التفاعل بين العناصر المختلفة.

إن التفاعل الاجتماعي حول موضوعات تؤدي في النهاية إلى مجموعة من العادات والافكار والاتجاهات والميول والمعايير والاساليب التي من شأنها أن تعدل سلوك الفرد والجماعة .

ويعتبر التفاعل الاجتماعي مفهوما أساسيا واستراتيجيا في علم النفس الاجتماعي لأنه ـ وينبغي أن يكون ـ أهم عناصر العلاقات الاجتماعية. وينظر البعض إلى الجماعة على أنها وحدة شخصيات متفاعلة.

ويتضمن التفاعل الاجتماعي نوعين من التوقع (أو مجموعة توقعات) من جانب كل من المشتركين فيه. فالطفل حين يبكي يتوقع أن يستجيب أفراد الاسرة (خاصة أمه) لبكائه.

كذلك يتضمن التفاعل الاجتماعي إدراك الدور الاجتماعي وسلوك الفرد في ضوء المعايير الاجتماعية التي تحدد دوره الاجتماعي وأدوار الاخرين.

ومن أشكال التفاعل الاجتماعي التعاون والتنافس والتوافق والصراع.

ويتضمن التفاعل الاجتماعي التفاعل أو التأثير المتبادل لسلوك الافراد والجماعات الذي يتم عادة عن طريق الاتصال الذي يتضمن بدوره العديد من الرموز. وهناك علاقة بين أهداف الجماعة وما يتطلبه تحقيق تلك الاهداف من تفاعل اجتماعي ييسر وصول الجماعة إلى تحقيق أهدافها. فحيثما يتقابل عدد من الافراد وجها لوجه في جماعة يبدأ الاتصال والتفاعل بين هؤلاء الافراد. ويتم الاتصال والتفاعل عن طريق اللغة والرموز والاشارات. وتلون الثقافة التي يعيش فيها الفرد والجماعة نمط التفاعل الاجتماعي، ولهذا نكون أكثر دقة لو وضعنا في حسابنا مفهوم التفاعل الاجتماعي الثقافي socio-cultural interaction.

 ويمكن تعريف التفاعل الاجتماعي بصفة عامة بأنه العملية التي يرتبط بها أعضاء الجماعة بعضهم مع بعض عقليا ودافعيا وفي الحاجات والرغبات والوسائل والغايات والمعارف وما شابه ذلك. ويمكن تعريف التفاعل الاجتماعي اجرائيا بأنه ما يحدث عندما يتصل فردان أو أكثر (ليس بالضرورة اتصالا ماديا) ويحدث نتيجة لذلك تعديل للسلوك.

 ومن أهم مظاهر التفاعل الاجتماعي كما يراه علماء النفس الاجتماعي تقييم الذات والاخرين، وإعادة تقييم والتقويم المستمر.

 ويلاحظ أن التأثير في التفاعل الاجتماعي يتوقف على شخصية الفرد ومكانته الاجتماعية. ويلاحظ أيضا أن الشبكة الاجتماعية للفرد تتكون من الاشخاص الذين له معهم اتصال ورابطة اجتماعية وبينه وبينهم تفاعل اجتماعي.

 وتشير نظريات التفاعل الاجتماعي إلى أهمية الحب والمودة والتعاطف والوفاق في عملية التفاعل الاجتماعي. ويعني هذا ضرورة المشاركة في القيم والميول والاهتمامات والاتجاهات. وتدل البحوث في هذا الموضوع على أن الفرد يميل إلى الانجذاب إلى اولئك الذين لديهم اتجاهات تماثل اتجاهاته.

 ويتحدث ديوى وهمبر 1966 عن التفاعل الاجتماعي في إطار مرجعي يضم الفرد ـ والبيئة ـ وموضوع التفاعل. ونحن نلاحظ أن التفسير البسيط للسلوك الاجتماعي للفرد يكون صعبا بالنسبة لتداخل هذه النواحي المختلفة.

 

8. نظريات التفاعل الاجتماعي:

نظرية بيلز (Bales 1950):

حاول فيها دراسة مراحل وأنماط التفاعل الاجتماعي وحدد بيلز في كتابة "تحليل عملية التفاعل" المراحل والانماط وتكلم عن عملية التفاعل الإجتماعي على ضوء نتائج دراسته وملاحظته حولها. وبحث بيلز كان حول موضوع أو مشكلة، يريد أعضاء الجماعة الوصول إلى حلها مع الاشارة إلى أن للمشكلة عدة حلول وعدة خطوات يمكن القيام بها للوصول إلى الحل وأدت هذه الدراسة إلى تقديم نموذجاً لتحليل عملية التفاعل الاجتماعي. يعتبر من أهم اساليب البحث في ديناميات الجماعة. لاحظ بيلز التفاعل الاجتماعي للجماعة عينة البحث من خلال مرآة يرى بها من جانب واحد.

تقسيم بيلز لمراحل التفاعل الاجتماعي حسب الترتيب التالي:

التعرف: أي تعريف مشترك للموقف ويشمل على:

• طلب معلومات وتعليمات والايضاح والتكرار والتأكيد "ماهي المشكلة، هدف الاجتماع، الاشياء المتوقعة".

• اعطاء المعلومات والتعليمات والايضاح والتكرار أي تحديد المشكلة.

التقييم: إيجاد نظام مشترك لتقييم الحلول المقدمة ويشمل:

• طلب الرأي والتقييم والتحليل والتعبير عن المشاعر والرغبات (شعورهم نحو المشكلة، أهمية المشكلة، العمل تجاه المشكلة...)

• إعطاء الرأي والتحليل والتقييم والتعبير عن المشاعر والرغبات.

الضبط: أي تأثير أفراد الجماعة بعضهم ببعض ويشمل:

• طلب الاقتراحات والتوجيه والطرق الممكنة للعمل والحل (ما المطلوب عمله بالضبط).

• تقديم الاقتراحات والتوجيهات التي تساعد على الوصول للحل (أي ما يجب عمله..)

اتخاذ القرارات: أي الوصول إلى قرار نهائي ويشمل:

• عدم الموافقة والرفض والتمسك بالشكليات وعدم المساعدة.

• الموافقة وإظهار القبول والفهم والطاعة.

ضبط التوتر: أي معالجة التوترات التي تنشأ في الجماعة وتشمل:

• اظهار التوتر والانسحاب من اجتماع المناقشة.

• تخفيف التوتر وإدخال السرور والمرح.

التكامل: أي محاولة المحافظة على تكامل الجماعة ويشمل:

• إظهار التفكك والعدوان وتأكيد الذات أو الدفاع عنها والانتقاص من قدر الاخرين.

• اظهار التماسك وتقديم العون والمساعدة والمكافأة ورفع مكانة الاخرين.

وبعد ذلك قسم بيلز أنماط التفاعل الاجتماعي كما يلي:

1- التفاعل الاجتماعي المحايد/ الاسئلة: وهي عبارة عن الاسئلة الاستفهامية وطلب المعلومات والاقتراحات التي تظهر في أول بنود كل من مرحلة أ ـ ب ـ ج، ويضم هذا النمط 7% من السلوك تقريباً.

2- التفاعل الاجتماعي المحايد/ الإجابات: وهو عبارة عن الإجابات وإعطاء الرأي وتقديم الايضاحات والتفسيرات الموجودة في البنود الثانية من مرحلة أ ـ ب ـ ج، ويضم هذا النمط حوالي 56% من السلوك.

 3- التفاعل الاجتماعي الانفعالي السلبي: وهوعبارة عن الاستجابات السلبية والتعبيرات التي تدل على عدم الموافقة والتوتر والتفكك والانسحاب والموجودة في أول بنود د ـ هـ ـ و، ويضم هذا النمط 12% من السلوك تقريباً.

 4- التفاعل الاجتماعي الانفعالي الايجابي: وهو عبارة عن الاستجابات الايجابية وتقديم المساعدة وتشجيع الافراد الاخرين وإدخال روح المرح للقضاء على التوتر. هؤلاء يميلون إلى الموافقة مع الاخرين وتوطيد التماسك بينهم وهذه موجودة في البنود الثانية من د ـ هـ ـ و، ويدخل في هذا النمط 25% تقريبا من السلوك.

ان عملية التفاعل عملية حركية،بمعنى أنها تجعل أحد أطرافها يؤثر على السلوك الآخر،وتجعل هذا الأخير يؤثر بالتالي على تصرف الطرف الأول،وهكذا تستمر عمليات التأثر والتأثير المتبادل،طالما استمر الموقف الاجتماعي الذي يجمعها.

 

9. المؤسسة التربوية بين متطلبات الموهوبين واحتياجات المعوقين:

اعتبر علم النفس التربوي ان نمو ذوي الاحتياجات الخصوصية مختلف عن نمو الانسان العادي ذلك ان الانسان العادي يمر بمراحل تعلم وادراك متطورة بصفة مستمرة ومثال ذلك ان الانسان العادي في تعلمه للرياضيات ينطلق من عد الاشياء الملموسة ومن ثمة معرفة الارقام ومن ثمة استيعابها بشكل افتراضي .بينما ذوو الاحتياجات الخصوصية يمكن ان يصلوا المرحلة الثانوية ولا تتعدى درجة استيعابهم بعض الارقام .واذا ما اخذنل مثال الرسم ينطلق الانسان العادي من الخربشة كمرحلة اولى وفي مرحلة أخيرة ينتج فنا تشكيليا.بينما المعوق يمكن ان لاينتج فنا تشكيليا الا في مرحلة متاخرة جدا من عمره.

وتاسيسا على ما ذكر فان علم النفس التربوي يفرق بين الانسان العادي وذوو الاحتياجات الخصوصية من خلال متابعة النمو الانساني في شتى مراحل العمر وكذلك متابعة التناسق الحركي والحس الادراكي والتنشاة ...

وامام هذا كله فان المؤسسة التربوية حاولت ايجاد بعض الحلول في التعامل مع الاختلافات بين الموهوبين والمعوقين من خلال اعتماد نماذج تقييمية تمكنها من معرفة الحسن من الضعيف والمتوسط.وبهذه الطريقة تتمكن المؤسسة التبوية من التفريق بينهم ومعرفة نقائص وموهبة كل جانب .غير ان التقييم يجمع بينهم ولايراعي الاختلافات بينهم .وبالتالي فان المؤسسة التربوية مطالبة بادماج ذوي الاحتياجات الخصوصية في مدارس خاصة تراعي متطلبات فهمهم وادراكهم وبالنسبة للموهوبين فهي مطالبة بادماجهم بمدارس نموذجية خاصة بالاولاد المتفوقين .و إيجاد حل توفيقي اخر يراعي الجانبين وفي هذا الصدد تطالب المؤسسة التربوية بإيجاد مراكز تأهيل وتكوين ترعي المعوقين اما مدارس المتفوقين او ما يطلق عليها المدارس النموذجية فهي تسهم في تعزيز قدرات المتفوقين ودعم روح المنافسة بينهم

 

10. الارشاد النفسي وانواعه:

‌أ. الارشاد النفسي مفهومه واهدافه:

 يعرف الإرشاد النفسي من الناحية العملية بأنه علاقة مهنية بين الأخصائي النفسي (أو الأخصائيين النفسين) والطالب حيث يقوم الأخصائي النفسي بمساعدة الطالب على معالجة بعض الصعوبات أو المشكلات النفسية وأبعادها الشخصية والاجتماعية والأسرية والأكاديمية والثقافية.

ويختلف الأخصائيون النفسيون عن الأصدقاء والأهل والأقارب وأعضاء هيئة التدريس والمدرسين، لأنهم يتمتعون بخبرة وكفاءة في علم النفس والسلوك الإنساني ولديهم خبرة واسعة في التعامل مع صعوبات ومشكلات الطلبة. كما يلتزم الأخصائيون النفسيون بأخلاقيات المهنة والتي من أهمها سرية الاحتفاظ بالمعلومات الشخصية التي يفصح عنها الطالب.

ويركز الإرشاد النفسي على الأفراد الذين يتمتعون بدرجة جيدة من الصحة النفسية، كما يركز على النواحي الإيجابية من شخصية الفرد ويعمل على تنميتها واستثمارها. ويركز أيضا على تفاعل الفرد مع البيئة وعلى تنمية الجوانب التعليمية والمهنية للفرد.

ويلعب الإرشاد النفسي ثلاثة أدوار رئيسية هي: الوقاية والعلاج وتنمية الإمكانات الذاتية للفرد.

 

‌ب. الارشاد النفسي الفردي:

 يتيح الإرشاد النفسي الفردي للتلميذ الفرصة للتحدث مع الأخصائي النفسي ومناقشة الصعوبات أو المشكلات التي تواجه. ويقوم الأخصائي النفسي بمساعدة الطالب على تحديد أهداف معينة للعمل على تحقيقها من خلال عملية الإرشاد. كما يساعد الأخصائي النفسي الطالب على استكشاف الخيارات المتاحة أمامه واختيار الأنسب منها بما يتفق وإمكانات البيئة المحيطة به.

وهدف الإرشاد الفردي هو تمكين الفرد من فهم ومعالجة مشكلاته الشخصية، الاجتماعية والمهنية. والإرشاد الفردي الذي يقدم للطالب في شعبة الإرشاد هو الإرشاد النفسي قصير المدى، حيث يكون بإمكان الطالب التنسيق مع الأخصائي النفسي وتحديد عدد الجلسات الإرشادية ومدة كل جلسة وفقا للأهداف التي سيتم الاتفاق عليها.

والحد الأقصى لإرشاد تلميذ ما هو 10 جلسات في كل فصل دراسي بمعدل 45 دقيقة للجلسة الواحدة، وفي الحالات الاستثنائية يمكن للتلميذ الحصول على عدد من الجلسات الإرشادية يزيد أو يقل عن ذلك.

 

‌ج. الارشاد النفسي الجمعي:

يعد الإرشاد الجمعي من أفضل الأساليب الإرشادية لعدة أسباب منها:

• يساعد الإرشاد الجمعي الأفراد على تجريب سلوكيات جديدة لتحسين مهارات التواصل الجماعي والحصول على مقترحات وأفكار من المجموعة الإرشادية التي يكون لدى أعضائها اهتمامات ومشكلات مماثلة.

• يعمل الأخصائيون النفسيون على توفير مناخ يتصف بالثقة والسرية بحيث يتمكن أعضاء المجموعة الإرشادية من مناقشة صعوباتهم والمشكلات التي تشغلهم وتقديم مقترحات للتغلب على هذه المشكلات.

• تساعد المجموعة الإرشادية الأفراد على الشعور بالارتياح وذلك عند معرفة أن هناك الكثير من الأفراد يعانون من صعوبات وهموم مماثلة.

 

د. المجموعات الارشادية:

تكون الإرشاد الجمعي مجموعة مستمرة ومحددة بفترة زمنية، ويتم تشكيل المجموعة الإرشادية على أساس موضوع ما (كمجموعة الطلبة الذين يعانون من قلق الامتحان) أو يتم تشكيل المجموعة على أساس جماعات إرشادية عامة.

وتناقش هذه المجموعات موضوعات متعددة يطرحها أعضاء كل مجموعة (مثل الصعوبات في تكوين صداقات مع الآخرين أو الصعوبات الأكاديمية).

‌ه. العوامل التي تساعد على نجاح الإرشاد الجمعي:

• الأمل: أي يتكون لدى الفرد توقعات المساعدة والأمل في التحسن.

• العمومية: مساعدة الفرد على الإحساس بالراحة عند معرفة أن هناك أشخاص آخرين لديهم صعوبات مماثلة.

• إعطاء معلومات: عن الصحة النفسية وإرشادات وتوجيهات.

• مساعدة الآخرين: حيث يقوم أعضاء المجموعة الإرشادية بتقديم المساعدة لبعضهم البعض.

• التعليم الاجتماعي: يتيح الإرشاد الجمعي الفرص لتعلم مهارات اجتماعية ( مثل تكوين علاقات جيدة مع الآخرين، تعلم مهارات التغلب على القلق الاجتماعي أو قلق الامتحان).

• تقليد السلوك: يستفيد الأعضاء من ملاحظة سلوكيات الآخرين الإيجابية.

• التنفيس: ويقصد به التنفيس عن المشاعر وخاصة السلبية التي لا يستطيع الفرد التعبير عنها أمام الآخرين.

• تعديل ديناميات الأسرة: من خلال التفاعل مع أعضاء المجموعة الإرشادية يتم إدراك وفهم ديناميات التفاعل مع أفراد الأسرة وبالتالي تعديلها.

• عوامل وجودية: يتيح الإرشاد الجمعي للأفراد التعامل مع مواقف الحياة المختلفة مثل( الموت، فراق الآخرين، تحمل المسؤولية...).

• التآزر: تقبل كل من الأعضاء للآخر وتقديم الدعم النفسي المناسب.

• التعليم الشخصي: ويتيح الإرشاد الجمعي الفرصة للفرد لتعديل الخبرات الشخصية والانفعالية وإدراك أهمية العلاقات الإنسانية والاجتماعية والتعلم من سلوكيات الآخرين

11. الارشاد الاجتماعي الخصائص والاهداف:

و يشير مفهوم الإرشاد الاجتماعي على أنه: التأثير الايجابي في شخصية العميل والظروف البيئية المحيطة لتحقيق أفضل أداء ممكن لوظيفته الاجتماعية أو لتحقيق أفضل استقرار ممكن لأوضاعه الاجتماعية في حدود إمكانيات المؤسسة.

فالإرشاد الاجتماعي: عملية أساسية يقوم بها المرشد الاجتماعي في عملة مع الأفراد والأسر، تقوم على أسس علمية ومهارة في الأداء المهني

وهي تهدف إلى مساعدة الإفراد على استخدام قدراتهم وإمكانيتهم ليكونوا أكثر ايجابية في تعاملهم مع البيئة ومواجهة مشكلاتهم والوقاية منها .

وهي تعمل في أطار أسس ومبادئ وأخلاقيات مهنة الخدمة الاجتماعية.

‌أ. خصائص الإرشاد الاجتماعي:

أنه عملية تقوم على أساس التفاعل بين المرشد الاجتماعي والمسترشد (التلميذ) .

وحدة عمل المرشد الاجتماعي هي الفرد أو الأسرة أو كلاهما.

تهدف عملية الإرشاد الاجتماعي إلى مساعدة العملاء على مساعدة أنفسهم لمواجهة المشكلات ويتحقق من خلال ذلك أهداف علاجية ووقائية وإنمائية .

تقوم عملية الإرشاد الاجتماعي على أساس علمية مستفيدة من العلوم الإنسانية الأخرى .

الإرشاد الاجتماعي أسلوب تطبيقي للمعارف العلمية أي يعتمد على الممارسة المهنية.

يمارس الإرشاد الاجتماعي من خلال مؤسسات أولية أو ثانوية

يمارس المرشد الاجتماعي عمله في مجالات متنوعة ومتعددة مثل المجال المدرسي، والمجال الأسري، ومجال العمل مع الفئات الخاصة مثل الأحداث والإدمان .

لا يقتصر عمل المرشد الاجتماعي على التعامل مع المشكلات فقط أو الأزمات بل يعمل أيضاً في إطار إنمائي ووقائي .

تقوم العلاقة بين المرشد الاجتماعي والمسترشد على أسس مهنية .

يعتمد نجاح عمل المرشد الاجتماعي على إتقانه للمهارات الضرورية لأداء عمله مثل المهارة في إقامة علاقة مهنية، المهارة في تقدير المشاعر، وغير ذلك من المهارات .

المسترشد شخص عادي أي أن مشكلاته ليست شديدة على النحو الذي يدعو إلى تدخل برامج مثل العلاج النفسي وإن شخصيته متماسكة .

يعتبر الإرشاد الاجتماعي هو عملية مساعدة التلميذ على التوافق نفسياً واجتماعياً في مجالات الحياة المختلفة والمتنوعة.

يستخدم المرشد الاجتماعي المقابلة بشكل أساسي كأسلوب من أساليب دراسة التلميذ بالإضافة إلى الأساليب الأخرى مثل المكاتبات أو الاتصالات التليفونية والزيارة المنزلية أو المؤسسية .

يهتم المرشد الاجتماعي بالتلميذ في بيئته التي يؤثر ويتأثر بها .

يستخدم المرشد الاجتماعي دراسة الحالة مع التلاميذ للوقوف على جوانب شخصية العميل والجوانب الاجتماعية والاقتصادية والأسرية المؤثرة فيه .

يلتزم المرشد الاجتماعي في عملة مع التلاميذ بمبادئ وأخلاقيات مهنة الخدمة الاجتماعية .

 

‌ب. أهداف الإرشاد الاجتماعي

الهدف الرئيسي من عملية الإرشاد الاجتماعي: هو مساعدة التلميذ على أداء أدواره الاجتماعية على أحسن وجه ممكن.

ولكي يقوم الأخصائي بتحقيق هذا الهدف فإنه يقوم بتحقيق هدفين فرعيين هما:

• مساعدة التلميذ على مواجهة المشكلات التي تعوقه عن أداءه لهذه الأدوار .

• التخفيف من حدة الضغوط الخارجية (البيئة) عليه والتي تتمثل في الأفراد المحيطين به والأوضاع البيئية التي يستفيد منها .

ولتحقيق هذه الأهداف فإن الأخصائي يعمل من خلال خمسة مستويات هي:

المستوى الأول: إحداث تعديل جذري في سمات شخصية التلميذ وظروف البيئة المحيطة ويعتبر هذا مستوى مثالي يصعب تحقيقه .

المستوى الثاني: إحداث تعديل نسبي في شخصية التلميذ والظروف الاجتماعية المحيطة ويعتبر هذا هدفاً عملياً واقعياً .

المستوى الثالث: إحداث تعديل نسبي أو كلي في شخصية العميل دون الظروف البيئة المحيطة

المستوى الرابع: إحداث تعديل نسبي أو كلي في الظروف الاجتماعيةالمحيطة دون التعامل مع شخصية العميل

 ملاحظة: الارشادي الاجتماعي يقوم بدراسة المشكلات الاجتماعية التي تعيق التلميذ على التعلم أي أن تكون الظروف الاجتماعية هي المسؤولة عن المشكلة.

عموما ان حيثيات التعلم داخل المؤسسة التربوية تزداد تشعبا ما يستلزم فتح المجال امام المختصين في علم النفس وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي للتدخل لحل المشكلات السيكولوجية والسوسيو-علائقية للتلاميذ.

 

ماجد قروي - باحث في علم الاجتماع

........................

المراجع:

اولفت مجمود، خطة بحث مقترحة لنيل درجة الماجستير في الآداب قسم علم نفس تحت عنوان: بعض سمات الشخصية والمهارات الاجتماعية لدى الأطفال من ذوي صعوبات التعلم،لبنان،2006

 

مجموعة مؤلفين، موسوعة علم النفس علم النفس2، ترجمةعبد العلي الجسماني، الدار العربية للعلوم، لبنان، 1994، ط1

Ghazi chakroun، Colloque international Cognition sociale، formes d'expression et interculturalité، sfax، 2014

المراجع من الانترنيت:

https://hu.edu.jo/counseling/2.htm

http://mawdoo3.com

 

 

abdullah badrhskandarالنزاع بين الناس على اختلاف مللهم ونحلهم لم يكن وليد فترة زمنية بعينها أو مرحلة عابرة وإنما هو أمر ملازم للإنسان منذ أن وجد على هذه الأرض، وما قصة أبناء آدم إلا مثالاً أولياً لما سيحدث في تأريخ البشرية عبر الأجيال، ومن هنا كان وجوباً على الباحثين أن ينظروا إلى هذه القضية العالقة من خلال أسبابها الجذرية المتأصلة، وبالتالي يمكنهم الوصول إلى النتائج المراد تبيانها قياساً إلى متعلقاتها أو الطرق الناشئة عنها والتي لا سبيل إلى حصرها أو إيجاد الحل النهائي الذي يجيز الفرض القاطع لعلاجها، وهذا الطرح يثبت وبلا أدنى جدال أن بُعد الحلول قد أعطى للنزاعات دوراً كبيراً في الانتشار وهذا ما يجعلها في أعلى السلّم المتصدر لعناوين العظام من الناس، واستناداً إلى هذه الحيثية ظن بعض المحققين أن هناك جانباً إيجابياً في كثير من الاختلافات الحاصلة بين أبناء الجنس الواحد، علماً أن الجانب الإيجابي لا يستقل في إظهار الحقائق كما هي في جميع الحالات، وذلك لبعد عامة الناس عن المعرفة الكاملة التي تجعلهم على يقين ثابت لا يتفاعل مع ما عمي عليهم من القرارات المتخذة من قبل أسيادهم، ولهذا كان من الصعب أن يركن الأتباع إلى التصنيف المباشر الذي يساعد على وضع الإرشادات التوجيهية للفرق المتنازعة، وذلك إذا ما نظرنا إلى النتائج والعبر المترتبة على جميع أبعاد النزاع، وقد يلحق بهذا المفهوم العام مجموعة من المصاديق يكون مردها إلى إظهار الحق وإخفاء الباطل دون الميل إلى التأثيرات الخارجية، وفي هذه الحالة تكون الأطراف المتنازعة قد اتخذت مرحلة أخرى تضمن لها جميع الحقوق التي تباعد بينها وبين الأفكار الدخيلة، وإن شئت فقل تباعد بينها وبين المواقف السلبية المتخذة سلفاً من قبل جميع الأطراف المتنازعة. فإن قيل: ما هي الدوافع الأساسية التي لها بالغ الأثر في إذكاء النزاعات بين أبناء الأمة؟ أقول: هنالك عدة دوافع أهمها:

أولاً: الاستبداد بالرأي: وهذا ينشأ بسبب العصبية الجاهلية الغالبة على طباع الناس الذين يتمسكون بها دون اللجوء إلى إيجاد السبل المانعة التي تباعد بينهم وبين معتقداتهم، ولذلك تراهم لا ينظرون إلى المسائل الخلافية بطريقة موزونة، وإنما ينظرون إليها من خلال امتلاكهم للحقيقة المطلقة دون غيرهم، وفي هذه الحالة تصل النزاعات إلى مرحلة يصعب معها الرجوع إلى السلم.

ثانياً: التقليد الأعمى: الجزء الأول من المصطلح  لا يصنف ضمن الأفعال المذمومة، وذلك لتقارب الاتجاهات بين المقلَد وبين من سار على نهجه إذا كان الأول لا يزال ملازماً للطرق الوسطى، أما إذا حدث العكس فإن الثاني يكون وبلا أدنى شك من الذين ينطبق عليهم المصطلح بجميع تركيباته، وبالتالي يتم تصنيفه ضمن الناس الذين ينعقون مع كل ناعق، وههنا تكمن الطامة الكبرى التي يرفض أتباعها التخلص منها وبهذا القدر تستشري الأفكار الهدامة بين الناسب بصورة أكثر توسعاً، وهذه هي البذرة الأولى التي يمكن استقلالها من قبل رؤساء الفتنة لتسيير المغرر بهم إلى طرق الهلاك، وإثارة النزاعات بين الناس.

ثالثاً: اتباع البدع: البدعة لا تخرج عن معنى إدخال غير المشروع في المشروع، أما إذا اقتصر المصطلح على الفهم الديني فههنا يكون المعنى ملازماً لإدخال ما ليس من الدين في الدين، كما في قوله تعالى: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها) الحديد 27. أي ابتدعوها من تلقاء أنفسهم دون اعتماد الأدلة الشرعية، ولهذا نرى أن لأهل البدع مجموعة من الأساليب التي بنيت على غير شرع الله، واعتماداً على هذا الاتجاه يمكن أن تكون النزاعات قد أخذت طريقها إلى ما لا يحمد عقباه دون إرجاع الأمر إلى طرقه المشروعة، وقد بين سبحانه هذا المعنى بقوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) النساء 59. وهنالك مجموعة أخرى من الأسباب تكاد تكون مرادفة لما قدمنا منها:

أولاً: تأثير الدخلاء على الأصلاء.

ثانياً: البيئة وأثرها على أبنائها.

ثالثاً: اتباع الأهواء والميول السلبية.

رابعاً: الاختلاف في المعتقدات.

خامساً: العصبية القبلية والانتماء.

سادساً: شعور الإنسان بالنقص.

وبناءً على ما قدمنا نعلم أن للأسباب السالفة الدور الأكبر في إشعال نار الفتنة بين الطوائف والفرق على اختلاف مشاربها واتجاهاتها، ومن هنا يجب الاتجاه إلى دعوة القرآن الكريم التي بين فيها سبحانه مدى تأثير الاختلاف غير المشروع الذي يفضي إلى النزاعات التي تؤدي إلى الفرقة، كما في قوله تعالى: (ولا تكونوا من المشركين... من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون) الروم 31- 32.

فإن قيل: إذن ما هي الحلول المناسبة التي يمكن بواسطتها إصلاح حال الأمة وإبعادها عن الصراعات الطائفية؟ أقول: ليس هناك حلولاً مناسبة تجعلنا نطمئن إلى السير بالاتجاه الصحيح الذي يؤمن لنا الطريق السالك للابتعاد عن الخلافات، وذلك بسبب الجهل الذي دأبت عليه الأمة حتى أصبح اليأس يدب شيئاً فشيئاً إلى نفوس المصلحين منهم، ولذلك ترى عامة الناس لا يتقربون إلى الله تعالى إلا بعنوان الرياء، أما العلماء فليس لديهم الدافع الحقيقي للإصلاح، ويمكن إرجاع ذلك إلى حبهم للمال أو الشهرة أو تمجيد السلطان وهلم جراً، ومن هنا نفهم أن الحل لا يتناسب مع الحالة التي وصلنا إليها، ولهذا يمكن تأجيله إلى يوم القيامة وسيحكم الله تعالى بين الطوائف المتنازعة ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون، وقد بين سبحانه هذا المعنى في قوله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) الأنعام 159. وكذا قوله: (فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) المائدة 48.

وكما ترى فإن الحل لا يمكن أن يظهر عياناً في هذه الأرض وذلك لأن كل طائفة تكفر الأخرى وتثبت أنها ليست على شيء من خلال الأدلة الوهمية التي تفاخر بها كل طائفة في قبال الأخرى، وهذا الأمر يكاد يكون متطابقاً مع أقوال أهل الكتاب أو الذين لا يعلمون وذلك بسبب التقارب الفعلي في الاتجاهات، وسوف تطلع على أقوالهم في آية البحث التي يبين تعالى من خلالها أن كل فرقة منهم تكفر الأخرى، ولذلك تم تأجيل الفصل بينهم إلى يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) البقرة 113. الآية تدل على اختلاف أهل الكتاب على الرغم من تلاوتهم لكتبهم، لأن الكتاب اسم جنس يقع على جميع الكتب التي نزلت عليهم، أي مع علمهم بما في هذه الكتب إلا أن كل فرقة تنكر على الأخرى اتجاهها الذي سارت عليه، فإذا كان هذا حالهم مع بعضهم فلا يرجى منهم أن يستقيموا على الطريقة التي نادى بها الدين الحق، ومفهوم الآية فيه دلالة لا تقبل اللبس على توجيه أتباع النبي (ص) لفهم هذا الافتراء الذي سوف ينالهم بلا أدنى ريب، ثم بين تعالى أن هذا الاعتقاد الملازم لهم لا يختلف كثيراً عن اعتقاد من لا يعلم الكتاب من مشركي العرب ممن لا كتاب لهم إذا علمنا أن إنكارهم للقرآن من المسلمات الثابتة... فتأمل ذلك.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

    عبدالله بدر اسكندر  

 

ماذا نعني بالنسبية هنا في بحثنا هذا؟

نعني بها: [...ذلك الشيء الذي يكون بلحاظ ما يمكن تصوره من جهة كل فرد] - وذلك المعنى يتفاوت درجة وقيمة وفاعلية بحسب الوضع والمعرفة وجهة الإستخدام -، وفي الواقع إنه من خلال مفهوم النسبية هذا يسهل علينا التعرف على معاني الألفاظ ودلالتها وبيان مصطلحاتها ومفاهيمها، فمثلاً مفهومي - الجنة والنار - يكونان كذلك من حيث درجة فهمنا وتصورنا لهما، ونعني بذلك إنهما لفظين أو قل مصطلحين وردا في نصوص الكتاب المجيد للدلالة على معنى [السعادة والشقاء]، و السعادة والشقاء معنيان مرتبطان بما يتبادر للذهن عنهما وبما يشعر بهما المرء ويحس .

- والجنة والنار: ليسا مكانيين ماديين للعيش كما يتصور البعض، بل هما مكانيين تصوريين يحس بهما ويشعر فقط في العالم الآخر، وقد وردا في الكتاب المجيد بهذا المعنى على نحو الحقيقة التصورية، ولكي نفهمهما و بحسب ما عندنا من أدوات وعناصر تركيبة إيضاحية وردا في هذه الصياغة اللفظية التي نقرئها في الكتاب المجيد [لكي تناسب أفهامنا]، - وبين الدنيا والآخرة تشابه وإختلاف من وجه - فهما عالميين متساويين في الماهية ومختلفين في الطبيعة، -، والتساوي المقصود في الماهية يعني كون مفهوم الجنة في الدنيا هو نفسه مفهوم الجنة في الآخرة، ولكن الإختلاف بينهما يكون في الطبيعة، أعني إن طبيعة الجنة في الدنيا غير طبيعة الجنة في الآخرة، - فالجنة في الآخرة – عبارة عن معنى السعادة في مفهومها التصوري، الذي يشعر به المرء ويحس فقط، هي إذن شعور وإحساس تجريدي تخيلي وليس مادي، وهذا الإعتبار يحصل للمرء في حالتي الموت والنوم العميق (الأحلام مثالاً)، 

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ﴾ [الأنعام: 60]

ونفس الشعور والإحساس يكون في معنى - النار في الآخرة – والتي هي عبارة عن العذاب الشديد أو الألم الشديد وبتعبير الفلاسفة (الشقاء)، فما يُقال عن الجنة والنار في الآخرة هو مجرد شعور وإحساس بهما .

وقد دل صريح الكتاب المجيد على ذلك، ولهذا نرفض قول بعض أهل الكلام في كون الجنة والنار - مخلوقة أو قديمة - بما يوحي التجسيم وما تعنيه المادة من التركيب، ذلك لأن لفظ – الجنة - أستخدم في الكتاب المجيد للدالة على السعادة والنعيم الذي يشعر به المرء شعوراً روحياً، كما يحصل للمرء حين النوم من أحلام ورؤى،، إذن فنحن حينما نرفض كون الجنة والنار مخلوقان أو قديمتان نرفض في الواقع إعتبارهما ماديتان، وبالعودة لتعريفنا المتقدم يتبين إن ماهية الجنة في الكتاب المجيد واحدة في الدنيا والآخرة، وهذه الوحدة أراد النص تعميمها في ذهن المتلقي والسامع، و إنما الإختلاف في طبيعتها وفي كيفية الإحساس بها، وذلك ما نفهمه من قولنا بالشعور والإحساس بها .

ولفظ - الجنة - في الكتاب المجيد جاء في صيغة تعريف بأشياء مادية ملموسة من نخيل وأعناب ورمان وغيرها، وهذه الصيغة التعريفية ليست إفتراضية وإنما جاءت بلسان حال فهم المتلقي للفظ ولمعناه، قال تعالى: - أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب - آل عمران 133، والكلام في النص يذكر لنا أشياء مادية نلمسها ونحسها ونشعر بالسعادة من خلالها، وهذه الأشياء المذكورة ليست أشياءً مخفية أو غير معلومة، وفي ذلك يتضح معنى رفضنا للترادف اللفظي الذي نقول به في الكتاب المجيد، وبنفس السياق يأتي قوله تعالى: - ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله - الكهف 39، وهو كلام عما هو مُشاهد ومرئي واللفظ ورد في سياق المعنى، كذلك قال تعالى: - كمثل جنة بربوة أصابها وابل .. - البقرة 265، إذن فالمعنى المتحدث عنه في الدنيا يكون بلحاظ ما يحس به المرء أو يشعر به شعوراً مادياً، ولكن الكلام عن الإحساس في نفس هذه الأشياء في الآخرة يكون لا مادياً بل إنه مجرد شعور وإحساس، ومن هنا يكون تعريفنا للجنة الموعودة: [بإنها ذلك الشيء الذي يدل على السعادة]، وأما النار في الآخرة فهي: [كل شيء يدل على الشقاء والعذاب والألم] ووجودهما في الآخرة تصوري - .

و لكن ماهي العناصر التي تُعرف الجنة والنار؟، في الكتاب المجيد تكون العناصر المُعبرة عن الجنة والنار - أشياء مادية - من نخيل وعنب ولبن وعسل وخمروخشب وحجارة ولهب وغيرها من التعبيرات، وهذه التعابير مأخوذة من مفردات عالم الدنيا، أي إنها مفردات تشكل للإنسان وفي تصوره الإفتراضي معنى السعادة والشقاء، وهذه المفردات في العالم الآخر وبلحاظ مفهومي - السعادة والشقاء - لا تعدو أن تكون هذه المفردات بمثابة - الفكرة المجردة - التي تحصل للإنسان من خلال الشعور والإحساس الروحي، تحصل له كنتيجة لعمله في عالم الدنيا، والعلاقة بين (الإنسان وبين الجنة والنار) هي علاقة طردية بحسب درجة الفعل والعمل في الدنيا وطبيعته، وهذا التقرير إعتباري بحسب درجة تصور دلالة المفهوم ومايؤدي إليه، و الدلالة التصورية: في المنطق العام ليست مطلقة والشعور والإحساس بها هو الدليل الدال عليها، فإن قيل: إن الشعور والإحساس متعلقه في عالم الدنيا مادي بلحاظ مفهوم المادة، ولكنه ليس كذلك في عالم الآخرة .

قلنا: إن المتعلق هنا هو الشعور بالسعادة والشقاء على نحو مجرد، و السعادة والشقاء هما مفهومان نسبيان وفهمنا لهما بحسب مالدينا من قياسات منطقية وعقلية، فمثلاً تحصيل السعادة في العلاقة الزوجية: هو مفهوم نسبي يختلف بحسب شعور كل واحد منا به هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فالمشاعر تجريدية تختلف بحسب طبيعة عالم الآخرة، - أعني طبيعة الشعور وطبيعة الإحساس -، ففي قوله تعالى: - كذلك وزوجناهم بحور عين – الدخان 54، يظهر في الخطاب ما يشكله الشعور بالزواج وطبيعته من خلال فهمنا في عالم الدنيا، لذلك ورد اللفظ - زوجناهم - إذ الزواج أعم من النكاح وإدخال مفردة - الحور العين - ليتناسب مع مقام الإستمرار والدوام، وقد وردت هذه اللفظة في الطور 20، والواقعة 22، و الرحمن 72 التي جاءت مضمرة من دون ذكر لفظ - عين - كما في قوله تعالى: - حور مقصورات في الخيام - .

و- الحور العين - هي صفة مشبهة تدل على ثبات الحال من تحقق السعادة والمتعة واللذة للإنسان، والإنسان هو مطلق عنوان الذكر والأنثى، و الكتاب المجيد حين وضع هذا اللفظ وضعه لمعناه الدال عليه من غير تكلف و زيادة أونقصان، وحيثما تكون السعادة في موضع تكون الجنة هناك، ولادليل في الكتاب دال على إخراج اللفظ من معناه كما في قوله تعالى: - ولدان مخلدون - الواقعة 17، للدلالة على دوام السعادة .

وكما في جملة - زين للناس حب الشهوات .. آل عمران 14، الدالة على ما توفره تلك الشهوات من متعة وسعادة بالنسبة للإنسان، وهذا ما يحصل للإنسان في الآخرة ولكن بطبيعة مختلفة .

والسؤال: هل - الجنة والنار – لهما وجود فعلي موضوعي ؟ أم إنهما مجرد إفتراض ذهني؟ .

والجواب: وردت صيغة لفظ - الجنة والنار - في الكتاب المجيد كتعبير لما يحصل للإنسان من سعادة وشقاء جراء عمله في الدنيا، وهو تعبير تقديري وقد أستخدم النص فيه وسائل إيضاح لتقريب الذهن للمعنى المُراد، وهذا بحسب ما يفهمه الإنسان ويحس به ويشعر من أدوات وعناصر في السعادة والشقاء، ولهذا فالجنة والنار ليست من الحقايق المادية بل هما من الشؤون الذهنية المفترضة التي يفهمها العقل من خلال الإحساس والشعور المجرد، وبما إن ماهية الدنيا تشبه ماهية الآخرة لذلك وردت صيغ التعريف والإيضاح بهذا النحو ليس إلاَّ، لكن الإختلاف في طبيعة ذلك هو الذي يجعلنا نقول بالعالم الإفتراضي الذهني التخيلي المجرد، ثم إنه ليس هناك ثمة عالم وسطي بين الدنيا والآخرة، ولهذا فبمجرد موت الإنسان تكون جنته وناره وبحسب وضعه .

وأما القول: بإمكانية رؤية الله للصالحين من عباده، فهذا قول مردود ولا يعتد به، وذلك لأن الله ليس مادة حتى يمكن تصوره الجسماني، وعالم الآخرة كذلك ليس عالماً مادياً، والرؤية الروحية لله في أية صورة ومنظر لا نقرها ولا دليل عليها، ثم إن الله حين تحدث عن أفعاله في الدنيا، تحدث بصيغة البناء للمجهول، وأعني بذلك إنه تحدث عن نتيجة الفعل وليس عن الفعل نفسه، ولا عن الكيفية التي يتم بها الفعل، وهذا ما نلاحظه حتى في زمن التجربة مع إبراهيم النبي في موضوعة: - ربي أرني كيف تحيي الموتى .. - وكذلك مع موسى النبي حين قال له: - ربي أرني أنظر إليك ...، فالله تحدث عن نتيجة ما يفعله وليس عن فعله وكيفية ذلك، ولم يتحدث عن رؤيته، ولكنه دعاه ليرى نتيجة الفعل حين جعل الجبل دكا وخر موسى صعقا، وهذا الشيء ينطبق على كل ما فعله الله، فالذي نرآه هو نتيجة الفعل وليس الفعل نفسه، هذا في الدنيا، والأمر في الآخرة مشابه له فالله يتحدث عن السعادة وعن الشقاء كنتيجة فعل يحصل للإنسان .

وأما ماذهب إليه بعض أهل الكلام في تفسير قوله تعالى: - وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة – القيامة 22، 23، فالكلام ليس عن النظر بمعنى الرؤية العيانية والمشاهدة، إنما الكلام عن النظر فيما يحصل للمرء جراء ما يفعله في الدنيا، وجراء ما يلتزم به من تعاليم الرب وما كان يريده، والنص أستخدم لفظ الرب دون الإله للدلالة على المعنى، ووهم رؤية الله منشأه وهم تصور عالم الآخرة كوجود موضوعي، وهذا ليس حقيقي بدليل ما قدمنا، إذ ليس هناك ثمة مشاهدة أو رؤية لله لا في الدنيا ولا في الآخرة، والكلام في دلالة النص 22 من القيامة لما تكون عليه السعادة التي يحصل عليها المرء جراء ما فعله إمتثالاً لتعاليم الرب ووصاياه .

 

آية الله الشيخ إياد الركابي   

 

nadhir haronalzobaydiموقف الاسلام من المرتد: أوجز الله تعالى في كتابه الكريم الغرض من بعثة النبي في أكثر من موضع فقال (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً)(37) وقال أيضا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً)(38) وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) (39) ويقول أيضا (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) (40)، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان مبشرا ونذيرا بين يدي عذاب أليم لذلك كان التفويض الالهي للنبي عليه الصلاة والسلام في قضايا الاعتقاد لا يتضمن سلطة الإكراه بل حذر الله تعالى نبيه من أن يُكره الناس فقال (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)(41) بل ونبه الله تعالى نبيه انك يا محمد لا تملك السيطرة على الناس في قضايا الاعتقاد فقال (لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) (42) فالنبي عليه وعلى اله افضل الصلاة والسلام ما كان يملك قدرة هداية من أحب من الناس كما كان لا يملك سلطة أكراه الناس على الإيمان من عدمه فمع الآيات التي حددت سلطة النبي وتفويضه بقضية الايمان بالتبشير والإنذار فقط فهناك آيات حددت سلطته في الهداية فهي مشروطة بشرط مشيئة الله تعالى فقال (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(43)"(44)

ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قتل او عاقب احدا أرتد عن الدين، إن إرتد ولم يعلن الحرب على الإسلام، ولو كان الرسول امر بقتل المرتد لكان قتل الاعرابي الذي ارتد عن دينه امام مرأى ومسمع الرسول (ص) والصحابة ؛ فقد ذكر البخاري " أن أعرابياً بايع رسول الله على الإسلام، فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فجاء الأعرابي إلى رسول الله فقال: أقلني من بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي فقال رسول الله إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها " (45) وقد روى البخاري هذا الحديث في اكثر من باب. واما من امر الرسول (ص) بقتلهم، إنما كان لأحد سببين: إما لأنهم قتلوا نفسًا، وإما أنهم أفسدوا في الأرض، بأن حرّضوا ضد المسلمين، أو كشفوا بعض أسرارهم. وهذا ما يؤكد أن حكم الردة هو قرار سياسيا وليس حكما شرعيا.

وقد تعددت التفسيرات التي يرويها المفسرون حول الآيات التي ورد ذكر المرتدين فيها ولم تتفق كلمتهم على رأي قاطع في هذه المسألة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (46). والآية الكريمة الاخرى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (47).

فهذا ابن كثير في تفسيره لها يقول: " (من يرتد منكم عن دينه) أي يرجع عن الحق إلى الباطل نزلت في الولاة من قريش" (48).

اما القرطبي فيقول: " وهذا من إعجاز القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم: إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده وكان ذلك غيبا، فكان على ما أخبر بعد مدة، وأهل الردة كانوا بعد موته صلى الله عليه واله وسلم . قال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جؤاثى، وكانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها ; قالوا نصوم ونصلي ولا نزكي ; فقاتل الصديق جميعهم ; وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش فقاتلهم وسباهم "(49)

اما القاضي نورالله التستري في كتابه الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة فيقول: "ان المتسمين باهل الردة قسمان: قسم لم يؤمن قط كأصحاب مسيلمة وسجاح فهؤلاء حربيون لم يسلموا قط لا يختلف احد في انه يقبل توبتهم واسلامهم والثاني قوم اسلموا ولم يكفروا بعد اسلامهم لكن منعوا الزكاة من ان يدفعوها الى ابي بكر فعلى هذا قوتلوا ولم يختلف الحنفيون والشافعيون في ان هؤلاء ليس لهم حكم المرتد اصلا" (50).

اما محمد رضا رشيد في تفسير المنار فيقول: وغلاة الرافضة يزعمون أن الذين ارتدوا هم أبو بكر ومن شايعه من الصحابة، وهم السواد الأعظم، فقلبوا الموضوع، ولكن عليا كان مع أبي بكر لا عليه، ولم يقتله، وروى أهل التفسير المأثور حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال في القوم الذين يحبهم الله ويحبونه: " إنهم قوم أبي موسى الأشعري "، وروي عن بعضهم أنهم من أهل اليمن على الإطلاق، والأشعريون من أهل اليمن، وفي رواية: هم أهل سبأ، وفي حديث آخر: "هؤلاء قوم من أهل اليمن من كندة،وقد رجح ابن جرير أن الآية نزلت في قوم أبي موسى الأشعري، من أهل اليمن، للحديث في ذلك، وإن لم يكونوا قاتلوا المرتدين مع أبي بكر . قال: الله تعالى وعد بأن يأتي بخير من المرتدين بدلا منهم، ولم يقل إنهم يقاتلون المرتدين (51).

و روي عن علي (عليه السلام) أنه قال يوم البصرة: و الله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم، و تلا هذه الآية. و روى أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بالإسناد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يرد إلي قوم من أصحابي يوم القيامة فيحلون عن الحوض فأقول: يا رب أصحابي، أصحابي فيقال: إنك لا تدري بما أحدثوا من بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري (52).

وفي الوقت الذي اكد فيه سبحانه وتعالى ان الدماء البريئة عزيزة عنده وهو وليها، وحذر اشد التحذير من سفكها وجعل ذلك أعظم المظالم في حق العباد - كما وضحنا سابقا - نجد ان الله تعالى في آيات اخرى يكشف لنا ان من يجب مقاتلتهم وقتلهم، هم: (الكفار المعتدون وائمتهم) مبينا ذلك بكل وضوح في قوله تعالى:(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا) ﴿53﴾ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴿54﴾ (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ) (55).

وعليه فان الله سبحانه وتعالى لو اراد من المسلمين قتال المرتدين وقتلهم، لكان امره واضحا صريحا في الآيات التي ذكرتهم،وسمتهم بـ(المرتدين) في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (56). والآية الكريمة الاخرى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(57) او كما كان امره سبحانه واضحا وصريحا بقتل الكفار المعتدين وائمتهم.

ان الداعين لقتل المرتد ليس لديهم نص قرآني يستندون إليه في دعواهم، ولا يمتلكون دليلا لأثبات ذلك سوى حديث احاد ضعيف مطعون فيه، وهو حديث (منْ بدَّل دينه فاقتلوه)(58) اخرجه البخاري - في باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم ‏عن عكرمة- ورفضه مسلم، لأن شبهات كانت تحوط راويه جعلت مسلم لا يدخل له حديثاً في صحيحه، فعكرمة ليس ثقة عند الجميع اذ كان يرى رأي الخوارج، وقد ضعفه واتهمه كثيرون، هذا من ناحية السند، اما من ناحية المتن فالحديث فيه من الركاكة، بحيث يُدرك وببساطة من له إلمام باللغة أنه ليس من مشكاة النبوة، كما انه يناقض القرآن الكريم و صحيح السنة، هذا بالإضافة الى ان أمرا عظيم كهذا فيه استباحة لدماء الناس لا يمكن أن ينقله إلا راوٍ واحد- فالحديث من الآحاد كما اسلفنا، لأنها جميعاً تنتهي عند ابن عباس - ولم يسمع به سواه؛ ولو صح هذا الحديث لشمل من كان على دين الحنيفية والمسيحية واليهودية ودخل الاسلام على اعتبار انهم ممن بدل دينهم!!!

 

الحادثة الثانية: قتل الصحابي عبد الله بن خباب:

اكد الاسلام على حفظ الضروريات الخمس وهي: (الدين والنفس والعقل والعرض والمال) ورتب حدودا صارمة في حق من يعتدي على هذه الضروريات سواء كانت هذه الضروريات لمسلمين او لمعاهدين، فالكافر المعاهد له ما للمسلم وعليه ما على المسلم قال رسول الله (ص): " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها توجد من مسيرة اربعين عاما" (59) وقوله (ص): " من أمَّن رجلا على دمه، فقتله ؛ فأنا بريء من القاتل، وان كان المقتول كافرا"(60).

كما أن الذي يموت أسفاً من المسلمين لسماعه خبر الاعتداء على المرأة المعاهدة كان عند امير المؤمنين علي عليه السلام غير ملوماً، اذ يقول: " وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلُبَهَا وَقَلَائِدَهَا وَرُعُثَهَا مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاعِ وَالِاسْتِرْحَامِ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ وَلَا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً "(61) فإذا كان ذلك بحق غير المسلم فما بالك اذا كان المقتول مسلما مؤمنا صحابيا جليلا؟ وهو عبد الله بن خباب بن الأرت.

قصة الشهيد عبد الله بن خباب كما ذكرتها الكثير من المصادر التاريخية تتلخص في انه:" لما اقبل الخوارج من البصرة توقفوا في بستان اثناء مرورهم بالنهروان، فرأى عصابة منهم رجلا يسوق امرأة على حمار، فدعوه فانتهروه فافزعوه وقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبدالله بن خباب صاحب رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم فقالوا له: افزعناك؟ قال: نعم، قالوا: لا روع عليك، حدّثنا عن أبيك حديثاً سمعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تنفعنا به فقال: حدّثني أبي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم انه قال: تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه يمسي فيها مؤمناً ويصبح كافراً ويصبح كافراً ويمسي مؤمناً، قالوا: لهذا الحديث سألناك فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: انه اعلم بالله منكم واشد توقياً على دينه وانفذ بصيرة، فقالوا: انك تتبع الهوى وتوالي الرجال على اسمائها لا على افعالها، والله لنقتلنك قتلةً ما قتلناها احداً. فأخذوه وكتفوه ثم اقبلوا به وبامرأته، وهي حبلى متم، حتى نزلوا تحت نخل مواقير، فسقطت منه رطبة، فأخذها احدهم فتركها في فيه فقال آخر: أخذتها بغير حلها وبغير ثمن، فالقاها ثم مر بهم خنزير لأهل الذمة فضربه أحدهم بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض فلقى صاحب الخنزير فأرضاه، فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما ارى فما علي منكم من بأس، اني مسلم ما احدثت في الاسلام حدثاً، ولقد آمنتموني قلتم: لا روع عليك فأضجعوه فذبحوه، فسال دمه في الماء، وأقبلوا إلى المرأة فقالت: أنا امرأة الا تتقون الله! فبقروا بطنها، وهي حامل متم" (62).

 

الخوارج طليعة الفكر التكفيري:

الخوارج أوّل الفرق في تاريخ الإسلام، وهم جماعة كانت جزء من جيش العراق، في حربه ضد معاوية بن أبي سفيان، بـ"معركة صفّين" وكانت هذه الجماعة قد انشقَّت عن جيش العراق بعد ان رفضوا التَّحكيم، الَّذي فرضوه هم انفسهم على أمير المؤمنين علي (ع) - الخليفة الشرعي والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك- نتيجة خدعة رفع المصاحف التي ابتدعها معاوية بن أبي سفيان ومستشاره عمرو بن العاص، بحجة ظّاهرها الرّجوع إلى أمر الله تعالى، والاحتكام إلى كتاب الله، اما باطنها هو إيقاف الحرب، والإفلات من ذل الهزيمة الَّتي توشك أن تقع بجيشهم، الا ان الأمام علي (ع)، بنظره الثاقب وحنكته، رفض الأمر، لأنه كان يعلم أنها مجرد خدعة، واهدافها واضحة لديه، اما الخوارج وبغبائهم، أصروا على القبول بالتحكيم، وحين قبل الامام علي (ع) بالتحكيم، وانتهت الحرب، اعتزلوا الجيش وتمردوا على الدولة وخرجوا إلى النّهروان، فحصلت بينهم وبين الأمام علي (ع)، حرب سميت بـ "حرب النهروان.

كان يقال لهم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، لكنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم، ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك (63).واطلق عليهم ايضا المارقة لأنهم يمرقون على المسلمين ويمرقون من الدين كما جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري أن رَسُول اللَّهِ (ص) قال: " تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ" (64).

اما لفظ الخوارج فهو من أشهر الألقاب التي تطلق عليهم، وقد ورد ذكره في بعض الأحاديث ومنها ما رواه البخاري بسنده عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي الْخَوَارِجِ شَيْئًا ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ - وَأَهْوَى بِيَدِهِ قِبَلَ الْعِرَاقِ - يَخْرُجُ مِنْهُ قَوْمٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ"(65). ويقرب من ذلك ما رواه البزار من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ - الْخَوَارِجَ فَقَالَ: "هُمْ شِرَارُ أُمَّتِي يَقْتُلُهُمْ خِيَارُ أُمَّتِي"(66).

ومن اسمائهم ايضا الناصبة لانهم ناصبوا الامام علي وال بيته (عليهم السلام) العداء وصرحوا ببغضهم، فالناصبي هو الذي يبغض عليا ويعتقد كفره (67).

والغالب على الخوارج التشدد في العبادة مع الجهل والسفاهة، والهوى والغرور، والخروج بالسلاح على المسلمين الذين يخالفونهم، والأحاديث النبوية التي صرحت بصفاتهم وبدعهم كثيرة، فقد ذكر البخاري انه: "بينما النبي صلى الله عليه واله وسلم يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال اعدل يا رسول الله فقال ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قال عمر بن الخطاب دعني أضرب عنقه قال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، آيتهم رجل إحدى يديه أو قال ثدييه مثل ثدي المرأة أو قال مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه واله وسلم وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه واله وسلم "(68).

وجاء في الروايات أن الامام عليًّ عليه السلام لما وجد المخدج مقتولا، كبر وسجد شكرا لله، (69) فكان واثقًا ومطمئنًّا في قتاله للخوارج، حتى إنه لما أمر أصحابه بالتماس ذي الثدية فلم يجدوه أولا، قال: ارجعوا فواللَّه ما كذبت ولا كُذبت مرتين أو ثلاثًا، ثم وجدوه بعد ذلك (70).

ومن صفاتهم ايضا ظهور سيماء الصالحين عليهم وكثرة العبادة والصلاة والصيام واثر السجود وتشمير الثياب مع التشدد في الدين كما وصفهم النبي (ص) تحقرون صلاتكم عند صلاتهم .. وضعف الفقه في الدين وقلة الحصيلة من العلم الشرعي كما وصفهم النبي (يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ..والغرور والتعالي على العلماء والتفوا على الاحداث الصغار والجهلة قليلي العلم يقتلون اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان واستدلوا بالآيات الواردة في الكفار وجعلوها في المخالفين لهم من المسلمين (71).

ويُذكر ان سائر فرقهم متفقون على أن العبد يصير كافرًا بالذنب؛ فهم يزعمون أن كل من أذنب ذنبًا من أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ - فهو كافر، ويكون في النار خالدًا مخلدًا وزعموا أن دار مخالفيهم دار كفر. وأن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون وكذا أطفالهم وأن جميعهم في النار . وقالوا: إن كل كبيرة كفر وصاحبها مخلد في النار،و أباحوا قتل أطفال المخالفين ونسائهم، وأكفروا القعدة عن القتال وإن كانوا موافقين لرأيهم، وأكفروا من لم يهاجر إليهم واستحلوا خفر الأمانة التي أمر الله سبحانه بأدائها، وقالوا: قوم مشركون لا ينبغي أن تؤدى الأمانة إليهم، وعندهم إن من نظر نظرة، أو كذب كذبة صغيرة وأصر عليها فهو مشرك ومن زنى وشرب الخمر وسرق غير مصر فهو مسلم غير مشرك (72).

والخوارج جوزوا على الرسول مالا يجوز كالجور وقد يضل في سنته ولم يوجبوا طاعته ومتابعته وانما صدَّقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرَّعه من السنة التي تخالف بزعمهم ظاهر القرآن، فهم يرون ان الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه (73).

" ومن عجائب جهلهم وسفه أحلامهم أنهم في الوقت الذي يستحلون فيه قتل من خالفهم من المسلمين نجد عندهم تلطفا مع من يظنونه من المشركين، كما ذكر المبرد في الكامل قال: " أقبل واصل بن عطاء في رفقة فأحسوا الخوارج، فقال واصل لأهل الرفقة: إن هذا ليس من شأنكم، فاعتزلوا ودعوني وإياهم، وكانوا قد أشرفوا على العطب، فقالوا له: شأنك فخرج إليهم، فقالوا: ما أنت وأصحابك ؟ قال: مشركون مستجيرون، ليسمعوا كلام الله، ويعرفوا حدوده، فقالوا: قد أجرناكم، قال: فعلمونا فجعلوا يعلمونه أحكامهم، فقال واصل: قد قبلت أنا ومن معي، قالوا: فامضوا مصاحبين، فإنكم إخواننا، قال: ليس ذلك لكم، قال الله تبارك وتعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ)(74) فأبلغونا مأمننا، فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قالوا: ذاك لكم، فساروا بأجمعهم حتى بلغوهم المأمن"(75).

وإذا كانت فرقة الخوارج هي أول الفرق في تاريخ الإسلام فإنها ممتدة وباقية إلى آخر الزمان وإن اختلفت الأسماء والألقاب في بعض العصور والبلدان. فالاختلاف الظاهري ووجود شيء من الفروق في بعض أفراد المسائل لا يغير من الحقيقة شيئًا، ما دام المنهج واحدًا ومآل الاعتقاد متطابقًا، ولا يكاد يُقضى عليهم في زمان أو مكان إِلا وينبتون مرة أخرى ويشغلون المسلمين مع اختلاف حجم قوتهم باختلاف الزمان والمكان (76) وهذا تحقيق ما جاء عن النبي (ص)من استمرار خروجهم حيث قال: "يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول الناس، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون عن الإسلام كما يمرق السهم من الرمية"(77).

فمن ينظر بعين المتابع المنصف يجد ان استعمال الوهابية للعبارات التكفيرية من رأسهم ابن تيمية الى مؤسسهم محمد عبد الوهاب الى اتباعهم من اهل هذا العصر هي عينها التي وردت في كتب التاريخ عن الخوارج ومنهجهم، وقد جاء هذا المنهج منسجما تمام الانسجام مع ما يخطط له اعداء الاسلام من الصهاينة والامريكان من بث بذور التفرقة والمكائد بين المسلمين . فأصبحت الحركات المتطرفة مرتكزا اساس للغزو الاستعماري لبلادنا الاسلامية للانقضاض على الامة الاسلامية وشرذمة بنينها وتشريدهم وتقتيلهم بأسم الاسلام .

يقول (الحكيم الامريكي) وهو أحد زعماء (فيدرالية الاخوة العالمية IFB) المنظمة سرية التي تتحكم بالعالم من خلال سيطرتها على قيادات أمريكية ودول غربية . كشف هذا (الحكيم) والذي لم يُكشف عن اسمه وانما اُشير اليه بالرمز (H.M) وهو على فراش الموت لصاحبه الصحفي الفرنسي (جان كلود موريس)، الذي كان يعمل مراسلاً حربياً لصحيفة (لو جورنال دو ديماش) لأسرار خطيرة تجهد قيادات أمريكا لإخفائها... يقول: "من يصدق بأن (ثقافة العمليات الانتحارية الإسلامية) نحن من أبدعها بواسطة لجاننا المختصة، ثم نجحنا من خلال عملائنا ببثها بين الإسلاميين الجهاديين لكي يمارسونها في عملياتهم الارهابية ضد اخوتهم المسلمين أنفسهم! . إننا تمكنّا من خلق شبكات بعيدة عن الشبهة رغم تبعيتها السرية لنا، لكي تغذي وتدعم مالياً وعسكرياً ومخابراتياً هذه الحركات الاسلامية العنفية، لأننا ندرك انها مهما صدقت بمعاداة الغرب وأمريكا ومهما نجحت بقتل بعضاً من جنودنا، إلاّ أن مهمتها الأولى والكبرى تبقى محصورة في تدمير العالم الاسلامي وإضعافه من الداخل، ومنحنا كل التبريرات لكي نبعد معارضينا ونمارس هيمنتنا على العالم بحجة مكافحة الارهاب " (78).

وتعتبر مسألة التكفير ركيزة أساسية للمذهب الوهابي، الذي يُعد المرجعية الأساسية التاريخية والمحركة لانبعاث الحراك الدموي باسم الإسلام، اذ ينفرد المذهب الوهابي بكونه صاحب أضخم تراث تكفيري، "اذ يلجأ لتبرير ممارساته اللاأخلاقية واللاإنسانية واللاحضارية إلى أكذوبة مفادها: (أن الوهابية هي الطريق الأمثل والأوحد لإرساء قواعد الإسلام والحفاظ على الدين الحنيف والسير بالمسلمين على صراط الحق والعدل والإيمان والوصول بهم إلى جنات تختال فيها الحوريات على ضفاف أنهار الخمر والعسل. اذ يدّعي الوهابيون أنَّ وحشيتهم المسماة (جهاداً) هي من أجل العودة بالناس إلى عالم الصفاء والإيمان وتخليصهم من شرور الدنيا وآثامها ضماناً لخلود أرواحهم في عالم القدس والطهارة. وللأسف وجدت الوهابية شيوخاً ومنظّرين وكتّاباً باعوا أنفسهم لها بدراهم بخسة لنشر أفكارها الشيطانية وقاموا بحملةِ ترويج لأفكارها الظلامية ومعتقداتها العفنة التي لا تتلاقى ولا بشكل من الأشكال مع المنطق والأخلاق والمبادئ العظيمة والأهداف النبيلة للإسلام "(79).

دعوات التكفير التي ابتلي بها المسلمين في هذا العصر قائمة على قدم وساق، يُغَذِّيها أعداء الإسلام، ويقوم بها أناس ينتسبون إلى هذا الدين، ويظنون أنهم بذلك يحسنون صنعا، وكما استطاع زعماء قريش واليهود من جمع شتاتهم وتوحيد مواقفهم وصفوفهم مؤسسين لجبهة (الاحزاب) - كما اسماها القران الكريم في احدى سوره- لمحاربة رسول الله محمد (ص) واتباعه، استطاع المستعمرون الجدد وصُناع وداعمو الإرهاب من تأسيس وانشاء مدارس ومعاهد وجامعات ومراكز ابحاث تعمل على دعم ونشر الفكر التكفيري وتأييد العناصر المتطرفة وتأجيج الصراعات، فتمكنوا من انتاج محور للشر يختزل كل مفاهيم الحقد والكراهية والتطرف في عالم اليوم ممثلا (بالقاعدة وداعش).

ان الاسباب التي ساهمت في تفشي ظاهرة الفكر التكفيري في المجتمعات الاسلامية – وعلى امتداد تاريخها- كثيرة ومتشعبة، ولعل أول هذه الاسباب يتمثل فيمـا عاشه بعض المسلمين من انحـراف عن المنهج الإسلامي الصحيح حيث تركـوا المنهج الواضح الذي رسمه الشارع الأعظم وحـادوا عنه،مؤسسين لفرق عقدية وفكرية شاذة ؛ نشأت هذه الفرق وتبلورت أفكارها في العصور الاسلامية المتعاقبة ، فبدأوا يضعون المبادئ الهدامة التي واكبت مسيرتهم فضلوا وأضلوا؛ اما السبب الاخر تمثل بوجود سياسة واحدة لا تقبل بالاختلاف والتنوع الفكري والسياسي- بمعناه الحديث- قوامها الاستبداد والحكم المطلق باسم الشرع ممثلا بالخليفة والدائرة الضيقة من المحيطين به او حاشيته وقواده ووزراءه،والذين يعملون على بث الفرقة بين ابناء الدين الواحد من اجل المحافظة على مصالحهم واستمرار حكمهم وذريتهم من بعدهم، كذلك فأن اغفال الكثير من المسلمين للمبادئ الحقة للدين الاسلامي وتفرقهم إلى السلبية وإعطاء الفرصة للتدخلات الأجنبية وعدم سعيهم للوحدة الإسلامية وما تستلزمه من محبة وأخوة ،والوقوف صفاً واحداً، وتفويت الفرصة على أعداء الإسلام، هذه الاسباب وغيرها ساعدت على تأصيل العقائد المنحرفة وسيادتها في بعض البلدان الاسلامية، فأصبحت لغة السيف هي الطريق الوحيد لحل النزاعات بين المسلمين على مر تاريخهم وحتى وقتنا الحاضر.

 

...................................

الهوامش:

1- ينظر:العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير، ص 89.

2- صحيح البخاري، رقم الحديث 6045.

3- المصدر نفسه، رقم الحديث 6047 .

4- المصدر نفسه، رقم الحديث 6044.

5- صحيح مسلم، رقم الحديث 2564.

6- المصدر نفسه، رقم الحديث 2564 .

7- صحيح البخاري، رقم الحديث 4403 .

8- ينظر: العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير، ص37 - 38 .

9- صحيح البخاري، رقم الحديث 6872.

10- المصدر نفسه، 6865 و رقم 4019 .

11- العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير، ص 59.

12- سنن ابن ماجة، ج3 / ص 85.

13- سورة الحجر، الآية 30 ؛ سورة ص، الآية 73.

14- سورة البقرة الآية 34.

15- سورة يوسف، الآية 100 .

16- ينظر: البداية والنهاية، ج14 / ص 506 – 507 .

17- سورة الفرقان، الآية 68 – 69 .

18- سورة الاسراء، الآية 33،

19- سورة النساء الآية 93.

20- مسند الحميدي، رقم 488، ج1 / ص228 ؛ سنن النسائي،رقم الحديث3999، ص 421 .

21- سنن النسائي، رقم الحديث 3984، ص420 .

22- المقاصد الحسنة، رقم الحديث 840 .

23- سنن النسائي، رقم الحديث 3988، ص421 .

24- صحيح البخاري، رقم الحديث 391.

25- المصدر نفسه، رقم الحديث، 7070.

26- صحيح البخاري، رقم الحديث 6933، البداية والنهاية، ج7 / ص 107 – 109 .

27- المصدر نفسه، رقم الحديث4351 .

28- قراءة في كتاب الارهاب السياسي – بحث في اصول الظاهرة وابعادها الانسانية .

29- مفهوم الارهاب دراسة في القانون الدولي والداخلي .

30- ينظر:تاريخ ابي الفدا، ج1 / 158 ؛ عبقرية خالد،ص99 .

31- المصدر نفسه.

32- البداية والنهاية، ج9 / ص464 .

33- صحيح البخاري، رقم الحديث،6924 .

34- عبقرية خالد،ص100 .

35- ينظر: عبقرية عمر، ص 178 – 186 .

36- ينظر: عبقرية خالد، ص101.

37- سورة الاسراء، الآية 105 .

38- سورة الفرقان، الآية 56 .

39- سورة الاحزاب، الآية 45 .

40- سورة الفتح، الآية 8.

41- سورة يونس، الآية 99.

42- سورة الغاشية، الآية 22.

43- سورة القصص، الآية 56.

44- قتل المرتد.. الإسلام منه براء الجزء الثالث .

45- صحيح البخاري، رقم الحديث،7322 .

46- سورة المائدة، الآية 54 .

47- سورة البقرة، الآية 217 .

48- تفسير ابن كثير، ج3/ ص136 .

49- تفسير القرطبي،ج6 / ص160.

50- الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة، ص 242 .

51- تفسير المنار، ج6 / ص360 -361 .

52- ينظر: الميزان في تفسير القرآن، ج5 / 387 -389 .

53- سورة البقرة، الآية ١٩٠ .

54- سورة البقرة،الآية 191.

55- سورة التوبة،الآية 12.

56- سورة المائدة، الآية 54.

57- سورة البقرة، الآية 217.

58- صحيح البخاري، رقم الحديث:6922 .

59- المصدر نفسه، رقم الحديث 3166 .

60- المعجم الصغير للطبراني، ص 210 – 211 .

61- نهج البلاغة، الخطبة رقم 27، ص 69.

62- ينظر: الكامل في التاريخ، ج3، ص341 .

63- ينظر: البداية والنهاية،ج10 /559 – 569 ؛ تاريخ الخلفاء ص 140 ؛ كتاب الشريعة، ص2079 – 2082 ؛ الخوارج اول الفرق في تاريخ الاسلام، ص27.

64- صحيح مسلم، رقم الحديث 1065 .

65- المصدر نفسه، رقم الحديث 1068 ؛ صحيح البخاري، رقم الحديث 6934 .

66- كتاب الشريعة، ص2083 .

67- ينظر: الخوارج اول الفرق في تاريخ الاسلام، ص23 .

68- صحيح البخاري، رقم الحديث 6933 .

69- ينظر: البداية والنهاية، ج10 / ص563 .

70- صحيح مسلم، رقم الحديث 1066 .

71- ينظر:الخوارج اول الفرق في تاريخ الاسلام، ص 31 – 32.

72- ينظر: الفرق بين الفرق، ص 83 – 89 .

73- الخوارج اول الفرق في تاريخ الاسلام، ص34 .

74- سورة التوبة، الآية 6 .

75- الكامل للمبرد، ج3 / 1077 – 1078 .

76- الخوارج – نشأتهم – مسماهم – القابهم – فرقهم .

77- صحيح البخاري، رقم الحديث 6930 .

78- ينظر: المنظمات السرية التي تحكم العالم،ص112- 114.

79- ينظر:الوهابية مرآة الصهيونية .

 

المصادر

1- البداية والنهاية، ابن كثير: إسماعيل بن عمر أبو الفداء، تحقيق: علي شيري، دار احياء التراث، لبنان، 1988م .

2- تاريخ الخلفاء، السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن،(ت 911هـ)، الطبعة الاولى،دار ابن حزم، بيروت - لبنان، 2003م .

3- تفسير القران العظيم، ابو الفدا اسماعيل بن عمرو بن كثير، تحقيق سامي بن محمد السلامة، دار طيبة، الرياض، 2002م.